وقال أيضا: ((وقد كتب النبي – ﷺ – كتابا فيه ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وقرأه ترجمان قيصر، على قيصر وأصحابه، ولا نشك في قراءة الكفار وأهل الكتاب أنها أعمالهم، وأما المقروء فهو كلام الله العزيز المنان، ليس بمخلوق، فمن حلف بأصوات قيصر، وبنداء المشركين الذين يقرون بالله لم يكن عليه يمين دون الحلف بالله؛ لقول النبي – ﷺ : ((لا تحلفوا بغير الله)) (١) .
يعني: أن الصوت الذي تكون به القراءة ونحوها فعل ذلك المصوت، وفعل العبد مخلوق.
قال الحافظ: ((وجه الدلالة من الآية: أن التوراة بالعبرانية، وقد أمر الله تعالى أن تتلى على العرب، وهم لا يعرفون العبرانية، فقضية ذلك الإذن بالتعبير عنها بالعربية)) (٢) . وتقدم وجه مراده بالباب.
قوله: ((وقال ابن عباس: أخبرني أبو سفيان بن حرب أن هرقل دعا ترجمانه ثم دعا بكتاب النبي – ﷺ – فقرأه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل، و ﴿يَا أَهلَ الكِتابِ تَعَالَواْ إِلىَ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَينَنَا وَبَيَنكُم﴾ الآية.
أبو سفيان كنية، ويكنى أيضا بأبي حنظلة، واسمه: صخر بن حرب بن أمية مشهور باسمه وكنيته، أسلم عام الفتح، وكان رئيسا لقومه قبل ذلك، وشهد مع النبي – ﷺ – حنينا والطائف، وروي أن عينه أصيبت يوم الطائف، فقال له رسول الله – ﷺ : ((إن شئت دعوت فردت عليك، وإن شئت فالجنة)) قال: الجنة، مات في خلافة عثمان سنة أربع وثلاثين، وقيل غير ذلك، ﵁ وعن أصحاب رسول الله جميعاً (٣) .
هرقل هو: ملك الروم، هذا اسمه، وهو بكسر الهاء وفتح الراء، وسكون
стр. 1052
القاف، ولقبه قيصر، وهو لكل من ملك الروم، كما أن كسرى لقب لمن ملك الفرس.
وهذا جزء من الحديث الطويل المذكور في بدء الوحي وغيره.
قال الحافظ: ((ووجه الدلالة منه: أن النبي – ﷺ كتب إلى هرقل باللسان العربي، ولسان هرقل رومي، ففيه إشعار بأنه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث إليه ليفهمه، والمترجم المذكور هو الترجمان)) .
واستدل في ((خلق أفعال العباد)) بقصة هرقل على أن القراءة فعل القارئ.
فقال: قد كتب النبي – ﷺ – إلى قيصر: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وقرأه ترجمان قيصر على قيصر وأصحابه، ولا يشك في قراءة الكفار أنها أعمالهم، وأما المقروء فهو كلام الله – تعالى – ليس بمخلوق، ومن حلف بأصوات الكفار ونداء المشركين لم يكن عليه يمين، بخلاف ما لو حلف بالقرآن)) (١) .
وتقدم نقل هذا، والحافظ تصرف فيه.
وفيه دليل على جواز إرسال الكتب التي فيها شيء من القرآن إلى الكفار، وفيه كتابة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في أول الكتب، وبداءة صاحب الكتابة بنفسه، وفيه قرن العبودية بالرسالة.
*****
١٦٦- قال: ((حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية،
стр. 1053
ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله – ﷺ : ((لا تصدقوا أهل الكتاب, ولا تكذبوهم، و ﴿قُولُواْ أَمنَّا بِاللهِ وَمَاَ أُنزِلَ﴾ الآية.
المقصود بأهل الكتاب هنا اليهود، والعبرانية: لغتهم التي أنزلت التوراة بها وقد أخبر الله – تعالى – أنهم تعمدوا تحريفها، والزيادة فيها والنقصان منها؛ لتتفق مع أهوائهم، وما يريدون، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يوثق بترجمتهم وتفسيرهم لها، مع أن الله – تعالى – قد أغنانا عما في أيديهم بما أنزل علينا من كتابه المهيمن على جميع الكتب قبله، وبما جاء به نبينا – ﷺ – من الحكمة التي تفسر القرآن وتبينه.
روى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، من حديث جابر، أن عمر أتى النبي – ﷺ – بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب، وقال: ((لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)) قال الحافظ: ((رجاله موثقون إلا أن مجالداً فيه ضعف)) (١) .
وقد أمرنا الله – تعالى – أن نقول: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٦﴾ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) .
وكان رسول الله – ﷺ – كثيرا ما يقرأ هذه الآية: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ﴾ ، والآية التي في سورة آل عمران ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء﴾
стр. 1054
الآية (١) في ركعتي الفجر.
وفي ((الدر المنثور)) : ((أخرج ابن أبي حاتم، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل وليسعكم القرآن)) (٢) .
قوله: ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم)) . قال الحافظ: أي: إذا كان ما يخبرونكم به محتملاً؛ لئلا يكو في نفس الأمر صدقا، فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه، نبه على ذلك الشافعي ﵀.
ويؤخذ من هذا الحديث التوقف عن الخوض في المشكلات، والجزم فيها بما يقع في الظن، وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف من ذلك)) (٣) .
والمقصود أن الترجمة والتفسير ليست هي ذلك الكتاب المترجم أو المفسر، ولا تسمى الترجمة أو التفسير قرآنا، أو إنجيلا، أو توراة.
((بل اتفق المسلمون على جواز مس المحدث لكتب التفسير، واتفقوا على أنه لا تجوز الصلاة بتفسيره، وكذلك ترجمته بغير العربية عند عامة أهل العلم، وتجويز إقامة الترجمة مقامه في بعض الأحكام لا يقتضي تناول اسمه لها، كما أن القيمة في الزكاة إذا أخرجت عن الإبل أو البقر أو الغنم لم تسم إبلا ولا بقرا، ولا غنما، بل تسمى باسمها كائنة ما كانت)) (٤) .
стр. 1055
((مع أن أكثر المنتسبين إلى العلم من المسلمين لا يستطيعون القيام بترجمة معاني القرآن، وتفسيره، وبيانه؛ فلأن يعجز اليهود عن ترجمة ما عندهم، وبيانه أولى.
لأن عقل المسلمين أكمل، وكتابهم أقوم قيلاً، وأحسن حديثاً، ولغتهم أوسع لا سيما إذا كانت تلك المعاني غير محققة، بل فيها باطل كثير، فإن ترجمة المعاني الباطلة وتصويرها صعب؛ لأنه ليس لها نظير من الحق من كل وجه)) (١)
والمقصود أنه إذا ترجم كتاب الله من لغة إلى أخرى فإن الترجمة ليست هي كلام الله، وإنما هي ترجمة لكلامه تعالى، وهي غير المترجم، بل هي عمل المُتَرجِم، ومعلوم أن عمل الإنسان مخلوق مثله.
وليس الأمر كما تقوله الأشعرية إن كلام الله لا يختلف باختلاف اللغات، فبأي لسان قرئ فهو كلام الله.
بل إذا ترجم من لغة إلى أخرى، لم يكن هو كلام الله – تعالى -، وهذا هو ما أراد البخاري بيانه فيما يظهر، والله أعلم.
١٦٧- قال: ((حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر – ﵄ – قال: أتي النبي – ﷺ – برجل، وامرأة من اليهود، قد زنيا، فقال: ما تصنعون بهما؟ قالوا: نسخم وجوههما، ونخزيهما، قال: ﴿قُل فَأتُواْ بِالتَّوراةِ فَاتلُوهَا إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ فجاءوا فقالوا لرجل ممن يرضون: يا أعور، اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه، قال: ارفع يدك، فإذا
стр. 1056
فيه آية الرجم تلوح، فقال: يا محمد: إن عليهما الرجم، ولكننا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما، فرأيته يجانئ عليها الحجارة)) .
قد أمر الله نبيه أن يحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله عليه، أو أن يعرض عنهم، فإنهم لا يضرونه شيئاً.
وأخبر تعالى أنهم إذا جاءوه ليحكم بينهم ليس قصدهم حكم الله، فإنهم يعلمونه في كتابهم، وإنما يحكمونه رجاء أن يحكم بينهم بما يهوونه، قال الله – تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ... ﴿٤١﴾ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٤٢﴾ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (١) ﴾ .
فنهى الله – تعالى – رسوله أن يحزن على المسارعين في الكفر من أهل الكتاب وأهل النفاق، الخارجين عن طاعة الله، وطاعة رسله، المقدمين لآرائهم وأهوائهم على شرائع الله – تعالى -، ومن الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خاوية منه، منطوية على الكفر بالله ورسله وعبادة الشهوات، وهم ما بين يهودي قد نصب العداء لله ولدينه ومن اتبعه، فهو يجهد نفسه في محاربته، أو زنديق كره الحق ومن جاء به ومن اتبعه، وكل منهم قد أكل قلبه الحقد على هذا الدين، وعلى من اتبعه، وكل منهم سَمّاع للكذب يقوله،
стр. 1057
وينميه، ويسمعه ويقبله، وأكَّال للسحت غير مبال بعاقبته، وهم مع ذلك أهل تحريف وتزييف؛ اتباعاً لأهوائهم، وبعداً عن الحق، ومحاربة له، يوصي بعضهم بعضاً بعدم قبول ما يخالف أهواءهم، وأنظمتهم التي وضعوها وفق ما يشتهون، وما توحيه إليهم شياطينهم أولئك الذين أراد الله – تعالى – فتنتهم، فلا أحد يملك هدايتهم؛ لأن قلوبهم نجسة فلا تقبل طهارة الإيمان، وإنما هي محل للكفر وكل خلق خبيث.
وقد خير الله رسوله بين الحكم بينهم وبين الإعراض عنهم، وأمره إن حكم أن يحكم بينهم بالعدل، وإن كانوا أعداء لله ورسوله، فإن الله حكم عدل يحب العدل وأهله.
وأخبر تعالى أن أمر هؤلاء عجيب، كيف يحكمونك وعندهم كتاب الله التوراة فيها حكمه واضح لهم، ولكنهم يعرضون عنه طلباً لما يهوونه، وليس هذا شأن المؤمنين، ولكنه نهج الكافرين.
روى أبو داود من حديث أبي هريرة قال: ((زنى رجل من اليهود، وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتياً دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله، قلنا: فتيا نبي من أنبيائك.
قال: فأتوا النبي – ﷺ – وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة زنيا؟ فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب، فقال: ((أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ قالوا: يحمم ويجبه - والتجبية: أن يحمل الزانيان على حمار، وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما -.
قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي ﷺ سكت، ألظ به النشدة، فقال: اللهم إذ نشدنا، فإنا نجد في التوراة الرجم.
стр. 1058
فقال النبي ﷺ : فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟
قال: زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في امرة من الناس، فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم.
فقال النبي – ﷺ : ((فإني أحكم بما في التوراة)) فأمر بهما فرجما.
قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَا أَنَزَلنَا التَّورَاةَ فِيهَا هُدَىَ وَنُورُ يَحكُم ُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسلمُواْ﴾ كان النبي – منهم)) (١) .
فهذه القصة تبين سبب مجيئهم إلى النبي – ﷺ – وأن الذي جاء بالزانيين هم اليهود، رجاء أن يحكم عليهما بغير ما أتى في التوراة من الرجم، ولكنه ﷺ أحيا حكم الله فيها بعد ما أماتوه.
قوله: ((ما تصنعون بهما؟)) يعني: ما هو حكم الله فيهما الذي في كتابكم؟ فكتموه، وقالوا: ((نسخم وجوههما، ونخزيهما)) أي: نسود وجوههما بالفحم، ويركبان على حمار يطاف بهما في الطرق، قفا كل واحد إلى قفا الثاني، وهذا هو الخزي الذي يفعلونه بهما.
فقال لهم النبي – ﷺ : ﴿فَأتُواْ بِالتَّوراةِ فَاتلُوهَا إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ أن ما ذكرتم هو حكم الله فيهما الذي في التوراة.
ومعلوم أنهم ينقلون ما فيها بالعربية كما هو ظاهر؛ لأن الرسول – ﷺ – لا يعرف العبرانية.
((فقالوا لرجل ممن يرضون: يا أعور، اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه)) يرضون، يعني: يثقون به، وأنه موافق لهم على كتمان
стр. 1059
آية الرجم، ويحتمل أن الكتاب الذي يقرأ بغير العربية، وأنه يقرأه ويترجمه، ويحتمل أنه قد ترجم إلى العربية، فعلى الأول وضعه يده على الموضع الذي فيه آية الرجم؛ لإخفائها عمن يعرف لغتهم ممن أسلم، أو لا يوافقهم، وعلى الثاني ظاهر.
قوله: ((ارفع يدك، قيل: إن القائل عبد الله بن سلام، كما في بعض الروايات، وهذا يؤيد الاحتمال الأول.
((تلوح)) يعني: أنها واضحة لمن يقرأ ذلك الكتاب.
((نتكاتمه فيما بيننا)) يعني: يتواطئون على كتمانه، وعدم إظهاره لأحد.
((يجانئ عليها الحجارة)) يعني: أنه يقيها بنفسه عن الحجارة.
والمقصود: أن الأمر بتلاوة التوراة على من لا يعرف اللغة التي كتبت بها لا بد أن يكون ذلك عن ترجمة لها، ثم اعتماد تلك الترجمة مما يقتضي الاكتفاء بترجمة المترجم وإن كان واحداًً.
والترجمة ليست هي المُتَرْجَم، وإنما هي فعل المُتَرْجِم وعمله.
وفعله وعمله مخلوق، وهذا هو المراد بالاستدلال بهذه القصة.
وفيه دلالة ظاهرة في أن اليهود كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها، وأنهم يعرفون الحق، ولا يتبعونه، بل يتعمدون تركه.
قال: ((باب قول النبي – ﷺ : ((الماهر بالقرآن مع السفرة البررة، وزينوا القرآن بأصواتكم)) .
قصد البخاري – ﵀ – بهذا الباب: زيادة إيضاح ما سبق في الأبواب قبل هذا، من أن التلاوة فعل التالي، فهي داخلة في أفعال العباد، ولهذا
стр. 1060
توصف بالمهارة، وهي جودة الحفظ، وعدم التردد في التلاوة، وتوصف بالحسن والمد، والترتيل، والتطريب، وتحسين الصوت، وبأضداد ذلك، كما سبق وصفها بالترجيع، والخفض، والرفع، ومد الصوت.
وهذا كله يحقق أن التلاوة فعل القارئ الذي يقرأ القرآن.
قوله: ((الماهر)) قال الأزهري: ((الماهر: الحاذق بكل شيء، وأكثر ما يوصف به السابح، يقال: مهرت بهذا الأمر، أمهر به، مهارة: إذا صرت به حاذقاً)) (١) .
قال الحافظ: ((الماهر هو: الحاذق، والمراد به هنا: جودة التلاوة مع حسن الحفظ.
والمراد بالسفرة: الكتبة، جمع سافر، مثل كاتب، وزنه ومعناه، وهم هنا: الذين ينقلون من اللوح المحفوظ (٢) ، وصفوا بالكرام؛ لكثرة طاعتهم، وبعدهم عما يشين.
والبررة: المكثرون في الطاعة، المبالغون فيها)) .
وقال الحافظ: ((المطيعون، المطهرون من الذنوب، والكرام: المكرمين عند الله)) (٣) .
ومعلوم أن إكرام الله لهم لطاعتهم، وبرهم.
ورواية مسلم: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران)) (٤) .
стр. 1061
فالمهارة بالقرآن: جودة الحفظ، وجودة التلاوة، من غير تردد فيه؛ لأن الله – تعالى يسره عليه كما يسره على الملائكة الكرام البررة، فكان مثلهم في قراءة القرآن ومعهم في الدرجة عند الله – تعالى -.
وتقدم الكلام على معنى قوله: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) ، وأن المراد به: تحسين الصوت حتى يجذب المستمع إلى الإصغاء إليه، ويجد به لذة، وينفتح له قلبه، وتحسين الصوت فعل العبد، ووصفه، ولهذا قال في ((خلق أفعال العباد)) :
((فبين النبي – ﷺ – أن أصوات الخلق،، وقراءتهم، ودراستهم وتعليمهم، وألسنتهم مختلفة، بعضها أحسن، وأزين، وأحلى، وأصوت، وأرتل، وأعلى، وألحن، وأخف، وأغض، وأخشع، قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصوَاتُ لِلرَّحمَنِ فَلاَ تَسمَعُ إِلا هَمساً﴾ ، وأجهر، وأخفى، وأمهر، وأمد، وألين، وأخفض من بعض، ثم ذكر بسنده عن عائشة – ﵂، عن النبي – ﷺ – قال: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يشتد عليه له أجران)) (١) .
*****
١٦٨- قال: ((حدثني إبراهيم بن حمزة، حدثني ابن أبي حازم، عن يزيد، عن محمد ابن إبراهيم عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنه سمع النبي – ﷺ – يقول: ((ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن، يجهر به)) .
رواية مسلم: ((ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)) (٢)
وكأن قوله ((يجهر به)) مدرج في الحديث، ومعنى ((ما أذن)) : ما استمع
стр. 1062
لشيء كاستماعه لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن، فالله – تعالى – يحب حسن الصوت فيمن يتلو كتابه، ويستمع لذلك الصوت أكثر من غيره، وإلا فهو تعالى لا يفوت سمعه صوت.
والقرآن هنا اسم جنس لكل كتاب أنزله الله – تعالى – على نبي من أنبيائه.
وقوله: ((يجهر به)) تفسير لقوله: ((يتغنى به)) ، وهو كلام لأحد رواة الحديث، وتقدم شرح هذا الحديث في باب قول الله – تعالى -: ﴿وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعةُ عِندَهُ إِلا لِمَن أَذِنَ لَهُ﴾ .
والمقصود منه هنا قوله: ((ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن)) فأضاف حسن الصوت إلى النبي، لأنه فعله وعمله، وبين أنه مطلوب منه، ومحبوب لله – تعالى -، فتبين بهذا أن التلاوة وتحسين الصوت بها، والجهر بها، وخفض الصوت، كله فعل العبد، والعبد وأفعاله مخلوق.
وأما القرآن الذي يحسن صوته به، ويرفعه أو يخفضه، فهو كلام الله غير مخلوق.
١٦٩- قال: ((حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله، عن حديث عائشة – حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، وكل حدثني طائفة من الحديث – قالت: فاضطجعت على فراشي، وأنا حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله يبرئني، ولكن والله ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، وأنزل الله – : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفكِ﴾ عشر الآيات كلها)) .
стр. 1063
((الإفك)) هو: الكذب الظاهر البين، وهو من عظائم الذنوب.
((طائفة من الحديث) أي: قطعة منه، وهو جمع حديثهم، ولم يكونوا متفقين على جميعه، والقائل هو ابن شهاب الزهري.
((وأنا حينئذ أعلم أني بريئة)) يعني: أن ما قاله أهل الإفك، بعيد عنها، وليست من أهله، فهي أعلم بنفسها، وعلى يقين من أن الله سيظهر براءتها لنبيه وعباده ويجزي الأفاكين، الذين آذوا رسول الله ﷺ وأهله والمؤمنين.
قال أبو بكر ابن العربي: ((كل من سب عائشة ﵂ بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله، فهو كافر، وهذا قول مالك، وهو أمر واضح لأهل البصائر)) (١) .
وقال القاضي أبو يعلى: ((من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر، بلا خلاف)) .
وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم.
فروي عن مالك: من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿يَعِظِكُم اللهُ أَن تَعُودُواْ لِمثلِهِ أَبَدَاً إِن كُنتُم مُؤمِنينَ﴾ .
وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل ابن إسحاق: أتي أمير المؤمنين بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة، والآخر عائشة، فأمر بقتل الذي شتم عائشة، وترك الآخر، فقال إسماعيل، ما حكمهما إلا أن يقتلا؛ لأن الذي شتم عائشة رد القرآن، وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم، من أهل البيت وغيرهم.
стр. 1064
وقال أبو السائب القاضي: كنت يوما بحضرة الحسن بن زيد الداعي، وكان بحضرته رجل، فذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام، اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي – ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ، فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي – ﷺ – خبيث، فهو كافر فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه وأنا حاضر. رواه اللالكائي.
وروى عن محمد بن زيد، أخي الحسن بن زيد، أنه قدم عليه رجل من العراق، فذكر عائشة بسوء، فقام إليه بعمود فضرب به دماغه فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا، ومن بني الآباء، فقال: هذا سَمّى جدي – يعني: رسول الله – ﷺ – قرنان (١) . ومن سمى جدي: قرنان، استحق القتل، فقتله.
وأما سب غير عائشة من أزواج النبي – ﷺ – ففيه قولان: أحدهما: أنه كَسَابّ غيرهن من الصحابة.
والثاني: وهو الأصح أنه من قذف واحدة من أمهات المؤمنين، فهو كقذف عائشة – ﵂.
وذلك لأن هذا فيه غضاضة على رسول الله – ﷺ – وأذي له أعظم من أذاه بنكاحهن بعده، وهذا ظاهر (٢) .
((وأن الله يبرئني)) أي: أنها على علم ويقين بأن الله – تعالى – سيظهر براءتها لنبيه، بأمر يطلعه عليه، إما رؤيا يريها إياه، أو غير ذلك، غير أنها ما كانت تنتظر أن ينزل في شأنها وحيا من كلامه تعالى يتلى إلى يوم القيامة، كما وقع؛
стр. 1065
لأنها في نفسها أقل قدرا من أن تتطلع إلى هذا الأمر العظيم.
فأنزل الله – – في براءتها بضعة عشر آية.
والمقصود قولها: ((والله ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى)) ، فبينت أن التلاوة غير المتلو المنزل، فالتلاوة فعل العباد، والإنزال والإيحاء والتكلم فعل الله وصفته، كما قال المؤلف في ((خلق أفعال العباد)) : ((فبينت بقولها: ((ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى)) إن الإنزال من الله، وإن الناس يتلونه)) (١) .
قال العيني: ((مطابقته للترجمة في قوله: ((بأمر يتلى)) أي: بالأصوات في المحاريب والمحافل)) (٢) ، وتقدم شرح الحديث في باب قوله تعالى:: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِلُواْ كَلاَمَ اللهِ﴾ .
*****
١٧٠- قال: ((حدثنا أبو نعيم، حدثنا مسعر، عن عدي بن ثابت، أراه عن البراء، سمعت النبي – ﷺ – يقرأ في العشاء:: ﴿وَالتِينِ وَالزَّيتُونِ﴾ فما سمعت أحدا أحسن صوتا – أو قراءة – منه)) .
ذكر هذا الحديث في كتاب الصلاة، وفيه أنه كان في سفر، وذكر الحافظ في شرحه أن في رواية النسائي: أنها في الركعة الأولى، وذكر في تفسير سورة ﴿وَالتِينِ﴾ أن في كتاب الصحابة لأبي علي ابن السكن في ترجمة زرعة بن خليفة، رجل من أهل اليمامة، أنه قال: سمعنا بالنبي – ﷺ – فأتيناه، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، وأسهم لنا، وقرأ في الصلاة
بـ ﴿وَالتِينِ وَالزَّيتُونِ﴾ و ﴿إِنَّاَ أَنزَلنَاهُ فِي لَيلةِ القَدرِ﴾ .
стр. 1066
ثم قال: ((فيمكن أن تكو هي الصلاة التي عين البراء بن عازب أنها العشاء، ويقوي ذلك أنا لا نعرف في خبر أنه قرأ بالتين، إلا في حديث البراء بن عازب، ثم حديث زرعة المذكور)) (١) .
وفيه أن النبي – ﷺ – كان يقرأ في الصلاة أحيانا بقصار المفصل.
وفيه استحباب تحسين الصوت بالقرآن في الصلاة وغيرها.
والمقصود قوله: ((فما سمعت أحدا أحسن صوتا – أو قراءة – منه)) فجعل الصوت والقراءة له، فدل على أن الصوت والقراءة ليست هي المصوت به، المقروء، وهو واضح، والإمام البخاري – ﵀ – يكرر ذلك، وينوع عليه الأدلة؛ لأنه قد خفي على بعض العلماء، ولأنه قد ابتلي بمن يقول: إن القراءة هي المقروء، والتلاوة هي المتلو، ونسب إليه زورا أنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، وهو برئ من ذلك.
١٧١- قال: ((حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس – ﵄ – قال: كان النبي – ﷺ – متواريا بمكة، وكان يرفع صوته، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن، ومن جاء به، فقال الله – – لنبيه: ﴿وَلاَ تَجهَر بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِت بِهَا﴾ .
تقدم شرح هذا الحديث، والشاهد منه هنا: قوله: ((يرفع صوته، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن)) وقوله: ﴿وَلاَ تَجهَر بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِت بِهَا وَابتغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ ويعني بالصلاة: القراءة، فالصوت له – أي للقارئ – ورفعه وخفضه وصف للصوت، وهو الذي إن شاء رفعه، وإن
стр. 1067
شاء خفضه، فلذلك فعله، وهو فعله مخلوق، أما القرآن الذي يُسِرُّ به صوته، أو يخافت به، أو يبتغي به بين ذلك سبيلا، فهو كلام ربه غير مخلوق، بل هو وصف له.
*****
١٧٢- قال: ((حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، أنه أخبره، أن أبا سعيد الخدري – ﵁ – قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك فأذنت للصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله – ﷺ )) .
((تحب الغنم والبادية)) محبته للبادية تابعة لمحبة الغنم؛ لطلب المراعي لها، وذلك لا يكون إلا في البادية غالباً، والبادية خلاف الحاضرة التي فيها البناء والمدن.
وهي مأخوذة من البدو والظهور؛ لأنها ليس فيها ما يسترها من المباني والحيطان، فهي صحراء، لا عمارة فيها.
((فأذنت للصلاة)) الأذان هو: الإعلام بدخول وقت الصلاة، وطلب حضور المصلين لأدائها جماعة، ولا يسمى أذانا إلا إذا كان برفع الصوت.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿وَأَذِن فِي النَّاسِ بِالحَجِ﴾ (٢) ، ولما نزل قول الله – تعالى - ﴿وَأَذَانٌ
стр. 1068
مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (١) أمر رسول الله ﷺ برفع الصوت بهذه البراءة في ذلك اليوم، قال أبو هريرة: كنت مع علي بن أبي طالب حيث بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة، فكنا ننادي: أن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله - أو مده - إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر، فإن الله برئ من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي)) (٢) ، أي: بحّ صوته؛ لشدة رفعه.
((فارفع صوتك بالنداء)) أي: اجتهد في رفع صوتك، ولا تألو، وإلا فأصل الأذان لا يكون إلا برفع الصوت.
قال الحافظ: ((فيه إشعار بأن أذان من أراد الصلاة كان متقررا عندهم؛ لاقتصاره على الأمر بالرفع دون أصل التأذين.
واستدل به الرافعي على استحباب الأذان للمنفرد، وهو الراجح عند الشافعية)) (٣) .
((فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)) .
مدى الصوت: نهايته، وأقصى ما يبلغه، والمعنى: أن كل من سمع صوته من عاقل وغيره، من البهائم والجمادات - فإن لها سماعا يعلمه الله - تعالى - فإنها تشهد للمؤذن بالتوحيد عند الله يوم القيامة، وهذه فضيلة عظيمة
стр. 1069
للأذان، فينبغي أن يحافظ على ذلك ويحرص عليه.
وفي ((سنن)) أبي داود والنسائي عن أبي هريرة: ((المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس)) ، قال الخطابي: ((المعنى أنه يستكمل مغفرة الله إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية من المغفرة، إذا بلغ الغاية من الصوت، وقيل: المعنى: لو قدر أن المكان الذي يصل إليه صوته لو كان له ذنوب تملؤه لغفرت)) (١) .
((وقال النوربشتي: المراد من هذه الشهادة: اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة، كما يفضح بالشهادة قوما، فكذلك يكرم بالشهادة آخرين)) (٢) .
وقال الكرماني: ((رفع الصوت بالقرآن، أحق بالشهادة، وأولى)) (٣) .
يعني: أن ذلك مراد البخاري من الحديث.
والظاهر أن مراده: أن أصوات العباد من أفعالهم التي يثابون عليها، أو يعاقبون، ومن ذلك القراءة، والتلاوة، فهي فعل التالي الذي يثاب عليه.
*****
١٧٣- قال: ((حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أمه، عن عائشة – ﵂ – قالت: كان النبي – ﷺ – يقرأ القرآن، ورأسه في حجري، وأنا حائض)) .
ترجم لهذا الحديث في الحيض: باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض. وكان أبو وائل يرسل خادمه، وهي حائض، إلى أبي رزين فتأتيه بالمصحف، فتمسكه بعلاقته، ثم ذكر الحديث بلفظ: ((كان يتكئ في حجري، وأنا
стр. 1070
حائض، ثم يقرأ القرآن)) وفعل أبي وائل يدل على جواز حمل الحائض المصحف، ولكن من وراء حائل، وكذا أبو رزين لو كان ذلك غير جائز عنده لم يمكنها من حمله، إلا أن يقال: إنه لم يعلم بحالها، والحجر بفتح الحاء وسكون الجيم وكسرها، هو: حضن الإنسان ما بين يديه من ثوبه.
قال ابن دقيق العيد: ((فيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قولها: ((فيقرأ القرآن)) إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه، ولو كانت قراءة القرآن للحائض جائزة، لكان هذا الوهم منتفياً، أعني: توهم قراءة القرآن في حجر الحائض، ومذهب الشافعي الصحيح: امتناع قراءة الحائض القرآن)) (١) .
والمقصود من الحديث هنا أن القراءة غير القرآن، إذ لو كانت القراءة هي القرآن، لما جاز أن يقرأ ورأسه في حجر عائشة وهي حائض.
((قال ابن المنير: ظن الشارح (٢) أن غرض البخاري: إثبات جواز قراءة القرآن بتحسين الصوت، وليس كذلك.
وإنما غرضه الإشارة إلى ما تقدم من وصف التلاوة بالحسن، والتحسين، والترجيع، والرفع، والخفض، ومقارنة الحالات البشرية، كقولها: ((يقرأ القرآن في حجري وأنا حائض)) . فكل ذلك يحقق: أن القراءة فعل القارئ، وأنها متصفة بما تتصف الأفعال به، ومتعلقة بالظروف المكانية، والزمانية)) (٣) .
стр. 1071
قال: ((باب قول الله – تعالى -: ﴿فَاقرَأُوا مَا تَيَسَرَ مِنهُ﴾ .
أمر الله – تعالى – عباده أن يقرءوا ما تيسر من القرآن، وهذا من اليسر عليهم، إذ قيد ذلك بما تيسر، ولم يكلفهم قراءته كله.
والقراءة التي أمر الله عباده بها هي فعلهم، ومعلوم أنهم يتفاوتون في القراءة، وفي الحفظ والتحصيل، وفي جودتها والمهارة في القرآن، وفي الفهم ومعرفة المراد من الخطاب، وغير ذلك. وهذا كله فعلهم وعملهم، الذي يجازون عليه ويثنى عليهم به، ويمدحون، وهذا مراد البخاري – رحمه الله تعالى – من ترجمته بالآية، وسواء أريد بالقراءة الصلاة، أو نفس القراءة فإن القراءة ركن في الصلاة، وقد يعبر عن الشيء بركنه.
قال الخازن: ((فيه قولان: أحدهما: أن المراد بهذه القراءة: القراءة في الصلاة؛ لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة، فأطلق اسم الجزء على الكل.
الثاني: أن المراد بما تيسر منه دراسته، وتحصيل حفظه، فيقرأ ما سهل عليه حفظه)) (١) .
وقال الحافظ: ((المراد بالقراءة: الصلاة؛ لأن القراءة بعض أركانها)) (٢) .
قال ابن جرير: ((يقول: فاقرأوا من الليل ما تيسر لكم من القرآن في صلاتكم، وهذا تخفيف من الله – – عن عباده فرضه الذي كان فرض عليهم، بقوله: ﴿قُمِ الَّليلَ إِلا قَلِيلاً ﴿٢﴾ نِصفَهُ أَوِ انقُص مِنهُ قَلِيلاً﴾ )) (٣) .
وقال القرطبي: ((فيه قولان: أحدهما: أن المراد نفس القراءة، أي: فاقرأوا فيما تصلونه بالليل ما خف عليكم.
стр. 1072
والثاني: ((فاقرأوا ما تيسر منه)) أي: فصلوا ما تيسر عليكم، والصلاة تسمى قرآنا، كقوله: ﴿وَقُرآنَ الفَجرِ﴾ أي: صلاة الفجر)) (١) .
١٧٤- قال: ((حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، حدثني عروة أن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبد القاري حدثاه، أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان، في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، أقرأنيها على غير ما قرأت.
فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال: ((أرسله، اقرأ يا هشام)) فقرأ القراءة التي سمعته، فقال رسول الله ﷺ ((كذلك أنزلت)) ثم قال رسول الله ﷺ : ((اقرأ يا عمر)) ، فقرأت، فقال: ((كذلك أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه)) .
هشام بن حكيم بن حزام الأسدي، هو وأبوه صحابيان، ممن أسلم يوم الفتح، له فضائل جمة، وكان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فلذلك كان
стр. 1073
عمر – ﵄ – إذا بلغه الشيء المكروه يقول: أما ما عشت أنا وهشام فلا يكون ذلك.
قال الحافظ: ((تأخر موته إلى خلافة علي بن أبي طالب، ووهم من زعم أنه استشهد في خلافة أبي بكر، وتوفي قبل والده ﵄، وعن جميع صحابة رسول الله – ﷺ (١) ، قال ابن سعد: توفي أول خلافة معاوية)) (٢) .
قوله: ((فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة)) الخ، يعني: أن قراءة هشام تختلف عما قرأه عمر عن رسول الله – ﷺ – في ألفاظ كثيرة، فلذلك ظن عمر ﵁ أن ذلك غلط من هشام.
((فكدت أساوره)) بالسين المهملة، أي: أواثبه وأجرره، قال النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع
أي: واثبتني، وفي رواية مالك: ((أن أعجل عليه)) .
ومعنى كدت: قربت من أن أفعل فيه ذلك.
((فتصبرت)) أي: حملت نفسي على الصبر، حتى ينتهي من صلاته، وفي رواية مالك: ((ثم أمهلت حتى انصرف)) يعني: من صلاته، كما قال هنا: ((حتى سلم)) .
((فلببته بردائه)) أي: أدرت رداءه على رقبته، وجمعت طرفيه عند لبته، وأمسكته خشية أن ينفلت، ولهذا قال: ((فانطلقت به أقوده)) يعني: بردائه، ((فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟)) ظن عمر – رضي الله
стр. 1074
عنه – أن هشاما أخذ هذه السورة عن غير رسول الله – ﷺ ، فأخطأ الذي أقرأه، أو أنه لم يتقنها فوقع في مخالفة ما تلقاه عمر من رسول الله ﷺ ولهذا لما قال هشام: أقرأنيها رسول الله – ﷺ ، قال له عمر: كذبت، أقرأنيها على غير ما قرأت)) وكان عمر ﵁ شديدا في أمر الله – تعالى -، ولهذا ذهب به يقوده بردائه حتى دخل به على رسول الله – ﷺ – فقال له: ((إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان)) إلى آخره، وقد علم أن من قرأ القرآن على غير ما أنزله الله – تعالى – فقد ارتكب جرما يستحق العقاب عليه، وهذا هو الذي حمل عمر على ما فعله ﵁.
((فقال: أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ القراءة التي سمعته)) يؤخذ من هذا مشروعية التثبيت في الأمور، ووقوف الحاكم
بنفسه على الحقائق, وإن كان المخبر موثوقا به.
((فقال رسول الله – ﷺ : ((كذلك أنزلت)) يعني: أنزلت من عند الله على ما قرأه هشام، ولم يكن مخطئا كما ظنه عمر – ﵁.
((ثم قال رسول الله – ﷺ : اقرأ يا عمر، فقرأت، فقال: كذلك أنزلت)) .
يعني: أن الله أنزل هذه السورة على ما قرأه عمر، فعمر وهشام كلاهما مصيب في قراءته؛ لأن القرآن نزل على أكثر من حرف، بل على سبعة أحرف.
وأما قول الحافظ: ((وكان سبب اختلاف قراءتهما أن عمر حفظ هذه السورة من رسول الله – ﷺ – قديما، ثم لم يسمع ما أنزل فيها، بخلاف ما حفظه وشاهده.
ولأن هشام من مسلمة الفتح، فكان النبي – ﷺ – أقرأه ما نزل أخيرا فنشأ اختلافهما من ذلك)) (١) . ففيه نظر، إذ لو كان الأمر على ما ذكره لقال
стр. 1075
الرسول ﷺ – لعمر: إن هذه الأحرف التي سمعتها من هشام نزلت بعد ما قرأت هذه السورة، ولكنه قال بعد ما سمع قراءة كل واحد منهما: ((كذلك أنزلت)) ، فتبين أن كلا من الحروف التي قرأها هشام، والحروف التي قرأها عمر، نزلت من عند الله.
وليس في قراءة هشام زيادة عما عند عمر في الآيات، وإنما هناك اختلاف في الحروف فقط، ومن أجل ذلك قال لكل واحد منهما بعد ما سمع قراءته: ((كذلك أنزلت)) ويوضح ذلك قوله: ((إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه)) أي: لا تتكلفوا التزام حرف واحد، فإن الله – تعالى – قد أوسع عليكم، ويسر لكم قراءة القرآن على سبعة أحرف، رحمة منه وفضلاً، فله الحمد والمنة.
قال الجزري: ((نزل القرآن على سبعة أحرف؛ للتخفيف على هذه الأمة واليسر بها، والتهوين عليها؛ شرفا لها وتوسعة ورحمة؛ لأن العرب الذين نزل القرآن بلغاتهم، لغاتهم مختلفة، ويعسر على أحدهم انتقاله من لغته إلى غيرها، بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك، ولا بالتعليم والعلاج، ولا سيما الشيخ والمرأة الكبيران، ومن لا يقرأ كتاباً، كما أشار إليه النبي – ﷺ – بقوله: ((بعثت إلى أمة أميين، فيهم الشيخ الفاني، والعجوز الكبيرة)) (١) .
ومعنى الحرف كما قال أهل اللغة: حرف كل شيء طرفه وحافته، وأحد حروف التهجي، كأنه قطعة من الكلمة (٢) .
وقد اختلف العلماء في تعيين الحروف السبعة اختلافاً كثيراً، وأشكل ذلك على كثير من العلماء.
стр. 1076
فقيل: الحروف السبعة سبع لغات من لغات العرب مفرقة في القرآن، ورد هذا القول ابن جرير، وابن عبد البر، وغيرهما، ودل على عدم صحته هذا الحديث؛ لأن هشاماً وعمر كلاهما قرشي، فلغتهما واحدة، ولا يعقل أن الرسول – ﷺ – يعلم الرجل القرآن بغير لغته.
وقيل: المراد بها: تأدية المعنى الواحد باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة؛ لأن هشاماً وعمر لغتهما واحدة، وقد اختلف قراءتهما.
اختار هذا القول ابن جرير الطبري، وابن عبد البر، وقال: إنه قول أكثر العلماء، وهذا هو الصواب، كما يأتي بيانه.
((وقال الداني: معنى نزول القرآن على سبعة أحرف يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه نزل على سبعة أوجه من اللغات متغايرة في القرآن.
الثاني: أنها قراءات سميت أحرفاً؛ لعادة العرب في تسمية الشيء باسم ما هو منه.
وقد أجمع العلماء على أنه لم يقصد أن كل حرف يقرأ على سبعة أوجه، إذ لا يوجد ذلك إلا في كلمات معدودة، نحو ((أف)) و ((جبريل)) و ((أرجه)) و ((هيهات)) و ((هيت)) .
كما أجمعوا أنه ليس المراد بالأحرف السبعة: قراءات القراء السبعة الذين اشتهروا بذلك؛ لأن أول من جمع قراءاتهم ابن مجاهد في أثناء المائة الرابعة.
وأكثر العلماء على أنها لغات، كما قال أبو عبيد: إنها سبع لغات متفرقة في القرآن (١) .
وهذا خلاف ما قاله ابن عبد البر: إن أكثر أهل العلم على أن المراد تأدية
стр. 1077
المعنى الواحد بألفاظ مترادفة، وإن كان ذلك في لغة واحدة كما سبق قريباً، وتقدم أن هذا الحديث يؤيد صحة هذا القول، ويرد ما قاله الداني: إنه قول أكثر العلماء.
قال الجزرى: ﵀ – ((ما زلت أستشكل هذا الحديث، وأفكر فيه، وأمعن النظر من نيف وثلاثين سنة، حتى فتح الله عليَّ بما يمكن أن يكون صواباً إن شاء الله – تعالى -، وذلك أني تتبعت القراءات صحيحها وشاذها، وضعيفها، ومنكرها، فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه من الاختلاف، لا يخرج عنها.
(١) إما في الحركات بلا تغير فى المعنى والصورة، نحو ((البخل)) بأربعة، و ((يحسب)) بوجهين.
(٢) أو بتغير في المعنى فقط، نحو: (فَتَلَقَّى آدَمَ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٌ) (١) ، ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ و ((أمه)) (٢) .
(٣) وإما في الحروف بتغير المعنى، لا الصورة، نحو ((تبلوا)) و ((تتلوا)) (نُنَحِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ) ، ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ (٣) .
(٤) أو عكس ذلك [أي بتغير الحروف مع اتفاق المعنى] نحو ((بصطة)) و ((بسطة)) و ((الصراط)) و ((السراط))
(٥) أو بتغيرهما نحو ((أشد منكم)) و ((أشد منهم)) ، و ((يأتل)) و ((يتأل)) و (فامضوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ) و ﴿فَاسعَواْ إِلَى ذِكرِ اللهِ﴾ .
стр. 1078
(٦) أو بالتقديم والتأخير نحو ﴿فَيَقتُلُونَ وَيُقتَلُونَ﴾ و (وَيُقْتَلُونَ فَيَقْتُلُونَ) ، و ﴿وَجَاءَت سَكرَةُ المَوتِ بِالحَقِ﴾ و (جَاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بالْمَوْتِ) .
(٧) أو في الزيادة والنقصان، نحو ((وأوصى)) و ((وصى)) و ﴿وَمَا خَلَقَ الذَكَرَ وَالأُنثَى﴾ و ((والذكر والأنثى)) .
وأما اختلاف الإظهار والإدغام، والروم والإشمام، والتفخيم والترقيق، والمد والقصر، والإمالة والفتح، والتخفيف والتسهيل، والإبدال والنقل، ونحو ذلك مما يعبر عنه بالأصول، فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى)) (١) .
وقال ابن قتيبة – ﵀ – ((وقد غلط في تأويل هذا الحديث قوم، فقالوا: السبعة الأحرف: وعد، ووعيد، وحلال، وحرام، ومواعظ، وأمثال، واحتجاج.
وقال آخرون: هي سبع لغات في الكلمة، وليس شيء من ذلك لهذا الحديث بتأويل.
ومن قال: فلان يقرأ بحرف ((أبي عمرو)) (٢) .
أو بحرف ((عاصم)) (٣) ، فإنه لا يريد شيئاً مما ذكر، وليس يوجد في كتاب الله – تعالى – حرف قرئ على سبعة أوجه يصح، فيما أعلم.
وإنما تأويل قوله – ﷺ : ((نزل القرآن على سبعة أحرف)) : على سبعة أوجه من اللغات، متفرقة في القرآن، يدلك على ذلك قول رسول الله – ﷺ :
стр. 1079
((فاقرءوا كيف شئتم)) ، وقصة عمر مع هشام، وقوله ﷺ : ((إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه)) .
فمن قرأه، قراءة عبد الله بن مسعود، فقد قرأ بحرفه، ومن قرأ قراءة أُبيّ بن كعب، فقد قرأ بحرفه، ومن قرأ قراءة زيد بن ثابت، فقد قرأ بحرفه.
والحرف يطلق على أحد حروف المعجم، وعلى الكلمة الواحدة، وعلى الكلام المؤلف في معنى، أو معان كثيرة، كما يقال: قال الشاعر في كلمته – يعني: قصيدته -.
وقال الله -تعالى -: ﴿وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿وَأَلزَمَهُم كَلِمَةَ التَّقوَىَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ (٣) ، أراد : من يعبد الله على الخير يصبه، من تثمير المال، وعافية البدن، وإعطائه السؤال، فهو مطمئن ما دام ذلك له.
وإن امتحنه الله تعالى باللأواء في عيشه، والضراء في بدنه وماله، كفر به.
فهذا عَبَدَ الله على وجه واحد، وهو معنى الحرف، ولو عَبَد الله على الشكر للنعمة، والصبر للمصيبة، والرضا بالقضاء، لم يكن عبد الله على حرف.
وقد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات، فوجدتها سبعة أوجه:
أولها: الاختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتابة، ولا يغير معناها، نحو قوله تعالى: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ
стр. 1080
أَطهَرُ لَكُم﴾ و (أَطْهَرَ لَكُمْ) (١) ، ﴿وَهَل نُجازِي إِلاَّ الكَفُورَ﴾ (وَهَل يجازي إِلاَّ الْكَفُورَ) ، و ﴿وَيأمُرُونَ النَّاسَ بِالبُخِلِ﴾ والبَخَلِ (٢) ﴿فَنَظِرةُ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ ((وميسرة)) (٣) .
الوجه الثاني: أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة، وحركات بنائها بما يغير معناها، ولا يزيلها عن صورتها في الكتابة، نحو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا بَاعِد بَينَ أَسفَارِنَا﴾ و ((رَبُّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)) (٤) ، وقوله تعالى: ﴿إِذ تَلَقَّونَهُ بِأَلسِنَتكُم﴾ و (تَلِقُونَه) (٥) و ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ و ((أمه)) (٦) ٠) .
الوجه الثالث: أن يكون الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها، بما يغير معناها، ولا يزيل صورتها، نحو قوله تعالى:
﴿وَانظُر إِلَى العِظَامِ كَيفَ نَنشِرُهَا﴾ ، وننشرها، وقوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِم﴾ وفرغ.
الوجه الرابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتابة، ولا يغير معناها، نحو قوله تعالى: ﴿إِن كَانَت إِلاَّ صَيحَةً وَاحِدَةً﴾ وقوله: ((إلا زقية واحدة)) وقوله: ﴿كَالعِهنِ المَنفُوشِ﴾ و ((كالصوف المنقوش)) .
الوجه الخامس: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها، ومعناها، ونحو قوله: ((وطلع منضود)) في موضع، و ﴿وَطَلِحٍ مَّنضُودٍ﴾ في موضع آخر.
стр. 1081
الوجه السادس: أن يكون الاختلاف في التقديم، والتأخير، نحو ﴿وَجَاءَت سَكرَةُ المَوتِ بِالحَقِ﴾ وفي موضع آخر ((وجاءت سكرة الحق بالموت)) .
الوجه السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة، والنقصان، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتهُ أَيدِيهِم﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الغَنِيُ الحَمِيدُ﴾ و ((إن [الله] الغني الحميد)) .
وكل هذه الحروف كلام الله – تعالى – أنزل به الروح الأمين، على رسوله – ﷺ – وكان يعارضه في كل سنة، في شهر رمضان، وفي السنة التي توفي فيها رسول الله – ﷺ – عارضه مرتين، فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسر على عباده ما يشاء، فكان من تيسيره أن أمره أن يقرئ كل قوم من العرب بلغتهم، وما جرت عليه عادتهم.
فالهذلي يقرأ ((عتى حين)) يريد ﴿حَتَّىَ حِينٍ﴾ ؛ لأنه هكذا ينطق بها.
والأسدي يقرأ ((تِعْملون)) و ((تِعلم)) و ((يَسْوَدُّ وجوه)) و ((ألم إعْهَدْ إليكم)) .
والتميمي يهمز، والقرشي لا يهمز، فلو أمر كل واحد أن يلتزم لغة غيره لصعب عليه مفارقة ما جرت عليه عادته، وما نشأ عليه، ولم يمكنه ذلك إلا بمشقة، وبعد رياضة طويلة.
فأراد الله رحمة منه، ولطفاً بعباده، أن يجعل لهم متسعاً في لغاتهم يناسب تيسيره عليهم في الدين.
فإن قيل: أليس هذا اختلافاً، وقد قال الله – تعالى -: ﴿وَلَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللهِ لَوجَدُواْ فِيهِ اختِلافاً كَثِيراً﴾ .
قيل: الاختلاف نوعان: اختلاف تضاد، وهو الذي نفاه الله – تعالى – عن
стр. 1082
كتابه، مثل أن ينهى عن شيء، ويأمر به في مكان آخر، أو ينفي الشيء، ويثبته في مكان آخر، ونحو ذلك، وهذا لا وجود له في كتاب الله – تعالى -.
الثاني: اختلاف تنوع وتغاير، وهو جائز في الكلام، وكثير؛ لأن كل واحد لا ينافي الآخر، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ بفتح التاء من ((علمت)) وضمها؛ لأن موسى – ﵇ – خاطب فرعون بهذا، وهذا، فأنزل الله المعنيين جميعاً.
ومثلها قوله تعالى: ((ننشرها)) و ((ننشزها)) فالانتشار، الإحياء، والإنشاز: هو التحريك، والحياة حركة، فلا فرق بينهما.
وكذلك ((فزع عن قلوبهم)) و ((فرغ)) ؛ لأن فزع: خفف عنها الفزع، وفرغ: أزيل، وأخليت منه، وكل ما في القرآن من تقديم وتأخير، أو زيادة أو نقصان، فعلى مثل هذه السبيل.
فإن قيل: هل يجوز أن نقرأ بجميع هذه الأوجه؟
قيل: كل ما كان منها موافقا لرسم المصحف [وقرأ به الأئمة، ونقل نقلاً متواتراً] جاز لنا أن نقرأ به؛ لأن الصحابة قد أجمعوا على ما فعله أمير المؤمنين، وحرقوا ما خالف المصحف الإمام، فلا يجوز لأحد أن يخالف المصحف الذي أجمع عليه الصحابة، رضوان الله عليهم، كما لا يجوز أن نكتب مصحفاً مخالفاً له (١) .
وقال الحافظ: ((اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة، أبلغها أبو حاتم ابن حبان إلى خمسة وثلاثين قولاً.
وقوله: ﴿فَاقرَءُواْ مَا تَيَسَرَ مِنهُ﴾ ، يدل على التوسعة في القراءة،
стр. 1083
والتيسير، وهذا يقوي قول من يقول: المراد بالأحرف: تأدية المعنى باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة؛ لأن هشاماً وعمر لغتهما واحدة، ونقل ابن عبد البر عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة.
وذهب أبو عبيد وآخرون إلى أن المراد: اختلاف اللغات، واتفقوا على أنه ليس المقصود أن كل كلمة تقرأ بسبع لغات.
ولا يقصد أن التوسعة في القراءة تقع بالتشهي حسب مراد المتكلم، إذا أراد أن يغير الكلمة بمرادفها، بل لا بد في ذلك من السماع من الرسول – ﷺ . ولهذا جاء أن كل واحد من المختلفين الذين على عهد النبي – ﷺ – يقول: أقرأني النبي – ﷺ ، وإن كان وجد من كان يقرأ بذلك، وإن لم يكن مسموعاً من النبي – ﷺ ، مثل قراءة ابن مسعود (عَتَّى حِين) بلغة هذيل، وقد أنكر عليه عمر بن الخطاب – ﵁ – وكتب إليه: ((إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل)) وهذا قبل أن يجمع أمير المؤمنين عثمان- ﵁ – الناس على مصحف واحد، بقراءة واحدة.
وحاصل ذلك أن معنى قوله: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) أنه أنزل موسعاً على القارئ أن يقرأه على سبعة أوجه، بأن يقرأ بأي حرف أراد منها على البدل من الآخر، وذلك لتسهيل قراءته، إذ لو أخذوا بأن يقرأوه على حرف واحد لشق عليهم)) (١) .
وقال ابن عبد البر: ((وفي حديث عمر مع هشام رد لقول من قال: إنها سبع لغات؛ لأن عمر قرشي عدوي، وهشام بن حكيم بن حزام قرشي أسدي، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته، كما أنه محال أن يقرئ رسول الله – ﷺ – واحداً
стр. 1084
منهما بغير ما يعرفه من لغته.
والأحاديث الصحاح المرفوعة كلها تدل على نحو ما يدل عليه حديث عمر هذا.
وقالوا: إنما معنى السبعة الأحرف: سبعة أوجه من المعاني، المتفقة المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو أقبل، وتعال، وهلم، وعليَّ. وعلى هذا الكثير من أهل العلم)) (١) .
وهذا هو الصحيح، والأخبار الصحيحة والآثار عن علماء الأمصار تدل على صحة هذا القول، وأنه الصواب، مثل ما رواه الإمام أحمد، وابن جرير، وابن عبد البر، عن أبي بكرة، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((قال جبريل: اقرأوا القرآن على حرف، فقال مكائيل: استزده، فقال: على حرفين، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شاف كاف، ما لم يختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب، كقولك: هلم، وتعال)) ، وفي رواية ابن عبد البر: ((فقال مكائيل: استزده، حتى بلغ إلى سبعة أحرف، فقال: اقرأه فكل شاف كاف، إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة، وعلى نحو: هلم، وتعال، وأقبل، واذهب، وأسرع، وعجل)) (٢) .
وروى الإمام أحمد، والطبري، من حديث أبي هريرة، أن النبي – ﷺ – قال: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف، غفورا رحيما، عزيزا حكيما، عليما حكيما)) وربما قال: ((سميعا بصيرا)) (٣) ، قال ابن عبد البر:
стр. 1085
((وقوله: سميعا عليما، وغفورا رحيما، وعليما حكيما، أراد به ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها، وأنها معان متفق مفهومها، مختلف مسموعها، لا يكون في شيء منها معنى، وضده، وما أشبه ذلك، وهذا كله يعضد قول من قال: إن معنى السبعة الأحرف: سبعة أوجه من الكلام المتفق معناه، المختلف لفظه، نحو: هلم، وتعال، وعجل، وأسرع، وانظر، وأخر)) (١) .
وذكر عن الزهري أنه قال: ((إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد، ليس تختلف في حلال، ولا حرام)) (٢) .
وذكر عن أُبيّ بن كعب أنه كان يقرأ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَواْ فِيهِ﴾ ((مروا فيه، سعوا فيه)) ، كل هذه الأحرف كان يقرؤها أُبيّ بن كعب، فهذا معنى الحروف المراد بهذا الحديث)) (٣) .
وروى ابن جرير أن أنس بن مالك قرأ هذه الآية: (إِنَّ نِاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَصْوَبُ قِيلاً) فقال بعض القوم: يا أبا حمزة، إنما هي ((وَأَقْوَمُ)) فقال: أقوم، وأصوب وأهيأ، واحد)) (٤) .
وروي عن سعيد بن المسيب: أن الذي ذكر الله – تعالى ذكره – أنه قال: ﴿إِنَّمَا يُعَلمُهُ بَشَرُ﴾ إنما افتتن أنه كان يكتب الوحي، فكا يملي عليه رسول الله – ﷺ : سميع عليم، أو عزيز حكيم، أو غير ذلك من خواتم الآي، ثم يشتغل عنه رسول الله – ﷺ وهو على الوحي، فيستفهم رسول الله – ﷺ فيقول: أعزيز حكيم؟ أو سميع عليم؟ أو عزيز عليم؟ فيقول له رسول الله
стр. 1086
– ﷺ : أي ذلك كتبت، فهو كذلك، ففتنة ذلك، فقال: إن محمداً وَكَلَ ذلك إليَّ، فاكتب ما شئت. وهو الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة (١) .
ومما يسأله عنه، هل هذه الحروف السبعة موجودة في المصحف الذي بين أيدي المسلمين؟ أو أنها كانت زمن الرسول – ﷺ ، والخليفتين بعده، وصدرا من خلافة عثمان – ﵃ – ثم لما جمع عثمان الناس على مصحف واحد، تركت الحروف الستة، أو بعضها؟
قال الحافظ: ((قال أبو شامة: وقد اختلف السلف في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، هل هي مجموعة في المصحف الذي بأيدي الناس اليوم، أو ليس فيه إلا حرف واحد منها؟
مال ابن الباقلاني إلى الأول، وصرح الطبري وجماعة بالثاني، وهو المعتمد.
وقد أخرج ابن أبي داود في المصاحف، عن أبي الطاهر بن أبي السرح، قال: سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين، والعراقيين: هل هي الأحرف السبعة؟ قال: لا، وإنما الأحرف السبعة مثل: هلم، وتعال، وأقبل، أي ذلك قلت أجزاك)) قال: وقال لي ابن وهب مثله.
والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله، المقطوع به، المكتوب بأمر النبي – ﷺ – وفيه بعض الأحرف التي اختلف فيها من الأحرف السبعة، لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي ﴿تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ﴾ في آخر براءة، وفي غيره بحذف ((من)) .
стр. 1087
وكذا ما وقع من اختلاف مصاحف الأمصار في عدة واوات، ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معاً، وأمر النبي – ﷺ – بكتابته لواحد، أو اثنين، [وعلمه بعض الصحابة] ، وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم،
فهو مما كانت القراءة جائزة به توسعة على الناس، وتسهيلاً، فلما آل الأمر إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان – ﵁ – وكفَّر بعضهم بعضاً، اختار الصحابة – ﵃ – الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته، وتركوا الباقي.
قال الطبري: وصار ما اتفق عليه الصحابة من الاقتصار على حرف واحد، كمن اقتصر مما خير فيه على خصلة واحدة؛ لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة، لم يكن على سبيل الإيجاب، بل على سبيل الرخصة.
قلت: ويدل عليه قوله ﷺ في حديث الباب: ﴿فَاقرَءُواْ مَا تَيَسَرَ مِنهُ﴾ وقال أبو العباس ابن عمار: أصح ما عليه الحذاق: أن الذي يقرأ الآن بعض الحروف السبعة المأذون في قراءتها، لا كلها، [فما وافق رسم المصحف من تلك الحروف جازت القراءة به مع التواتر] ، وما خالفه مثل: ((أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج)) ، ومثل: ((إذا جاء فتح الله والنصر)) فهو من تلك القراءات التي تركت، إن صح سندها، ولا يكفي صحة سندها في إثبات كونها قرآناً، ولا سيما والكثير منها مما يحتمل أن يكون من التفسير الذي قرن إلى التنزيل، فصار يظن أنه منه)) (١) .
وقال البغوي في ((شرح السنة)) : ((المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرض على رسول الله – ﷺ ، فأمر عثمان – ﵁ – بنسخه في المصاحف، وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك؛ قطعاً لمادة الخلاف،
стр. 1088
فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ، والمرفوع، كسائر ما نسخ، ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم)) (١) .
قال ابن عبد البر: المصحف الذي بأيدي الناس اليوم هو منها حرف واحد، وعليه أهل العلم.
ثم ذكر عن مالك أنه سئل عمن يقرأ بمثل ما قرأ عمر بن الخطاب: ((فامضوا إلى ذكر الله؟ فقال: ذلك جائز، قال رسول الله – ﷺ : ((أنزل القرآن على سبعة أحرف، فاقرءوا منه ما تيسر)) ، مثل ((تعلمون، ويعلمون، لا أرى في اختلافهم في مثل هذا بأساً.
ثم قال: قال ابن وهب: أخبرني مالك بن أنس، قال: أقرأ عبد الله بن مسعود رجلاً: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ ﴿٤٣﴾ طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فقال ابن مسعود: طعام الفاجر، فقلت لمالك: أترى أن يقرأ كذلك؟
قال: نعم، أرى ذلك واسعاً.
قال: معناه عندي: أن يقرأ به في غير الصلاة (٢) ، وإنما ذكرنا عن مالك تفسيراً لمعنى الحديث، وإنما لم نجز القراءة به في الصلاة؛ لأن ما عدا مصحف عثمان فلا يقطع عليه، وإنما يجري مجرى السنن، التي نقلها الآحاد، لكن لا يقدم أحد على القطع في رده.
وذكر عن ابن القاسم أنه قال: أرى أن على الإمام أن يمنع من يبيع مصحف ابن مسعود، وأن يضرب من قرأ به، ويمنعه.
стр. 1089
وقد قال مالك: من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود، أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف، لم يصل وراءه.
وعلماء المسلمين مجمعون على ذلك، إلا قوماً شذوا، لا يعرج عليهم.
وهذا كله يدلك على أن السبعة الأحرف التي أشير إليها في الحديث ليس بأيدي الناس منها إلا حرف زيد بن ثابت الذي جمع عليه عثمان – ﵁ – المصحف.
وذكر بسنده إلى أبي الطاهر، قال: سألت سفيان بن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين، والعراقيين، هل تدخل في السبعة الأحرف؟ فقال: لا. وإنما السبعة الأحرف كقولهم: هلم، أقبل، تعال، أي ذلك قلت أجزأك.
قال أبو طاهر: وقاله ابن وهب.
قال أبو بكر محمد بن عبد الله الأصبهاني المقرئ: معنى قول سفيان هذا أن اختلاف العراقيين، والمدنيين، حرف واحد، من الأحرف السبعة، وبه قال محمد بن جرير الطبري.
وقال أبو جعفر الطحاوي: كانت هذه السبعة للناس في الحروف؛ لعجزهم عن أخذ القرآن على غيرها؛ لأنهم أميين، لا يكتبون إلا القليل منهم، فكان يشق على كل ذي لغة منهم أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له، إلا بمشقة عظيمة، فوسع لهم في اختلاف الألفاظ، إذا كان المعنى متفقاً، فكانوا كذلك حتى كثر من يكتب منهم، وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله – ﷺ – فقرأوا بذلك على تحفظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرأوا بخلافها.
وبان بما ذكرناه أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة
стр. 1090
الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد)) (١) .
فإن قيل: هذه الأحرف أنزلها الله، وعلمها الرسول – ﷺ – الصحابة، فثبتت لديهم من كلام الله، وتركها وعدم الاعتناء بها وحفظها ونقلها يكون تفريطاً من الأمة بما كلفت بحفظه.
قيل: الأمر كذلك أن الله أنزلها قرآناً، والرسول – ﷺ – علمها الصحابة، وحفظهم إياها، ولكن الأمة لم تفرط بحفظها، ولم تضيع ما كلفت به، وإنما جعل الأمر إليها، فخيرت في قراءة القرآن بأي حرف من الأحرف السبعة شاءت، مثل تخييرها في كفارة اليمين بين ثلاثة الأشياء، المذكورة في الآية، إما عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فلو أجمعوا على التكفير بواحدة من الثلاث دون حصر التكفير بأي واحدة من الثلاث شاء المكفر لكان ذلك صواباً، مؤدياً للواجب من حق الله – تعالى -. فكذلك مسألة الأحرف السبعة، فإن الله خيرهم فيها توسعة لهم وتسهيلاً عليهم، فإذا رأت الأمة الاقتصار على حرف واحد، من الأحرف السبعة؛ لأمر أوجب ذلك، من خوف الاختلاف، والكفر الذي قد يكون من بعضهم لبعض بسبب القراءة بالأحرف السبعة، كان الصواب – بل الواجب – هو الاقتصار على حرف واحد منها، مع أمن الاختلاف، والتفرق. وهذا ما أدركه الخليفة الثالث، ووافقه عليه أصحاب الرسول – ﷺ – فكان فيه الخير، والرشد، والهدى، وقد أوضح ذلك الإمام ابن جرير في مقدمة التفسير (٢) .
ومقصد البخاري: قوله: ﴿فَاقرَءُواْ مَا تَيَسَرَ مِنهُ﴾ فأسند القراءة إليهم، مما يدل على أنها فعلهم، ولما فيها من وصف التيسير، فإنهم يختلفون في ذلك،