← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96159

الشناعة على من رد أحاديث الشفاعة

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (65 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله رب العالمين. إطلعت على كتاب غير مَبْدوء ببسم الله ولا بالحمد لله لمصطفى محمود وهو كاتب مصري تكلم في كتابه عن مسألة هي من أعظم مسائل التوحيد وهي (الشفاعة) وقد أساء بليغ الإساءة وأخطأ فاحش الخطأ حيث تكلم فيما لايُحسن الكلام فيه. وقد تعوّدنا في هذا الزمان السوء على أجناس هذا الكاتب وأمثاله ممن يخوضون في مسائل الدين بلا معرفة ويقولون على الله وعلى رسوله بلا علم وهو من عظائم الذنوب. والحقيقة أن الشيء إذا جاء في أوَانه وَحينه أنه لايُسْتغرب. وكذلك ما ابْتليتْ بهم الأمة في آخر عمرها ونهاية أجلها ممن أخبرهم بهم النبي ﷺ من الرؤوس الجهال الذين يقيسون الأمور بآرائهم. إن شؤم هذا الكتاب متوفر فكما أنه لم يُبدأ بذكر الله فكذلك

стр. 2

فهو مُقَبَّحٌ أيضاً بصورة مؤلفة في الغلاف. وفي ثنايا الكتاب ثماني صور له وصور أخرى لنساء في الغلاف الثاني من الداخل. يقول في تقديمه: وأرى أن من حق كل قاريء أن يختلف معي وأن يفهم القضية على طريقته فقد أرادنا الله أحراراً وأرادنا أن نتدبر آياته ونتفهم قرآنه كل على قدر طاقته. (١) الجواب: هذا كلام جاهل ضال حيث يرى أن من حق كل قاريء أن يختلف معه وأن يفهم القضية على طريقته. ولو كان عالماً مهتدياً مُسْتيْقناً أن مايقوله حقاً لقال: وأرى أن مِنْ حق كل قاريء ألا يختلف معي بهذا الحق وأن يفهم القضايا الدينية كما أراد الله وأراد رسوله .. قال تعالى: ﴿ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ فهذا ذم للإختلاف في شأن الحق ومدح لأهل الرحمة وهم المتفقون في الحق بلا خلاف ولا اختلاف. وقال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾. والإجتماع سببه الإتفاق كما أن التفرق سببه الإختلاف لكن المراد بالإجتماع الذي سببه الإعتصام بالكتاب والسنة. أما قوله: فقد أردنا الله أحراراً بعد جعله الإختلاف معه من حق كل قارئ فهذا جهل أيضاً فإن هذه الحرية منوطة بالعبودية

стр. 3

للرب مُقَيّدة باتباع رسوله ﷺ . وكلما كان الناس أقْوَم بهذين الأصلين كلما عظم اتفاقهم وقلّ اختلافهم. وأصْدق مثال لهذا حال الصحابة رضوان الله عليهم فإنهم لما كانوا في الغاية من تحقيق ذلك كانوا أبْعد الأمة عن الإختلاف في الحق. وهم خير القرون. والخلاصة أن مسألة الشفاعة الحق فيها واحد وليست من المسائل القابلة للإختلاف. كما أن وظيفة العالم أن يقرر الحق ويبطل الباطل ليست وظيفته أن يفتح باب الإختلاف. وأيضاً ليست مسألة الشفاعة من المسائل الإجتهادية وليس هذا الكاتب وأمثاله أهل للتصدر والكلام في المسائل الإجتهادية. والسلف الصالح من أهل السنة والجماعة قَدْ أرَاحونا من العناء في مسألة الشفاعة وغيرها. وأكثر ضلال المتأخرين وتخبيطهم في مسائل الدين إنما جاء من اغترارهم بعقولهم وفهومهم واحتقارهم للسلف وظنهم أنهم سوف يأتون بمالم تستطعه الأوائل فاستقلوا بعقول سخيفة وفهوم قاصرة نتاجها البضائع الخاسرة.

стр. 4

يقول هذا الكاتب: وما ترويه الأحاديث عن أن محمداً ﵊ سوف يُخرج من النار كل من قال لا إله إلا الله ولوْ زنا ولو سرق ولو زنا ولو سرق رغم أنف أبي ذر .. هكذا يقول الحديث وهو مايخالف صريح القرآن فالقرآن يقول في محكم آياته. ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً﴾ والمنافقون هم الذين يقولون لا إله إلا الله في كل مناسبة وتنطق ألسنتهم بما يخالف سرائرهم وهم في الدرك الأسفل من النار ولن يجدوا لهم نصيراً بصريح القرآن. (١) الجواب: الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ مثل هذا الحديث يستحيل أن تكون مُخالفة لصريح القرآن لكن أُتِييَ هذا الكاتب من سوء فهمه وقلّة علمه .. نعم يأتي في الحديث ماليس في القرآن بلا مخالفة ولاتعارض. وهذا كثير. وقد وردتْ أحاديث صحيحة في أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا

стр. 5

الله خلاف مايعتقده الخوارج والمعتزلة. وقد قال ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) (١). وأهل الكبائر يقولون: لا إله إلا الله وكثير منهم يدخلون النار فيخرجون بشفاعته ﷺ ليسوا كالكفار الذين قال الله عنهم: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾. فأهل السنة يُقرون بهذه الشفاعة والخوارج والمعتزلة ينكرونها فقد أخبر النبي ﷺ أنه (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان). (٢) وتواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير مايزن شعيرة ومايزن خردلة ومايزن ذرة. وتواترت بأن كثيراً ممن يقول: لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها وأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم. فهؤلاء يدخلون النار ويخرجون منها. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته

стр. 6

وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات لايشرك بالله شيئاً). أما المنافقون فكَوْنهم في الدرك الأسفل من النار وهم يقولون: لا إله إلا الله فليس مخالف للأحاديث الصحيحة. فهؤلاء يقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم فهم كاذبون بقولها. قال تعالى عنهم: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين. يخادعون الله والذين آمنوا ومايخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ والقرآن مملوء من ذكر المنافقين وكذبهم بخلاف الموحدين الذين يقولون: لا إله إلا الله ويردون القيامة بذنوب لم يتوبوا منها فهؤلاء لو دخلوا النار بذنوبهم لابكفرهم فإنهم يعذبون فيها بقدر مااقترفوه من الذنوب ثم يخرجون. فَفَرْقٌ بين مُوَحّد يقول لا إله إلا الله وهو صاحب كبائر وبين من يقول الله عنهم: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ فكذبهم في قولهم لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وجعلهم في زمرة الكفار بل أخبثهم كفراً. فالموحّد في قلبه إيمان هو يعمل على مقتضاه بخلاف المنافق الكاذب الذي يقول بلسانه ماليس في قلبه.

стр. 7

ثم قال مصطفى محمود: والمعنى المستخلص هو أن قول لا إله إلا الله باللسان مرة أوْمرات أوطول العمر لن يغني شيئاً ولن يحقق لصاحبه نجاة ولا فلاحاً إلا إذا صادق القلب وصادقت الجوارح وأكّدت الأفعال على هذا القول وهو مالم يرد له ذكر في الحديث. (١) الجواب: هذه الكلمة العظيمة جاءت مقيّدة بالقيود الثقال وأكثر من يقولها لا يعرف الصدق والإخلاص المراد منها. وأكثر من يقولها تقليداً وعادة ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه. وغالب من يُفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث (سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته) لكن لايعني هذا إنكار ماصَحّ عن رسول الله ﷺ . فالذي في حديث أبي ذر ﵁ ذكر الزنا والسرقة وهذه كبائر لاتُحبط الإيمان بالكلية لكنها تضعفه وليس معنى الحديث أن الإنسان يقول لا إله إلا الله ولا يصادق قلبه

стр. 8

وجوارحه وتؤكد أفعاله فهذا المنافق. أما الذي ذُكر في الحديث فمسلم مصدق قلبه وجوارحه ومؤكدة أفعاله يعني التوحيد لكنه يأتي بعض الكبائر فليس كالمنافق الكاذب في قول لا إله إلا الله. فقد تبيّن أن النطق بالشهادة من غير معرفة لمعناها ولايقين ولاعمل بما تقتضيه من البراءة من الشرك وإخلاص القول والعمل قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح فغير نافع بالإجماع. وهذا لا يوجب التكذيب بأحاديث الشفاعة الثابتة لأنها للموحدين الذين يعرفون معناها ويعملون بمقتضاها ولكن لهم ذنوب أوْجبت لهم دخول النار. ومما جاء في بيان كلمة لا إله إلا الله في (قرّة عيون الموحدين) قوله: وأنت تجد أكثر من يقول لا إله إلا الله ويَدَّعي الإسلام يفعل الشرك بالله في عبادته بدعوة من لايضر ولاينفع من الأموات والغائبين والطواغيت والجن وغيرهم ويحبهم ويُوَاليهم ويخافهم ويرجوهم ويُنكر على من دعا إلى عبادة الله وحده وتَرْك عبادة ماسِواه ويزعم أن ذلك بدعة وضلالة ويُعادي من عمل به وأحَبّه وأنكر الشرك وأبغضه. وبعضهم لا يَعدّ التوحيد علماً ولا يلتفت إليه لجهله به وعدم محبته والله المستعان ..

стр. 9

وشهادة أن لا إله إلا الله ذكر العلماء لها شروط لابد من وجودها فلابد من (العلم) بحقيقة معناها علماً ينافي الجهل بخلاف من يقولها وهو لايعرف معناها. ولابد من (اليقين) المنافي للشك فيما دَلّت عليه من التوحيد. ولابد من (الإخلاص) المنافي للشرك. فإن كثيراً من الناس يقولها وهو يشرك في العبادة ويُنكر معناها ويُعادي مَن اعْتقده وعمل به. ولابد من (الصدق) المنافي للكذب بخلاف حال المنافق الذي يقولها من غير صدق كما قال تعالى: ﴿يقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم﴾. ولابد من (القبول) المنافي للرّد بخلاف من يقولها ولايعمل بها. ولابد من (المحبة) لِما دَلّت عليه من التوحيد والإخلاص وغير ذلك والفرح بذلك المنافي لخلاف هذين الأمرين، ولابد من (الإنقياد) بالعمل بها ومادلّت عليه مطابقة وتضمناً والْتزاماً. وهذا هو دين الإسلام الذي لايقبل الله ديناً سواه. وكثير ممن يدّعي العلم قد عكس مدلولها.

стр. 10

من عَلِمَ ماتقدم وفهمه تبين له ضلال من يقول لا إله إلا الله وهو يعتقد في البدوي أوالدسوقي أوزينب أوغيرهم من أهل القبور ينذرون لهم النذور ويذبحون لهم ويدعونهم ويغترون بقولهم لا إله إلا الله. أما علموا أن (لا إله) تنفي كل مايعتقدونه بأهل القبور. وهذا الإعتقاد الذي اعتقدوه بهم لا حقيقة له وإنما هو موجود في خيالاتهم فقط وبمقتضى هذا الخيال اعتقدوا الشرك والضلال. وظنوا أن الشرك اعتقاد الخلق أو الرزق أو التدبير فقط. أما مايفعلونه فأوْهمهم الشيطان أن هذا محبة للأولياء وتعلّقاً بجاهِهم وطمعاً في أن يقربوهم لربهم فأوْقعهم في الشرك حيث مالَت قلوبهم لهذه الأوثان وخافوهم ورجوْهم وأحبوهم فبهذا عكسوا مدلول (لا إله) إذْ أثبتوا مَأْلُوهَات تَأْلَهَهَا قلوبهم تعبّداً لأن أركان العبادة هي هذه الثلاث الخوف والرجاء والمحبة. ومَبْنى كلمة التوحيد على نفي كل معتقداتهم التي نشأ عنها تَأَلّه قلوبهم عن الرسل والملائكة فضلاً عن غيرهم وإثبات ذلك لله

стр. 11

وحده وهو المراد من (إلا الله) في كلمة التوحيد. إن هذا التّوَجّه بالقلوب والإعتقاد هو مراد الرب من خلقه ولايقبله إلا خالصاً بلا شركة مخلوق لانبي ولاغيره. إن مدلول كلمة لا إله إلا الله عظيم وكبير. وكم ممن يغرّه الشيطان بهذه الكلمة دون تحقيق.

стр. 12

ثم قال مصطفى: والنبي يشكو أمته في القرآن ولا يتوسط لمذنبيها فيقول لربه: (يارب إن قومي أتخذوا هذا القرآن مهجوراً) وهي شكوى صريحة وكلام مناقض لأيّ شفاعة. ولن ينجو من المذنبين إلا من تكرم عليه رب العزة وفتح له باباً للتوبة قبل الممات. (١) الجواب: هذه نزلت في المشركين كانوا لايُصغون للقرآن حين يتلى عليهم ولايستمعونه. ولا تُناقض الشفاعة لأهل الذنوب من الموحدين ولاتدل على نفي الشفاعة لهم بأيّ وجه. أما أنه لاينجو من المذنبين إلا من تاب قبل الممات فباطل مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة وهو إنكار لأحاديث الشفاعة الصحيحة بل وإنكار لما ثبت من أن الله يخرج من النار من شاء برحمته دون شفاعة شافع.

стр. 13

ثم قال: والملائكة في طَوَافهم حول العرش يسبحون لربهم ويستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم قائلين: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ الآيات. إذن الوسيلة الوحيدة للنجاة من العقاب هي أن يقي ربنا عباده من الوقوع في السيئات أصلاً أويفتح لهم باب التوبة في حياتهم إذا تَوَرّطوا فيها. وهذه أبواب الشفاعة الممكنة وهي دعاء النبي لِمسلمي هذه الأمة بأن يختم حياتهم بتوبة ونرجو أن نكون من الفائزين بهذا الدعاء. وهذا الدعاء المحمدي هو الشفاعة التي نفهمها بالمعنى القرآني. (١) الجواب: من أنكر ماصح عن النبي ﷺ فهو على شفا هلكة وقدْ صَحّ عنه ﷺ أنه يشفع يوم القيامة بمن يأذن له الله بالشفاعة لهم من الموحدين. أما استغفار الملائكة للمؤمنين ودعاؤهم لهم. كذلك دعاء النبي ﷺ لأمته فلا يمنع ولايعارض ماثبت من أمر الشفاعة في القيامة

стр. 14

فأيّ فهم هذا؟. ثم قال: أما الشفاعة بمعنى هدم الناموس وإخراج المذنبين من النار وإدخالهم الجنة. فهي فَوْضى الوسايط التي نعرفها في الدنيا ولا وجود لها في الآخرة. وكل ماجاء بهذا المعنى في الأحاديث النبوية مشكوك في سنده ومصدره لأنه يخالف صريح القرآن. ولايعقل من نبي القرآن أن يطالب بهدم القرآن. (١) الجواب: يقال لهذا: ماهو الناموس الذي ينهدم إذا حصلت الشفاعة للمذنبين من الموحدين وأدخلوا الجنةبعد تعذيبهم بقدر ذنوبهم في النار؟ إن الله لايُساوي بين مختلفَيْن ولايفرّق بين متساوِيَيْن ولا يظلم مثقال ذرة. فالذي يأتي يوم القيامة بالتوحيد وله ذنوب فإما أن يغفرها الله أويعذب بقدر ذنوبه ثم يُؤذن بالشفاعة له فكيف يُساوَى هذا بالكافر؟ وانهدام الدين إنما هو بردّ ماثبت عن رسول الله ﷺ . وكوْن أحاديث الشفاعة مشكوك في سندها ومصدرها هذه داهية. ولِكل أحد أن يقول مثل هذا فيما يخالف هواه فهل يستقيم أمر الدين مع هذا التلاعب.

стр. 15

أمّا أن أحاديث الشفاعة تخالف صريح القرآن فمن أبطل الباطل ويستحيل أن يصحّ عن النبي ﷺ مايخالف القرآن. ثم إن الله يقول: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ فلوْلا أن الشفاعة كائنة في القيامة لَمَا ذكر الله هذا الإسْتثناء. وقال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ فلوْلا أن الشفاعة كائنة في القيامة لما ذكر سبحانه هذا الإستثناء. فهذه الآيات ونحوها في أهل التوحيد. أما الكفار فقد قال تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ مما يبين أن الشفاعة حاصلة لغيرهم. ويقول تعالى عن الكفار أيضاً: ﴿فما لنا من شافعين﴾ فأين المخالفة لصريح القرآن لوْلا سوء الفهم.؟

стр. 16

أما فَوْضى الوسائط المعروفة في الدنيا فهذا مبني على أصل فاسد وفهم فاسد حيث أن الشفاعة المثبتة في الآخرة تختلف اختلافاً كلياً عن وسائط الدنيا. فالواسطة في الدنيا يتوسط ولوْ لم يأذن له المشفوع عنده كما أن المشفوع عنده في الدنيا يجيب شفاعة الواسطة لأنه يخافه ويرجوه ويستعين به ويستظهر وإن كان في صورة ملك ونحوه فهو يحتاج إلى الأعوان والأنصار ويتضرر بعدم إجابته شفاعتهم. والرب بخلاف هذا كله. وإنما هو يُكْرم الشافع بأن يجعله يشفع. ولا يشفع الشافع إلا بمن يريد الرب أن يرحمه فليست الشفاعة مُلكاً لأحد بل (لله الشفاعة جميعاً) وهو الذي يُعَيِّن المشفوع فيه للشافع. ليس الشافع يتقدم بين يدي الجليل سبحانه مهما كانت منزلته فَسَيّد الشفعاء وأكرمهم عند ربه وأعظمهم جاهاً وأقربهم منزلة محمد ﷺ يُحَدّ له حداً يشفع فيهم. وهذه كلها فروق بين شفاعة الدنيا وشفاعة الآخرة.

стр. 17

ولذلك من تعلّق بغير الله طالباً منه الشفاعة حُرِمها لأنها ملك لله سبحانه ولأن هذا شرك. ومِنْ عدم التفريق بين الشفاعة عند المخلوقين من الملوك ونحوهم وبين الشفاعة عند الخالق سبحانه حصل الضلال والشرك حيث تعلقت القلوب بغير الإله الحق سبحانه. ومما يُهوّن معرفة ماتقدم أن الرب سبحانه هو الخالق لأفعال العباد فلا أحد يملك أن يتحرك قلبه بإرادة شفاعة لأحد إلا أن يكون الله يخلق ذلك فيه. وكذلك جوارحه. فالأمر كله له سبحانه. إن تأمل هذا ومعرفته بالقلب يعطي العبد فرقاناً عظيماً بين الشرك والتوحيد بِقِسْمَيْه ويعرّفه معنى الكلمة العظيمة (لاحول ولاقوة إلا بالله) فهو المحرك للمتحرك والمسكّن للساكن في السموات والأرض. فهذا من توحيد الربوبية الذي يسْتلزم توحيد الإلهية. وتأمل ماورد في حديث الشفاعة وهو في الصحيحين (آتي تحت العرش فأخِرّ ساجداً فيدعني ماشاء الله أن يدعني ثم يقال: إرفع رأسك وقل تسمع واشْفع تشفّع قال: فيحدّ لي حَدّاً فأدْخلهم الجنة؟) إذا كان يُحَدّ له ﷺ فرجع الأمر كله لله

стр. 18

وطلب الشفاعة من غيره شرك وضلال. والأحاديث متواترة في شفاعته ﷺ في العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار بذنوبهم وقد أجمع عليها الصحابة وأهل السنة قاطبة وبَدَّعُوا من أنكرها وصاحوا به من كل جانب ونادَوْا عليه بالضلال.

стр. 19

ثم قال: ولكن المسلمين الذين عُرفوا بالإتِّكاليه قدْ باتوا يفعلون كل منكر ويرتكبون عظائم الذنوب أتكالاً على نبيهم الذي سوف يخرجهم في حفْنة واحدة من النار ويلقي بهم في الجنة بفضله وكرمهِ وهم الذين شكاهم إلى ربه في صريح قرآنه وجَأَرَ بشكواه قائلاً: ﴿يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً﴾ (١). الجواب: أما أن يرتكب العبد عظائم الذنوب اتكالاً على الشفاعة فهذا إنما يفعله من هو مِن أجهل الناس لكن لايُرَدّ الباطل بباطل فشفاعة النبي ﷺ ثابته للمذنبين من أهل التوحيد من أمته وإنكار ذلك رَدّ على الله أمره وعلى رسوله مابلّغه. إن هذا هو مَشْرب الخوراج حيث عظّموا الرب سبحانه بما اخترعوه من عند نفوسهم ليس لهم فيه برهان حيث ضاقت

стр. 20

صدورهم ولم تَتّسع لأن يرحم الله أهل التوحيد الذين اسْتَوْجبوا النار بذنوبهم فيخرجهم منها بالشفاعة. وقد وقعوا بأعظم مما فرّوا منه ولذلك ورد في ذمهم ماهو معلوم. والدين ليس بالرأي. وحَسْبُ العقل من الكمال أن يلْتزم ماورد به الكتاب والسنة وبفهم الصحابة. وآية: ﴿يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً﴾. تقدم أنها في المشركين لكن هجران القرآن أنواع متفاوته فأعظم هجرانه عدم الإيمان به ثم لمن هجره بالتقصير في حقه نصيب من الذم ولو كان مُوَحِّداً ولا يُلْحقه ذلك بالكفار ولاتدل الآية على نفي الشفاعة بأي وجه.

стр. 21

ثم قال: والقرآن يقول: ﴿لله الشفاعة جميعاً﴾ وهو بذلك يجمع سلطة الشفاعة جمعيّة واحدة ويجعلها لله وحده ويقول: ﴿مامن شفيع إلا من بعد إذنه﴾ والسبب طبيعي فهو وحده الذي يعلم استحقاقات كل فرد ومافعل في دنياه من خير وشر وماهي أعْذاره إن كانت له أعذار. وهو الوحيد الذي يعلم قلبه وضميره ويعلم سّره ويعلم ماهو أخفى من ذلك السرّ. فماذا تضيف شفاعة أيّ شفيع لعلم الله؟ ﴿أتنبئون الله بمالا يعلم في السموات ولافي الأرض﴾ (١). الجواب: شفاعة الشافعين لاتُعارض مُلْكيته سبحانه للشفاعة فإنه يُكرمهم بالشفاعة ولايشفعون إلا بعد أن يأذن لهم ولايشفعون أيضاً إلا لمن ارْتضى. فعاد الأمر كله له سبحانه بخلاف المخلوق الذي يُشفع عنده بغير إذنه ويستجيب لشفاعة الشافع ولوْ لم يرض

стр. 22

عن المشفوع له وتقدم بيان ذلك. ويلاحظ ركاكة عبارات هذا الكاتب في كلامه عن الله وعن الدين. مثل وصْفه الله بالوحيد. كذلك فإن إثبات الشفاعة لاينافي علم الله سبحانه المحيط بكل شيء فالشفاعة تكريم للشافع ورحمة للمشفوع له وهي سبب من جملة الأسباب كما أن أعمال العبد المؤمن سبب لدخول الجنة ليست قيمة وثمناً لها.

стр. 23

ثم قال: القرآن يقول في قطعية واضحة: أن الله لايشرك في حكمه أحداً. ويقول في قرآنه: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾. وكل هذا نفي صريح للشفاعة يوم الحساب. ثم يتكرر نفس المعنى في آية أخرى في سورة السجدة: ﴿الله الذي خلق السموات والأرض ومابينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولاشفيع أفلا تتذكرون﴾ فأضاف في هذه الآية حرف (من) ﴿مالكم من دونه من ولي ولاشفيع﴾. وهو نفي قطعي لأي نوع من ولي أوْ شفيع هذه الآيات المحكمات في نفي الشفاعة تجعلنا نعيد النظر بتفهّم لأي آية تتكلم عن الشفاعة ونفهمها في حدود (المتشابه) فلا ننساق وراء هذه الأحاديث التي تملأ كتب السيرة وتدّعي بأن النبي ﵊ سوف يُخرج من النار كل من قال لا إله إلا الله.

стр. 24

وما أسهل أن نقول وما أهْون أن ننطق بالكلام ونحن أكثر الأمم كلاماً وأقلها التزاماً. (١) الجواب: تقدم أن الشافع غير شريك لله سبحانه وإنما هو مُكْرم بالشفاعة. وقوله تعالى: ﴿وأنذر به الذي يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾. لاتدل على نفي الشفاعة مطلقاً. وإنما دلالتها القطعية على نفي الشفاعة من دونه وهي التي لم يأذن بها ولم يرض عن صاحبها. فهذه لا وجود لها في القيامة. أما في الدنيا فقد اتّخِذَتْ الشفعاء وتولاّهم المشركون ولن يُغنوا عنهم شيئاً حيث طلبوها ممن لايملكها. ولذلك يقول الموحّد: اللهم شفّع فيِّ نبيي لايقول: يارسول الله إشفع لي: فالرسول لايملكها ولايقدر عليها اسْتقلالاً. أما جعل الأحاديث الثابتة عن الصادق المصدوق الذي لاينطق عن الهوى ﷺ في حدود المتشابه فهذا زيغ وضلال ورَدّ على الرسول أمره. قال ابن تيمية ﵀: ومقصود القرآن بنفي الشفاعة نفي الشرك وهو أن أحداً لايعبد إلا الله ولايدعو غيره ولايسأل غيره ولايتوكل على أحد في أن يرزقه وإن كان الله يأتيه برزقه بأسباب.

стр. 25

كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة وإن كان الله يغفر له ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها. فالشفاعة التي نفاها القرآن مطلقاً ماكان فيها شرك وتلك مُنْتفية مطلقاً. ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مَوَاضع. وتلك قدْ بيّن الرسول ﷺ أنها لاتكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. فهي في التوحيد ومُسْتحقيها أهل التوحيد. إنتهى. (١) تأمله فإنه فرقان في هذه المسئلة وأعلم أن نفي الشفاعة المراد منه. أن الشفاعة بغير إذنه غير حاصلة في القيامة. فنفاها سبحانه باعتبار أنها غير موجودة وكالشيء المعدوم في الآخرة.

стр. 26

ثم قال: وللأسف الشديد نحن نقرأ كتب السيرة والأحاديث بتسليم مطلق وكأنها قرآن منزل ومحفوظ. والله لم يقل لنا أنه تولى حفظ هذه الكتب. وهو لم يحفظ إلا القرآن وكل ماعدا القرآن من كتب يجب أن تخضع للنقد والفحص مهما عظم شأن أصحابها. (١) الجواب: كتب السيرة والأحاديث لايقرؤها بتسليم مطلق وكأنها قرآن منزل محفوظ إلا من لايعرف كلام أهل العلم في ذلك وأنه لابد من تمييز الصحيح من غيره كما أن هذه الكتب يختلف بعضها عن بعض فليس الصحيحان كغيرهما. وأنت بكلامك هذا لاتقصد ماقصده الأئمة والعلماء من النصح لله ولرسوله بتمييز ماصَحّ عن رسول الله ﷺ من غيره فقد شكّكت في أحاديث الشفاعة الصحيحة ونفيتها. وسيأتي إن شاء الله طعنه حتى على الصحيحين.

стр. 27

أما النقد والتمحيص فليس لك ولا لأمثالك. فجهلك طافح به كتابك وردّك أحاديث الرسول الثابتة لمخالفتها لبدعتك يوجب نقدك وتمحيصك أولاً ليظهر ضلالك وأنك غير ثقة ولا مؤتمن على هذه البضاعة. وإنما تكلمتَ في زمان قُبِضَ فيه العلم فأنت من رؤوس أهله الجهال. ثم قال: والإسرائيليات تملأ كتب السيرة وقدْ دَسّوا علينا أن الرسول سُحِرَ وأن جبريل استخرج لفافة السحر من البئر وهو كذب صراح بشهادة القرآن نفسه بما روى على لسان الكفار أتّهاماً للنبي ﵊: ﴿إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً﴾ فالقرآن ينسب أمثال هذا الإتهام للظالمين من الكفار الذين يُريدون تشويه صورة النبي بمالا يليق وبماليس فيه. والآية تكذيب ضمني لهذه الحكايات التي ذكرها كتاب السيرة والتي رَوَتْ أن النبي ﵊ بِفِعْل هذا السحر كان يأتي بأفعال ولايُدرك بأنه فعلها ويأتي بأقوال ولايدري بأنه قالها حتى أخرج له جبريل السحر وتمّ شفاؤه. وهو كلام خطير يطعن في دَوْر النبي ﵊ كمبلّغ عن الله وكرسول. والقرآن

стр. 28

صريح في التأكيد على عصمة النبي ﵊ (والله يعصمك من الناس). فهذه المرويات كلها أكاذيب. (١) الجواب: حديث سحر النبي ﷺ ثابت في صحيح البخاري ﵀ وتكذيبك به دليل على زَيْغك وضلالك. ولا معارضة ولا منافاة في ذلك للقرآن. فالله سبحانه ذكر عن الكفار قولهم: ﴿إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً﴾ إنكاراً عليهم نسبة رسوله للسحر فيما أتاهم به من ربه تَبْرئة لرسوله أن يأتي بالسحر وينسبه إلى الله. أما ما حصل للنبي ﷺ من سحر لبيد بن الأعصم اليهودي فهذا شيء آخر لم يؤثّر فيه أي أثر من جهة تبليغه رسالة ربه فهو في عصمة من هذا الوجه لكن صارت له آثاراً خفيفة في بعض أحواله الطبيعية. وقدْ وَضَحَتْ له ولم تَخْفَ عليه حيث أخبر أنه يُخَيّل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله. فهذا التخييل لم يخف عليه ﷺ ولم يلتبس وقد شفاه الله منه. فهو عارض تتبيّن منه بشريّته ﷺ كما يُصاب بالأمراض والأوجاع ونحو ذلك ولايُنافي هذا عصمته في تبليغ رسالة ربه والعمل بذلك فهذا التخييل في أشياء طبيعية ثم هو قدْ علم به حيث

стр. 29

أخبر أنه يُخّيل إليه. وهذا خلاف السحر المؤثر بتغيّر حالة الشخص بحيث يعرف ذلك الناس منه. والنبي ﷺ لم يسْتنكر منه أصحابه ولا زوجاته شيئاً غَيّره إطلاقاً. وإنما هو أحَسّ بذلك التخييل. وقد أنكر هذا الحديث الصحيح غير مصطفى محمود لشبهاتهم التي يُوردونها عليه يتقوّوْن بذلك بزعمهم على رَدّ غيره من الأحاديث المخالفة لِنحلهم. والحقائق لاتبطلها الشقاشق. فيجعلون إنكار مثل هذا الحديث سلماً لأغراضهم. ولذلك قال بعد الكلام السابق: وليس غريباً أن تمتلئ هذه الكتب بالمدسوس من أحاديث الشفاعة فنقرأ في أحدها أن النبي ﵊ يُدخل بشفاعته إلى الجنة رجلاً لم يفعل في حياته خيراً قط ويكون هذا الرجل هو آخر الداخلين إلى الجنة. وما الهدف من أمثال هذه الأحاديث المدسوسة سوى إفساد الدين والتحريض على التسيّب والإنحلال وفتح باب الجنة سَبَهْلَلَة للكل لأن الشفيع سجد عند قدم العرش وقال متوسّلاً: لا أبرح حتى تدخل كل أمتي الجنة يارب. (١)

стр. 30

الجواب: الحذر من هذا الضال فإنه يُقرر مذهب الخوارج والمعتزلة في منع الشفاعة للمذنبين وهي ثابته عن الصادق المصدوق ﷺ . ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر وأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وإذا كان هذا يطعن في كتب الحديث عامة وفي صحيح البخاري خاصة فيكفي أن يقال له: هذه أحاديث صحيحة في صحيح البخاري ومسلم رحمهما الله وكتب الحديث الأخرى. وإنكارك لذلك ضلال عظيم. وليس في إثبات ماصح عن رسول الله ﷺ إفساد للدين وإنما الإفساد بإنكار ما أثبته كما فعلتَ أنت فأنت الذي تفسد الدين. ويلزم من كلامك أن أئمة أهل السنة والجماعة وعلماؤهم مفسدون وأنت الذي جئت بالإصلاح بتقريرك مذهب الخوراج والمعتزلة الفاسد. كذلك فليس في إثبات ماصح عن المعصوم ﷺ مايجعل الجنة سَبَهْلَلة كما عَبَّر وقد تقدم أن كلمة التوحيد مقيدة بقيود ثقال وأنها لاتنفع قائلها إلا بعد معرفة معناها والعمل بمقتضاها وأنها لاتنفعه إلا بعد الصدق والإخلاص واليقين لأن كثيراً ممن يقولها في الدرك الأسفل من النار فلابد في شهادة ألا إله إلا

стр. 31

الله من اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان فإن اختل نوع من هذا الأنواع لم يكن قائلها مسلماً .. هكذا قرر أهل السنة. أما قوله: قدم العرش فمن جنس عباراته الركيكة. والذي ورد أن للعرش قوائم لا أقدام. ثم قال بعد أن ذكر شيئاً من أهوال القيامة: هل هذه لحظة يُسَاوِم فيها النبي ربه لإخراج رجل من النار وإدخاله الجنة وهو لم يفعل خيراً قط في حياته؟ إن لم يكن هذا هو الهزل فماذا يكون؟ (١) الجواب: هذا فهمك الساقط وتعبيرك الفاسد حيث جعلت مقام النبي ﷺ الشريف السامي الذي يُكرمه الله به مقام مُساومة وهزل. ولماذا يضيق عطنك أن يرحم الله عباده فتعارض الحق هذه المعارضة؟ إنك لوْ عرفت حكمة الحكيم في تقديره ما قدره على عباده وحكمة أمره ونهيه وثوابه وعقابه بل وحكمته في خلق إبليس الداعي إلى كل كفر وفسق بل وحكمته في خلق عذاب الآخرة لعرفتَ قدر نفسك وعلمت أن كل ما أخبر به الرسول ﷺ حق وصدق وأنه صادر عن مقتضى حكمة أحكم

стр. 32

الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين .. ولكنك تُهْرف بما لاتعرف ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه. ثم ذكر أعداء الإسلام وأنهم هم الذين يكيدون له وأن هذا من دسائسهم. ثم ذكر حسن فهم القرآن وقراءة السيرة من خلال القرآن لِتفهم الدين وقال: ولا تستخفكم الروايات والأحاديث التي تدخلكم الجنة بغير حساب لمجرد أنكم تلفظتم بكلمة التوحيد. فالتوحيد ليس مجرد كلمة وإنما حقيقة تملأ القلب ويترجمها العمل ويؤكدها السعي في الأرض وفي مصالح الناس وتعبّر عنها حركة الحياة بأسرها. (١) الجواب: تقدم أن ما أنكره ثابت عن النبي ﷺ . أما تهجينه لِلْمغترين بمجرد التلفظ بكلمة التوحيد فنعم إنه لايَعتمد على مجرد التلفظ بذلك مع مخالفة عمله لقوله إلا مغرور. لكن هذا لا يوجب التكذيب بالأحاديث الصحيحة لأنه فَهِم منها هو وهؤلاء الذين وصفهم غير المراد فهو وَقَع بعظيم ولم يُشعر. قال: القرآن ينفي إمكانية خروج من يدخل النار في الكثير والعديد من آياته من الكفار ومن المسلمين أيضاً ﴿يريدون أن يخرجوا من النار وماهم بخارجين منها ولهم عذب مقيم﴾ وذكر

стр. 33

آيات مثل هذه في الكفار وجعل المسلمين معهم يدوم عذابهم بدوام النار. وهذا خلاف مايعتقده أهل السنة والجماعة من التفريق بين المذنبين من المسليمن وبين الكفار وهو الذي يدور عليه موضوع كتابه.

стр. 34

ثم قال: ويقول عن قاتل النفس ويدخل فيه المسلم وغير المسلم ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً﴾. (١) والجواب عن هذا أن قاتل النفس المسلم لايدوم عذابه بدوام النار كالكفار. أما ذِكر الخلود في جهنم فالخلود في لغة القرآن هو المكث الطويل ليس معناه عدم النهاية وقطعاً ليس مصير قاتل النفس المسلم كمصير الكفار وإن كان مُتَوَعَّداً بالخلود. كذلك آكل الربا المسلم وآكل مال اليتيم. لأن مساواة المذنبين من الموحدين بالكفار من أبطل الباطل وهو مذهب الخوارج والمعتزلة. ثم قال: فكل من يدخل النار تتأبّد إقامته فيها. ولايوجد في القرآن حكاية التعذيب لأجَل محدود في جهنم ولافكرة المطهِّر التي نقرأها في كتب إخواننا المسيحيين.

стр. 35

يقول ربنا: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون. بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ (وهو كلام عن المسلمين). الجواب: حكاية التعذيب لأَجَلٍ محدود جاءت صريحة في السنة الصحيحة في أحاديث الشفاعة كما تقدم. والأصول الفاسدة تقود إلى عقائد من جنسها لأنها فروعها وثمارها فهو قدْ أصّل الرّدّ للأحاديث التي تخالف نحلته وقد تقدم بعض ذلك ويأتي إن شاء الله قوله: ولم يقل لنا رب العالمين أنه حفظ كتاب البخاري أوغيره من كتب السيرة. ومايقوله البخاري مناقضاً للقرآن يُسأل عنه البخاري يوم الحساب ولانُسأل نحن فيه .. ويأتي غيره من ضلالاته.

стр. 36

أما قوله: إخواننا المسيحيين فنعم له ما اختار لنفسه. أما المسلم فيبرأ إلى الله منهم وإنما إخوانه المؤمنين. وليس هذا وحده الذي يقول هذه الكلمة العظيمة بل إن أمثاله كثير من علماء تلك الديار يقولونها. والله سبحانه قطع الأخوة بين المسلم والكافر. وقد قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وقال ﷺ : (المسلم أخو المسلم) الحديث. أما قوله عن آية سورة البقرة: (وهو كلام عن المسلمين فباطل لأن المراد بها اليهود وسياق الآيات يدل على ذلك. وقد نقل ابن كثير في تفسيره أن الآية في اليهود. ذكر ذلك عن ابن عباس وقتادة وعكرمة. ثم قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ الآية قال: يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنّيتم ولا كما تشتهون بل الأمر أنه من عمل سيئة وأحاطت به

стр. 37

خطيئته وهو مَنْ وَافى يوم القيامة وليست له حسنة بل جميع أعماله له سيئات فهذا من أهل النار. (١) فهذا يقول بالقرآن برأيه في قوله عن الآية: (وهو كلام عن المسلمين) والوعيد على من فسّر القرآن برأيه معلوم. وانظر قول ابن كثير: وهو مَنْ وَافى يوم القيام وليست له حسنة بل جميع أعماله سيئات فهذا يجعل حكم المسلم في الآخرة الذي له حسنات وسيئات كالكافر الذي ليست له حسنة بل جميع أعماله سيئات. ثم حكم أيضاً على أحاديث إخراج الرسول من النار أحد بأنها موضوعة. (٢)

стр. 38

ثم قال: والذين يأكلون الربا من المسلمين وغير المسلمين تتحدث عنهم الآية من سورة البقرة: ﴿الذين يأكلون الربا لايقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ الآية. قال: كيف يشفع الرسول في هؤلاء وكيف يسبق ربنا بالقول في قضايا حسمها الله في القرآن من الأزل. الجواب: جعل هذا الضال وَعيد المسلم الذي يأكل الربا كالكافر حيث قال: من المسلمين وغير المسلمين. والمسلم الذي يأكل الربا ولايستحله كيف يُساوى بالكافر في العذاب؟ هذا ضلال مبين. وكتب أهل السنة من الحديث والفقه والتفسير والأحكام ليس فيها هذا الهَوَس بل فيها الفرق بين المسلم المذنب والكافر في أمور الدنيا والآخرة لكن هذا يجري مع أفكاره ومايُوَأفق نِحْلته المعتزلية الخارجية ولا يُراجع كلام أهل السنة بل يُكَذِّبُ بها ويُشكّك. ثم ذكر أنه لاشفاعة تجدي ولاشفاعة تقبل يوم القيامة ويستدل بقوله تعالى: ﴿يوم لاتملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله﴾

стр. 39

وقوله تعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعاً﴾. ثم قال: وهو وحده أرحم الراحمين ولايستطيع مخلوق أن يدّعي أنه أكثر رحمة بعباد الله من الله أو أعلم بهم منه ... (١) يظن بجهله أن إثبات الشفاعة ينافي كوْن الشفاعة لله جميعاً وقد تقدم مايبين عدم منافاة ذلك لملكية الرب سبحانه للشفاعة جميعاً إذْ أنها لاتكون إلا بإذنه وتعيينه المشفوع فيه وخلقه. وأنها كرامة للشافع ورحمة من الله للمشفوع فيه. فأما إثبات شافع بغير إذن الله سبحانه للشافع. وتحديده وتعْيينه للمشفوع فيه. ودون أن يخلق الله إرادة وطلب الشفاعة في قلب الشافع ويخلق دعاءه الذي يدعو به ربه لذلك المشفوع فيه فإثبات هذا النوع من الشفاعة إثبات شريك لله. وهذا هو الذي نفاه الله في القرآن. أما الشفاعة على الصفة التي قد بَيّنتُ فلا تخرجها عن كوْنها ملك لله لاتطلب إلا منه.

стр. 40

فالرب سبحانه هو خالق أفعال العباد ولذلك لايقدر أحد على نفع أحد أوضره لابشفاعة ولاغيرها إلا بأن يخلق الله ذلك فيه. ومعلوم أن العبد إذا التفت للشفيع يسأله فقد أعرض بوجهه وقلبه عن الله تعالى وذلك ينافي الإخلاص.
следующие страницы →