Полный текст (157 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الشهيد عبد القادر عودة
الإسلام وأوضاعنا القانونية
المختار الإسلامي للطباعة والنشر والتوزيع
- عدد الأجزاء: ١.
- عدد الصفحات: ١٥٨.
أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، - غفر الله له ولوالديه -.
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].
стр. 2
الطبعة الخامسة
١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨].
стр. 5
من نور كتاب الله:
• ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
• ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
• ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
• ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
• ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٩].
• ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٣].
стр. 6
دعاء
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله.
اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شَيْئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه.
أستغفر الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم.
اللهم اغفر لنا ما سلف، ووفقنا إلى مرضاتك فيما يقبل.
اللهم إنا نستعينك ونستهديك، فأعنا بفضلك، ووفقنا بهديك الكريم إلى صراطك المستقيم، واجعلنا على بصيرة من أمور دنيانا وديننا، ولا تكلنا طرفة عين إلى أنفسنا، ولا تجعلنا فتنة للظالمين.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، واربط على قلوبنا، وآتنا نصرك الذي وعدتنا
стр. 7
مَعْذِرَةً إِلَى القَانُونِ:
وعليَّ بعد ذلك واجب أرجو أن أوَفَّق فيه، واجب الاعتذار إلى القانون، ومَن أوْلى مني بالاعتذار للقانون؟ ووظيفتي أن أقوم بتفسيره وتطبيقه والتمكين له وحياطته من العدوان والامتهان.
إني أعتذر للقانون لأهاجم القوانين. أعتذر للقانون باعتباره معنى، وأهاجم من القانون النص والمبنى.
معذرة إلى القانون إذا ما هاجمته وأنا من سدنته، أو كشفت للناس ما يخفى عليهم من حقيقته، أو فسرته تفسيرا يذهب بجلاله، ويهون على الناس من شأنه، ويغريهم بمناوأته.
القانون يحرم علينا الكلام
إن القانون يحرم على الموظفين وعلى الأخص القضاة أن يبدو رأيهم في المسائل العامة، ويعد ذلك منهم اشتغالا بالسياسة، والسياسة عند صانعي القانون هي كل ما يمس
стр. 8
المسائل الاجتماعية والاقتصادية والمالية، وكل ما تعلق بتنظيم الدولة وصلتها بالأفراد والجماعات والدول، وكل ما اتصل بنظام الحكم، بل كل ما اتصل باستقلال الدول وحريتها وكرامتها.
إن صانعي القانون يريدون أن يجعلوا من الإنسان آلة، يريدون من القاضي أن يغمض عينيه فلا ينظر، وأن يصم أذنيه فلا يسمع، وأن يمسك لسانه فلا يتكلم، وأن يتجرد من إنسانيته فلا يحس ولا يشعر ولا يفكر.
كيف يتجرد القاضي؟
وهل يستطيع القاضي أن يتجرد من الإحساس والشعور، ويتخلص من نعمة العقل والتفكير، وهو يعيش في وسط مشاكل الحكم والإدارة، وبين نضال الأحزاب والجماعات، وفي دوامة الاجتماع والسياسة، تطالعه في كل يوم مناظر الكادحين المحرومين، وتملأ سمعه أنات العاملين المظلومين، وتعرض عليه في كل صباح ألوان وضروب من الرِّق الاجتماعي، والإجحاف السياسي، والاستغلال المحرم!
القاضي لا يتجرد في أمة محتلة
وهل يستطيع القاضي أن يتجرد كما يشاء القانون في أمة محتلة، وُلد شيوخها وشبابها في ظل احتلال أجنبي لا يزال جاثمًا على صدرها، يحتل أرضها، ويسيطر على أرزاقها، وينهب أقواتها، ويضغط حريتها، ويتدخل في سياستها،
стр. 9
ويستعين على أبنائها الأحرار الأبرار بإخوان لهم باعوا نفوسهم للشيطان، وفتنهم عن دينهم ووطنهم الحكم والسلطان؟!
هل يستطيع القاضي أن يتجرد في أمة أذلها الاحتلال، وأرهقتها الأغلال، وأفقرها المحتلون في مالها وأخلاقها، وبثوا الفساد في ربوعها، وأغروا العداوة والبغضاء بين أبنائها، وجعلوهم أحزابا متعددة كل حزب بما لديهم فرحون، تحسب كل حزب جَمِيعًا وقلوبهم شتى، بأسهم بينهم شديد، بدأوا حياتهم مجاهدين يكافحون الاحتلال، ويطالبون بالاستقلال التام أو الموت الزؤام، فلما ألقى إليهم المحتلون بكراسي الحكم ومغانمه تحلق هؤلاء المكافحون الأفذاذ حولها، وسالموا المحتلين على كل شيء غيرها، وانقلبوا بفضل هذه الكراسي أعداء يكافح بعضهم بعضا، ويأخذ بعضهم برقاب بعض، يسفكون دماءهم، وينهشون أعراضهم، ويقطعون أرحامهم.
القاضي لا يتجرد في أمة كلها فوضى
هل يستطيع القاضي أن يتجرد في بلد يسمح فيه بتعذيب المتهمين أشد العذاب ليعترفوا بما فعلوه أو بما لم يفعلوه، فتخلع أظافرهم، ويضربون مرة بعد مرة حتى يغمى عليهم، وتكوى أجسامهم بالنار، وتوشى بآثار السياط، ويمنع عنهم الدواء والطعام والماء، وتهتك أعراضهم فيوضع الحديد والخشب في أدبارهم، ويهَدَّدون بأن يفعل مثل هذا في أمهاتهم وزوجاتهم وبناتهم، ويحتل الجنود بيوتهم أياما وأسابيع
стр. 10
وليس فيها إلا النساء، ثم يبلغ هذا كله أو بعضه للقائمين على القانون فلا يفعلون شَيْئًا، ثم تثار هذه الاتهامات أمام المحاكم ويرددها أكثر من متهم، وتؤيدها الأوراق الرسمية والكشوف الطبية فلا تحاول النيابة العامة أن تحقق في هذه الاتهامات الفظيعة لتحمي على الأقل سُمعة القانون وسمعة القائمين عليه.
هل يستطيع القاضي أن يتجرد في بلد يعلم كل من فيه أنهم يعيشون في فوضى، وأن الحق للأقوى، وأن القانون المسكين إنما هو أداة لجر المغانم والترخيص بالمظالم، وأن وظائف الدولة وخيراتها مقصورة على الأنصار والمحسوبين والمنسوبين، وأن النفاق هو وسيلة النجاح في الحياة، وأن التحلل من الأخلاق والإباحية هو أول ما يقرب إلى ذوي النفوذ والجاه؟
هل يستطيع القاضي أن يتجرد في بلد يعيش في عهد الإقطاع، تقوم الحياة فيه على استغلال الأقوياء القاعدين للضعفاء العاملين، فالضعيف يشقى لينال اللقمة الجافة، ويكدح ليحصل على اللباس الخشن، بينما يتحول كدح الضعيف وشقاؤه ذهبا نضارا يصب في جيوب القاعدين المترفين، فيستحلونه لأنفسهم ويحبسونه عمن هو أحق به منهم، فإذا شكا الضعيف الكادح هذا الوضع، استُعينَ عليه بالحاجة طورا، واستُعينَ عليه بالقانون طورًا آخر، حتى برم الضعيف بضعفه وبالقانون، وبدأ يتمرد على الوضع الذي هو فيه وعلى القانون الذي يحميه.
стр. 11
القاضي لا يتجرد في أمة تنحرف عن الدين والخُلُق:
هل يستطيع القاضي أن يتجرد في بلد إسلامي ينص دستوره على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام بينما يتنكر حكامه وحكوماته للإسلام، ويتنمرون لكل من يخدم الإسلام، ويطاردون من يتعاونون على البر والتقوى، ويحمون من يتعاونون على الإثم والعدوان؟
هل يستطيع القاضي أن يتجرد في بلد ينسلخ من الأخلاق وينحرف عن الفضائل، وينكر البر والتراحم، وينأى عن مُثُلِه العليا تشبها بسادته وكبرائه واقتداءً بمترفيه؟
متى يستطيع القاضي أن يتجرد؟
إن القاضي قد يستطيع أن يتجرد في أمة تحترم شرائعها، وتنفذ نصوص قوانينها، ويتواصى بالحق والعدل أفرادها، أما في أمة لا منطق لها، تتدين ولا تحترم دينها، وتقنن ولا تنفذ قوانينها، وتعلن أن شعارها الحق والعدل والحرية وما ذلك من شعارها، أما في أمة لا يتواصى أفرادها بالحق، ولا يدعون إلى الخير ولا يأمرون بمعروف ولا يتناهون عن منكر، أما في أمة هذا شأنها فإن القاضي لا يمكنه أن يتجرد ولو حرص على التجرد، لسبب واحد بسيط هو أنه لا يستطيع.
فليغضب من شاء:
إن أناسا ستحمر أنوفهم عندما يقرؤون هذا الكلام غضبا
стр. 12
وحِمية لأصنام العصر الحاضر، وما الأصنام إلا هذه القوانين التي هم عليها عاكفون، هذه القوانين التي يطيعها المسلمون فيما يغضب الله، وتُحرِّم بها الحكومات الإسلامية ما أحل الله، وتُحِل بها ما حرم الله.
إنهم سيغضبون لأن كاهنا من كهنة هذه الأصنام قد عقها وكفر بها، وسيعجبون كيف أن قاضيا من خدام القانون يهاجم القانون ويكفر بالقانون، وسيتنادون من كل مكان أن خذوا على يد هذا الرجل قبل أن يحطم أصنامكم ويهدم نظامكم، ولكن هيهات. إنها ليست فكرة فرد ولكنه وعي أمة، إنه ليس نداء اللسان ولكنه نداء الإيمان، إنه الكفاح في سبيل الإسلام، إنه جهاد .. جهاد نتقرب به إلى الله.
стр. 13
أَنَا قَاضٍ وَلَكِنِّي مُسْلِمٌ:
ولو كنت قاضيًا غير مسلم لسبَّح لساني بحمد القانون كما يفعل الغربيون، ولو كنت قاضيا مسلما يجهل الإسلام لقلدت الأوروبيين وأظهرت الإيمان بالقانون، ولكني قاضٍ مسلم تهيأ له بفضل الله أن يعرف من الإسلام ما لا يعرفه قضاة كثيرون، وعلم من مخالفة القوانين الوضعية للإسلام ما لا يعلمه إلا القليلون.
تجرد القاضي المسلم كُفر:
إن القاضي المسلم يستطيع أن يتجرد كما يوجب عليه القانون في كل ما يمس المصالح الفردية، وكل ما يتصل بالمناورات الحزبية، أما ما يمس الإسلام ونظمه في التشريع والاجتماع والحكم، وما يمس العدالة الاجتماعية والقضائية، وما يمس الحقوق والواجبات، وما يمس الأخلاق والفضائل والمُثُل الإنسانية، وما يمس أمن الدولة في حاضرها ومستقبلها، أما هذا كله فلا يستطيع القاضي المسلم أن يتجرد فيه إلا إذا
стр. 14
كفر بالإسلام، وإلا إذا كان حيوانا يفكر كما يفكر الحيوان، ويأكل كما تأكل الأنعام.
إن الدستور الأساسي للمسلم هو الشريعة الإسلامية، فكل قانون وضعي جاء متفقا مع نصوصها أو مسايرًا لمبادئها العامة أو روحها التشريعية فهو على العين والرأس يطيعه المسلم بأمر الله، وكل قانون جاء على خلاف ذلك فهو في الرغام وتحت الأقدام، ولا كرامة لما يخالف الإسلام، ولا طاعة لمخلوق في معصية الله.
وأي مسلم يأتي ما يعلم أنه مخالف للإسلام فهو فاسق، فإن أتاه مستحِلا إتيانه فهو مرتد عن الإسلام كافر بالله، ولا شك أن كل مسلم يكره لنفسه أن يتصف بإحدى هاتين الصفتين فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين الناس.
لا طاعة على مسلم في معصية الله:
والإسلام يوجب على المسلم أن يطيع الله ورسوله أولاً، وأن يطيع أُولِي الأَمْرِ ثَانِيًا، ولكن الإسلام يوجب على المسلم أن لا يطيع أحدًا في معصية الله فطاعة أولي الأمر لا تجب فيما يُخْرِجُ المسلم عن طاعة الله، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩].
فهذا النص يعطي الحكام حق الأمر، ويرتب على الأفراد
стр. 15
واجب الطاعة ولكنه يقيد الحق والواجب معًا ولا يطلقهما، فليس لآمر أن يأمر بما يخالف الإسلام، سواء كان المأمور موظفًا أو غير موظف، وذلك ظاهر من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، ومن قول الرسول ﷺ : «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ»، وقوله: «مَنْ أَمَرَكُمْ مِنَ الوُلاَّةِ بِغَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ فَلاَ تُطِيعُوهُ».
على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر:
والإسلام يوجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وذلك قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]. وقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]. وقوله: ﴿كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩].
وقد جاءت أحاديث الرسول ﷺ مبينة لهذه المعاني ومؤكدة لها، من ذلك ما روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال في خطبة خطبها: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَأُونَ هَذِهِ الآيَةِ وَتُؤَوِّلُونَ على خلاف تأويلها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ
стр. 16
أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ " مَا مِنْ قَوْمٍ عَمِلُوا بِالمَعَاصِي وَفِيهِمْ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلْ إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ"».
وَقَالَ ﷺ : «[لَتَأْمُرُنَّ] بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ».
وَقَالَ: «مَا أَعْمَالُ البِرِّ عِنْدَ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ، وَمَا جَمِيعُ أَعْمَالِ البِرِّ وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ عِنْدَ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ إِلاَّ كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ».
وَقَالَ: «أَفْضَلُ شُهَدَاءِ أُمَّتِي رَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ بِالمَعْرُوفِ وَنَهَاهُ عَنْ المُنْكِرِ فَقَتَلَهُ عَلَى ذَلِكَ فَذَلِكَ الشَّهِيدُ، مَنْزِلَتُهُ ' فِي الجَنَّةِ بَيْنَ حَمْزَةَ وَجَعْفَرَ».
وَقَالَ: «بِئْسَ القَوْمُ قَوْمٌ لاَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ وَبِئْسَ القَوْمُ قَوْمٌ لاَ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَلاَ يَنْهَوْنَ عَنْ المُنْكِرِ».
وقال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ».
والأمر بالمعروف هو الترغيب في كل ما ينبغي قوله أو فعله طبقًا لنصوص الشريعة الإسلامية.
والنهي عن المنكر هو الترغيب في ترك ما ينبغي تركه أو
стр. 17
تغيير ما ينبغي تركه طِبْقًا للشريعة الإسلامية.
ومن المتفق عليه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس حَقًّا للأفراد يأتونه إن شاءوا، ويتركونه إن شاءوا، وليس مندوبًا إليه يحسن بالأفراد إتيانه وعدم تركه، وإنما هو واجب على الأفراد وليس لهم أن يتخلوا عن أدائه، وفرض لا محيص لهم من القيام بأعبائه.
وقد أوجب الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتقوم الجماعة على الخير، وينشأ الأفراد على الفضائل، وتقل المعاصي والجرائم، فالحكومات تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والجماعات تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والأفراد يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وبذلك يستقر أمر الخير والمعروف بين الجماعة، وَيُقْضَى على الفساد والمنكر بتعاون الجميع على البر والتقوى، ومكافحتهم الإثم والعدوان.
ذَلِكُمْ هُوَ حُكْمُ الإِسْلاَمِ:
وهكذا يوجب الإسلام على كل مسلم عصيان الحكومات والحكام فيما يؤمر به من معصية الخالق، ويحرم الإسلام على كل مسلم أن يطيع قانونًا أو أمرًا يخالف شريعة الإسلام ويخرج على حدود ما أمر به الله ورسوله.
وهكذا يوجب الإسلام على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيأمر بما أمر به الله، وينهى عما نهى عنه الله، ويوجب الإسلام على كل مسلم رأى منكرًا أن يغيره بيده
стр. 18
كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وإلا فبلسانه وقلمه، فإن لم يستطع فبقلبه، ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُؤَدِّيَ وَاجِبَهُ:
هذا هو حكم الإسلام، وتلك هي سبيل المؤمنين، وقد أظلنا زمن فشا فيه المنكر وفسد أكثر الناس، فالأفراد لا يتناهون عن منكر فعلوه، ولا يأمرون بمعروف افتقدوه، والحكام والأفراد يعصون الله ويحلون ما حرم الله، والحكومات تسن للمسلمين قوانين تلزمهم الكفر وتردهم عن الإسلام، فعلى كل مسلم أن يؤدي واجبه في هذه الفترة العصيبة.
ومن واجب كل مسلم سواء كان موظفًا أو غير موظف، قاضيًا أو غير قاض، أن يهاجم القوانين والأوضاع المخالفة للإسلام، وأن يهاجم الحكومات والحكام الذين يضعون هذه القوانين أو يتولون حمايتها وحماية الأوضاع المخالفة للإسلام، وعلى المسلمين في أنحاء الأرض أن يتعاونوا على تغيير القوانين والأوضاع المخالفة للإسلام وتحطيمها بأيديهم، فإن عجز أحدهم أو بعضهم عن الاشتراك في تحطيمها بيديه فعليه أن يسل عليها لسانه ويهاجمها بقلمه متعاونًا مع إخوانه الذين يستطيعون التغيير بأيديهم، فإن عجز أحد المسلمين أو بعضهم عن العمل أو القول الذي يهدم به القوانين والأوضاع المخالفة للإسلام،
стр. 19
فعليه أن يهدمها في نفسه، وأن يلعنها ويلعن القائمين عليها في قلبه.
وكفى المسلمين أداءً لواجبهم ونجاحًا فيه أن يتعاون أقصاهم وأدناهم دَارًا، وأقواهم وأضعفهم إيمانًا، على تغيير المنكر وهدم هذه الأصنام والطواغيت.
إن أول ما يجب على المسلم أن يتعاون فيه مع أخيه المسلم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله - جَلَّ شَأْنُهُ - يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. فليتعاون المسلمون على هدم هذه المنكرات الفاشية يُعِنْهُم اللهُ وَيَمُدَّهُمْ بِنَصْرِهِ، ويد الله مع الجماعة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
لِيُؤَدِّ كل مسلم واجبه في محاربة القوانين والأوضاع المخالفة للإسلام، وما على المسلم وهو يؤدي واجبه بأس مما يقوله أو يفعله الجاهلون، ما دام على بَيِّنَةٍ من دينه، وعلى يقين من أمر ربه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
стр. 20
وَظِيفَةُ القَانُونِ:
إني أعتذر للقانون وأهاجم القوانين، أعتذر للقانون باعتباره معنى، وأهاجم من القوانين النص والمبنى.
إن القانون كمعنى ضرورة لا مفر منها للجماعة، وحاجة لا غنى عنها للبشر في هذه الحياة الدنيا، فبالقانون تنظم الجماعات، وتمنع المظالم، وتحفظ الحقوق، وتوزع العدالة وتوجه الشعوب.
وحاجات البشر وضروراتهم هي التي خلقت القانون، وسوغت وجوده وشرعيته، وبررت احترامه وطاعته، فالجماعة تقتضيها الضرورة أن تنظم نفسها لتستفيد من مجهودات أفرادها، والجماعة تقتضيها الضرورة أن تمنع المظالم عن أفرادها وتحفظ حقوقهم وتوزع العدالة بينهم ليعيشوا في وئام وسلام متعاونين على ما يسعد الجماعة ويوجهها إلى الخير والكمال، والجماعة تقتضيها الضرورة أن توجه أفرادها توجيهًا مُعَيَّنًا ليأخذوا أنفسهم بعمل شيء لصالح الجماعة أو ليمتنعوا عن عمل ما لصالح الجماعة. وهكذا تسن القوانين سَدًّا لحاجات الجماعة وتلبية لضروراتها وحماية لصوالحها.
стр. 21
فالقانون إذن ليس شَيْئًا خارجا عن الجماعة أو مستقلا عنها، كما أنه ليس كما يتوهم البعض شَيْئًا أرفع منها، وما القانون في حقيقته إلا أداة أوجدتها الجماعة لخدمتها، ووسيلة تدفع بها الضرر عن أفرادها.
ووظيفة القانون عامةً هي خدمة الجماعة وسد حاجتها، ولكل قانون على حدة، وظيفة يؤديها هي السبب في إيجادها، والدافع إلى تقنينه، ومهما اختلفت أنواع القوانين فإنها تهدف جَمِيعًا لخدمة الجماعة وإسعادها، فالقانون الذي يفرض التعليم الإجباري وظيفته خدمة الجماعة عن طريق نشر التعليم ومحاربة الأمية، والقانون الذي يعاقب على الجرائم وظيفته خدمة الجماعة عن طريق حفظ الأمن فيها ومحاربة الإجرام، والقانون الذي يمنع التظالم بين الناس وظيفته خدمة الجماعة عن طريق حفظ الحقوق الفردية وتوزيع العدالة وبث الطمأنينة بين الأفراد، وهكذا.
وإذا كان كل قانون يستمد وجوده وشرعيته من حاجة الجماعة إليه، فإن كل قانون يستمد أهليته لخدمة الجماعة من قيام نصوصه على إسعاد الجماعة وسد حاجتها التي دعت إلى سَنِّ هذا القانون.
وإذا كانت وظيفة القانون هي خدمة الجماعة وسد حاجتها، فإن كل قانون لا تحقق نصوصه هذه الوظيفة أو تخرج عليها يفقد مبررات وجوده ومسوغات مشروعيته، وإذا
стр. 22
فقد القانون مبررات وجوده ومسوغات مشروعيته فهو باطل لا يصح أن يطاع ولا يستحق أن يحترم.
ولقد علمنا أن القانون في حقيقته ليس إلا أداة أوجدتها الجماعة لخدمتها ووسيلة تدفع بها الضرر عن أفرادها، فإذا تبين أن هذه الأداة لا تخدم الجماعة أو أنها تجلب الضرر على أفرادها، فالمنطق أن تنبذ هذه الأداة الفاسدة، وأن لا يحاول أحد استعمالها، لأن استعمالها معناه الخروج على الجماعة والإساءة إليها والتضحية بمنافعها ومصالح أفرادها.
стр. 23
أُصُولُ القَانُونِ:
قلنا فيما سبق إن القانون باعتباره معنى ضرورة لا مفر منها للجماعة، وحاجة لا غنى عنها للبشر، فبالقانون تنظم الجماعات، وتمنع المظالم، وتحفظ الحقوق، وتوزع العدالة، وتوجه الشعوب.
ولكن نصوص القانون ومواد بنائه لا تمثل غالبًا هذه المعاني الرفيعة التي يختص بها القانون كمعنى، وإنما تمثل نصوص القوانين آراء الحكام وَالمُقَنِّنِينَ وَتَصَوُّرِ عقلياتهم، وَتُتَرْجِمُ عن أنانيتهم وشرههم، وتسجل عليهم سوء النية وسوء التفكير وتضحية المعاني الرفيعة إرضاء للأطماع وإشباعا للغرور.
وللقانون - كمعنى - أصول متعارف عليها مُسَلَّمٌ بها توضع على أساسها نصوصه، وتدور عليها أغراضه، ولكن الحكام وصنائعهم من المقننين أفسدوا هذه الأصول وَشَوَّهُوهَا، واستبدلوا أخبث ما في نفوسهم بأكثر هذه الأصول وبأطيب ما فيها.
стр. 24
وأصول القانون متعددة ولكنها على تعددها يقصد منها أن تحقق الأغراض التي وُجِدَ القانون من أجلها، وأن يؤدي القانون وظيفته على أفضل الوجوه وأقربها إلى الكمال.
وبين أصول القانون ووظيفته علاقة وثيقة، فإذا كانت وظيفة القانون هي خدمة الجماعة وَسَدِّ حاجتها فإن أصول القانون هي الأسس التي تقوم عليها خدمة الجماعة والمبادئ التي يرجع إليها في سَدِّ هذه الحاجات.
قَانُونُ كُلِّ أُمَّةٍ قِطْعَةٍ مِنْهَا:
والأصل الأول للقانون هو أن قانون كل أمة إنما يشتق منها، ويرجع إليها، إنه قطعة من ماضيها الطويل وحاضرها الماثل. إنه يمثل نشأتها وتطورها ويمثل أخلاقها وتقاليدها، ويمثل آدابها ونظمها، ويمثل دينها ومعتقداتها.
وعلى هذا الأصل تختلف القوانين باختلاف الشعوب، فالقانون الياباني يختلف عن القانون الهندي بقدر ما يختلف الشعب الياباني عن الشعب الهندي في النشأة والتطور والأخلاق والتقاليد والآداب والنظم والدين والمعتقدات، والقانون الإنجليزي يختلف عن القانونين الياباني والهندي بقدر ما يختلف الشعب الإنجليزي عن الشعبين الياباني والهندي في كل ما سبق، والقانون الروسي يخالف كل ما سبق من القوانين بقدر ما بين الشعب الروسي والشعوب الأخرى من خلاف فيما ذكرنا من أوجه الخلاف، ومثل هذا يقال عن القانون الفرنسي والقانون الألماني وغيرهما من القوانين.
стр. 25
وعلى هذا الأصل ينسب القانون للأمم والشعوب فيقال القانون الإنجليزي والألماني والياباني ... إلخ، ويثبت نسب القانون للأمة كلما ثبت ميلاده فيها أو اتصاله بتاريخها وتأثره بعاداتها وتقاليدها، ومسايرته لحالتها الاجتماعية والسياسية والدينية، وإذا ثبت انتساب القانون للأمة فقد ثبتت شرعيته وأهليته لحكمها، ولم تجد الأمة غضاضة في احترام القانون وطاعته، لأن الأمة في هذه الحالة إنما تحكم نفسها بنفسها، وتخضع لما تدين به من عاداتها وتقاليدها وآدابها ونظمها وعقائدها.
ولهذا كله حرص المُقَنِّنُونَ في كل بلاد العالم إذا ما أخذوا لأمة من قوانين أمة أخرى على أن يُعَدِّلُوا ما يأخذونه حتى يأتلف مع قوانين الأمة الآخذة ويتفق مع أنظمتها؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن إلزام أمة قانون أمة أخرى دون مراعاة لما بين الأمتين من تخالف معناه إلزام إحدى الأمتين التخلي عن عاداتها وتقاليدها وآدابها ومميزاتها ونظمها وشرائعها، بل قد يكون معناه إلزام إحدى الأمتين التخلي عن نظامها الاجتماعي والتفريط في دينها والتنكر لمعتقداتها.
قَوَانِينُنَا غَرِيبَةٌ عَنَّا:
ولكن هذا الأصل الأول للقانون أُهْمِلَ إلى حد كبير في القوانين الوضعية السارية في مصر وفي كثير من البلاد الإسلامية، فقد نُقِلَتْ القوانين الأوروبية بحذافيرها ودون تعديل يذكر إلى
стр. 26
هذه البلاد، وجُعلت قوانين ملزمة في بلاد يسودها الإسلام ويحكمها منذ ثلاثة عشر قرنًا، وهي بلاد تتدين الغالبية الساحقة من سكانها بالإسلام، ويتعبدون بإقامة شعائره وأحكامه وعصيان ما خالفه من الأوامر والأحكام، وكان المعقول أن يفقه هذه المعاني ناقلو القوانين الأوروبية إلى البلاد الإسلامية، ولكنهم كانوا أناسًا لا فقه لهم ولا خير فيهم، فجاءت قوانينهم غريبة على البلاد الإسلامية لا تتصل بماضيها ولا بحاضرها ولا تمثل نشأتها ولا تطورها، ولا صلة لها بعادات أهل البلاد وتقاليدهم، ولا ينعكس عليها شيء من آدابهم وأخلاقهم، ولا مكان فيها لأديانهم وعقائدهم.
إن قوانيننا - معشر المسلمين - غريبة عنا، نقلت إلى تربة غير تربتها، وجو غير جوها، وأناس لا صلة لهم بها، يرتابون فيها ويتجهمون لها، بل ينكرونها ويتقربون إلى الله بهدمها، إنها قوانين تبعث على الكفر، وأوضاع تحرض على الإلحاد، وأنظمة تؤدي إلى الإباحية والتحلل، وإنها لا تنتسب للإسلام بنسب، ولا تمت للبلاد الإسلامية بسبب، إنها قوانين لا تقوم على أصولها، ولا يرجع إلينا نسبها، إنها كأبناء السِّفَاحِ يولدون لغير أب وعلى غير فراش.
القَانُونُ يُوضَعُ لِحِمَايَةِ العَقَائِدِ:
والأصل الثاني للقانون أنه يوضع لصالح الجماعة، وسد حاجاتها، ونشر السلام والطمأنينة بين أفرادها، ومن أهم
стр. 27
حاجات الجماعة حماية عقائدها ونظامها واحترام تقاليدها وآدابها، وفي البلاد الإسلامية تتعبد الجماعة بالإسلام، ويقوم نظامها الاجتماعي على الإسلام، وترجع عقائد الكثرة الساحقة إلى الإسلام، وتصطبغ أخلاقهم وآدابهم وتقاليدهم بصبغة الإسلام، فكان المعقول (لو عقل الحكام والمقننون) أن تجيء القوانين في البلاد الإسلامية متفقة مع تعاليم الإسلام، مسايرة لعقائد المسلمين، محافظة على مشاعرهم، ولكن هذه القوانين جاءت مخالفة للإسلام متحدية للمسلمين، تسخر من عقائدهم، وتمتهن مشاعرهم، وتعبث بمقدساتهم، وتسلبهم حقوقهم وتحول بينهم وبين واجباتهم، وبذلك خرجت هذه القوانين الممقوتة على وظيفتها، وفقدت أهليتها وشرعيتها ومبررات وجودها بما فقدت من مقوماتها وبقيامها على غير أصولها واستهدافها غير غايتها.
والعيب ليس عيب القانون المسكين، ولكنه عيب الناقلين الغافلين الذين غلبت عليهم الغفلة، ولم تسعفهم الفطنة، فنقلوا قوانين البلاد الأوروبية إلى البلاد الإسلامية دون أن يحسبوا حساب الفوارق الدينية والاجتماعية والتاريخية، ودون أن يدركوا أنهم بعملهم هذا قد حولوا القوانين عن طبيعتها، وصرفوها عن غايتها، وأنهم جعلوا من القوانين التي تُتخذ لإسعاد الجماعة ونشر الطمأنينة بين أفرادها قوانين تعمل على إيلام المشاعر، وإيغار الصدور، وتهدف إلى نشر الفوضى والاضطراب، وتجلب على الجماعة البؤس والشقاء.
стр. 28
القَانُونُ يُوضَعُ لِتَوْجِيهِ الشُّعُوبِ إِلَى الخَيْرِ:
ومن أصول القانون أنه يوضع لتوجيه الشعوب إلى الخير والكمال، ولكن القوانين الأوروبية التي نقلت للبلاد الإسلامية توجه الناس إلى الشر والعدوان، وتدفع الشعوب إلى الفساد والدمار، وليس أدل على ذلك وأصدق من الواقع، فلقد كنا قبل هذه القوانين أحرص الناس على الخير وأقربهم إلى البر وأسرعهم إلى التعاون والتراحم، حتى جاءتنا هذه القوانين فدعتنا إلى التحرر من عاداتنا الكريمة وتقاليدنا المجيدة، وأغرتنا بالانطلاق من حكم الأخلاق الرفيعة والفضائل الإنسانية العالية، وحسنت إلينا الأنانية الممقوتة، وبثت فينا النزعة المادية الطاغية، وأقامت مجتمعنا على المنفعة والمصلحة، ودفعت الكثيرين منا إلى التحلل والإباحية، وأحالتهم من أناس يعيشون في مُثُلِهِمْ الرفيعة وأخلاقهم القرآنية، إلى حيوانات تخضع لغرائزها ووحوش تبحث عن فرائسها.
القَانُونُ يَحْمِي الشُّعُوبَ مِنَ الاِسْتِغَلاَلِ:
والأصل في القانون أنه يوضع لحماية الشعوب من الاستغلال ومن الاستعلاء ومن الإذلال، ولكن القوانين الوضعية القائمة في البلاد الإسلامية إنما وضعت لحماية المستعمرين، وتمكينهم من استغلال الشعوب الإسلامية، والاستعلاء على أبناء البلاد، وترويضهم على الذلة والمسكنة.
ولنأخذ مصر مثلاً، ويندر في بلاد الإسلام ما لا ينطبق عليه هذا المثال ...
стр. 29
أَرْصِدَةُ مِصْرَ الاِسْتِرْلِينِيَّةُ:
لقد خرجت إنجلترا من الحرب في سنة ١٩٤٥م مدينة لمصر وحدها بحوالي خمسمائة مليون من الجنيهات، ذلك الدََّيْنُ الذي يسمى بالأرصدة الاسترلينية، أَفَتَرَى مصر كانت في غِنى عن هذا المبلغ الضخم حتى أقرضته إنجلترا؟ وهل استقرضت إنجلترا مصر فأقرضتها هذا المبلغ؟ لا هذا ولا ذاك والله! وإنما هو الاستغلال والغصب والسرقة على عين القانون وفي حمايته.
إن القانون المصري يبيح للانجليز أن يستغلوا المصريين، وأن يغصبوهم أموالهم ويسرقوا اللقمة من أفواههم وبمعاونة القانون استطاع الإنجليز الحصول على الأرصدة الاسترلينية، ويستطيعون إذا شاءوا أن يحصلوا على أكثر منها.
إن القانون المصري يبيح للبنك الأهلي (وهو في أصله مؤسسة انجليزية) إصدار النقود الورقية المصرية في مقابل رصيد من سندات الخزانة الانجليزية بدلا من الرصيد الذهبي، فليس على الإنجليز إذا ما أرادوا أن يسلبونا أموالنا إلا أن يستعينوا بقانوننا الذِي وُضِعَ لمصلحتهم فيعطوا البنك الأهلي سندات على الخزانة الانجليزية ليأخذوا ما شاءوا من الأموال المصرية، وما على القانون والقائمين عليه أن يجوع المصريون إذا شبع الإنجليز، وأن تفتقر مصر وتتأخر إذا ما أثرت إنجلترا وسادت.
стр. 30
وانتهت الحرب في سنة ١٩٤٥م وبدأنا نطالب بسداد هذا الدين الضخم الذي لو كان في يد مصر لخلقها خلقًا جديدًا، ولكن إنجلترا أخذت تراوغنا، ويطلب بعض زعمائها أن نتنازل لها عما غصبته منا مقابل حمايتها لنا أيام الحرب، كأنما كنا طلبنا منها أن تحمينا، أو أن تبقى لحظة واحدة في بلادنا، أو كأنما كانت الحرب معلنة منا أو علينا.
وأهم ما في الموضوع أننا لم نتعلم بعد، فلا يزال القانون هو القانون، ولا يزال الإنجليز يأخذون أموالنا في مقابل سندات لا نستطيع أن نحملهم على دفع قيمتها، فأي قانون هذا وأي رجال يقومون عليه؟!
إن الإنجليز يسرقون ما نحن في أشد الحاجة إليه من طعامنا ولباسنا، وينهبون في كل صباح ما في أسواقنا من بقول وخضر وفواكه ولحوم، ولا يتركون لنا إلا القليل الذي ترفع الحاجة إليه سعره، فلا يناله إلا القادرون عليه، ويبقى الفقراء وأوساط الناس طاوين، يتحلب ريقهم على ما في أيدي الإنجليز والقادرين من المصريين، وإن الإنجليز ليستولون باستمرار على كل ما في أسواقنا من حديد وخشب وأسمنت وغير ذلك من المواد النافعة، ليقيموا بها منشآت لجنودهم، وبيوتًا فخمة لضباطهم، وكل هذا يأخذونه بلا ثمن يدفعونه من أموالهم، وبلا مقابل إلا سندات الخزانة الإنجليزية التي تتجمد كل يوم أرصدة يستحلون عدم
стр. 31
سدادها، ويمنون علينا أشد المَنَّ إذا وعدوا بسداد بعضها، وليس لذلك معنى إلا أن الإنجليز يسرقون أقواتنا، وينهبون منتجاتنا، ويفقرون بلادنا، محتمين بقانوننا، ومستغلين حكوماتنا.
القَوَانِينُ المَصْرِيَّةُ فِي خِدْمَةِ الاِسْتِعْمَارِ:
إن القوانين المصرية قامت على أساس خدمة الاستعمار ومحاباة الأجانب، وتمكين الجميع من امتصاص دماء الشعب المصري، وصرف المصريين عن طريق الخير، وإبقائهم إلى أطول وقت ممكن فريسة الجهل والضعف، وبالتالي فريسة للاستعمار والاستغلال.
فالقوانين الجمركية والمالية التي تحمل اسم مصر، تأخذ من جيوب المصريين الفقراء، لتضخم جيوب الإنجليز الأثرياء، وقد لا يخطئ الإنسان كثيرًا إذا قال أن الهدف الأول لهذه القوانين هو حماية التجارة الإنجليزية، ولقد أتى علينا زمن كانت السلع الرخيصة تمنع فيه من دخول البلاد المصرية إذا كانت تزاحم برخصها سلعة إنجليزية، وكلنا يذكر أن السيارات وآلات الراديو وغيرها من البضائع اليابانية لم تستطع التغلب على الحواجز الجمركية المصرية بالرغم من أن سعرها ربما قل عن خمس ثمن ما يماثلها من البضائع الانجليزية.
والقوانين المصرية تضع مصر أرضها وسمائها وجهود أبنائها وأموالهم في خدمة الاستعمار، فهذه القوانين تلزمنا
стр. 32
أن ننشئ الطرق ونعدها للإنجليز، وأن ننشئ السكك الحديدية وننفق عليها لصالح الإنجليز وأن ننشئ الموانئ ونوسعها لتأوي إليها مراكب الإنجليز، وأن نمد الخطوط التليفونية والتلغرافية لخدمة الإنجليز، وبالرغم من ذلك كله تدخل مصر إلى حاجات الجيوش الإنجليزية، وحاجات حلفائهم من عتاد حربي وطعام ولباس فلا تستفيد مصر منها مِلِّيمًا وَاحِدًا لأنها معفاة من الرسوم الجمركية، ويستعمل الإنجليز السكك الحديدية المصرية في نقل عتادهم وطعامهم وجنودهم استعمالاً يزيد عن طاقتها حتى تستهلك خطوطها وقاطراتها وعرباتها، ويستعملون كذلك خطوط التلغراف والتليفون حتى يدركها العطب، وبعد هذا كله يماطلون في دفع الأجر التافه الضئيل الذي يجود به الاستعمار الشحيح البخيل على هذا البلد الذليل، ويحبسونه عنا متعللين بأوهى الحجج وأسقم المعاذير.
والقوانين المصرية تسمح للأجانب المثقفين الأغنياء أن يعاملوا بالربا المصريين الجهلاء الفقراء، فَتُحَوَّلُ أملاك المصريين وجهودهم ثروات في يد الأجانب، ويبوء المصريون بالفقر وَالدَّيْنِ وَالذُلِّ، وما كان يمكن أن يكون غير هذا ما دام أحد الفريقين قَوِيًّا بماله وعلمه، وثانيهما ضعيفًا بفقره وجهله، ولقد ترتب على هذا أن صارت مصر كعبة لشذاذ الآفاق والمغامرين والمرابين من الأجانب، وأن أصبحت كل ثرواتها تقريبًا في أيديهم، وأصبح الأجانب ممسكين بخيوط الحياة الاقتصادية في هذا البلد، فالبنوك والشركات للأجانب،
стр. 33
ورؤوس الأموال كلها تقريبًا للأجانب، والتصدير والاستيراد في يد الأجانب.
ولقد كانت إباحة الرِّبَا نكبة ماحقة قضت على هذا البلد الإسلامي الذي يُحَرِّمُ دينه الرِّبَا، ذلك أن المسلم وإن اقترض مُضَطَرًّا قُرُوضًا ربوية يحرم على نفسه أن يقرض غيره أو يعامله على أساس الربا، فالمسلم المعسر يُسْرَقُ باستمرار ولا يستطيع أن يعوض ما سرق منه، وهو لهذا يظل في إعسار مستمر يقتضيه أن يقترض ويقترض حتى يستنفد الربا رأس ماله.
والقوانين المصرية تبيح الخمر في بلد إسلامي يُحَرِّمُ دينه الخمر، ويوم أباحت الحكومة المصرية المسلمة الخمر لم يكن في مصر واحد في كل مائة يعرف ما هي الخمر، ولم يكن في مصر كلها شخص واحد يطالب بإباحة الخمر أو يشكو من تحريمها، لأن الدين الإسلامي إذا حرم الخمر على المسلم فإنه لا يحرمها على غير المسلم، ولكن الحكام المصريين المسلمين خرجوا على الإسلام وعصوا أحكامه لا لشيء إلا التقرب للأجانب وإرضاء الاستعمار أو لينفوا عن أنفسهم أشرف تهمة وهي تهمة التمسك بالإسلام والتعصب لأحكام الإسلام.
وكذلك أباحت القوانين المصرية الزنا في بلد يُحَرِّمُ دينه الزنا، وتحرم أخلاق أهله الزنا، وتمنع تقاليدهم من إباحة الزنا، ولكن القانون خرج على الدين وعلى الأخلاق وعلى التقاليد وأباح الزنا وامتهان الدعارة ليقدم نساء المصريين
стр. 34
للأجانب وجنود الاحتلال كما قدم لهم الخمر، وهل تبخل الحكومات الإسلامية وقوانينها الفاسقة على الأجانب والمستعمرين بمتعة الخمر والنساء وقد قدمت لهم كل ما في البلد من أرض وماء وهواء وأموال وأقوات وكرامات؟!!
والقوانين التي تقيد حريتنا في الانتقال والاجتماع والكتابة إنما وضعت لحماية الاستعمار، فنحن لا نستطيع أن ننتقل من بلد إسلامي إلى بلد إسلامي آخر إلا بشق الأنفس، بل قد لا نستطيع أن ننتقل من بعض البلد إلى بعضه الآخر كما هو الحال في الانتقال من مصر إلى السودان أو من شمال السودان إلى جنوبه.
وقانون التجمهر وقانون المظاهرات والاجتماعات وقانون المطبوعات وقانون الجمعيات هل وضعت إلا لخدمة الاستعمار، وكبت الشعب ووضعه في الأقفاص، والحيلولة بينه وبين حقه في التحرر والمساواة؟.
وقانون الأسلحة الذي يحرم على الناس حمل السلاح من أي نوع كان حتى السكين ذات الحد الواحد، أليس قد وضع لغل يد الشعب وإضعافه عن مقاومة أعدائه، وحرمانه من حقه الطبيعي في الدفاع عن نفسه، والحيلولة بينه وبين ما يوجبه الدين وما توجبه الرجولة وما توجبه الكرامة من مجاهدة
стр. 35
المستعمرين جِهَادًا لا ينتهي إلا بطردهم من هذا البلد وإخراجهم منه مذمومين مدحورين؟
أُصُولٌ وَأُصُولٌ:
هذه هي الأصول الفاسدة التي تقوم عليها قوانيننا، وَتِلْكُمْ هِيَ الأصول الصحيحة التي يجب أن يقوم عليها القانون، والقانون باعتباره معنى مظلوم مظلوم، وأول ظالميه هم القوام عليه من المقننين، إنهم يضعون لنا قوانين لا يصح أن تشرع لنا، إنها لا تتفق مع ديننا وشريعتنا ولا تحفظ مصالحنا ولا تسد حاجتنا، ولا تعود إلا بالشر والفتنة علينا، إنها ترمي إلى إذلالنا وإفقارنا، وتمكين الغير من رقابنا، إنها قوانين الاستعمار لا قوانيننا، وسلاسله يطوق بها أعناقنا، ويا طول شقائنا من هذه القوانين التي تنتسب إلينا بلا نسب، وتحكمنا على غير هدى، وتقودنا إلى الكفر والفقر، وتقذف بنا إلى الفوضى والخراب.
стр. 36
مَتَى يَكُونُ لِلْقَانُونِ سُلْطَاٌن ؟
قلنا فيما سبق أن القانون باعتباره معنى ضرورة لاَ مَفَرَّ منها للجماعة وحاجة لا غنى عنها للبشر في هذه الحياة الدنيا، فبالقانون تنظم الجماعات، وتمنع المظالم وتحفظ الحقوق الفردية والعامة وتوزع العدالة الاجتماعية والقضائية، وتوجه الشعوب إلى الخير والكمال.
ولكن القانون باعتباره معنى لا يمكن أن يحقق أهدافه الإنسانية العليا إلا إذا صيغ في نصوص ومواد تحفظ المعاني القانونية الرفيعة من التحريف والانحراف والنسيان وهذه النصوص والمواد هي ما نسميه بجسم القانون، ويقوم بوضعها الحكام والمقننون ومن لهم حق التشريع.
ونستطيع بعد ذلك أن نقول إن القانون كالكائن الحي له جسم وله روح، فأما جسم القانون فقد عرفنا أنه النصوص التي يضعها المُتَشَرِّعُ لتحقيق الأغراض التي وجد من أجلها القانون، وأما روح القانون فنعني بها سلطان القانون على الجماهير.
стр. 37
والقانون بلا سلطان هو جسم بلا روح، ونصوص لا قيمة لها. وصلاحية أي قانون لحكم الناس تقدر بما له من سلطان عليهم، وتختلف هذه الصلاحية تَبَعًا لقوة سلطان القانون ولضعفه.
وسلطان القانون على الجماهير يقوم على عنصرين لا ثالث لهما:
١ - عنصر روحي خالص، وهو الصلة التي تصل نصوص القانون بنفوس الأفراد وقلوبهم، فتجعلهم يتقبلون نصوص القانون، ويقبلون على طاعتها، ويحرصون على احترامها، ويشعرون في ذات أنفسهم بأنهم يأثمون بمخالفتها.
ولا يمكن أن يتوفر هذا العنصر إلا إذا قامت نصوص القانون على عقائد تؤمن بها الجماهير، أو دين يتدينون به أو مبادئ يجلُّونها أو تقاليد يحرصون على احترامها.
٢ - عنصر الإلزام في القانون، وهو الجزء الذي يرتبه القانون على مخالفيه، كالعقوبة والتعويض والرد والفسخ والبطلان وما أشبه.
أَنْوَاعُ القَانُونِ بِالنِّسْبَةِ لِسُلْطَانِهِ:
والقوانين والتشريعات في كل العالم ترجع بالنسبة لما لها من سلطان إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول:
وهو ما يقوم سلطانه على العنصر الروحي وعنصر الإلزام مَعًا، وهذا النوع من التشريعات هو أصلحها للبقاء، وأقواها
стр. 38
سلطانًا على الجماهير، لأنه يحكم سلوك الناس الباطن حين يتصل بعقائدهم وتقاليدهم، ويحكم سلوكهم الظاهر بما يفرضه من جزاء عليهم، ولأنه يستعين على حكم سلوكهم الظاهر بعقائدهم وضمائرهم، ولأنه يوائم بين سلوكهم الظاهر وسلوكهم الباطن ويوجههم وجهة واحدة، فهم يطيعون القانون في الباطن والظاهر وفي السر والعلن وفي الشدة والرخاء، تدفعهم إلى الطاعة قلوبهم المؤمنة وتردهم إلى الطاعة نفوسهم اللوامة.
الشَّرِيعَةُ الإِسْلاَمِيَّةُ أَصْلَحُ مَثَلٍ لِهَذَا النَّوْعِ:
وأصلح الأمثلة لهذا النوع هو الشريعة الإسلامية وإن كان يدخل تحته بعض القوانين الوضعية، على أنه يجب أن لا يفهم من هذا أن طبيعة الشريعة الإسلامية من طبيعة القوانين، فإن بين الشريعة والقانون الوضعي خلافات أساسية ترجع إلى اختلاف في طبيعة التشريعين.
أهم الخلافات بين طبيعة الشريعة وطبيعة القانون:
وأهم الخلافات بين طبيعة الشريعة الإسلامية وطبيعة القانون الوضعي هي:
[أ]- من وجهة العنصر الروحي:
هذا العنصر في الشريعة الإسلامية أقوى منه في أي قانون أو شريعة أخرى على وجه الأرض، لأن الشريعة الإسلامية تجعل للعنصر الروحي نصيبًا في كل نص تشريعي وفي كل قاعدة تشريعية، سواء كانت كلية أو فرعية، ذلك أن الإسلام يوجب
стр. 39
على المسلم أن يكيف أخلاقه وعاداته وتقاليده وآدابه ومعاملاته وَصِلاَتُهُ بالغير وكل ما يصدر عنه من قول أو فعل تكييفًا إسلاميًا بحتًا على مقتضى ما جاء به الدين الإسلامي، ولما كانت الشريعة الإسلامية هي مجموعة الأوامر والنواهي والتوجيهات التي جاء بها الدين الإسلامي، فمعنى ذلك أن كل نص من نصوص الشريعة الإسلامية يقوم على الدين ويرجع إليه ويتصل بعقيدة الأفراد وإيمانهم ويمس قلوبهم ونفوسهم.
وليس الحال كذلك في القوانين الوضعية التي إذا قام فيها نص على الدين أو الأخلاق أو العادات والتقاليد قامت بجانبه مئات النصوص على رغبات الحكام ومطامعهم، فالعنصر الروحي إذن لا يمكن أن يكون له نصيب في دائرة القوانين الوضعية إلا في قليل من القواعد القانونية.
ومن المعروف أن أساس القوانين الوضعية في أوروبا كلها هو القانون الروماني، وقد وجد هذا القانون وكمل قبل أن يوجد الدين المسيحي الذي تتدين به البلاد الأوروبية، فلما جاء الدين لم يكن له مكان هام في القانون خُصُوصًا وأنه لَمْ يَأْتِ بتشريع خاص، واكتفى المتشرعون بأن يضيفوا إلى القانون بعض النصوص التي اقتضاها وجود الدين الجديد وقيام الحكومات عليه واهتمامها بنشره بين الناس.
[ب]- من وجهة الأخلاق:
تَعتبِر الشريعةُ الأخلاقَ الفاضلةَ الدعامة الأولى التي يقوم
стр. 40
عليها المجتمع، ولهذا فهي تحرص على حماية الأخلاق، وتتشدد في هذه الحماية حتى لتكاد تعاقب على كل الأفعال التي تمس الأخلاق، أما القوانين الوضعية فتكاد تهمل المسائل الأخلاقية إهمالاً تامًا، ولا تعني بها إلا إذا أصاب ضررها المباشر الأفراد أو الأمن أو النظام، فالقوانين الوضعية لا تعاقب على الزنا مثلاً إلا إذا أكره أحد الطرفين الآخر أو كان الزنا بغير رضاه رضاء تامًا، لأن الزنا في هاتين الحالتين يمس ضرره المباشر الأفراد كما يمس الأمن العام، أما الشريعة الإسلامية فتعاقب على الزنا في كل الأحوال والصور، لأنها تعتبر الزنا جريمة تمس الأخلاق، وإذا فسدت الأخلاق فقد فسدت الجماعة وأصابها الانحلال. وأكثر القوانين الوضعية لا تعاقب على شرب الخمر، ولا تعاقب على السُّكْرِ لذاته، وإنما تعاقب السكران إذا وجد في الطريق العام في حالة سُكْرٍ بَيِّنٍ، لأن وجوده في هذه الحال يعرض الناس لأذاه واعتدائه، وليس العقاب على السكر لذاته باعتباره رذيلة، وعلى شرب الخمر باعتباره مُضِرًّا بالصحة متلفًا للمال مفسدًا للأخلاق، أما الشريعة فتعاقب على مجرد شرب الخمر ولو لم يسكر منها الشارب لأنها تنظر إلى المسألة من الوِجْهَةِ الخُلُقِيَّةِ التي تتسع لشتى الاعتبارات، فإذا صينت الأخلاق فقد صينت الصحة والأعراض والأموال والدماء وحفظ الأمن والنظام.
والعلة في اهتمام الشريعة الإسلامية بالأخلاق على هذا الوجه، أن الشريعة تقوم على الدين، وأن الدين يأمر بمحاسن الأخلاق، ويحث على الفضائل، ويهدف إلى تكوين الجماعة الصالحة الخيرة، ولما كان الدين لا يقبل التغيير والتبديل فمعنى ذلك أن الشريعة ستظل حريصة على حماية الأخلاق متشددة في حمايتها.
والعلة في استهانة القوانين الوضعية بالأخلاق أن هذه
следующие страницы →