وهكذا باقي النقولات تأتي في هذا السّياق.
ويمكن أن يكون قريباً من هذه الإشارات النّقليّة، بعض الجوانب التنظيميّة التي أصدرتها رئاسة الكنيسة الكاثوليكيّة في روما.
فقبيل المجمع الفاتيكاني الثاني، أُنشئت لجنة بابوية خاصّة بالسينما والراديو والتلفزيون، ثم في عام ١٩٥٩م جُعلت لجنةً دائمةً في الفاتيكان، وفي عام ١٩٦٤م حُوّلت إلى لجنة حبريّة لوسائل الإعلام الاجتماعية؛ وأُضيف إلى دائرة صلاحياتها الإعلام المكتوب، وأخيراً في عام ١٩٨٩م رُفعت إلى مصاف مجلس حبري لوسائل الإعلام الاجتماعية. ومنذ عام ١٩٦٧م دَرج البابوات على إصدار رسائل حبريّة سنوية في مناسبة اليوم العالمي لوسائل الإعلام الاجتماعية (١).
وهذا التدرج في ترقية درجة هذا التّنظيم، من لجنة عاديّة إلى لجنة دائمة، ثمّ إلى لجنة حبريّة، ثم إلى مجلس حبري، يدلُّ على تزايد الاهتمام بالوسيلة الإعلاميّة بشكل عام.
وقريب من هذا الاهتمام ما قامت به مؤسسة التحالف العالمي الإنجيليّة ( World Evangelical Alliance)، وهي منظمة نصرانيّة كبرى، تضم مائةً وثمانياً وعشرين كنيسة في مختلف الدول، ومائةَ منظمة دوليّة، حيث قامت بإنشاء لجنة لتقنية المعلومات تُعنى بالاستفادة من معطيات تكنولوجيا المعلومات الحديثة لخدمة أهداف الكنيسة (٢).
إنّ كلّ هذا الاهتمام والتّنظيم له ما يبرره فعلاً. فإنّ الإعلام بعامّة، وشبكة المعلومات العالميّة بخاصّة، تملك من المقومات والإمكانات والتأثير؛ الشيءَ الكبير. وقد تقدَّمَ في المطلب السَّابق بيانُ شيءٍ من هذا.
стр. 37
المطلب الثالث: الأدلة العمليَّة
حوى المطلب السّابق بعضَ النُّقول عن المشتغلين بالتنصير تُعطي دلالةً على اهتمامهم بوسيلة الشَّبكة العالميّة.
وفي هذا المطلب نستعرض بعض الخطوات العمليّة التي قام بها المنصرون، وهي تمثل مظاهرَ أخرى على عنايتهم واهتمامهم بهذه الوسيلة، ومن هذه المظاهر:
المظهر الأول: إنشاء اتحاد التَّنصير عبر الإنترنت (١)
لم يشأ المنصِّرون لجهودهم أن تبقى مبعثرةً يغلب عليها الطابع الاجتهادي الفردي، فقاموا في وقت مبكر -نسبيًّا- من انتشار استخدام الشبكة بين الناس؛ بإنشاء رباط يجمع العاملين في هذا المجال، وينسق جهودهم.
ففي عام ١٩٩٧م قامت الرابطة الوطنية الإنجيلية (٢) ( National Association of Evangelicals) بإنشاء اتحادِ (أو رابطةِ، أو تحالفِ) التَّنصير عبر الإنترنت ( the Internet Evangelism Coalition) .
يهدف هذا الاتحاد -كما نصّ عليه موقعه على الشّبكة- إلى تحفيز وتسريع الكرازة (التَّبشير) وفق هيئة عالميّة يتعاون الشركاء فيها لتحقيق هذه المهمة (٣).
ويضم الاتحاد لجنتين انتخابيتين: لجنة رئاسيّة مكونة من اثني عشر عضواً من الأساتذة والدكاترة والقسس. ولجنة عضويّة مكونة من أربعة وعشرين عضواً من الجمعيّات والمنظمات وروابط المتطوعين وكراسي البحث؛ ممّن يجمعهم التميز في خدمة العمل
стр. 38
التَّنصيري من خلال الشبكة العالميّة.
أنشئ هذا الاتحاد في عام ١٩٩٧م –كما تقدم-، وبرعاية من مركز بيلي غراهام (١). وعقد في ذلك العام اجتماعاً حضره ثمانون ممثلاً عن الكنائس والجمعيّات المختلفة التي لها نشاط عبر الشبكة. وتم فيه تشكيل لجنة عمل، وصياغة لرسالة الاتحاد المتمثلة في هدفين. أولهما: تعزيز التَّنصير عبر الإنترنت بالتفكير الإستراتيجي الملهم وتنمية الموارد. وثانيهما: تشجيع الجهود التعاونيّة وربط الشركاء لإنجاز التَّنصير عبر الإنترنت وفق أصول العقيدة البروتستانتية.
يعقد الاتحاد اجتماعاً سنويًّا لوضع الخطط والاستراتيجيّات للعمل التَّنصيري على الشّبكة، ويسمح بحضور من يدفع رسوم العضوية السنويّة (تتراوح من مائة دولار أمريكي إلى عشرة آلاف فأكثر)، ولكل مستوى عضويّة ميزات مختلفة.
ويتيح الاتحاد عبر موقعه على الشبكة الاطلاع والاستفادة من العديد من إسهامات المشتركين في اجتماعه السنوي (على هيئة ملفات صوتيّة أو مرئية أو عروض تقديمية).
يصدر الاتحاد نشرةً شهريّة تُرسل إلى عناوين البريد الالكتروني للمسجّلين في الخدمة. كما يوفّر خدمات التدريب المجانيّ المباشر عبر موقعه على الشبكة.
ونختم التعريف بهذا الاتحاد بعرض عناوين بعض الأبحاث وأوراق العمل التي قدمت في مؤتمراته السّنويّة، أو في نشراته الشهريّة:
- إنشاء المواقع الموجهة لمنكوبي كارثة تسونامي لتقديم الدعم الروحي والصلوات
стр. 39
الإنجيلية وإجابة استفساراتهم الدينية، نشرة شهر يناير ٢٠٠٥م.
- إنشاء واستخدام مقاهي الإنترنت في البلدان النّامية -حيث تكون ملكية جهاز حاسب بعيدة المنال- للتنصير، نشرة شهر مارس ٢٠٠٥م.
- استخدام عروض الكرتون والفلاش لأجل التَّنصير، نشرة شهر مارس ٢٠٠٥م.
- استخدام الكوميديا والدراما للتنصير عبر الإنترنت، نشرة شهر إبريل ٢٠٠٥م.
- الاستراتيجيّات المناسبة على الإنترنت لتنصير الهندوس والبوذيين والمسلمين، نشرة شهر يوليو ٢٠٠٥م.
- أكثر الوسائل فعاليّة للتنصير عبر الإنترنت، نشرة شهر يوليو ٢٠٠٥م.
- كيف يمكن اختراق المجتمع الصيني وتنصيره باستخدام الإنترنت، نشرة شهر نوفمبر ٢٠٠٥م.
- واقع التَّنصير اليوم عبر الشبكة، ديبرا بروان، مؤتمر ٢٠٠٦م.
- حملة صليبيّة من أجل المسيح، آندي فيش، مؤتمر ٢٠٠٦م.
- التواصل مع مجتمعك من خلال موقع كنيستك على الإنترنت، بيرفيز برنت، وَكام هول، مؤتمر ٢٠٠٧م.
- إعادة التفكير في التَّنصير عبر الإنترنت، روبي ريتشاردسون، مؤتمر ٢٠٠٧م.
المظهر الثاني: برامج تدريب المنصِّرين على الشبكة
من جوانب استفادة المنصِّرين من الشبكة؛ إنشاء برامج تدريبيّة للمنصرين المهتمين بنشر الإنجيل عبر الشبكة. وغالب هذه البرامج مجاني، وبعضها برسوم يسيرة. وسنورد هنا مثالاً على كل من هذين النوعين.
المثال الأول: البرنامج التدريبي الذي يقدمه اتحاد التَّنصير عبر الإنترنت (١)
стр. 40
هذا البرنامج متاح بالمجان لكل من أراد التسجيل فيه، دون النظر حتى لانتمائه للنصرانيّة من عدمه، وإن كانوا ينصّون على أنّه وفق العقيدة الإنجيليّة، ويعتمد نسخة الملك جيمس من الكتاب المقدس عندهم (١).
وكان البرنامج يعطي شهادة لمن يتم الدورات التدريبيّة ثم رأى الاتحاد إيقاف ذلك.
يتكون البرنامج من سبع دورات، في كل واحدة منها أربعة موضوعات. وفي آخر كل دورة أسئلة تقييمة يستطيع المتدرب من خلالها قياس فهمه لمحتوى الدورة، ولكن لا يشترط اجتياز التقييم لبدء الدورة التالية.
يعرف البرنامجُ المتدربَ على الحاجة للتنصير عبر الشبكة، ويعرض له أهداف الكنيسة وسعيها لنشر الإنجيل، ثم يشرح له –بإسهاب- الطرق المثلى للتنصير عبر البريد الالكتروني ومواقع الشبكة والمنتديات وغرف المحادثة والمجموعات البريديّة. ويُقدَّم المحتوى على شكل نصوص أو ملفات مرئيّة.
ويتطرق لموضوعات تنمي جوانب في شخصية المنصِّر، كالموضوعات الروحيّة، وكيفيّة فهم الشخصيات، وكيفيّة عرض الإنجيل للأطفال، وتوجيهات لأخلاقيّات العمل على الشبكة، وطرق تجنب سلبيات الشبكة كالتعرض لزعزعة العقائد أو إدمان الشبكة أو التعرض لمواد إباحيّة ونحو ذلك.
المثال الثاني: برنامج معهد إرساليات الإنترنت (٢) Cyber Messions
هذا البرنامج التدريبي يختلف عن البرنامج السابق في أربعة أمور. الأول: اشتراط بلوغ المتدرب سن ثمان عشرة سنة فأكثر. الثاني: اشتراط دفع رسم قدره خمسة وعشرون دولاراً أمريكياً، وهو مبلغ رمزي، ولكنّ الغرض منه –كما ذكر الموقع- ضمانُ التزام المتقدم بإكمال البرنامج التدريبي. والثالث: أن تكون فترة الدورة ثلاثة أسابيع. والأمر
стр. 41
الرابع: منح شهادة لمن يجتاز البرنامج بنجاح.
محتوى البرنامج التدريبي يتكون من ثلاث مواد تشبه في صيغتها المواد الجامعية، وهي: ١٠١ cybermissios, ١٠٢ cybermissions, ١٠٣ cybermissions. ، وتقدم كل مادة في أسبوع، وتحتوي على ستة موضوعات.
ومن أبرز موضوعات هذا البرنامج:
- من هم مستخدمو الإنترنت؟ وماذا يريدون؟
- مهارات التواصل عبر الإنترنت (المحادثة- القوائم البريديّة- الحوار .. ).
- كيفيّة إدارة المجتمعات على الشبكة (المنتديات- الشبكات الاجتماعيّة .. ).
- الكنيسة المحليّة والكنيسة الافتراضية. ويقصد بالكنيسة الافتراضيّة: التي تكون على الشبكة.
المظهر الثالث: تخصيص يوم للتنصير عبر الشبكة
انطلاقاً من عبارة "يوم الخلاص" في نص العهد القديم: (هكذا قال الرب: إستجبتُ لك في وقت الرضى، وأعنتكَ في يوم الخلاص، وجبلتكَ وجعلتكَ عهداً للشعب لتُنهض الأرضَ وتورِّثَ المواريث المدمِّرة) (١)؛ بادر اتحاد التَّنصير عبر الإنترنت بتخصيص يوم الأحد الأخير من شهر إبريل من كل عام يوماً للتنصير عبر الإنترنت (٢).
دفعَ الاتحادَ إلى هذا –كما ذُكر في صدر الصفحة الرئيسيّة لموقع اليوم على الشبكة- ثورةُ الاتصالات الرّقميّة التي حوّلت العالم في الأعوام الخمس عشرة الماضية إلى عالم رقمي؛ به قرابة ملياري مستخدم للشبكة، وثلاثة مليارات مستخدم للهاتف النقّال.
رسالة هذا اليوم تتلخص في أمرين. الأول: حثّ الكنائس والأفراد وكل من له اهتمام بالعمل التَّنصيري؛ على التركيز في هذا اليوم على التَّنصير وفق الوسائل الحديثة. والثّاني:
стр. 42
تكوين دليل مرجعي لكافة الأفكار والاستراتيجيّات المتعلقة بالتَّنصير عبر الإنترنت، وجعله متاحاً على الموقع في كل وقت.
ولتحقيق الأمر الأول فإنّ موقع هذا اليوم على الشبكة يوفر للمهتمين كل الأدوات المعينة لقيامهم بهذه المهمة، من ملفات مرئية (فيديو)، ومواقع تفاعليّة على الشبكة، وعروض تقديميّة بتقنية الفلاش ( flash) أو البور بوينت ( Power Point)، والقصص المؤثرة والشهادات لمن اعتنق النَّصرانيَّة، والعروض المسرحيّة الدرامية القصيرة لعرضها على شاشة أمام الحضور، والمقطوعات الموسيقيّة، والمسابقات، والصور، والكتب، وأقراص CD و DVD، وشاشات التوقف للحاسبات، والدورات العلميّة، والعروض الحيّة لكيفيّة الدعوة من خلال غرف المحادثة، والملصقات والنشرات، وغير ذلك.
ومن أراد تفعيل خدمته –أي دعوته للنصرانيّة- في هذا اليوم فما عليه سوى التواصل مع الموقع ليجد الدعم الفني والتقني والتدريبي.
يقدم الموقع خدماته بتسع لغات، ويصدر نشرة دوريّة ترسل بالبريد الالكتروني لكل من يسجل عنوان بريده في خانة الخدمة.
كما يقدّم الموقع دراسات ومقالات تتعلق بالإسلام والمسلمين، ومن موضوعاتها: الأسباب التي لأجلها يصعب تنصير المسلمين (١) - الطرق المثلى لفهم كيفيّة تفكير المسلمين لأجل اتخاذ طرق ناجعة لإقناعهم بالنَّصرانيَّة (٢) - إطلاق جرس الإنذار من تزايد المدّ الإسلامي في البلاد النَّصرانيَّة كالمملكة المتحدة (٣) - كيفيّة الرد على المسلمين الذين يهاجمون أصول المعتقدات النَّصرانيَّة (٤). إلى غير ذلك من الموضوعات التي تتناول الإسلام والمسلمين.
وهكذا نجد أنّ الجهد التَّنصيري من خلال هذا الموقع ضخم جداً؛ إذ يوفر الموارد الكثيرة والمتنوعة بهيئة جاهزة للعرض.
стр. 43
ويلمس المطلع على هذه الموارد درجة الإتقان والتخصصيّة العالية فيها، كما يدرك نشاط القائمين على الموقع في تحديث المحتويات باستمرار.
المظهر الرّابع: إقامة المؤتمرات المخصصّة للتنصير عبر الشّبكة
في عام واحد؛ هو العام الميلادي ٢٠١٠، هناك تخطيط وتنظيم لإقامة عدة مؤتمرات لمناقشة آليات العمل التَّنصيري الذي يؤدى من خلال الشبكة العالمية (١).
ونذكر من هذه المؤتمرات على سبيل التّمثيل:
أولاً: المؤتمر المسيحي للإعلام الجديد.
يقام في لندن، في شهر أكتوبر، وهو مؤتمر سنوي ابتدأ عقده من العام الميلادي ٢٠٠٧. ومن الموضوعات التي يناقشها: الكنيسة وشبكة الإعلام- مسائل العقيدة في وسائل الإعلام الجديدة- مستقبل الإنترنت ووسائل الإعلام الجديدة- كيفية الاستفادة القصوى من البريد الالكتروني ومواقع الإنترنت والشبكات الاجتماعيّة على الإنترنت- كيفيّة الوصول لفئة الشباب من خلال هذه الوسائل (٢).
ثانياً: مؤتمر وسائل الإعلام على الإنترنت.
يقام في شهر نوفمبر، في ولاية نورث كارولينا الأمريكيّة. ومن الموضوعات التي يناقشها: كنيستك ووسائل الإعلام الاجتماعيّة- كيف تشكل رسالتك عبر وسائل الإعلام الاجتماعيّة- قياس نجاح وسائل الإعلام الاجتماعيّة (٣).
ثالثاً: مؤتمر حكومة الإنترنت ( Internet Ministry Conference).
يقام في شهر أكتوبر، في الولايات المتحدة الأمريكية. ومن الموضوعات التي يناقشها: تفعيل وسائل الإعلام الاجتماعيّة الجديدة- التربية والتعليم والتلمذة على الإنترنت- أدوات دراسة الكتاب المقدس على الإنترنت- مستقبل الإنترنت: ٢٠١١ وما بعدها- كيفيّة تفعيل
стр. 44
البريد الالكتروني (١).
هذه أمثلة على بعض المؤتمرات التي وقف الباحث على التخطيط لإقامتها في عام واحد.
وهناك مؤتمرات أخرى مقرّرٌ إقامتها.
منها مؤتمر الإنترنت النصراني الأوروبي السادس عشر؛ وقد خطط لعقده في ألمانيا، منتصف شهر يناير ٢٠١١م. وهو مؤتمر يتبع تحالف الكنائس اللوثريَّة، ويُعنى بالتَّنصير عبر الإنترنت.
وهناك المؤتمر السّنوي الذي تقيمه رابطة من التقنيين وعلماء الإنجيل والعاملين في مجال الاتصالات، يُرمز لها باسم ( GIEN).
تأسست هذه الرابطة في العام الميلادي ٢٠٠٤ بهدف تعزيز رسالة الكنيسة من خلال الاستخدام المبتكر لتكنولوجيا الإنترنت المعاصرة؛ كما ينصُّ عليه موقع الرّابطة على الشبكة. وفي سبيل تحقيق هذه الرسالة تمنح الرابطة جائزةً سنويّةً للكنائس والمؤسسات المتميزة في العمل التَّنصيري من خلال الشبكة (٢).
المظهر الخامس: قوة المحتوى التَّنصيري على الشبكة
لا يجد المطّلع على الشبكة العالميّة تردداً في الجزم بقوة المحتوى النصراني فيها بشتى اللغات كمًّا وكيفاً.
وللتمثيل على الكم العددي لهذه المواقع باللغة العربية؛ فإنّ "دليل المواقع العربيّة المسيحية" (٣) فيه ما يزيد عن ستمائة وستين موقعاً. ومثله "دليل المواقع القبطيّة العربيّة" (٤) فيه أكثر من أربعمائة موقع.
стр. 45
وأمّا اللغات الأخرى فيضم بعضها أضعافاً مضاعفة لهذه الأعداد. فعلى سبيل المثال؛ باللغة الإنجليزيّة، يضم دليل "موقع ياهو" ما يزيد عن خمسة وعشرين ألف موقع تحت تصنيف"الديانة النَّصرانيَّة" (١).
وهناك "دليل الوصلات المضيئة" ( Light Links)، ويضم ألفي موقع ديني (٢)، و"دليل المواقع النَّصرانيَّة" ويحوي مئات المواقع (٣).
وهناك موقع يتميز بقوة طرحه؛ هو "شبكة مواقع الكنيسة"، ويضم تحالفاً من قرابة أربعين موقعاً متميّزاً (٤).
وللتمثيل على المواقع الفرنسيّة؛ فإنّ "بوابة المواقع النَّصرانيَّة الفرنسيّة" تحتوي على أكثر من ألفي موقع (٥).
وأمّا من ناحية المحتوى فإنّ هذه المواقع تتّسم -في الغالب- بجمال التصميم، وغزارة المحتوى، والتركيز على استخدام الوسائط المتعددة كالأناشيد الدينيّة والملفات المرئيّة والسمعية، وتعدد اللغات، وتعدد الفئات المستهدفة من رجال ونساء وأطفال، والتركيز على الجوانب العاطفيّة، والإكثار من قصص المتحولين للنصرانيّة أو من وجدوا السعادة وتفريج الكربات بقوة تمسكهم بالإنجيل –كما تذكر هذه المواقع-، واستخدام طرق من الحيل والأكاذيب والغرائب. وهناك تركيز على الخدمات التفاعليّة للشبكة (٦). إلى غير ذلك من السّمات التّي هي في مجملها نواحي قوة لهذه المواقع.
стр. 46
المظهر السادس: تسخير الشبكة لخدمة الوسائل التَّنصيريّة الأخرى
الوسائل التَّنصيريّة التي استفاد منها المنصرون لسنوات عديدة جداً؛ كل واحدة منها تكاد تكون محصورة في ذاتها إلا وسيلة الشبكة.
فالمطبوعات تؤدي رسالتها إذا قرأها الشخص، والإذاعة إذا استمع إليها، والقنوات الفضائيّة إذا شاهدها من استهدف بالتَّنصير، والأنشطة التعليميّة والاجتماعيّة محصورة فيمن يشارك فيها. وأمّا الشبكة العالميّة فقد جمعت كُلّ هذه الوسائل تحت مظلتها.
ولهذا واصل المنصرون جهودهم عبر المطبوعات من خلال الشبكة، فنشروا كتابهم المقدس، والمجلات والكتب والنشرات الدينيّة. وما أكثر الكتب الدينيّة التي تزخر بها مواقعهم على الشّبكة بشتى اللغات! (١)
وأمّا الأنشطة التعليميّة فقد وجدت الميدان الرّحب المفتوح، فأنشأتِ المدارسُ والمعاهدُ والكليّاتُ والجامعاتُ مواقعَ لها تنشر من خلالها رسالتها، وتتواصل مع طلابها، وتنفذ برامج التعليم عن بعد، لتصل إلى مجموعات من الدارسين لم تكن لتصل إليهم بطريقتها القديمة التقليدية؛ مبنى في بقعة جغرافيّة يفد إليه الدارسون.
وظهرت هناك مواقع تعليم الكتاب المقدس والعقيدة النَّصرانيَّة من خلال الشبكة، وغالبها بلا مقابل مادي (٢).
وواصل المنصرون عملهم عبر الإذاعة من خلال الشبكة، فأنشؤوا مواقع لمحطاتهم الإذاعيّة، تنشر البث الإذاعي الحي، وتعرف بالبرامج وأوقات بثها وطرق التواصل مع إدارة المحطات (٣).
стр. 47
وهكذا الحال مع القنوات الفضائيّة التي أنشأت لها مواقع إلكترونيّة تتيح من خلالها المشاهدة الحيّة أو المسجلة للبرامج، وتعرف ببرامجها وأوقات عرضها وتتواصل مع مشاهدي القناة (١).
والمؤتمرات التَّنصيريّة وجدت في الشبكة فرصاً لتبادل الأبحاث وأوراق العمل، والتواصل مع المشاركين في المؤتمر قبل عقده بسنوات، وذلك لضمان التحضير القوي الذي يُنتج من القرارات ما يخدم العمل التَّنصيري.
وهذا ما نجده مثلاً في الموقع الالكتروني للقاء الذي عقد في عام ٢٠٠٤م للتحضير لمؤتمر لوزان الثالث المقرر عقده في جنوب إفريقيا عام ٢٠١٠م (٢)، حيث يطرح قرابة خمس وستين ورقة عمل ويطلب إبداء الملاحظات عليها.
ومثال آخر لخدمة المؤتمرات، الموقع الالكتروني لمؤتمر نيوزيلندا، المقرر عقده آخر شهر فبراير من العام الميلادي ٢٠١٠، حيث نجد عرضاً لموضوعات النقاش، وإتاحة للتسجيل من خلال الشبكة، وبريداً إلكترونيًّا للتواصل مع المنظمين، إلى غير ذلك ممّا يعَرِّف بالمؤتمر وأهدافه وفعالياته (٣).
ولعل من العسير استقصاء جوانب اهتمام المنصِّرين بهذه الوسيلة التقنية الحديثة. وكل ما ذكر في هذا المبحث مجرد إضاءات على الموضوع، وأمثلة تقرب الصورة.
والحقُّ أنّ الاهتمام الذي يوليه النّصارى لخدمة دينهم من خلال الشبكة هو أمر ملحوظ، وله تميزه من عدة جوانب.
من أهمها الجانب التنظيمي المؤسسي، المبني على العمل الجماعي المخطط له وفق رؤية
стр. 48
ورسالة محددة، بعيداً عن الجهود الفرديّة التي يصحبها –غالباً- الضعف والفتور والتعارض والتكرار.
ومن هذه الجوانب دراسة الفئة المستهدفة، ومعاملتها بما يغلب على الظن فعاليته معها.
ومنها تنوع الوسائل وكثرتها، وصرف الأوقات والأموال والجهود الكبيرة، واستنهاض الهمم وإشعال العواطف.
وسوف تتضح هذه الأمور عند دراسة الجهد التنصيري من خلال خمس من الخدمات التفاعليَّة للشَّبكة، وهو ما سيوضحه الفصل التّالي من البحث.
стр. 49
الفصل الأول
طرق التّنصير عبر الخدمات التّفاعليّة
وفيه تمهيدٌ وخمسةُ مباحث.
تمهيد: اهتمامُ المنصرين بالخدمات التّفاعليّة.
المبحثُ الأول: التّنصيرُ عبر المنتديات الحواريّة.
المبحثُ الثاني: التّنصيرُ عبر المجموعات البريديّة.
المبحثُ الثالث: التّنصيرُ بواسطة خِدمات المحادثة.
المبحثُ الرابع: التّنصيرُ عبر مواقع الشّبكات الاجتماعيّة.
المبحثُ الخامس: التّنصيرُ عبر مواقع مشاركة الملفات المرئيَّة.
стр. 50
التمهيد: اهتمام المنصِّرين بالخدمات التّفاعليّة
تبيّنَ لنا في المبحث الثالث من التمهيد الرئيسي للرسالة الاهتمامُ الكبير الذي يُبديه المنصرونَ تجاه الشبكة العالميّة بصورة عامّة، وتظافرُ أقوالهم النَّاطقة بذلك، وتعددُ أفعالهم المترجمة لهذا الاهتمام.
ولما كانت الخدمات التّفاعليّة مِن أهمِّ ما تُتيحه الشبكة للمستخدمين -وهي محلُّ البحث- كان من اللازم التَّعريفُ بها، وبيانُ أسبابِ اهتمام المنصرين بها، ودلائلُ ذلك ممّا نُقِل من أقوالهم، وعُرِف من أفعالهم.
وبيان ذلك في المطالب التّالية:
المطلب الأول: التَّعريف بالخدمات التّفاعليّة
لم أجد خلال بحثي في كتب مصطلحات الحاسب والشبكة مصطلحاً محدداً بهذه المفردات، وإنما أَوْرَدْتُهُ اجتهاداً للتفريق في وصف واقع جيلين من أجيال الشبكة.
فالجيلُ الثاني للشبكة، الذي يطلق عليه -بالإنجليزيّة- مصطلح ( Web ٢) ، كان أهمَّ سماته؛ تغيرُ واقع الاتصال بين الخدمة والمستفيد.
فإذا كانت السِّمة الطاغية قبل نشوء هذا المصطلح هي اتجاه المعلومة من الخدمة إلى المستفيد اتجاهاً أحادياً كما في مواقع الشبكة في تلك الفترة؛ فإنّ الاتصال بعد ذلك أصبح بين الخدمة والمستفيد في اتجاهين معاً، فأصبح الشخصُ مُرسِلاً ومُستقبِلاً في ذات الوقت (١).
وللوصول إلى تعريف هذا المصطلح فإنَّنا نعرفه باعتبار جزأيه فنقول:
الخِدْمات: جمع خِدمة. وهي في اللغة مصدرٌ من الفعل خَدَمَ.
وأصل الخدمة الإطافةُ بالشيء، ومنه سمي الخلخال خَدَمَةً لإحاطته بالرِّجل، ثم كثر ذلك حتى سمي الاشتغال بما يَصلح به شأن المخدومِ؛ خِدْمةً. وقيل إنّ خدمة بالفتح مصدر،
стр. 51
وبالكسر اسم (١).
ولم أجد في المعاجم اللغوية القديمة أنّ كلمة خِدْمة تجمع على خِدْمَات، إلا أنّ صاحبَ "صبح الأعشى" أورد هذه الكلمة مضبوطةً فقال: «وأمراءُ الجيوش فَهُمُ السورُ الواقي بين يدي كل سور .. وما منهم إلا له خِدْمات سَلَفت، وحقوقٌ عُرفت» (٢).
وأمّا المعاجم الحديثة ففيها التّصريح بهذا الجمع. ولذا يرى صاحب "معجم الصّواب اللغوي" بأنّ جمع خِدْمة على "خِدْمات" فصيح، وعلى "خِدَمات" أو "خِدِمات" فصيحٌ مهمل، وعلى "خَدَمات" غير صحيح، معللاً ذلك بقوله: «عند جمع "فِعْلة" صحيحة العين واللام جمعَ مؤنث سالم، فإنّ فاءَها لا يتغيرُ ضبطُها، أمّا عينها فتبقى ساكنةً كما هي، ويجوز فيها الفتح والإتْباع لحركة الفاء» (٣).
وفي ضوء ما سبق؛ يمكن أن تُعرّف الخِدْماتِ بأنّها الوسائل والطُّرق التي تُقضى بها حاجاتُ المخدوم -وهو هنا مستخدم الشّبكة- بما يُصْلِحُ شأنَه ويحققُ مصالِحَه.
وأمّا التّفاعليّة: فهي في اللغة نسبة إلى التفاعُل.
والتفاعل في الميزان الصرفي مصدرٌ يُصاغ بزيادة تاءٍ في أول الفعل، وألفٍ بين فاء الفعل وعينه (٤). ويجوز في كل شيء يشترك فيه فاعلان، نحو تخاصموا وتطاعنوا (٥).
وأمّا في الاصطلاح فهي سمة مميزة للاتصال الشخصي من خلال وجود رجع صدى فوري.
وهي سمةٌ أساسية في الشبكة العالمية تميزها عن غيرها من وسائل الاتصال، وذلك من
стр. 52
خلال بعض أدواتها الاتصالية كغرف المحادثة، والمنتديات، وغيرها (١).
وقد عُرِّفت التّفاعليّة بتعريفات عدّة؛ خلاصتها: أنها سمة لاتصال تبادلي ذي اتجاهين بين المرسِل والمستقبِل بشكل تزامني أو غير تزامني.
وعليه؛ فللتفاعليّة شكلان. شكلٌ تزامنيٌّ يكون الإرسال والاستقبال فيه في الوقت نفسه، كما في مواقع المحادثة، سواءً كانت كتابيّة أو صوتيّة أو مرئيّة. وشكل غير تزامنيٍّ يتأخر الإرسال فيه عن الاستقبال، كما في المنتديات الحواريّة.
وفي الاتصال غير التزامني يمكن للفرد أنْ يُعدِّل ويراجعَ الرسالةَ الاتصاليّة أكثر من مرة قبل إرسالها إلى الطرف الآخر، حتى تصل بالشكل والمعنى الذي يرغبه. وهذه الميزة لا توجد في الاتصال الشّخصي (٢).
وبعد تعريف شِقَّي مصطلح "الخدمات التّفاعليّة" كلٌّ على حدة، يمكن أنْ تُعرَّف الخدمات التّفاعليّة للشبكة العالميّة بأنَّها: أدواتُ الشبكة العالميّة التي تتيح اتصالاً تبادليًّا، ذا اتجاهين بين المرسِل والمستقبِل، بشكل تزامنيٍّ أو غير تزامني.
المطلب الثاني: أسباب اهتمام المنصِّرين بالخدمات التّفاعليّة
سبق في المبحث الثالث من التمهيد الرئيسي للرسالة بيان أسباب اهتمام المنصِّرين بوسيلة الشبكة العالمية.
وما ذكر هناك من أسباب، هو داخل في هذا المطلب، لأنَّ الخدمات التّفاعليّة جزءٌ من أدوات الشبكة، غير أنّ هناك ما تختص به هذه الخدمات دون غيرها. ومن ذلك:
أولاً: أنَّ جُلَّ اهتمام غالبية مستخدمي الشبكة مُنْصَبٌّ على الخدمات التّفاعليّة.
يظهر ذلك باستعراض ترتيب المواقع التي يفوق الدخول إليها باقي المواقع. فباستعراض
стр. 53
هذا الترتيب (١)، نجد نصف المراكز العشرة الأولى لمواقعَ خدمات تفاعليّة، والباقي لمحركات بحث.
فالمركزان الثاني، والعاشر، لموقعي فيسبوك ( FaceBook) وتويتر ( Twitter) ، وهما من مواقع الشبكات الاجتماعيّة. والمركز الثالث لموقع تشارك الملفات المرئيّة يوتيوب ( YouTube) . والمركزان السابع والثامن، لموقعي ويكيبيديا ( Wikipedia) وبلوقر ( Blogger) ، وهما من مواقع المدونات.
وهذا يعطينا إشارةً إلى الكم العددي للأشخاص الذين يستخدمون هذه الخدمات.
ويكفي في هذا أنْ نذكر أنّ عدد المسجلين في موقع الفيسبوك تجاوز النصف مليار منتصف العام ٢٠١٠م، ولا زال العدد في تزايد مستمر، إلى الدرجة التي أصبح فيها الموقع يشكل ثالث بلد في العالم من حيث السكان بعد الصين والهند، وقد يتجاوزهما قريباً، وهو تعبير مجازي لكثرة عدد مستخدمي الموقع، الذي يخدم مائة لغة، ويُمضي المستخدمون للشبكة نصفَ أوقاتهم تقريباً بين صفحاته (٢).
ثانياً: أنّ هناك قوةَ طرحٍ هائلة في هذه الخدمات، من حيث عدد التدوينات، والصور والملفات المرئية المتبادلة، وموضوعات النقاش والرد، وملفات التحادث النصي والصوتي والمرئي، وغيرها.
ويعطي الجدول التفاعلي في موقع " www.ecic.org" بيانات تُحَدَّثُ كلَّ ثانية ابتداءً من لحظة دخولك إلى الصفحة.
وهذه الإحصاءاتُ -وإن كان الجزم بدقتها فيه نظر- إلا أنها تعطي دلالات على ضخامة محتوى الطرح. فخلال ٤٢٠ ثانية (٧ دقائق) (٣)، تشير الصفحة إلى أكثر من ٤ آلاف مشترك جديد في الفيسبوك، وقرابة ٤٠٠ ألف صورة جديدة فيه. وقرابة نصف
стр. 54
مليون إضافة في موقع تويتر، و ١٤٥٠ مشترك جديد فيه. وحوالي ١٠ مليون ملف مرئي شوهد عبر اليوتيوب، ومليوني دقيقة اتصال عبر ( Skype) . وغير ذلك من الإحصاءات.
ومثله موقع الإحصاءات " www.worldometers.info/ar" الذي يبين عدد مستخدمي الشبكة في لحظة البحث، وعدد التدوينات ورسائل البريد الالكتروني وطلبات البحث في محرك البحث " google" في نفس اليوم.
وبصرف النظر عن مدى دقة هذه الإحصاءات -كما أسلفنا- فإنها تعطي بوضوح إشارةً على كم البيانات الهائل الذي يُدفع إلى الشبكة عبر هذه الأدوات.
ويزيد الأمر وضوحاً إدخالُ المفردات الشائعة الاستخدام عند النّصارى في مواقع الخدمات التّفاعليّة أو محركات البحث، والنظرُ إلى حجم النتائج (١).
فعلى سبيل المثال: لو بحثنا عن مفردة "يسوع"، وهو الاسم الذي يطلقه النّصارى على المسيح ﵇، فإنّنا سنجد أكثر من مليوني نتيجة في محرك البحث " google"، وأكثر من خمسة آلاف ملف مرئي في يوتيوب، ومئات المجموعات وآلاف المستخدمين في موقع فيسبوك.
ثالثاً: أنَّ الاتصالَ التفاعليَّ -الذي يَظهر في الشبكة بأقوى صُوَرِهِ- مكّن مستخدم الشبكة من الاتصال المباشر مع الأفراد والجماعات في مختلف أنحاء العالم (٢).
ولهذا يقول خبير الاتصالات "سينثا وير Cyntha Ware": « التواصلُ عبر الإنترنت هو أسرعُ وأرخصُ وسيلةٍ للتواصل مع مجموعات كبيرة من النّاس» (٣).
لقد أضحت الشبكات الاجتماعية اليوم تشكل أفضلَ وسيلة على الشبكة للتواصلِ مع الآخرين، أو تكوينِ صداقات جديدة، أو الحصولِ على الأخبار والمعلومات والبحوث، أو
стр. 55
تشاركِ الآراء والأفكار، أو حتى مجرد التسلية واللعب (١).
ولهذا فإنّه كلما وُجدت لغةُ حديثٍ مشتركة كان بالإمكان -من خلال الخدمات التّفاعليّة- أن يلتقي المنصر بالمدعوين من سائر بلاد العالم، وأن يمارسَ معهم العمل الدعوي وهو في بيته لم يغادره.
رابعاً: أنّ الاتصالَ التفاعليَّ يتسمُ بصفات تأثيريّة لا تكاد توجد في غيره.
فمنها أنّه يتيحُ الحوارَ والنقاش وتبادل الآراء حول سائر الموضوعات، وفي جملتها المعتقدات والشعائر، بحرية كاملة.
ومنها أنّ في بعض أدواته مشابهة للاتصال الشخصي، وذلك في خدمات المحادثة الصوتيّة، التي يتمكن من خلالها المنصِّر من الالتقاءِ بالمدعو مباشرة، وممارسةِ الخطاب الدّعوي معه، وتلقي ردوده ومن ثمّ الإجابة عليها، في صورةِ رجعِ صدى فوري.
وهنا يكون للبيان اللغوي ونبرات الصوت وتعابير الجسد والإشارات أثرها الكبير، وخصوصاً إذا احتوت المحادثة على الخدمات المرئيّة بحيث يرى كل طرفٍ الطّرف الآخر.
ومنها أنّ هذا الاتصال يتم في أماكنَ افتراضيّة يلتقي فيها أتباعُ الأديان والنّحل والمذاهب المختلفة، وكذا أهلُ الإلحاد والزّندقة والمتجردون من كُلِّ معتقد.
وهؤلاء فيهم البسيط الجاهل، وفيهم من أوتي جدلاً ومعرفة بوسائل التأثير في الآخرين وهزّ قناعاتهم. وفيهم القادر على التأثير -كما أسلفنا-، وفيهم القابل للتأثر (٢).
стр. 56
ومن السمات التأثيريّة للاتصال التفاعلي أنّ فيه ما يسمى بالصوت الجماعي. وهذا الصوت الجماعي له أثره في تغيير القناعات. فإذا كان غالبُ التعقيبات التي يكتبها المستخدمون بعد موضوعٍ ما تصبُّ في اتجاه معين -ولو كان باطلاً-، فإنّه قد يكون لها وقعٌ في نفس القارئ.
المطلب الثالث: دلائل اهتمام المنصِّرين بالخدمات التّفاعليّة
في هذا المطلب نستعرض ما نُقل من أقوال المنصرين، وما عُرف من أفعالهم، ممّا يتعلق بالخدمات التّفاعليّة للشّبكة، لنستبين مدى اهتمامهم بهذا الشأن.
وقد تقدَّم في التمهيد الرئيسي للرّسالة قولُ خيسوس كولينا، في المؤتمر العالمي للإعلام الكاثوليكي المنعقد في مدينة روما في شهر أكتوبر من العام ٢٠١٠م: «إنّ إنتاج المضامين الصادرة مباشرة عن المستخدمين الأفراد، لاقى خلال السنوات الأخيرة نجاحاً كبيراً -مشيراً بذلك إلى مواقع ويكيبيديا، يوتيوب، فيسبوك، تويتر، قوقل نيوز، وغيرها من الخدمات- ولا
стр. 57
بد للكنيسة من أن تتماشى مع العصر وأن لا يسبقها قطار التفاعل الرقمي» (١).
وهو بهذا يشير إلى خمسةٍ من أهم المواقع العالميّة التي تتيح لمستخدمي الشبكة فرصةَ نشر ما لديهم من نتاج، أيًّا كان نوعه، في هيئة نصوص مكتوبة، أو ملفات صوتية أو مرئيّة، أو صور، أو غير ذلك.
وقبله، كان كبير الكاثوليك، بابا الفاتيكان، قد زار البرازيل في عام ٢٠٠٧م، وقال مخاطباً وسائل الإعلام: «لأنَّه بواسطة وسائل الإعلام بإمكان كلماتي وتعابيرِ محبتي الدخول إلى كل بيت وقلب» (٢).
وإذا كان كلام البابا لا يورد تفصيلاً لكيفيات التأثير على كل قلب، فإن القمص (٣) أثناسيوس جورج (٤) يفصح عن هذا فيقول: «لا شك أنّ النوعيةَ الهائلة في الإعلامِ الالكتروني، والبثِّ المرئي، واقترانِ الثورة المعلوماتية بالثورة المرئية، جعلت بيئةَ الإنسان تتشكل بفعل الإعلام المعاصر، والذي بات يشكل وعيَ ووجدان الناس عبر نقل الرسالة الإعلامية إلى الحد الذي يتطابق فيه الزمان مع المكان.
بمعنى أنه في لحظة حدوث الحدث يتم الإعلان عنه مباشرة أيًّا كان موقعه، مما زاد التفاعلات بين المرسِل والمرسَل إليه، مع معرفة ردود الأفعال مع ما يبث مباشرة، في دمج وتزاوج الوسائط الالكترونية " Multi Media" عبر الأقمار الصناعية وأنظمة الإرسال التلفزيوني والإنترنت واليوتيوب والفيسبوك والتويتر ..
إنّ رسالتنا في الإعلام المسيحي تتحقق كمًّا وكيفًا متى وظّفنا التقنيات بطريقة حرفية ومهنية لتقدم الرسالة والرؤية الواضحة لحياتنا ومسيرتنا» (٥).
стр. 58
وهكذا نجد هذا الهم –الذي ختم به القمص كلامه- همًّا مشتركاً لدى سائر الجهات النصرانية التي تعنى بالإعلام، كما سطرته عبارة اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، التابعة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان (١)، حين جعلوا من مهامهم: "استخدام وسائل الإعلام، وسائر وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة لنشر التعاليم المسيحية من كل نواحيها، ونشر الخبر الديني والمسيحي في لبنان والبلاد العربيّة وبلاد الانتشار" (٢).
أمّا موقع "اليوم العالمي للتنصير عبر الإنترنت" فيفصح عن إحدى قناعات القائمين عليه، فيقول: "يؤمن موقع اليوم العالمي للتنصير بشدة بأنَّ الإنترنت هي أداة أعطانا الله إياها للبشارة والتلمذة" (٣).
وبعد أنْ يستعرضَ العديدَ من الخدمات التّفاعليّة للشبكة يقول: "ولهذا فإنّ فرص التبشير على الإنترنت واسعة جداً وكثيرة" (٤).
ونختم هذه المقتطفات القوليّة بكلام القمص زكريا بطرس حين ذكر أنّه قرأ للمنصر الأمريكي بيلي جراهام كلاماً حماسيًّا حول مشروع موجه لتنصير المسلمين في السعوديّة، وأنّه تحمس لذلك وسعى لدخول البلاد السعوديّة دون جدوى، إلا أنّه مع تقنية البالتوك تمكن من الدخول إلى قلب مكة والمدينة، وحاور فيها مسلمين، ودعاهم إلى النصرانيّة. ثم يقول: «إنّ الله يفتح مجالات لا بد أن تستغلها، ومنها البالتوك» (٥).
стр. 59
وأمّا الجانب العملي فالدلائل فيه كثيرة جداً. ومنها على سبيل المثال:
أولاً: تركيز موقع "اليوم العالمي للتنصير عبر الإنترنت" –وهو مرجع قوي في بابه- على جانب الخدمات التّفاعليّة للشبكة، فنجد في الموقع:
- نافذة مخصصة لموقع الفيسبوك، تشرح كيفيّة عمل الموقع، والجوانب التي توضح أهميته ومكانته، والأسباب التي تجعل التّنصير من خلاله ذا أهمية قصوى. ثم تُسهب في بيان النصائح التي تحقق تنصيراً فعّالاً عبر هذا الموقع (١).
- نافذة مخصصة لموقع تويتر، تبين كيفية عمل هذا الموقع، وتشرح الطرق المثلى لاستخدامه في نشر النصرانية (٢).
- نافذة مخصصة للشبكات الاجتماعيّة، تَذكر أهمية هذه الخدمة، وتُقدم نصائح للطرق المجدية في التّنصير عبر هذه الشبكات (٣).
- نوافذ لخدماتٍ أخرى يمكن الاستفادة منها في نشر النصرانيّة، كمواقع تدريس اللغة الإنجليزيّة، والمنتديات الحواريّة، والمدونات، ومواقع الأجوبة (٤)، والمواقع التي تتيح وضع محتوى مثل فليكر (٥) ويوتيوب وويكيبيديا (٦).
- نافذة مخصصة لشرح كيفية التّنصير عبر غرف المحادثة، مع إيراد قصصٍ لأشخاص
стр. 60
سجلوا نجاحات بأن جلبوا للنصرانيّة أتباعاً جُدَدًا عبر هذه الخدمة (١).
- نافذة مخصصة لما يسمى بالعالم الثاني، أو العالم الافتراضي، أو الحياة الثانية (٢) ( Second Life). ويشرح الموقع كيف يمكن أن تشتري لك أرضاً في هذا العالم، وتبني لك مدينةً تؤسس فيها كنيستك، ثم تدعو الأصدقاء أو غيرهم للدخول لكنيستك ومشاركتك الصلاة.
ويورد الموقع قصصاً لمن نجح عبر هذه الوسيلة في التّنصير، كقصة الداعية النصراني "مات " Matt الذي تحدث لمدة ساعتين في أحد مقاهي الحياة الثانية مع شخص التقى به هناك حول أسس العقيدة النصرانيّة، وكَسَب بعض قناعات الطرف المدعو (٣).
ثانياً: الواقع العملي لاستخدام منافذِ وأدواتِ الخدمات التّفاعليّة لأغراض التّنصير، وهو ما يسعى هذا البحثُ لبيانه فيما يتعلق بالمنتديات الحواريّة، والمجموعات البريديّة، ومواقع المحادثة، ومواقع الشبكات الاجتماعيّة، ومواقع تشارك الملفات المرئيّة.
وهناك أدواتٌ أخرى لا زالت الحاجةُ قائمةً لدراستها، كالمدونات، ومواقع الإجابات، ومواقع تبادل الصور، ومواقع الحياة الافتراضيّة، وغيرها.
ثالثاً: الواقع العملي لبعض المنصرين الذين سخَّروا بعضَ الخدمات التّفاعليّة لخدمة أعمالهم الدّعوية.
ولعلّ من أبرز هؤلاء القمص زكريا بطرس، حيث قام بإنشاء غرفة له في برنامج
стр. 61
البالتوك سنة ٢٠٠١م (١)، ولا يزال منذ ذلك التاريخ يمارس نشاطه من خلالها بواقع ثلاثة أيام في الأسبوع. وقد وضع في موقعه الشخصي تسجيلاً لمعظم حلقاته خلال هذه السنوات (٢).
رابعاً: إقامة المؤتمرات والمعارض التي تُعنى بكيفيّة الاستفادة من الوسائل الإعلاميّة في العمل الدعوي التّنصيري.
ومنها مؤتمر نشر النصرانيّة عبر المدونات، الذي عقد في يناير ٢٠٠٥م في الولايات المتحدة الأمريكيّة (٣).
ومنها المعرض السنوي للإعلام المسيحي، الذي ينظمه الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة- فرع لبنان.
ويهدف هذا المعرض –كما نص القائمون عليه- إلى تشجيع المؤسسات المختلفة على الاهتمام بالإعلام ودعمه ليقوم برسالته من أجل نشر كلمة الله والحق والإنسان في بشارة جديدة ومتجددة، وإلى محاولة تطوير الإعلام المسيحي وتحصينه ضد التحديات، وإلى تشجيع طلاب المدارس والجامعات لاستخدام وسائل الإعلام في البشارة (٤).
والأمثلة على هذه المعارض والمؤتمرات والندوات كثيرة جداً.
وبهذا يتبين تظافرُ أقوالِ المنصرين وأفعالِهم على الاهتمام الواضح بالوسائل الإعلاميّة بشكل عام، وبوسيلة الشبكة بشكل خاصّ، وبالخدمات التّفاعليّة للشبكة بشكل أخص.
ولهم –كما تبين- جهودٌ كبيرةٌ متنوعة في التَّعريف بهذه الخدمات، وتبيين أنجح الوسائل التي دلّت التجارب على تأثيرها في نفوس المدعوين.
كما أنّ هذه الجهود تتسم بالتنظيم، وتندرج تحت اتحادات وهيئات ومؤسسات تؤلف
стр. 62
بينها، وتوفر لها الدعم الماديّ والاستشاري والتقني والفني.
وهذا الفصلُ من الدراسة خصص للتفصيل في خمس خدمات تفاعليّة تتيحها الشبكة، لتبيين طرق نشر النصرانية من خلالها. وبيان هذا في المباحث الخمسة التالية.
стр. 63
المبحث الأول: التنصير عبر المنتديات الحواريّة
المنتديات الحواريّة واحدةٌ من أقدم الخدمات التفاعليّة التي حظيت بإقبال كبير جداً من المستخدمين أولَّ ظهورها. ثم قلّ هذا الإقبال -بدرجةٍ ما- مع مزاحمة باقي الخدمات التفاعليّة التي ظهرت بعد ذلك (١).
وقبل الدخول في دراسة العمل التنصيري من خلال المنتديات، يحسن تقديم تعريف موجز بها، وذلك في المطلب التّالي.
المطلب الأول: التَّعريف بالمنتديات الحواريَّة
المسألة الأولى: التَّعريف اللغوي والاصطلاحي
أولاً: التَّعريف اللغوي
المنتديات جمع منتدى، وهو في اللغة: مجلس القوم ومتحدَّثهم ما داموا مجتمعين فيه. ومثله في المعنى: النّدوة، والنّادي، والمتندّى. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (٣)، ومنه سميت دار النّدوة بمكة لأنهم كانوا يَنْدُون فيها، أي يجتمعون للمشاورة (٤).
قال ابن فارس: «ندى: النون والدال والحرف المعتل يدل على تجمّع .. » (٥).
والحوار في اللغة: من المحاورة، وهي: المجاوبة ومراجعة النطق والكلام في المخاطبة، وقد حاوره وتحاوروا: تراجعوا الكلام بينهم (٦). ومنه قول الشّاعر:
стр. 64
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... أو كان يدري ما جوابُ تكلُّمي (١)
ثانياً: التَّعريف الاصطلاحي
وأمّا المعنى الاصطلاحي للمنتديات الحواريّة على الشبكة العالميّة؛ فقد عُرِّف المنتدى بأنّه «موقع على الإنترنت يجمع الأشخاص من ذوي الاهتمامات المشتركة ليتبادلوا الأفكار والنقاش عن طريق إنشاء موضوع من قبل أحد أعضاء المنتدى، ومن ثم يقوم باقي الأعضاء بعمل مشاركات وردود داخل الموضوع للنقاش مع صاحب الموضوع سواء بشكره .. أو نقده والتعليق على ما كتبه فيه» (٢).
وهناك تعريف ثان يرى أن المنتدى «موقع على الإنترنت يقوم بتنظيم مشاركات مجموعة من الأعضاء يَنْظَمُّون عن طريق آلية معينة (التسجيل) وتكون المشاركة إمّا بالنصوص أو الوسائط المتعددة أو البرامج» (٣).
ويرى الباحث أنّ التَّعريف الأنسب؛ أن يقال: المنتديات الحواريّة هي تجمُّعٌ مكاني افتراضي (٤) على شبكة المعلومات العالميّة، لأناس يشتركون في جانب من الاهتمامات، عبر شكل من أشكال المواقع على الشبكة، يُمَكِّن العضو من كتابة موضوع يقرؤه بقية الأعضاء ويكتبون عليه ردودهم ومناقشاتهم.
المسألة الثانية: نظرة على المنتديات
على الرغم من كثرة المنتديات؛ إلا أنها متشابهة من حيث المظهر؛ فإنّ كل منتدى يضم أقساماً عديدة مختلفة الاهتمامات، وذلك حرصاً على ضم أكبر عدد من الأعضاء ممّن تلبي فروع المنتدى وأقسامه كل جوانب اهتماماتهم.
تحدد إدارة كل منتدى ضوابط وشروط التسجيل، وتعين مشرفاً أو أكثر لكل قسم فيه
стр. 65
للتحقق من الالتزام بهذه الضوابط. ويكون حق القراءة متاحاً لكل أحد؛ بينما يقتصر إدراج الموضوعات أو التعليق عليها للمسجلين. والتسجيل بلا مقابل إلا أنه يضمن لإدارة المنتدى وجود عنوان بريد إلكتروني (١) لمن يُعطى عضوية المنتدى.
تُساهم هذه المنتديات في نشر المعرفة الفكريّة، والخبرات في شتّى المجالات؛ لما تيسّره من لقاء العلماء والمتخصصين وطلبة العلم وغيرهم، بنظرائهم في بلاد العالم المختلفة.
ويُقبل النّاس عليها لما توفره من مساحةِ حريّةٍ كبيرة في طرح الموضوعات ونقاشها، ولما تتميز به من تمكين الكاتب من فرصة التأمل والنظر والتفكير قبل طرح ما يكتب أو يناقش. ولهذا فلا غرابة إذا وجدنا في بعض المنتديات أعداداً كبيرة جداً من الأعضاء المسجلين، وقُل مثل ذلك في أعداد الموضوعات والمشاركات (٢).
ولهذا فإنّ المنتديات قد تأتي في المرتبة الثانية بعد مواقع الشبكة من حيث غزارة المعلومات (٣).
ومن ميزات المنتديات -التي أسهمت في الإقبال عليها- القدرةُ على تحديد المجال الذي يريد الشخص القراءة فيه، ومعرفة المزيد حوله، ومناقشة الموضوعات المتعلقة به. وكذلك الحريّة في الكتابة والنقاش والتعليق في ظل التستر خلف اسم رمزي، وبيانات تسجيل لا يمكن التحقق منها، وعنوان بريد إلكتروني لا يُوصِل إلى صاحبه.
ومن الميزات -كذلك- اجتماع عدد من المهتمين بمجال مشترك في مكان واحد،
стр. 66
وسهولة التواصل معهم دون عناء كبير.
وفي الجانب الآخر؛ فإن ضعف الموثوقيّة بكثير ممّا يُطرح؛ يعد سلبيّةً كبرى في المنتديات. ناهيك عن التأثير على الطرف الآخر بتغيير قناعاته، وهزّ ثوابت معتقده؛ بالأخذ والرد والمناقشة ممّن أوتوا أدواتِ إقناعٍ وفصاحةٍ وبيان؛ ممّا يعد خطراً واضحاً على من يدخل إلى المنتديات العقديّة والفكريّة المخالفة، ولا سيما ممن لا يمتلك قاعدةً رصينةً تدفع عنه تيارات الشّبه التي تملأ الشبكة العالميّة.
ومن أمثلة هذه المخاطر على العقيدة؛ ما يُكتب في المنتديات التنصيرية من موضوعات لتقرير صحة العقائد النصرانيّة وبطلان ما عداها، أو لإثارة الشّبه حول الإسلام على وجه الخصوص. وهو ما ستناقشه مطالب هذا المبحث.
المطلب الثاني: مدخل إلى المنتديات التنصيريّة
عند الحديث عن المنتديات التنصيريّة فإنّ المقصود بها المنتديات التي تعرض الديانة النصرانيّة، والمنتديات التي تدعو لاعتناق النصرانيّة، والمنتديات النصرانيّة التي تهاجم الإسلام.
أوَّلُ ما يلفتُ نظر الدارس لهذه المنتديات؛ العددُ الكبير لها. ويكفي لبيان ذلك أنّ موقعاً واحداً؛ هو "دليل المواقع العربيّة المسيحيّة" (١) يحوي روابطَ لقرابة سبعين منتدى (٢).
ويُلحظ في مواقع المنتديات التنصيريّة حسنُ التصميم والعرض، وكثرةُ الأقسام (٣)، واتخاذُ الصليب أو صورة ترمز لعيسى ﵇ أو أمِّه شعاراً، وقوة الاعتماد على الوسائط المتعددة (٤) من صورٍ وملفاتٍ صوتيةٍ ومرئيةٍ وعروضٍ تقديميّةٍ ( Power Point) أو متحركةٍ
стр. 67
( Flash) .
كما أنّ هذه المنتديات تختار أسماءً تعطي انطباعاً بصحة العقيدة؛ مثل: منتديات طريق الحق، ومنتديات الحق والضلال. أو أسماءً وقعها حسن في النفس؛ مثل: منتديات المحبة، ومنتديات بستان الكلام، ومنتدى نور العالم، ومنتدى فرسان الكلمة، ومنتدى الميلاد الثاني.
ويمكن تقسيم المنتديات التنصيرية باعتبار الكنيسة (١) التي تتبعها؛ إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المنتديات التي تتبع الكنيسة الكاثوليكية. ويندرج تحتها منتديات:
١) الكلدانيين (٢).
٢) الموارنة (٣).
٣) الرّوم الكاثوليك.
٤) الأقباط الكاثوليك.
стр. 68
القسم الثاني: المنتديات التي تتبع الكنيسة الأرثوذكسيّة. ويندرج تحتها منتديات:
١) الأقباط الأرثوذكس (١).
٢) الروم الأرثوذكس (٢).
٣) الأرمن (٣).
٤) السريان الأرثوذكس (٤).
القسم الثالث: المنتديات التي تتبع الكنيسة البروتستانتية. ومنها: منتدى الإنجيليين (٥).
ومن المنتديات ما يتحرر من الانتماء إلى أي طائفة، ويرفع شعار الانتماء للمسيحيّة فقط.
ويختلف عدد أعضاء هذه المنتديات بشكل متناسب تقريباً مع عدد أتباع كل طائفة.
стр. 69
ويشكل الأقباط الأرثوذكس أكثريةَ المنتديات التّنصيريّة العربيّة وفق دراسة الباحث.
وهناك تقسيم آخر للمنتديات التنصيريّة باعتبار موقفها من الأديان الأخرى. فهناك منتديات تقتصر على عرض الديانة النصرانية، ولا تسمح بالتعرض لغيرها من الأديان. وهناك منتديات تجمع -إلى جانب عرض الديانة النصرانية- مناقشة الدين الإسلامي تحت مسمى حوار الأديان، أو الحوار المسيحي الإسلامي، أو غير ذلك ممّا سيفصل لاحقاً. وهذا التقسيم هو الذي سيعتمده الباحث في المطلبين الآتيين.
ويحسن هنا ذكرُ أنّ العمل التنصيري في المنتديات لا يقتصر على تلك التي ينشِئُها النّصارى؛ بل يمتد إلى المنتديات الإسلاميّة؛ ولا سيما تلك المتصديّة للرد على النّصارى، فنجد للنّصارى فيها كتاباتٍ وردوداً ومناظرات (١).
المطلب الثالث: المنتديات التي تعرض الديانة النصرانيّة
يشكل هذا النوع من المنتديات التنصيريّة القسم الأكبر، ويضم أقساماً تتناول الديانة النصرانيّة، ولا تتطرق لغيرها من الأديان.
ومن أمثلة هذه المنتديات (٢):
(١) منتديات يسوعنا (٣).
стр. 70
(٢) منتدى بحبك يا يسوع (١).
(٣) منتديات المحبّة (٢).
وسوف تتناول دراستنا لهذه المنتديات بيانَ الأقسام الفرعية التي تضمها، ثم نظرةً تحليليّة لواقع التنصير من خلالها.
أولاً: الأقسام التي تضمها هذه المنتديات (٣):
١. قسم الكتاب المقدّس (٤):
وتُعرض فيه الموضوعات التي تخدم الكتاب المقدس عند النصارى، بعرضه على الشبكة بعدة لغات، أو إتاحة تحميلِهِ بصيغةٍ مقروءةٍ أو مسموعة على جهاز الحاسب أو الهاتف الجوّال، أو إتاحة البرامج الخادمة له بالشرح والتفسير وأطالس الصور وبرامج البحث والفهارس والقواميس والموسوعات.
وهناك الموضوعات التي تتحدث عن العقائد والشعائر فيه، وكذا النبوات والإعجاز العلمي -كما يعتقدون. أضف إلى ذلك موضوعاتٍ في التأمل فيه، والكيفيّة المثلى لقراءته وحفظه وتعليمه وتقديمه للناس.
стр. 71
وهناك موضوعات في التَّعريف به، وردِّ الشبهات المثارة حوله من الطوائفِ غيرِ النصرانيّة، مع الإرشاد إلى المواقع على الشبكة العالميّة المختصة بخدمته.
ويُلحق بهذا موضوعات المسابقات في الأسئلة والاستنباطات من داخل هذا الكتاب، وكذا الدورات التي تُعقد لدراسته عن طريق الشبكة.
٢. قسم الخدمة:
ويُقصد به الموضوعات التي تُعلم النصرانيّ كيفيّة الدعوة في الكنيسة، والخدمة في مدارس الأحد (١) لتعليم الصغار أمور العقيدة والشعائر.
ويُعَلِّم هذا القسم كيفيّة إلقاءِ الدروس، وتنظيمِ مسابقات الأطفال، واستخدامِ كافة الأجهزة والأدوات والمواد المتاحة في الدعوة، مثل: الصور، والألواح الخشبية والكرتونيّة، والحاسب، وجهاز العرض (البروجيكتور)، وعرائس الأطفال، وغيرها.
ويتعلم الخادم هنا كيفيّة تقديم عروضٍ مسرحيّة في مدارس الأحد، مع إيراد نماذج من المسرحيّات المناسبة لإيصال المفاهيم العقديّة للصغار. كما يتعلم الوسائل التي ترقى بأسلوبه وفكره وتعامله، ويتعرف على عيوب الخادم ليتجنبها، ويحاول إتقان لغة الإشارة ليتخاطب بها مع الصم.
٣. قسم اللاهوت:
وقد يسمى: قسم تثبيت الإيمان والعقيدة. ويُعرض فيه شرحٌ للعقائد النصرانيّة، ومحاولاتٌ للبرهنة على صحتها بأدلة عقلية ونقليّة من نصوص الكتاب المقدس أو من كتب رجال الكنيسة. ثم يُذكر ما يخالف هذه العقائد عند الكنائس الأخرى، ويُرد على ذلك، وقد يوسم بأنَّه بدعٌ وهرطقات. ثم يُورد ما يخالف هذه العقائد من أقوال المسلمين، ويُرد على هذه الطعون.
стр. 72
٤. قسم الصّلاة:
وموضوعاته تدور حول الأدعية والابتهالات التي يُخَاطب بها عيسى ﵇، أو أمه، أو الروح القدس. كما يضم طلبات بعض الأعضاء من الآخرين أن يُصلوا من أجلهم (يدعو لهم) لما يمرون به أو يمر به أقاربهم من مرض أو فقر أو مصائب أو غيرها.
٥. قسم الوسائط المسيحيّة (١):
وتُعرض فيه موضوعاتُ الصور النصرانيّة؛ للمسيح وأمه والقديسين (٢) والآباء (٣) والكنائس (٤) والأديرة (٥) وغير ذلك.
وتعرض فيه موضوعات الترانيم والألحان، والغالب تقديمها في قالب مؤثر في ملفات مرئية أو صوتيّة أو باستخدام تقنية الفلاش أو عرض الشرائح، مصحوبة بأدوات العزف والموسيقى، يقدمها منشدون ومنشدات.
стр. 73
وتُعرض موضوعات القُدَّاسات (١) والعظات، وتكون في ملفات صوتيّة أو مرئيّة للاحتفالات والعظات التي تقام في الكنيسة.
وكذا موضوعات الكتب النصرانيّة، والأفلام النصرانيّة الدينيّة، وبرامج الحاسب التي تخدم الديانة النصرانيّة، علماً بأنَّ كُلَّ ما سبق يتاح تنزيله لعضو المنتدى بلا مقابل.
٦. القسم الرّوحي:
وفيه تُعرض موضوعاتُ طُرُقِ تقوية الإيمان، ومقاومة ما يضعفه. ومن أمثلتها: الخطيئة والتوبة والصلاة والصوم والخلوة وغيرها. وهناك اهتمام بالحث على تخليص النفس من الأخلاق الرديئة كالحسد والطمع والظلم ونحو ذلك.
وهناك أقسام لحفظ وتسميع بعض الآيات والمقتطفات من المزامير وغيرها، وملخصات لبعض الكتب الروحية.
أضف لهذا موضوعاتُ التأملات الروحيّة مما كتبه الآباء والقديسون عندهم، أو مما كتبه أعضاء المنتدى.
٧. أقسام تختص بالكنيسة القبطيّة:
ومن أبرزها قسم الكنيسة القبطية، الذي تتحدث موضوعاته عن تاريخ الكنيسة القبطية، والطقوس التي تختص بها، والآباء والقسس الذين تسنموا مراكز عليا فيها.
ومنها قسم رئيس الكنيسة الآن، وتعرض فيه صوره، وكتبه، ومقالاته، وأخباره، ومعجزاته -كما يعتقدون-، وفتاواه، وعظاته.
стр. 74
ومنها قسم السنكسار (١) اليومي.
٨. القصص المسيحيّة:
يعتبر هذا القسم بالإضافة إلى قسم الوسائط المتعددة؛ الأكثر جذباً لزوّار هذه المنتديات. وفي هذا القسم تعرض قصص الأعضاء التي تظهر كيف أدخل إيمانهم بالمسيح السعادةَ إلى قلوبهم، وأنقذهم من الورطات، وحقق لهم المعجزات.
٩. سير الآباء والقديسين:
وتعرض هنا الموضوعات المتعلقة بسير وقصص ومعجزات (٢) الذين كانت لهم مراتب عالية في الكنائس.
١٠. الرد على الشبهات حول المسيحية:
وفيه تعرض الموضوعات التي تتناول ما يثار حول الديانة النصرانيّة عقيدةً وطقوساً وكتاباً ورسلاً ممّا يخالف المعتقد النصراني.
فتكتب الموضوعات التي ترد على هذه الطعون. وتوفر في هذا القسم برامج جاهزة تحوي الشبه وردودها (٣).
١١. قسم الكتب والمخطوطات المسيحية:
وفيه تعرض روابط لتحميل المؤلفات الدينيّة التي كتبها النّصارى، وكذا المخطوطات.
стр. 75
١٢. قسم الأدب المسيحي:
وفيه تعرض الموضوعات الشعرية والنثرية والقَصصية التي تخدم الديانة.
ثانياً: نظرة تحليليّة لطرق التنصير في هذه المنتديات
بعد عرض الأقسام الفرعيّة داخل المنتديات التي تعرض الديانة النصرانيّة؛ نجد أنّ التنصير من خلالها يتخذ الوسائل التالية:
(أ) التركيز على الجوانب العاطفيّة، وذلك من خلال:
١ - إيراد الصور المصممة بهيئة ذات أثر ووقع في النفس لما تعرضه من صلب المسيح -كما يعتقد النّصارى- ودق المسامير في يديه وقدميه، والدماء التي تسيل من رأسه الملفوف بإكليل الشّوك، والجراحات التي ملئ بها جسده. وهذه الصور لها أقسام مستقلة متنوعة في كل منتدى، ويُرفقها الأعضاء كتوقيعات تظهر بعد كل موضوع أو مشاركة يكتبونها.
٢ - التركيز على التّرانيم، وهي أناشيد تُعرض -في الغالب- في قوالبَ من جودةِ العرض وحسنِ الصوت ممّا قد يجعل لها أثراً في دعوة النصراني للتمسك بدينه، والتفاني في خدمته والدعوة إليه. وقد يمتد تأثيرها إلى المسلم، لما تظهره من رحمة الدين النصراني، ودعوته للمحبة والتآلف وسمو الأخلاق، والتضحية التي جاء بها المسيح وصُلب لأجلها؛ بحسب عقيدة القوم.
٣ - الإكثار من وضع الملفات المرئية التي تتحدث عن آلام المسيح -كما يعتقد النّصارى-، وكذا سير الحواريين من بعده، وبذلهم في سبيل نشر النصرانيّة، وموتهم بالحرق أو الصلب فداءً وتضحيةً في خدمة هذا الدين.
٤ - محاولة الاستفادة من حوادث الصدام الديني في البلاد الإسلامية بين المسلمين والنصارى، وتصوير ذلك على أنَّه شكل من أشكال الاضطهاد والظلم، ومنع الناس من ممارسة عباداتهم، والحيلولة دون تمتعهم بحرية التدين، إما بالقتل أو حرق الكنائس أو غير ذلك.