كمال، والله -تعالى- أحق بكل كمال، فيمتنع أن يثبت للمخلوق كمال إلا والخالق أحق به، كما يمتنع أن يتنزه المخلوق عن نقص إلا والخالق أحق بتنزهه منه؛ لأنه هو الذي أعطى الكمال للكاملين.
ومن لم يتصف بصفات الكمال، من الحياة، والعلم، والسمع، والبصر، والقدرة، والكلام، وغير ذلك:
فإما أن يكون قابلاً للاتصاف بذلك ولم يتصف به.
أو غير قابل للاتصاف به.
فإن قبله ولم يتصف به، كان موصوفاً بصفات النقص، كالموت، والجهل، والعمى، والصمم، والعجز، والبكم.
فإن لم يقبل الاتصاف بهذه الصفات، كان أنقص من القابل الذي لم يتصف بها.
فالحيوان الذي يكون تارة سميعاً، وتارة أصم، وتارة بصيراً، وتارة أعمى، وتارة متكلماً، وتارة أخرس، أكمل من الجماد الذي لا يقبل لا هذا، ولا هذا، فمن لم يصف الله -تعالى- بصفات الكمال، لزمه إما أن يصفه بهذه النقائص، أو يكون أنقص ممن وصف بهذه النقائص (١) .
قوله: "ووعدك الحق" أي: لا بد من وقوعه، على ما وعدت، فلا خلف فيه ولا تبديل.
"ولقاؤك حق" أي: لا بد للميعاد من ملاقاتك، فتجازيهم على أعمالهم، واللقاء يتضمن الرؤية، والمعاينة، كما سيأتي – إن شاء الله تعالى -.
"والجنة حق، والنار حق" أي: ثابتتان، موجودتان، كما أخبرت بذلك أنهما معدتان لأهلهما، فهما دار البقاء، وإليهما مصير العباد.
стр. 177
"والساعة حق" أي مجيء يوم القيامة حق لا مرية فيه، فهو ثابت لا بد منه، وهي نهاية الدنيا، ومبدأ الآخرة، وفي ضمن هذه الأخبار: الإخبار عن إيمانه بما ذكر، إيماناً لا يتزعزع، والساعة يعبر بها عن البعث، أي الساعة التي يبعث الله فيها الموتى من قبورهم أحياء، فيجمعهم بعد تفرق أجزائهم وتشتتها، بل واستحالتها تراباً، وهباء، وغير ذلك.
فيجمعهم، ويحييهم، كما كانوا في الدنيا، ويجازيهم بعد حسابهم، وحشرهم. وأدخلت الألف واللام في الساعة؛ لأنها معروفة المعنى عند المخاطبين بها، وأنها مقصود بها قصد الساعة التي وصفت، قاله الطبري (١) .
"اللهم لك أسلمت" أي: أذعنت لأمرك، وانقدت له، وخضعت لحكمك.
" وبك آمنت" أي: صدقت، وعملت بمقتضى ذلك، بعد تحققي بالإيمان بك.
"وعليك توكلت" أي: اعتمدت عليك، ووكلت أموري إليك، راضياً بما قضيته لي، بعد أن فعلت الأسباب التي جعلتها إليّ، دينية كانت، أو دنيوية.
فالتوكل: هو الاعتماد على الله -تعالى- والثقة به، وفعل الأسباب التي رتبت عليها الأشياء، والتي يستطيع العبد فعلها، وهو من أفضل العبادة، بل جاء ما يدل على أنه شرط في حصول الإيمان، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٢) .
стр. 178
"وإليك أنبت" أي: رجعت إليك طائعاً منقاداً، مذعناً، خاضعاً لك في جميع أموري.
"وإليك حاكمت" أي: كل من أبى قبول الحق، أو جحده، حاكمته إليك وجعلتك الحكم بيني وبينه مجانباً بذلك حكم كل طاغوت، من قانون وضعي، أو كاهن أو غيره، مما يتحاكم إليه البشر، من الأوضاع الباطلة شرعاً.
وقدم صلات هذه الأفعال كلها لإرادة التخصيص والحصر، أي: أخصك - يا رب- وحدك فيما ذكر، ولا أعدو ذلك بحال من الأحوال.
في هذا الحديث قدم الثناء على الله -تعالى- بأن له الحمد، وبما ذكر من صفاته، ثم توس إليه، -تعالى- بإيمانه بأن قوله حق، ووعده حق، إلى آخر ما ذكر، وأنه مذعن لأمره، منقاد لطاعته، وأنه معتمد عليه، وبه يخاصم وإليه يحاكم، ثم بعد ذلك سأل حاجته، وهي أن يغفر له ما قدم من خطأ، أو تقصير، وما أخر، وما أسر، وما أعلن.
ثم ختم ذلك بأنه لا مفزع، ولا ملجأ له، غير ربه -تعالى- فهو إلهه الذي يعبده بما ذكر، ويخاف عقابه - ويؤمل فضله ونواله، فقال: " أنت إلهي لا إله لي غيرك" فلا أتوجه إلى سواك، إذ كل مألوه غيرك باطل ودعوته ضلال ووبال، وهذا هو التوحيد الذي جاءت به رسل الله، وفرضه -تعالى- على عباده.
قوله: " فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وأسررت، وأعلنت".
أصل الغفر: الستر مع الوقاية، ومنه المغفر؛ لأنه يستر الرأس ويقيه من السلاح.
"ما قدمت" أي: قبل وقتي هذا.
"وما أخرت" أي: بعد وقتي هذا.
أي: اغفر لي ما عملت من الذنوب،
стр. 179
وما سأعمله، وما ظهر منها لأحد من خلقك، وما خفي عنهم، ولم يعلمه غيرك.
وقوله في الرواية الأخرى: " أنت الحق، وقولك الحق، " فيها البيان بأن اسم الحق يقع على ذات الله -تعالى- اسماً، كما سبق بيانه، ويقع على صفاته، كما في قوله: " وقولك الحق".
وفي هذا الحديث وأمثاله دليل على وقوع الذنوب من الأنبياء، إذ لو لم يكن له ذنب كيف يسأل المغفرة؟ وقد قص الله -تعالى- ما وقع لبعض الرسل من
المخالفات، وهذه مسألة مشهورة عند العلماء، وقد ألف فيها مؤلفات خاصة، وقد اتفق أهل السنة على أن ما يبلغونه من أمر الله وشرعه أنهم معصومون فيه من الخطأ، وأما وقوع الذنوب منهم ففيه الخلاف، وقد بالغ بعض الناس، وكفر من قال بوقوع الذنب منهم، وهذا جهل من قائله.
стр. 180
قال شيخ الإسلام: " اتفق المسلمون على أنهم معصومون فيما يبلغون عن الله -تعالى-، وبهذا يحصل المقصود من البعثة، ولو لم تقع منهم الذنوب لفاتهم ما في التوبة من محبة الله وفرحه، ورفع درجة التائب، وكون التائب بعد التوبة أفضل منه قبلها، مع ما في القول بأن الذنوب لا تقع منهم من تكذيب لكتاب الله، وأخبار رسوله، أو تحريف لها، ومن اعتقد أن كل من لم يكفر، ولم يذنب، أفضل من كل من آمن بعد كفره، أو تاب بعد الذنب، فهو مخالف لما علم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن من المعلوم أن الصحابة أفضل من أبنائهم الذين ولدوا في الإسلام.
وقد قال -تعالى- في أفضل الرسل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ لما نزلت قال الصحابة: يا رسول الله، هذا لك، فما لنا؟ فأنزل – : ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ .
وتوبة الأنبياء واستغفارهم أدلته كثيرة، فكيف يقال: إنه لم يكن لهم ما يوجب التوبة والاستغفار، ولا تفضل الله عليهم بمحبته، وفرحه بتوبتهم، ومغفرته لهم ورحمته، واعتراف جليل القدر بما هو عليه من الحاجة إلى التوبة والاستغفار دليل على صدقه، ورفعته، وتواضعه، وعبوديته لله تعالى – والغنى عن الحاجة من خصائص الربوبية وقد قال – ﷺ : " اللهم اغفر خطئي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي" (١) .
قال: " باب: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ " (٢)
يريد بهذه الترجمة بيان أن هاتين الصفتين – السمع والبصر- ثابتتان لله بالكتاب والسنة، وإجماع أتباع الرسل، وبالعقل، والفطرة، وبيان أن الله -تعالى- لم يزل بصفاته، وبيان أن المنكر لهاتين الصفتين قد ضل عن كتاب الله، وسنة رسوله، واتبع غير سبيل المؤمنين أتباع الرسل.
قال القسطلاني: " وقد علم بالضرورة من الدين، وثبت في الكتاب والسنة، بحيث لا يمكن إنكاره ولا تأويله، أن الباري -تعالى- حي سميع بصير، وانعقد إجماع أهل الأديان – بل جميع العقلاء- على ذلك" (٣) .
"فالسمع، والبصر، والحياة، والعلم، والقدرة، والكلام، ونحوها، صفات كمال لا نقص فيها، فمن اتصف بها أكمل ممن لا يتصف بها، والنقص في انتفائها لا في ثبوتها بإجماع العقلاء، والقابل للاتصاف بها كالحيوان أكمل، ممن لا يقبل الاتصاف بها كالجماد" (٤)
قلت: الحامل على إنكار ذلك هو الجهل بالله -تعالى- والقياس الفاسد؛ حيث قاسوا ذلك على ما يعرفون من أنفسهم بأن السمع ينشأ عن وصول الهواء إلى عصب الصماخ، والبصر عبارة عن وقوع أشعة الإبصار على جسم مقابل.
قالوا: هذا لا يكون إلا من جوارح وأجسام.
стр. 181
فيقال لهم: هذه صفة أسماعكم وأبصاركم، أما رب العالمين فصفاته تابعة لذاته، وذاته ليس لها نظير أو شبيه، فكذلك صفاته تعالى.
وكيفية صفاته -تعالى- مجهولة للخلق، ويكفينا أن نعلم أنه -تعالى- متصف بما وصف به نفسه ووصفته به رسله حقيقة، وأنه في ذلك ليس له مثل، كما قال -تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
قال الحافظ: " قال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب الرد على
من قال: إن معنى "سميع بصير" عليم، قال: ويلزم من قال ذلك أن يسويه بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء، ولا يراها، والأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتاً، ولا يسمعها، ولا شك أن من سمع وأبصر، أدخل في صفة الكمال، ممن انفرد بأحدهما دون الآخر.
فصح أن كونه سميعاً بصيراً، يفيد قدراً زائداً على كونه عليماً.
وكونه سميعاً بصيراً يتضمن أنه يسمع بسمع، ويبصر ببصر، كما تضمن كونه عليماً أنه يعلم بعلم، ولا فرق بين إثبات كونه سميعاً بصيراً، وبين كونه ذا سمع وبصر، وهذا قول أهل السنة قاطبة" (١)
وقال البيهقي: " السميع من له سمع يدرك به المسموعات، والبصير من له بصر يدرك به المرئيات، وكل منهما في حق الباري صفة قائمة بذاته" (٢) .
وقد تكاثرت الأدلة من كتاب الله -تعالى- ومن سنة رسوله – ﷺ على إثبات السمع والبصر صفتين لله -تعالى- حقيقتين على ما يليق بعظمته -تعالى- قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٣) ، ﴿وَكَانَ اللهُ
стр. 182
سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١) ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢) ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٤) ، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥) ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٦) ، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٧) ، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٨) .
في آيات كثيرة قد ذكر الله -تعالى- في القرآن السمع والبصر، واصفاً بهما نفسه، فيما يقرب من مائة آية، مرة يجمع بين السمع والبصر، ومرة بين السمع والعلم، ومرة يذكر البصر وحده متعلقاً بعمل العباد، كقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٩) ، ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١٠) .
وقد تقرر في الفطر والعقول، أن عدم السمع والبصر، والأرجل والأيدي، نقص وعيب يمتنع معه دعوة الفاقد لذلك؛ لامتناع كونه إلهاً، إذ الإله يجب أن يكون سميعاً بصيراً حياً قادراً، كاملاً، لا نقص فيه، ولا عيب، قال –تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ
стр. 183
لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٩٤﴾ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (١) .
وقال -تعالى- عن خليله إبراهيم في دعوته أبيه إلى الله -تعالى- ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ (٢) .
وأما سنة رسول الله – ﷺ فقد جاءت موافقة لما في كتاب الله ومبينة له، وهي كثيرة جداً، نكتفي بذكر يسير منها بالإضافة إلى ما ذكره البخاري في الباب.
فمن ذلك ما رواه أبو داود بسنده على شرط مسلم، عن أبي هريرة أنه قرأ قول الله -تعالى-: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٣) فوضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه، وقال: " رأيت رسول الله – ﷺ يقرأ ويضع إصبعيه" (٤) . قال البيهقي عقب روايته لهذا الحديث: " والمراد بالإشارة في هذا الخبر: تحقيق الوصف لله – – بالسمع والبصر، فأشار إلى محل السمع والبصر منا لإثبات صفة السمع والبصر لله -تعالى-، وأفاد هذا الخبر أنه سميع بصير، له سمع وبصر، لا على معنى أنه عليم، إذ لو كان بمعنى العلم لأشار في تحقيقه إلى القلب؛ لأنه محل العلوم منا" (٥) .
ثم ذكر البيهقي لحديث أبي هريرة هذا شاهداً، من حديث عقبة بن عامر، سمعت رسول الله – ﷺ يقول على المنبر: " إن ربنا سميع بصير،
стр. 184
وأشار بيده إلى عينيه" (١) قال الحافظ: سنده حسن (٢) ، وروى اللالكائي عن ابن عباس أنه قرأ قوله –تعالى-: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ فأشار بيده إلى عينيه (٣) .
قال ابن خزيمة: " نحن نقول: لربنا عينان يبصر بهما ما تحت الثرى، وتحت الأرض السابعة السفلى، وما في السماوات، وما بينهما من صغير وكبير، لا يخفى
عليه خافية، فهو تعالى يرى ما في جوف البحار ولججها، كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه" (٤) .
فالسمع والبصر من الصفات الثابتة لله -تعالى- بقوله عن نفسه، ويقول رسوله – ﷺ ، وبالعقل، والفطرة، وإجماع أهل العلم والإيمان، ولم ينكر ذلك إلا شواذ الطوائف المارقة من الحق، كالجهمية، وإخوانهم من بعض المعتزلة، وليس معهم على ذلك إلا التحذلق، والكلام الفارغ من الحق والمعنى الصحيح، أو التوهم بأن إثبات الصفات يقتضي التشبيه، حيث توهموا أن صفات الله كصفات خلقه، تعالى الله.
قوله -تعالى-: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ، "كان" هنا تدل على الدوام والاستمرار الذي يعم جميع الأوقات، كما قال علماء النحو: " إن "كان" تستعمل بمعنى: بقي على حاله، واستمر شأنه، وسيستمر من غير انقطاع، ولا تقيد بزمن، نحو: كان الله غفوراً رحيماً" (٥) .
قال ابن جرير: " إن الله لم يزل ﴿سميعاً﴾ بما تقولون، وتنطقون، وهو سميع لذلك منك إذا حكمتم بين الناس، ولما تحاورونهم به.
стр. 185
﴿بصيراً﴾ بما تفعلون فيما ائتمنتم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم، وما تقضون به بينهم من أحكامكم، بعدل تحكمون أو جور، لا يخفى عليه شيء من ذلك، حافظ ذلك كله، حتى يجازي محسنكم بإحسانه، ومسيئكم بإساءته، أو يعفو بفضله" (١)
قوله: " قال الأعمش، عن تميم، عن عروة، عن عائشة، قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، فأنزل الله -تعالى- على النبي – ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ".
هذا الحديث رواه أحمد في "المسند" موصولاً (٢) ، وابن ماجه في "السنن" (٣) ، والنسائي (٤) ، وكلهم بأتم مما ذكر البخاري.
ولفظهم: " أنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة – وللنسائي- خولة – إلى النبي – ﷺ وأنا في ناحية البيت، وما أسمع ما تقول، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية.
ورواه ابن ماجه في كتاب الظهار من "السنن" بأتم مما هنا (٥) .
قال ابن عبد البر: " روينا من وجوه عن عمر بن الخطاب، أنه خرج ومعه الناس فمر بعجوز، فاستوقفته، فجعل يحدثها وتحدثه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست الناس على هذه العجوز، فقال: ويلك! أتدري من هذه؟
стр. 186
هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة التي أنزل الله فيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ والله لو أنها وقفت إلى الليل ما فارقتها إلا لصلاة، ثم أرجع إليها " (١) .
قال ابن كثير: ورواه ابن أبي حاتم، وساقه بسنده (٢) .
قوله: " وسع سمعه الأصوات" أي: استوعبها وأدركها فلا يفوته منها شيء وإن خفي، فحينما ذكرت المرأة قصتها لرسول الله – ﷺ وقال لها: " قد حرمت عليه" جعلت تقول – بصوت منخفض يخفى على عائشة مع قربها منها-: بعدما
كبرت سني ظاهر مني؟ إلى الله أشكو حال صبية إن ضممتهم إليَّ جاعوا، وإن تركتهم عنده ضاعوا. فهذه مجادلتها لرسول الله – ﷺ التي ذكرها الله –تعالى- بقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ وهذا من أبلغ الأدلة على اتصاف الله –تعالى- بالسمع، وهو أمر معلوم بالضرورة من الدين، لا ينكره إلا من ضل عن الهدى.
وقول عائشة هذا يدل على أن الصحابة – ﵃، آمنوا بالنصوص على ظاهرها الذي يتبادر إلى الفهم، وأن هذا هو الذي أراده الله منهم ومن غيرهم من المكلفين ورسوله، إذ لو كان هذا الذي آمنوا به واعتقدوه خطأ لم يقروا عليه ولبين لهم الصواب، ولم يأت عن أحد منهم تأويل هذه النصوص عن ظواهرها، لا من طريق صحيح ولا ضعيف، مع توافر الدواعي على نقل ذلك مما يبين قطعاً أن الذي أريد منهم، ومن كل مؤمن، هو ظاهر الخطاب، وهذا واضح لمن تأمل النصوص، وعرف حال الصحابة.
وبهذا يتبين بطلان التأويل، وأنه سلوك غير سبيل الرسول – ﷺ وصحابته، والتابعين لهم، إلى نهاية الدنيا.
стр. 187
١٦-قال: " حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي عثمان، عن أبي موسى، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: " اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، تدعون سميعاً بصيراً قريباً" ثم أتى علىّ، وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: " يا عبد الله ابن قيس، قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة" أو قال: " ألا أدلك به".
قوله: " كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا" هذا مما كان النبي ﷺ يفعله، فكان يكبر إذا علا نشزاً، ويسبح إذا هبط في منخفض من الأرض، وقد بوب البخاري ﵀ على الأمرين في الجهاد والدعوات من "صحيحه"، فقال: باب التسبيح إذا هبط وادياً، وبعده: باب التكبير إذا علا شرفاً.
قال المهلب: " تكبيره ﷺ عند الارتفاع، استشعار لكبرياء الله - عزوجل -، وعندما تقع عليه العين من عظيم خلق الله أنه - أكبر من كل شيء.
والتسبيح في الأماكن المنخفضة استشعار بتنزيهه -تعالى - عن صفة السفل والانخفاض" (١) .
وفيه دليل على علو الله -تعالى- فوق كل شيء، وأنه لا يجوز أن يكون شيء من خلقه فوقه، تعالى وتقدس، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله -تعالى-.
قوله: " فقال: " اربعوا على أنفسكم" أي: ارفقوا بأنفسكم، فلا تكلفوها
стр. 188
برفع أصواتكم، فإنه لا حاجة إلى ذلك، فإن من تكبرونه وتسبحونه سميع بصير، يسمع الأصوات الخفية كما يسمع الجهرية، ويرى الأشياء وإن دقت، فلا يخفى عليه شيء.
قوله: " فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائباً" قال صاحب "القاموس": "الصمم: انسداد الأذن، وثقل السمع، بحيث لا يسمع الأصوات إلا إذا كانت مرتفعة عالية" (١) .
وقيل: هو انسداد الأذن، وذهاب سمعها.
قوله: " غائباً" أي: ليس بعيداً ومستور الرؤية والسمع عنكم، فيحتاج إلى المناداة ورفع الأصوات كما قال -تعالى-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢) .
ولهذا قال: " تدعون سميعاً بصيراً قريباً" وهذه صيغ مبالغة لله؛ لأن له -تعالى- تمام الكمال من هذه الصفات، فلا يفوت سمعه أي حركة وإن خفيت، فيسمع دبيب النملة على الصفاة الصماء في ظلمة الليل، وأخفى من ذلك، كما أنه -تعالى- لا يحجب بصره شيء من الحوائل، فهو يسمع نغماتكم وأصوات أنفاسكم وجميع ما تتلفظون به من كلمات، ويبصر حركاتكم، وهو معكم قريب من داعيه، وهو أيضاً مع جميع خلقه باطلاعه وإحاطته، وهم في قبضته، ومع ذلك هو على عرشه عال فوق جميع مخلوقاته، ولا يخفى عليه خافية في جميع مخلوقاته مهما كانت، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله - في مكانه.
قوله: " قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة" الكنز هو: المال النفيس المحفوظ، والجمع والادخار يسمى: كنزاً.
стр. 189
وكنز الجنة: الأعمال الصالحة الفضيلة، التي يقبلها الله ويرضاها، فيحفظها ويدخرها لصاحبها، فيكون سبباً في دخوله الجنة ورفع منزلته فيها، وهو دليل على تفاضل الأعمال، والأدلة على ذلك كثيرة جداً.
ومعنى هذه الكلمة: لا تحول من حالة إلى أخرى، ولا انتقال من أمر إلى آخر، ولا قوة على ذلك، ولا قدرة إلا بالله، فهو المعين عليه والمهيئ لأسبابه والموجد لها، فهي استسلام لله، وإذعان لقدرته وإرادته، وإقرار بأنه لا يقع حركة أو سكون إلا بمشيئته - جلا وعلا-.
стр. 190
١٧-قال: " حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، أخبرني عمرو، عن يزيد، عن أبي الخير، سمع عبد الله بن عمرو، أن أبا بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ قال: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي من عندك مغفرة، إنك أنت الغفور الرحيم ".
عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي، السهمي، أبو محمد، أسلم قديماً، وكان من أفاضل الصحابة وعبادهم، ومن العلماء المكثرين عن رسول الله ﷺ ، فقد ثبت عن حافظ الأمة أبي هريرة ﵁ قوله: " ما كان أحد أكثر مني حديثاً عن رسول الله ﷺ إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب" (١) .
ومع ذلك فالمروي عنه أقل بكثير من المروي عن أبي هريرة، وقد قيل: إن السبب في ذلك أن عبد الله سكن مصر، والوارد إليها من الناس قليل، وأبو هريرة سكن المدينة، وهي مجمع الناس.
قيل: إنه توفي في مصر، وقيل: في الطائف، وقيل: في مكة، وقيل: في فلسطين، سنة ثلاث وستين؛ أو خمس وستين، عن اثنتين وسبعين سنة، ﵁، وعن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين.
وأما أبو بكر فهو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، القرشي، كان أبيض نحيفاً خفيف العارضين، وهو أفضل من صحب رسول الله ﷺ ، وهو أعلم الصحابة بالله ورسوله، وهو أول من أسلم من الرجال، ولسرعته إلى تصديق الرسول ﷺ وشدة قبوله لقوله سمي: الصديق، وهو رفيق رسول الله ﷺ في الهجرة، وصاحبه في الغار، كما قال الله
стр. 191
-تعالى-: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (١) ، وقد أخبر النبي ﷺ أنه أمن الناس عليه، وأنه لو اتخذ من الناس خليلاً لاتخذ أبا بكر خليلاً، كما ثبت في "الصحيحين"، وأخبر أنه أحب الناس إليه من الرجال، وأن ابنته عائشة زوج رسول الله ﷺ أحب الناس إليه من النساء.
أمره رسول الله ﷺ أن يؤم الناس في مرض موته، ولما روجع في ذلك غضب، وقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس.
وفضائله كثيرة، وقد كتب فيه مؤلفات، توفي ﵁ سنة ثلاث عشرة من الهجرة، ودفن جوار رسول الله ﷺ (٢) .
قوله: " إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً" الظلم هو: وضع الشيء في غير موضعه.
"وهذا يدل على أن الإنسان لا ينفك عن الذنوب، والتقصير في حقوق الله، كما في الحديث: " كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" (٣) ؛ لأنه أطلق هذا الظلم ولم يقيده، أو يخصصه بزمن دون آخر، أو بحالة دون حالة، فلو كان هناك حالة أو زمن من عمر الإنسان لا يكون فيه ظلم ما صح هذا الإطلاق، ولا صار مطابقاً للواقع" (٤) .
قوله: " ولا يغفر الذنوب إلا أنت " تقدم معنى الغفر في اللغة، والمقصود محو الذنوب ووقاية تبعاتها، وهذا لجوء إلى التوحيد، وأنه لا مفر ولا ملجأ يفزع
стр. 192
إليه في غفران الذنوب، ووقاية شرها إلا الله وحده، ولا طريق يسلك لذلك إلا الانطراح بين يدي رب العالمين، والافتقار إليه، والتوجه بكلية العبد إليه، وإخلاص الدعاء له وحده، رغبة ورهبة، كما قال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) .
فعلم العبد بأنه لا يغفر الذنوب إلا الله يضطره إلى اللجوء إليه -تعالى- والإخلاص له، وليس هناك طريق للنجاة إلا هذا الطريق، ولهذا قيل: " إن التوحيد مفزع أولياء الله، وأعدائه" أما أولياء الله فأمرهم ظاهر، وأما أعداؤه: فكانوا إذا وقعوا في الشدائد أخلصوا الدعاء لله وحده، كما ذكر الله عنهم في القرآن، ونظر العقل يؤدي إلى هذا دائماً.
قوله: " فاغفر لي من عندك مغفرة" أي أنه لا حيلة لي ولا خلاص إلا بأن تمن علي أنت وحدك بالمغفرة، فتستر ذنوبي، وتعفو عني، وتقيني ما يترتب عليها من تبعات وشرور.
وقال: " من عندك" ليبين الاختصاص، أي أن المغفرة منك وحدك تفضل بها عليّ، بدون استحقاق، بل هي محض جودك وكرمك.
وقوله: " إنك أنت الغفور الرحيم" ختم هذا الدعاء، بهذين الاسمين الكريمين، لمناسبتهما للمطلوب، فالغفور يناسب طلب المغفرة.
والرحيم يناسب طلب التفضل والجود، وهو قريب من الأول، وهذا من معاني دعاء الله بأسمائه الحسنى.
" وقد جمع في هذا الدعاء الشريف العظيم القدر بين الاعتراف بحاله والتوسل إلى ربه بفضله وجوده، وأنه المنفرد بغفران الذنوب، ثم
стр. 193
سأل حاجته بعد التوسل بالأمرين معاً، وهكذا أدب الدعاء، وأدب العبودية" (١) .
والمقصود من الحديث في هذا الباب أن المدعو لا بد أن يكون سميعاً يسمع دعوة الداعي إذا دعاه، بصيراً بحاله فيوصل إليه ما طلب بقدرته، وإلا تكون دعوته ضلال وسدى، ففي الدعاء واستجابة الله، -تعالى- لعبده الداعي برهان على أنه سميع، بصير، قادر، حي، عليم، وقد قال الله -تعالى- فيمن يدعو من لا يسمع ولا يبصر: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴿٥﴾ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٢)
وقال -تعالى- عن خليله إبراهيم في دعوته لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ (٣) .
" وقد قال ابن عقيل: قد ندب الله -تعالى- إلى الدعاء، وفي ذلك معان:
أحدها: الوجود، فإن من ليس بموجود لا يدعى.
الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يدعى.
الثالث: السمع، فإن الأصم لا يدعى.
الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يدعى.
الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يدعى.
السادس: القدرة، فإن العاجز لا يدعى.
стр. 194
ومن يقول بالطبائع، يعلم أن النار، لا يقال لها: كفي، ولا النجم يقال له: أصلح مزاجي، لأن هذه عندهم مؤثرة طبعاً لا اختياراً، فشرع الدعاء، وصلاة الاستسقاء، ليبين كذب أهل الطبائع" (١) .
و"فعل السمع يراد به أربعة معان:
أحدها: سمع إدراك، ومتعلقه الأصوات.
الثاني: سمع فهم، وعقل، ومتعلقه المعاني.
الثالث: سمع إجابة وإعطاء ما سئل.
الرابع: سمع قبول، وانقياد.
فمن الأول: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ، و ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ (٢) .
ومن الثاني: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ (٣) ، أي: سمع فهم وعقل، ومن الثالث: سمع الله لمن حمده، ومن الرابع: قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: قابلون له، ومنقادون، فسمع الإدراك يتعدى بنفسه، وسمع القبول يتعدى باللام، وبمن، ولإجابته بمن" (٤) .
стр. 195
١٨- قال: " حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني عروة - أن عائشة ﵂ حدثته، قال النبي ﷺ : إن جبريل ﵇ ناداني، قال: " إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك".
اختصر البخاري هذا الحديث هنا - فذكر الشاهد منه، وقد ذكره بتمامه في بدء الخلق، ولفظه: " قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟
قال: " لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت - وأنا مهموم- على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال النبي ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئاً" (١) .
ففي هذا الحديث البيان الواضح في أن الله -تعالى- يسمع أقوال عباده، وأنه لا يخفى عليه -تعالى- من ذلك شيء.
стр. 196
وصفة السمع والبصر من الصفات اللازمة لله -تعالى- وقد-تعالى- تقدم بيان ثبوت ذلك له -تعالى- عقلاً، وشرعاً، وفطرة، وأن من أنكر ذلك عرف به وأعلم إن كان جاهلاً، وإلا حكم عليه بالكفر؛ لإنكاره الحق الواضح، الواجب اعتقاده والإيمان به؛ لأنه أنكر ما ثبت، وتواترت عليه كتب الله، وجاءت به جميع رسله، فهو أمر ضروري.
стр. 197
قال: " باب قول الله -تعالى-: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ (١) ".
هذا الخطاب الكريم، وأمثاله كثير في كتاب الله -تعالى- عام شامل، يجب أن يفهم على عمومه، كما يجب أن يفهم مراد الله -تعالى- فيه، وفي غيره من خطاباته -تعالى-.
"وقد اتفق المسلمون وسائر أهل الملل على أن الله -تعالى- على كل شيء قدير، كما في نصوص القرآن الكريم، وغيره من كتب الله -تعالى- وما وجد من أفراد مسائل وقع الخلاف فيها، فهو بسبب عدم فهم النصوص، كقول من يدخل في هذا العموم، الممتنع لذاته، مثل الجمع بين الضدين، ككون الشخص ميتاً حياً في آن واحد، والجمع بين الحركة والسكون، والسواد والبياض، وما أشبه ذلك.
وكذا من لا يدخل ذلك في هذا العموم، فلا يكون ذلك داخلاً عندهم في عموم القدرة.
والحق أن الممتنع لذاته ليس شيئاً، ولا وجود له في الخارج، بل لا يتصوره الفكر ثابتاً في خارج الذهن، ويمتنع تحققه في الأعيان وتصوره في الأذهان، إلا على وجه التمثيل، فهو ليس بشيء، لا في الأعيان، ولا في الأذهان، فلا يصلح أن يقال: إنه خارج من هذا العموم، أو داخل فيه؛ لأن هذا يجعل له وجوداً ولو في الفرض، فيوقع في الشبه والشكوك، بل يقال: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا ليس بشيء.
وأما المعدوم، فليس بشيء أيضاً في الوجود الخارج، ولكنه شيء في
стр. 198
التصور والذهن، وما علم الله -تعالى- أنه سيكون، فهو شيء في التقدير، والعلم والكتاب، وإن لم يكن شيئاً في الخارج كما قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) .
فلفظ الشيء في الآية يتناول ما وجد، وما يتصوره الذهن موجوداً، ولا يستثنى من ذلك شيء، لا أفعال العباد، ولا أفعاله -تعالى-، سواء المتعدية، أو اللازمة،
كما قال -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) .
فجمع في الآية بين النوعين من الأفعال، المتعدية واللازمة.
والقدرة تتعلق بكل ما تتعلق به المشيئة، فإن ما شاء الله كان، ولا يكون شيء إلا بقدرته -تعالى-: ولهذا قال -تعالى-: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ﴾ (٣) . ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤)
والشيء في الأصل، مصدر شاء، يشاء، شيئاً، كنال، ينال، نيلاً، ثم وضعوا المصدر موضع المفعول، فسموا "المشاء" شيئاً، كما سموا المنال: نيلاً، فقالوا: نيل المعدن، كما يسمى المقدور: قدرة، والمخلوق: خلقاً، فقوله تعالى: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: على كل ما يشاء، فمنه ما قد شاءه فوجد، ومنه ما لم يشأه ﴿فلم يوجد﴾ وهو شيء في العلم، بمعنى أنه قابل لأن يشاءه.
стр. 199
فهذا العموم يتناول ما كان شيئاً في الخارج، والعلم، وما كان في العلم فقط، بخلاف ما لا يجوز أن تتناوله المشيئة، وهو الحق -تعالى- وصفاته، أو الممتنع لنفسه، فإنه غير داخل في العموم، ولهذا اتفق الناس على أن الممتنع لنفس ليس بشيء" اهـ (١) .
стр. 200
١٩- قال: " حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن بن عيسى، حدثني عبد الرحمن ابن أبي الموالي، قال: سمعت محمد بن المنكدر يحدث عبد الله بن الحسن، يقول: أخبرني جابر بن عبد الله، السلمي، قال: كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر - ثم تسميه بعينه - خيراً لي، في عاجل أمري وآجله - قال: أو: في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري- فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به".
جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، الأنصاري الخزرجي، من أكابر علماء الصحابة، والحريصين على تحصيل العلم، فقد ذكر له عدة رحلات في طلب الحديث، منها: أنه رحل من المدينة إلى مصر من أجل حديث واحد، كما ذكره البخاري في "صحيحه" معلقاً، وكان حافظاً مكثراً عن رسول الله ﷺ ، وهو مفتي المدينة في زمانه، له مناقب كثيرة.
قال الواقدي: توفي سنة ثمان وسبعين، وقال صاحب الحلية: سنة سبع وسبعين. قيل: إنه عاش أربعاً وتسعين سنة، ﵁ وعن سائر صحابة رسول
стр. 201
الله ﷺ (١) .
قوله: " يعلمنا الاستخارة" أي: صلاتها ودعاءها، وهذا من تمام شفقته على أمته، وحرصه على حصول الخير لهم، ودفع كل شر عنهم، وبمثل هذا يعلم أنه ﷺ ما كان ليترك باب ما يعتقدونه في ربهم، من الإيمان بأسمائه وصفاته، وما يجب له، وما يمتنع عليه، ما كان ليترك ذلك بدون إيضاح وبيان لا يحصل معه أي التباس أو اشتباه، وهذا واضح جلي من دعوة الرسول ﷺ ، ومن حاله، وهو موجب الرسالة، ومن حالة أصحابه أيضاً.
الاستخارة: طلب الخير من أحد الأمرين، الفعل لما هم به، أو الترك، وهي مشروعة في عامة الأمور، كما يدل عليه هذا الحديث، لا يخرج من عموم ذلك إلا الواجب، والمحرم، أما المستحب والمكروه، ففيهما تفصيل، يذكر في كتب الآداب الشرعية، وكتب الفروع.
وقوله: " كما يعلمنا السورة من القرآن " بيان لشدة الاهتمام بها والاعتناء، وهذا من محاسن الإسلام الظاهرة لكل عاقل، وقد كان العرب قبل ذلك إذا هم أحدهم بالأمر ذهب يستقسم بالأزلام، أو ذهب يزجر الطير ليستدل بطيرانه أو نعابه على ما سيحصل له في المستقبل، أو ذهب إليه الكهنة وإخوان الشياطين، وهذا كله رجم بالغيب، وشرك بالله، فعوضه الإسلام عن ذلك بالفزع إلى من بيده أزمة الأمور كلها، ومن يملك الخير والشر، فيقدمون بين يدي ذلك ركعتين، لتكونا وسيلة بين يدي الطلب، ثم يتوجهون إلى ربهم بهذا الدعاء، الذي فيه التوسل إليه -تعالى- بأسمائه وصفاته، وتوحيد الطلب والنية والقصد.
وقوله: " ليركع" أمر بالركوع، ويحمل على الندب؛ للأدلة الدالة على عدم الوجوب.
стр. 202
قوله: " من غير الفريضة" يدل على عدم حصول سنة الاستخارة بالدعاء عقب صلاة الفرض، بل لابد أن تكون بركعتين غير الفريضة، ثم يدعو بهذا الدعاء.
قوله: " اللهم إني أستخيرك" أي: أطلب منك بيان وتيسير ما هو خير لي.
قوله: " بعلمك" أي: أسألك وأتوسل إليك بصفتك، صفة العلم، أن ترشدني إلى الخير فيما أريد، فإنك عالم به لا يخفى عليك شيء.
وهذا صريح في إثبات صفة العلم لله -تعالى- ودعائه به، والأدلة عليه لا حصر لها، كما سبقت الإشارة إليه.
وقوله: " وأستقدرك" أي: أسألك أن تجعلني قادراً على فعل ما أريد، وتهيء أسباب ذلك لي.
وقوله: "بقدرتك" وهذا سؤال لله -تعالى- بصفته التي هي القدرة، أي: أنت القادر الذي لا يعجزه شيء، فأسألك بهذه القدرة العظيمة أن تنيلني ما أريد، وهذا هو محل الشاهد من الحديث للباب، كما هو ظاهر.
ثم عاد إلى التوسل بهاتين الصفتين، بقوله: " فإنك تقدر ولا أقدر" الخ، يعني: لك القدرة الكاملة الشاملة، فأسألك بها، كما أني أسألك بفقري إليك وعجزي، فليس لي قدرة على شيء حتى تجعلني قادراً عليه، وتيسر لي أسبابه، وأنت تعلم عواقب الأمور، وما تؤول إليه، بل لا يخفى عليك شيء في الماضي، والحاضر، والمستقبل، فعلمك شامل لكل شيء، ولا علم لي بشيء من ذلك إلا ما علمتني.
وقوله: " وأنت علام الغيوب" أي: ذلك خاص بك، لا يعلمه سواك.
قوله: " ثم يسميه بعينه" ظاهر في أنه يتلفظ به معيناً له باسمه؛ ليكون بذلك أقوى على اجتماع العزم على طلبه.
стр. 203
"في عاجل أمري وآجله" أي: في دنياي وآخرتي.
"أو في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري" شك من الراوي: هل قال الأول أو الثاني؟ والمعنى واحد.
وقوله: " فاقدره لي، ويسره لي" اقض به لي، واجعلني قادراً على الحصول عليه، وسهل لي أسبابه بحيث أناله بلا مشقة وكلفة، وفي هذا: أنه لا يحصل شيء إلا بسبب.
"ثم بارك لي فيه " اجعل فيه بركة تنميه وتزيده، وفيما يترتب عليه.
"اللهم إن كنت تعلم أنه شر لي، في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري- أو قال: عاجل أمري وآجله- فاصرفني عنه" أي: هيئ الأسباب التي تصرف قلبي وتثني عزمي عن فعله.
"واقدر لي الخير حيث كان" أي: قدر لي فعل ما فيه خير لديني ودنياي، في أي مكان، وفي أي وقت.
"ثم رضني به" أي: اجعلني رضياً به، قانعاً، ناعم البال، مستغنياً عن خلقك، مستعيناً به على طاعتك، وشاكراً لك منقاداً لأمرك.
ومراد البخاري: إثبات صفة القدرة لله -تعالى- وأن قدرته -تعالى- عامة لكل مقدور، والرد على القدرية نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم، الذين يقيدون قدرة الله -تعالى- بما اخترعوه من عند أنفسهم، ولهذا اقتصر على هذا القدر من الآية، أي القادر على كل شيء.
فالله -تعالى- يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا مانع له، ولا يقدر غيره أن يمنعه مراده " فهو قادر على كل مقدور".
وكل ممكن يكون مقدوراً له، فما من ممكن في نفسه إلا والله قادر عليه.
وأما الممتنع لنفسه، فإنه ليس بشيء عند جميع العقلاء، إن تنازعوا في المعدوم
стр. 204
الممكن مثل إيمان الكافر: هل هو شيء أو لا؟ فأما الممتنع لنفسه: فلم يقل أحد إنه شيء في الخارج، والممتنع هو: ما لا يمكن وجوده في خارج الذهن، مثل كون الشيء موجوداً معدوماً (١) ، فإنه لا يعقل ثبوت ذلك، وكذا كون الشيء أسود كله وأبيض كله، وكون الجسم الواحد بعينه في الوقت الواحد في مكانين، والممتنع يراد به الممتنع لنفسه مثل هذه الأمور، ويراد به الممتنع لغيره مثل ما علم الله أنه لا يكون، وأخبر أنه لا يكون، وكتب ذلك، فهذا ممتنع، لأنه لو كان للزم أن يكون علم الله متخلفاً عن معلومه، وخبره بخلاف الواقع، تعالى عن ذلك، ولكن هو ممكن بنفسه والله قادر عليه، كما قال -تعالى-: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (٢) ، وقال -تعالى-: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (٣) ، وقال -تعالى-: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (٤) ، ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٥) .
وأمثال ذلك مما يخبر -تعالى- أنه لو شاء لفعله، فإن هذه الأمور التي أخبر أنه لو شاء لفعلها يلزم أنها ممكنة مقدورة له، فإيمان من علم الله أنه لا يؤمن مقدور له ممكن، لكنه لا يقع، وقد علم الله أنه لا يؤمن، مع كونه مستطيع الإيمان، كمن علم أنه لا يحج مع استطاعته الحج.
стр. 205
قال الله -تعالى-: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١)
وحقيقة الأمر هو ما أخبر الله به في غير موضع من كتابه أنه على كل شيء قدير، وهذا هو ما يعتقده أهل السنة المثبتون للقدر" (٢) .
стр. 206
"فعند أهل السنة أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجوداً معدوماً، فهذا لا حقيقة له، ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئاً باتفاق العقلاء، ومن هذا الباب خلق مثل نفسه، وأمثال ذلك" (١) .
قال: " باب مقلب القلوب" وقول الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ (٢) .
قال الراغب: " تقليب الشيء: تغييره من حال إلى حال، والتقليب: التصرف، وتقليب الله القلوب والبصائر: صرفها من رأي إلى رأي " (٣) .
قال ابن عباس: " لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، وردت عن كل أمر " (٤) .
وقال مجاهد: "ونحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم كل آية، فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة" (٥) .
قال الحافظ: " المراد بتقليب القلوب: تقليب أعراضها، وأحوالها، لا تقليب ذات القلب" (٦) .
أخبر -تعالى- أنه يعاقب من لا يقبل الحق، أو يرده أول ما يبلغه بتقليب القلب، وتركه يعمه في ضلاله وغيه، كما في هذه الآية المذكورة في الباب، وكما في قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٧) ، وفي هذا بيان أن الله -تعالى- إذا منع فضله الإنسان، بالهداية، أنه يكون منحرفاً ضالاً.
стр. 207
ومراد البخاري ﵀ وصف الله -تعالى- بأنه المنفرد بالتصرف في خلقه حتى قلوب العباد التي تنطوي على آرائهم، ونياتهم، وما يخططون لمستقبلهم، حيث يرى كثير منهم أو أكثرهم في الظاهر أنهم أحرار في أفكارهم، وما يريدونه، والواقع أن الله - تعالى- هو الذي يصرفهم في ذلك، فلا قدرة لهم إلا بعد مشيئته،
وبهذا يشير البخاري ﵀ إلى تمام قدرة الله التي سبق ذكرها في الباب قبل هذا، حيث بين بهذا أن الله هو المتصرف بالقلوب، فإن شاء جعلها مريدة للخير، وإن شاء جعلها مريدة للشر وبذلك يعلم أنه لا قدرة لأحد على شيء إلا بعد أن يجعله الله قادراً عليه، خلافاً لما يقوله الضالون عن الحق، من أهل البدع والانحراف.
стр. 208
٢٠-قال: " حدثنا سعيد بن سليمان، عن ابن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن عبد الله، قال: " أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف: لا، ومقلب القلوب".
ذكر البخاري ﵀ هذا الحديث في كتاب القدر، بلفظ: " كثيراً ما كان النبي- ﷺ يحلف" لا، ومقلب القلوب" (١) .
وذكر عن ابن عمر - أيضاً -: " كانت يمين النبي ﷺ لا، ومقلب القلوب" (٢) .
وفي رواية ابن ماجه: " كان أكثر أيمان رسول الله ﷺ : لا، ومصرف القلوب" (٣) .
قال الحافظ: " في هذا الحديث دليل على أن أعمال القلب، من الإرادات والدواعي وسائر الأعراض، بخلق الله -تعالى- وفيه جواز تسمية الله -تعالى- بما ثبت من صفاته على الوجه الذي يليق به" (٤) .
ففي هذا الحديث، وما هو نحوه من الدلائل، أن الله -تعالى- هو الذي يتولى قلوب العباد يصرفها كيف يشاء، وهذا من تمام ملكه، فلا ينازعه أحد في التدبير والتصرف، ولا يقع في الوجود إلا ما أراده، وبهذا يعلم مدى حاجة العبد إلى ربه، وأنه لا غنى له عنه طرفة عين، فلا بد له من هدايته وتوفيقه، وإلا ضل
стр. 209
وتاه في مهامه نهايتها الهلاك، والعذاب المؤبد، وهذا لا ينافي تكليف العباد بالأعمال التي يترتب عليها الجزاء، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى - في موضعه.
وفي " صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين، من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه
كيف يشاء" ثم قال رسول الله ﷺ : " اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك" (١) .
стр. 210
قال: " باب إن لله مائة اسم إلا واحدة ".
مراده بهذا الباب: وجوب إثبات أسماء الله -تعالى- على ما ورد في كتاب الله، وعن رسوله، وأن ذلك من التوحيد الذي بينه الرسول ﷺ ودعا أمته إلى الإيمان به، ووجوب اعتقاده، قال الله -تعالى-: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١) ، وقال - جل وعلا - ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٢) ، وقال ﵎: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٣) .
فهذه الآيات وغيرها مما في معناها، تدل على وجوب الإيمان بما لله -تعالى- من الأسماء الحسنى، الدالة على عظيم جلاله، وسمعة أوصافه، فكل اسم من أسمائه دال على كمال عظمته، وبذلك كانت حسنى، أما الأسماء التي لا تدل على صفات الكمال، فليست بحسنى، وكذلك إذا اشتركت دلالتها بين الكمال والنقص، أو دلت على مجرد علم محض، مثل إبراهيم، وزيد، فلا تكون حسنى حتى تدل على كمال الصفة التي اشتق منها الاسم، مثل "العليم" فإنه يدل على أن له علماً عاماً محيطاً بجميع الأشياء، لا يخرج عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، ومثل "القدير" الدال على قدرته التي لا يعجزها شيء، و"الرحيم" الدال على رحمته العظيمة التي وسعت كل شيء.
стр. 211
وهكذا كل أسمائه - جلا وعلا - وهذا تفصيل وبيان للباب الثاني من الكتاب، ولكونها حسنى أوجب على عباده دعاءه بها، كما يأتي في الباب بعد هذا، وتوعد الملحدين بها.
فيدعى بكل مطلوب بما يناسبه منها، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، وتب عليّ إنك عفو كريم، والطف بي يا لطيف، وارزقني يا رزاق، وهكذا.
"قوله: " إن لله مائة اسم إلا واحدة" التأنيث في لفظة "واحد" نظراً إلى التسمية أو الكلمة، كما يقول النجاة: " الكلمة اسم أو فعل أو حرف".
وقال ابن مالك: " أنت باعتبار معنى التسمية، أو الصفة، أو الكلمة" (١) .
وفي بعض روايته: " إلا واحداً".
قال ابن عباس: ﴿ذو الجلال﴾ : العظمة، ﴿البر﴾ : اللطيف".
في رواية: " ذو الجلال: العظيم"، فيكون "العظيم" تفسيراً لـ" ذو"، وعلى الأولى تفسيراً لـ" الجلال".
فذو الجلال: صاحب العظمة، الذي لا تقاس عظمته بشيء من خلقه - جل وعلا-.
وأما "البر" فهو: المحسن غاية الإحسان إلى خلقه، من غير استحقاق ولا مقابل، فهو بليغ الإحسان إلى خلقه، وإحسانه شامل لهم.
وأما " اللطيف" فهو: العالم بالخفيات، ودقائق الأمور، وغوامضها، والله أعلم.
стр. 212
وقال الزجاج: " اللطيف": المحسن إلى عباده في خفاء وستر، من حيث لا يعلمون" (١) .
стр. 213
٢١-قال: " حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة".
﴿أحصيناه﴾ حفظناه.
" قال جماعة من العلماء: الحكمة في قوله: " مائة إلا واحداً" بعد قوله: " تسعة وتسعين" أن يقرر ذلك في نفس السامع، جمعاً بين جهتي الإجمال والتفصيل، أو دفعاً للتصحيف الخطي، أو اللفظي" (١)
قوله: " إن لله تسعة وتسعين اسماً" هذا لا يقصد به حصر أسماء الله -تعالى- في هذا العدد المذكور، وإنما قصد الإخبار عما يترتب على إحصائها وجزائه، كما تقول: عندي مائة كتاب أعددتها للإعارة، فلا ينفي أن يكون عندك كتب غيرها، فالتقييد بهذا العدد عائد إلى الأسماء الموصوفة بهذه الصفة، وهي قوله: " من أحصاها دخل الجنة" فهذه الجملة محلها النصب صفة " لتسعة وتسعين"، ويجوز أن تكون في محل رفع على الابتداء، والمعنى " إن لله أسماء بقدر هذا العدد، من أحصاها دخل الجنة".
فأسماء الله -تعالى-، لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد، بدليل ما رواه الإمام أحمد في " المسند"، حدثنا يزيد، أنبأنا ابن مرزوق، حدثنا أبو سلمة الجهني (٢) ، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله، قال: قال
стр. 214
رسول الله ﷺ : " ما أصاب أحداً قط هم، ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً" (١) سنده صحيح.
قال ابن كثير: " أخرجه الإمام أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه" بمثله" (٢) .
فهذا يدل على أن لله أسماء غير التسع والتسعين.
وقوله في الحديث: " أو استأثرت به في علم الغيب عندك" معناه: انفردت بعلمه فلم تطلع عليه أحداً، لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً.
وقسم أسماء الله -تعالى- في هذا الحديث ثلاثة أقسام:
أحدها: ما سمى به نفسه، فأظهره لمن شاء، من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزله في كتبه.
والثاني: أنزله في كتبه، أو في بعضها، فتعرف به إلى عباده.
والثالث: استأثر به في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه، ولهذا قال: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك " أي: جعلته من الغيب الذي لا يعلمه غيرك، وليس المراد أنه -تعالى- انفرد بالتسمي به؛ لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزلها في كتبه، وهو ثبوت ما دلت عليه من المعاني اللائقة بعظمته، لا مجرد التسمية.
стр. 215
ومن الأدلة على عدم حصرها فيما ذكر: قوله ﷺ في حديث الشفاعة: " فيفتح عليّ من محامده ما لا أحسنه الآن" وتلك المحامد، هي الثناء عليه -تعالى- بما له من أسماء حسنى وصفات عليا.
ومن الأدلة أيضاً قوله ﷺ : " لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (١) وأحسن الثناء ما كان بأسمائه الحسنى وصفاته العلية.
وبهذا يتبين أن الأسماء الحسنى غير محصورة في العدد المذكور، وإنما خص ذكر هذا العدد لما رتب عليه من الحكم، وهو: " من أحصاها دخل الجنة "، فليس في الحديث حصر أسماء الله -تعالى- ولا يدل على أنه ليس لله اسم غير هذه التسع والتسعين، وإنما أريد به الإخبار بدخول الجنة لمن أحصاها، لا الإخبار بحصرها،
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، كما ذكره الحافظ، ونقل النووي الاتفاق على ذلك (٢) .
قال شيخ الإسلام: " والصواب الذي عليه جمهور العلماء: أن قول النبي ﷺ : " إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصها دخل الجنة " معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسماً، فإن في الحديث الآخر الذي رواه أحمد وأبو حاتم في "صحيحه": " أسألك بكل اسم هو لك" الحديث، وفي "الصحيحين": " لا أحصي ثناء عليك" ولو أحصى جميع أسمائه، لأحصى صفاته، فكان يحصي الثناء عليه؛ لأن صفاته يعبر عنها بأسمائه" (٣) .
قوله: " من أحصاها دخل الجنة" اختلف في المقصود من الإحصاء، وربما فهم من صنيع البخاري أنه يرى أن إحصاءها هو حفظ ألفاظها، كما فهم