حدثنا محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب ابن زوران – لفظاً – حدثنا أبو العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسي، الاصطخري، قال: قال أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن حنبل – وذكر العقيدة إلى أن قال – "وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، ويوعيها ما أراد، وخلق آدم بيده، على صورته، والسموات والأرض يوم القيامة في كفه، ويضع قدمه في النار، فتنزوي" وذكر عقيدة طويلة جامعة (١) .
وقال الحسن بن علي بن خلف البربهاري: " وكل ما سمعت من الآثار شيئاً لم يبلغه عقلك، نحو قول رسول الله – ﷺ : " قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن" وقوله: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وينزل يوم عرفة، وينزل يوم القيامة، وأن جهنم لا يزال يطرح فيها، حتى يضع عليها قدمه، وقوله للعبد: إن مشيت إليَّ هرولت إليك، وقوله: خلق الله آدم على صورته، وقول الرسول – ﷺ : " رأيت ربي في أحسن صورة" (٢) ، وأشباه هذه الأحاديث، فعليك بالتسليم،
والتصديق، والتفويض (٣) والرضا، ولا تفسر شيئاً من هذه بهواك (٤) ، فإن الإيمان بهذا واجب، فمن فسر شيئاً من هذا بهواه، أو رده، فهو جهمي" (٥) .
وهذا الذي ذكره الإمام أحمد، والبربهاري، هو مذهب السلف، الذين تلقوا عن الرسول – ﷺ ولم يزل السلف يوصي بعضهم بعضاً بالتمسك به، والتحذير ممن يخالفه؛ لأنه الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة.
стр. 317
وقوله: " بل هو توقيف أطلقه الشارع، فلا يكيف، ولا يشبه "، يعني أن لفظ اليد الثابت بكتاب الله، وبالسنة، توقيف أطلقه الشارع، فلا يوقف له على معنى، فهو – عنده- لا يدل على ما وضعت له كلمة "يد" في اللغة، ومضمون ذلك أن آيات الصفات وأحاديثها لا يعلم لها معان تطابق ألفاظها، وتؤخذ منها، ويلزم على هذا أن الشارع خاطب الناس بما ظاهره غير مقصود، ولا مطلوب منهم الإيمان بظاهره، بل قد يكون ظاهره باطلاً وكفراً، فمعنى قوله: " لا يكيف، ولا يشبه" أي: لا يثبت لها معنى مطابقاً للفظها في وضع اللغة، فلا يوصف الله –تعالى- باليد الحقيقية التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله – ﷺ ؛ لأن هذا تشبيه، فهذه النصوص في هذا الباب ونحوه فيها تشبيه لله –تعالى- عند هؤلاء، ولهذا صار تأويلها متعيناً.
فضاعت النصوص التي تعرف الله بها إلى عباده بين مردود (١) ومؤول.
وقوله: " ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهودي"، جوابه: أنه قد تقدم من ذكر بعض النصوص التي تبطل هذا الهراء، والقول الجائر، أن الخطابي – عفا الله عنا وعنه – بهذا القول إنما يشنع في الحقيقة على رسول الله – ﷺ ، والله المستعان.
وقوله: " فإن اليهود مشبهة، وفيما يدعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه، ولا تدخل في مذاهب المسلمين "، ونحن لا نبرئ اليهود من الباطل، ولكن نقول: إن الحق يجب أن يقبل ممن قاله، سواء كان من اليهود أو من غيرهم.
وهو لم يبين هذه الألفاظ التي تدخل في باب التشبيه على حد قوله.
стр. 318
ولكن نعلم من طريقته أن كل من أثبت لله من الصفات ما ينكره هو ومن سلك نهجه، أنهم يسمونه مشبهاً، ولو كان متمسكاً بالكتاب والسنة، فعنده من أثبت لله يداً حقيقية فهو مشبه، وكذلك الوجه، والرجل، والأصابع، والعينين، ونحو ذلك. وقوله: " وأما ضحكه – ﷺ من قول الحبر، فيحتمل الرضا، والإنكار".
فجوابه: أن الحق الذي لا نشك فيه أنه لا يحتمل إلا الرضا، والموافقة؛ لأن الرسول – ﷺ لا يضحك من الباطل والكفر الذي هو تشبيه رب العالمين بالخلق، كما هو مقتضى مذهب الخطابي.
ومقتضى الإيمان بالرسول – ﷺ يمنع من أن يكون ضحكه من أجل التشبيه الذي يقوله اليهودي – كما زعم الخطابي – عفا الله عنا وعنه -.
إن ما يقوله هؤلاء في الحقيقة قلب للحقائق، حتى تسلم عقيدة الأشعرية من معاول النصوص، التي تأتي على أسسها بالاقتلاع (١) ، ولو استطاع كثير منهم الرد على الله ورسوله لفعلوا، ولكن كما يقول الله -تعالى-: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (٢)
وأما قوله: " وأما قول الراوي: " تصديقاً له، فظن وحسبان" يعني: أن عبد الله بن مسعود ظن ظناً أخطأ الحق، وأبعد عن الصواب، حيث خالف عقيدة أهل الكلام، فيرد قوله.
стр. 319
ونحن نقول: أيهما أولى عند الله، وعند المؤمنين، بالفهم عن رسول الله – ﷺ : صحابته الذين عايشوه، وتربوا بين يديه، ونقلوا لنا ديننا عنه، أم الخطابي وذووه؟
ولو سلم ذلك لأمكن كل مبطل أن يقول في أي نص جاء عن الرسول – ﷺ وصحابته كقولك هذا: إنه ظن وحسبان، وأن الصواب خلافه، فتبطل الشريعة كلها. تقدم ذكر الآيات الدالة صراحة على وصف الله -تعالى- باليدين.
قال أبو سعيد الدارمي – ﵀: " حدثنا أحمد بن يونس، عن فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، أنه قال: " ضحك من قول الحبر، تعجباً لما قال، وتصديقاً له" (١) .
"وقد تواتر في السنة مجيء اليد – وصفاً - لله-تعالى- فعلم من ذلك أن لله -تعالى- يدين مختصتين به، ذاتيتين له، كما يليق بجلاله، وأنه -تعالى- خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه – سبحانه – يقبض الأرض، ويطوي السموات بيده اليمنى، وأن ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٢) .
ومعنى بسطهما: بذل الجود، وسعة العطاء، لأن العطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها.
فإذا قيل: هو مبسوط اليد، فهم منه يد حقيقة، وكان ظاهره الجود والبذل.
وقد اعتمد أهل التأويل، في تأويلهم اليد، أنها النعمة والعطية، تسمية للشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات: سماء، ومن ذلك قولهم: لفلان عندي أياد، وقول أبي طالب لما فقد النبي – ﷺ :
يا رب رد راكبي محمداً رده عليَّ واصطنع عندي يداً
وقول عروة بن مسعود لأبي بكر يوم الحديبية: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.
وقد تكون اليد بمعنى القدرة، تسمية للشيء باسم مسببه، لأن القدرة هي تحرك اليد، يقال: فلان له يد في كذا وكذا، أي له قدرة، ومنه قول زياد
стр. 320
لمعاوية: " إني قد أمسكت العراق بإحدى يدي، والأخرى فارغة " يريد نصف قدرته. وقد يضاف الفعل إلى اليد إضافته إلى الشخص نفسه؛ لأن غالب الأفعال تكون بها، فصار ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه، كما قال –تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (١) .
وتقول العرب: " يداك أوكتا، وفوك نفخ" توبيخاً لكل من جر إلى نفسه شراً، لأن أول من قيل له ذلك، فعل بيديه وفمه.
ولذلك قالوا في مثل قوله -تعالى-: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: نعمته في الدنيا الآخرة، واللفظ كناية عن نفس الجود، من غير أن يكون هناك يد حقيقة، بل هذه اللفظة صارت حقيقة في العطاء والجود.
وقالوا في قوله -تعالى-: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) أي: خلقته أنا، وليس هناك يد حقيقية، ونحو هذه التأويلات.
والجواب: أننا لا ننكر لغة العرب التي نزل بها القرآن، وأن ما ذكر معروف في اللغة، ولكن ننكر تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وصفاته.
فإن لفظ "اليدين" بصيغة التثنية، لم يستعمل في النعمة، ولا في القدرة؛ لأن من لغة العرب استعمال الواحد في الجمع، كقوله –تعالى-: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) .
ولفظ الجمع في الواحد كقوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ (٤) ، والقائل واحد.
ولفظ الجمع في الإثنين كقوله -تعالى-: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٥) .
стр. 321
أما استعمال لفظ الواحد في الإثنين، والاثنين في الواحد، فلا أصل له في اللغة؛ لأن هذه الألفاظ عدد، وهي نصوص في معناها، لا يتجوز بها، فلا يجوز أن تقول: عندي رجل، وأنت تريد اثنين، ولا عندي رجلان، وأنت تريد واحداً، ولا عندي رجلان، وأنت تريد الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس، والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد.
فقوله -تعالى-: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد.
ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.
ولا يجوز أن يكون كما قالوا: لما خلقت أنا؛ لأن العرب إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد، فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفاعل.
كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ (١) ، ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٢) ، ومن هذا قوله -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ً﴾ (٣) .
أما إذا أضيف الفعل إلى الفاعل، وعدى الفعل إلى اليد بحرف الجر كقوله -تعالى-: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فإنه يكون نصاً في أنه فعل ذلك بيديه.
ولهذا لا يجوز لمن تكلم، أو مشى، أن يقول: فعلت ذلك بيدي، ولكن يقال: فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: " فعلت" كاف في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان قوله: ﴿بيدي﴾ زيادة لا فائدة فيها، ولا تجد في كلام العرب أن فصيحاً يقول: فعلت هذا بيدي، إلا وأنه فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يقول ذلك وهو ليس له يد" (٤) .
стр. 322
وأما تعليله لإنكاره إثبات اليد لله -تعالى- والأصابع، بأن اليد المتعارف عليها هي الجارحة، وذلك ممتنع على الله -تعالى-.
فالجواب: أن هذا ممتنع لو كانت اليد التي أثبتها الله لنفسه من جنس أيدي المخلوقين، أما إذا كانت يداً تناسب ذاته وتليق بعظمته، فما هو المانع من ذلك في العقل والشرع؟ وما هو الموجب لتلك التمحلات؟
وكل ما يذكر أهل التأويل إنما يدل على امتناع وصفه –تعالى- بما يستحقه المخلوق، وخصائص المخلوقين منفية عنه –تعالى-، وكل ما أثبت لله –تعالى- من الصفات فهي كمال، وفقدها نقص –تعالى- عنه.
ثم هل يجوز مع كثرة ما في كتاب الله، وسنة رسوله، من ذكر اليد، دالاً على الحقيقة، مثل ذكر خلق آدم بيديه، وأنهما مبسوطتان، وأن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، وأن السموات مطويات بيمينه، وأن بيده الملك، وفي السنة ما لا يحصى إلا بمشقة، مثل ذكر الأصابع، والقبض، والبسط، واليمين، والشمال، وأن يديه كلتاهما يمين، ثم لا يبين الرسول – ﷺ أن هذا غير مراد منه الظاهر والحقيقة، مع حضه لنا على الفهم؟ وهل يجوز أن يفهم صحابته والتابعون لهم من هذه النصوص غير الحق المراد منها، ولا يعرف الحق فيها إلا جهم بن صفوان – بعد انقراض عهد الصحابة – وبشر بن غياث- وأشباههما ممن هو مغموص عليه في النفاق؟ مع أن الرسول – ﷺ قد علم أمته كيف يقضون الحاجة، وكيف يأكلون ويشربون، وينامون، ويدخلون بيوتهم ويخرجون، حتى أنزل الله –تعالى- عليه في آخر ما أنزل: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (١) ، والرسول – ﷺ يقول: " تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك" (٢) .
стр. 323
هل يجوز – مع هذا كله وغيره – أن يترك الكتاب المنزل عليه، وسنته الغراء، مملوءان بما يزعم أهل التأويل أن ظاهره تشبيه وتجسيم، ومن اعتقد ظاهره – بزعمهم- فهو ضال مشبه لله ومجسم، ثم لا يبين ذلك ولا يوضحه، بل يكثر من ذكر ما يؤيد الظاهر بكل صراحة؟ إنه لا يعتقد ذلك ويقوله إلا ضال في دينه لم يعرف ما أنزل الله على رسوله، ولم يعرف الرسول حق المعرفة.
قال ابن القيم: " واطراد لفظ اليد في موارد استعمالها، وتنوع ذلك، يوجب أن تكون اليد حقيقة، كقوله -تعالى-: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) ، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٢) ، ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٣) .
فلو كان المراد: القدرة، أو النعمة، لم يستعمل منه لفظ "يمين"، كما في الحديث "المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين" (٤) ، فلا يصح أن تكون يد القدرة، والنعمة، وقوله: " يقبض الله سماوات بيده، والأرض باليد الأخرى، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك" (٥) فالهز والقبض، وذكر اليدين، يمنع ذلك.
ولما ذكر ذلك رسول الله – ﷺ جعل يقبض يديه ويبسطهما، تحقيقاً للصفة، لا تشبيهاً لها، كما أنه – ﷺ لما قرأ قوله -تعالى-: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٦) وضع إصبعه على عينه والأخرى على أذنه؛ تحقيقاً لصفة السمع والبصر.
стр. 324
وقوله – ﷺ : " لما خلق الله آدم قبض بيديه، وقال: اختر، فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يديه يمين ففتحها، فإذا فيها أهل اليمين من ذريته" (١) .
وقوله – ﷺ : " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" (٢) اهـ.
وقد تقدمت الإشارة إلى بعض النصوص في ذلك.
فاقتران الطي والقبض، والإمساك باليد، جعل تأويلها بالقدرة والنعمة تحريفاً باطلاً.
قال الإمام ابن خزيمة: " نحن نقول: الله – جل وعلا- له يدان، كما أعلمنا الباري في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه المصطفي – ﷺ ونقول: كلتا يدي ربنا يمين، على ما أخبر النبي – ﷺ ونقول: إن الله – – يقبض الأرض بإحدى يديه، ويطوي السماء بيده الأخرى " (٣) .
فمن أثبت لله -تعالى- يدين، وأثبت لهما أصابع، على ما جاء في النصوص الصحيحة، لا يكون مشبهاً، بل يكون متبعاً لكتاب الله وسنة رسوله، مطيعاً لله ورسوله في ذلك؛ لأنه أثبت لله ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله – ﷺ .
والله -تعالى- ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أوصافه؛ لأن الوصف تابع للموصوف.
وقال البغوي: " الإصبع المذكورة في الحديث صفة، من صفات الله – – وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل، في صفات الله -تعالى-، كالنفس، والوجه، والعين، واليد والرجل، والإتيان، والمجيء،
стр. 325
والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك، والفرح.
قال الله -تعالى- لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (١) ، وقال – – ﴿ولتصنع على عيني﴾ (٢) ، وقال – : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (٣) ، وقال – : ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ (٤) ، وقال تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ (٥) ، وقال – جل وعلا-: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٦) ، وقال -تعالى-: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٧) ، وقال -تعالى-: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ (٨) ، وقال – : ﴿وجاء ربك والملك صفا صفاً﴾ (٩) ، وقال –
تعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١٠) ، وقال -تعالى-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (١١) .
وقال رسول الله – ﷺ : " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر" (١٢) ، وروى أنس، عن النبي – ﷺ قال: " لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع
стр. 326
رب العزة فيها قدمه"، وفي رواية أبي هريرة: " حتى يضع الله رجله" (١) ، وفي حديث أبي هريرة في آخر من يخرج من النار "فيضحك الله منه، ثم يأذن له في دخول الجنة" (٢) ، وفي حديث جابر: " فيتجلى لهم يضحك" (٣) ، وفي حديث أنس وغيره: " لله أفرح بتوبة عبده، من أحدكم يسقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة" (٤) .
فهذه ونظائرها صفات لله -تعالى-، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضاً فيها عن التأويل، مجتنباً التشبيه، معتقداً أن الباري – لا يشبه شيء من صفاته صفات خلقه، كما لا تشبه ذاته ذوات خلقه، قال -تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٥) .
وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالإيمان والقبول، وتجنبوا فيها التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله – .
قال سفيان بن عيينة: " كل ما وصف الله -تعالى- به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته، والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسره إلا الله -تعالى- ورسوله ".
وقال الزهري: " على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم".
وقال بعض السلف: " قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم" (٦) .
ومراده بقوله: " ووكلوا العلم فيها إلى الله " علم الكيفية، وأما ما يفهم منها في الوضع اللغوي في ظاهر ومعلوم، وكذا ما ذكره عن سفيان أنها لا تفسر، أي تؤول وتطلب معرفة كيفيتها.
стр. 327
وهذا كثير في أقوال العلماء والسلف من أهل السنة.
وقال ابن القيم: "ورد لفظ اليد في القرآن، والسنة، وكلام الصحابة والتابعين، في أكثر من مائة موضع، وروداً متنوعاً، متصرفاً فيه، مقروناً بما يدل على أنها يد حقيقة، من الإمساك، والطي، والقبض، والبسط، والمصافحة، والحثيات، والنضح باليد، والخلق باليدين، والمباشرة بهما، وكتب التوارة بيده، وغرس جنة عدن بيده، وتخمير طينة آدم بيده، ووقوف العبد بين يديه، وكون المقسطين عن يمينه، وقيام رسول الله – ﷺ يوم القيامة عن يمينه، وتخيير آدم بين ما في يديه، فقال: " اخترت يمين ربي"، وأخذ الصدقة بيمينه، يربيها لصاحبها، وكتابته بيده على نفسه: أن رحمته تغلب غضبه، وأنه مسح ظهر آدم بيده، ثم قال له – ويداه مقبوضتان – "اختر"، فقال: " اخترت يمين ربي"، وكلتا يديه يمين مباركة، وأن يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وبيده الأخرى القسط، يرفع ويخفض، وأنه خلق آدم من قبضه قبضها من جميع الأرض، وأنه يطوي السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يطوى الأرض باليد الأخرى، وأنه خط الألواح التي كتبها لموسى بيده" (١) .
стр. 328
قال: " باب قول النبي ﷺ : " لا شخص أغير من الله".
وقال عبيد الله بن عمرو بن عبد الملك: لا شخص أغير من الله.
الغيرة - بفتح الغين - وإسكان الياء - وهي في اللغة مأخوذة من التغير الحاصل من الأنفة، والحمية.
والشخص: هو ما شخص وبان عن غيره.
ومقصد البخاري أن هذين الاسمين يخبر بهما عن الله -تعالى- وصفاً له؛ لأن الرسول ﷺ أثبتهما لله، وهو أعلم الخلق بالله -تعالى-.
قال النووي: " قال العلماء: الغيرة بفتح الغين، وأصلها المنع، والرجل غيور على أهله، أي: يمنعهم من التعلق بأجنبي بنظر، أو حديث، أو غيره، والغيرة صفة كمال" (١) .
قال الحافظ: " وقد فسر الرسول ﷺ غيرة الله في قوله: " إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله " (٢) .
ومعناه: أن الله يغار إذا انتهكت محارمه، وليس انتهاك المحارم هو غيرة الله؛ لأن انتهاك المحارم فعل العبد، ووقوع ذلك من المؤمن أعظم من وقوعه من غيره.
وغيرة الله -تعالى- من جنس صفاته التي يختص بها، فهي ليست مماثلة لغيرة المخلوق، بل هي صفة تليق بعظمته، مثل الغضب، والرضا، ونحو ذلك من خصائصه التي لا يشاركه الخلق فيها.
стр. 329
وقد تقرر أنه -تعالى- ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته، وأفعاله، ولكن لابد من الاشتراك في ألفاظ الأسماء التي تضاف إلى الله صفات له، وبين ألفاظ الأسماء التي يوصف بها العباد؛ لأنه لا يمكن معرفة ما غاب عنا إلا بمعرفة ما شهدناه، فنعتبر بعقولنا الغائب بالشاهد.
فلولا أنا نجد من أنفسنا جوعاً، وعطشاً، وشبعاً، ورياً، وحباً، وبغضاً، ولذةً، وألماً، ورضاً، وسخطاً، لم نعرف حقيقة ما نخاطب به إذا وصف لنا وأخبرنا به عن غيرنا.
ولو لم نعلم ما في المشاهد من الحياة، والقدرة، والعلم، والكلام، لم نفهم ما نخاطب به من ذلك في الغائب.
فلا بد فيما شهدناه، وما غاب عنا، من قدر مشترك، هو مسمى اللفظ.
وقد أخبرنا عن نعيم الآخرة، وعذابها مما يؤكل، ويشرب، ويفرح، ويحزن، وينعم، ويؤلم، فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك في الدنيا، لم نفهم ما وعدنا به من ذلك، مع علمنا أن حقائق ما في الآخرة ليست كحقائق ما في الدنيا، كما قال ابن عباس في تفسير قوله -تعالى-: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ : " ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء " (١) ، ولكن بين ما في الدنيا، وما في الآخرة، مشابهة واشتراك من بعض الوجوه. وبذلك نفهم المراد، فنحب النعيم، ونرغب فيه، ونكره المؤلم، وننفر عنه، فنعرف معنى العسل، واللبن، والحرير، والذهب، ونفرق بينهما؛ لما عرفناه من نظيرها في الشاهد، وإن كانت حقائقها فيما هي عليه لا يعلمها إلا الله -تعالى-، كما قال - جل وعلا -: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٢) .
стр. 330
فإذا كان هذا في صفات المخلوق، فكيف في صفات الخالق - جل وعز - فإنها أشد مباينة، مثال ذلك: إذا قال نفاة الصفات: النزول، والاستواء، من صفات الأجسام، فإنه لا يعقل إلا لجسم مركب، والله منزه عن ذلك.
فيقال لهم: وكذلك الحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والكلام، هي من صفات الأجسام، فإنه لا يعقل من يسمع، ويبصر، ويريد، ويعلم، ويقدر، ويتكلم، ويكون حياً، إلا الجسم.
فإن قالوا: سمعه ليس كسمعنا، وعلمه ليس كعلمنا، وبصره ليس كبصرنا، وكذا البقية.
قيل: فكذلك نزوله، واستواؤه، وغضبه، وفرحه، وحبه، وغيرته، وسائر صفاته، والذين يؤولون النصوص في ذلك، مخالفون لها، ومتناقضون.
قوله: " وقال عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك: " لا شخص أغير من الله" قال الحافظ: " يعني أن عبيد الله بن عمرو، روى الحديث المذكور، عن عبد الملك، بالسند المذكور فقال: " لا شخص" بدل كلمة " لا أحد" وقد وصله الدارمي، ثم ذكر سنده، وساقه أبو عوانة - يعقوب الإسفرائيني - في "صحيحه" عن محمد بن عيسى العطار، عن زكريا بتمامه، وقال في المواضع الثلاثة: " لا شخص".
قال الإسماعيلي - بعد أن أخرجه -: من طريق عبيد الله بن عمرو القواريري، وأبي كامل - فضيل بن حسين الجحدري - ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثلاثتهم عن أبي عوانة - الوضاح البصري - بالسند الذي أخرجه ﴿به﴾ البخاري، ولكن قال في المواضع الثلاثة: " لا شخص" بدل " لا أحد".
ثم ساقه من طريق زائدة بن قدامة عن عبد الملك كذلك.
فكأن هذه اللفظة لم تقع في رواية البخاري في حديث أبي عوانة، عن
стр. 331
عبد الملك، فلذلك علقها عن عبيد الله بن عمرو.
قلت: وقد أخرجه مسلم، عن القواريري، وأبى كامل، كذلك" ا. هـ (١) .
ولفظ مسلم، بعد ذكر السند: " قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: " أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنة" (٢) .
ورواه الإمام أحمد في "المسند" بهذا اللفظ (٣) ، قال عبد الله ابن الإمام أحمد بعد ذكره، قال عبيد الله القواريري: ليس حديث أشد على الجهمية من هذا الحديث.
وبهذا يتبين خطأ ابن بطال في قوله: " أجمعت الأمة على أن الله -تعالى- لا يجوز أن يوصف بأنه شخص، لأن التوقيف لم يرد به " ا. هـ ذكره الحافظ (٤) .
وهذه مجازفة ودعوى عارية من الدليل، فأين هذا الإجماع المزعوم؟ ومن قاله؟ سوى المتأثرين ببدع أهل الكلام، كالخطابي، وابن فورك، وابن بطال- عفا الله عنا وعنهم-
وقوله: " لأن التوقيف لم يرد به " يبطله ما تقدم من ذكر ثبوت هذا اللفظ عن رسول الله ﷺ بطرق صحيحة لا مطعن فيها.
стр. 332
وإذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ وجب العمل به، والقول بموجبه سواء كان في مسائل الاعتقاد، أو في العمليات، وقد صح عنه ﷺ إطلاق هذا الاسم - أعني الشخص - على الله -تعالى- خبراً، فيجب اتباعه في ذلك على من يؤمن بأنه رسول الله، وهو ﷺ أعلم بربه وبما يجب له وما يمتنع عليه -تعالى- من غيره من سائر البشر.
وتقدم أن الشخص في اللغة: ما شخص، وارتفع، وظهر.
قال في "اللسان": " الشخص كل جسم له ارتفاع وظهور" (١) .
والله -تعالى- أظهر من كل شيء، وأعظم، وأكبر، وليس في إطلاق الشخص عليه محذور على أصل أهل السنة الذين يتقيدون بما قاله الله ورسوله.
стр. 333
٤٥-قال: " حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي، حدثنا أبو عوانة، حدثنا عبد الملك، عن وراد كاتب المغيرة، عن المغيرة، قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: " تعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة ".
نكتفي بما تقدم من كلام على معنى الحديث، ونذكر موجزاً من الكلام مما فيه فائدة، وتقدم معنى الغيرة، وأنها صفة كمال، كما تقدم أنا لا يمكن أن نفهم ما خوطبنا به إلا بواسطة المعلوم لنا في الشاهد المشارك له في المعنى في الجملة، وإن كان البون شاسعاً.
قال النووي: " أخبر ﷺ أن سعداً غيور، وأنه أغير منه، وأن الله أغير منه، وأنه من أجل ذلك حرم الفواحش، فهذا تفسير لمعنى غيرة الله -تعالى-، أي: أنها منعه الناس من الفواحش" (١) .
ققلت: ليس هذا هو غيرة الله -تعالى- ولكنه مقتضى الغيرة، كما يوضحه قوله: " ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش" فبين أن تحريم الفواحش، والمنع منها، ليس هو الغيرة، وإنما هو من آثارها.
قوله: " لو رأيت رجلاً مع امرأتي، لضربته بالسيف غير مصفح" أي:
стр. 334
لضربته بحد السيف لا بصفحه، يعني: لقتله بدون توقف، وقد أقره رسول الله ﷺ على ذلك، وأخبر أنه أغير من سعد، وأن الله أغير منه، وأما قول القرطبي وغيره: إن قوله: " ولا أحد أحب إليه العذر من الله " إشارة إلى الإنكار على سعد، فغير صحيح، بل مدلول الحديث خلافه، ولا بد من الغيرة، والذي لا غيرة له ديوث، والديوث لا يدخل الجنة، كما في "سنن النسائي" (١) وغيرها.
ولهذا قال ﷺ : " تعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه، والله أغير مني" الخ.
قوله: " ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش، ما ظهر منها، وما بطن" أي: من أثر غيرة الله: منع عباده من قربان الفواحش، وهي: ما عظم وفحش في النفوس الزاكية والعقول السليمة مثل الزنا.
والظاهر: يشمل ما فعل علناً، وما باشرته الجوارح وإن كان سراً.
والباطن: يشمل ما في السر، وما انطوت عليه القلوب.
قوله: " ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين".
العذر: هو طلب العفو عن فعل سابق مع الاعتراف بالذنب والندم على وقوعه منه، ويراد به الإعذار، وهو إقامة البينات، والحجج، وإيضاح طريق الخير والشر، وكلاهما يدخل فيما ذكر، والمبشرون والمنذرون هم الرسل، وفي رواية مسلم: " بعث المرسلين مبشرين ومنذرين" وفي رواية له أيضاً: " ولذلك أنزل الكتب والرسل".
قال عياض: المعنى: بعث المرسلين للإعذار والإنذار لخلقه، قبل
стр. 335
أخذهم بالعقوبة، وهو كقوله -تعالى-: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١) .
قوله: " ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة" هذا لكماله المطلق، فهو -تعالى- يحب من عباده أن يثنوا عليه ويمدحوه على فضله وجوده، ومن أجل ذلك جاد عليهم بكل نعمة يتمتعون بها، ويرضى عنهم إذا حمدوه عليها.
ومهما أثنوا عليه ومدحوه لا يمكن أن يصلوا إلى ما يستحقه من المدح والثناء، ولهذا مدح نفسه كما تقدم، فوعد الجنة ليكثر سؤاله، والثناء عليه من عباده ومدحه، ويجهدوا في ذلك غاية ما يستطيعون؛ لأن الجنة هي منتهى الإنعام.
стр. 336
قال: " باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ﴾ (١) " " فسمى الله -تعالى- نفسه شيئاً، وسمى النبي ﷺ القرآن شيئاً، وهو صفة من صفات الله، وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (٢) ".
يريد بهذا أن يطلق على الله -تعالى- أنه شيء، وكذلك صفاته، وليس معنى ذلك أن "الشيء" من أسماء الله الحسنى، ولكن يخبر عنه -تعالى- بأنه شيء، وكذا يخبر عن صفاته بأنها شيء؛ لأن كل موجود يصح أن يقال: إنه شيء.
قال الحافظ: " الشيء يساوي الموجود، لغةً، وعرفاً، وأما قولهم: فلان ليس بشيء فهو على طريق المبالغة في الذم، فلذلك وصف بصفة العدم" (٣) .
وقال: " أي: إذا جاءت استفهامية، اقتضى الظاهر أن تسمى باسم ما تضاف إليه، فعلى هذا صح الاستدلال بها على تسمية الله -تعالى- شيئاً.
واسم الجلالة خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك الشيء هو الله.
ويصح أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: الله أكبر شهادة والله أعلم " (٤) .
وقوله -تعالى-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ قال الحافظ: " الاستدلال بهذه الآية للمطلوب، ينبني على أن الاستثناء متصل، فإنه يقتضي اندراج المستثنى في المستثنى منه، وهو الراجح، على أن لفظ شيء يطلق على الله -تعالى- وهو الراجح أيضاً ". (٥)
стр. 337
قال الإمام عبد العزيز الكناني، في محاجته لبشر المريسي، لما سأله بشر عن القرآن: أهو شيء أم ليس بشيء؟ قال: " فقلت لبشر: سألت عن القرآن، هو شيء أم غير شيء؟ فإن كنت تريد أنه شيء، إثباتاً للوجود، ونفياً للعدم، فنعم هو شيء.
وإن كنت تريد أن الشيء اسم له، وأنه كالأشياء فلا.
فإن الله أجرى كلامه على ما أجراه على نفسه، إذ كان كلامه من ذاته، ومن صفاته، فلم يتسم بالشيء، ولم يحمل الشيء اسماً من أسمائه، ولكنه دل على نفسه أنه شيء، وأنه أكبر الأشياء، إثباتاً للوجود، ونفياً للعدم، وتكذيباً للزنادقة، ومن تقدمهم ممن جحد معرفته، وأنكر ربوبيته، من سائر الأمم، فقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (١) ، فدل على نفسه أنه شيء، لا كالأشياء، وأنزل في ذلك خبراً خاصاً مفرداً، لعلمه السابق أن جهماً وبشراً، ومن قال بقولهما، سيلحدون في أسمائه وصفاته، ويشبهون على خلقه، ويدخلونه وكلامه في الأشياء المخلوقة، فقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٢) ، فأخرج نفسه وكلامه وصفاته من الأشياء المخلوقة، بهذا الخبر، تكذيباً لمن ألحد في كتابه، وافترى عليه، وشبهه بخلقه. وعدد أسماءه في كتابه، ولم يتسم بالشيء، ولم يجعل الشيء اسماً من أسمائه" (٣) .
ونقل الحافظ عن ابن بطال: " أن الآيات والآثار المذكورة في هذا الباب ترد على من زعم أنه لا يجوز أن يطلق على الله -تعالى- أنه شيء، كما صرح به
стр. 338
عبد الله الناشيء المتكلم (١) وغيره.
كما ترد على من زعم أن المعدوم شيء، وقد أطبق العقلاء على أن لفظ "شيء" يقتضي إثبات موجود، وعلى أن لفظ " لا شيء" يقتضي نفي موجوده، إلا ما تقدم من إطلاقهم "ليس بشيء" في الذم" (٢) .
وهذا الذي ذكره الحافظ عن ابن بطال واضح، وقد تقدم ما يدل عليه.
стр. 339
٤٦-قال: " حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال النبي ﷺ لرجل: " أمعك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا - لسور سماها-".
سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلب بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة الأنصاري، من مشاهير الصحابة، ذكر ابن حبان أن اسمه حزن، فغير رسول الله ﷺ اسمه، توفي رسول الله ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة وعمر طويلاً، فكان آخر من مات في المدينة من الصحابة، على أحد الأقوال، رضوان الله عليهم أجمعين، وله أحاديث كثيرة في كتب الحديث، مات سنة إحدى وتسعين من الهجرة (١) .
هذا الحديث مختصر من قصة الواهبة نفسها للنبي ﷺ لما قال له رجل من أصحابه: إن لم يكن لك بها حاجة، فزوجنيها يا رسول الله، قال له ﷺ : " أمعك شيء تعطيها إياه؟ قال: لا، قال: التمس ولو خاتماً من حديد، فلما لم يجد، قال له: هل معك شيء من القرآن؟ - أي: هل تحفظ شيئاً منه؟ - قال: نعم سورة كذا، وسورة كذا، لسور سماها. فقال النبي ﷺ : " زوجتكها على ما معك من القرآن" أي يكون تعليمه لها ما معه من سور القرآن صداقاً لها.
والمقصود هنا أنه أطلق الشيء على القرآن، بقوله: " أمعك شيء من القران؟ " وهو صفة من صفات الله -تعالى- والصفة لها حكم الموصوف، فيصح إطلاق ذلك على الله -تعالى-.
وقد تقم في كلام عبد العزيز الكناني " أن لفظ الشيء يطلق على القرآن
стр. 340
إثباتاً لوجوده، وحقيقته، ونفياً لعدمه، وليس لفظ الشيء اسماً له، كما أنه يطلق على الله -تعالى- كذلك.
وأن الله أجرى كلامه على ما أجره على نفسه، إذ كان كلامه من ذاته، ومن صفاته، فلم يتسم بالشيء، ولم يجعل الشيء اسماً من أسمائه، ولكنه دل على نفسه
أنه شيء، وأنه أكبر الأشياء، إثباتاً للوجود، ونفياً للعدم، وتكذيباً للزنادقة ومن تقدمهم، ممن جحد معرفته وأنكر ربوبيته من سائر الأمم" (١) .
стр. 341
قال: " باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ (١) ، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٢) ".
قال الأزهري: " العرش في كلام العرب: سرير الملك يدل على ذلك سرير ملكة سبأ، سماه الله - جل وعز- عرشاً، فقال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) .
قلت: والعرش في كلام العرب - أيضاً -: سقف البيت، وجمعه عروش، ومنه قول الله - جل وعز -: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ (٤) .
قال الكسائي: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ على أركانها.
وقال غيره من أهل اللغة: على سقوفها، أراد أن حيطانها قائمة، وقد تهدمت سقوفها، فصارت في قرارها، وانقعرت الحيطان من قواعدها، فتساقطت على السقوف المتهدمة قبلها" (٥) .
"وقال الليث: العرش: السرير للملك، والعرش، والعريش: ما يستظل به.
قال: وعرش الرجل: قوام أمره، فإذا زال قوام أمره، قيل: ثل عرشه" (٦) .
وقال الجوهري: " العرش: سرير الملك، وعرش البيت: سقفه، والعرش،
стр. 342
والعريش: ما يستظل به، وعرش القدم: ما نتأ في ظهرها، وفيه الأصابع، وعرش البئر" طيها بالخشب، بعد أن يطوى أسفلها بالحجارة قدر قامة، فذلك الخشب هو العرش، والجمع عروش.
وعرش يعرش ويعرش عرشاً، أي: بنى بناء من خشب" (١) .
ويظهر مما ذكره أهل اللغة: أن العرش اسم للسرير المرتفع العظيم، الذي يجلس عليه الملك، ويطلق على السقف وعرش الرب - جل وعلا - له المعنيان فهو محل استوائه تعالى، وهو سقف المخلوقات.
قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ (٢) قال ابن جرير: " يقول -تعالى-: وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض، وما فيهن".
ثم روى عن مجاهد: وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق شيئاً.
وروى بسنده عن قتادة: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ ينبئكم ربكم ﵎ كيف كان بدء خلقه، قبل أن يخلق السموات والأرض.
ثم روى حديث أبي رزين العقيلي: " قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا، قبل أن يخلق خلقه؟ قال: " كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء".
وفي رواية: " قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ " الخ (٣) .
стр. 343
ثم روى عن ابن عباس، أنه سئل: " وكان عرشه على الماء، على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح" (١) .
وقال الترمذي: " حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس (٢) ، عن عمه أبي رزين، قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا، قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء، ما تحته هواء،
وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء"، قال أحمد: " قال يزيد: العماء، أي ليس معه شيء" (٣) .
قال أبو عبيد: " العماء في كلام العرب، السحاب الأبيض"، قال الأصمعي وغيره، هو ممدود.
وقال الحارث بن حلزة اليشكري:
وكأن المنون تردي بنا أعـ ... ـصم ينجاب عنه العماء
يقول: هو في ارتفاعه، قد بلغ السحاب ينشف عنه، يقول: نحن في عزنا مثل الأعصم، فالمنون إذا أرادتنا، فكأنما تريد أعصم.
وإنما تأولنا هذا الحديث، على كلام العرب المعقول عنهم، ولا ندري كيف كان ذلك العماء، وما مبلغه، والله أعلم.
وأما العمى في البصر، فإنه مقصور، وليس هو من معنى الحديث في شيء " ا. هـ (٤) ، نقل هذا الكلام الأزهري، ثم قال: "قلت: وقد بلغني، عن أبي الهيثم- ولم يعزه لي إلى ثقة - أنه قال في تفسير هذا الحديث، ولفظه: أنه كان في عمى مقصور، قال: وكل أمر لا تدركه القلوب بالعقول، فهو عمى، والمعنى: أنه كان حيث لا تدركه عقول بنى آدم، ولا يبلغ كنهه وصف.
стр. 344
قلت أنا (١) : والقول عندي، ما قاله أبو عبيد، أنه العماء، ممدود، وهو السحاب، ولا يدري كيف ذلك العماء، بصفة تحصره، ولا نعت يحده، ويقوى هذا القول قول الله - جل وعز -: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ (٢) فالغمام معروف في كلام العرب.
إلا أنا لا ندري كيف الغمام الذي يأتي الله يوم القيامة في ظلل منه، فنحن نؤمن به، ولا نكيف صفته، وكذلك سائر صفات الله " ا. هـ (٣) .
فعلى ما ذكره يزيد بن هارون، وأقره الترمذي، يكون المعنى: ليس مع الله شيء، فيدل على أن الله -تعالى- كان، ولم يكن معه شيء، كما سيأتي في حديث عمران، - إن شاء الله تعالى -.
وعلى قول من فسر العماء بالسحاب الرقيق، ورجحه الأزهري، لا يدل على قول الفلاسفة الدهرية، بقدم العالم، وتبنى مذهبهم الماديون اليوم، وذلك أن الله -تعالى- أخبرنا في كتابه، بابتداء الخلق، وإعادته كما قال -تعالى-: ﴿وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده﴾ (٤) ، كما أخبر بخلق السماوات، والأرض وما بينهما في ستة أيام، في مواضع كثيرة من كتابه -تعالى- (٥) .
стр. 345
وقوله: ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ (١) أي: هو -تعالى- المالك للعرش، الذي هو أكبر المخلوقات، وأعظمها، وهو المتصرف فيه، وهو عرشه الذي استوى عليه، فاختاره لذلك.
فالإضافة تقتضي اختصاصاً للعرش من بين المخلوقات، فهو -تعالى- رب كل مخلوق، فإضافة العرش إليه - تعالى - ووصفه بأنه عظيم، يدل على خصوصية للعرش، ليست لغيره من سائر المخلوقات، كما يدل على أنه -تعالى- مالك لكل ما دون العرش بطريق الأولى. والمتصرف فيه كيف يشاء.
قال ابن جرير: " وإنما عنى بوصفه - جل ثناؤه - نفسه بأنه " رب العرش العظيم" الخبر عن جميع ما دونه، أنهم عبيده، وفي ملكه وسلطانه؛ لأن العرش إنما يكون للملوك، فوصف نفسه بأنه ذو العرش، دون سائر خلقه، وأنه الملك العظيم، دون غيره، وأن من دونه، في سلطانه وملكه، جار عليه حكمه وقضاؤه" (٢) .
وقال ابن كثير: " وهو رب العرش العظيم" أي: هو مالك كل شيء، وخالقه؛ لأنه رب العرش العظيم، الذي هو سقف المخلوقات، وجميع المخلوقات، من السماوات والأرضين، وما فيهما، وما بينهما، تحت العرش، مقهورون بقدرة الله -
تعالى -، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل" (٣) .
"قال - جل وعلا-: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ (٤) ، وقال - جلت عظمته-: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (٥) ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ (٦) ، وقال
стр. 346
تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (١) .
وأقوال أهل التفسير ﴿متفقة﴾ على أن العرش هو السرير، وأنه جسم مجسم خلقه الله وأمر ملائكته بحمله، وتعبدهم بتعظيمه، والطواف به، كما خلق في الأرض بيتاً، وأمر بنى آدم بالطواف به، واستقباله في الصلاة.
وفي الآيات المتقدمة دلالة على صحة ما ذهبوا إليه " ا. هـ (٢) .
والأخبار عن رسول الله ﷺ والصحابة، والتابعين لهم، في ذكر العرش ووصفه، وأن الله -تعالى- مستو عليه، كثيرة جداً، وسيأتي طرف يسير منها، - إن شاء الله تعالى -.
ففي "الصحيحين" عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : " لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد" (٣) .
"وقال ابن مسعود في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال: العرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه" (٤) .
وقال سليمان التيمي: لو سئلت: أين الله؟ لقلت: في السماء، فإن قال: أين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل خلق الماء؟ قلت: لا أعلم.
قال البخاري: " وذلك لقوله -تعالى-: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ يعني: إلا بما بين" (٥) .
стр. 347
وقال أبو نصر السجزي في "الإبانة": " وأئمتنا، كسفيان، ومالك، والحمادين، وابن عيينة، والفضيل، وبن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، متفقون على أن الله - سبحانه - فوق العرش، وعلمه بكل مكان، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا، وأنه يغضب، ويرضى، ويتكلم بما يشاء" (١) .
والنصوص في ذكر العرش، وأن الله -تعالى- مستو عليه، كثيرة جداً.
وآمن الصحابة وأتباعهم بذلك، على ما دلت النصوص عليه ظاهراً، دون تأويل أو تحريف، وبلا تشبيه ولا تمثيل، كما سيأتي بعض ذلك، - إن شاء الله تعالى -.
قوله: " قال أبو العالية: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ ارتفع، ﴿فسواهن﴾ خلقهن وقال مجاهد: ﴿استوى﴾ : علا على العرش".
هذا الذي ذكره البخاري عن أبي العالية، ومجاهد، هو الذي يقوله ويعتقده عامة السلف من الصحابة وأتباعهم إلى اليوم.
وهو الحق الذي دلت عليه النصوص، وجاءت تعبيراتهم في ذلك في أربعة ألفاظ، ما ذكره البخاري هنا، وثالثها "صعد"، ورابعها "استقر"، وسوف أذكرها مع أسانيدها إليهم:
قال ابن جرير: " حدثت، عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ يقول: ارتفع إلى السماء" (٢) .
وروى اللالكائي بسنده، عن بشر بن عمر، قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ : ارتفع " (٣) .
стр. 348
قال ابن عبد البر: " الاستواء: الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله فقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (١) ، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ (٢) .
وقال الشاعر:
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد خلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى؛ لأن النجم لا يستولي.
وقد ذكر النضر بن شميل -وكان ثقة مأموناً، جليلاً في علم الديانة، واللغة - قال: "حدثني الخليل - وحسبك بالخليل- قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا، فرد علينا السلام، وقال لنا: استووا، فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال؟ قال: فقال لنا أعرابي إلى جنبه، إنه أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٣) ، فصعدنا إليه، فقال: هل لكم في خبز فطير، ولبن هجير، وماء نمير؟ فقلنا: الساعة فارقناه، فقال: سلاماً، فلم ندر ما قال، فقال الأعرابي: إنه سألكم
متاركة لا خير فيها، ولا شر، قال الخليل:
стр. 349
هو من قول الله : ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾ (١) " (٢) ا. هـ.
قال البغوي: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال الكلبي، ومقاتل: استقر.
وقال أبو عبيدة: صعد".
ثم قال: " وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة، فيقولون: الاستواء على العرش صفة لله -تعالى- بلا كيف، يجب على العبد الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله " (٣) .
وقال البخاري: " حدثت عن يزيد بن هارون، قال: من زعم أن الرحمن على العرش استوى، على خلاف ما يقر في قلوب العامة، فهو جهمي" (٤) .
ومراده: أن الاستواء من الأمور الواضحة، التي يفهمها عامة المسلمين إذا كانوا من أهل اللغة العربية.
كما أن مراد البغوي في قوله: " ويكل العلم فيه إلى الله ": علم الكيفية، وأما معناه في اللغة، فهو معلوم ظاهر، كما يأتي في كلام الإمام مالك، وشيخه ربيعة، وأم سلمة.
قال ابن جرير: الاستواء في كلام العرب يأتي على وجوه:
منها: انتهاء شباب الرجل، وقوته، فيقال إذا صار كذلك: قد استوى الرجل.
ومنها: استقامة ما كان فيه أود، من الأمور والأسباب، يقال منه: استوى لفلان أمره، إذا استقام بعد أود، ومنه قول الطرماح بن حكيم:
طال على رسم مهدد أبده وعفا واستوى به بلده
стр. 350
يعنى استقام به.
ومنها: الإقبال على الشيء، يقال: استوى فلان على فلان بما يكرهه ويسؤوه بعد الإحسان إليه.
ومنها: الاحتياز، والاستيلاء، كقولهم: استوى على المملكة، بمعنى: احتوى عليها، وحازها.
ومنها: العلو، والارتفاع، كقول القائل: استوى فلان على سريره، يعني به: علوه عليه" (١) .
قلت: قد أنكر أهل اللغة المعنى الثالث، والرابع، مما ذكره ابن جرير في الاستواء المعدى بعلى.
قال ابن القيم: "ولفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله به وأنزل به كلامه نوعان، مطلق، ومقيد.
فالمطلق: ما لم يوصل معناه بحرف، مثل قوله: ﴿ولما بلغ أشده واستوى﴾ ، وهذا معناه: كمل وتم، استوى الزرع واستوى الطعام.
وأما القيد: فثلاثة أضرب:
أحدها: مقيد بإلى، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ (٢) ، واستوى فلان إلى السطح، وقد ذكر ﵎ هذا المعدى بإلى في موضعين من كتابه، في البقرة في قوله -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ ، والثاني في سورة حم السجدة، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وهذا بمعنى العلو والارتفاع، بإجماع السلف.
стр. 351
الثاني: مقيد بعلى، كقوله -تعالى-: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (١) ، وقوله:
﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ (٣) ، وهذا معناه - أيضاً - العلو والارتفاع والاعتدال، بإجماع أهل اللغة.
الثالث: المقرون بواو المعية، التي تعدي الفعل إلى المفعول معه، نحو: استوى الماء والخشبة، بمعنى: ساواها.
فهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، ليس فيها "استولى" البتة، ولا نقله أحد من أئمة اللغة، الذين يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخرو النحاة، ممن سلك طريق المعتزلة، والجهمية.
والذين قالوه، لم يقولوه نقلاً، فإن ذلك مجاهرة بالكذب، ولكن قالوه استنباطاً وحملاً منهم للفظة " استوى" على "استولى" ولذلك لما سمع أهل اللغة ذلك أنكروه غاية الإنكار.
قال ابن الأعرابي - وقد سئل هل يصح أن يكون استوى بمعنى استولى؟ - فقال: لا تعرف العرب ذلك - وهو من أكابر أئمة اللغة-" ا. هـ (٤) .
قال ابن جرير: " وأولى المعاني بقول الله - جل ثناؤه-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ﴾ : علا عليهن، وارتفع، فدبرهن بقدرته، وخلقهن سبع سماوات، والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم، من كلام العرب، في تأويل قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ الذي هو بمعنى العلو، والارتفاع، هرباً عند نفسه من أن يلزمه بزعمه - إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك - أن يكون إنما علا
стр. 352
وارتفع بعد أن كان تحتها - إلى تأويله بالمجهول، المستكره، ثم لم ينج مما هرب منه.
فيقال له: زعمت أن تأويل قوله: " استوى ": أقبل، أفكان مدبراً عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقل: علا عليها، علو ملك، وسلطان، لا علو انتقال وزوال، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولاً، إلا لزم في الآخر مثله" (١) .
قوله: " فقل: علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال" هو من جنس كلام أهل البدع، فلا ينبغي، وهو خلاف الظاهر من النصوص، بل هو من التأويل الباطل.
قال ابن القيم: " نقل معنى الاستواء، كنقل لفظه، بل أبلغ، فإن الأمة كلها تعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ أخبر عن ربه بأنه استوى على عرشه، من يحفظ القرآن منهم، ومن لا يحفظه، كما قال مالك، وأئمة السنة: الاستواء معلوم، غير
مجهول، كما أن معنى السمع، والبصر، والقدرة، والحياة، والإرادة، وسائر ما أخبر به -تعالى- عن نفسه معلوم، وإن كانت كيفيته غير معلومة للبشر، فإنهم لم يخاطبوا بالكيفية، ولم يرد منهم العلم بها.
فإخراج الاستواء عن حقيقته المعلومة، كإنكار لفظه، بل أبلغ، وهذا مما يعلم أنه مناقض لما أخبر الله به ورسوله، فإن فهم معنى اللفظ هو المراد منه، وهو المقصود بالذات، لا اللفظ، فإن اللفظ مقصود قصد الوسائل للتعريف بالمراد، فإذا انتفى المعنى، وكانت إرادته محالاً - كما زعموا - لم يبق لذكر اللفظ فائدة، بل كان تركه أنفع من الإتيان به، فإن الإتيان به يحصل منه إيهام التشبيه، ويوقع الأمة في اعتقاد الباطل - على حد زعمهم - ولا ريب أن هذا إذا نسب إلى آحاد الناس كان ذمة أولى من مدحه، فيكف يجوز أن ينسب إلى من في كلامه الهدى، والشفاء؟ ومن المتفق عليه أنه لا يجوز أن يتكلم الله ورسوله
стр. 353
بالشيء ويريد خلاف ظاهره" (١) .
وقال - أيضاً-: " وظاهر الاستواء: العلو، والارتفاع، كما نص عليه جميع أهل اللغة، وأهل التفسير المقبول، فلا يحتمل استواء الرب ﵎ على عرشه المعدى بعلى، المعلق بالعرش، المعرف بالألف واللام، المعطوف على خلق السماوات والأرض بثم مطرداً في " موارده" بهذا الأسلوب، لا يحتمل إلا معنى واحداً، لا معنيين، ولا كما يقول صاحب "العواصم والقواصم" (٢) :
إذا قال لك المجسم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) ، فقل: " استوى على العرش" يستعمل على خمسة عشر وجهاً، فأيها تريد؟
فيقال له: كلا والذي استوى على العرش، لا يحتمل هذا اللفظ معنيين ألبتة، والمدعي للإحتمال عليه الدليل، والأصل عدم الاشتراك والمجاز، ولم تذكر على دعواك دليلاً، ولم تبين الوجوه المحتملة، مع ذكر الدليل عليه.
والمقصود: أن استواء الرب -تعالى- على عرشه، المختص به، الموصول بأداة "على" نص في معناه، لا يحتمل سواه" ا. هـ (٤) .
وقال الحافظ: " نقل أبو إسماعيل الهروي، في كتابه: الفاروق، بسنده إلى داود ابن علي بن خلف، قال: كنا عند أبي عبد الله بن الأعرابي - يعني يحيى بن زياد اللغوي- فقال له رجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٥) ، فقال: هو على العرش، كما أخبر، قال: يا أبا عبد الله إنما معناه: استولى، فقال: اسكت، لا يقال: استولى على شيء، إلا أن يكون له مضاد.
стр. 354
ومن طريق محمد بن أحمد بن النضر الأزدي، سمعت ابن الأعرابي يقول: أرادني أحمد بن أبي دؤاد، أن أجد له في لغة العرب ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) بمعنى استولى، فقلت: والله ما أصبت هذا.
وقال غيره: لو كان بمعنى استولى، لم يختص بالعرش؛ لأنه غالب على جميع المخلوقات" ا. هـ (٢) .
وروى اللالكائي بسنده من طريق الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) ، قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
وروى عن مالك، جاء إليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء، كموجدته من مقالته، وعلاه الرحضا- يعنى العرق- قال: وأطرق القوم، وجعلوا ينظرون ما يأتي منه فيه، فسري عن ذلك، فقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالاً، وأمر به فأخرج.
وذكر بسنده عن ابن عيينة، قال: سئل ربيعة، عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق".
стр. 355
وذكر البيهقي بسنده، عن الأوزاعي، قال: " كنا والتابعون متوافرون، نقول: إن الله فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة، من صفاته" (١) .
قال الحافظ: سنده جيد (٢) .
وقال: " وأخرج الثعلبي، من وجه آخر، عن الأوزاعي، أنه سئل عن قوله -تعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) . فقال: هو كما وصف نفسه" (٤) .
"قال أبو الأثرم، في كتاب "السنة": حدثنا إبراهيم بن الحارث - يعني العبادي- حدثني الليث بن يحيى، سمعت إبراهيم بن الأشعث، قال أبو بكر - هو صاحب الفضيل - سمعت الفضيل بن عياض، يقول: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف؛ لأن الله وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥) فلا صفة أبلغ مما وصف الله نفسه، وكل هذا النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الاطلاع، كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يباهي، وكما شاء أن يطلع، وكما شاء أن يضحك، فليس لنا أن نتوهم فيه كيف، وكيف، وإذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.
وقال الخلال: وأنبأنا محمد بن علي الوراق: حدثنا أبو بكر الأثرم، حدثني محمد بن إبراهيم القيسي، قال: قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك، قيل
له: كيف نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بحد، فقال أحمد: هكذا هو عندنا.