وهكذا كل أسمائه - جلا وعلا - وهذا تفصيل وبيان للباب الثاني من الكتاب، ولكونها حسنى أوجب على عباده دعاءه بها، كما يأتي في الباب بعد هذا، وتوعد الملحدين بها.
فيدعى بكل مطلوب بما يناسبه منها، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، وتب عليّ إنك عفو كريم، والطف بي يا لطيف، وارزقني يا رزاق، وهكذا.
"قوله: " إن لله مائة اسم إلا واحدة" التأنيث في لفظة "واحد" نظراً إلى التسمية أو الكلمة، كما يقول النجاة: " الكلمة اسم أو فعل أو حرف".
وقال ابن مالك: " أنت باعتبار معنى التسمية، أو الصفة، أو الكلمة" (١) .
وفي بعض روايته: " إلا واحداً".
قال ابن عباس: ﴿ذو الجلال﴾ : العظمة، ﴿البر﴾ : اللطيف".
في رواية: " ذو الجلال: العظيم"، فيكون "العظيم" تفسيراً لـ" ذو"، وعلى الأولى تفسيراً لـ" الجلال".
فذو الجلال: صاحب العظمة، الذي لا تقاس عظمته بشيء من خلقه - جل وعلا-.
وأما "البر" فهو: المحسن غاية الإحسان إلى خلقه، من غير استحقاق ولا مقابل، فهو بليغ الإحسان إلى خلقه، وإحسانه شامل لهم.
وأما " اللطيف" فهو: العالم بالخفيات، ودقائق الأمور، وغوامضها، والله أعلم.
стр. 212
وقال الزجاج: " اللطيف": المحسن إلى عباده في خفاء وستر، من حيث لا يعلمون" (١) .
стр. 213
٢١-قال: " حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة".
﴿أحصيناه﴾ حفظناه.
" قال جماعة من العلماء: الحكمة في قوله: " مائة إلا واحداً" بعد قوله: " تسعة وتسعين" أن يقرر ذلك في نفس السامع، جمعاً بين جهتي الإجمال والتفصيل، أو دفعاً للتصحيف الخطي، أو اللفظي" (١)
قوله: " إن لله تسعة وتسعين اسماً" هذا لا يقصد به حصر أسماء الله -تعالى- في هذا العدد المذكور، وإنما قصد الإخبار عما يترتب على إحصائها وجزائه، كما تقول: عندي مائة كتاب أعددتها للإعارة، فلا ينفي أن يكون عندك كتب غيرها، فالتقييد بهذا العدد عائد إلى الأسماء الموصوفة بهذه الصفة، وهي قوله: " من أحصاها دخل الجنة" فهذه الجملة محلها النصب صفة " لتسعة وتسعين"، ويجوز أن تكون في محل رفع على الابتداء، والمعنى " إن لله أسماء بقدر هذا العدد، من أحصاها دخل الجنة".
فأسماء الله -تعالى-، لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد، بدليل ما رواه الإمام أحمد في " المسند"، حدثنا يزيد، أنبأنا ابن مرزوق، حدثنا أبو سلمة الجهني (٢) ، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله، قال: قال
стр. 214
رسول الله ﷺ : " ما أصاب أحداً قط هم، ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً" (١) سنده صحيح.
قال ابن كثير: " أخرجه الإمام أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه" بمثله" (٢) .
فهذا يدل على أن لله أسماء غير التسع والتسعين.
وقوله في الحديث: " أو استأثرت به في علم الغيب عندك" معناه: انفردت بعلمه فلم تطلع عليه أحداً، لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً.
وقسم أسماء الله -تعالى- في هذا الحديث ثلاثة أقسام:
أحدها: ما سمى به نفسه، فأظهره لمن شاء، من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزله في كتبه.
والثاني: أنزله في كتبه، أو في بعضها، فتعرف به إلى عباده.
والثالث: استأثر به في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه، ولهذا قال: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك " أي: جعلته من الغيب الذي لا يعلمه غيرك، وليس المراد أنه -تعالى- انفرد بالتسمي به؛ لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزلها في كتبه، وهو ثبوت ما دلت عليه من المعاني اللائقة بعظمته، لا مجرد التسمية.
стр. 215
ومن الأدلة على عدم حصرها فيما ذكر: قوله ﷺ في حديث الشفاعة: " فيفتح عليّ من محامده ما لا أحسنه الآن" وتلك المحامد، هي الثناء عليه -تعالى- بما له من أسماء حسنى وصفات عليا.
ومن الأدلة أيضاً قوله ﷺ : " لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (١) وأحسن الثناء ما كان بأسمائه الحسنى وصفاته العلية.
وبهذا يتبين أن الأسماء الحسنى غير محصورة في العدد المذكور، وإنما خص ذكر هذا العدد لما رتب عليه من الحكم، وهو: " من أحصاها دخل الجنة "، فليس في الحديث حصر أسماء الله -تعالى- ولا يدل على أنه ليس لله اسم غير هذه التسع والتسعين، وإنما أريد به الإخبار بدخول الجنة لمن أحصاها، لا الإخبار بحصرها،
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، كما ذكره الحافظ، ونقل النووي الاتفاق على ذلك (٢) .
قال شيخ الإسلام: " والصواب الذي عليه جمهور العلماء: أن قول النبي ﷺ : " إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصها دخل الجنة " معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسماً، فإن في الحديث الآخر الذي رواه أحمد وأبو حاتم في "صحيحه": " أسألك بكل اسم هو لك" الحديث، وفي "الصحيحين": " لا أحصي ثناء عليك" ولو أحصى جميع أسمائه، لأحصى صفاته، فكان يحصي الثناء عليه؛ لأن صفاته يعبر عنها بأسمائه" (٣) .
قوله: " من أحصاها دخل الجنة" اختلف في المقصود من الإحصاء، وربما فهم من صنيع البخاري أنه يرى أن إحصاءها هو حفظ ألفاظها، كما فهم
стр. 216
من ذلك الحافظ ابن حجر، وعندي فيه نظر، وذلك أن عادة البخاري التي سار عليها في كتابه هذا، أنه إذا جاء لفظ في الحديث، وفي القرآن لفظ يوافقه في اللفظ والاشتقاق، أنه يذكره وإن كان لا يوافقه في المعنى، وأمثلة ذلك كثيرة:
فهو في قوله: " أحصيناه: حفظناه" يشير إلى قوله -تعالى-: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ، قال الأصيلي: " إحصاؤها: العمل بها، لا عدها وحفظها؛ لأن ذلك قد يقع للكافر والمنافق، كما في حديث الخوارج: " يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم" (١) .
وذكر العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - لإحصائها ثلاث مراتب:
"الأولى: إحصاء ألفاظها، وعددها. والثاني: فهم معانيها ومدلولها.
الثالثة: دعاؤه -تعالى- بها، كما قال: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ .
والدعاء نوعان:
١-دعاء ثناء وعبادة.
٢-ودعاء مسألة وطلب، وكلا النوعين ورد بهما القرآن بكثرة.
فلا يثنى عليه -تعالى- إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، كما لا يسأل إلا بها، ويسأل بها في كل مطلوب بما يناسبه ويقتضيه من الأسماء الحسنى، والصفات العلية الكريمة، كما تقدمت الإشارة إليه.
وهذا من أعظم الوسائل إلى الله -تعالى-، وأنفعها، ولهذا جاءت أدعية الرسل مطابقة لذلك" (٢) .
стр. 217
وبهذا يتبين أن إحصاءها الموعود عليه دخول الجنة، يتضمن حفظها وفهمها، ودعاء الله بها، والله أعلم.
قال أبو عمر الطلمنكي: " من تمام المعرفة بأسماء الله -تعالى- وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله ﷺ المعرفة بالأسماء والصفات، وما تتضمنه من الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالماً لمعاني الأسماء ولا مستفيداً بذكرها ما تدل عليه من المعاني" (١) .
стр. 218
قال: " باب: السؤال بأسماء الله -تعالى-، والاستعاذة بها".
السؤال: هو الطلب بذل وخضوع وافتقار، والاستعاذة هي: العوذ والاحتماء بمن يدفع المكروه، ويرفع البلاء بعد نزوله، وهما من أفضل أنواع العبادة، فالبخاري ﵀ أراد بهذا الباب أن يبين معنى دعاء الله -تعالى- بأسمائه الذي أمر الله به، وأن الرسول ﷺ قد بينه.
قال ابن بطال: " مقصود بهذه الترجمة: تصحيح القول بأن الاسم هو المسمى، فلذلك صحت الاستعاذة بالاسم، كما تصح بالذات" (١) .
قلت: هذا بعيد عن مقصود البخاري، وإنما مقصوده بيان كيفية دعاء الله وعبادته بأسمائه التي أمر أن يدعى بها ويعبد، بقوله -تعالى-: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وبين ذلك الرسول ﷺ بفعله، وأمره، كما في الأحاديث التي ذكرت في هذا الباب وغيرها.
وأما مسألة: هل الاسم هو المسمى، أو غيره؟ فهي من بدع الكلام، التي حدثت بعد القرون المفضلة، والتي اختلط فيها الحق بالباطل.
والبخاري ﵀ من أبعد الناس عن مثل ذلك.
قال ابن جرير الطبري ﵀: " وأما القول في الاسم: أهو المسمى أم هو غيره؟ فإنه من الحماقات الحادثة، التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيه شين، والصمت عنه زين، وحسب امرئ من العلم به والقول أن ينتهي إلى قوله - جل ثناؤه- الصادق، وهو قوله -تعالى-: ﴿قُلِ ادْعُواْ
стр. 219
اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (١) وقوله: ﴿وللهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٢) .
"وكان سبب حدوث هذه المسألة، أن الجهمية قالوا: إن الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق؛ لأن الله -تعالى- وحده هو الخالق، وما سواه مخلوق، فإذا كانت أسماؤه غيره، فهي مخلوقة. فرد عليهم السلف، واشتد
نكيرهم عليهم؛ لأن أسماء الله من كلامه، وكلام الله غير مخلوق، فهو الذي سمى نفسه بهذه الأسماء.
فكان مراد الذين يقولون: الاسم غير المسمى ﴿من أهل السنة﴾ هو هذا.
ولهذا روي عن الشافعي، والأصمعي، وغيرهما، أنهم قالوا: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، فاشهد عليه بالزندقة" (٣) .
وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: ما ذكره ابن بطال، وإليه ذهب كثير من المنتسبين إلى السنة كأبي القاسم الطبري اللالكائي، والبغوي، وغيرهما.
قال البغوي: " والاسم هو المسمى، وعينه، وذاته، قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ (٤) .
فأخبر أن اسمه يحيى، ثم نادى الاسم، فقال: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ (٥) .
стр. 220
وقال -تعالى-: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (١) ، وأراد الأشخاص المعبودة؛ لأنهم كانوا يعبدون المسميات.
وقال -تعالى-: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وقال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَام﴾ .
والقول الثاني: أن الاسم غير المسمى.
والثالث: أن الاسم للمسمى، وهذا القول دل عليه الكتاب والسنة، قال -تعالى-: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢) ، وقال -تعالى-: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٣) ، وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٤) ، وقال -تعالى-: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (٥) .
ومن السنة هذا الحديث: " إن لله تسعة وتسعين اسماً".
وقوله ﷺ : " إن لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب" (٦) .
هذا مذهب أكثر أهل السنة.
فلا يطلقون بأنه المسمى، ولا غيره، بل يفصلون، حتى يزول اللبس.
فإذا قيل لهم: أهو المسمى أم غيره؟ قالوا: ليس هو نفس المسمى، ولكن يراد به المسمى.
стр. 221
وإن أريد بأنه غيره: كونه بائناً عنه، فهو باطل؛ لأن أسماء الله من كلامه، وكلامه صفة له، قائمة به، لا تكون غيره.
واسم الله -تعالى- في مثل إذا قيل: " الحمد لله" أو "بسم الله" يتناول ذاته وصفاته، لا ذاتاً مجردة عن الصفات، ولا صفات مجردة عن الذات. وقد نص الأئمة على أن صفاته، داخلة في مسمى أسمائه، فلا يقال: إن علمه وقدرته زائدة عليه.
ومن قال من أهل السنة: إن الصفات، زائدة على الذات، فمراده: أنها زائدة على ما أثبته أهل التعطيل، الذين أثبتوا ذاتاً مجردة عن الصفات؛ لأنه ليس في الوجود ذات مجردة عن الصفات، كما لا يمكن وجود صفات بلا ذات، تقوم بها، فتخيل وجود أحدهما دون الآخر من الهوس.
ثم إن الذين قالوا: إن الاسم هو المسمى، ليس مرادهم أن مجرد اللفظ هو الذات، التي وضع لها هذا الاسم، فإن هذا لا يقوله عاقل.
كما أن الذين قالوا أن الاسم غير المسمى، لم يريدوا أن مجرد اللفظ غير الذات، فإن هذا لا جدال فيه.
وما ذكره البغوي ﵀ محتجاً به على أن الاسم هو المسمى، فهو لا يدل على ما قاله.
فقوله -تعالى-: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ثم قال ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ فاللفظ الذي هو "الياء والحاء والياء" ليس هو ذات المسمى به، فمن زعم ذلك فقد كابر.
فالمقصود نداء المسمى لا نداء اللفظ، والمتكلم لا يمكنه نداء من يريد مناداته إلا بذكر اسمه، إلا أن يكون ذلك بالإشارة.
стр. 222
وأما قوله -تعالى-: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (١) .
فليس المراد: أنكم تعبدون الأوثان المسماة، فهم معترفون بذلك.
بل المراد: نفي ما كانوا يعتقدونه فيها من الإلهية، والواقع أنه ليس فيها شيء من ذلك.
فإذا عبدوها معتقدين ثبوت إلاهيتها، مسمينها آلهة، لم يكونوا في حقيقة الأمر عبدوا إلا أسماء ابتدعوها، ما أنزل الله بها من سلطان، وليس فيها من معنى الإلهية شيء، فعبادتهم لما تصوروه في أنفسهم من معنى الإلهية وعبروا عنه بألسنتهم.
وهذا التصور خيالي، لا حقيقة له، فهم لم يعبدوا في الحقيقة إلا ذلك الخيال الفاسد، الذي تصوروه، وسموه إلهاً، فكان مجرد تسمية فقط، ليس له من معنى الإلهية شيء.
وأما قوله -تعالى-: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ فالمراد به، تسبيحه -تعالى- وتنزيهه عما لا يليق به، معتقداً ذلك بقلبه، متلفظاً باسمه بلسانه، قائلاً: " سبحان ربي الأعلى" والمراد المسمى بهذا الاسم، فتسبيح الاسم هو تسبيح المسمى.
ومن قال: المراد بتسبيح الاسم، أنك لا تسمي به غير الله، ولا تلحد في أسمائه، فهذا المعنى مما يستحقه اسم الله -تعالى- وهو داخل في المراد بالآية، ولكن المقصود المعنى الأول، والله أعلم.
وأما قوله -تعالى-: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ فالمعنى: أن البركة تكتسب، وتنال بذكر اسمه.
стр. 223
ولو كان لفظ الاسم يراد به المسمى، لكفى قوله: تبارك ربك؛ لأن نفس الاسم عندهم هو الرب، فيكون بذكر الاسم تكرار.
وبهذا يتبين أن الشبه التي دعت كثيراً من العلماء إلى القول بأن الاسم هو المسمى أنها باطلة، وهي: أن الله -تعالى- وحده هو الخالق، وما سواه مخلوق، فإذا قيل: إن أسماء الله غيره، لزم أن تكون مخلوقة (١) .
стр. 224
٢٢- قال: " حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذا جاء أحدكم فراشه، فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات، وليقل باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين".
العبد الصادق العبودية، لا ينفك عن عبادة ربه، في أمور حياته كلها، في خروجه من بيته، وفي دخوله، وفي أكله وشربه، وفي نومه ويقظته، وفي مقارفته لأهله، ومعاملته للناس، ولذلك أرشد الرسول ﷺ إلى هذا النوع من العبادة، في هذا الحديث وغيره، عند النوم، والاستيقاظ منه، وهو من عبادة الله ودعائه بأسمائه.
قوله: " فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات" صنفة الثوب: طرفه من الداخل، لما في الرواية الأخرى: " داخلة إزاره" ولو فعل ذلك بغير طرف ثوبه حصل المقصود، والحكمة في ذلك إزالة ما لعله يكون فيه مما يؤذيه، وأمر بأن يكون ذلك ثلاث مرات، للمبالغة، وليكون ذلك وتراً، إذ الوتر معتبر في الشرع.
"وليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه" لما كان النوم نوعاً من الموت، وقد يموت فيه حقيقة، لجأ إلى ربه بذكر اسمه، داعياً ومتبركاً به، وسائلاً به المغفرة، وهي ستر الذنوب، والعفو عنها، إن أمسك نفسه - أي قبضها في النوم - فلم يردها إلى بدنها.
قال -تعالى-: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ
стр. 225
لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) .
"وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " أي: إن رددتها إلى بدنها، فاحفظها من الشياطين، والضلال، والمؤذيات، بحفظك وحمايتك، التي تحمي بها أولياءك الذين تتولى حفظهم من كل مضر ومؤذ.
ففي هذا الحديث مشروعية ذكر الله -تعالى- عند النوم؛ ليكون موته الأصغر على اسمه، فيدخل بذلك في العمل بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) .
وفيه الاستسلام لله، والافتقار إليه، وسؤاله ما لا غنى له عنه، وهذا كله من عبادة الله تعالى ودعائه بأسمائه، فهو تفسير لقوله -تعالى-: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣) ، وهذا هو وجه ذكر البخاري له، ولما يأتي من الأحاديث.
стр. 226
٢٣-قال: " حدثنا مسلم، حدثنا شعبة، عن عبد الملك، عن ربعي، عن حذيفة ﵁: " كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه، قال: " اللهم باسمك أحيا وأموت، وإذا أصبح قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور".
حذيفة هو ابن اليمان، واسم اليمان: حسل، أو حسيل، وهو عبسي.
كان من كبار أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن الفقهاء النجباء أهل الفتوى، وصح عنه أنه قال: " كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن أقع فيه" ولهذا اختص بمعرفة الفتن، كما أنه عرف بصاحب السر، حيث أسر إليه رسول الله ﷺ أسماء المنافقين، وأمره أن يكتم ذلك، وسأله رجل عن أشد الفتن فقال: " أن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما تختار" توفي ﵁ سنة ست وثلاثين (١) .
" إذا آوى إلى فراشه" أي: رجع إليه بعد عمل النهار.
"اللهم باسمك أحيا وأموت" أي ذاكراً اسمك في حياتي، مطمئناً به قلبي، إذ لا راحة لي ولا اطمئنان إلا بذكر اسمك، ولا حياة نافعة إلا بذلك. وعلى ذكر اسمك يا رب أموت، متوسلاً به إليك أن تتولاني، وتحفظني في جميع أحوالي.
" وإذا أصبح قال: " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور".
النوم نوع من الموت، واليقظة حياة، وهو نعمة من الله على عباده حتى
стр. 227
ترتاح أبدانهم، وأفكارهم، وقد ينام الإنسان فلا ترجع إليه روحه، فإذا استيقظ سالماً، قد رجع إليه نشاطه وقوته، استوجب ذلك شكر الله -تعالى- والثناء عليه، فناسب قوله بعد يقظته: " الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا" أي: أرجع إلينا أرواحنا بفضله ومنته.
والنشور: هو البعث بعد الموتة الكبرى، فمصيرنا إلى ربنا، حتى يجازينا على أعمالنا كما وعدنا.
ففي هذا الحديث كالذي قبله، ذكر اسم الله -تعالى- عند النوم، والتوسل به، والثناء عليه بأن له الحمد، وهذا من الدعاء بأسماء الله الحسنى.
стр. 228
٢٤-قال: " حدثنا سعد بن حفص، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل قال: باسمك نموت ونحيا، فإذا استيقظ قال: الحمد لله، الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور".
أبو ذر الغفاري: اختلف في اسمه، واسم أبيه، وصحح الحفاظ أنه جندب بن جنادة، كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، غير أنه ذهب إلى قومه فتأخرت هجرته، ففاتته غزوات الرسول ﷺ الأولى، وكان عازفاً عن الدنيا، راغباً بما عند الله، وقصة إسلامه في "الصحيحين"، وكان من الحنفاء قبل أن يسلم، له أخبار كثيرة، ومناقب شهيرة، توفي في الربذة سنة اثنتين وثلاثين، ﵁ (١) .
هذا الحديث ليس فيه زيادة على الذي قبله، إلا قوله: " من الليل"، والأول يدخل فيه نوم الليل والنهار.
стр. 229
٢٥-قال: " حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله، فقال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً".
هذا نوع آخر من الدعاء بأسماء الله -تعالى-.
"باسم الله" أي: أفعل ذلك، ذاكراً اسم الله، عابداً ربي بهذا الذكر، ومتبركاً به.
"اللهم جنبنا الشيطان" أي: أبعدنا عنه، فلا يشاركنا، ولا يحضرنا.
"وجنب الشيطان ما رزقتنا" أي: أبعد الشيطان عن الرزق الذي تقدره لنا من الولد، في هذا الاتصال.
ولا بد من الصدق في ذلك من القلب، والرغبة، والإيمان، والثقة بما قاله الرسول ﷺ حتى يحصل الموعود، وهو عدم مضرة الشيطان للمولود.
والمقصود، ذكر الله -تعالى- عند مقاربة الزوجة، والاستعاذة به من الشيطان، أن يشاركه أو يحضره، أو يضر المولود بحال من الأحوال.
وهذا كما تقدم من بيان معنى قوله -تعالى-: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ .
стр. 230
٢٦-قال: " حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا فضيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت النبي- ﷺ قلت: أرسل كلابي المعلمة؟ قال: " إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله، فأمسكن فكل، وإذا رميت بالمعراض فخزق فكل".
عدي بن حاتم هو: أبو طريف، الجواد بن الجواد، قدم على رسول الله ﷺ في شعبان سنة تسع، بسبب كثرة كتابة أخته، فأسلم، وقد فرح رسول الله ﷺ بإسلامه، وهو ممن ثبت الله قومه على الإسلام - حين ارتد الناس - بسببه، شهد فتوح العراق، وساهم فيها.
وكان شريفاً فاضلاً، جواداً عابداً، روي عنه أنه يقول: " ما دخل عليّ وقت صلاة إلا وأنا مشتاق إليها " ومن أقواله: " كثرة الكلام أوضع شيء لمقادير الرجال، وأمضى الأشياء عندي رد السؤال بغير نوال"، له أخبار كثيرة وفضائل، توفي في الكوفة سنة ثمان وستين، وقيل غير ذلك، وكان عمر طويلاً، قيل: كان عمره لما مات مائة وعشرون سنة، ﵁ (١) .
وأما الحديث، فيدل على نوع آخر من أنواع عبادة الله -تعالى- بذكر اسمه على الصيد، والكلاب المعلمة هي: التي تقبل التعليم، فإذا أمرت فعلت، وإذا نهيت انتهت، فإذا أرسلها صاحبها أمسكت الصيد له، وليس لنفسها، فلا تأكل منه.
ومفهوم الحديث: أنه إذا لم يذكر اسم الله -تعالى- عند الإرسال
стр. 231
أنه لا يأكل مما أمسكت الكلاب المعلمة، وكذا إذا لم يخزق المعراض - وهو السهم - أي لم يجرح، ولم يصب الصيد بحده، بأن أصابه بعرضه، فإنه لا يأكل؛ لأن الصيد حينئذ يكون وقيذة.
стр. 232
٢٧- قال: " حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: سمعت هشام بن عروة يحدث: عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قالوا: يا رسول الله، إن هنا أقواماً حديثاً عهدهم بشرك، يأتونا بلحمان، لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: "اذكروا أنتم اسم الله وكلوا".
في هذا الحديث أن ذكر اسم الله على الذبيحة شرط في حل الأكل منها، وأنه إذا كان ظاهر الذابح الإسلام، لا يلتفت إلى الاحتمال بأنه ذبحها على غير اسم الله، أو أنه لا يعرف الحكم، وما أشبه ذلك.
وقوله ﷺ : " اذكروا اسم الله وكلوا" ليس معناه أن ذكر اسم الله -تعالى- عند الأكل يجعلها حلالاً إذا كانت قد ذبحت على غير اسم الله -تعالى-، ولكن أمرهم بذكر اسم الله عند الأكل؛ لأنه الذي يلزمهم، ومطيباً بذلك قلوبهم، ومشيراً بذلك إلى إطراح الشك، إذ الأصل خلافه، وهو أن ظاهر الذابح الإسلام.
وهذا الحديث يدل على نوع آخر من عبادة الله -تعالى- بذكر اسمه على الذبيحة، وعلى الأكل، فهو من جنس ما تقدم.
стр. 233
٢٨-قال: " حدثنا حفص بن عمر، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: " ضحى النبي ﷺ بكبشين، يسمي ويكبر".
الأضحية هي: النسك الذي يذبح تقرباً إلى الله، - في الوقت المحدد له.
والكبش: هو الذكر من الضأن.
وقوله: " يسمي ويكبر " يعني عند الذبح، يقول: بسم الله، والله أكبر، أي: أذبح بسم الله متقرباً إليه عبادة له.
فهذا - أيضاً - من عبادة الله -تعالى- ودعائه بذكر اسمه -تعالى- في النسك الذي هو من أفضل القرب إلى الله -تعالى-.
стр. 234
٢٩-قال: " حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، عن جندب، أنه شهد النبي ﷺ يوم النحر، صلى ثم خطب، فقال: " من ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله ".
جندب هو: جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي العلقي، نسبة إلى علقة بن عبقر بن أنمار، سكن الكوفة، ثم البصرة، وتوفي بعد الستين، ﵁ (١) .
والمراد من الحديث قوله: " فليذبح باسم الله" أي: ذاكراً اسم الله على الذبيحة، عبادة له بذكر اسمه وبالذبح له، متقرباً إليه بذلك، كما أمر الله -تعالى- عباده بأن يخلصوا ذلك له وحده ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ (٢) .
وقال -تعالى-: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣) .
стр. 235
٣٠-قال: " حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : " لا تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف بالله".
المقصود بالحلف: تأكيد الخبر بذكر اسم الله العظيم، يوقع بالكاذب العقوبة، ففي ضمن ذلك: أن المحلوف به مطلع على حقيقة الأمر، ولذلك صار الحلف بغير الله شركاً؛ لما في الحديث الذي رواه الترمذي: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (١)
стр. 236
قال: " باب: ما يذكر في الذات، والنعوت، وأسامي الله " وقال خبيب: وذلك في ذات الإله. فذكر الذات باسمه -تعالى-.
قال الحافظ: "أي: ما يذكر في ذات الله ونعوته، من تجويز إطلاق ذلك عليه، كإطلاق أسمائه عليه، أو منعه، لعدم ورود النص" (١) .
وقال عياض: " ذات الشيء: حقيقته، وقد استعمل أهل الكلام الذات، بالألف واللام، وغلطهم أكثر النحاة، وجوزه بعضهم، لأنها ترد بمعنى النفس وحقيقة الشيء، واستعمال البخاري لها على أنها حقيقة الشيء على ما استعملها المتكلمون في حق الله -تعالى-، ولهذا قال: ما جاء في الذات والنعوت، ففرق بينهما على طريقة المتكلمين" (٢) .
وقال الراغب: " ذات تأنيث "ذو"، وهي كلمة يتوصل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس، والأنواع، ولا يستعمل شيء منها إلا مضافاً، وقد استعاروا الذات، فجعلوها عبارة عن عين الشيء، جوهراً كان أو عرضاً، واستعملوها مفردة، ومضافة ﴿وأدخلوا عليها﴾ الألف واللام، وأجروا مجرى النفس، والخاصة، وليس ذلك من كلام العرب" (٣) .
وقال ابن برهان: " إطلاق المتكلمين الذات في حق الله -تعالى- من جهلهم؛ لأن ذات تأنيث ذو، وهو - جلت عظمته - لا يصلح له إلحاق تاء
стр. 237
التأنيث. وقولهم: الصفات الذاتية، جهل منهم أيضاً؛ لأن النسب إلى ذات: ذوى" (١) .
وقال الكندي: " ذات بمعنى: صاحبة، تأنيث ذو، وليس لها في اللغة مدلول غير ذلك، وإطلاق المتكلمين وغيرهم الذات بمعنى النفس خطأ عند المحققين" (٢) .
قال الحافظ: " وتعقب بأن الممتنع: استعمالها بمعنى صاحبة، أما إذا قطعت عن هذا المعنى، واستعملت بمعنى الاسمية، فلا محذور؛ لقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣) أي بنفس الصدور.
وقد حكى المطرزي: كل ذات شيء، وليس كل شيء ذات، وأنشد ابن فارس: فنعم ابن عم القوم في ذات ماله إذا كان بعض القوم في ماله وفر (٤)
وقال النووي: " مرادهم بالذات: الحقيقة، وهذا اصطلاح للمتكلمين، وقد أنكره بعض الأدباء عليهم، وقال: لا يعرف ذات، لي لغة العرب، بمعنى حقيقة، وإنما ذات، بمعنى صاحبة، وهذا الإنكار منكر، بل الذي قاله الفقهاء والمتكلمون صحيح، وقد قال الإمام أبو الحسن الواحدي، في أول سورة الأنفال في قوله -تعالى-: ﴿فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ (٥) .
قال أبو العباس أحمد بن يحيى، ثعلب: ﴿ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ أي: الحالة التي بينكم، فالتأنيث عنده للحالة، وهو قول الكوفيين.
стр. 238
قال: وقال الزجاج: معنى ﴿ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ حقيقة وصلكم، والبين: الوصل.
قال الواحدي: فذات عنده بمعنى النفس، كما يقال: " ذات الشيء ونفسه" (١) .
قلت: وهذا الذي ذكره النووي هو ما يقصده البخاري ﵀ ولهذا قال: " فذكر الذات باسمه -تعالى- " أي: أقام الذات مقام اسمه -تعالى-.
قال الحافظ: " واستعمال البخاري لها، دال على أن المراد بها: نفس الشيء - على طريقة المتكلمين - في حق الله -تعالى-، ففرق بين النعوت، والذات" (٢) .
وقال شيخ الإسلام: " لفظ ذات تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافاً إلى غيره، فهم يقولون: فلان ذو علم، وذو قدرة، ونفس ذات علم وقدرة، وحيث جاء في القرآن أو لغة العرب، لفظ "ذو"، ولفظ "ذات" لم يجيء إلا مقروناً بالإضافة، كقوله -تعالى-: ﴿فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُم﴾ ، وقوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وقول خبيب: " وذلك في ذات الإله" ونحو ذلك.
لكن لما صار النظار، يتكلمون في هذا الباب، قالوا: إنه يقال: إنها ذات علم وقدرة، ثم إنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة، وعرفوه، فقالوا: " الذات" - وهو لفظ مولد - ليس من لفظ العرب العرباء، ولهذا أنكره طائفة من أهل العلم، كأبي الفتح ابن برهان، وابن الدهان، وغيرهما، وقالوا: ليست هذه اللفظة عربية.
стр. 239
ورد عليهم آخرون، كالقاضي، وابن عقيل، وغيرهما.
وفصل الخطاب: أنها ليست من العربية العرباء، بل من المولد، كلفظ الموجود، والماهية، والكيفية، ونحو ذلك.
فهذا اللفظ يقتضي وجود صفات، تضاف الذات إليها، فيقال: ذات علم، وذات قدرة، وذات كلام، فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه في الخارج، لا يتصف بصفة ثبوتية أصلاً" (١) .
وقال ابن القيم: " وأصل هذه اللفظة، هو تأنيث "ذو"، بمعنى صاحب، فذات كذا: صاحبة كذا، في الأصل.
ولهذا لا يقال: ذات الشيء، إلا لما له صفات، ونعوت تضاف إليه، فكأنه يقول: صاحبة هذه الصفات، والنعوت.
ولهذا أنكر جماعة من النحاة على الأصوليين قولهم: " الذات"، وقالوا: لا مدخل للألف واللام هنا، كما لا يقال: "الذو"، في ذو. وهذا إنكار صحيح.
والاعتذار عنهم: أن لفظة الذات في اصطلاحهم، قد صارت عبارة عن نفس الشيء، وحقيقته، وعينه.
فلما استعملوها استعمال النفس، والحقيقة، عرفوها باللام، وجردوها من الإضافة، وهذا أمر اصطلاحي، لا لغوي.
فإن هذا اللفظ يقال لما هو منسوب إليه، أو من جهته، كجنب الشيء.
فإذا قالوا: هذا في جنب الله، لا يريدون إلا ما ينسب إليه، وفي سبيله، ومرضاته وطاعته، لا يريدون غير هذا.
فلما اصطلح المتكلمون على إطلاق الذات، على النفس، والحقيقة، ظن من ظن أن هذا هو المراد بمثل قوله: " ثلاث كذبات في ذات الله،
стр. 240
وقوله: " وذلك في ذات الإله"، وهذا غلط، بل الذات هنا كالجنب، في قوله: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ ، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: فرطت في نفس الله وحقيقته، ويحسن أن يقال: فرط في ذات الله، كما يقال: قتل في ذات الله، وصبر في ذات الله؟ " (١) .
وبهذا يتبين أن هذا الإستعمال صحيح لا ينكر؛ لأنه أمر اصطلاحي على معنى مفهوم معين.
وبعض الناس يظن أن إطلاق الذات على الله -تعالى- كإطلاق الصفات، أي أنه وصف له، فينكر ذلك بناء على هذا الظن، ويقول: هذا ما ورد. وليس الأمر كذلك، وإنما المراد التفرقة بين الصفة، والموصوف.
وقد تبين مراد الذين يطلقون هذا اللفظ، أنهم يريدون نفس الموصوف وحقيقته، فلا إنكار عليهم في ذلك، كما وضحه كلام شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم.
قال القسطلاني: "والظاهر جواز إطلاق لفظ "ذات"، لا بالمعنى الذي أحدثه المتكلمون، ولكنه غير مردود، إذا عرف أن المراد النفس؛ لثبوت لفظ النفس في القرآن " (٢) .
وأما "النعوت" فهو جمع نعت، وهو الوصف، يقال: نعت فلاناً نعتاً، أي وصفه وصفاً، وزنه ومعناه واحد، ومنه الحديث: " لا تباشر المرأة المرأة، فتنعتها لزوجها، كأنه يراها" (٣) .
стр. 241
وأما الأسامي، فهي جمع اسم، وتجمع أيضاً على أسماء.
قوله: " فذكر الذات باسمه -تعالى- أي: ذكر الله بلفظ الذات، وسمعه النبي ﷺ فلم ينكره، فصار دليلاً على جواز ذلك.
واعترض على استدلال البخاري بذلك؛ لأن خبيباً لم يرد الحقيقة، والنفس، وإنما يعني بقوله: " وذلك في ذات الإله" أي: في سبيله وطاعته.
والجواب: أن إطلاق لفظ الذات على الله -تعالى- جائز في الجملة؛ لورود الآثار، فيكون ذلك أصلاً للجواز، ففي الحديث الصحيح المتفق عليه: " أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات، اثنتين في ذات الله" (١) .
وفي حديث ابن عباس: " تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله" (٢) .
قال الحافظ: سنده جيد.
وقال أبو الدرداء: " لا تفقه كل الفقه، حتى تمقت الناس في ذات الله ".
قال الحافظ: إسناده ثقات، إلا أنه منقطع" (٣) .
وقد تقدمت الإشارة إلى الفرق بين الأسماء والصفات في الباب الأول.
وقد ذكر البخاري ﵀ قصة خبيب وأصحابه، في كتاب المغازي، وهي مشهورة، فنكتفي بنص ما ذكره البخاري هنا.
стр. 242
٣١- قال: " حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية، الثقفي - حليف لبني زهرة، وكان من أصحاب أبي هريرة- أن أبا هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة، منهم خبيب الأنصاري فأخبرني عبيد الله بن عياض، أن ابنة الحارث أخبرته، أنهم حين اجتمعوا، استعار منها موسى يستحد بها، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه، قال خبيب الأنصاري:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي شق كان لله في مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
فقتله ابن الحارث، فأخبر النبي ﷺ أصحابه خبرهم يوم أصيبوا".
стр. 243
قال: " باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ (١) وقوله - جل ذكره -: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٢) ".
المراد بالنفس في هذا: الله -تعالى-، المتصف بصفاته، ولا يقصد بذلك ذاتاً منفكة عن الصفات، كما لا يراد به صفة الذات كما قاله بعض الناس، وسيأتي بيان ذلك من كلام السلف.
قال ابن جرير - رحمه الله تعالى -: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أن تسخطوها عليكم بركوبكم ما يسخطه عليكم، فتوافونه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ وهو عليكم ساخط، فينالكم من أليم عقابه ما لا قبل لكم به " (٣) .
وقال: " ويخوفكم الله من نفسه، أن تركبوا معاصيه، أو توالوا أعداءه، فإن إلى الله مرجعكم، فاتقوه واحذروا أن ينالكم عقابه، فإنه شديد العقاب" (٤) .
وقال ابن خزيمة: "أول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا: ذكر نفسه، جل ربنا عن أن تكون نفسه، كنفس خلقه، وعز عن أن يكون عدماً لا نفس له " (٥) .
стр. 244
ثم ذكر بعض النصوص في ذلك كقوله -تعالى- ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقوله -تعالى-: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ثم ذكر ما رواه البخاري في هذا الباب، وحديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ حين خرج إلى صلاة الصبح وجويرية جالسة في المسجد رجع حين تعالى النهار، قال: " لم تزالي جالسة بعدي؟ "
قالت: نعم. قال: " لقد قلت بعدك أربع كلمات، لو وزنت بهن لوزنتهن (١) : سبحان الله العظيم وبحمده. عدد خلقه، ومداد كلماته، ورضا نفسه، وزنة عرشه" (٢) .
وذكر أيضاً حديث محاجة موسى لآدم، وفيه: "قال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته، واصطنعك لنفسه ... " (٣) ثم قال: "فالله - جل وعلا- أثبت في آي من كتابه أن له نفساً، وكذلك قد بين على لسان نبيه ﷺ أن له نفساً" (٤) .
وفي "صحيح مسلم" في حديث أبي ذر الطويل: " يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا" (٥) .
وفي "السنن" عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من
стр. 245
عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (١) .
وتقدم ذكر حديث ابن مسعود في "المسند" مرفوعاً: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك" (٢) .
فهذه النصوص واضحة في أن المراد بالنفس هو الله -تعالى- كما قلنا.
ولا يخالف ذلك ما قاله ابن خزيمة والأئمة؛ لأن مقصودهم إثبات ما أثبته الله من غير تعرض له بتأويل أو تمثيل، تعالى الله عن الأمثال والأنداد، والتمسك بالنصوص التي قالها الله ورسوله، مع الإعراض عما يقوله أهل التأويل، وأصحاب
الوساوس الشيطانية، التي تعود على النصوص بالإبطال، وحسب المسلم أن يسعه ما وسع السلف الصالح من الصحابة، ومن سلك طريقهم.
وليس معنى ذلك الإعراض عن معاني النصوص، كما يتوهمه بعض الناس من مذهب السلف، ويعبرون عنه بالتفويض.
بل المقصود إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله، مع فقه المعنى اللائق بعظمة الله -تعالى- وفهمه، على ما دل عليه قوله -تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ونحوها من الآيات المحكمات، والأمر في هذا واضح لمن تمسك بالكتاب والسنة.
روى ابن جرير، عن مجاهد، في قوله -تعالى-: ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها﴾ (٣) .
стр. 246
قال: من نفسي. وأصله عن ابن عباس.
وروي عن أبي صالح: ﴿أكاد أخفيها﴾ قال: يخفيها من نفسه.
وعن قتادة: ﴿أكاد أخفيها﴾ - وهي في بعض القراءات: " أخفيها من نفسي" (١) -: "لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء المرسلين" (٢) .
وقال ابن كثير: " أكاد أخفيها" قال الضحاك: عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: "أكاد أخفيها من نفسي"، يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبداً، وقال سعيد بن جبير: عن ابن عباس، "من نفسه"، وكذا قال مجاهد وأبو صالح، ويحيى بن رافع.
وقال السدي: ليس أحد من أهل السماوات والأرض، إلا وقد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: " إني أكاد أخفيها من نفسي" (٣) .
وقال ابن جرير في قوله -تعالى-: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ، يقول: إنك يا رب لا يخفى عليك ما أضمرته نفسي مما لا أنطق به ولم أظهره بجوارحي، فكيف بما نطقت به وأظهرته بجوارحي، لو كنت قد قلت للناس:
﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ كنت قد علمته، لأنك تعلم ضمائر النفوس مما لم تنطق به، فكيف بما نطقت به؟ ﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ يقول: ولا أعلم أنا ما أخفيته عني فلم تطلعني عليه، لأني إنما أعلم من الأشياء ما علمتنيه" (٤) .
стр. 247
وقال في قوله -تعالى-: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ " أنعمت عليك - يا موسى - هذه النعم، ومننت عليك هذه المنن، اجتباء مني لك، واختباراً لرسالاتي، والبلاغ عني، والقيام بأمري ونهيي" (١) .
وقال ابن كثير: "أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولاً لنفسي، أي كما أريد وأشاء" (٢) .
وقال ابن سعيد الدارمي: "وادعى المعارض: أن الله لا يوصف بالضمير، والضمير منفي عن الله، وهي كلمة خبيثة قديمة، من كلام جهم، عارض بها جهم قول الله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ، يدفع بذلك أن يكون الله -تعالى- سبق له علم في نفسه من الخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم.
فرد عليه بعض العلماء، وقالوا: كفرت بها من ثلاثة أوجه:
الأول: أنك نفيت عن الله العلم السابق في نفسه قبل حدوث الخلق.
الثاني: أنك استجهلت المسيح ابن مريم ﵇ بأنه وصف ربه بأن له خفايا علم في نفسه، إذ يقول: ﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ .
الثالث: أنك طعنت به على محمد ﷺ إذ جاء به مصدقاً لعيسى..
قال أبو سعيد: "وقول جهم هذا أصل كبير في تعطيل النفس والعلم السابق، ويرد عليه بقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ، فذكر المسيح أن لله علماً سابقاً في نفسه، يعلمه الله، ولا يعلمه هو".
ثم روى عن أبي البحتري أنه قال: " لا يقولن أحدكم: اللهم أدخلني مستقر رحمتك، فإن مستقر رحمته نفسه" (٣) .
стр. 248
وقال الراغب: " نفسه: ذاته، وهذا وإن كان قد حصل - من حيث اللفظ - مضاف، ومضاف إليه، يقتضي المغايرة، وإثبات شيئين من حيث العبارة، فلا شيء من حيث المعنى سواه، سبحانه عن الاثنوية من كل وجه" (١)
قال الحافظ: قال البيهقي: والنفس في كلام العرب على أوجه:
منها: الحقيقة، كما يقولون في نفس الأمر، وليس للأمر نفس منفوسة.
ومنها: الذات، قال: وقد قيل في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ إن معناه: تعلم ما أكنه، وما أسره، ولا أعلم ما تسره عني" (٢) ، "وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله -تعالى-: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أي: إياه.
وحكى صاحب "المطالع" في قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ثلاثة أقوال:
أحدها: لا أعلم ذاتك.
ثانيها: لا أعلم ما في غيبك.
ثالثها: لا أعلم ما عندك، وهو بمعنى قول غيره: لا أعلم معلومك أو إرادتك، أو سرك، أو ما يكون منك" (٣) .
"قال ابن بطال: في هذه الآيات والأحاديث، إثبات النفس لله -تعالى- وللنفس معان، والمراد بنفس الله -تعالى- ذاته، وليس بأمر مزيد عليه، فوجب أن يكون هو" (٤) .
стр. 249
وقال شيخ الإسلام: "ونفسه هي ذاته المقدسة" (١) .
وقال أيضاً: "ويراد بنفس الشيء: ذاته، وعينه، كما يقال: رأيت زيداً نفسه، وعينه، وقد قال -تعالى-: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ، وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقال: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ .
وفي الحديث: "سبحان الله رضا نفسه"، وفي الآخر: " إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي".
فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء: الله نفسه التي هي ذاته، المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتاً منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات.
وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات.
كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ" (٢) .
стр. 250
٣٢- قال: " حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: " ما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، وما أحد أحب إليه المدح من الله ".
هذا الحديث ذكره البخاري في مواضع متعددة، فتقدم في تفسير سورة الأنعام، وفيه: "ولا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه" (١) . "فذكر النفس ثابت في هذا الحديث، وإن كان لم يقع في هذه الطريق، لكنه أشار إليه، كعادته، فإنه ﵀ كثيراً ما يترجم ببعض ما ورد في طرق الحديث الذي يورده" (٢) .
قلت: وهذه الجملة من الحديث المذكورة في التفسير هي محل الشاهد، فهو يشير إليها.
وسيأتي الكلام - إن شاء الله - في الغيرة بعد أربعة أبواب غير هذا، وتقدم الكلام في النفس ما فيه الكفاية.
قوله: "من أجل ذلك حرم الفواحش " الحرام هو: الممنوع، وتحريم الله -تعالى- للشيء، هو منعه منه شرعاً، أو قدراً، فالشرع نحو ما في هذا الحديث، وهو كثير جداً، أي أمثلته.
وأما القدر فكقوله - تعالى -: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ