٣٧-قال: " حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، أخبرنا قتادة، قال: سمعت أنساً ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ما من نبي إلا أنذر قومه الأعور الكذاب، إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: كافر".
الإنذار: هو الإخبار مع التخويف، وفي قوله: " ما من نبي " عموم يشمل جميع النبيين، وهو يدل على عظم فتنته وخطره.
وقوله: " الأعور الكذاب" تقدم أن الأعور: من عميت إحدى عينيه بآفة، فأصبح لا يرى إلا بعين واحدة.
ووصف بأنه الكذاب؛ لعظم كذبه، حيث يزعم أنه رب الناس، مع ظهور كذبه، وهو يتدرج في كذبه، فأولا: يدعي أنه مصلح، ثم يدعي أنه نبي، ثم يدعي أنه إله، وهذا أعظم الكذب، وأبينه.
وقد عين رسول الله ﷺ عينه العوراء، أنها اليمنى، كما في حديث عبد الله ابن عمر، الذي قبل هذا وغيره.
واعلم أن المتكلمين من المعتزلة، والأشعرية، ونحوهم، يزعمون أن من أثبت لله عينين، ويدين، ووجهاً، ونحو ذلك مما جاءت به النصوص، من أثبت ذلك على ظاهر اللفظ، أنه يثبت جوارح، تشبه جوارح الخلق على حد زعمهم، تعالى الله وتقدس عن زعمهم، وظنهم السيء في الله ورسوله، حيث ظنوا أن ظاهر وصف الله نفسه، وظاهر وصف رسوله إياه يقتضي التشبيه، ولهذا تجد الذين تلقوا هذا الفكر، وتأثروا به، من الذين يشتغلون بالحديث، إذا جاء ذكر ذلك قالوا: مثلاً: إثبات صفة اليد لا من حيث الجارحة، إثبات صفة الوجه لا من حيث الجارحة، ونحو ذلك كما يقوله البيهقي في كتابه " الأسماء
стр. 282
والصفات" وسائر شراح الحديث الذين لا يجرؤون على رد النصوص، فهم عندما يتكلمون على مثل هذه النصوص يبادرون إلى نفي الجارحة، كما قال بعض زعمائهم ما يلي:
"زعم قوم، أن لله عينا، يريدون: كجارحة العين من الإنسان، وأرادوا التركيب، واحتجوا بقوله -تعالى-: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (١) ، و ﴿اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢) ، و ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٣) .
قال أبو سعيد الدارمي - رحمه الله تعالى - في الرد عليه: " أما ما ادعيت أن قوماً يزعمون أن لله عيناً، فإنا نقوله؛ لأن الله -تعالى- قاله، ورسوله.
وأما زعمك أنهم يثبتون جارحة كجارحة العين من الإنسان، على التركيب، فهذا كذب، ادعيته علينا عمداً، وأنت تعلم أن أحداً لم يقله، ولكنك تريد التشنيع، ليكون هنالك مقبولاً لدى الجهال، والكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، فمن الذي قال: إنها جارحة مركبة؟ اذكره، فإن قائله كافر.
وكم تشنع بما تقرر من قولك: جسم مركب، وجوارح، وأجزاء، وأبعاض، تريد أن يكف المؤمنون، عن وصف الله -تعالى- بما وصف به نفسه في كتابه، وما وصف به رسوله.
ونحن لم نصف الله بجسم كأجسام المخلوقين، ولا بعضو، ولا بجارحة، لكنا نصفه بما يغيظك من هذه الصفات، التي أنت ودعاتك لها منكرون، فنقول: إنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ذو الوجه الكريم، والسمع السميع، والبصر البصير" (٤) .
стр. 283
وقوله: " إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور" اشتملت هذه الجملة على تأكيد وصف الدجال الكذاب، بأنه أعور العين، أي أنه ناقص، معيب، قد لحقه الضر لفقد إحدى عينيه، فمثله محال أن يكون إلهاً، لأنه فقير محتاج إلى غيره، بالإضافة إلى النقص والعيب الذي فيه، وقد جاء بأعظم الكذب والبهتان، حيث ادعى أنه إله، يتوجه إليه، بطلب الإسعاد، وصرف الشقاء.
كما اشتملت هذه الجملة من الحديث على وصف الله -تعالى- بكمال العينين، ولهذا قال ﷺ : " وإن ربكم ليس بأعور".
فهذا بيان واضح بوصف الله -تعالى- بأن له عينين كاملتين، على ما يليق بعظمته.
قال النووي: " هذه علامة بينة تدل على كذب الدجال، دلالة قطعية، بديهية، يدركها كل أحد" (١) .
قوله: " مكتوب بين عينيه كافر" وفي رواية: " يقرأه كل مؤمن، كاتب، وغير كاتب".
قال النووي: " والصحيح الذي عليه المحققون: أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقية، جعلها الله آية، وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره، وكذبه وإبطاله، يظهرها الله -تعالى- لكل مسلم كاتب، وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك " (٢) .
وهذا من رحمة الله بعباده، حيث أظهر علامات كذبه، إظهاراً لا يخفى إلا على من أريد فتنته، وعمي قلبه، وأشرب بحب الباطل، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
стр. 284
قال: " باب قول الله -تعالى-: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ (١) .
قال ابن جرير: " يقول -تعالى- ذكره: هو المعبود الخالق، الذي لا معبود تصلح له العبادة غيره، ولا خالق سواه، البارئ الذي برأ الخلق فأوجدهم بقدرته، المصور خلقه كيف شاء، وكيف يشاء" (٢) .
ومراد البخاري بهذا: بيان أن الله -تعالى- متصف بأنه الخالق، البارئ، المصور في الأزل، والأبد، فهو الخالق قبل وجود المخلوق، وهو البارئ قبل وجود المبري، وهو المصور قبل وجود المصوَّر، فهو -تعالى- لم يزل بصفاته ولا يزال، كما يريد أيضاً بيان أن الخلق الذي هو وصفه -تعالى- غير المخلوق، خلافاً لأهل البدع الذين يشير بهذا إلى الرد عليهم.
قال الزجاج: " أصل الخلق في الكلام: التقدير، يقال: خلقت الشيء خلقاً، إذا قدرته، كما قال زهير:
لأنت تفري ما خلقت وبعض ... القوم يخلق ثم لا يفري
يعني: أنك إذا قدرت الأمر مضيت في عزمك وفعلته، ولست ممن يقدر الأمر ثم لا يعزم على فعله، بل ينثني عن ذلك.
فالخلق في اسم الله -تعالى- هو: ابتداء تقدير النشء.
فاله -تعالى- خالقها، ومنشئها، وهو متممها، ومدبرها، فتبارك الله أحسن الخالقين. ﴿البارئ﴾ يقال: برأ الله الخلق إذا فطرهم.
والبرء: خلق على صفة، فكل مبروء مخلوق، وليس كل مخلوق مبروءاً، لأن البرء من تبرئة الشيء من الشيء، كما يقال: برأت من المرض، ومن الدين.
стр. 285
فإذا فصل بعض الخلق من بعض، سمي فاعله بارئاً.
فهو المعنى الذي به انفصلت الصورة بعضها من بعض، فصورة زيد مفارقة لصورة عمرو، وصورة حمار مفارقة لصورة فرص، فتبارك الله خالقاً بارئاً.
﴿المصور﴾ أي: مصور كل صورة، لا على مثال احتذاه - ولا رسم ارتسمه، -تعالى- عن ذلك علواً كبيراً " (١) .
أي أنه لم يتقدمه أحد فعل ذلك، لا تقديراً، ولا إظهاراً وإيجاداً.
وقال الحافظ: " قال الطيبي: قيل: الألفاظ الثلاثة مترادفة، وهو وهم.
فإن ﴿الخلق﴾ : من الخلق، وأصله التقدير المستقيم، ويطلق على الإبداع، وهو إيجاد الشيء على غير مثال، كقوله -تعالى-: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وعلى التكوين، كقوله -تعالى-: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ﴾ و ﴿البارئ﴾ من البرء، وأصله خلوص الشيء عن غيره، إما على سبيل الخلوص منه، كبرء الرجل من مرضه، والمديون من دينه.
أو على سبيل الإنشاء، كبرء الله النسمة.
و ﴿المصور﴾ مبدع صور المخترعات، ومرتبها على حسب مقتضى الحكمة، فالله -تعالى- خالق كل شيء، بمعنى أنه موجده من أصل، ومن غير أصل، وبارئه، بحسب ما تقتضيه الحكمة، من غير تفاوت، ولا اختلاف، ومصوره في صورة يترتب عليها خواصه ويتم بها كماله.
فالتقدير يقع أولاً، ثم الإحداث على الوجه المقدر يقع ثانياً، ثم التصوير بالتسوية يقع ثالثاً " (٢) .
стр. 286
وبهذا يتبين الفرق بين هذه الأسماء الثلاثة:
فالخالق: مبدع الأشياء على غير مثال سابق.
والبارئ: موجد الأشياء، ومظهرها إلى الوجود، من أصل ومن غير أصل.
والمصور: الذي خص كل مخلوق بما يميزه عن الآخر، وما تحصل به مصلحته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (١) . ويظهر أن "البارئ" أخص من "الخالق" كما تقدم في كلام الزجاج ما يشير إلى ذلك، وإذا أضيف الخلق إلى الإنسان، فمعناه التقدير، ويأتي بمعنى الكذب.
стр. 287
٣٨-قال: " حدثنا إسحاق، حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا موسى - هو ابن عقبة- حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد الخدري، في غزوة بني المصطلق، أنهم أصابوا سبايا، فأرادوا أن يستمتعوا بهن، ولا يحملن، فسألوا النبي ﷺ عن العزل، فقال: " ما عليكم أن لا تفعلوا، فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة"، وقال مجاهد: عن قزعة، سمعت أبا سعيد، فقال: قال النبي ﷺ : " ليست نفس مخلوقة، إلا الله خالقها ".
"العزل": هو إنزال الماء خارج فرج المرأة، خوفاً أن تحمل.
قال الحافظ: " هو النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج" (١) .
"قوله: ما عليكم أن لا تفعلوا " أي: لا يضركم عدم العزل؛ لأن ما قدره الله -تعالى- من الخلق، فلا بد من وجوده، عزل الإنسان أو لم يعزل، يوضحه ما في رواية مسلم فقال: "لا عليكم أن لا تفعلوا، ما كتب خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون" (٢) .
وفي قصة الرجل الذي سأل عن العزل عن جاريته، فقال رسول الله ﷺ : " إن ذلك لن يمنع شيئاً أراده الله " (٣) .
قال الحافظ: " وفي رواية: " لا عليكم أن لا تفعلوا " أي: لا حرج عليكم أن لا تفعلوا العزل، ففيه نفي الحرج عن عدم الفعل، فأفهم ثبوت الحرج في فعل العزل.
стр. 288
ولو أراد نفي الحرج عن العزل لقال: " لا عليكم أن تفعلوا " (١) .
وفي مسلم لما ذكر هذا الحديث "قال محمد" وقوله: " لا عليكم" أقرب إلى النهي" ومحمد هذا هو ابن حاتم. وفيه أيضاً: " وقال ابن عون: فحدثت به الحسن، فقال: والله لكأن هذا زجر" (٢) .
قوله: " فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة" هذا يبين عدم فائدة العزل؛ لأن كل نفس قدر الله -تعالى- خلقها، لا بد أن يخلقها، عزلتم أم لا، وما لم يشأ خلقها لا يقع ولو لم يعزلوا، فإن كان الله أراد أن يخلق في تلك المقارنة وذلك الوقت، فلا بد من وجود ذلك ولو حرصتم كل الحرص على عدم الإنزال في الرحم، فلا غالب على أمره، وهو الخالق وحده.
وهذا هو وجه استدلال البخاري في الحديث، فإن الله -تعالى- هو الخالق البارئ المصور وحده، وأن كلا من الأب والأم، لا دخل لهما في ذلك، بل الله -تعالى- هو الذي يقدر خلق هذا المخلوق شاء الناس ذلك أو لم يشاؤوا، وأنه، هو بارئ النسمة من الذكر والأنثى، أو مما يشاء، والخلق كلهم لا يستطيعون فعل شئ من ذلك.
وهو -تعالى- المصور لهذا الإنسان السوي من نطفة متساوية الأجزاء، لو اجتمع عليها أمهر الأطباء، بكل ما أوتوا من علوم وآلات وإمكانيات، لم يستطيعوا أن يصوروا منها شيئاً حياً، فتبارك الله أحسن الخالقين.
فإن قيل: قد يتحكم الإنسان بالحمل إما بالعقاقير أو بوسائل أخرى.
فجوابه: أن ذلك من تقدير الله -تعالى-، ولا يمكن أن يكون شيء خارجاً عن مشيئته وتقديره، وإذا أراد أن يخلق مخلوقاً فلا بد من وجوده، وإن استعملت الوسائل المانعة لذلك.
стр. 289
"قال ابن بطال: الخالق في هذا الباب، يراد به: المبدع المنشيء لأعيان المخلوقين، وهو معنى لا يشارك الله فيه أحد ".
"وقال الكرماني: " معنى قوله: إلا وهي مخلوقة، أي مقدرة الخلق، أو معلومة الخلق عند الله -تعالى- لابد من إبرازها إلى الوجود" (١) .
قال شيخ الإسلام: والذي عليه جماهير المسلمين من السلف والخلف: أن الخلق غير المخلوق، فالخلق فعل الخالق، والمخلوق مفعوله، ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ بأفعال الرب وصفاته، كما في قوله ﷺ : "أعوذ برضاك من سخطك،
وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (٢) فاستعاذ بمعافاته كما استعاذ برضاه.
وقد استدل أئمة السنة كأحمد وغيره، على أن كلام الله غير مخلوق، بأنه استعاذ به، فكذلك معافاته ورضاه غير مخلوقة؛ لأنه استعاذ بهما، والعافية القائمة ببدن الإنسان مخلوقة، فإنها نتيجة معافاته " (٣) .
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بسط ذلك وإيضاحه في محله.
стр. 290
قال: " باب قول الله -تعالى-: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) ".
أراد ﵀ بهذه الترجمة بيان ما أثبته الله -تعالى- لنفسه، من صفة اليدين، وأثبته له رسوله ﷺ على ظاهر ما نطقت به النصوص المتنوعة الدلالة في ذلك، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
قال الله -تعالى-: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ (٢) .
وقال -تعالى-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣) .
وقال -تعالى-: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٤) ، ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٥) ، ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ في آيات كثيرة وقد ذكر البخاري في ذلك عدة أحاديث.
стр. 291
٣٩- قال: " حدثني معاذ بن فضالة، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس أن النبي ﷺ قال: " يجمع الله المؤمنين يوم القيامة، كذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكاننا هذا.
فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم، أما ترى الناس؟ خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناك، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا نوحاً، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحاً، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا إبراهيم -خليل الرحمن - فيأتون إبراهيم، فيقول: لست
هناكم، ويذكر خطاياه التي أصابها، ولكن ائتوا موسى، عبداً آتاه التوراة وكلمه تكليماً فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب- ولكن ائتوا عيسى، عبد الله ورسوله، وكلمته، وروحه، فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمد ﷺ عبداً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فيأتوني، فانطلق، فاستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن
стр. 292
يدعني، ثم يقال لي: ارفع محمد، وقل يسمع، وسل تطعه، واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم اشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة.
ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فاحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم اشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة.
ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فاحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم اشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة.
ثم أرجع فأقول: يا رب، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود.
قال النبي – ﷺ : يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة.
ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة.
ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة".
هذا حديث الشفاعة المشهور، وقد ذكره البخاري في أماكن متعددة من جامعه.
والمقصود هنا: قوله: "خلقك الله بيده" حيث جعل ذلك ميزة لآدم من بين الخلق، فدل على أن اليد هنا على ظاهرها، يد حقيقة، ولو كانت كما يقول أهل التأويل: إنها القدرة، لم يكن لآدم اختصاص بذلك، إذ الخلق كلهم مخلوقون بقدرة الله -تعالى-.
стр. 293
قوله: " يجمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك " قال الحافظ: " هكذا للجميع، وأظن أول هذه الكلمة لام – أي لذلك – والإشارة ليوم القيامة – أو لما يذكر بعد.
وعند مسلم: " يجمع الله المؤمنين، يوم القيامة، فيهتمون لذلك، وفي رواية "يلهمون لذلك" (١) .
ومعنى: يهتمون ويلهمون متقارب، أي أنهم يعنون بسؤال الشفاعة، وإزالة الكرب الذي هم فيه، أو أن الله -تعالى- يلهمهم سؤال ذلك، والإلهام: أن يلقي الله -تعالى- في النفس أمراً يحمل على فعل الشيء أو تركه" (٢) .
قوله: " فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكاننا هذا " هذا هو الذي يهتمون له – أو يلهمونه – أي لو طلبنا مما هو موجود معنا من الرسل الذين لهم مقام عند الله من يشفع لنا عند ربنا! ليريحنا من عناء هذا الموقف وكرباته، فيحاسبنا ربنا، ويجزينا بأعمالنا، وما نستحق، ثم نصير إلى منازلنا.
قوله: " فيأتون آدم" إلى عيسى، وكلهم يعتذر، ويذكر لهم ذنبه.
فآدم – ﵇ – يقول: نهاني عن الأكل من الشجرة فعصيته. ونوح – ﵇ – يقول: دعوت على قومي، فأغرقوا، وسألت ما ليس لي به علم. وإبراهيم – ﵇ – يقول: كذبت ثلاث كذبات، مع أنهن في سبيل الله، وهن: قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: للظالم العنيد لما سأله عن زوجته، قال: " إنها أختي"؛ لأنها أخته في الإسلام، ولو قال: إنها زوجته، لأخذها منه ذلك الظالم.
стр. 294
وموسى – ﵇ – يقول: قتلت نفساً بغير حق، ولم يذكر لعيسى ﵇ ذنباً، وهذا كله مع قول عيسى ﵇: " ولكن ائتوا محمداً، عبداً غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر" يدل على وقوع الذنوب من الأنبياء، وهؤلاء المذكورون هم أفضل الأنبياء، وهي مسألة مشهورة، ولا خلاف أن الكفر بعد النبوة غير واقع منهم، كما أنه لا خلاف في عصمتهم فيما يبلغونه عن طريق القول. وأما الفعل، فقد يقع منهم السهو أو النسيان، أو الخطأ الذي لا يقرون عليه، كما أنهم محفوظون من الذنوب، التي تزري بفاعلها، وتسقط مروءته.
وأما الصغائر فجائز وقوعها منهم، كما دل عليه هذا الحديث في الجملة، وغيره من النصوص الكثيرة، والله أعلم.
وقد تطرف بعض شراح الكتاب وزعم أن من قال بهذا أنه كافر.
ويدل على عظم الأمر، كيف اعتذر من هم أفضل البشر عن الشفاعة معتلين بذنوب أكثر الخلق لا يعدها ذنوباً، وهم قد تابوا منها، واستغفروا ربهم فغفر لهم، وهذا يدل على عظم الله، وعظيم قدره في قلوبهم، وعلى صعوبة الموقف بين يدي الله وشدته، فهل يفهم هذا من يهرع إلى قبور الموتى يطلبون منهم ما لا يطلبه أولو العزم من الرسل من الله -تعالى-؟
وقول كل واحد منهم: " لست هناكم" أي: لست كما تظنون أني أستطيع أن أشفع لكم، فليس ذلك عندي.
قوله: " فأنطلق، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه " يدل على أنه – ﷺ يقصد مكاناً معيناً، يرى فيه ربه، وسيأتي في باب الرؤية في هذا الحديث " فاستأذن على ربي في داره " وقد قيل: إن المراد بداره هنا الجنة، فالله أعلم.
قوله: " فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً " صريح في أن الرسول – ﷺ يرى ربه عياناً في ذلك الموقت، وسيأتي ذلك – إن شاء الله تعالى -.
стр. 295
قوله: " فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع محمد، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع" أي: أن الله -تعالى- يمهل له في السجود، فيبقى ساجداً وقتاً طويلاً، يسبح ربه، ويمجده، ويثني عليه، ويحمده، فلا يرفع رأسه من سجوده حتى يأمره الله -تعالى- برفعه، ثم يأذن له -تعالى- بأن يطلب من ربه مراده، وقد علم الله مقصده، ولهذا قال له: اشفع تشفع، وهذا كله من رحمته -تعالى-، فهو الذي ألهم عباده طلب الشفاعة من الأنبياء، وهو الذي أذن في الشفاعة وقبلها، وحقيقة الأمر هو إرادة الله -تعالى- رحمة الخلق وإراحتهم من عناء الموقف، وإظهار كرامة محمد – ﷺ للخلق في ذلك الموقف العظيم، وإلا فالشفاعة كلها لله.
قوله: " فأحمد ربي بمحامد علمنيها " قد تقدم أن هذا يدل على عدم حصر أسماء الله الحسنى، في تسع وتسعين؛ لأن هذه المحامد بأسمائه الحسنى وصفاته
العليا، وقد جاء في الرواية الأخرى: " فيفتح الله عليّ من المحامد والثناء ما لا أحسنه الآن ".
قوله: " ثم أشفع، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة" أي: أن الله –تعالى- يعين له من يشفع فيهم، وهذا من الأدلة الواضحة على أن الرسول – ﷺ لا يشفع فيمن يريد، بل لمن يأذن الله له في الشفاعة فيهم، وبذلك يتبين أن الشفاعة لله جميعاً، كما صرحت بذلك آيات من كتاب الله –تعالى-: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ﴿٤٣﴾ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ﴿٢٢﴾ وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا
стр. 296
الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١) .
بهذه الآية يتبين أن المدعو يجب أن يكون مالكاً لما يدعى من أجله، وإلا كانت دعوته ضلالاً مبيناً، فإن لم يكن مالكاً يكون مشاركاً للمالك، فإن انتفى الأمران، يكون معاوناً وظهيراً مساعداً للمالك، فإن لم يكن ذلك، فلا أقل من أن يكون شافعاً مقبول الشفاعة عند من يملك المطلوب، فنفى الله -تعالى- عن المدعوين من دونه هذه الأمور الأربعة، وبين أن الشفاعة لا تنفع إلا بعد إذنه، وهو – جل وعلا – لا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي عمله، وهم أهل الإخلاص، ومتابعة الرسول وهو -تعالى- لا يرضى عن المشرك، الذي يدعو غير الله -تعالى-.
فيجب على العاقل الذي تعز عليه نفسه أن لا يغتر بما اغتر به كثير من الناس الذين يعتمدون على الشفاعة، مع ما هم فيهم من المعاصي، فأفضل الشفعاء يحد الله له حداً، يقول: هؤلاء أشفع فيهم.
قوله: " فأقول: يا رب، ما بقي إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود" أي: أن أهل التوحيد الذين استحقوا دخول النار بذنوبهم قد خرجوا منها بالشفاعة التي حقيقتها رحمة الله إياهم، بواسطة الشفاعة؛ ليظهر كرامة الشافع كما تقدم، وبقى من نص القرآن على أنه من أهل النار، الذين لا تنالهم شفاعة الشافعين.
قوله: " يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ... " إلى قوله: " ما يزن برة" يدل على أن مجرد قول: لا إله إلا الله، من دون أن يقوم في القلب شيء من الإيمان، لا ينفع، ولا يخرج من النار، فالمقصود بالخير: الإيمان الذي يقوم في القلب، وإن قل.
كما أنه يدل دلالة واضحة على تفاوت الإيمان وتفاضله، وأن أهل الكبائر من المؤمنين يدخل من يدخل منهم النار ثم يخرجون منها، والله أعلم.
стр. 297
٤٠- قال: " حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار" وقال: " أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده". وقال: " عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان، يخفض، ويرفع".
جاء في أول هذا الحديث في تفسير سورة هود: " أنفق أنفق عليك" (١) . وسيأتي كذلك، في باب قوله -تعالى-: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ .
وهو عند مسلم بلفظ: " إن الله قال لي: أنفق أنفق عليك" وقال رسول الله ﷺ : " يمين الله ملأى" إلى آخره (٢) .
وسيأتي في باب " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء " بلفظ: " إن يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه عل الماء، وبيده الأخرى الفيض - أو القبض - يرفع ويخفض" وهو أبلغ في الدلالة على إثبات اليدين لله -تعالى- مما ها هنا.
وقد اضطرب أهل التأويل في تأويلهم اليد اضطراباً يدل على أنهم على باطل.
والعاقل المنصف يعجب إذا رأى ما كتبه ابن حجر في شرحه لهذا الباب،
стр. 298
فإنه ذكر بعض أقوال أئمة الأشعرية، ثم قال: " واليد في اللغة تطلق لمعان كثيرة، اجتمع لنا منها خمسة وعشرون ومعنى" (١)
والنصوص في هذا الباب جاءت معينة معنى واحداً لا غير، هو يدا الله الكريمتان، وما عدا ذلك فهو بهتان عظيم.
قوله: " يد الله ملأى" ذكرنا أنها عند مسلم، وعند البخاري في مواضع غير هذا، بلفظ "يمين الله " بدل: " يد الله"، قال الحافظ: " يتعقب بهذه الرواية على من فسر اليد بالنعمة، وأبعد منه من فسرها بالخزائن " (٢) .
قلت: هذا التفسير باطل، ولا يصح أن يسمى تفسيراً، وإنما هو تحريف للكلام عن مواضعه، كفعل اليهود، كما سيأتي بيان ذلك - إن شاء الله تعالى -.
و"ملأى" بفتح الميم، وسكون اللام، وهمزة، مع القصر، أي أنها: شديدة الامتلاء بالخير.
قوله: " لا يغيضها " أي: لا ينقصها، يقال: غاض الماء يغيض، إذا نقص.
قوله: " سحاء" بفتح السين والحاء المشددة، ممدوداً، أي دائمة الصب.
"الليل والنهار" منصوبان على الظرفية، أي: يد الله دائمة السح في الليل والنهار.
قوله: " أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ " استدلال، وإيضاح لكثرة نفقته تعالى، وتنبيه لمن له بصيرة إلى ذلك.
قوله: " فإنه لم يغض ما في يده" أي: هذا الإنفاق الهائل، المستمر الدائم بدون توقف، لم ينقص ما في يده -تعالى-؛ لأن بيده الخير كله لا مانع لما أعطى، ولا معطي لمن منعه، وإذا أراد شيئاً قال له: كن، فيكون.
قوله: "وعرشه على الماء" قال الحافظ: " مناسبة ذكر العرش هنا: أن
стр. 299
السامع يتطلع من قوله: " منذ خلق السماوات والأرض " ماذا كان قبل ذلك؟ فذكر أن عرشه قبل خلق السماوات والأرض، كان على الماء " (١) .
قوله: " وبيده الأخرى، الميزان، يخفض ويرفع" الميزان: العدل، الذي به يرفع من يكون أهلاً لأن يرفع، ومن هو موضع له، فيتفضل عليه برفعه بالإيمان وقبول الحق، بأن يحبب إليه الإيمان، ويزينه في قلبه، ويكره إليه الكفر والفسوق، والعصيان، ويجعله من الراشدين، وهذا أعظم الرفع. ويخفض من ليس أهلاً
لذلك، بأن يمنع فضله عنه، ويكله إلى نفسه، فيضل، ويتولاه عدوه فيصبح خاسراً، وهذا أعظم الخفض؛ لأنه يصير إلى أسفل سافلين، في جهنم - نعوذ بوجه الله منها - وأمور الدنيا تبع لذلك.
"قال الطيبي: يجوز أن يكون "ملأى" و"لا يغيضها" و"سحاء" و"أرأيتم" أخبار مترادفة ليد الله، ويجوز أن تكون الثلاثة أوصافاً "لملأى" ويجوز أن يكون "أرأيتم" استئنافاً فيه معنى الترقي، كأنه لما قيل: "ملأى" ﴿خشي﴾ إيهام جواز النقصان، فأزيل بقوله: " لا يغيضها" وقد يمتلئ الشيء ولا يغيض، فقيل: "سحاء" إشارة إلى الفيض - وهو كثرة العطاء - وقرنه بما يدل على الاستمرار، من ذكر الليل والنهار، ثم أتبعه بما يدل على أن ذلك ظاهر غير خاف على ذي بصر وبصيرة، بقوله: " أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض" وهذا الكلام إذا أخذته بجملته أبان عن زيادة الغنى، وكمال السعة والجود، والبسط في العطاء" (٢) .
قلت: الاستدلال بهذا الحديث على ثبوت اليدين لله -تعالى- حقيقة، ظاهر جداً، وسيأتي تقرير ذلك - إن شاء الله - في آخر الباب.
стр. 300
٤١-قال: " حدثنا مقدم بن محمد، قال: حدثني عمي، القاسم بن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إن الله يقبض يوم القيامة الأرض، وتكون السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك" رواه سعيد عن مالك.
القبض: " إمساك الشيء بجميع كف اليد، فقبض اليد على الشيء: جمعها بعد تناوله" (١) ، فقبض الشيء هو: جمعه في الكف.
فقوله: " إن الله يقبض يوم القيامة الأرض" أي يجمعها بيده، فتكون في قبضته، كما قال -تعالى-: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .
وقوله: " وتكون السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك" أي أنه -تعالى- يطوي السماوات بيده اليمنى، والأرض مقبوضة بيده الأخرى، وأنه يهزهن ثم يقول - يعظم نفسه-: أنا الملك - أي: الذي يتصرف في كل شيء كيف يشاء، ولا يشاركه في ذلك أحد، ولهذا جاء فيه: أنه -تعالى- إذا قبضهن، يهزهن، ويقول: " أنا الملك، أنا الملك، أين ملوك الدنيا؟ ".
وهذا الحديث مطابق لقوله -تعالى-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) .
وفيه الدليل الواضح على ثبوت اليدين لله -تعالى-، وهو نص لا يقبل تأويلاً، ولهذا صارت تأويلات المعطلين ليدي رب العالمين، شبه اللعب في كلام الله وكلام رسوله، الذي يترفع عنه العقلاء، فضلاً عن أهل التقى.
стр. 301
٤٢-قال: " وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " يقبض الله الأرض ".
تقدم تفسير القبض، وهذا الحديث مر في باب قوله -تعالى-: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ .
стр. 302
٤٣-قال: " حدثنا مسدد، سمع يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني منصور، وسليمان، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، أن يهودياً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضيين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (١) ".
وقال يحيى بن سعيد، وزاد فيه فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله: " فضحك رسول الله ﷺ تعجباً وتصديقاً له".
стр. 303
٤٤-قال: " حدثنا عمر بن حفص عن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، سمعت إبراهيم قال: سمعت علقمة يقول: قال عبد الله: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السموات على إصبع، والأرضيين على إصبع، والشجر والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أن الملك، أنا الملك، فرأيت النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ".
هذا الحديث يدل على عظمة الله -تعالى- حيث يضع السماوات كلها على إصبع من أصابع يده الكريمة العظيمة، وعدد المخلوقات المعروفة للخلق بالكبر والعظمة، وأخبر أن كل نوع منها يضعه -تعالى- على إصبع، لو أراد تعالى - لوضع السماوات والأرضيين ومن فيهن على إصبع واحدة من أصابع يده - جل وعلا-.
وهذا من العلم الموروث عن الأنبياء المتلقى عن الوحي من الله -تعالى-، ولهذا صدقه رسول الله ﷺ بل وأعجبه ذلك وسر به، ولهذا ضحك حتى بدت نواجذه، تصديقاً له، كما قال عبد الله بن مسعود، ولا التفات إلى قول من تبنى التعطيل، وصار نصيبه من معرفة هذه الأوصاف الكريمة العظيمة - التي تعرف الله بها إلى عباده - هو ما يعرفونه من أنفسهم، فحملهم ذلك على تعطيل الله -تعالى- من هذه الأوصاف، مرة برد هذه النصوص والطعن في رواتها بلا حجة سوى
روايتهم لها، ومرة بتأويلها التأويل الباطل الذي يخرجها عن مراد المتكلم بها ﴿قل ءأنتم أعلم أم الله﴾ .
стр. 304
هذا وقد تنوعت النصوص من كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله ﷺ على إثبات اليدين لله -تعالى- وإثبات الأصابع لهما، وإثبات القبض بهما وتثنيتهما، وأن إحداهما يمين، كما مر، وفي نصوص كثيرة، والأخرى شمال كما في "صحيح مسلم" (١) ، وأنه -تعالى- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وبالنهار ليتوب مسيء الليل (٢) ، وأنه -تعالى- يتقبل الصدقة من الكسب الطيب بيمينه فيربيها لصاحبها (٣) ، وأن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين (٤) ، وغير ذلك مما هو ثابت عن الله ورسوله، وسأذكر شيئاً يسيراً من ذلك - إن شاء الله - وبعضه يكفي المؤمن المريد للحق.
وهذا الذي أشرت إليه كله يمنع تأويل اليدين بالنعمة، أو القوة، أو الخزائن، أو القدرة، أو غير ذلك، ويجعل التأويل في حكم التحريف، بل هو تحريف.
وقد آمن المسلمون بهذه النصوص، على ظاهرها، وقبلوها، ولم يتعرضوا لها بتأويل تبعاً لرسول الله ﷺ وصحابته، وأئمة الهدى، بل وكل من قبل ما جاءت به الرسل، وآمن به.
قال الإمام ابن خزيمة معلقاً على هذا الحديث: " معناه أن الله - جل وعلا - يمسك ما ذكر في الخبر على أصابعه، على ما في الخير سواء، قبل تبديل الله الأرض غير الأرض؛ لأن الإمساك على الأصابع غير القبض على الشيء، وهو مفهوم في اللغة التي خوطبنا بها؛ لأن الإمساك على الشيء بالأصابع، غير القبض
стр. 305
على الشيء" (١) .
قال الحافظ في شرحه لهذا الحديث: " زاد ابن خزيمة، عن محمد بن خلاد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن الأعمش، فذكر الحديث، قال محمد: عدها علينا يحيى بأصابعه. وكذا أخرجه أحمد في السنة، عن يحيى بن سعيد، وقال: وجعل يحيى يشير بأصبعه يضع إصبعاً على إصبع، حتى أتى على آخرها، قال: ورواه الخلال في كتاب السنة، عن أبي بكر المروزي، عن أحمد، وقال: ورأيت أبا عبد الله يشير بإصبع إصبع" (٢) .
قلت: تبعوا في ذلك ما وقع من الحبر الذي حدث رسول الله ﷺ ، حيث كان يشير بأصابعه، ولم ينكر عليه رسول الله ﷺ بل أقره، وصدقه.
فهذه النقول عن هؤلاء المذكورين من السلف، تدل على أنهم فهموها على ظاهرها، وأنها أصابع حقيقة.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد: " قال أبي: قال يحيى: قال: فضيل بن عياض ... فضحك رسول الله تعجباً وتصديقاً، سمعت أبي يقول: حدثني يحيى بن سعيد، بحديث سفيان، عن الأعمش، ومنصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ : " إن الله يمسك السماوات على إصبع".
قال أبي: وجعل يحيى يشير بأصابعه، وأراني أبي كيف جعل يحيى يشير بأصابعه، يضع إصبعاً إصبعاً حتى أتى على آخرها" (٣) .
وفي الترمذي عن ابن عباس، قال: " مر يهودي بالنبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : يا يهودي، حدثنا، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم، إذا
стр. 306
وضع السماوات على ذه، والأراضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه؟ - وأشار محمد بن الصلت - أبو جعفر - بخنصره أولاً، ثم تابع حتى بلغ الإبهام - فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح" (١) .
ورواه ابن جرير في "تفسيره"، وسنده حسن (٢) .
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: " حدثني أبي، حدثنا حسين بن حسن، حدثنا أبو كريبة، عن عطاء عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس، قال: كيف تقول يا أبا القاسم، يوم يجعل الله السماء على ذه - وأشار بالسبابة - والأرضيين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلائق على ذه- وجعل يشير بأصابعه -؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ .
حدثني عبد الله بن عمر، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: مر يهودي على النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : يا يهودي خوفنا، فقال: يا أبا القاسم، كيف بيوم تكون الأرضون على هذه، والسماوات على هذه، والماء على هذه، والخلق على هذه؟ - يعني أصابعه - ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٣) .
فمثل هذه الأحاديث هى مستند السلف في الإشارة بالأصابع، تحقيقاً لإثبات أصابع الرحمن - جل وعلا - وقدوتهم رسول الله ﷺ .
стр. 307
وهذه النصوص التي فيها ذكر الأصابع تدل دلالة قاطعة - عند المؤمنين الذين يحكمون الشرع - على ثبوت اليدين لله - تعالى -، وقد تنوعت الدلائل على ذلك - كما أشرنا إليه آنفا - من ذكر الأصابع، والقبض، والبسط، والتثنية، وذكر اليمين والشمال.
ففي "الموطأ" و"الترمذي" و"سنن أبي داود ": أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله ﵎ خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريته" (١) ورواه أحمد.
وفي "الترمذي" و"سنن أبى داود" مرفوعاً: " أن الله ﵎ خلق آدم من قبضة، قبضها من جميع الأرض " (٢)
وفيه أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً، في حديث طويل في خلق آدم، وفيه: " فقال الله له: ويداه مقبوضتان، اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين، مباركة، ثم بسطها، فإذا فيها ذريته " (٣) .
وفي "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " (٤) .
وفيه أيضاً عنه مرفوعاً، "قال: يأخذ الله سماواته، وأرضيه،
стр. 308
بيديه، فيقول: أنا الله - ويقبض أصابعه، ويبسطها - أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟ " (١) ورواه أحمد.
وفيه أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " إن المقسطين عند الله؛ على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا " (٢) .
وفيه أيضاً من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "وما تصدق أحد بصدقة، من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه، أو فصيله" (٣) .
وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدق بعدل تمرة، من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل" (٤) .
وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "ينزل الله في السماء الدنيا، لشطر الليل، أو لثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ أو يسألني فأعطيه؟ ثم يبسط يديه ﵎ يقول: من يقرض غير عدوم، ولا ظلوم " (٥) .
стр. 309
وفيه من حديث المغيرة بن شعبة في سؤال موسى ربه عن أدنى أهل الجنة منزلة، "رب، فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن" (١) .
وفي "الصحيحين" مرفوعاً من حديث أبي سعيد الخدري، قال النبي ﷺ : " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلاً لأهل الجنة" (٢) . وفيهما من حديث أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : " واحتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا، خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة. فقال آدم: أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ " (٣) .
وفي رواية لمسلم: " احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته ... " (٤) .
وروى البيهقي في " الأسماء والصفات" بسنده: أن النبي ﷺ قال: " لما خلق الله -تعالى- آدم وذريته، قالت الملائكة: يا رب، خلقتهم يأكلون ويشربون، وينكحون، ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله -تعالى-: لا أجعل من خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له: كن، فيكون" (٥) .
стр. 310
وروى بسند حسن، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : " خلق الله -تعالى- جنة عدن، وغرس أشجارها بيده، فقال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون" (١) .
ورواه ابن جرير موقوفاً (٢) ، وذكره الحافظ ابن كثير، عن ابن أبي الدنيا مرفوعاً (٣) .
وقال ابن جرير في قوله -تعالى-: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يقول -تعالى- ذكره -: والأرض كلها قبضته في يوم القيامة ﴿والسماوات﴾ كلها ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ثم روى عن ابن عباس، قال: " ما السموات السبع، والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم".
وروى عن ربيعة الجرشي قال: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قال: " ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء".
وعن ابن عباس، قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ يقول: قد قبض الأرضين والسموات جميعاً بيمينه، ألم تسمع أنه قال: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ يعني: الأرض والسماوات جميعاً؟ قال ابن عباس: وإنما يستعين بشماله المشغولة يمينه.
وعن الحسن: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: " كأنها جوزة بقضها وقضيضها".
حدثنا الربيع، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمر، أنه رأى رسول الله ﷺ على المنبر - يخطب الناس،
فمر بهذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ
стр. 311
الْقِيَامَةِ﴾ فقال رسول الله ﷺ : " يأخذ السموات، والأرضين السبع فيجعلها في كفه، ثم يقول بهما - كما يقول الغلام بالكرة -: أنا الله الواحد، أنا الله العزيز" حتى لقد رأينا المنبر، وإنه ليكاد أن يسقط به (١) .
وذكر أحاديث وآثاراً في هذا.
والأحاديث والآثار عن السلف في ذلك كثيرة.
وروى ابن ماجه - قال في "الزوائد": وسنده صحيح، والإمام أحمد، عن النواس بن سمعان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه" (٢) .
وبهذا - وغيره كثير لم نذكره - يعلم خطأ الخطابي، وفريق أهل التأويل، قطعاً، حيث يقول: "لم يقع ذكر الإصبع في القرآن، ولا في حديث مقطوع به، وقد تقرر أن اليد ليست بجارحة، حتى يتوهم من ثبوتها ثبوت الأصابع، بل هو توقيف أطلقه الشارع، فلا يكيف، ولا يشبه، ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهودي، وأما ضحكه ﷺ من قول الحبر، فيحتمل الرضا والإنكار، وأما قول الراوي: "تصديقاً له" فظن منه وحسبان" (٣) .
ونحن نجيبه بما أجاب به عبد الله بن مسعود، لما قيل له: إن المنع من تعليق التميمة ليس في كتاب الله.
فنقول: بلى، إن ذكر الأصابع قد وقع في القرآن؛ لأن الله -تعالى- يقول فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه﴾ ، وقد أتانا ﷺ بذكر الأصابع،
стр. 312
وذكر الكف، وذكر اليمين، والشمال، واليدين، مرة مثناة، ومرة منصوص على أنها واحدة، وأنه
يفعل بها كذا وكذا، وأن الأخرى فيها كذا، كما تقدمت النصوص بذلك، وهو تبع لأهل الكلام – المذموم- ينكر وصف الله -تعالى- باليدين حقيقة، مع أن القرآن قد جاء بذلك صراحة، كما قال -تعالى- ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) ، ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٢) ، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٣) . وهو مع ذلك لا يقبله؛ لأنه على خلاف تلقاه عن أهل البدع، ولهذا نراه – عفا الله عنا وعنه – يحاول رد النصوص بدون حجة، وكل ما يمكن أن يعتمد عليه هو – وكل من سلك مسلكه من أهل التأويل – ادعاؤهم أن العقل بخلاف ذلك، وأنه محال في العقل، وهو أمر غير منضبط، كما سنشير إليه – إن شاء الله – ودعوى بدون برهان.
قوله: " ولا حديث مقطوع به "، هذا عجيب من الخطابي، الذي كثر اشتغاله بالحديث تأليفاً، ورواية، وشرحاً لمتونه، وأسانيده، ثم يقول هذا القول، الذي هو عنوان لأهل البدع، فهم كلما ألجأتهم الحجج إلى المضائق رموها بهذه الدعوى " أنها أدلة غير مقطوع بها".
فإذا كانت أحاديث الرسول – ﷺ مع ثبوت أسانيدها غير مقطوع بها، فما هي الحجج المقطوع بها في نظر هؤلاء؟ هل هي أقوال أقوام متهمين على الدين الإسلامي، وتحوم حولهم شكوك كثيرة؟ كالجعد بن درهم، وجهم بن صفوان، وبشر المريسي، وأحمد بن أبي دؤاد، وابن الثلجي ونحوهم، فإن هؤلاء هم سلف متأخري الأشعرية في تأويلاتهم.
وإننا نربأ بالخطابي أن يسلك هذا المسلك المنحرف عن الهدى.
стр. 313
وهذا دليل على ضعف مسلك التأويل في هذه النصوص، وأنه غير مقنع.
ثم هو يقصد بقوله: غير مقطوع به، عدم التواتر؛ لأنه لا يقبل من الحديث في باب الصفات إلا ما كان في القرآن، أو تواتر عن الرسول – ﷺ كما ذكر ذلك عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد علم أن القرآن جاء بصفة اليدين لله صراحة
ومعلوم أن الصحابة ومن سلك نهجهم لم يفرقوا بين أصول الدين وفروعه في الثبوت، ومعظم الدين الإسلامي ثبت بأخبار الآحاد
وهذه الصفات التي ينكرها هؤلاء، قد ثبتت في أحاديث مقطوع بصحتها عند أهل العلم، وإذا صح الحديث وجب قبوله، والعمل به، والإيمان بما دل عليه، وحرمت مخالفته
ولا فرق بين كونها في العمليات، أو الاعتقادات، خلافاً لأهل البدع الذين يفرقون بين ذلك
ومعلوم أن الذي جاء بهذه النصوص – في الصفات – هو الذي جاء بالأمر بعبادة الله، وتحريم الشرك، وبيان عدد ركعات الصلوات الخمس، وأنصباء الزكاة، وبيان واجبات كثيرة، ومحرمات كثيرة، لم يأت تفصيلها في القرآن، ولا في أخبار متواترة، فلماذا يقبل هذا، ويرد ذاك؟ إن هذا التفريق فعل الذين جعلوا دينهم شيعاً، وآمنوا ببعض، وكفروا ببعض، وقد تقدم ما فيه كفاية لمن قصده الحق من ذكر النصوص في هذه المسألة، وغيرها من مسائل الصفات نظيرها، وقد يكون أوضح منها دليلاً كما سيأتي بعض ذلك
وقوله: " وقد تقرر أن اليد ليست بجارحة، حتى يتوهم من ثبوتها ثبوت الأصابع" حقيقة هذا الكلام: أن اليد ليست يداً، حتى يلزم ثبوت الأصابع، ومعلوم أن الله –تعالى- خاطبنا باللغة العربية، وبألفاظ معلومة المعاني للمخاطبين، فالمخاطبون بهذه النصوص، علموا أن المراد بها ما دلت عليه بظاهرها
стр. 314
وكذلك المخاطب أراد منهم ذلك، ولهذا لم يأت عنه – ﷺ ولا من طريق ضعيف، أنه قال: لا تعتقدوا ظاهرها، ولا سيما وظاهرها عند الخطابي وفريقه كفر وتشبيه فهل يعقل أن الله ورسوله يخاطبان العباد بما ظاهره الكفر، ثم لا يبين ذلك لهم، ويحذرهم من اعتقاده؟ ولو كان لهذه النصوص معنى عند رسول الله غير ظاهرها لبينه؛ لأنه واجب عليه بمقتضى الرسالة
والصحابة سمعوا هذه النصوص، ورووها، ولم يسألوا عن معان لها غير ظاهرها، فلما سكتوا دل ذلك على أنهم علموا أن المراد بها هو الظاهر، فوجب علينا أن نسكت حيث سكتوا، وأن نقبل ونسلم كما قبلوا وسلموا لها بدون تأويل ونحن نسأل هؤلاء: مَنْ مِنَ المسلمين الذين يعتد بقولهم، قال: إن يد الله جارحة؟ وهل جاء ذلك، ولو بحديث ضعيف؟ إن هذا لا وجود له، ولكنها الأوهام، والإتجاهات الفاسدة، وإرادة التشنيع على أتباع الرسل
ونحن – بحمد الله وله المنة – وكل من تلقى عن رسول الله – ﷺ بالقبول والتسليم، وفهم المراد – نعتقد مطمئنين أن لله يدين حقيقتين لهما أصابع يضع عليها السموات والأرض وما شاء يوم القيامة، وإن زعمت أنوف الأشعرية، وإمامنا في ذلك رسولنا محمد بن عبد الله – صلوات الله وسلامه عليه – وأصحابه، وأتباعه إلى يوم القيامة، وهو معلم الخير والهدى
قال الإمام أحمد: " الحديث عندنا على ظاهره، كما جاء عن النبي – ﷺ والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره" (١)
стр. 315
ويقصد بالكلام فيه: التأويل الذي يخرجه عن ظاهره وقال البربهاري (١) : " إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، ولا يقبلها، أو ينكر شيئاً من أخبار رسول الله – ﷺ فاتهمه على الإسلام، لأنا إنما عرفنا الله ورسوله، وعرفنا القرآن، والخير والشر، بالآثار" (٢)
وقال: " واعلم أنها لم تكن زندقة، ولا كفر، ولا شكوك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين، إلا من الكلام وأهل الكلام، والجدل، والمراء،
والخصومة وكيف يجترئ الرجل على المراء، والخصومة، والجدال، والله يقول: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣) "
وقال أيضاً: " واعلم إنما جاء هلاك الجهمية، من أنهم فكروا في الرب – – فأدخلوا: لم، وكيف، وتركوا الأثر، ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم، فجاؤوا بالكفر عيانا، لا يخفى أنهم كفروا، وكفروا الخلق، واضطرهم الأمر إلى أن قالوا بالتعطيل" (٤)
وقال: " إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، أو يردها، ويريد غيرها، فاتهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع" (٥) وقال القاضي، أبو الحسين محمد بن أبي يعلي: "قرأت على المبارك، عن علي بن عمر البرمكي، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المالكي، حدثنا أبي،
стр. 316
حدثنا محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب ابن زوران – لفظاً – حدثنا أبو العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسي، الاصطخري، قال: قال أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن حنبل – وذكر العقيدة إلى أن قال – "وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، ويوعيها ما أراد، وخلق آدم بيده، على صورته، والسموات والأرض يوم القيامة في كفه، ويضع قدمه في النار، فتنزوي" وذكر عقيدة طويلة جامعة (١) .
وقال الحسن بن علي بن خلف البربهاري: " وكل ما سمعت من الآثار شيئاً لم يبلغه عقلك، نحو قول رسول الله – ﷺ : " قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن" وقوله: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وينزل يوم عرفة، وينزل يوم القيامة، وأن جهنم لا يزال يطرح فيها، حتى يضع عليها قدمه، وقوله للعبد: إن مشيت إليَّ هرولت إليك، وقوله: خلق الله آدم على صورته، وقول الرسول – ﷺ : " رأيت ربي في أحسن صورة" (٢) ، وأشباه هذه الأحاديث، فعليك بالتسليم،
والتصديق، والتفويض (٣) والرضا، ولا تفسر شيئاً من هذه بهواك (٤) ، فإن الإيمان بهذا واجب، فمن فسر شيئاً من هذا بهواه، أو رده، فهو جهمي" (٥) .
وهذا الذي ذكره الإمام أحمد، والبربهاري، هو مذهب السلف، الذين تلقوا عن الرسول – ﷺ ولم يزل السلف يوصي بعضهم بعضاً بالتمسك به، والتحذير ممن يخالفه؛ لأنه الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة.
стр. 317
وقوله: " بل هو توقيف أطلقه الشارع، فلا يكيف، ولا يشبه "، يعني أن لفظ اليد الثابت بكتاب الله، وبالسنة، توقيف أطلقه الشارع، فلا يوقف له على معنى، فهو – عنده- لا يدل على ما وضعت له كلمة "يد" في اللغة، ومضمون ذلك أن آيات الصفات وأحاديثها لا يعلم لها معان تطابق ألفاظها، وتؤخذ منها، ويلزم على هذا أن الشارع خاطب الناس بما ظاهره غير مقصود، ولا مطلوب منهم الإيمان بظاهره، بل قد يكون ظاهره باطلاً وكفراً، فمعنى قوله: " لا يكيف، ولا يشبه" أي: لا يثبت لها معنى مطابقاً للفظها في وضع اللغة، فلا يوصف الله –تعالى- باليد الحقيقية التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله – ﷺ ؛ لأن هذا تشبيه، فهذه النصوص في هذا الباب ونحوه فيها تشبيه لله –تعالى- عند هؤلاء، ولهذا صار تأويلها متعيناً.
فضاعت النصوص التي تعرف الله بها إلى عباده بين مردود (١) ومؤول.
وقوله: " ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهودي"، جوابه: أنه قد تقدم من ذكر بعض النصوص التي تبطل هذا الهراء، والقول الجائر، أن الخطابي – عفا الله عنا وعنه – بهذا القول إنما يشنع في الحقيقة على رسول الله – ﷺ ، والله المستعان.
وقوله: " فإن اليهود مشبهة، وفيما يدعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه، ولا تدخل في مذاهب المسلمين "، ونحن لا نبرئ اليهود من الباطل، ولكن نقول: إن الحق يجب أن يقبل ممن قاله، سواء كان من اليهود أو من غيرهم.
وهو لم يبين هذه الألفاظ التي تدخل في باب التشبيه على حد قوله.
стр. 318
ولكن نعلم من طريقته أن كل من أثبت لله من الصفات ما ينكره هو ومن سلك نهجه، أنهم يسمونه مشبهاً، ولو كان متمسكاً بالكتاب والسنة، فعنده من أثبت لله يداً حقيقية فهو مشبه، وكذلك الوجه، والرجل، والأصابع، والعينين، ونحو ذلك. وقوله: " وأما ضحكه – ﷺ من قول الحبر، فيحتمل الرضا، والإنكار".
فجوابه: أن الحق الذي لا نشك فيه أنه لا يحتمل إلا الرضا، والموافقة؛ لأن الرسول – ﷺ لا يضحك من الباطل والكفر الذي هو تشبيه رب العالمين بالخلق، كما هو مقتضى مذهب الخطابي.
ومقتضى الإيمان بالرسول – ﷺ يمنع من أن يكون ضحكه من أجل التشبيه الذي يقوله اليهودي – كما زعم الخطابي – عفا الله عنا وعنه -.
إن ما يقوله هؤلاء في الحقيقة قلب للحقائق، حتى تسلم عقيدة الأشعرية من معاول النصوص، التي تأتي على أسسها بالاقتلاع (١) ، ولو استطاع كثير منهم الرد على الله ورسوله لفعلوا، ولكن كما يقول الله -تعالى-: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (٢)
وأما قوله: " وأما قول الراوي: " تصديقاً له، فظن وحسبان" يعني: أن عبد الله بن مسعود ظن ظناً أخطأ الحق، وأبعد عن الصواب، حيث خالف عقيدة أهل الكلام، فيرد قوله.
стр. 319
ونحن نقول: أيهما أولى عند الله، وعند المؤمنين، بالفهم عن رسول الله – ﷺ : صحابته الذين عايشوه، وتربوا بين يديه، ونقلوا لنا ديننا عنه، أم الخطابي وذووه؟
ولو سلم ذلك لأمكن كل مبطل أن يقول في أي نص جاء عن الرسول – ﷺ وصحابته كقولك هذا: إنه ظن وحسبان، وأن الصواب خلافه، فتبطل الشريعة كلها. تقدم ذكر الآيات الدالة صراحة على وصف الله -تعالى- باليدين.
قال أبو سعيد الدارمي – ﵀: " حدثنا أحمد بن يونس، عن فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، أنه قال: " ضحك من قول الحبر، تعجباً لما قال، وتصديقاً له" (١) .
"وقد تواتر في السنة مجيء اليد – وصفاً - لله-تعالى- فعلم من ذلك أن لله -تعالى- يدين مختصتين به، ذاتيتين له، كما يليق بجلاله، وأنه -تعالى- خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه – سبحانه – يقبض الأرض، ويطوي السموات بيده اليمنى، وأن ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٢) .
ومعنى بسطهما: بذل الجود، وسعة العطاء، لأن العطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها.
فإذا قيل: هو مبسوط اليد، فهم منه يد حقيقة، وكان ظاهره الجود والبذل.
وقد اعتمد أهل التأويل، في تأويلهم اليد، أنها النعمة والعطية، تسمية للشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات: سماء، ومن ذلك قولهم: لفلان عندي أياد، وقول أبي طالب لما فقد النبي – ﷺ :
يا رب رد راكبي محمداً رده عليَّ واصطنع عندي يداً
وقول عروة بن مسعود لأبي بكر يوم الحديبية: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.
وقد تكون اليد بمعنى القدرة، تسمية للشيء باسم مسببه، لأن القدرة هي تحرك اليد، يقال: فلان له يد في كذا وكذا، أي له قدرة، ومنه قول زياد
стр. 320
لمعاوية: " إني قد أمسكت العراق بإحدى يدي، والأخرى فارغة " يريد نصف قدرته. وقد يضاف الفعل إلى اليد إضافته إلى الشخص نفسه؛ لأن غالب الأفعال تكون بها، فصار ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه، كما قال –تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (١) .
وتقول العرب: " يداك أوكتا، وفوك نفخ" توبيخاً لكل من جر إلى نفسه شراً، لأن أول من قيل له ذلك، فعل بيديه وفمه.
ولذلك قالوا في مثل قوله -تعالى-: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: نعمته في الدنيا الآخرة، واللفظ كناية عن نفس الجود، من غير أن يكون هناك يد حقيقة، بل هذه اللفظة صارت حقيقة في العطاء والجود.
وقالوا في قوله -تعالى-: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) أي: خلقته أنا، وليس هناك يد حقيقية، ونحو هذه التأويلات.
والجواب: أننا لا ننكر لغة العرب التي نزل بها القرآن، وأن ما ذكر معروف في اللغة، ولكن ننكر تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وصفاته.
فإن لفظ "اليدين" بصيغة التثنية، لم يستعمل في النعمة، ولا في القدرة؛ لأن من لغة العرب استعمال الواحد في الجمع، كقوله –تعالى-: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) .
ولفظ الجمع في الواحد كقوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ (٤) ، والقائل واحد.
ولفظ الجمع في الإثنين كقوله -تعالى-: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٥) .