وهناك موضوعات في التَّعريف به، وردِّ الشبهات المثارة حوله من الطوائفِ غيرِ النصرانيّة، مع الإرشاد إلى المواقع على الشبكة العالميّة المختصة بخدمته.
ويُلحق بهذا موضوعات المسابقات في الأسئلة والاستنباطات من داخل هذا الكتاب، وكذا الدورات التي تُعقد لدراسته عن طريق الشبكة.
٢. قسم الخدمة:
ويُقصد به الموضوعات التي تُعلم النصرانيّ كيفيّة الدعوة في الكنيسة، والخدمة في مدارس الأحد (١) لتعليم الصغار أمور العقيدة والشعائر.
ويُعَلِّم هذا القسم كيفيّة إلقاءِ الدروس، وتنظيمِ مسابقات الأطفال، واستخدامِ كافة الأجهزة والأدوات والمواد المتاحة في الدعوة، مثل: الصور، والألواح الخشبية والكرتونيّة، والحاسب، وجهاز العرض (البروجيكتور)، وعرائس الأطفال، وغيرها.
ويتعلم الخادم هنا كيفيّة تقديم عروضٍ مسرحيّة في مدارس الأحد، مع إيراد نماذج من المسرحيّات المناسبة لإيصال المفاهيم العقديّة للصغار. كما يتعلم الوسائل التي ترقى بأسلوبه وفكره وتعامله، ويتعرف على عيوب الخادم ليتجنبها، ويحاول إتقان لغة الإشارة ليتخاطب بها مع الصم.
٣. قسم اللاهوت:
وقد يسمى: قسم تثبيت الإيمان والعقيدة. ويُعرض فيه شرحٌ للعقائد النصرانيّة، ومحاولاتٌ للبرهنة على صحتها بأدلة عقلية ونقليّة من نصوص الكتاب المقدس أو من كتب رجال الكنيسة. ثم يُذكر ما يخالف هذه العقائد عند الكنائس الأخرى، ويُرد على ذلك، وقد يوسم بأنَّه بدعٌ وهرطقات. ثم يُورد ما يخالف هذه العقائد من أقوال المسلمين، ويُرد على هذه الطعون.
стр. 72
٤. قسم الصّلاة:
وموضوعاته تدور حول الأدعية والابتهالات التي يُخَاطب بها عيسى ﵇، أو أمه، أو الروح القدس. كما يضم طلبات بعض الأعضاء من الآخرين أن يُصلوا من أجلهم (يدعو لهم) لما يمرون به أو يمر به أقاربهم من مرض أو فقر أو مصائب أو غيرها.
٥. قسم الوسائط المسيحيّة (١):
وتُعرض فيه موضوعاتُ الصور النصرانيّة؛ للمسيح وأمه والقديسين (٢) والآباء (٣) والكنائس (٤) والأديرة (٥) وغير ذلك.
وتعرض فيه موضوعات الترانيم والألحان، والغالب تقديمها في قالب مؤثر في ملفات مرئية أو صوتيّة أو باستخدام تقنية الفلاش أو عرض الشرائح، مصحوبة بأدوات العزف والموسيقى، يقدمها منشدون ومنشدات.
стр. 73
وتُعرض موضوعات القُدَّاسات (١) والعظات، وتكون في ملفات صوتيّة أو مرئيّة للاحتفالات والعظات التي تقام في الكنيسة.
وكذا موضوعات الكتب النصرانيّة، والأفلام النصرانيّة الدينيّة، وبرامج الحاسب التي تخدم الديانة النصرانيّة، علماً بأنَّ كُلَّ ما سبق يتاح تنزيله لعضو المنتدى بلا مقابل.
٦. القسم الرّوحي:
وفيه تُعرض موضوعاتُ طُرُقِ تقوية الإيمان، ومقاومة ما يضعفه. ومن أمثلتها: الخطيئة والتوبة والصلاة والصوم والخلوة وغيرها. وهناك اهتمام بالحث على تخليص النفس من الأخلاق الرديئة كالحسد والطمع والظلم ونحو ذلك.
وهناك أقسام لحفظ وتسميع بعض الآيات والمقتطفات من المزامير وغيرها، وملخصات لبعض الكتب الروحية.
أضف لهذا موضوعاتُ التأملات الروحيّة مما كتبه الآباء والقديسون عندهم، أو مما كتبه أعضاء المنتدى.
٧. أقسام تختص بالكنيسة القبطيّة:
ومن أبرزها قسم الكنيسة القبطية، الذي تتحدث موضوعاته عن تاريخ الكنيسة القبطية، والطقوس التي تختص بها، والآباء والقسس الذين تسنموا مراكز عليا فيها.
ومنها قسم رئيس الكنيسة الآن، وتعرض فيه صوره، وكتبه، ومقالاته، وأخباره، ومعجزاته -كما يعتقدون-، وفتاواه، وعظاته.
стр. 74
ومنها قسم السنكسار (١) اليومي.
٨. القصص المسيحيّة:
يعتبر هذا القسم بالإضافة إلى قسم الوسائط المتعددة؛ الأكثر جذباً لزوّار هذه المنتديات. وفي هذا القسم تعرض قصص الأعضاء التي تظهر كيف أدخل إيمانهم بالمسيح السعادةَ إلى قلوبهم، وأنقذهم من الورطات، وحقق لهم المعجزات.
٩. سير الآباء والقديسين:
وتعرض هنا الموضوعات المتعلقة بسير وقصص ومعجزات (٢) الذين كانت لهم مراتب عالية في الكنائس.
١٠. الرد على الشبهات حول المسيحية:
وفيه تعرض الموضوعات التي تتناول ما يثار حول الديانة النصرانيّة عقيدةً وطقوساً وكتاباً ورسلاً ممّا يخالف المعتقد النصراني.
فتكتب الموضوعات التي ترد على هذه الطعون. وتوفر في هذا القسم برامج جاهزة تحوي الشبه وردودها (٣).
١١. قسم الكتب والمخطوطات المسيحية:
وفيه تعرض روابط لتحميل المؤلفات الدينيّة التي كتبها النّصارى، وكذا المخطوطات.
стр. 75
١٢. قسم الأدب المسيحي:
وفيه تعرض الموضوعات الشعرية والنثرية والقَصصية التي تخدم الديانة.
ثانياً: نظرة تحليليّة لطرق التنصير في هذه المنتديات
بعد عرض الأقسام الفرعيّة داخل المنتديات التي تعرض الديانة النصرانيّة؛ نجد أنّ التنصير من خلالها يتخذ الوسائل التالية:
(أ) التركيز على الجوانب العاطفيّة، وذلك من خلال:
١ - إيراد الصور المصممة بهيئة ذات أثر ووقع في النفس لما تعرضه من صلب المسيح -كما يعتقد النّصارى- ودق المسامير في يديه وقدميه، والدماء التي تسيل من رأسه الملفوف بإكليل الشّوك، والجراحات التي ملئ بها جسده. وهذه الصور لها أقسام مستقلة متنوعة في كل منتدى، ويُرفقها الأعضاء كتوقيعات تظهر بعد كل موضوع أو مشاركة يكتبونها.
٢ - التركيز على التّرانيم، وهي أناشيد تُعرض -في الغالب- في قوالبَ من جودةِ العرض وحسنِ الصوت ممّا قد يجعل لها أثراً في دعوة النصراني للتمسك بدينه، والتفاني في خدمته والدعوة إليه. وقد يمتد تأثيرها إلى المسلم، لما تظهره من رحمة الدين النصراني، ودعوته للمحبة والتآلف وسمو الأخلاق، والتضحية التي جاء بها المسيح وصُلب لأجلها؛ بحسب عقيدة القوم.
٣ - الإكثار من وضع الملفات المرئية التي تتحدث عن آلام المسيح -كما يعتقد النّصارى-، وكذا سير الحواريين من بعده، وبذلهم في سبيل نشر النصرانيّة، وموتهم بالحرق أو الصلب فداءً وتضحيةً في خدمة هذا الدين.
٤ - محاولة الاستفادة من حوادث الصدام الديني في البلاد الإسلامية بين المسلمين والنصارى، وتصوير ذلك على أنَّه شكل من أشكال الاضطهاد والظلم، ومنع الناس من ممارسة عباداتهم، والحيلولة دون تمتعهم بحرية التدين، إما بالقتل أو حرق الكنائس أو غير ذلك.
стр. 76
وفي هذا سعي لكسبِ تعاطف النّاس، والظهورِ بمظهر الفئة المتحضرة المسالمة التي تمارس عباداتها، بينما المسلمون أناسٌ أهل ظلم واعتداء وإجبار لغيرهم على ترك دينه والتحول عنه إلى الإسلام.
(ب) التركيز على الموضوعات الروحية بغية رفع المستوى الإيماني عند أتباع الملة. ويلاحظ هنا كثرة هذه الموضوعات، وقلّة عدد من يقرؤها أو يعلِّق عليها.
(ج) خدمة الكتاب المقدّس بأنواع متعددة من أشكال الخدمات، وقد سبق ذكر جوانب منها في أول هذا المطلب.
ونتيجةً لهذه الجهود أصبح هذا الكتاب في متناول المتصفحين للشبكة على اختلاف لغاتهم (١)، مشفوعاً بالتفاسير والشروحات والأبحاث والدراسات والأطالس وبرامج البحث فيه (٢). وهذا هدف مهم يسعون لتحقيقه، ولذا ينصون في برامج التدريب التي يقيمها (اتحاد التنصير عبر الإنترنت) على: "وجوب استخدام كل وسائل الاتصال الحديثة لنشر إنجيل
стр. 77
يسوع المسيح في جميع أنحاء العالم" (١).
(د) عرض المعتقدات النصرانيّة، ومحاولة تقريبها للنّاس، وتناول الطعون الموجّهة إليها بالنقد والرد والتمحيص.
ومع هذا فإنّ المطلع على هذه الموضوعات يظهر له أنّ هذه المعتقدات يصعب على عقولهم تقبلها وفهمها (٢) بدليل كثرة الموضوعات في هذه المنتديات من النَّصارى أنفسهم التي تستوضح عنها وتسأل عن الكيفيّة التي يمكن بها عرضها على غير النّصراني (٣).
ولعلّ مردّ هذا بعد كونها عريَّة عن الدّليل؛ أنّها تورد بتفسيرات فلسفيّة متكلفة.
(هـ) إيراد الطعون حول المعتقدات، ومحاولة الرد عليها. وفي هذا تثبيت لمعتقدات النّصارى، وصدّ لهم عن محاولة التمادي في التفكير في شيء منها بما قد يوصل صاحبه لمرحلة التشكك.
ويُلحظ اتصاف أكثر هذه الرّدود بضعف الدّليل العقلي والمنطقي والنّقلي.
فانظر -مثلاً- تفسير كون المسيح ﵇ لم يَدَّع صراحةً الرّبوبيّة، ولم يَدْعُ إلى عبادة نفسه؛ بقولهم "إنّ الرب باستمرارٍ يخفي قوته، وكان يخفيها من باب الإقناع، أو كان يخفيها عن الشيطان ليتحير أمام حقيقته فلا يبذل جهداً لعرقلة الفداء إذ هو لا يحب خلاص العالم" (٤)!
فهل إخفاء الرّبّ قوّته يُعد من وسائل الإقناع؟! أم كيف يخشى الرّبّ أن يبذل الشيطان جهداً يقاوم به أعظم مهمّة يقوم بها الرّبّ، وهي الموت على الصّليب فداءً عن البشريّة وفق عقيدتهم؟! وأيُّ عظمة لإله بهذا الضّعف؟!
стр. 78
وعند محاولة التّوفيق بين نصوص الكتاب المقدّس المتناقضة يأتي الجواب أحياناً في منتهى الضّعف.
فيذكر أحدهم أنّ التوفيق بين نَصّ: (فندم الرب عن الشر الذي قال إنّه يفعله بشعبه)، ونَصّ: (ليس الله إنساناً فيكذب ولا ابن إنسان فيندم) أنَّ ندم الرب غير ندم الإنسان (١).
وهو بهذا يثبت هذه الصّفة في حقّ الله تعالى، وكأنّه بلسان الحال يقول: "ندمٌ يليق به "!
وعند تفسير سبب ظهور مريم العذراء في الرّسوم التي يتخيلونها تلبس غطاء الرأس، وكذا الراهبات؛ بينما واقع النصرانيّات تبرج وسفور؛ قالوا "إنّ غطاء الرأس في النصرانيّة لا يكون إلا في حالتين: الصلاة والتنبؤ، ولمّا كانت العذراء والراهبات في صلاة دائمة من أجل البشر فهن يلتزمن غطاء الرأس" (٢)!
وفي سياق تبرير تصنيف الأرنب حيواناً مجتراً في الإنجيل؛ بينما هو عند علماء الحيوان غيرُ ذلك؛ جاء الرّدّ متناقضاً غريباً.
ففي بداية الرّدّ أُرجع الخطأُ إلى المترجم العربي الذي أوقعه قصور لغته العربيّة -كما ذكر في الموقع- إلى ترجمة اسم حيوان (الهير) المجتر بالأرنب.
ثم في منتصف الرّدّ عاد الكاتب إلى أنّ الحيوان المذكور هنا هو الأرنب، مُرجعاً سرّ المسألة إلى المعنى الحقيقي للاجترار، قائلاً: «والأرنب -على اختلاف أنواعه- ليس من الحيوانات المجتره بالمقياس العلمي، أي أنَّ معدته لا تتكون من أربعة أقسام كسائر الحيوانات
стр. 79
المجترة، ولكنْ من عادة الأرنب أن يبتلع ما يجده من طعام، ثم يعود لمضع ما عسر على معدته أن تهضمه، وهو نوع من الاجترار الجزئي».
وفي آخر الرّدّ يُعرض عن مسائل الترجمة وعلم الحيوان إلى أنّ المقصود هو المعنى الرمزي، فيقول: «الأرنب يمثل الإنسان الخائف الذي لا يواجه، يختبئ عند شعوره بالخطر، يجتر؛ أي يعرف كلام ربنا ولكنّه لا يحارب الخطية لأنّه لا يشق الظلف أي لا يحارب الخطية والشهوات» (١).
وبهذا الخلط بين التكذيب والتبرير، وتخطئة المترجِم وتأييده، والأخذ بالمعنى الحرفي والإعراض عنه، لا يخرج القارئ بشيء مقنعٍ متوافق مع المسلَّمات العلميّة والعقليّة.
وهذه مجرد أمثلة على هذا المنهج الضّعيف في الرد على طعون الخصوم.
(و) حثّ النَّصارى على التمسك بعقائدهم، والدعوة إلى الرقي بالمستوى الأخلاقي، والبعد عن الشهوات والكسب المحرم، والحرص على حسن التعامل مع الآخرين، لما لذلك من أثر في إقناع الآخرين بالنّصرانيّة.
(ز) التّنادي بحرصٍ أن يبذل كل نصراني في سبيل الدعوة إلى دينه كل ما يستطيع. ولهذا نجدهم يولون الخدمة في مدارس الأحد عناية فائقة، وقلما تجد منتدى لا يخصص قسماً لهذا؛ بل نجد منتدياتٍ قائمةً لهذا الغرض وحده (٢). وهناك منتديات تهتم بجانب العمل المسرحي في هذه المدارس (٣). ومنتديات تستهدف ذوي الاحتياجات الخاصّة لأجل تعليمهم العقائد والطقوس والروحانيّات (٤).
(ح) الدلالة على المواقع النصرانيّة بمختلف أشكالها. ففي كل منتدى -غالباً- هناك قسم للدلالة على المواقع الجديدة أو التي يرون فيها تميزاً عن غيرها، سواءً كانت مواقعَ، أو منافذَ خدمات تفاعليَّة.
стр. 80
المطلب الرّابع: المنتديات التي تتعرض للإسلام
وهذا النوع من المنتديات- إلى جانب عرضه لموضوعات الديانة النصرانيّة- ينشئ أقساماً غرضها النيل من الدين الإسلامي دون ما سواه من الأديان إلا فيما ندر.
ومن أمثلة هذه المنتديات (١):
(١) منتديات الكنيسة العربيّة (٢).
(٢) منتدى الحق والضلال (٣).
(٣) منتديات إنجيلي (٤).
هذه المنتديات تشترك مع النوع السابق في عرض الأقسام المتعلقة بالديانة النصرانيّة، وتنفرد في عرضها لأقسام أخرى. وسوف تتناول دراستنا لهذه المنتديات بيانَ الأقسام التي تفردت بذكرها، ثم نظرةً تحليليّة لواقع التنصير من خلالها.
أولاً: الأقسام التي تضمها هذه المنتديات:
١) قسم الشّهادات:
وتُعرض فيه الموضوعات التي تتحدث عن الاختبارات أو الشهادات، ويُقصد بها الملفات المكتوبة أو الصوتيّة أو المرئيّة لأناس يذكرون قصص تحولهم إلى الدين النصراني.
وتُعرض هنا -كذلك- روابطُ لتسجيلاتِ برامجِ الفضائيّات العربيّة التنصيريّة المتعلقة
стр. 81
بهذا الشأن، كبرنامج (سؤال جريء)، وبرنامج (حوار الحق)، وغيرهما (١).
٢) قسم الحوار الإسلامي:
وأحياناً يسمى قسم حوار الأديان. وهو عنوان يخفي غير ما يظهر، فليس المقصود هنا الحوار العلمي الرصين المبني على الحجة والبرهان، والملبس بإطار الخلق والاحترام للطّرف الآخر، ولكن المراد –كما يظهر من تتبع الموضوعات- إثارة الشّبهات حول الإسلام عقيدةً وشعائرَ ونبيًّا وكتاباً وسنّة. ولا يُسمح فيها بحال من الأحوال أن يُكتب ما يطعن في النصرانيّة أو يشكك أو يثير تساؤلات حولها (٢).
وفي بعض المنتديات التنصيريّة (٣) ما يصرح بالهجوم والطعن والانتقاص، فينشئ أقساماً تحت مسمى: منتدى الفضائح الإسلاميّة- منتدى الأسئلة والحوار [شبهات تثار حول الإسلام والقرآن والسنة والنبي ﷺ ]- منتدى كذب الإعجاز القرآني- منتدى المرأة في الإسلام [شبهات حول تعامل الإسلام مع المرأة]- منتدى مقارنة الأديان [وهو مقتصر على مقارنة الإسلام مع النصرانيّة بطريقة تظهر سوء المعتقدات الإسلاميّة وتفوق ما يناظرها في النصرانيّة]. إلى غير ذلك من العناوين التي فيها التشكيك وإثارة الشّبهات وأخذ المتشابه من نصوص القرآن الكريم والسّنّة النّبويّة، وترك المحكم فيهما.
٣) قسم المناظرات:
ويورد فيه مناظرات كتابيّة بين روّاد المنتدى من المسلمين والنَّصارى.
стр. 82
ثانياً: نظرة تحليليّة لطرق التنصير في هذه المنتديات
التنصير في هذا الشكل من المنتديات يأخذ صوراً وأساليب متنوعة. نذكر منها ما يلي:
(١) التّنصير المباشر، بالدّعوة إلى اعتناق الديانة النصرانية صراحةً، وإظهار أنها سبيل من يبحث عن الحق، وأنها الدين الصحيح الخاتم (١).
(٢) إثارة الشبهات العديدة (٢) حول التشريع الإسلامي، ومكانة المرأة في الإسلام، والقرآن الكريم، والنبي ﷺ ، والسنة النبويّة.
ويلاحظ كثرة هذه الشّبهات (٣)، وتجاوز بعضها إلى التّطاول على الذّات العليّة، بوصف المولى –جلّ وعلا- بما لا يليق به سبحانه جلّ شأنه (٤).
(٣) الإظهار (بالصور والملفات المرئيّة) مشاهد إقامة المسلمين الحدود، كحد الزنا على المحصن، بما في هذه الصور والمقاطع من بشاعة منظر الرجم بالحجارة حتى الموت، ومقارنة ذلك مع قول المسيح للمرأة التي جيء بها وقد زنت: (من كان منكم بلا خطيئةٍ فليكن أوَّلَ من يرميها بحجر) (٥).
وهذا الأسلوب في العرض والمقارنة له وقع مؤثر في النفوس، ولا سيّما بإبراز منظر المرأة أو الرجل وهو يساق إلى موقع التنفيذ، وقد بدا عليه الخوف والرعب، ثم منظره وقد دفن في الحفرة إلا رأسه، ثم منظر من ينفذون الحكم، وتصويرهم على أنهم وحوش ضارية لا تعرف الرحمة إلى قلوبهم سبيلا، ثم منظر المحكوم وقد تهشم رأسه وفارق الحياة. وهم بعد هذا
стр. 83
يظهرون النصراني الذي وقع في نفس الفعل قد تاب من فعله، وقبله المسيح فمضى لحال سبيله مكرمًّا. وهذه المقارنة هدفها الدعوة للنصرانية، والتنفير من الإسلام.
وقل مثل ذلك في عرضهم لصور ومقاطع تنفيذ أحكام القصاص، وقطع يد السارق، بما يوقع الخوف والرعب في نفس من ينظر إليها.
(٤) التشكيك في صحة قصص المتحولين من النصرانيّة إلى الإسلام في القديم والحديث.
(٥) التركيز على إيراد قصص المتحولين إلى النصرانيّة، وتسميتها شهادات أو اختبارات، ولهم في ذلك أساليب متعددة، منها:
أإظهار هذه القصص إما مكتوبة، أو مسجلة بالصوت، وأحياناً تكون بالصوت والصورة. وفي هذا تنويع لأساليب التأثير.
ب التركيز على المتنصرين من المسلمين، ولا يذكر أتباع دين آخر إلا فيما ندر.
ت يظهر التركيز على المتنصرين من المسلمين في السعوديّة (١)، ولعل مرد هذا علمهم أنّ هذه البلاد منطلق الإسلام، وأهلها من أشد النّاس تمسكاً به ودعوةً إليه، فمتى وُجد منهم مَن ينتقل منه إلى النّصرانيّة كان –في ظنّهم- حجّةً على ضعفه، ومطعناً فيه، ودافعاً للمسلمين خارج هذا البلد لإعادة قناعتهم في دينهم.
ث محاولة إقناع القارئ بأنَّ هناك من يتنصر بأعداد كبيرة يوميّاً (٢).
ج محاولة إظهار أنَّ هؤلاء المتحولين من المسلمين هم إمَّا رجال دين تضلعوا في علوم
стр. 84
الإسلام، أو مشايخ، أو قادة جهاد، أو أبناء قادة، أو حَمَلة شهادات علمية عليا (١). وكل هذا ليوحوا للقارئ بأنّ من فهم الإسلام حقيقةً تركه وتحول إلى النصرانية.
ح من هذه القصص ما يكتبه رجال الكنيسة أنفسهم، ويصورون فيها ما وجدوه من السّعادة لما آمنوا بيسوع. ولا شك أنَّ دوافع هؤلاء مكشوفة.
خ كتابة بعض هذه القصص بتفاصيل تحوي الطعن في الإسلام. فنجد أحدهم يكتب أنه كان مسلماً يسب النَّصارى، ويؤَمِّن على دعاء الخطباء بإهلاكهم جميعاً، لكنّه في قرارة نفسه لم يكن مقتنعاً بدين العبوديّة والطقوس الغريبة كالحجاب وغيره. ثم إنَّه شاهد قناة الحياة الفضائيّة، وأُعجب بشخص المسيح، وقرأ الإنجيل فلم يجد فيه أخطاءً كما وجد في القرآن (٢).
وهكذا نجد في هذه القصّة على اختصارها امتداحاً لجوانبَ كثيرةً في النصرانيّة، وطعناً في جوانبَ أخرى في الإسلام.
على أنّ هذه القصص لا يوجد لها مستند صحيح، وأصحابها مجهولون.
ولا يعني هذا إنكار وجود متحولين من الإسلام إلى النّصرانيّة، فهذا موجود في القديم والحديث، إلا أنّه من البعيد جداً على نحو يقرب من الاستحالة أنْ ينتقل المسلم سخطة على دينه وكرهاً له، لأنّ الإيمان إذا لامست بشاشته شغاف القلب بَعُد احتمال التخلي عنه وإن أُوذي الإنسان في ذلك وَعُذِّب (٣).
د محاولة الإيحاء بأنَّ النصرانيّة دين الفطرة (٤)، ولهذا وُجد من اعتنقها من أبناء المسلمين
стр. 85
ممن هو في سن صغيرة دون البلوغ (١).
(٦) توفير برامج تجاوز الحجب، ووضع الإعلان عنها في صدر الصفحة الرئيسيّة بشكل بارز. ولعل من دوافعهم لذلك السعي لوصول كل المتصفحين من كل الدول إلى المواقع التي تنشر النصرانيّة وتهاجم الإسلام لأنه ليس في هذه المنتديات دين يهاجم غير الإسلام (٢)، ولعلمهم أنّ من الدّول الإسلاميّة من سيحجب هذه المواقع (٣).
(٧) نشر مقالات بعض المحسوبين على الإسلام المشتملة على الطعن فيه (٤).
(٨) الفرح بالفتاوى الشاذة التي يصدرها بعض المسلمين ممّن يُنظر لهم على أنهم مشايخ أو طلبة علم، ونشر هذه الفتاوى، وأخذها ذريعة للهجوم على الإسلام وإظهار مشايخه –على التعميم- بمظهر الرجعيين المتخلفين البلهاء (٥).
(٩) التلبيس على المسلمين بإظهار أنَّ فئةً من كبار علماء المسلمين قد اعترفوا بصحة كثيرٍ من العقائد النصرانيّة، كالغزالي (٦) وابن الباقلاني (٧) وابن رشد (٨) وابن عربي (٩) وغيرهم.
стр. 86
(١٠) إيراد الملفات المرئية المحتوية على سقطات فئام من المسلمين، من أمثال سقطات الفتاوى الغريبة، أو أفعال الغلاة التفجيريين، أو الفسّاق من المغنين والممثلين، أو اللاهثين لجمع المال عبر الدعايات الإعلانيّة الخادشة للحياء عبر القنوات الفضائيّة. وإظهار هذا كله على أنه تعبير عن تعاليم الإسلام، وتطبيق لها في واقع حياة المسلمين (١). وفي المقابل لا يكتبون شيئاً عمّا يكون في البلاد النصرانيّة من نظائر ذلك أضعافاً مضاعفة؛ من جرائم الإرهاب والقتل والاغتصاب والسّرقة والفساد الأخلاقي بشتّى صوره.
وهذا الأسلوب مخالف للمنهج العلمي الموضوعي، لأنّ المثال الشاذّ يؤكد القاعدة ولا يهدمها. ذلك أنَّ قاعدة "لكل قاعدة شواذ"؛ منسجمة ومتكاملة مع قاعدة "الشذوذ يؤكد القاعدة"، ولكنْ وجد من النّاس من يأتي بالمثال الشاذّ ليسقط به القاعدة، في خروج فجٍّ عن الموضوعية والتفكير السليم (٢).
(١١) الفرح بكل ما يسيء للإسلام، كنشر بعض الصحف الأوروبيّة الصور التي تسيء للنبي ﷺ ، وإعادة نشر هذه الصور، وبعضهم قد يتخذها توقيعاً لمشاركاته.
(١٢) استغلال عدم قيام المسلمين بواجب الدعوة والذب عن دين الله تعالى، وعن كتابه الكريم، وعن رسوله المصطفى ﷺ ، وعن السنة المطهرة، في هذه المنتديات بشكل قويّ، وإظهار ذلك بأنّه دليل بطلان العقائد الإسلاميّة لأنّ أصحابها لا يملكون القدرة على الدفاع عنها.
стр. 87
(١٣) الهجوم على المنتديات الإسلاميّة، وإظهار أنّ روّادها لا يتجاسرون على مناظرة النّصارى، ولا يسمحون لهم بالمشاركة في هذه المنتديات بحريّة (١)، وادّعاء أن بعض مدراء المنتديات الإسلاميّة يوافق على المناظرة شريطة أن يدخل على أنه امرأة حتى لا تهتز سمعته عند هزيمته. وكل هذه الأساليب والادعاءات من أجل أن يوصلوا للنّاس إيحاءً بضعف الدين الإسلامي وانعدام الحجة عند أتباعه.
(١٤) حظر وإلغاء اشتراك من يكتب من المسلمين في بيان بطلان عقائدهم، أو في الذب عن الإسلام، والرد عن جناب المصطفى الكريم ﷺ ، أو بيان صحة التشريع والسنة النبويّة المطهرة، ولو كان هذا الكاتب متبعاً المنهج العلمي، ومتقيداً بالأدب والخلق في الطرح والمناقشة (٢).
(١٥) إبراز أخبار العمليات التي يقوم بها بعض المسلمين في فلسطين والعراق والجمهوريّات الروسيّة وأفغانستان وغيرها، على أنها ضروب من الهمجيّة والوحشيّة والإرهاب الذي يقوم به مسلمون تشبعوا بتعاليم دينهم، وضحوا بأنفسهم إنفاذاً لتعاليم دين يحث على الإرهاب وسفك الدماء ومعاداة السلام والإنسانيّة. وهم في المقابل لا يوردون شيئاً ممّا يفعله اليهود في فلسطين، والنَّصارى في العراق وأفغانستان والشيشان، وغيرها كثير، من بلاد المسلمين وغيرهم.
(١٦) إظهار وتضخيم وإبراز التصرفات الشاذة التي تقع من بعض المسلمين، كأخبار جرائم القتل والاغتصاب.
(١٧) استغلال الردود الضعيفة من المسلمين الغيورين على دينهم وكتابهم ونبيهم والسنة المطهرة؛ ممّن لا يملك الحجة وقوة الرد، من أجل تقوية شبهات هؤلاء المنصرين،
стр. 88
والتعالي على المسلمين وإظهار الغلبة والنصر.
(١٨) استغلال الكلمات المنافية للخلق الرفيع؛ الصادرة من بعض المسلمين في منتدياتهم ومواقعهم للتشنيع على المسلمين، والزعم بأنهم في هذا منفذون لتعاليم دينهم، ومبرهنون على ضعف حجتهم.
(١٩) الاستفادة من بعض التقنيات التي توفرها برامج تصميم المنتديات الحواريّة، كتلك التي تطبع اسم العضو المسجل الذي دخل المنتدى باسم المستخدم وكلمة المرور؛ وإظهار أنَّ غالب الموضوعات ولا سيما المثبتة منها (١)؛ كأنها تخاطبه دون غيره.
وهذا الأمر يشعر العضو بأهميته وحرص باقي أعضاء المنتدى على مخاطبته. ونتيجة لذلك فإنه يُقبل على قراءتها، ويحرص على فهم محتواها.
(٢٠) من الحيل الموجودة في أقسام الحوار المزعوم؛ وجود من يكتب موضوعات ويزعم أنه مسلم، وفيما يكتبه ركاكة وهشاشة وضعف، وكذا في ردوده، الأمر الذي يجعل النَّصارى يستطيلون عليه بالسخرية والاستهزاء به وبدينه (٢).
وبعد هذا العرض لنماذج من العمل التنصيري عبر المنتديات الحواريّة –بنوعيها- نخلص إلى القول بأنّ الجهد المبذول من قبل النّصارى في استغلال وسيلة المنتديات الحواريّة جهدٌ كبير في حجمه؛ متنوع في سبل عرضه؛ قوي في شكل طرحه.
وهو في الجملة يأخذ ثلاثة أشكال رئيسية.
أولها: عرض الديانة النصرانية وفق معتقد الكنيسة التي يرجع إليها أصحاب المنتدى.
وثانيها: الدّعوة إلى اعتناق النصرانية والتحول إليها من سائر الطوائف التي لا تدين بها.
стр. 89
وتشمل هذه الدّعوة أتباع الكنائس الأخرى (١).
وثالثها: الهجوم على كل ما هو متعلق بالدين الإسلامي.
وللوصول إلى كل هدف من الأهداف الثلاثة يسلكون طرقاً شتّى؛ بيّن الباحث ما وقف عليه منها.
وبهذا يتم الحديث عن هذه الخدمة التّفاعلية، وبعده نتناول في المبحث التّالي ما يتعلق بالتّنصير عبر المجموعات البريديّة.
стр. 90
المبحث الثاني: التنصير عبر المجموعات البريديّة
المجموعات البريديّة هي استخدام خاص لخدمة البريد الالكتروني. ولها تسمية أخرى؛ هي القوائم البريديّة الإلكترونية ( Electronic Mailing List) . وسوف يكون التَّعريف بها في المطلب التّالي مبيِّناً للمعلومات الأساسيّة.
المطلب الأوّل: التَّعريف بالمجموعات البريديّة
المسألة الأولى: التَّعريف اللغوي والاصطلاحي
أولاً: التَّعريف اللغوي:
المجموعة: أصلها من الفعل جَمَعَ. قال ابن فارس: "الجيم والميم والعين أصل واحد يدل على تضامّ الشيء". وجَمْعُ المتفرق: ضمُّ بعضه إلى بعض، والمفعول من جَمَع: مجموعٌ وجميع (١).
وأمّا البريد: فهي كلمة فارسيّة تعني -في الأصل- البغل المقطوع الذنب. ثمّ عربت وأطلقت على الرّسول، ولذا تقول العرب: "الحمّى بريد الموت"، أي رسولُه الذي يُنذر به. وتطلق على المسافة بين السِّكتين. وتطلق -كذلك- على الرّسائل (٢).
وعليه؛ فالمجموعة البريديّة هي عدد من الرسائل مضمومةٌ في مكان واحد، أو عدد من المرسلين انضم بعضهم إلى بعض في مكان واحد.
ثانياً: التَّعريف الاصطلاحي:
стр. 91
هناك عدة تعريفات اصطلاحيّة. منها:
التَّعريف الأوّل: المجموعات البريديّة هي «قوائم تضم عناوين البريد الالكتروني لمجموعة من المستخدمين الذين يتشاركون في الاهتمامات ذاتها، وينتسبون إلى جهة معينة، بهدف تلقي الرسائل التي تصدر من المشتركين حول موضوع معين» (١).
التَّعريف الثاني: المجموعات البريديّة هي «مجموعةٌ من الأسماءِ والعناوينِ المستخدمةِ من قبل فرد أو منظمة؛ لإرسال المواد لعدة مستلمين» (٢).
التَّعريف الثالث: المجموعات البريديّة هي «نظامٌ لإدارة وتعميم الرسائل على مجموعة من الأشخاص المشتركين بالقائمة عبر البريد الالكتروني» (٣).
وهذا التَّعريف هو الذي يختاره الباحث لاختصاره وشموله ودقة توصيفه لهذه الخدمة.
وأمّا التَّعريفات الأخرى فإنها تفتقر إلى شيء من الدقة في الوصف، وقد تُدْخِل في التَّعريف ما ليس بلازم؛ كاشتراط انتساب أعضاء المجموعة إلى جهة معينة، فإنّ هذا لا يكون إلا في نوع محدد من المجموعات البريديّة سيأتي بيانه. ومثله اشتراط أن تكون القائمة مخصّصَةً لموضوع معيّن، وهذا موجود، ولكنّ الغالب في المجموعات تنوّع موضوعاتها واهتماماتها.
المسألة الثانية: مكونات المجموعات البريديّة وأنواعها
تتكون أي مجموعة بريديّة من أربعة أشياء. الأوّل: قائمة بعناوين البريد الالكترونية. الثاني: المسجِّلون في المجموعة. الثالث: الرسائل البريديّة المرسَلة لهذه العناوين. الرابع: العنوان الرئيسي للمجموعة؛ الذي يستقبل كل رسالة، ثم يرسل منها نسخة إلى عناوين المسجِّلين.
والقوائم البريديّة ليست نوعاً واحداً؛ بل هي أنواع متعددة. ولكنّ أشهرَها، وأكثرَها استخداماً؛ نوعان:
стр. 92
النوع الأوّل: قوائم الإعلان ( Announcement List) . وهذه يكون الإرسال فيها باتجاه واحد. ومن أمثلتها القوائم البريديّة لدى المصارف، التي تزود عملاءها بكشوفات حساباتهم أو بتنبيهات أو غير ذلك. ومن الأمثلة قوائم المواقع الإلكترونية على الشبكة، التي تزود المهتمين بآخر تحديثات ومستجدات هذه المواقع.
النوع الثاني: قوائم النقاش ( Discussion List) . وهذه يكون الإرسال فيها لكل المسجلين بها، ويكون فيها نقاش وتبادل للآراء والمعلومات (١). وهذا النوع هو الذي نتحدث عنه في هذا المبحث.
كما توجد اختلافات بين المجموعات من حيث إتاحة الاشتراك مباشرة، أو اشتراط موافقة مالك المجموعة. ومن حيث الاحتفاظ بأرشيف للرسائل في موقع المجموعة أو عدم ذلك. وهناك فروق وتفصيلات جزئيّة أخرى.
المسألة الثالثة: أشهر المجموعات البريديّة
قَلَّ استخدام المجموعات البريديّة بعد ظهور الشّبكات الاجتماعيّة على ساحة الشّبكة العالميّة، والتي وفرت هذه الخدمة ضمن مجموعة كبيرة من الخدمات الأخرى. ومع هذا فلا زالت المجموعات البريديّة تحتفظ بشيء من شهرتها والإقبال عليها.
وأشهر من يتيح هذه الخدمة موقعان، هما:
١) مجموعات موقع ياهو (٢) ( Yahoo Groups)
أنشئت عام ١٩٩٨م، ويتجاوز عددها اليوم خمسة عشر مليون مجموعة (٣). وهي متاحة لمن لديه بريد إلكتروني في هذا الموقع، وتقدم خدمات أخرى كوضع ملفات للمجموعة، وصور لها، وكذا إجراء المحادثة بين أعضاء المجموعة. وبها خيار تصفح الرسائل من خلال
стр. 93
الموقع أو إرسالها دفعة واحدة يوميًّا إلى بريدك الإلكتروني أو إرسال كل رسالة لحظة وصولها للمجموعة.
٢) مجموعات موقع قوقل (١) ( Google Groups)
أنشئت عام ٢٠٠١م، ويقرب عددها اليوم من خمسة ملايين مجموعة. وهي متاحة لمن لديه بريد إلكتروني في هذا الموقع. وتقدم خدمات أخرى كوضع ملفات للمجموعة، وصور لها، وكذا إجراء المحادثة بين أعضاء المجموعة. وبها خيار تصفح الرسائل من خلال الموقع أو إرسالها دفعة واحدة يوميًّا إلى بريدك الإلكتروني أو إرسال كل رسالة لحظة وصولها للمجموعة.
المطلب الثاني: مدخل إلى المجموعات البريديّة التنصيرية
المجموعات البريديّة التي يديرها نصارى كثيرةٌ جداً (٢). ففي دليل (مجموعات موقع ياهو) تحت تصنيف الديانة النصرانية؛ هناك ما يزيد عن خمسة وستين ألف مجموعة (٣). ولكنَّ هذا العدد يشمل سائر اللغات، وليس محصوراً على اللغة العربية.
والعدد في دليل (مجموعات موقع قوقل) تحت تصنيف الديانة النصرانيّة يفوق ثمانية آلاف مجموعة.
لكنّ الدراسة في هذا المبحث ستتناول ثلاث مجموعات بريديّة (٤):
الأولى: مجموعة "المسيح يحبك" (٥) ( Jesus Loves You)
стр. 94
وهي مجموعة قبطية أرثوذكسية أنشئت عام ٢٠٠٦م. عدد أعضائها يقرب من ستة عشر ألف عضو؛ كتبوا ما يقرب من تسعة عشر ألف موضوع. ومعدل الرسائل: ثلاث عشرة رسالة يوميٍّا (١). وشعارها الذي في صفحة الواجهة؛ صورة البابا كيرلس السادس (٢)، وصورة البابا شنودة الثالث (٣).
الثانية: مجموعة "الخروف الضالّ" (٤) ( Elkharoof Eldaal)
وهي مجموعة قبطية أرثوذكسيّة أنشئت عام ٢٠٠٥م. عدد أعضائها يزيد عن ثلاثة وخمسين ألف عضو؛ كتبوا قرابة أربعة عشر ألف موضوع. ومعدل الرسائل: خمس رسائل يوميًّا. وشعار المجموعة: عدد من الصور الرمزية لنبي الله عيسى ﵇ يسوق خرافاً أمامه.
الثالثة: مجموعة "الله محبة" (٥) ( God Is Love)
وهي مجموعة قبطية أرثوذكسيّة أنشئت عام ٢٠٠٤م. عدد أعضائها يفوق أربعة وأربعين ألف عضو؛ كتبوا ما يزيد عن ألفي رسالة. ومعدل الرسائل: رسالة واحدة يوميًّا. وشعار المجموعة: صورة لكنيسة يشع منها النور، والنّاس يدخلون إليها أفواجاً.
والدراسة تقوم على قراءة آخر ألف رسالة لكل مجموعة ممّا سبق. ففي المجموعة الأولى قرئت الرسائل من ١٧٩٢٠ إلى ١٨٩١٩. وفي المجموعة الثانية قرئت الرسائل من ١٢٩٠٧ إلى ١٣٩٠٦. وفي المجموعة الأخيرة قرئت الرسائل من ١٣٣١ إلى ٢٣٣٠.
стр. 95
المطلب الثالث: جوانب التنصير في المجموعات البريديّة
بعد الاطلاع على ثلاثة آلاف رسالة في المجموعات البريديّة الثلاث محل الدراسة، أمكن الخروج بتصور يقسم موضوعات الرسائل -بشكل إجمالي- إلى أربعة أقسام:
القسم الأوّل: موضوعات تختص بالديانة النصرانيّة.
القسم الثاني: موضوعات تختص بالكنيسة التي تنتمي لها المجموعة.
القسم الثالث: موضوعات تدعو إلى اعتناق النصرانيّة.
القسم الرابع: موضوعات تهاجم الإسلام.
وفيما يلي بيان هذه الأقسام، مع التعليق على ما يرى الباحث الحاجة إلى التعليق عليه، وختم كل قسم بخلاصة توضح محتواه بإجمال.
القسم الأوّل: موضوعات تختص بالديانة النصرانيّة
هذا القسم هو الغالب في موضوعات المجموعات البريديّة، ويحوي كتابات كثيرة جداً، يتم التطرق فيها غالباً إلى الآتي:
١. خدمة الكتاب المقدس، وذلك من خلال أوجهٍ عدّة. منها وضع روابط يُحمَّل منها الكتاب مكتوباً أو مسجلاً بالصوت، وكذا روابط الكتب التي فسّرته أو تناولت شيئاً من موضوعاته (١).
٢. موضوعات في التأملات الروحيّة المأخوذة من بعض ما ورد في الكتاب المقدس عند النَّصارى (٢).
٣. الدلالة على مواقع تحميل الأناشيد الدينيّة، التي يسمونها التّرانيم. وهذه التّرانيم منها
стр. 96
ما يكون بالصوت فقط، ومنها ما يصور بالصوت والصورة. والغالب أنّها تكون بأصوات جميلة، وبألحان وموسيقى مؤثرة، وبكلمات عاطفية آسرة. ويغلب عليها الصبغة الحزينة، وذكر قرب المسيح من أتباعه (١).
٤. موضوعات تحوي قصصاً رمزية يُقصد من خلالها تقوية ارتباط النصراني بدينه، والتزام تعاليم هذا الدين. ومن ذلك البذل في سبيل الدعوة إلى النصرانية، كما في قصة صاحب المطعم الذي وضع في درج نقوده مسماراً، لكي يتذكر ما عاناه المسيح على الصليب -كما يعتقد النَّصارى-، وبعد بُخله أصبح سخيًّا في إعطاء المال لمندوبي الإرساليات كي يرد شيئاً من دَين المسيح عليه (٢). وكثير من هذه القصص يُورد بشكل عاطفي لتطمين متبع الملة بقربِ المسيح منه، وحبِّه له، ودفاعِه عنه (٣).
٥. موضوعات في حبِّ المسيح، ووصفه بأوصاف عظيمة. منها أنّه الله الوحيد، ورب المجد، والقادر وحده على تقوية الإيمان، والفادي، ومصدر استنارة القلوب والأذهان (٤). وإيراد قصص من استشفع بالمسيح فأنقذه من الهلكة أو الضائقة التي كانت به (٥).
٦. قصص معجزات القديسين عندهم. وفي بعضها ذكر أنّ هذه المعجزات يمتد إقناعها وأثرها حتى إلى غير النَّصارى. فهذا رجل غير نصراني يذهب للكنيسة للتبرع بالمال، وعند سؤاله عن السبب يذكر بأنَّه مرّ بضائقة، فرأى في المنام أحد القديسين يمسحه بالزيت ويبشره بذهاب كربته. ولما أصبح وجد تلك البشرى قد تحققت فعلاً، فقرر دعم الكنيسة (٦).
стр. 97
٧. موضوعات حول ظهورات العذراء (١)، ومعجزات الاستشفاع بها (٢).
٨. قصص لبيان أنَّ الاستغاثة والاستشفاع بالقديسين يصنع المعجزات، وينتفع به النصراني غاية الانتفاع. فذلك الطالب المقبل على الامتحان لما استشفع بأحد القديسين رأى مسائل الامتحان على صفحات الكتاب، فاجتاز الامتحان، ثم لما بحث عن المسائل التي رآها لم يجدها في الكتاب (٣).
وفي قصة أخرى كان القمص يدعو مسلماً للتنصر فلم يستجب له، وكان أمامهما زجاجات خمر، فاستقبلها القمص وقام يصلي ويدعو إلى أن استحال السّائل فيها إلى كيروسين، فما كان من المسلم أمام هذه المعجزة إلا أن يدخل في النصرانيّة (٤).
وهذا النوع من القصص يُساق لأهداف عدة. منها تثبيت قلب النصراني بأنّه على الحق؛ إذ لو كان على باطل ما وقعت تلك المعجزات. وهذا المسلك –أي الاستدلال بالمعجزات على صحة العقائد- مشتهر جداً عند النَّصارى.
ومنها ربط الأتباع بهؤلاء القديسين المعظَّمين عندهم. ومنها الإيحاء بأنّ لهؤلاء مكانة كبيرة عند الله، وعليه؛ فمكانة عيسى ﵇ تكون أعظم وأعظم.
٩. سرد جوانب مؤثرة من سير القديسين عندهم، لكي يتأسى بهم من بعدهم. ومن ذلك زهدهم في الدنيا، وكثرة مداومتهم على قراءة الكتاب المقدس، وتواضعهم وحسن تعاملهم مع النّاس، وحرصهم على هداية الوثنيين وغيرهم إلى اتباع المسيح، وتطوافهم في البلدان لأجل ذلك، وأنّ بعضهم –على أميته- كان يحفظ الكتب المقدسة عن ظهر قلب (٥).
ولا يخفى أنّ المقصودَ من هذا تعظيمُ الدِّين في قلوب أتباعه، وتحبيبُهم في هؤلاء القديسين، ودعوتهم للتأسي بهم في التحلي بالأخلاق الحسنة، وفي الاجتهاد في الدعوة إلى
стр. 98
النّصرانيّة.
١٠. سرد أقوالٍ موجزة مؤثرة للقديسين عندهم، مدارها على تثبيت العقيدة في النفوس، وتبشير المهمومين والمحزونين بقرب الفرج، وربطُ جأش متبع الملة بأنّ المسيح معه على الدوام، وشفاعة القديسين تحيط به، وقوات السماء تحرسه، وأنَّه مأجور على كل ألم يصيبه (١).
١١. الدلالة على مواقع تحميل الكتب الدينية النصرانيّة (٢).
١٢. إحياء تِذكار مواعيد وفاة القديسين والشهداء عندهم. وذلك بكتابةِ موضوعات مطولة عن سير هؤلاء، مع وضع صور تخيليّة أو حقيقيّة لهم، وإنشادِ ترانيم في حبهم والشوق إليهم، وتسجيلِ ملفات مرئيّة (أفلام) عن سيرهم (٣). وهذه الأقوال تختار بعناية، وتكتب في تصاميم جميلة.
١٣. الدلالة على مواقع تحميل الملفات المرئيّة (الأفلام) النصرانيّة الوثائقيّة التي أُنتجت عن بعض أنبيائهم، أو الأسفار المقدّسة عندهم (٤).
١٤. الدلالة على مواقعِ ملفات مرئية تشرح بعض العقائد النصرانيّة وتقربها إلى أفهام العامّة، كعقيدة الفداء مثلاً (٥). وبعض هذه الأفلام يكون موجهاً إلى الطفل بحيث تكون
стр. 99
الشخصيات فيه كرتونيّة يقبل عليها الطفل (١).
١٥. الدلالة على مواقع القنوات الفضائيّة النصرانيّة العربيّة والأجنبيّة التي تبث من خلال الشبكة العالميّة (٢)، وذكر أخبار هذه القنوات وبرامجها (٣).
١٦. موضوعاتٌ في الدفاع عن النصرانيّة على الشبكة العالميّة. وذلك بالتواصي لعمل احتجاج إلكتروني لإدارات المواقع الكبرى التي يُنشر فيها ما يرون أنَّه يسيء للديانة النصرانيّة. ومن أمثلة ذلك: المطالبة بإلغاء بعضِ الحسابات في الشبكات الاجتماعية (٤)، وبعضِ الملفات المرئيّة في مواقع تبادل الملفات المرئيّة (٥).
وهكذا نجد أنّ موضوعات هذا القسم غالبها تهدف إلى تثبيت العقيدة النّصرانيّة في نفوس أتباعها، وتقوية إيمانهم، بما يحول دون تأثرهم بما يخالف هذه العقائد في قليل أو كثير.
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف فإنّ المسلك الوحيد المتّبع هو سلوك الجانب العاطفي دون غيره من الجوانب العلمية أو العقليّة أو غيرها. فلا مجال لمناقشة العقائد أو الشعائر أو الطّقوس النصرانيّة إلا فيما ندر. وإنّما التركيز على التأملات الرّوحيّة، والقصص، والتّرانيم، والتّعلق بالمسيح وظهورات العذراء ومعجزات القديسين، وتَذَكُّر سيرهم.
ولعلّ سبب تجنّب ذكر المسائل العقديّة تصادمها مع العقل. ولهذا يقول الحسن بن أيوب –وكان من كبار علماء النَّصارى-: «أُعلِمك –أرشدك الله- أنّ ابتداء أمري في الشّك الذي دخلني فيما كنت عليه، والاستبشاع بالقول به من أكثر من عشرين سنة، لما كنت أقف عليه في المقالة من فساد التّوحيد لله بما أُدخل فيه من القول بالثلاثة
стр. 100
الأقانيم، وغيرها ممّا تضمنته شريعة النَّصارى» (١).
ومثلُه ما خَلُص الدكتور محمد فؤاد الهاشمي –وكان نصرانيًّا ثم أسلم- إلى التصريح به، فقال: «وإني لا يسعني هنا إلا أن أعلن أنَّ كلَّ ما آمنتُ به ودرستُه من قبل كان ألغازاً، وشِبهَ عُقَدٍ لم أستطع حلها آنذاك، ولكنْ لما أراد الله لي الهداية، وَضُح في أنه لا يقوم دليل واحد يُثبت صحة العقيدة التي نشأتُ عليها» (٢).
وكذا نقده لجملة من المعتقدات التي كان ملزماً في نصرانيته بالإيمان بها، فقال: «وبدأتُ تمحيص كل شيء، والبحث في كل شيء، فتعرضت لدين يقول إنّ الله ثلاثة أو ثالث ثلاثة، وصدمت بأنّ الله سُفك دمه على الصّليب تارة، وأنّ ابنه هو الذي صلب تارة أخرى. كما تفتحت عيني على أنّ غفران الذنوب متوقف على ارتكاب جريمة قتل. كما علمت أنّ كل بني آدم مظلومون (٣) لأنهم خرجوا من صلب من عصى الله فورثوا الخطيئة فاستحقوا العذاب. فكان لزاماً على العقل المستنير أن يشك، بل يكفر .. » (٤).
وأمّا التركيز على التّراتيل والألحان فهو ديدن التعليم الكنسي غالباً. ولذا يذكر الدكتور الهاشمي أنّه أولَّ ما أنشئ فصل دراسي في كنيسة قريته؛ جيء بمعلم للخط والحساب، وآخر لتحفيظ الألحان والتّراتيل والتّرانيم والأناشيد (٥).
القسم الثاني: موضوعات تختص بالكنيسة التي تنتمي لها المجموعة.
لما كانت المجموعات البريديّة الثلاث -محلَّ الدراسة- تنتمي للكنيسة القبطيّة الأرثوذكسية؛ فغالب الموضوعات يتحدث عمّا يتعلق بها. ومن ذلك:
١) أخبار رئيس الكنيسة، وعظاته، ومحاضراته (٦). وإيراد روابط هذه المحاضرات
стр. 101
بالصوت فقط، أو بالصوت والصورة، أو مفرغة كتابة (١). وكذا إيراد روابط الأفلام الوثائقية التي سجلت عنه، كالفيلم الذي سجلته قناة الجزيرة الوثائقيّة (٢).
٢) الدلالة على روابط البث المباشر للكنائس عبر الشبكة العالمية، وذلك ليأخذ البركة مَن لديه مشاغل تعوق دون حضوره الشخصي للكنيسة كما ذكروا (٣).
٣) الكتابة عن الأنشطة الدّعوية التي تقوم بها بعض الكنائس. ومن ذلك خدمة زيارة المرضى من النَّصارى والمسلمين في المستشفيات، وتقديم المساعدات المالية والعينية والغذائية لهم، إلى جانب الخدمة الدينية المتمثلة في القراءة من الإنجيل، ونقل مَن يرغب في الحضور إلى الكنيسة لإقامة صلاة القداس وحضور حفلات التّرانيم الدينيّة (٤).
٤) الدلالة على روابط الدروس التي تعلم اللغة القبطيّة (٥).
٥) تغطية فعاليات المظاهرات التي يقوم بها النَّصارى في مصر وخارجها (٦).
وهكذا فإنّ موضوعات هذا القسم تدور حول الكنيسة القبطيّة، ورئيسها الحالي، وبيان شيء من أنشطتها الدّعوية، وكذا الموضوعات التي لها تعلق بأخبار الأقباط، وتدارس اللغة القبطيّة.
القسم الثالث: موضوعات تدعو إلى اعتناق النصرانيّة.
وفي هذا القسم نجد الآتي:
стр. 102
١) قَصصٌ مصورة تبين –حسب معتقد كاتبيها- النهاية الأليمة في نار جهنم لمن لم يؤمن بالمسيح، والنهاية السعيدة في الجنّة لمن آمن به (١).
وفي هذا استخدام لأسلوبي التّرغيب والتّرهيب من أجل دعوة النّاس إلى اعتناق النصرانيّة، وترك دياناتهم.
٢) قَصصُ المتحولين للنّصرانيّة من المسلمين أو غيرهم، وإن كان الغالب ذكر من تحولوا من المسلمين. وتساق هذه القصص بأساليبَ يُقصد من ورائها تشويه صورة الإسلام تصريحاً أو تلميحاً.
فهذه شابّة مسلمة تذكر أنها نشأت في بيت إسلامي يجمع المتناقضات التي تبدأ من الأبِ المتدين المتشدد، ثم الأمِّ المتحجبة سليطة اللسان، والأخِ المتعاطي للمخدرات، وانتهاءً بالأخ الثاني الذي وصمته بالإرهابي.
ولأنّها لم تكن تنجب؛ فقد ساقها زوجها المسلم إلى مشعوذة تعالج بالسحر، ثم قرر الزّواج عليها لأنَّ دينه يبيح التعدد بأربع كما ذكرت.
ثم تسوق قصة تنصرها حين رأت كنيسة في آخر الطريق، فدخلتها ووجدت الرّاحة والطمأنينة النفسيّة. ولما حرمت من هذه السعادة بسبب اكتشاف أمرها ذاقت صنوف العذاب، إلى أنْ ظهر لها المسيح في غرفتها ذات ليلة، فملأ المكان نوراً؛ شاهده الزوج فتنصر. وهكذا بدأت طريقها في الدعوة التي كان نتاجها استجابةُ خمسة عشر شخصاً من عائلتها (٢).
ومثلها قصة تلك المسلمة التي تعرفت على النصرانية واعتنقتها بواسطة مشرف أحد المواقع النصرانيّة على الشبكة. وتذكر في قصتها أنها كانت حافظة للقرآن، ثم لما تنصرت ضربها والد زوجها [وهو داعية معروفٌ ذكرت اسمه] وحبسها في غرفة، وهددها بإقامة حد
стр. 103
الردة عليها، وأخذ يقرأ عليها القرآن كل يوم (١).
وهكذا نجد في سياق هذه القصص ما ينفر من الإسلام؛ من وصف أتباعه بالتشدد، وسوء الأخلاق، ومقارفة المخدرات، والقناعة بالشعبذات والأعمال السحرية، إضافة إلى اتصافهم بالإرهاب وترويع الآمنين. وفيها ما يصف القرآن بانعدام أثره في قلوب حافظيه؛ فضلاً عن قارئيه. واتهام الإسلام بإكراه الآخرين على الدّخول فيه. وكذا الطعن في بعض حدود الإسلام، كحد الردة، ولمز المشايخ والعلماء، والطعن فيهم.
وفي المقابل يصور الدين النصراني بأنّه دين محبة ورحمة؛ إلى درجة ظهور المسيح لأتباعه وتجليه لهم تثبيتاً وتشجيعاً. وتصوير الكنائس في هيئة دورٍ مملوءةٍ بالسّعادة والأنس والاستقرار النفسي.
٣) قصص رمزيّة تصور رحمة الديانة النصرانيّة، ودعوتها للمحبة والألفة، واحترامها لإنسانيّة الشخص، ولو كان فقيراً، طالما هو مقبل بقلبه على الكنيسة يصلي ويتضرع.
فهذا طالب جامعي فقير، أراد أن يدخل الكنيسة للصلاة في يوم أحدٍ بثيابه الرّثة وشعره الأشعث وقدميه الحافيتين؛ ولما لم يجد مقعداً جلس على الأرض إلى جانب منبر الوعظ، وأعينُ النّاس ترمقه وتزدريه.
وفي هذه اللحظة رآه شمّاس (٢) قد بلغ من السن عتيًّا، فتقدم إليه في خطوات مثقلة، وجلس إلى جانبه على الأرض حتى لا يكون شاذًّا في تصرفه.
وهنا يقول الواعظ: «كنتُ قد عزمتُ أن أعظكم اليوم، لكنْ مهما وعظتكم به فسوف تنسونه، إلا هذا المشهد فلن تنسوه أبداً. تعلموا كيف تعيشون المحبّة حتى يصير كلُّ واحد منكم إنجيلاً حيًّا مقروءاً من جميع النّاس» (٣).
стр. 104
وخلاصة موضوعات هذا القسم الدّعوة إلى اعتناق النصرانيّة بأسلوب صريح مباشر، أو عن طريق القصص التي يصور من خلالها تحول مسلمين عن دينهم إلى الدين النصراني، وكيف أنهم نعموا بالطمأنينة والسّعادة. أو بأسلوب القصص التي تحكي جوانب الرحمة والإنسانية في النصرانيّة. وفي بعض الأحيان يُلجأُ لأسلوب التّرهيب والتّخويف بسوء مآل مَن لم يؤمن بالمسيح مخلِّصاً.
القسم الرابع: موضوعات تهاجم الإسلام.
وفي هذا القسم نجد الآتي:
١) بث الشبهات حول كل ما يتعلق بالدين الإسلامي. ومن ذلك: حديث الإسلام عن صفات الله جل وعلا، وأنّ منها أنّه يضل من يشاء ويهدي من يشاء ثمّ يعاقب من يضل من عباده (١)، وأنه يأمر بالفسق، ويأمر بالقتل. وكذا الشبهات حول النبي ﷺ . والطعن في دين الإسلام، ووصمه بالضعف، وفي المقابل يوصف الدين النصراني بالقوة الذاتيّة التي تجعل الداخلين فيه سنويٍّا بالملايين -كما ذكروا (٢).
٢) الحديث عن اعتداءات يقوم بها المسلمون ضد النَّصارى وكنائسهم. والتنادي إلى جمع صفوف النَّصارى للوقوف أمام الاضطهاد الديني الذي كان المسلمون ولا زالوا يمارسونه ضدهم –كما ذكروا (٣). وتصوير هذه الاعتداءات بأنها سيقت بتأثير تعاليم الدين الإسلامي. فذلك المسلم يضع سكينه على رقبة القمص ويأمره بالنطق بالشهادتين إذا رغب أن لا يكون مصيره الذبح في الحال! وتلك المجموعة من المسلمين تتنادى: «الله أكبر! أموالُ النَّصارى حلال للمسلمين»، ثم تقتحم بيوت النَّصارى، وتقتل وتجرح وتنهب الأموال دون
стр. 105
رأفةٍ حتى بالصبية والنساء (١).
إنّ حوادث الصدام بين المختلفين في الأديان تقع في كل مكان، ولكنّ الإشكال في استغلال النَّصارى لهذه الحوادث للطّعن في الإسلام، وتصويره بالدّين الذي يجبر كل أحد على اعتناقه أو القتل والذبح بصور بشعة دمويّة. أو إظهاره بصورة دين همجي يبيح لأتباعه قتل المخالفين ولو كانوا أطفالاً أو نساءً أو رهباناً، واستحلال مهاجمة بيوتهم الآمنة، وسلب ما فيها من الأموال والممتلكات.
٣) الهجوم على المواقع الإسلاميّة على الشّبكة، ووصفها بالإرهاب والانتماء إلى التنظيمات الإرهابيّة، وكذا تلقي الدّعم من دولٍ وهّابيّة (٢) تسعى لنشر الفكر الوهّابي في بلاد أخرى؛ كما ذكروا. وتكذيب ما تذكره هذه المواقع الإسلاميّة ممّا يتعلق بالنّصارى (٣).
٤) تكذيب ما ينشره المسلمون من أخبار تسيء إلى الكنيسة القبطية، أو إلى رئيسها، كسوء معاملة من يعتنق الإسلام من أتباع الكنيسة (٤).
٥) عرض المقالات التي يكتبها أناس ينتسبون للإسلام، وفيها ما يطعن في الإسلام والمسلمين (٥).
стр. 106
وهذا المنهج –على انتقائيته وبُعده عن الإنصاف- لو عوملوا به مثلاً بمثل ما قبلوا. فإنّ من كبار علمائهم ومفكريهم في القديم والحديث مَن انتقد عقائدهم وشعائرهم وطقوس عباداتهم وكتابهم المقدس، مع بقائهم على نصرانيتهم، فضلاً عن أن يكون مصدر النقد من خارج هذه الدائرة.
٦) مهاجمة المسلمين، واستنكار ما يقومون به من جهود دعويّة. ومنها دعوة النصرانيات إلى الإسلام. فيصورون أنّ الهدف من ذلك هو الاستمتاع بهن في الآخرة، وليس حب الخير لهن، بدليل أنَّ الإسلام –كما يقولون- يحتقر المرأة، ويرى أنها ناقصة دين وعقل، وأنها تنقض الوضوء، وأن النّساء أكثر أهل النّار. وبدليل أنَّ الشيوخ المسلمين إذا جاءهم المسلمات للتوبة وتعلم أمور الدين طردوهم شر طِردة –كما ذكر أحدهم أنه رأى ذلك مراراً (١).
وهذه الأقاويل يراد من خلالها الطعن في الإسلام وأتباعه، وتصوير المسلمين على أنهم أهل شهوات. ويراد منها تنفير النَّصارى من الإسلام، وتبغيضه إلى قلوبهم. وكذا إرسال سهام الشك إلى قلوب المسلمات بأنّ دينهن لم يمنحهن المكانة اللائقة.
والخلاصة أنّ موضوعات هذا القسم تسعى لتزيين الدين النصراني، وتشويه الدين الإسلامي.
ولأجل الوصول إلى هذا الهدف يوصم الإسلام بأنّه دين إرهاب وعدوان واستحلال لدماء وأموال المخالفين له إذا لم يدخلوا فيه مكرهين، وتُؤخذ الحوادث التي تقع من آحاد المسلمين لتعميمها على كلِّ مسلم ومسلمة بدعوى أنّها امتثال لأوامر الدّين الإسلامي الذي يحث على كلِّ قبيح، ولو تظاهر المسلمون بخلاف ذلك- كما يقولون.
وهكذا يستمرون في الطعن في عقائد الإسلام وشرائعه، وفي نبيّه وكتابه، وفي السُّنّة النبوية.
стр. 107
وفي سبيل تبغيض المسلمين في قلوب غيرهم يصمونهم بألقاب تَرَسَّخ في نفوس كثيرين كرهُها والنفرةُ منها.
وهم في هذا يتنكبون الطريقة العلمية المنصفة في إصدار الأحكام، فيُبرزون المواقف والأفعال السيئة التي قد يقوم بها منتسب للإسلام، ثم يسقطونها على الدّين. ناهيك عن أساليب السباب والشتائم.
وبهذا يتم الحديث على هذه الخدمة، وننتقل منها إلى خدمة مواقع المحادثة.
стр. 108
المبحث الثالث: التّنصير بواسطة خدمات المحادثة
تمثل المحادثة عبر الشبكة العالمية مساحةً كبيرةً من حزمة البيانات المتبادلة بين مستخدمي الشبكة. وتعتبر الدافع الرئيسي وراء اتصال أكثر من ربع المستخدمين، بالرغم من أنها لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من إمكانات الشبكة (١).
وأصل هذه الخدمة مشروع صغير أنشأه المبرمج جاركو أوركاينين، في أغسطس من عام ١٩٨٨م، وسمّاه IRC اختصاراً لعبارة Internet Relay Chat أي: التحادث المتناوب عبر الشبكة (٢).
هذه الخدمة -التي بدأت بمشروع بسيط- أصبحت اليوم في مقدمة الخدمات التي يقبل عليها النّاس بشكل يومي.
وفي المطلب التّالي نعرف بهذه الخدمة، ونبين جوانب أهميتها.
المطلب الأوّل: التَّعريف بخدمات المحادثة
المسألة الأولى: التَّعريف اللغوي والاصطلاحي
أولاً: التَّعريف اللغوي:
كلمة المحادثة في الأصل مأخوذة من الحديث، وهو الخبر قليله وكثيره.
وفي لسان العرب: «المحادثة مفاعلة من الحديث، والمحادثة والتحادث والتحدث والتحديث: معروفات» (٣).
وعليه؛ فالمحادثة تجاذب أطراف الحديث بين شخصين أو أكثر.
ثانياً: التَّعريف الاصطلاحي:
هناك عدة تعريفات اصطلاحيّة للمحادثة عبر الشبكة العالميّة. منها:
стр. 109
التَّعريف الأوّل: المحادثة عبر الشّبكة هي «حديث عبر شبكة الإنترنت، عبر برامج المحادثة، بين شخصين أو أكثر، في موضوع معين» (١).
التَّعريف الثاني: المحادثة عبر الشّبكة هي «أي نوع من الاتصال عن طريق الإنترنت، لكن عادة ما تطلق على المحادثة الفردية بين شخصين، أو المحادثة النصية الجماعية في غرف الدردشة، باستخدام أدوات أو برامج المحادثة» (٢).
التَّعريف الثالث: المحادثة عبر الشبكة هي شكل من أشكال الاتصال التفاعلي المباشر الذي يمكن المستخدمين من إجراء محادثات في الوقت الحقيقي مع باقي المستخدمين الموجودين على الشبكة (٣).
ويرى الباحث أنْ تُعرف المحادثة بأنّها حديث مباشر عبر الشّبكة العالميّة، بواسطة برامج وغرف المحادثة، بين شخصين أو أكثر.
وهو تعريف مبني على التَّعريف الأول، ومضاف إليه محددان هامّان. أولهما أن يكون هذا التحادث بشكل مباشر، أي في الوقت الفعلي ( Real-Time) ، ليخرج بذلك التحادث غير التزامني، كما في المنتديات الحواريّة، والبريد الالكتروني، والمجموعات البريديّة، وغيرها. والثاني إضافة (غرف التحادث) كوسيط آخر إلى جانب البرامج المستخدمة لهذا الشأن. كذلك حذفت عبارة (في موضوع معين) لأنها زيادة في التعبير.
ويكثر استخدام كلمة (دردشة) لوصف هذه الخدمة، وهي كلمةٌ عربيّة تعني كثرةَ الكلام واختلاطَه (٤).
ولهذا فاستخدامها هنا صحيح بالنظر إلى كثرة المحادثات، وعدم التزام أغلبها بأصول الحوار من تقديم الأدلة، والتزام صحة النقل، وسلامة الكلام من التناقض، والبناء على
стр. 110
القضايا المسلَّمة، والتجرد لقصد الحق بعيداً عن التعصب، وتحديد موضوع الحوار، والتزام آداب الحوار من حسن الاستماع، وعدم المقاطعة، ومنح كلِّ متحدث الفرصةَ الكافية لطرح وجهة نظره، وتقدير الخصم واحترامه وعدم التعرض لشخصه، وغير ذلك من أصول الحوار وآدابه (١).
وأمّا كلمة (شات) فهي أعجمية، وهي نقل حرفي للمصطلح الإنجليزي ( chat) ، ومن معانيه: المحادثة بلا كلفة، والثرثرة، واللغو (٢).
وبرامج المحادثة على الشبكة العالميّة كثيرة، ولعل من أشهرها: PalTalk، InSpeak، Meebo، Tokbox، Userplane، SeeToo، Skype، Windows Live Messenger.
وهي برامج يقوم المستخدم بتنزيلها على جهازه وتنصيبها، وبعد أن يتصل بالشبكة يبدأ بتشغيلها والتحادث من خلالها مع أي متصل بالشبكة عندما يستخدم نفس البرنامج. وتختلف هذه البرامج في ميزاتها، وفي التكلفة الماليّة التي تفرضها على المستخدم لقاء المزيد من الخدمات الإضافيّة.
المسألة الثانية: أهمية خدمات المحادثة
يمكن إبراز أهمية هذه الخدمات في الآتي:
(١) سهولة الوصول إلى عدد كبير من النّاس، وذلك نتيجة الإقبال الكبير على هذه الخدمة، لما فيها من ميزات تواصليّة بين المستخدمين، في ظل سهولة التعامل وقلة التكاليف.
(٢) كثرة التطبيقات المفيدة لهذه الخدمة، ومن ذلك عقد الاجتماعات المباشرة بالصوت والصورة بين المهتمين بأمر مشترك دعوي أو تعليمي أو عملي أو اقتصادي أو سياسي أو غير ذلك، مهما تباعدت المسافات، دون الحاجة للسفر إلى مكان الاجتماع.