← Общие книги

Общие книги · id 96160

التنصير عبر الخدمات التفاعلية لشبكة المعلومات العالمية

محمد بن موسى المجممي

Полный текст (438 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المملكة العربيّة السعوديّة وزارة التعليم العالي جامعة الملك سعود عمادة الدراسات العليا كليّة التربية التّنصير عبر الخِدمات التفاعليّة لشبكة المعلومات العالميّة دراسة عقديّة قدمت هذه الرسالة استكمالاً لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في الآداب في تخصص العقيدة بقسم الثقافة الإسلاميّة إعداد الطالب محمد بن موسى المجممي الرَّقم الجامعي: ٤٢٩١٠٦٠٠٠ إشراف الدكتور عبد الله بن عمر العبد الكريم العام الجامعي ١٤٣٢/ ١٤٣٣هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُهُ ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١). أما بعد: فقد بعثَ الله خاتمَ أنبيائه محمداً ﷺ بآخِرِ رسالاته دينِ الإسلام الذي أكمله لعباده، وأتمَّ به عليهم النّعمة، ورضيه لهم ديناً، وفَرض اتِّباعه على الثّقلين سبيلاً أوحدَ للفوز في الدار الآخرة. وكانت آخرُ الرّسالات السّماوية قبله رسالةَ عيسى بن مريم ﵇. فدخل مَن كتب الله له منهم الهدايةَ في دين الإسلام، وأبى جلُّهم إلا الإعراضَ والتّكذيب، واختار بعضُهم مع

стр. 3

ذلكَ الحربَ والمواجهة بشتّى الوسائلِ والطّرق. ولما ظهرت الوسائل الإعلاميّة، وكان لها ما كان من الأثر العظيم والميزات القويّة، قام النّصارى باستغلالها في نشر دينهم، ومحاربة الإسلام. وكان من آخر هذه الوسائل، ومن أكثرها تأثيراً وانتشاراً؛ شبكة المعلومات العالميّة، فلم يكن عجباً أن أولاها القومُ عنايةً واهتماماً. ومع ظهور الجيل الثاني لهذه الشّبكة -في حدود العام الهجري ١٤٢٤ - تغير واقع الاتصال بين الخدمة والمستفيد إلى السمة التفاعليّة، فاتجه غالب مستخدمي الشّبكة إلى هذه الخدمات التفاعليّة، وأضحوا تحت تياراتها المؤثرة بغير اختيارهم. وقد استفاد المنصرون من هذه السمات التأثيريّة في عملهم الدّعوي، فنشأ عن ذلك جهدٌ تنصيري منظّم مدروس، تقف وراءه اتحادات وجمعيّات وكنائس ومؤسسات عاملةٌ مدعومةٌ بالأموال والعقول المفكرة والجهود البحثيّة والميدانيّة. وهكذا نشأت مشكلة البحث. ولما كان «من بعض حقوق اللهِ على عبدهِ ردُّ الطّاعنين على كتابه ورسوله ودينه، ومجاهدتهم بالحجة والبيان، والسيف والسِّنان، والقلب والجَنان» (١)؛ رأيت أن أكتبَ في بيان واقع العمل التّنصيري من خلال الخدمات التّفاعليّة لهذه الشّبكة، تبصرةً لمن نظر فيه، وتعريفاً بالطرق المتبعة في الكيد للإسلام، ودحضاً لبعض الشّبه التي يكثر طرحها. وكان سببُ اختياري لهذا الموضوع الأمورَ التّالية: أولاً: تعاظُمَ الخطر التنصيري عبر شبكة المعلومات العالميّة بعد ظهور الخدمات التفاعليّة لهذه الشّبكة. ثانياً: ما تواجهه الأمة الإسلاميّة في الوقت الحاضر من حربٍ ضاريةٍ تستهدف زعزعةَ

стр. 4

العقيدة في قلوب أبنائها، وغرسَ العقيدة النصرانيّة المحرفة عوضاً عنها، ونقلَ المسلمين وتحويلَهم إلى النصرانيّة إن تيسّر ذلك، أو إشغالَهم بما يشكِّكُهم في دينهم، ويزعزعُ يقينيّاتهم العقديّة. ثالثاً: الحاجةَ الماسّةَ لمعرفةِ الأساليب التي يتبعها المنصرون من خلال الخدمات التفاعليّة للشبكة، ورصدِ جهود المسلمين حيالها، للخروج بتوصيات نافعة بإذن الله. رابعاً: إضافةَ بحثٍ إلى منظومة الدراسات العلميّة التي طرقت التنصير عبر الوسائل الإعلاميّة والمعلوماتيّة؛ يخدم جانباً في هذا الباب. ويمكن إجمال أهداف البحث في الآتي: أولاً: بيانُ واقع العمل التنصيري على الشّبكة العالميّة باستخدام الخدمات التفاعليّة. ثانياً: إيضاحُ كيفيّة استغلال المنصرين لكل وسيلةٍ من هذه الوسائل التفاعليّة. ثالثاً: إيضاحُ أهمِّ الشبه التي يثيرها المنصرون في هذه الخدمات، والطرق المستخدمة في ذلك. رابعاً: بيانُ وتقييمُ الجهود التي يبذلها المسلمون في صدِّ هذه الهجمات التنصيريّة. ويقوم البحث على منهجِ تحليل المضمون (المحتوى)، وذلك بتتبعِ الجهود التنصيريّة عبر الخدمات التفاعليّة للشبكة باللغة العربيّة، واستقراءِ جوانب عملها، وتحليلِ جوانب أثرها على المتلقين، وعرضِ أهم الشبه المثارة، مع عرض وتقييم الجهد الإسلامي ومدى توافقه مع حجم الهجمة التنصيريّة، وصولاً إلى التوصية بأنجع السُّبُل –من وجهة نظر الباحث- لمواجهة العمل التنصيري عبر خدمات الشبكة التفاعليّة.

стр. 5

وقد وجدتُ من الدراسات السابقة ما درس العمل التنصيري القائم على استخدام الوسائل الإعلاميّة، ومن ذلك: - كتابٌ عُنوانه: "الإذاعات التّنصيريّة الموجهة إلى المسلمين العرب" لمؤلفه الدكتور كرم شلبي. صدر في عام ١٤١٢هـ، وخلص إلى أنّ المحطات الإذاعيّة تعمل ضمن خطّة منهجيّة واضحة لتنصير المسلمين، بتنسيق كامل مع مؤسسات وهيئات تنصيريّة تمدها بالبحوث والدراسات والتدريب. - بحثٌ عُنوانه: "دراسة لبعض المواقع التّنصيريّة العربية في الإنترنت دراسة وصفية"، وهو بحث للدكتور خالد بن عبدالله القاسم. كُتب قبل عام ١٤٢٥هـ، وخلص إلى أنّ استفادة المنصرين من مواقع الشبكة في تزايد مستمر. - بحثٌ عُنوانه: "أبرز المواقع التّنصيريّة عبر شبكة المعلومات العالميّة الإنترنت دراسة تحليلة"، وهو رسالة ماجستير للباحثة "إنعام بنت محمد عقيل"، قدّم لنيل الدرجة من قسم الدراسات الإسلاميّة بجامعة الملك سعود عام ١٤٢٥/ ١٤٢٦هـ. وخلص إلى بيان خطورة العمل التنصيري عبر مواقع الشبكة العالمية. - بحثٌ عُنوانه: "القنوات العربيّة التنصيريّة دراسة في ضوء العقيدة الإسلامية"، وهو رسالة ماجستير للباحث "تركي بن خالد الظفيري"، قدّم لنيل الدرجة من قسم الدراسات الإسلاميّة بجامعة الملك سعود عام ١٤٢٥/ ١٤٢٦هـ. وخلص إلى بيان الخطورة الكبيرة لهذه القنوات التي تستهدف المسلمين العرب. ولكون الدراستين القريبتين من موضوع البحث انصبتا على خدمة مواقع الشبكة، وهو ما يسمى بالجيل الأول للشبكة، وكانت الأخيرة منهما قبل ما يزيد عن ثمان سنين، وهي مدة طويلة جداً في عرف العالم التقني المعلوماتي، رأيت من الضروري الكتابةَ في مجال التنصير عبر الخدمات التفاعليّة، لتكون إضافة مكملة لهذه المنظومة القيمة من الدراسات والبحوث.

стр. 6

وقد سرت في البحث على الخطة التالية: قسَّمت البحث إلى تمهيدٍ وثلاثةِ فُصولٍ وخاتمة: أما التمهيدُ فقد اشتمل على ثلاثةِ مباحث: - المبحث الأول في التعريف بالتنصير. - المبحث الثاني في التعريف بشبكة المعلومات العالميّة. - المبحث الثالث في بيان أدلة اهتمام المنصرين بالشّبكة. وأما الفصل الأول فقد خصص للحديث عن طرق التنصير عبر الخدمات التفاعليّة، وقد احتوى على تمهيدٍ وخمسةِ مباحث، بيانها كالتّالي: - التمهيد في بيان اهتمام المنصرين بالخدمات التفاعليّة. - المبحث الأول في بيان التنصير عبر المنتديات الحواريَّة. - المبحث الثاني في بيان التنصير عبر المجموعات البريديّة. - المبحث الثالث في بيان التنصير بواسطة خِدمات المحادثة. - المبحث الرّابع في بيان التنصير عبر مواقع الشّبكات الاجتماعيّة. - المبحث الخامس في بيان التنصير عبر مواقع مشاركة الملفات المرئيّة. وأما الفصل الثاني فقد خصص لدراسة أبرز شبه المنصرين عبر الخدمات التفاعليّة مع الردِّ عليها، وفيه تمهيدٌ وأربعةُ مباحثَ، بيانها كالتّالي: - التمهيدُ في بيان أنّ بث الشبهات هو أولى خطوات العمل التنصيري. - المبحث الأول في أبرز الشبه حول القرآن الكريم، والردِّ عليها. - المبحث الثاني في أبرز الشبه حول النبي ﷺ ، والرد عليها. - المبحث الثالث في أبرز الشبه حول السنة النبويّة، والرد عليها. - المبحث الرّابع في أبرز الشبه حول التشريع الإسلامي، والرد عليها.

стр. 7

ثم يجيء بعد ذلك الفصل الثالث؛ في بيان واقع مواجهة التنصير عبر الخدمات التفاعليّة، وفيه تمهيدٌ وخمسةُ مباحثَ، بيانها كالتّالي: - التمهيد في بيان استفادة المسلمين من الشبكة العالمية في الذب عن الدين. - المبحث الأول في المواجهة باستخدام المنتديات الحواريّة. - المبحث الثاني في المواجهة عبر المجموعات البريديَّة. - المبحث الثالث في المواجهة عبر خدمات المحادثة. - المبحث الرابع في المواجهة عبر مواقع الشبكات الاجتماعيّة. - المبحث الخامس في المواجهة عبر مواقع مشاركة الملفات المرئيّة. ثم تجيء خاتمة البحث مشتملةً على أهمِّ النتائج، وأبرز التوصيات. يعقب ذلك فهارسُ فنِّيَّة، وثبتٌ بالمصادر والمراجع، وفهرسٌ للموضوعات. هذا وقد كانت إجراءات البحث التي اتبعتها في إعداد رسالتي هذه ما يأتي: (١) حصرُ أشهر الخدمات التفاعليّة التي تتيحها الشبكة العالميّة مما يستعمله النصارى في عملهم الدّعوي. (٢) اختيارُ خمس خدمات تفاعليّة، هي: المنتديات الحواريّة- المجموعات البريديّة- مواقع المحادثة- الشبكات الاجتماعيّة- مواقع مشاركة الملفات المرئيّة. (٣) الدراسةُ الوصفيّة التحليليّة لكل خدمة على حدة، بعد الاطلاع على كثيرٍ من منافذها على الشبكة، مع التّركيز على النّماذج المختارة منها. (٤) استخلاصُ أهم الشبه التي يثيرها المنصرون عبر الخدمات التفاعليّة، وذلك بالنّظر في الشبه الجديدة إن وجدت، ثمّ في الشبه التي يُكثر المنصرون تكرار طرحها، أو التي تحظى بتفاعل كبيرٍ من قِبَل المسلمين مناقشةً وردًّا. (٥) الدراسةُ التحليليّة لهذه الشبه، من جهةِ المواردِ المستقاة منها، والطرقِ المعروضة

стр. 8

بها، وكيفيّاتِ التعاطي مع تفاعل المسلمين تجاهها. (٦) الاعتمادُ في نقض الشبه على ما هو محل إيمان عند النصارى كالكتاب المقدس وغيره، ثمّ المناقشة العلميّة الموضوعيّة المعتمدة على الأدلة والبراهين العقليّة والنقليّة. (٧) الجمع في فصل الرد على الشبه؛ بين مخاطبة شريحتين من مستخدمي الخدمات التفاعليّة. أولاها من المسلمين؛ بغية تزويدهم بقدر كاف من المعرفة بهذه المطاعن عرضاً وتفنيداً. والثانية من النّصارى؛ بغية إيضاح المناهج المتبعة في طرح هذه الطّعون، ومدى قربها أو بعدها من النّهج العلمي الموضوعي المنصف، ثمّ نقد هذه المثالب بالدليل العقلي أو النّقلي من الكتاب المقدّس، مع استخدام أسلوب المقارنة والمناظرة. (٨) إعادةُ دراسة الخدمات التفاعليّة الخمس، من جهة استفادة المسلمين منها لمقاومة الجهد التنصيري. (٩) استعراضُ الواقع الحالي لجهود المسلمين في مواجهة التنصير عبر الخدمات التفاعليّة، مع تقييم الجهد المبذول، وإبراز النماذج المتميزة في جانب المواجهة. (١٠) إيرادُ الآيات القرآنيّة وفق الرّسم العثماني، من برنامج مصحف المدينة النبويّة للنشر الحاسوبي، الإصدار الأول. وقد حذفت علامة ترقيم الآية إذا كان النص المورَد آيةً واحدة، وأبقيتها إذا كان أكثر من ذلك. (١١) عزوُ الآيات القرآنية إلى مواضعها من القرآن الكريم بذكر اسم السورة ورقم الآية. (١٢) تخريجُ الأحاديث النبويّة من كتب السّنّة، فإذا كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بذكر ذلك، وإن لم يكن؛ ذكرتُ مرجعه من كتب السّنّة مع ذكر حكم أهل الفنّ عليه؛ خاصَّةً الشيخ الألبانيَّ، والغالبُ أن لا يخرج الحديثُ حينها عن السنن الأربعة. وأَسْبَقْتُ رقم الحديث بحرف الحاء. (١٣) التعريفُ في الحاشية بما رأيت مناسبة التعريف به من الفرق، والطوائف، والمنظّمات، ومعاني بعض الكلمات الغريبة. (١٤) الترجمةُ للأعلام عند أول موضع يرد فيه الاسم في البحث، مستثنياً المشتهرين

стр. 9

منهم كالأنبياء، والخلفاء الأربعة، وأصحاب المذاهب الفقهيّة، وشيخ الإسلام ابن تيميّة، وتلميذه ابن القيم. (١٥) أخذُ نصوص الكتاب المقدس، من ترجمة الآباء اليسوعيين، الصادرة عن دار المشرق في بيروت، الطبعة الثالثة، لعام ١٩٩٤م. وعند الحاجة لمقارنة النّصوص؛ استفدت من برنامج المصطفى الالكتروني (الإصدار الأول)، المشتمل على ست ترجمات أخرى. (١٦) أخذُ نصوص قاموس الكتاب المقدس من برنامج المصطفى المذكور، ومن موقع كنيسة الأنبا تكلا الحبشي بالاسكندريّة ( st-takla.org). (١٧) أخذُ النصوص المقتبسة من مجلة الجامعة الإسلاميَّة بالمدينة النبويَّة من البرنامج الالكترونيِّ الصادرِ عن عمادة البحث العلميِّ بالجامعة، الإصدار الأوّل. (١٨) كتابةُ المصطلحات العلميّة باللغتين العربيّة والإنجليزيّة، مع التعريف بها. (١٩) الاكتفاءُ عند ذكر المرجع باسم الكتاب والمؤلّف ورقم الصفحة، اعتماداً على البيانات المفصلة في ثبت المراجع والمصادر. (٢٠) الحرصُ على الدقة في وضع روابط المواقع التي أنقل عنها، والقيامُ بمراجعة ذلك بعد نهاية البحث، وتعديل ما تغير منها. (٢١) إيرادُ المصطلحات النصرانيّة كما هي عند أصحابها، مثلَ مصطلحِ الكتاب المقدس، ومصطلحاتِ مراتب رجال الكنيسة، وغيرِ ذلك. (٢٢) قد يورد الباحث في هوامش البحث مراجع للاستزادة والفائدة؛ وإن لم يكن قد استفاد منها بشكل مباشر في صلب الرسالة. (٢٣) عدمُ الالتزامِ ببيان حال الموقع الذي آخذُ منه، من جهة كون الوصول إليه متاحاً في السُّعوديَّة أو غيرَ متاح. (٢٤) ذكرُ التاريخ الميلادي عندما يكون مصدر المعلومة محتوياً عليه، وعدم التزام النظر فيما يقابله بالتاريخ الهجري. (٢٥) الاستفادةُ من المواقع الإنجليزيّة عند وجودِ الحاجة لذلك.

стр. 10

(٢٦) تحديدُ تواريخِ دراسةِ منافذ الخدمات التفاعليّة في أوائل مباحثها، فيكون ما ذكر فيها من بيانات عرضةً للتغير بعد تلك التواريخ. هذا وقد كان في البحث صعوبات، لعلَّ من أبرزها: (١) قلةُ البحوث العلميّة والمؤلفات العربيّة التي كتبت عن الخدمات التفاعليّة للشبكة العالميّة، فضلاً عن التي طرقت الجهود التنصيريّة عبرها. (٢) صعوبةُ إيجادِ وتطبيقِ منهجيّةِ بحثٍ محددة يُعالج من خلالها التنصير عبر الخدمات التفاعليّة. وإذا طُبق منهج على إحدى هذه الخدمات فقد لا يتيسر تطبيقه على الخدمات الأخرى. (٣) التغيرُ السريع الذي يطرأ على محتويات الخدمات التفاعليّة، وروابطها، والإحصاءات الرّقميّة المتعلقة بها، خلال الدراسة أو بعدها بقليل. (٤) كثرةُ محتويات الخدمات التفاعليَّة محلَّ الدِّراسة، وتداخلها وتكررها؛ الأمر الذي استلزم ضمَّ متفرقها تحت تصنيفات محدَّدة. (٥) صعوبةُ التعامل مع كثرة الشبه المثارة في الخدمات التفاعليّة، لأجل الخروج بأبرزها. (٦) الألمُ النّفسي من جرّاء الاطلاع على كم كبير من الموضوعات المتهجمة بالسب والشتم للمولى ﷻ ، وللمصطفى ﷺ ، وللقرآن والسّنّة والتشريع الإسلامي. (٧) عند الدخول لمنافذ الخدمات التفاعليّة يجد المسلم واجباً عليه أن يسجل في هذه المواقع للذب عن دين الله تعالى ورسوله ﷺ وكتابه الكريم، ولا سيّما مع كثرةِ الشّبه وقِلَّة المتصدِّين لها من المسلمين. وقد صرف هذا الأمرُ الجهدَ في أحايينَ؛ من البحث إلى الدّعوة والمنافحة، وليس في ذلك –بحمد الله- تضييع أو تفريط، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

стр. 11

وبعدُ فإني أحمد الله تعالى وأشكره على ما مَنَّ به عليَّ مِن نعمٍ لا أحصيها، ولكنْ أسأله الإعانة على شكرها ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (١). ومن هذه النِّعم تيسر الدراسة في قسم الثقافة الإسلاميّة بكلية التربية، والتلقي عن الأساتذة والمشايخ الفضلاء فيه، فله الحمد والمنّة والفضل والنعمة والثناء الحسن. ثمَّ بعد حمد الله وشكره أسدي جزيل الشكر إلى والديّ الكريمين، عملاً بقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٢)، وليست أفضالهما عليّ محصورة فأستطيع ذكرها. ثم أتقدم بجزيل الشكر، وعظيم الامتنان، إلى المشرف على الرسالة، الدكتور عبدالله بن عمر العبدالكريم، على ما أسداه من توجيهات، وأجاب من تساؤلات، وبذل من وقته وعلمه، في رحابة صدر وحسن خلق وكريم تعامل. كما أشكر الشيخين الجليلين المناقشين؛ معالي الأستاذ الدكتور علي بن إبراهيم النملة، والدكتور محمد بن عبدالله السحيم، على ما خصصاه من وقت في سبيل سد خلل البحث، وتكميل نقصه، وتصحيح خطئه. والشكر موصول لكل من أسدى فائدةً أيًّا كان نوعها وحجمها، فأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجزل لهم المثوبة والأجر أجمعين. وختاماً؛ فهذا جُهدُ المقلّ، وقوةُ الضعيف الذي لا يكاد يمضي حتى يَكِلّ، وما فيه من صوابٍ فمحضُ مِنّةِ اللهِ وفضلِه وتوفيقه، وما فيه من خطإٍ ونقصٍ فمن قصوري وضَعفي، والله المستعان. ”اللهم اجعل عملي كلَّه صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً“ (٣). وصلى الله وسلّم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 12

التَّمهيد اهتمام المنصِّرين بوسيلة شبكة المعلومات العالميّة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأوّل: التَّعريف بالتَّنصير. المبحث الثّاني: التَّعريف بشبكة المعلومات العالميّة. المبحث الثّالث: أدِّلة اهتمام المنصِّرين بالشّبكة.

стр. 13

المبحث الأول: التَّعريف بالتَّنصير هذا البحث يدرسُ وسيلةً من الوسائلِ التَّنصيريَّة، ولذا كان من المناسبِ في البدايةِ ذكرُ نبذةٍ تعريفيّةٍ عن التَّنصير كمدخل للدراسة. وسوف يكون الحديث هنا بشكل موجز مختصر، لأنَّ الموضوع قد خُدم بكتبٍ ورسائل علميّة -باللغة العربيّة- تناولته من جوانب مختلفة. ويمكن تصنيف هذه المؤلفات إلى أقسام؛ بيانها فيما يلي: ١) مؤلفات تناولت الموضوع بعمومه (١). ٢) مؤلفات ركّزت على دراسة وسائل تنصيريَّة (٢). ٣) مؤلفات تحدثت عن المؤتمرات التَّنصيريَّة (٣). ٤) مؤلفات تتبعت الجهود التَّنصيريَّة في عموم البلاد الإسلاميّة، أو العربيّة (٤)، أو

стр. 14

الخليجيّة (١)، أو الإفريقيّة (٢)، أو بلاد الشّام (٣)، أو المغرب العربي (٤). وهناك دراسات خصّت بالبحث بلداناً بعينها كفلسطين (٥) وبنغلاديش (٦) والكويت (٧) والبحرين (٨) وعُمان (٩) والجزائر (١٠) وكوسوفا (١١) والهند (١٢) وتركيا (١٣) وجبال النوبا (١٤) وموريشيوس (١٥). وسوف يتناول التَّعريف في هذا المبحث المطالب الثلاثة التّالية:

стр. 15

المطلب الأول: تعريف مصطلحات: التَّنصير، التَّبشير، الكرازة . عند الحديث عن هذا الموضوع نجد استخداماً لأحد هذه المصطلحات الثَّلاثة، وترجيحاً له على ما عداه. ولهذا كان من المناسب التَّعريف بهذه المصطلحات، وبيان أيها أقرب إلى حقيقة ما يقوم به الدّعاة إلى النَّصرانيَّة. أولاً: تعريف مصطلح التَّنصير لغةً: التّنصر: الدخول في النَّصرانيَّة، وتنصَّر الرَّجل: دخل في النَّصرانيَّة، ونَصَّره تنصيراً: جعله نصرانيًّا (١). ومنه قوله ﷺ : (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء) (٢). اصطلاحاً: هناك تعريفات متعددة للتنصير، منها: التَّعريف الأول: تعريف الموسوعة الميسرة: "التَّنصير حركة دينية سياسية استعماريّة، بدأت في الظهور إثر فشل الحروب الصليبيّة؛ بغية نشر النَّصرانيَّة بين الأمم المختلفة في دول العالم الثالث بعامّة، وبين المسلمين بخاصّة، بهدف إحكام السيطرة على هذه الشعوب" (٣). التَّعريف الثاني: تعريف الموسوعة العربيّة العالميّة: "مصطلحٌ يقصد به قيام مجموعة من النّصارى بنشر النَّصرانيَّة بين الناس في جميع أنحاء العالم بطريقة تنظيمية حتى يعتنقها الكثيرون ويرغبون عن دينهم الأصلي" (٤).

стр. 16

التَّعريف الثالث: تعريف الدكتور سلمان عبد المالك: "التَّنصير هو حركة غزو فكري تستهدف تحويل المسلمين في بعض الشعوب الإفريقية والآسيوية إلى النَّصرانيَّة، والوقوف في وجه انتشار الإسلام بين هذه الشّعوب" (١). ويلاحظ على التَّعريفات السّابقة أنّ فيها تضييقاً وحصراً في جانب ما: - فبعضها يحصر هدف التَّنصير في الجانب السياسي الاستعماري. وهذا غير مسَّلم لوجود من يدعو للتحول إلى النَّصرانيَّة ويكونُ باعثُهُ تنفيذَ وصية الكتاب المقدس الذي يؤمن به. وهناك من تكون لديه بواعث أخرى. - وبعضها يحصر الفئة المستهدفة بالعمل التَّنصيري في دول معينة. والواقع يشهد بأنَّ التَّنصير استهدف كل بلاد العالم ممن لا يدين بالنَّصرانيَّة بلا استثناء. والعمل الدّعوي موجودٌ داخل نطاق الدّيانة النّصرانيّة من طائفةٍ إلى أخرى، ولكنّ هذا غير داخلٌ فيما نعنيه بالتّنصير. - وبعضها يربط بداية العمل التَّنصيري بانتهاء الحروب الصليبيّة. وهذا لا يُسلَّم أيضاً لأنَّ الدّعوة للنّصرانيّة قديمة قدم الديانة نفسها، وإنّما الذي تغيّر هو شكل العمل التَّنصيري؛ من الاعتماد بشكل رئيسي على الاتصال الشخصي إلى التأكيد على الخدمات الإنسانيّة (٢). ثمّ إنّ القول بانتهاء الحروب الصليبيّة فيه نظر. - وبعضها يُفهم منه أن التَّنصير لا بد أن يكون عملاً مؤسسيًّا مخططاً له، وهذا يُخرج التَّنصير الفردي الذي يقوم به شخص أو أكثر بصورة غير جماعيّة. وبعد استعراض التَّعريفات، والملاحظات عليها، يرى الباحث أن التَّعريف الأنسب؛ أن يقال: التَّنصير هو كل جُهْدٍ يُبذل لإدخال غير النصراني في النَّصرانيَّة. ثانياً: تعريف مصطلح التَّبشير لغةً: البشارة: الإخبار بالأمر السار، مأخوذة من أنَّ بشرة الإنسان تنبسط عند السُّرور. والبشرى والإبشار والتَّبشير ثلاث لغات.

стр. 17

والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، وإنما تكون بالشَّر إذا كانت مقيدة كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) (٢)، ولعلها هنا من التبكيت (٣). اصطلاحاً: جاء في قاموس الكتاب المقدس تعريف المبشر بأنه: "من يعظ ببشارة الخلاص، متنقلاً من مكان إلى آخر، لا يستقر في مكان مخصوص، إنما همه التجوّل؛ يعظ بالإنجيل ويؤسس الكنائس باسم المسيح" (٤). ثالثاً: تعريف مصطلح الكرازة لغةً: لم أجد في معاجم اللغة ذكر لمصطلح الكِرازة، ولا التكريز؛ اللذين يستخدمهما النّصارى كثيراً. وبالرجوع لمادة (كَرَزَ) لا نجد من معانيها ما يتفق مع ما يقصده المنصِّرون بها؛ فالمعاني اللغوية لهذه المادة تدور حول الاختباء والتستر. قال ابن فارس (٥): «الكاف والراء والزاء أصل صحيحٌ يدل على اختباءٍ وتستُّر ولِوَاذ، يقال: كارَزَ إلى المكان، إذا مال إليه واختبأ فيه» (٦). والمكارَزَة: الميل إلى الشيء. وكارز في المكان إذا اختبأ فيه، ويقال كَرَزَ يَكْرُزُ كُرُوزاً فهو كارِزٌ إِذا استخفى في خَمَرٍ أَو غارٍ (٧). اصطلاحاً: عرفت الكرازة في قاموس الكتاب المقدس بأنها "المناداة علناً بالإنجيل العالمَ غير المسيحي". وبأنها "التَّبشير العلني بعمل الله الفدائي بالمسيح يسوع".

стр. 18

ويخبرنا القاموس أنَّ الفعل (كرز) مأخوذ من الكلمة اليونانيّة (???????)، وتُنطق (كريسُّو)، وتعني: يُعلن أو يُنادي أو يَهتف. وهو أكثر الأفعال استخداماً في العهد الجديد للدلالة على معنى التَّبشير، فقد استخدم نحو ستين مرة، بينما الفعل (بشر) ومشتقاته تكرر نحو خمسين مرة (١). وبعد استعراض تعريفات المصطلحات الثلاثة يرى الباحث أنّه عندما يتحدث المسلم عن النشاط الدّعوي من قبل المنصِّرين فإنّ استخدامه لمصطلح (التَّنصير) هو الأدق والأنسب والأصح من جهة المعنى اللغوي ومن جهة مطابقة الواقع، وقبل ذلك من جهة الشّرع كما في الحديث السّابق ذكره في تعريف التّنصير. وأمّا المصطلحان الآخران فلا يدلان على المعنى الذي يفهمه المسلم؛ لأن التَّبشير -بإطلاق- يكون بما فيه خير للمبشَّر؛ وليس في تحوله عن دينه خيرٌ له. ولأنَّ استخدام مصطلح الكرازة أو التّكريز غيرُ مستقيمٍ لغويًّا. وأمّا إن عبَّر النصراني بالتَّبشير أو الكرازة فلا مشاحة في ذلك؛ لأنّه يرى الخير والخلاص في اتباع دينه، ويرى أنّه يستخدم مصطلحين وردا في كتابه المقدس. المطلب الثاني: أهداف التَّنصير الدارسون للعمل التَّنصيري يذكرون مجموعة أسباب رئيسية دفعت المنصِّرين للقيام بدعوتهم، ولكنهم يختلفون في تحديد السبب المقدم منها على ما سواه. فمن الباحثين من يرى أنّ الدّوافع السياسيَّة والرغبة في استعمار البلدان والسيطرة على شعوبها وثرواتها هو الهدف الأسمى، وما عدا ذلك يكون ثانويًّا. ويستدل على ذلك بالواقع الإلحادي المادي للعالم الغربي إجمالاً، وبواقع الأفراد الذين مارسوا التَّنصير بنوازع شخصيّة يرافقها بُعْدٌ عن الأخلاق الحميدةِ واتصافٌ بالعَداءِ الظاهرِ للمسلمين؛ بل وللنَّصارى من

стр. 19

أتباع الكنائس الأخرى (١). ومن الباحثين من يرى أنَّ الهدف الديني هو الأساس الباعث للجهود التَّنصيريَّة، ويستدل على ذلك باستقراء عمل بعض البعثات التَّنصيريَّة كالإرسالية الأمريكية التي عملت في الخليج قرابة أربع وثمانين سنة (من عام ١٨٨٩م إلى عام ١٩٧٣م) بقيادة صموئيل زويمر (٢). فيرى أنَّ هذه الإرسالية كان هدفُها إدخالَ سكان الجزيرة العربية في النَّصرانيَّة (٣). وهناك من يذكر الهدف الاقتصادي؛ بالتكسب من بيع الأناجيل ونحوها، أو العمل التجاري المعفى من الضرائب الجمركية (٤). ومن الأهداف التي تذكر؛ الهدف الشخصي، حين يسعى المنصِّر إلى إثبات ذاته، والتعالي على أقرانه. ومنها السعي للحيلولة دون وصول الدعوة الإسلاميّة إلى النّصارى، أو إلى غيرهم من سائر الأمم، حتى يقف المد الإسلامي من جهة، وتزول العقبة الكبرى أمام تنصير بلدان كثيرة في القارة الإفريقية وغيرها (٥). ويرى الباحث أنَّ للتنصير أهدافاً عدة، وأنَّ المقدَّمَ منها يعود إلى اعتبارات الزمانِ، والمكانِ، والقائمِ بالعمل التَّنصيري، والفئةِ المستهدفَة. ففي الحقبة التي تلت الحروب الصليبية، وهجمة احتلال البلاد الإسلاميّة (المسمّاة

стр. 20

بالاستعمار) (١)، كان التَّنصير منصباً في الغالب لخدمة الجوانب السياسيّة والعسكريّة. وفي بعض الأماكن والبلدان يدفع المنصِّرَ إلى عمله حماستُه الدينية لإنقاذ المدعوين من دينونة الخطيئة، ومنحِهم البشارةَ والسعادة في الحياة وبعد الممات باتباع الإنجيل والدخول في مملكة الرب المخلص يسوع كما يعتقد. ويوجد مَن دفعته النّوازعُ الشخصيّة، أو الأطماعُ الدنيويّة إلى ممارسة العمل التّنصيري. وفي المجتمعات النَّصرانيَّة يكون الهدفُ تثبيتَ النصراني وتقويةَ إيمانه والحيلولةَ بينه وبين سماع رسالة الإسلام الحقّة النّقيّة من شوائب التحريف والتشويه، أو أي دعوة دينية أخرى. وهكذا في أوساط التجمعات النَّصرانيَّة داخل البلاد الإسلاميّة أو غيرها. وفي المجتمعات غير النَّصرانيَّة يهدف العمل التَّنصيري لوقف المد الإسلامي، ووقف انتشار أي دين آخر. وهذا التَّفصيلُ لا ينفي اجتماع أكثر من دافع، أو الاستفادة من العوامل الأخرى. المطلب الثالث: وسائل التَّنصير يقسم كثير من الباحثين الوسائل التَّنصيريَّة إلى مباشرة وغير مباشرة. ويعنون بالمباشرة، تلك المتمثلة في الدعوة الشخصية التي يقوم فيها المنصِّر بالتحدث مع من يستهدفه، ومحاولة إقناعه بالدخول في النَّصرانيَّة. ومن أشكالها -كذلك- إقامة المناظرات الدينيّة.

стр. 21

وأما الوسائل غير المباشرة فهي ما يكون عبر التطبيب، أو التعليم، أو المطبوعات، أو الوسائل الإعلامية، أو الخدمات الاجتماعية، أو المؤتمرات والمراكز التَّنصيريَّة، أو غيرها (١). ويرى الباحث أنّ أهم الوسائل التي نُشِر التَّنصير عبرها هي خمس وسائل: الوسيلة الأولى: الخدمات الطبيّة حينما تذهب الإرسالية التَّنصيريَّة إلى بلد لا يوجد فيه طبيب واحد؛ لتعرض تقديم الخدمات الصحيّة؛ فإنّ حاجة النّاس ستجعلهم يتقبلون هذا الزائر ويتعاملون معه (٢). وبهذا المدخل وجدت البعثات الطِّبيّة ترحيباً بها في أوساط المجتمعات الأخرى. ومع مرور الوقت تشكلت قناعة المنصِّرين بأنّ هذه الوسيلة يجب أنْ تُعطى الأولوية، وتكاثرت أقوالهم في تأييد هذا التّوجه، ولا سيَّما وهم يرون في ذلك سيراً على نهج المسيح ﵇ وتلامذته من بعده، في تقديم العلاج للمرضى. ولهذا يقول صموئيل زويمر: "إنَّ جميع العاملين في ميدان التَّبشير في الجزيرة العربية متفقون على أن الطبيب القدير والجراح الماهر يحمل جوازاً يفتح الأبواب المغلقة" (٣). وهكذا قام المنصرون بإنشاء المستشفيات، والمراكز الصحية الثابتة والمتنقلة، وتزويدها بالأطباء والممرضين والفنيين من الجنسين ممن تم تأهيله سلفاً للعمل التَّنصيري. ولهذا نجدهم في المؤتمرات يوصون بالتركيز على العمل الطبي (٤). الوسيلة الثانية: الخدمات التعليميّة تؤكد أقوال كثير من المنصِّرين على أنَّ التعليم هو أحد أهم الوسائل التي استخدمت في

стр. 22

التَّنصير، والتي يجب الاستمرار في تسخيرها لخدمة العمل التَّنصيري. يقول ميلر بروز (١): «لقد أدى البرهان إلى أنَّ التعليم أثمن وسيلة استغلها المبشرون الأمريكيون في سعيهم لتنصير سورية ولبنان». ويقول منصِّر آخر: «إنَّ التعليم في مدارس الإرساليات المسيحية إنما هو واسطة إلى غاية فقط؛ هذه الغاية هي قيادة الناس إلى المسيح وتعليمهم حتى يصبحوا أفراداً مسيحيين وشعوباً مسيحيّة» (٢). وهكذا انطلق المنصِّرون ينشؤون المدارس والمعاهد والكليات والجامعات (٣)، ويبثون المعلمين المنصِّرين فيها، ويستقبلون الطلاب المبتعثين للدراسة في البلاد النَّصرانيَّة، ويحاولون الإسهام في صياغة مناهج التعليم في البلدان المستهدَفة بالتَّنصير، إلى غير ذلك من صور التَّنصير عبر الخدمات التعليمية. الوسيلة الثالثة: الوسائل الإعلاميّة قد يكون الإعلام اليوم هو السّلاح التَّنصيري الأول. ففي ظل طغيان العولمة الإعلاميّة ربما صار ممكناً الوصول إلى معظم النّاس عبر الإذاعة أو التلفاز أو الشبكة العالميّة. ولهذا فليس من المستغرب قيام العشرات من الهيئات والمنظمات النَّصرانيَّة في بلاد شتّى بإنشاء المحطات الإذاعيّة، والتخطيط لها، وتبادل الخبرات والاستشارات، وعقد المؤتمرات والندوات، والدورات التأهيليّة للكوادر العاملة في هذه المحطات، وإجراء البحوث والدراسات على المستمعين بغرض تقييم البرامج الإذاعية (٤).

стр. 23

وليس بغريب –كذلك- أن تكون هناك العديد من القنوات الفضائية التَّنصيريّة التي تبث باللغة العربيّة (١)، وبعضها يبث على أقمار صناعيّة عربيّة. وأمّا الجهد التَّنصيريّ عبر شبكة المعلومات العالميّة فهو كبير جدًّا، ولعل هذا البحث يُسهم في بيان شيء من جوانبه (٢). الوسيلة الرابعة: المطبوعات أدرك المنصِّرون ما للكلمة المطبوعة من أثر في نفوس المدعوين يعمل على تغيير قناعاتهم وهز ثوابت عقائدهم. ولهذا سعوا في بث ترجمات كتابهم المقدس، وعملوا على طباعة الكتب الدينيّة والكتيبات والنشرات التعريفيّة والدّعويّة الموجّهة للمدعوين على اختلاف أعمارهم (٣). وهكذا نجدهم في كل مكان يستهدفونه يهتمون بإقامة المكتبات، وتوزيع الأناجيل بأعداد كبيرة. وهم –كذلك- ينشئون قاعات للمطالعة في مؤسساتهم التَّنصيريَّة كالمستشفيات والمخيمات، ويسيرون المكتبات العائمة على متن السفن؛ كسفينة (لاغوس) التي ترسو أحياناً في مرافئ الخليج وتعلن عن معرض كتاب متنوع تباع فيه الأناجيل والمطبوعات التَّنصيريَّة بأسعار زهيدة (٤). ومن طرقهم –كذلك- استئجار من يكتب مقالات في الصحف العربيّة، أو إنشاء صحف خاصّة بهم (٥).

стр. 24

ولهم اهتمام بالمجلات التَّنصيريَّة، ولعل أهمها مجلة العالم الإسلامي، التي لا تزال تصدر منذ قرابة مائة سنة. الوسيلة الخامسة: الخدمات الاجتماعيّة اهتم المنصِّرون كثيراً بهذه الوسيلة، وسخروها في تحقيق أهدافهم. فأنشؤوا المخيمات والمعسكرات وبيوت الطلبة وملاجئ الأطفال، وخصصوا بيوتاً للفتيات المطلقات والأرامل الصغيرات. وأقاموا الأندية الناشطة بالحفلات والمحاضرات وليالي السّمر. وهناك المطاعم ودور السينما وبيوت الرذيلة. ولهم اهتمام بالمشاريع الزراعية وتربية الدواجن ومخالطة مجتمع المزارعين. ولهم إسهام في المشروعات الصناعية، ومخالطة الحرفيين في مصانعهم. ولبعضهم توجه في تزويج النصرانيات من المسلمين بغية التأثير عليهم. إلى غير ذلك من صور الخدمات الاجتماعيّة (١). وبعد استعراض هذه الوسائل يجدر الإشارة إلى وجود غيرها، كالمؤتمرات التَّنصيريَّة التي تراجع آليات العمل التَّنصيري من حين لآخر. وكالمراكز المعنية بالدراسات والتدريب لخدمة هذا المجال. وكأسلوب صانعي الخيام الذي يتسلل من خلاله المنصِّرون تحت لباس المهن الطبيّة والتعليميّة والحرفيّة وغيرها (٢). وكالأعمال الإغاثيّة التي تستغل في الدعوة للنصرانيّة في كثير من الأحيان. ولعل آخر الوسائل التي سخرت لخدمة العمل التَّنصيري هي شبكة المعلومات العالميّة. ولهذا يجيء هذا البحث لدراسة جوانب استخدام الخدمات التفاعليّة للشبكة من أجل نشر النَّصرانيَّة والدعوة إليها. ومن المناسب إيراد تعريف موجز بهذه الوسيلة، وذلك في المبحث التّالي.

стр. 25

المبحث الثاني: التَّعريف بشبكة المعلومات العالميّة مفردة (الإنترنت) هي الاسم الشائع للشّبكة العالمية، وهي نقل حرفيّ للمصطلح الإنجليزي ( Internet) المشتق من كلمتين هما: ( International Network) ، ومعناها: الشّبكة العالميّة، أو الشّبكة الدّولية. تعرف الشبكة العالميّة بأنها شبكة عملاقة، تضم عشرات الألوف من الشبكات والحواسيب المرتبطة مع بعضها في عشرات الدول، مستخدمةً قوانين (برتوكولات) لتأمين الاتصالات الشبكية (١). وتعرف -كذلك- بأنها مجموعة من عشرات الآلاف أو أكثر من شبكات الحاسب الآلي، التي تتبادل المعلومات على أساس متفق عليه من الأنظمة والقوانين المنسقة فيما بينها، وبناءً على هذا التناسق يمكن لأي جهاز حاسب آلي متصل بالشبكة الاستفادة من أي جهاز حاسب آخر متصل بالشبكة في أي مكان من العالم (٢). وهناك تعريفات أخرى غير ما ذكر. ويرى الباحث أنّ التَّعريف الأنسب أن يقال: الشّبكة العالميّة هي منظومة اتصال ومعلومات عالميّة، تربط كمًّا هائلاً من الشبكات والحاسبات، وتمكن كل مرتبط بها من الوصول للأجهزة الأخرى والاستفادة من محتوياتها التي وضعت للتشارك، والتواصل مع أصحابها بالنص والصوت والصورة. يعتبر العام الميلادي ١٩٦٩ هو تاريخ ولادة الشبكة، وذلك حين أنشأت وكالة الأبحاث المتقدمة -الممولة من وزارة الدفاع الأمريكية- شبكة سمّتها (أربانت ARPANET) ، وذلك لربط أجهزة حاسب آلي في أربعة مواقع. ثم زاد عدد الشبكات المتصلة شيئاً فشيئاً، وتوسعت الشبكة، إلى أن جاء الحدث المهم والتطور الكبير في العام الميلادي ١٩٩١ حين أنشأت مؤسسة (سيرن CERN) مشروع

стр. 26

الشبكة النسيجيّة العالميّة ( World Wide Web) التي يرمز لها اختصاراً بالرمز ( WWW). بعدها تضاعفت أعداد الشبكات، والحاسبات المتصلة، ومواقع الشبكة، والدول (١) والأشخاص المتصلين بالشبكة، والخدمات المتاحة. وللتمثيل على هذه الزيادات الكبيرة جداً فقد زاد عدد مواقع الشبكة من مائة وثلاثين موقعاً عام ١٩٩١م إلى ثمانمائة ألف موقعٍ عام ١٩٩٨م ثم إلى ستة عشر مليون موقعٍ عام ١٩٩٩م (٢). وقد أصبحت الشبكة العالمية في الوقت الحاضر تقدم منظومة كبيرة من الخدمات المهمة. منها مواقع الشبكة (٣) التي سبق ذكر نشأتها عام ١٩٩١م. ومن أهمها خدمة البريد الالكتروني (٤). ومنها الخدمات التفاعليّة (٥) كالمنتديات الحواريّة، والمجموعات البريديّة، والشبكات الاجتماعيّة، وخدمات المحادثة، ومواقع تشارك الملفات المرئيّة، والمدونات (٦).

стр. 27

ومنها ما يسمى بالحكومة الالكترونية (١)، والتجارة الالكترونية (٢)، والتعليم الالكتروني (٣)، والمكتبة الالكترونيّة، وغير ذلك من الخدمات. وللشبكة العالميّة فوائد كثيرة؛ يمكن حصر أهمها في خمسة أمور. الأول: الحصول على المعلومات في جميع التخصصات من مصادر متنوعة. الثاني: نشر المعلومات المتنوعة لتكون في متناول المتصلين بالشبكة من أي مكان في العالم. الثالث: إتمام الاتصالات الفرديّة والجماعيّة بأشكالها المتنوعة (المكتوبة والمسموعة والمرئية). الرابع: تبادل الملفات والوثائق والرسائل والبرامج الالكترونية بين الأفراد والمؤسسات. الخامس: توفير الجهد والمال والوقت في سبيل الحصول على المعلومة أو نشرها أو الاتصال بالآخرين (٤). وفي مقابل هذه الفوائد هناك مضار ومخاطر كثيرة. فمنها الخطر على الأديان والمعتقدات، وهذا ما يواجهه المسلم فيما ينشر على الشبكة من الدعوة للإلحاد، أو الدعوة لاعتناق دين غير الإسلام، أو إثارة الشبهات والشكوك حول

стр. 28

ما يتعلق بالإسلام (١). ومنها الخطر على الأفكار والثقافات، وذلك بإدخال القيم والسلوكيّات والأنماط والعادات الحياتيّة التي تفقد المسلم هويّته، وعزّته، وشعوره بالعلو لانتمائه لدينه القويم. ومنها الخطر على الأخلاق، وذلك بنشر المواد الإباحيّة التي تشيع الرذيلة والفاحشة والتجرد من القيم الأخلاقيّة (٢). ومنها المخاطر على صحة الإنسان البدنيّة أو النفسيّة، وذلك حين يُعطي الإنسان جزءاً كبيراً من وقته لهذه الوسيلة، قد يوصله إلى حالة مرضيّة تعرف بإدمان الإنترنت. ومن المخاطر ما يستهدف ملفات أجهزة الحاسب الآلي بغية الاطلاع عليها، أو العبث بها بالتعديل أو المسح، أو استغلال ما فيها من بيانات، وهو ما يكون عن طريق نشر فيروسات الحاسب (٣)، أو عن طريق اختراق الأنظمة والشبكات (٤).

стр. 29

وهناك مخاطر غير ما ذُكر (١). وقد أصبح للشبكة العالميّة أهمية كبرى لدى كثير من النّاس، وأصبحت مصدراً مهماً لتداول المعلومات، وتجاوز عدد المستخدمين لها ربع سكان المعمورة (٢)، ولهذا فهي –قطعاً- أسرع وسائل الاتصال وصولاً إلى أكبر عدد من النّاس (٣). وقد ساهم في ذلك قلة الكلفة الماديّة مقارنةً بغيرها، وتجاوزها الحدود الزّمانيّة (٤) والمكانيّة (٥)، وحتى اللغويّة عن طريق الترجمة الفوريّة للمواقع؛ التي تتيحها بعض محركات البحث بلا مقابل. وأسهم في ذلك –أيضاً- اتساع مساحة حريّة التعبير على الشبكة، وحريّة الحصول على المعلومة (٦).

стр. 30

المبحث الثالث: أدلَّة اهتمام المنصِّرين بالشبكة المطلب الأوّل: أسباب اهتمام المنصِّرين بالشبكة العالميّة في الدورة الأولى من البرنامج التدريبي للتنصير عبر الشبكة، الذي يقدمه اتحاد التَّنصير عبر الإنترنت، ذكر القائمون على البرنامج المبررات المسوّغة للاهتمام المتزايد بالشّبكة (١). ومن جملة ما ذكروا: أولاً: أنّ هناك العديد من المستخدمين للشبكة. وهذا السبب له أهميته فعلاً، فإنّ عدد مستخدمي الشبكة يقارب المليارين، بما يمثل ٢٩% من عدد سكان العالم أجمع. وذلك بنسبة نمو تقارب ٤٤٥% خلال السنوات العشر الأخيرة (من عام ٢٠٠٠ إلى ٢٠١٠م) (٢). ثانياً: أنّ هناك الكثير من النّاس ممّن يسعى للحصول على معلومات دينيّة أو روحيّة عن طريق الشبكة. وهؤلاء يمثلون رُبع مستخدمي الشبكة حسب إحصائيّة عام ٢٠٠٠م. وهم في أمريكا -وحدها- قرابة ثمانية وعشرين مليون شخص. ثالثاً: أنّ الشبكة تلغي عوائق الحدود الجغرافيّة، وتتيح الوصول إلى مناطق لا يمكن الوصول إليها عادة، وذلك كالدول التي تمنع دخول المنصِّرين. رابعاً: أنّ العروض التَّنصيريّة على الشبكة ستكون بشكل مستمر؛ متوفرة في كل يوم، وفي كل وقت، ويمكن الوصول إليها من كل مكان. خامساً: أنّ الشبكة تلغي عوائق التباعد الجغرافي المكاني، فقد يجتمع متحاورون من شتّى البلدان والقارات في غرفة واحدة من غرف الحوار.

стр. 31

سادساً: أنّه يمكن استخدام الشبكة في حماية النّصارى أنفسهم من المخاطر العقديّة والأمنيّة وغيرها. سابعاً: أنّ الشبكة توفر للمنصرين الكتب التي يحتاجون قراءتها لتحسين أدائهم لمهمتهم في نشر الإنجيل. ثامناً: أنّ الشبكة توفر ما يسمى بالديمقراطيّة النقيّة، وذلك أنّ كل المستخدمين لها لديهم فرص متساوية في التعبير عن أنفسهم، وطرح ما لديهم، بِغَضَّ النظر عن اعتبارات الدين والجنس والعرق والثروة وغيرها. تاسعاً: أنّ الشبكة توفر المرونة الزّمانيّة، فهناك وسائل للاتصال المتزامن كغرف المحادثة مثلاً، وهناك وسائل للاتصال غير المتزامن كما في البريد الالكتروني والمجموعات البريديّة والمنتديات مثلاً. وهذه الأخيرة –أي وسائل الاتصال غير المتزامن- تتيح للمستخدم مساحة للتفكير وإعداد الرسالة التَّنصيريّة التي يود إيصالها. عاشراً: أنّ الشبكة توفر التعددية الاجتماعيّة، وذلك من خلال إمكان التواصل مع عدد كبير جداً من النّاس بسهولة كبيرة. وهذا السبب الذي ذكروه مهم جداً، فإنّ رسالة واحدة عبر المجموعة البريديّة تصل إلى ثلاثين ألف مشترك في لحظة واحدة (باعتبار أنَّ هذا هو عدد أعضاء هذه المجموعة البريديّة). وإنَّ عبارة موجزة ذات أثر؛ في غرفة محادثة؛ يقرؤها المئات من النّاس في نفس اللحظة. حادي عشر: أنّ الشبكة توفر إمكانيّة توصيل الرسالة التَّنصيريّة بشتّى اللغات. وهذه الميزة استفاد منها المنصِّرون كثيراً، فعلى سبيل المثال: - فيلم "آلام المسيح" يقدّم بألف لغة (١).

стр. 32

- موقع الإجابات النَّصرانيَّة متاح باثنتين وأربعين لغة (١). - موقع راديو إذاعة الفاتيكان متاح بثمان وثلاثين لغة (٢). - موقع إرسالية المسار القديم التَّنصيرية متاح بإحدى عشرة لغة (٣). - موقع بابا الفاتيكان متاح بثمان لغات (٤). ثاني عشر: أنّ أكثر من يستخدم الشبكة –حاليًّا- هم من جيل الشباب والمراهقين. وهؤلاء عندهم تطلع وانطلاق نحو المعرفة، ومن الممكن استغلال شغفهم هذا، والتأثير عليهم (٥). هذه هي أهم الأسباب التي دفعت المنصِّرين للبحث عن سبل تسخير الشبكة لخدمة العمل التَّنصيري. وفي المطلبين التاليين بيانُ الأدلة القوليَّة والعمليَّة على اهتمام المنصرين بهذه الوسيلة، وبيانُ شيءٍ من جهودهم في سبيل استغلالها في العمل الدَّعويّ.

стр. 33

المطلب الثّاني: الأدلَّة القوليَّة نظّم مجلس أساقفة إيطاليا في شهر إبريل من العام الميلادي ٢٠١٠ مؤتمراً شارك فيه ألفٌ وثلاثمائةِ مشترك، وحاضر فيه خمسةٌ وعشرون خبيراً. كان عنوان المؤتمر: "شهود رقميون: وجوه ولغات في عصر تقاطع شبكات الاتصال"، وكان تركيزه على بيان أهمية الشبكة العالميّة في واقع النّاس اليوم، وكيفيّة الاستفادة منها في نشر الإنجيل. وفي ذات المؤتمر يقول البابا بنديكت السادس عشر (١): «فقط في ظل هذه الظروف؛ يصبح التحول التاريخي الذي نشهده غنياً ومليئاً بالفرص الجديدة. نحن نريد أن نمخر عباب البحر الرقمي من دون خوف، معتمدين على الملاحة غير المقيدة، وعلى الاندفاع الذي يدير دفة سفينة الكنيسة منذ ألفي سنة. إضافة إلى الموارد التقنية الضرورية؛ نريد أن نتميز بتواجدنا في هذا العالم بقلب مؤمن يسهم في إضفاء روح على تدفق الاتصالات الدائم على الشبكة». ثمّ يقول: «أحث جميع الخبراء في وسائل الإعلام على عدم الكلل من تغذية شغف الإنسان الذي يقرّب أكثر إلى اللغات التي يتكلمها وإلى وجهه الحقيقي. وستساعدكم في ذلك تنشئة لاهوتية قوية، ومحبة كبيرة لله يغذيها حوار مستمر مع الرب» (٢). والبابا -نفسه- في خطابه للمشاركين في لقاء الجمعية العامة للمجلس الحبري للاتصالات الاجتماعية - الذي عقد في شهر مارس من العام ٢٠٠٧م-؛ يقول: «يعيش حقل الاتصالات الاجتماعية تغيرات سريعة. فبينما تسعى وسائل الإعلام المطبوعة جاهدة للاستمرار؛ تنمو وسائل أخرى كالراديو والتلفزيون والإنترنت على وتيرة مذهلة. وفي إطار العولمة، تتركز وسائل الإعلام الالكترونية هذه في يد عدد قليل من المؤسسات العالمية التي

стр. 34

يتخطى تأثيرها حدود المجتمعات والثقافات». ثم يحدد رسالة الكنيسة تجاه هذه التأثيرات –التي لم يحدد نوعها؛ أهو عقدي أم أخلاقي سلوكي أم غير ذلك-؛ فيقول: «من ناحية أخرى، نلاحظ بسهولة أنّ القسم الأكبر مما يتم بثّه بأشكال مختلفة في بيوت ملايين العائلات في العالم هو مدمّر. من خلال توجيه نور المسيح على هذه الظلال، تولّد الكنيسة الرجاء. فلنعزز جهودنا من خلال تشجيع الجميع على وضع السراج على المنارة حيث تستطيع أن تنير جميع الذين في البيت، في المدرسة وفي المجتمع» (١). وفي المؤتمر العالمي للإعلام الكاثوليكي، الذي عقد في مدينة روما في شهر أكتوبر من العام ٢٠١٠م تحت عنوان: "وسائل الإعلام الكاثوليكيّة في العصر الرّقمي"؛ يقول خيسوس كولينا (٢): «عندما تنقل الكنيسة الشراكة عبر الإنترنت، أي بطريقة تفاعلية، تخلق الجماعة. وفي هذه الحال يتحول الإنترنت من فسحة افتراضية إلى مناسبة للقاء». ثمّ يقول: «إنّ إنتاج المضامين الصادرة مباشرة عن المستخدمين الأفراد، لاقى خلال السنوات الأخيرة نجاحاً كبيراً، مشيراً بذلك إلى مواقع ويكيبيديا، يوتيوب، فايسبوك، تويتر، غوغل نيوز، وغيرها من الخدمات، ولا بد للكنيسة من أن تتماشى مع العصر وأن لا يسبقها قطار التفاعل الرقمي» (٣). وفي حوار مع المنَصِّر المصري زكريا بطرس (٤)؛ ذكر أنّه كان يحلم بالذهاب إلى البلاد

стр. 35

السعودية للتنصير، ولكنه منع من ذلك على الرغم من احتياطه لإخفاء شخصيّته الدّعويّة، وذلك بكتابة اسمه مجرداً عن الألقاب في جواز السفر، ووضع صورته من غير غطاء الرأس الكهنوتي. ولكن لما جاءت تقنية الشبكة استطاع الدخول إلى مكة والمدينة. ثم يقول: «هذه الوسيلة منحة من الرب يجب استغلالها» (١). ويقول المنصِّر روبي ريتشاردسون (٢): «لقد نضجت شبكة الإنترنت كوسيلة اتصال، وهناك فرص كبيرة في جميع أنحاء العالم للاستفادة من هذه الوسيلة للبشارة» (٣). وفي مقدمة أحد البرامج التدريبيّة للمنصِّرين على الشبكة نجد قولهم: «يجب استخدام التقدم التكنولوجي لنشر الإنجيل»، وقولهم: «لقد حان الوقت للمؤمنين لزيادة استفادتهم من إمكانات شبكة الإنترنت لأغراض التَّبشير العالمي» (٤). هذه النقولات، وغيرها كثير، تبين أنّ المهتمين بالعمل التَّنصيري يدركون أهمية الشبكة العالميّة بوصفها واحدة من أهم الوسائل الإعلاميّة. ولهذا رأينا مناشدة بابا الفاتيكان كل من له خبرة بوسائل الإعلام أن يوصل رسالة الكنيسة من خلالها، ورأينا تركيزه على الوسائل الحديثة التي ذكر أنها في طريقها لإزاحة ما سبقها من وسائل، ثمّ تأكيده توجه الكنيسة للاستفادة القصوى السّبّاقة من فرص العصر الرّقمي.

стр. 36

وهكذا باقي النقولات تأتي في هذا السّياق. ويمكن أن يكون قريباً من هذه الإشارات النّقليّة، بعض الجوانب التنظيميّة التي أصدرتها رئاسة الكنيسة الكاثوليكيّة في روما. فقبيل المجمع الفاتيكاني الثاني، أُنشئت لجنة بابوية خاصّة بالسينما والراديو والتلفزيون، ثم في عام ١٩٥٩م جُعلت لجنةً دائمةً في الفاتيكان، وفي عام ١٩٦٤م حُوّلت إلى لجنة حبريّة لوسائل الإعلام الاجتماعية؛ وأُضيف إلى دائرة صلاحياتها الإعلام المكتوب، وأخيراً في عام ١٩٨٩م رُفعت إلى مصاف مجلس حبري لوسائل الإعلام الاجتماعية. ومنذ عام ١٩٦٧م دَرج البابوات على إصدار رسائل حبريّة سنوية في مناسبة اليوم العالمي لوسائل الإعلام الاجتماعية (١). وهذا التدرج في ترقية درجة هذا التّنظيم، من لجنة عاديّة إلى لجنة دائمة، ثمّ إلى لجنة حبريّة، ثم إلى مجلس حبري، يدلُّ على تزايد الاهتمام بالوسيلة الإعلاميّة بشكل عام. وقريب من هذا الاهتمام ما قامت به مؤسسة التحالف العالمي الإنجيليّة ( World Evangelical Alliance)، وهي منظمة نصرانيّة كبرى، تضم مائةً وثمانياً وعشرين كنيسة في مختلف الدول، ومائةَ منظمة دوليّة، حيث قامت بإنشاء لجنة لتقنية المعلومات تُعنى بالاستفادة من معطيات تكنولوجيا المعلومات الحديثة لخدمة أهداف الكنيسة (٢). إنّ كلّ هذا الاهتمام والتّنظيم له ما يبرره فعلاً. فإنّ الإعلام بعامّة، وشبكة المعلومات العالميّة بخاصّة، تملك من المقومات والإمكانات والتأثير؛ الشيءَ الكبير. وقد تقدَّمَ في المطلب السَّابق بيانُ شيءٍ من هذا.

стр. 37

المطلب الثالث: الأدلة العمليَّة حوى المطلب السّابق بعضَ النُّقول عن المشتغلين بالتنصير تُعطي دلالةً على اهتمامهم بوسيلة الشَّبكة العالميّة. وفي هذا المطلب نستعرض بعض الخطوات العمليّة التي قام بها المنصرون، وهي تمثل مظاهرَ أخرى على عنايتهم واهتمامهم بهذه الوسيلة، ومن هذه المظاهر: المظهر الأول: إنشاء اتحاد التَّنصير عبر الإنترنت (١) لم يشأ المنصِّرون لجهودهم أن تبقى مبعثرةً يغلب عليها الطابع الاجتهادي الفردي، فقاموا في وقت مبكر -نسبيًّا- من انتشار استخدام الشبكة بين الناس؛ بإنشاء رباط يجمع العاملين في هذا المجال، وينسق جهودهم. ففي عام ١٩٩٧م قامت الرابطة الوطنية الإنجيلية (٢) ( National Association of Evangelicals) بإنشاء اتحادِ (أو رابطةِ، أو تحالفِ) التَّنصير عبر الإنترنت ( the Internet Evangelism Coalition) . يهدف هذا الاتحاد -كما نصّ عليه موقعه على الشّبكة- إلى تحفيز وتسريع الكرازة (التَّبشير) وفق هيئة عالميّة يتعاون الشركاء فيها لتحقيق هذه المهمة (٣). ويضم الاتحاد لجنتين انتخابيتين: لجنة رئاسيّة مكونة من اثني عشر عضواً من الأساتذة والدكاترة والقسس. ولجنة عضويّة مكونة من أربعة وعشرين عضواً من الجمعيّات والمنظمات وروابط المتطوعين وكراسي البحث؛ ممّن يجمعهم التميز في خدمة العمل

стр. 38

التَّنصيري من خلال الشبكة العالميّة. أنشئ هذا الاتحاد في عام ١٩٩٧م –كما تقدم-، وبرعاية من مركز بيلي غراهام (١). وعقد في ذلك العام اجتماعاً حضره ثمانون ممثلاً عن الكنائس والجمعيّات المختلفة التي لها نشاط عبر الشبكة. وتم فيه تشكيل لجنة عمل، وصياغة لرسالة الاتحاد المتمثلة في هدفين. أولهما: تعزيز التَّنصير عبر الإنترنت بالتفكير الإستراتيجي الملهم وتنمية الموارد. وثانيهما: تشجيع الجهود التعاونيّة وربط الشركاء لإنجاز التَّنصير عبر الإنترنت وفق أصول العقيدة البروتستانتية. يعقد الاتحاد اجتماعاً سنويًّا لوضع الخطط والاستراتيجيّات للعمل التَّنصيري على الشّبكة، ويسمح بحضور من يدفع رسوم العضوية السنويّة (تتراوح من مائة دولار أمريكي إلى عشرة آلاف فأكثر)، ولكل مستوى عضويّة ميزات مختلفة. ويتيح الاتحاد عبر موقعه على الشبكة الاطلاع والاستفادة من العديد من إسهامات المشتركين في اجتماعه السنوي (على هيئة ملفات صوتيّة أو مرئية أو عروض تقديمية). يصدر الاتحاد نشرةً شهريّة تُرسل إلى عناوين البريد الالكتروني للمسجّلين في الخدمة. كما يوفّر خدمات التدريب المجانيّ المباشر عبر موقعه على الشبكة. ونختم التعريف بهذا الاتحاد بعرض عناوين بعض الأبحاث وأوراق العمل التي قدمت في مؤتمراته السّنويّة، أو في نشراته الشهريّة: - إنشاء المواقع الموجهة لمنكوبي كارثة تسونامي لتقديم الدعم الروحي والصلوات

стр. 39

الإنجيلية وإجابة استفساراتهم الدينية، نشرة شهر يناير ٢٠٠٥م. - إنشاء واستخدام مقاهي الإنترنت في البلدان النّامية -حيث تكون ملكية جهاز حاسب بعيدة المنال- للتنصير، نشرة شهر مارس ٢٠٠٥م. - استخدام عروض الكرتون والفلاش لأجل التَّنصير، نشرة شهر مارس ٢٠٠٥م. - استخدام الكوميديا والدراما للتنصير عبر الإنترنت، نشرة شهر إبريل ٢٠٠٥م. - الاستراتيجيّات المناسبة على الإنترنت لتنصير الهندوس والبوذيين والمسلمين، نشرة شهر يوليو ٢٠٠٥م. - أكثر الوسائل فعاليّة للتنصير عبر الإنترنت، نشرة شهر يوليو ٢٠٠٥م. - كيف يمكن اختراق المجتمع الصيني وتنصيره باستخدام الإنترنت، نشرة شهر نوفمبر ٢٠٠٥م. - واقع التَّنصير اليوم عبر الشبكة، ديبرا بروان، مؤتمر ٢٠٠٦م. - حملة صليبيّة من أجل المسيح، آندي فيش، مؤتمر ٢٠٠٦م. - التواصل مع مجتمعك من خلال موقع كنيستك على الإنترنت، بيرفيز برنت، وَكام هول، مؤتمر ٢٠٠٧م. - إعادة التفكير في التَّنصير عبر الإنترنت، روبي ريتشاردسون، مؤتمر ٢٠٠٧م. المظهر الثاني: برامج تدريب المنصِّرين على الشبكة من جوانب استفادة المنصِّرين من الشبكة؛ إنشاء برامج تدريبيّة للمنصرين المهتمين بنشر الإنجيل عبر الشبكة. وغالب هذه البرامج مجاني، وبعضها برسوم يسيرة. وسنورد هنا مثالاً على كل من هذين النوعين. المثال الأول: البرنامج التدريبي الذي يقدمه اتحاد التَّنصير عبر الإنترنت (١)

стр. 40

هذا البرنامج متاح بالمجان لكل من أراد التسجيل فيه، دون النظر حتى لانتمائه للنصرانيّة من عدمه، وإن كانوا ينصّون على أنّه وفق العقيدة الإنجيليّة، ويعتمد نسخة الملك جيمس من الكتاب المقدس عندهم (١). وكان البرنامج يعطي شهادة لمن يتم الدورات التدريبيّة ثم رأى الاتحاد إيقاف ذلك. يتكون البرنامج من سبع دورات، في كل واحدة منها أربعة موضوعات. وفي آخر كل دورة أسئلة تقييمة يستطيع المتدرب من خلالها قياس فهمه لمحتوى الدورة، ولكن لا يشترط اجتياز التقييم لبدء الدورة التالية. يعرف البرنامجُ المتدربَ على الحاجة للتنصير عبر الشبكة، ويعرض له أهداف الكنيسة وسعيها لنشر الإنجيل، ثم يشرح له –بإسهاب- الطرق المثلى للتنصير عبر البريد الالكتروني ومواقع الشبكة والمنتديات وغرف المحادثة والمجموعات البريديّة. ويُقدَّم المحتوى على شكل نصوص أو ملفات مرئيّة. ويتطرق لموضوعات تنمي جوانب في شخصية المنصِّر، كالموضوعات الروحيّة، وكيفيّة فهم الشخصيات، وكيفيّة عرض الإنجيل للأطفال، وتوجيهات لأخلاقيّات العمل على الشبكة، وطرق تجنب سلبيات الشبكة كالتعرض لزعزعة العقائد أو إدمان الشبكة أو التعرض لمواد إباحيّة ونحو ذلك. المثال الثاني: برنامج معهد إرساليات الإنترنت (٢) Cyber Messions هذا البرنامج التدريبي يختلف عن البرنامج السابق في أربعة أمور. الأول: اشتراط بلوغ المتدرب سن ثمان عشرة سنة فأكثر. الثاني: اشتراط دفع رسم قدره خمسة وعشرون دولاراً أمريكياً، وهو مبلغ رمزي، ولكنّ الغرض منه –كما ذكر الموقع- ضمانُ التزام المتقدم بإكمال البرنامج التدريبي. والثالث: أن تكون فترة الدورة ثلاثة أسابيع. والأمر
следующие страницы →