← Сияса и кади

Сияса и кади · id 96174

الإسلام وأوضاعنا القانونية

عبد القادر عودة

Полный текст (157 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مَتَى يَكُونُ لِلْقَانُونِ سُلْطَاٌن ؟ قلنا فيما سبق أن القانون باعتباره معنى ضرورة لاَ مَفَرَّ منها للجماعة وحاجة لا غنى عنها للبشر في هذه الحياة الدنيا، فبالقانون تنظم الجماعات، وتمنع المظالم وتحفظ الحقوق الفردية والعامة وتوزع العدالة الاجتماعية والقضائية، وتوجه الشعوب إلى الخير والكمال. ولكن القانون باعتباره معنى لا يمكن أن يحقق أهدافه الإنسانية العليا إلا إذا صيغ في نصوص ومواد تحفظ المعاني القانونية الرفيعة من التحريف والانحراف والنسيان وهذه النصوص والمواد هي ما نسميه بجسم القانون، ويقوم بوضعها الحكام والمقننون ومن لهم حق التشريع. ونستطيع بعد ذلك أن نقول إن القانون كالكائن الحي له جسم وله روح، فأما جسم القانون فقد عرفنا أنه النصوص التي يضعها المُتَشَرِّعُ لتحقيق الأغراض التي وجد من أجلها القانون، وأما روح القانون فنعني بها سلطان القانون على الجماهير.

стр. 37

والقانون بلا سلطان هو جسم بلا روح، ونصوص لا قيمة لها. وصلاحية أي قانون لحكم الناس تقدر بما له من سلطان عليهم، وتختلف هذه الصلاحية تَبَعًا لقوة سلطان القانون ولضعفه. وسلطان القانون على الجماهير يقوم على عنصرين لا ثالث لهما: ١ - عنصر روحي خالص، وهو الصلة التي تصل نصوص القانون بنفوس الأفراد وقلوبهم، فتجعلهم يتقبلون نصوص القانون، ويقبلون على طاعتها، ويحرصون على احترامها، ويشعرون في ذات أنفسهم بأنهم يأثمون بمخالفتها. ولا يمكن أن يتوفر هذا العنصر إلا إذا قامت نصوص القانون على عقائد تؤمن بها الجماهير، أو دين يتدينون به أو مبادئ يجلُّونها أو تقاليد يحرصون على احترامها. ٢ - عنصر الإلزام في القانون، وهو الجزء الذي يرتبه القانون على مخالفيه، كالعقوبة والتعويض والرد والفسخ والبطلان وما أشبه. أَنْوَاعُ القَانُونِ بِالنِّسْبَةِ لِسُلْطَانِهِ: والقوانين والتشريعات في كل العالم ترجع بالنسبة لما لها من سلطان إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: وهو ما يقوم سلطانه على العنصر الروحي وعنصر الإلزام مَعًا، وهذا النوع من التشريعات هو أصلحها للبقاء، وأقواها

стр. 38

سلطانًا على الجماهير، لأنه يحكم سلوك الناس الباطن حين يتصل بعقائدهم وتقاليدهم، ويحكم سلوكهم الظاهر بما يفرضه من جزاء عليهم، ولأنه يستعين على حكم سلوكهم الظاهر بعقائدهم وضمائرهم، ولأنه يوائم بين سلوكهم الظاهر وسلوكهم الباطن ويوجههم وجهة واحدة، فهم يطيعون القانون في الباطن والظاهر وفي السر والعلن وفي الشدة والرخاء، تدفعهم إلى الطاعة قلوبهم المؤمنة وتردهم إلى الطاعة نفوسهم اللوامة. الشَّرِيعَةُ الإِسْلاَمِيَّةُ أَصْلَحُ مَثَلٍ لِهَذَا النَّوْعِ: وأصلح الأمثلة لهذا النوع هو الشريعة الإسلامية وإن كان يدخل تحته بعض القوانين الوضعية، على أنه يجب أن لا يفهم من هذا أن طبيعة الشريعة الإسلامية من طبيعة القوانين، فإن بين الشريعة والقانون الوضعي خلافات أساسية ترجع إلى اختلاف في طبيعة التشريعين. أهم الخلافات بين طبيعة الشريعة وطبيعة القانون: وأهم الخلافات بين طبيعة الشريعة الإسلامية وطبيعة القانون الوضعي هي: [أ]- من وجهة العنصر الروحي: هذا العنصر في الشريعة الإسلامية أقوى منه في أي قانون أو شريعة أخرى على وجه الأرض، لأن الشريعة الإسلامية تجعل للعنصر الروحي نصيبًا في كل نص تشريعي وفي كل قاعدة تشريعية، سواء كانت كلية أو فرعية، ذلك أن الإسلام يوجب

стр. 39

على المسلم أن يكيف أخلاقه وعاداته وتقاليده وآدابه ومعاملاته وَصِلاَتُهُ بالغير وكل ما يصدر عنه من قول أو فعل تكييفًا إسلاميًا بحتًا على مقتضى ما جاء به الدين الإسلامي، ولما كانت الشريعة الإسلامية هي مجموعة الأوامر والنواهي والتوجيهات التي جاء بها الدين الإسلامي، فمعنى ذلك أن كل نص من نصوص الشريعة الإسلامية يقوم على الدين ويرجع إليه ويتصل بعقيدة الأفراد وإيمانهم ويمس قلوبهم ونفوسهم. وليس الحال كذلك في القوانين الوضعية التي إذا قام فيها نص على الدين أو الأخلاق أو العادات والتقاليد قامت بجانبه مئات النصوص على رغبات الحكام ومطامعهم، فالعنصر الروحي إذن لا يمكن أن يكون له نصيب في دائرة القوانين الوضعية إلا في قليل من القواعد القانونية. ومن المعروف أن أساس القوانين الوضعية في أوروبا كلها هو القانون الروماني، وقد وجد هذا القانون وكمل قبل أن يوجد الدين المسيحي الذي تتدين به البلاد الأوروبية، فلما جاء الدين لم يكن له مكان هام في القانون خُصُوصًا وأنه لَمْ يَأْتِ بتشريع خاص، واكتفى المتشرعون بأن يضيفوا إلى القانون بعض النصوص التي اقتضاها وجود الدين الجديد وقيام الحكومات عليه واهتمامها بنشره بين الناس. [ب]- من وجهة الأخلاق: تَعتبِر الشريعةُ الأخلاقَ الفاضلةَ الدعامة الأولى التي يقوم

стр. 40

عليها المجتمع، ولهذا فهي تحرص على حماية الأخلاق، وتتشدد في هذه الحماية حتى لتكاد تعاقب على كل الأفعال التي تمس الأخلاق، أما القوانين الوضعية فتكاد تهمل المسائل الأخلاقية إهمالاً تامًا، ولا تعني بها إلا إذا أصاب ضررها المباشر الأفراد أو الأمن أو النظام، فالقوانين الوضعية لا تعاقب على الزنا مثلاً إلا إذا أكره أحد الطرفين الآخر أو كان الزنا بغير رضاه رضاء تامًا، لأن الزنا في هاتين الحالتين يمس ضرره المباشر الأفراد كما يمس الأمن العام، أما الشريعة الإسلامية فتعاقب على الزنا في كل الأحوال والصور، لأنها تعتبر الزنا جريمة تمس الأخلاق، وإذا فسدت الأخلاق فقد فسدت الجماعة وأصابها الانحلال. وأكثر القوانين الوضعية لا تعاقب على شرب الخمر، ولا تعاقب على السُّكْرِ لذاته، وإنما تعاقب السكران إذا وجد في الطريق العام في حالة سُكْرٍ بَيِّنٍ، لأن وجوده في هذه الحال يعرض الناس لأذاه واعتدائه، وليس العقاب على السكر لذاته باعتباره رذيلة، وعلى شرب الخمر باعتباره مُضِرًّا بالصحة متلفًا للمال مفسدًا للأخلاق، أما الشريعة فتعاقب على مجرد شرب الخمر ولو لم يسكر منها الشارب لأنها تنظر إلى المسألة من الوِجْهَةِ الخُلُقِيَّةِ التي تتسع لشتى الاعتبارات، فإذا صينت الأخلاق فقد صينت الصحة والأعراض والأموال والدماء وحفظ الأمن والنظام. والعلة في اهتمام الشريعة الإسلامية بالأخلاق على هذا الوجه، أن الشريعة تقوم على الدين، وأن الدين يأمر بمحاسن الأخلاق، ويحث على الفضائل، ويهدف إلى تكوين الجماعة الصالحة الخيرة، ولما كان الدين لا يقبل التغيير والتبديل فمعنى ذلك أن الشريعة ستظل حريصة على حماية الأخلاق متشددة في حمايتها. والعلة في استهانة القوانين الوضعية بالأخلاق أن هذه

стр. 41

القوانين لا تقوم على أساس وإن اهتمت بعض نصوصها بالدين، ومعظم نصوصها يقوم على أساس الواقع وما تعارف عليه الناس. القواعد القانونية الوضعية قابلة بطبيعتها للتغيير والتبديل، ويقوم بوضعها وتغييرها عادة الأفراد الظاهرون في المجتمع بالاشتراك مع الحكام، وهم يتأثرون في عملهم بأهوائهم وضعفهم البشري ونزوعهم الطبيعي إلى التخلل من القيود، فكان من الطبيعي أن تهمل القوانين الوضعية المسائل الأخلاقية شَيْئًا فَشَيْئًا، وأن يأتي وقت تصبح فيه الإباحية هي القاعدة والأخلاق الفاضلة هي الاستثناء، ولعل البلاد التي تطبق القوانين الوضعية قد وصلت إلى هذا الحد الآن. [ج]- من جهة المصدر: مصدر الشريعة هو الله - جَلَّ شَأْنُهُ -، لأنها تقوم على الدين الإسلامي وهو من عند الله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. أما مصدر القوانين الوضعية فهم البشر الذين يقومون بوضع هذه القوانين، ويترتب على كون الشريعة الإسلامية من عند الله نتيجتان هامتان: النتيجة الأولى: احترام القواعد الشرعية احترامًا تَامًّا سواء من الحاكم أو المحكوم لأن كليهما يعتقد أنها من عند الله وأنها واجبة الاحترام، وهذا الاعتقاد بالذات يحمل الأفراد

стр. 42

على طاعة القواعد الشرعية، لأن الطاعة تقربهم إلى الله طبقا لقواعد الدين الإسلامي، ولأن العصيان يؤدي إلى العقوبة في الدنيا وإلى ما هو شر من العقوبة في الآخرة، فنسبة الشريعة إلى الله أدت إلى احترام الأفراد لها وطاعتها، وكل شريعة في العالم تقدر قيمتها بقدر ما لها في نفوس الأفراد من طاعة واحترام، وليس في العالم اليوم شريعة تداني الشريعة الإسلامية فيما لها من سلطان، ولا شك أنه كلما احترم الأفراد شريعتهم وأطاعوها وأحبوها استقرت أمورهم وحسنت أحوالهم وتفرغوا لشؤون دنياهم. النتيجة الثانية: ثبات القواعد الشرعية واستمرارها، ولو تغير الحكام أو اختلفت أنظمة الحكم، فيستوي أن تكون الهيئة الحاكمة محافظة أو مجددة، ويستوي أن يكون نظام الحكم جمهوريا أو ملكيا، فإن ذلك لن يؤثر على القواعد الشرعية في شيء ما، لأن القواعد الشرعية لا ترتبط بالهيئة الحاكمة ولا بنظام الحكم وإنما ترتبط بالدين الإسلامي الذي لا يتغير ولا يتبدل، والذي يؤمن به كل حاكم ويستخدم له كل نظام، وليس الأمر كذلك في القوانين الوضعية التي يضعها الحكام لحماية المبادئ التي يعتنقونها، وخدمة الأنظمة التي يقيمونها، فإن هذه القوانين عرضة للتغيير المستمر، وفي طبيعتها عدم الاستقرار، ويكفي أن تتغير الهيئة الحاكمة أو يتغير النظام القائم لتغيير القوانين وتنقلب الأوضاع. هذا هو شأن الشريعة وما ترتب على نسبتها لله - جَلَّ

стр. 43

شَأْنُهُ -، أما القوانين الوضعية فهي كما قلنا من صنع الفئة الحاكمة، وهي حين تضعها تراعي مصلحتها دون غيرها من الفئات، وتحاول أن تحمي بالقوانين أشخاص الحاكمين، والمبادئ التي يعتنقوها والأنظمة التي يقيمونها، فإذا ما ذهبت هذه الفئة وجاء غيرها تغيرت القوانين لتحمي الفئة الجديدة والمبادئ الجديدة والأنظمة الجديدة، وهكذا تتغير القوانين بتغير الحاكمين والمبادئ والأنظمة التي يقوم عليها الحكم، وهي لا تفتأ تتغير وتتبدل بين حين وآخر، وهذا يؤدي إلى عدم احترام القانون وذهاب سلطانه من النفوس. ولقد أصبحنا اليوم نرى الأحزاب المعارضة في العالم تحرض أنصارها على الاستهانة بالقانون والخروج على أحكامه لتصل على أشلائه إلى أغراضها. وما على الأحزاب المعارضة وأصحاب الدعوات الجديدة حرج فيما يدعون إليه ما داموا يرون أن القانون من صنع أفراد مثلهم، وأنه وضع لحماية أفراد ليسوا خَيْرًا منهم، أو أنظمة هي شر في نظرهم. ولعل فيما هو حادث اليوم في البلاد الأوروبية من تبدل الأنظمة والحكام وشكل الحكومات الدليل المقنع على زوال سطوة القانون وانعدام سلطانه، وإذا استمر الحال كذلك فسيأتي قريبًا الوقت الذي تفقد فيه القوانين الوضعية قيمتها، وَلاَ تُقََوَّمُ بأكثر من الورق الذي كتبت عليه.

стр. 44

النوع الثاني: وهو ما يقوم سلطان القانون فيه على عنصر الإلزام فقط، وسلطان هذا النوع من القانون ضعيف، لأن القانون لا صلة له بالنفوس والقلوب، ومن ثم يتقبله الناس كارهين، ولا يقبلون عليه طائعين، ولا يتحرجون من مخالفته إذا أمنوا سطوته. والناس مهما بلغ علمهم أو بلغت الثقافة بهم لا يستجيبون إلا لنداء المبدأ والعقيدة، ونداء المروءة والخلق الرفيع، ونداء المنفعة والمصلحة، فإذا خلا القانون مما يتصل بالمبادئ والعقائد، وإذا خلا القانون مما يتصل بالأخلاق والفضائل، وكان للفرد منفعة أو مصلحة في مخالفة القانون فقل سلام على القانون. ويدخل تحت هذا النوع معظم القوانين الوضعية في العالم وبصفة خاصة القوانين التي جردت من كل ما له مساس بالدين والعقائد والأخلاق والفضائل الإنسانية. القَوَانِينُ الوَضْعِيَّةُ قَبْلَ الثَّوْرَةِ الفِرَنْسِيَّةِ وَبَعْدَهَا: ومن الحق أن نقول أن القوانين الوضعية كانت إلى ما قبل الثورة الفرنسية ذات سلطان، وكان سلطانها يقوم على عنصر روحي محدود وعلى عنصر الإلزام، وكانت نصوص القانون مَزِيجًا من القواعد الآمرة والناهية الموروثة عن الرومان أو غيرهم، ومن بعض المبادئ الخُلُقِيَّةِ والعادات والتقاليد المرعية

стр. 45

والسوابق القضائية، وكان يتخلل هذا المزيج قليل من القواعد الدينية التي تختلف باختلاف الدين واختلاف المذهب. وبعد الثورة الفرنسية أخذ المتشرعون الأوروبيون في تجريد القوانين الوضعية من كل ما له مساس بالدين والعقائد والأخلاق والفضائل الإنسانية حتى تم لهم ذلك إلى حد كبير، وأصبحت هذه القوانين قائمة على تنظيم علاقات الأفراد المادية، وعلى ما يمس الأمن ونظام الحكم أو النظام الاجتماعي، وبذلك انعدم العنصر الروحي في القانون فانعدم سلطانه على الأفراد والشعوب. وقد أدى إهمال الدين والعقائد وإبعاد الأخلاق والفضائل عن دائرة القانون إلى نتائجه الحتمية، ففسدت الأخلاق وشاعت الفوضى، ونبتت في الجماهير روح التمرد والاستهانة بالقانون، وكثرت الثورات وتعددت الانقلابات وتغيرت النظم طِبْقًا للأهواء وانتفى الاطمئنان والاستقرار من حياة الشعوب. الصَّخْرَةُ التِي حَطَّمَتْ القَانُونَ: ولقد أوقع المتشرعين الوضعيين في هذا الخطأ الفاحش أنهم أرادوا أن يحققوا مبدأ المساواة بين الأفراد، وأن يطبقوا مبدأ حرية الاعتقاد، فلم يروا وسيلة لتطبيق هذين المبدأين مَعًا إلا أن يجردوا القانون من كل ما يمس العقائد والأخلاق، فأدى بهم هذا التطبيق السيء إلى تلك النتائج المحزنة، ولو

стр. 46

أنهم أخذوا بطريقة الشريعة الإسلامية لضمنوا تحقيق ما شاءوا من مبادئ ولمنعوا من وقوع هذه المساوئ. كَيْفَ تَخَطَّتْ الشَّرِيعَةُ هَذِهِ العَقَبَةَ؟ إن الشريعة الإسلامية شريعة أساسها الإسلام، فهي بطبيعتها شريعة دينية، ومن قواعدها الأولية أنها تسري على المسلمين وغير المسلمين ممن يتوطنون دار الإسلام، وهؤلاء يسمون اصطلاحًا بالذميين، ومن أهم المبادئ التي جاءت بها الشريعة مبدأ المساواة ومبدأ حرية العقيدة، وظاهر من الجمع بين هذه المبادئ أن الشريعة تعرضت لنفس المشكلة التي قوضت القانون الوضعي، فماذا يا ترى فعلت الشريعة؟ إنها وضعت للمشكلة أبدع حل وأبسطه أنها سَوَّتْ بين المسلمين والذميين فيما هم فيه متساوون، وخالفت بينهم فيما هم فيه مختلفون. ولا يختلف الذميون عن المسلمين إلا فيما يتعلق بالعقيدة، ولذلك كان كل ما يتعلق بالعقيدة لا مساواة فيه، والواقع أنه إذا كانت المساواة بين متساويين عَدْلاً خَالِصًا فإن المساواة بين المتخالفين ظلم واضح، ولا يمكن أن يعتبر هذا استثناء من قاعدة المساواة التي أخذت بها الشريعة نفسها، بل هو تأكيد للمساواة إذ المساواة لم يقصد بها إلا تحقيق العدالة، ولا يمكن أن تتحقق العدالة إذا سوي بين المسلمين والذميين فيما يتصل بالعقيدة الدينية، لأن معنى ذلك هو حمل المسلمين على ما يتفق مع عقيدتهم، وحمل الذميين على ما يختلف مع

стр. 47

عقيدتهم، ومعناه أَيْضًا عدم التعرض للمسلمين فيما يعتقدون، والتعرض للذميين فيما يعتقدون وإكراههم على غير ما يدينون، ومعناه أخيرًا الخروج على نص القرآن الصريح ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ومن الأمثلة على ما تفرق فيه الشريعة بين المسلمين والذميين الجرائم القائمة على أساس ديني محض كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، فالشريعة تحرم شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ومن العدل أن يطبق هذا التحريم على المسلم الذي يعتقد طِبْقًا لدينه بحرمة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ولكن من الظلم أن يطبق هذا التحريم على غير المسلم الذي يعتقد أن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير لا حرمة فيه، ولو طبقت قاعدة المساواة تطبيقًا أعمى لأخذ الذميون بأفعال هي في معتقدهم غير محرمة وفي هذا ظلم بَيِّنٌ، فكان من العدل أن قصر التحريم على المسلمين دون غيرهم؛ فالمسلم إذا شرب الخمر وأكل لحم الخنزير ارتكب جريمة يعاقب عليها، أما الذمي فلا يعتبر شربه الخمر وأكله لحم الخنزير جريمة. النوع الثالث: وهو ما يقوم فيه سلطان القانون على عنصر الإلزام وحده، ولكن تأتي نصوص القانون مضادة لعقائد الجماعة، خارجة على الأخلاق الموروثة والفضائل المتعارف عليها، ومثل هذا القانون يعتبر مُجَرَّدًا من السلطان، وَأَنَّى يكون له

стр. 48

سلطان على من يهاجم عقائدهم، ويسفه أحلامهم وفضائلهم، ويؤلم نفوسهم ويعذب ضمائرهم؟ إن السلطان لا ينتظر لمثل هذا القانون، وإنما ينتظره المقت الشديد والعداء السافر والمقاومة المستميتة التي تطيح بالقانون وبمن يدافع عنه، وليس في العقوبة أَيًّا كانت غناء عن مثل هذا القانون، فقد تعلم الناس أن أصحاب العقائد لا تزعجهم العقوبة ولا تردهم عما يريدون. القَوَانِينُ المِصْرِيَّةُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ: ومن الأمثلة على هذا النوع القوانين الوضعية السائدة في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية التي استبدلت بالشريعة القوانين الوضعية، تلك القوانين التي بَيَّنَّا فيما سبق أنها خرجت على وظيفتها، ولم تقم على أصولها، وأنها لا تنتسب إلينا ولا تخدم مصالحنا، وليس لها سلطان على نفوسنا ولا مكان في عقولنا أو قلوبنا. الاِسْتِعْمَارُ أَدْخَلَ هَذِهِ القَوَانِينَ فِي بِلاَدِنَا: إن طبيعة الإسلام أن يحكم كل بلد يدخله، وإذا كان الإسلام دِينًا فهو شريعة كاملة لكل مسلم، لذلك كانت الشريعة الإسلامية هي القانون الوحيد لكل بلد إسلامي من يوم أن دخله الإسلام، وظلت كذلك حتى كان تسلط الاستعمار على البلاد الإسلامية، فأدخل فيها القوانين الوضعية الأوروبية، أو أغرى حكامها الذين وضعهم تحت حمايته أو تحت رحمته

стр. 49

بإدخالها، وكانت الحُجَّةُ المتكررة في إدخال هذه القوانين أنهم يريدون الأخذ بالأسباب المدنية الأوروبية والتقدم الأوروبي، كأنما التقدم الأوروبي والمدنية الغربية راجعة إلى هذه القوانين البشرية، وكأنما تأخر المسلمين وضعفهم راجع إلى شريعتهم السماوية. وقد وجدت هذه الحُجَّةُ الفارغة عقولاً فارغة في البلاد الإسلامية تصدقها وتؤمن بها، وتلقنها للنشء في معاهد الدراسة وتثبتها في الكتب المدرسية. حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ: وكان من السهل على هؤلاء المستغفلين الغافلين لو فكروا أن يعلموا أن حُجَّتَهُمْ دَاحِضَةٌ، وأن هذه القوانين التي فتنوا بها ليست في أصولها إلا قوانين الدولة الرومانية، وأن هذه القوانين لم تمنع العرب والمسلمين من هدم الدولة الرومانية، وأن هذه القوانين لم تعصم أوروبا كلها من الهزيمة المنكرة في الحروب الصليبية. وكان من السهل على هؤلاء المستغفلين الغافلين لو فكروا أن يعلموا أن الشريعة الإسلامية كانت شريعة المسلمين الأول، وأنها كانت تحكمهم وهم قلة مستضعفة يخافون أن يتخطفهم الناس، وأنهم في ظل هذه الشريعة وبعد عشرين سَنَةٍ من موت الرسول استطاعوا أن يزيلوا الدولة الفارسية من الوجود، وأن يحسروا مَدَّ الدولة الرومانية عن الشام ومصر وشمال إفريقية، وأن يصبحوا سادة العالم وقادة البشر أكثر من

стр. 50

أَلْفِ سَنَةٍ، وأنهم في ظل هذه الشريعة حطموا الصليبيين وتغلبوا على التتار، وغزوا شرق أوروبا وجنوبها وغربها واحتلوها مئات السنين. وكان من السهل على هؤلاء المستغفلين الغافلين أن يرجعوا إلى العهد القريب ليعلموا أن مصر الإسلامية في عهد محمد علي باشا كانت أقوى وأعظم من كثير من البلاد الأوروبية، وأنها استطاعت أن تطرد الفرنسيين من أرضها وأن تلقي بالانجليز في البحر، وأن تغزو اليونان وتتغلب على الحشود التي أمدتها بها الدول الأوروبية، كما استطاعت أن تضم الحجاز والسودان والشام، وأن تغزو تركيا حتى لتكاد الجيوش المصرية تدخل القسطنطينية لولا تكتل الدول الأوروبية وتآمرها على مصر الإسلامية العربية. ولقد فعلت مصر هذا كله في ظل الشريعة الإسلامية لا في ظل القوانين الوضعية. فكيف يقول قائل بعد هذا كله أن القوانين الوضعية هي سبب تقدم الدول الأوروبية وأن الشريعة الإسلامية هي سبب تأخر الأمم الإسلامية! ألا إنها الغفلة أو هو الغرض الذي يعمي ويصم! أفلم يقرأ هؤلاء التاريخ ليعرفوا شَيْئًا عن الدول الإسلامية والمدنية الإسلامية وليعرفوا سر النهضة الأوروبية وعلى أي شيء قامت المدنية الغربية؟ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. تَأَخُّرُ المُسْلِمِينَ لاَ يَرْجِعُ لِلْتَّشْرِيعِ: إن تأخر المسلمين لا يرجع للتنظيم والتشريع، فالشريعة

стр. 51

الإسلامية أفضل وأسمى من أي قانون وضعي على وجه الأرض، وما من نظرية أخذت بها القوانين حتى اليوم إلا وهي موجودة في الشريعة على أفضل الوجوه وأكمل الأوضاع، وما من نظرية حديثة اتجه إليها علماء القانون أو فكروا فيها إلا وهي مفصلة في الشريعة على خير ما تفصل الآراء والنظريات. إن تأخر المسلمين لا يرجع للتنظيم والتشريع، وإنما يرجع لترك تعاليم الإسلام، فالمسلمون اليوم في كل بلاد العالم إنما هم مسلمون بأسمائهم وألسنتهم، لا بإيمانهم ولا بأعمالهم، إلا من رحم الله، وقليل ما هم. ولو كانت التشريعات الحديثة هي التي تقدم الشعوب لوجب أن تكون بلجيكا أقوى وأعظم من إنجلترا لأن القوانين البلجيكية من أحدث القوانين ولأن القوانين الانجليزية من أقدمها وبعضها يرجع إلى الوقت الذي كانت فيه إنجلترا مجهولة لا مكان لها في العالم. ولو صح أن التشريعات الحديثة لها أثر في تقدم الشعوب لوجب أن تكون الشعوب الإسلامية أكثر شعوب العالم قوة وتقدما، لأن الشريعة الإسلامية على قِدَمِهَا أحدث من كل القوانين الوضعية التي تقوم كما قلنا على القانون الروماني وتأخذ عنه وتتمسك بنظرياته واتجاهاته ولا تتطور إلا بقدر ما تقتضيه الظروف تطورًا هو امتداد للأصل وفي حدود الأصول الفقهية الرومانية.

стр. 52

ألا فليعلم المسلمون أن الإسلام هو الذي خلقهم من العدم وجعلهم خير أمة أخرجت للناس وسلطهم على دول العالم، وأن الشريعة الإسلامية هي التي علمتهم وأدبتهم، وأشعرتهم العزة والكرامة، وأمدتهم بالقوة والعزيمة، وأوجدت فيهم أبطالاً فتحوا البلاد وأسسوا الممالك، وعلماء وأدباء خدموا العلوم والآداب أجل الخدمات. ألا فليعلم المسلمون أن الشريعة الإسلامية هي أول شريعة أخذت الناس بالمساواة التامة والعدالة المطلقة، وأوجبت عليهم أن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يدعوا إلى الخير ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وأن القوانين الوضعية لم تصل من هذا كله حتى اليوم إلا إلى بعض ما جاءت به الشريعة الإسلامية. ألا فليعلم المسلمون أن الشريعة الإسلامية أدت وظيفتها طالما كان المسلمون متمسكين بها، فلما تركوها وأهملوا أحكامها تركهم الرقي وأخطأهم التقدم، ورجعوا القهقرى إلى الظلمات التي كانوا يعمهون فيها قبل الإسلام، فعادوا مستضعفين مستبعدين، لا يستطيعون دفع معتد، ولا الامتناع من ظالم. لقد آمن المسلمون الأوائل وحسن إيمانهم فمكنهم الله لهم في الأرض، وإن الذي مكن لهم على قلتهم وضعفهم لقادر أن

стр. 53

يمكن لنا في الأرض إذا آمنا وحَسُن إيماننا؛ ذلك وعد الله لعباده، ومن أوفى بعهده من الله ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].

стр. 54

القَوَانِينُ الوَضْعِيَّةُ يُبْطِلُهَا الإِسْلاَمُ: حُكْمُ القَوَانِينِ المُخَالِفَةِ لِلْقُرْآنِ وَالسُنَّةِ: إذا جاءت القوانين مخالفة للقرآن والسنة أو خارجة على مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية العامة فهي باطلة بطلانًا مطلقًا، وليس لأحد أن يطيعها، بل على كل مسلم أن يحاربها. والأصل في ذلك أن الأوامر والنواهي لم تجيء عَبَثًا، وأن الله أنزل كتابه وأرسل رسوله للناس ليطيعوه ويعملوا بما جاء به، فمن عمل بما جاء به الرسول فعمله صحيح لأنه وافق أمر الشارع، ومن خالف فقد بطل عمله لمخالفته أمر الشارع، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]. ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] و [محمد: ٣٣]. الأَدِلَّةُ عَلَى بُطْلاَنِ القَوَانِينِ الوَضْعِيَّةِ: ويرجع بطلان القوانين الوضعية إلى نصوص القرآن ونصوص السنة وإلى الإجماع، وهي المصادر الأولى للتشريع

стр. 55

الإسلامي، فقد جاءت نصوص القرآن والسنة صريحة في إبطال كل ما يخالف الإسلام، ومن ثم انعقد الإجماع على احترام هذه النصوص الصريحة وإبطال كل ما يخالفها، وفيما يلي الأدلة على كل ذلك: ١ - أن الله أمر باتباع الشريعة الإسلامية ونهى عن اتباع ما يخالفها، فلم يجعل لمسلم أن يتخذ من غير شريعة الله قانونًا، وجعل كل ما يخرج على نصوص الشريعة أو مبادئها العامة أو روحها التشريعية مُحَرَّمًا تَحْرِيمًا قَاطِعًا على المسلمين بنص القرآن الصريح، حيث قسم الله الأمر إلى قسمين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لله وللرسول واتباع ما جاء به الرسول، وإما اتباع الهوى، فكل ما لم يأتِ به الرسول فهو الهوى بنص القرآن، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. كذلك قسم الله طريق الحكم بين الناس إلى طريقين لا ثالث لهما: أولهما الحق، وهو الوحي الذي أُنزل على رسله، وثانيهما الهوى وهو كل ما يخالف الوحي فقال - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. وقال - جَلَّ شَأْنُهُ - مُوَجِّهًا الخطاب إلى محمد ﷺ : (﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨]، فقسم الأمر بين الشريعة التي جعل

стр. 56

رسوله عليها وأوحى إليه العمل بها، وأمر الأمة الإسلامية باتباعها، وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وأمر بالأول ونهى عن الثاني. وقال - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. فأمر باتباع ما أنزل منه خاصة، ونهى عن اتباع ما يخالفه، وَبَيَّنَ أن من اتبع غير ما أنزل من عند الله فقد اتبع أولياء من دون الله. وهكذا قطعت نصوص القرآن في تحريم كل ما يخالف نصوص الشريعة صراحة أو ضمنًا، وكل ما يخالف مبادئها العامة أو روحها التشريعية، ونهت نَهْيًا جَازِمًا عن العمل بغير الشريعة، واعتبرت العامل بغير الشريعة مُتَّبِعًا هَوَاهُ، مُنْقَادًا إلى الضلال، مُضِلاًّ لغيره، ظالمًا لنفسه ولغيره، كافرًا بما أنزل الله، متخذًا لنفسه أولياء من دون الله. ٢ - إن الله لم يجعل لمؤمن أن يرضى بغير حكم الله، أو أن يتحاكم إلى غير ما أنزل الله، بل لقد أمر الله أن يكفر بكل حكم غير حكمه، واعتبر الرضاء بغير حكمه ضلالاً بعيدًا واتباعًا للشيطان: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]. فمن يتحاكم إلى غير ما أنزل الله وما جاء به الرسول فقد

стр. 57

حَكََّمَ الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله، فمن آمن بالله ليس له أن يؤمن بغيره، ولا يقبل حُكْمًا غير حكمه. ٣ - إن الله لم يجعل لمؤمن ولا مؤمنة أن يختار لنفسه أو يرضى لها غير ما اختاره الله ورسوله، ومن تخير غير ذلك فهو ضال لا يعرف الإيمان لقلبه سبيلا، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. ٤ - إن الله أمر أن يكون الحكم طبقًا لما أنزل ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]. وجعل من لم يحكم بالله كافرًا وظالمًا وفاسقًا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. ومن المتفق عليه أن من يستحدث من المسلمين أحكامًا غير ما أنزل الله، ويترك بالحكم بها كل أو بعض ما أنزل الله من غير تأويل يعتقد صحته، فإنه يصدق

стр. 58

عليهم ما قال الله تعالى كل بحسب حاله، فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا لأنه يفضل غيره من أوضاع البشر فهو كافر قطعًا، ومن لم يحكم به لعلة أخرى غير الجحود والنكران فهو ظالم إن كان في حكمه مُضَيِّعًا لحق أو تاركًا لعدل أو مساواة، وإلا فهو فاسق. ٥ - إن الله نفى الإيمان عن العباد وأقسم بنفسه على ذلك حتى يُحَكِّمُوا الرسول فيما شجر بينهم من الدقيق والجليل والخطير والحقير، ولم يكتفِ في إثبات الإيمان لهم بهذا التحكيم المجرد، بل اشترط لاعتبارهم مؤمنين أن ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق من قضاء الرسول وحُكمه، وأن يسلموا تسليمًا، وينقادوا للرسول انقيادًا، والرسول لا يحكم إلا بما أنزل الله، وبما أراه إياه. فالمؤمن يجب عليه إذن أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤمن بأنه أصلح الأحكام وأفضلها، ولو قال الناس إن غيره أصلح منه، لأنه لا يكون مؤمنًا إلا إذا أطاع طاعة تامة وانقاد انقيادًا كاملاً لما أمر به الله ورسوله، ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ٦ - إن كل ما يخالف الإسلام محرم على المسلمين ولو أمرت به أو أباحته السلطات الحاكمة أيا كانت، لأن حق الهيئة في التشريع مقيد بأن يكون التشريع مُتَّفِقًا مع مبادئ

стр. 59

الإسلام، فإن استباحت الهيئة الحاكمة لنفسها أن تخرج على حدود وظيفتها، وأن تصدر قوانين لا تتفق مع الإسلام، وتضعها موضع التنفيذ، فإن عملها لا يحل هذه القوانين المحرمة، ولا يبيح لمسلم أن يتبعها أو يطبقها أو يحكم بها أو ينفذها، بل تظل محرمة تحريمًا قاطعًا على كل مسلم ومسلمة، ومن واجب الأفراد أن يمتنعوا عن اتباعها، ومن واجب الموظفين أن يمتنعوا عن تنفيذها. ذلك أن طاعة أولي الأمر لا تجب لهم استقلالاً، ولا تجب لهم مطلقة، وإنما تجب ضمن طاعة الرسول وفي حدود ما أمر به الله ورسوله، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]. فالله - جَلَّ شَأْنُهُ - يأمر بطاعته وطاعة رسوله، وإعادة فعل الطاعة عند ذكر الرسول يشعر بأن طاعة الرسول تجب له استقلالاً سواء كان ما أمر به في القرآن أو لم يكن فيه، لأنه أوتي الكتاب ومثله معه، وحذف فعل الطاعة عند ذكر أولي الأمر دليل على أن طاعة أولي الأمر لا تجب لهم استقلالاً، وإنما هي في ضمن طاعة الرسول، كذلك فإن تقدم طاعة الله وطاعة الرسول يقتضي أن لا يطاع أولو الأمر إلا بعد استيفاء الطاعة لله وللرسول في كل ما يصدر عن ولي الأمر.

стр. 60

فأولو الأمر يطاعون تَبَعًا لطاعة الله وطاعة الرسول، وبعد توفر الطاعة لله ولرسوله، فمن أمر منهم بما يوافق ما أنزل الله على رسوله فطاعته واجبة، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع ولا طاعة. ٧ - إن السُّنَّةَ بينت حدود الطاعة لأولي الأمر، ونهت عن طاعتهم فيما يخالف ما أنزل الله، فصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ» وقال: «إِنَّمَا الطَّاعَة فِي المَعْرُوف»، وقال في ولاة الأمور: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ»، وقال: «" إِنَّه سَيَلِي أَمْرَكُمْ مِنْ بَعْدَِي رِجَالٌ يُطْفِئُونَ السُنَّةَ وَيُحْدِثُونَ بِدْعَةً وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلاَةَ عَنْ مَوَاقِيتِهَا ". قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: " يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ بِي إذَا أَدْرَكْتُهُمْ؟ " قَالَ: " لَيْسَ يا ابْنَ أَمِّ عَبْدٍ طَاعَةٌ لَمِنْ عَصَى اللهَ " قَالَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». ٨ - إن إجماع الأمة الإسلامية انعقد بعد وفاة الرسول ﷺ على أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في حدود ما أنزل الله، وفقهاء الأمة ومجتهدوها مجمعون على أن الطاعة لا تجب إلا فيما أمر اللهُ، ولا خلاف بينهم قولاً واعتقادًا في أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وَأَنَّ إِبَاحَةِ المُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ كالزنا وَالسُّكْرِ، واستباحة إبطال الحدود، وتعطيل أحكام الإسلام، وشرع ما لم يأذن به الله، إِنَّمَا هُوَ كُفْرٌ وَرِِدََّةٌ، وأن

стр. 61

الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد واجب على المسلمين، وأقل درجات الخروج على الحاكم عصيان أوامره ونواهيه المخالفة للإسلام. ٩ - إن أولي الأمر بحسب مبادئ الإسلام ليس لهم حق التشريع المطلق، وحقهم في التشريع قاصر على نوعين من التشريع: الأول: تشريعات تنفيذية يقصد بها ضمان تنفيذ نصوص شريعة الإسلام. الثاني: تشريعات تنظيمية، لتنظيم الجماعة وحمايتها وسد حاجتها على أساس مبادئ الشريعة الإسلامية، وهذه التشريعات لا تكون إلا فيما سكتت عنه الشريعة فلم تأتِ بنصوص خاصة فيه. ويشترط في هذه التشريعات أن تكون متفقة مع مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، فهي تشريعات توضع بقصد تنفيذ مبادئ الشريعة العامة، وإذن فهي في حقيقتها نوع آخر من التشريعات التنفيذية. وأولو الأمر حين يتولون التشريع المقيد على الوجه السابق يتولونه إما باعتبارهم خلفاء للرسول أو نُوَّابًا عن الجماعة الإسلامية، فإن كانوا خلفاء للرسول فليس لهم أن يخرجوا على ما جاء به الرسول، لأنهم خلفوه بقصد تنفيذ ما جاء به، وإن كانوا نُوَّابًا عن الجماعة الإسلامية فليس لهم أن

стр. 62

يخرجوا على ما تدين به الجماعة، لأن الجماعة لم تقمهم حُكَّامًا إلا لإقامة الدين وحكم الجماعة على أساس الشريعة الإسلامية. ١٠ - إن الشريعة الإسلامية هي الدستور الأساسي للمسلمين، فكل ما يوافق هذا الدستور صحيح وكل ما يخالفه باطل، مهما تغيرت الأزمان وتطورت الآراء في التشريع، لأن الشريعة جاءت من عند الله على لسان رسوله ﷺ ليُعمَل بها في كل زمان ومكان وهي واجبة التطبيق حتى تلغى أو تنسخ، ولا يمكن أن تلغى أو تنسخ، لأن القاعدة الأساسية في الشريعة الإسلامية أن النصوص لا ينسخها إلا نصوص في مثل قوتها أو أقوى منها، أي نصوص صادرة من نفس الشارع أو ممن يزيد سلطانه التشريعي على سلطان من أصدر النصوص المراد نسخها، فالنصوص الناسخة إذن يجب أن تكون قرآنًا أو سُنَّةً حتى يمكن أن ينسخ ما لدينا مِنْ قُرْآنٍ وَسُنَّةٍ، وليس بعد الرسول قرآن حيث انقطع الوحي، ولا سُنَّةً حيث توفي الرسول، ولا يمكن أن يقال إن ما يصدر من هيئاتنا التشريعية البشرية في درجة القرآن وَالسُنَّةِ، حتى يمكن أن يلغي ما لدينا من قرآن وَسُنَّةٍ.

стр. 63

القَوَانِينُ الوَضْعِيَّةُ بَاطِلَةٌ بِحُكْمِ نَفْسِهَا وإذا كانت قوانيننا الوضعية باطلة طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية، فإن هذه القوانين باطلة أيضًا بحكم نفسها وعلى أساس المبادئ العامة التي تقوم عليها هذه القوانين؛ وبيان ذلك فيما يأتي: ١ - الدستور يبطل ما يخالف الإسلام: ينص الدستور المصري وهو قانون وضعي على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، ومعنى ذلك النص أن النظام الأساسي الذي تقوم عليه الدولة هو النظام الإسلامي، وأن الإسلام هو المصدر الذي تأخذ عنه، والمرجع الذي تنتهي إليه، والحاكم الذي تأتمر بأمره، وتنتهي بنهيه. ووجود هذا النص في الدستور المصري - وهو القانون الأول في قوانيننا الوضعية - يقتضي أن نتقيد بنصوص الشريعة الإسلامية في قوانيننا وسياستنا، وتنظيمنا الداخلي والخارجي، وفي كل أوجه نشاطنا، فلا نحل إلا ما أحلته الشريعة، ولا نحرم إلا ما حرمته، ولا نخرج على مبادئ الشريعة وروحها في قوانيننا وأنظمتنا.

стр. 64

ومن المُسَلَّمِ به في دائرة القوانين الوضعية أن كل ما يخالف الدستور من القوانين يعتبر باطلاً لأن الدستور هو التشريع الأساسي في البلاد المحكومة بالقوانين الوضعية، فكل ما يصدر على خلافه من التشريعات لا يصح تطبيقه لخروجه على القواعد الأساسية التي بَيَّنَهَا الدستور. وقد أخذ بهذا المبدأ في مصر، ومن القضايا التي طبق فيها القضية رقم ٦٥ سنة ١ قضائية مجلس الدولة إذ قضت محكمة القضاء الإداري بأن إهدار إحدى السلطات لأي مبدأ من مبادئ الدستور فيه خروج عن نطاق سلطتها. والتزامها حدودها خير ضمان لمبدأ الفصل بين السلطات ولتدعيم البنيان الدستوري، وأن للمحاكم حق تفسير القوانين وتطبيقها وأنها تملك الفصل عند تعارض القوانين في أيها الواجب التطبيق، وأن من واجب المحاكم إذا تعارض الدستور مع قانون عادي أن تطرح القانون العادي وتهمله وتغلب عليه الدستور وتطبقه بحسبانه القانون الأعلى الأجدر بِالاتِّبَاعِ. وإذا طبقنا هذا المبدأ على قوانيننا الوضعية التي تتعارض مع ما ينص عليه الدستور من أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وجب أن نطرح من هذه القوانين كل النصوص التي تخالف الإسلام أو تخرج على مبادئه العامة وروحه التشريعية، ووجب أن نهمل هذه النصوص ونعتبرها كأن لم تكن، لأنها تخالف الدستور وهو القانون الأعلى الأجدر بالاتباع.

стр. 65

٢ - مخالفة القوانين للشريعة تبطل القوانين: من القواعد المسلم بها في دائرة القوانين الوضعية أنه عند تخالف النصوص يتغلب النص الأقوى ولو كان النص الأضعف أحدث منه، وتلكم هي نفس النظرية التي فضلت على أساسها نصوص الدستور على غيرها من نصوص القوانين. وإذا طبقنا هذه القاعدة الوضعية على نصوص الشريعة ونصوص القوانين الوضعية وجب أَنْ نُغَلِّبَ نصوص الشريعة على نصوص القوانين، لأن نصوص الشريعة قائمة لم تلغ ولا يمكن أن تلغى، وأولو الأمر الذين يستطيعون وضع القوانين وإلغاءها لا يستطيعون أن يلغوا الشريعة أو يَحُدُّوا من نصوصها أَوْ يُعَدِّلُوا فيها، والنصوص التي لا تقبل الإلغاء ولا التعديل أقوى من النصوص التي تقبل ذلك كله أو بعضه، وإذا نظرنا إلى المسألة من ناحية الشارع وصلنا إلى نفس النتيجة، فالشريعة مصدرها الله - جَلَّ شَأْنُهُ -، والقوانين مصدرها البشر ولا يمكن أن نقارن البشر بالله - جَلَّ شَأْنُهُ -، ومن ثم تكون نصوص الشريعة أقوى من نصوص القوانين الوضعية إذا نظرنا إليها من ناحية الشارع أو من حيث طبيعة النصوص، ويجب بحسب قواعد القانون الوضعي نفسه أَنْ نُغَلِّبَ نصوص الشريعة كلما تخالفت مع نصوص القوانين ونهمل من نصوص القوانين كل ما يخالف الشريعة ونعتبره كأن لم يكن.

стр. 66

خُرُوجُ القَوَانِينِ عَلَى وَظَائِفِهَا وَأُصُولِهَا مُبطِلٌ لَهَا: ومن القواعد المسلم بها في القوانين الوضعية أن كل نص خرج على وظيفة القانون وأهدافه أو خرج على الأصول التي تقوم عليها القوانين يجب أن يفسر في حدود وظيفة القانون وأن يراعى في تطبيقه معالجة ما فيه من شذوذ وخروج على الأصول المعروفة. فالقوانين التي نقلت من بلاد غير مسلمة إلى بلاد إسلامية يجب أن يهمل في تطبيقها كل ما يخالف الإسلام إذا لم يستطع تفسيره تفسيرًا يتفق مع الإسلام ما دام المقطوع به أن الجماعة المسلمة التي نقل إليها القانون لم تخرج عن الإسلام. وقد رأينا فيما سبق كيف خرجت قوانيننا الوضعية عن وظيفتها وعلى الأصول القانونية المتعارف عليها، فإذا طبقنا هذه القاعدة الوضعية عليها لوجب أن نهمل كل النصوص المخالفة للشريعة الإسلامية وأن نبطل عملها.

стр. 67

مَاذَا فَعَلَتْ بِنَا القَوَانِينُ الوَضْعِيَّةُ ؟ هذه القوانين أورثتنا التناقض والاضطراب هذه القوانين التي وضعت أصلاً لبلاد غير بلادنا، ولأقوام يختلفون عنا أكثر مما يتفقون معنا، هذه القوانين التي نقلت إلينا بخيرها وشرها، وبما يتفق مع عقائدنا ويناقضها، وبما يساير أخلاقنا وتقاليدنا ويعارضها، وبما نقبله ونرضاه، وبما ننفر منه ونأباه. هذه القوانين قد أفسدت علينا تفكيرنا، فبلبلت عقولنا، ومسخت منطقنا، وأفسدت حياتنا، فعكرت صفونا، وشحنت بالألم نفوسنا، وأفعمت بالكمد والمرارة صدورنا. هذه القوانين جعلت لنا تفكيرًا مضطربًا، ومنطقًا عَجَبًا، فنحن في آنٍ واحد نحل الشيء ونحرمه، ونبرمه وننقضه، حتى لقد أصبح هذا شأننا في كل شأن من شؤون الحياة جَلَّ أَوْ هَانَ. فلنأخذ مصر الإسلامية مثلاً: ولنأخذ مصر مثلاً على هذا الاضطراب والتناقض الذي

стр. 68

يسود بلاد الإسلام في كل ما يتصل بشؤون الإسلام، وإذا تكلمنا عن الإسلام فقد وجب أن نتكلم عن كل شؤون الحياة، لأن الإسلام جاء ليحكم الناس في كل صغير وكبير من شؤون دنياهم حتى يهيئهم لحياة سعيدة في أخراهم، وإن المسلم ليتعبد بالحكم والسياسة والإدارة وكل ما يتعلق بالأخلاق والاجتماع والاقتصاد وتوزيع الثروات -إذا وجه هذا كله الوجهة التي يريدها الإسلام - كما يتعبد بالصوم والصلاة والحج والزكاة إذا أداها كما يوجبها الإسلام. مِصْرُ بَلَدٌ إِسْلاَمِيٌّ عَرِيقٌ فِي الإِسْلاَمِ: هذا البلد الإسلامي مصر، يعتبر في العالم كله قلب الإسلام، وإسلام مصر عريق، فقد دخلها الإسلام على يد أصحاب الرسول من مدة تزيد على ثلاثة عشر قَرْنًا، فأقبل عليه سكانها حتى استغرقهم، وحتى أصبح عدد غير المسلمين لا يتجاوز خمسة في كل مائة على أكثر تقدير. وفي مصر الأزهر المعمور أقدم جامعات العالم وأكبرها على الإطلاق وهو مختص بتدريس العلوم الإسلامية، وتخريج علماء مثقفين ثقافة إسلامية، متفقهين في أحكام الإسلام، يَؤُمُّهُ الطلاب من كل بلاد العالم، فينهلون من العلوم الإسلامية ما استطاعوا، ثم يعودون لبلادهم ليزودوا أهلها بما تعلموه وفقهوه. وتعتبر مصر من قديم الزمان معقل الإسلام، فهي التي حطمت الصليبيين والتتار، وهي التي ناهضت ولا تزال تناهض

стр. 69

الصهيونية والاستعمار، وهي التي ردت ولا تزال ترد عن الإسلام كيد أعداء الله وأعداء الإسلام. ولقد كانت مصر في كل العهود الإسلامية منارة الإسلام، وقبلة العلماء والمصلحين، ودار هجرة للمجاهدين المكافحين والأحرار المضطهدين. ومن مصر انبعثت النهضات الإسلامية قديمًا كما انبعثت النهضة الإسلامية الحديثة، وهي أكبر وأقوى نهضة عرفها التاريخ، فقد امتدت من مصر إلى كل بلاد الإسلام، وربطت هذه البلاد بعضها ببعض، وخلقت من المسلمين جِيلاً مُوَحَّدَ الاِتِّجَاهَاتِ، ينزعون عن قوس واحدة، ويهدفون لغاية واحدة، اتخذوا من القرآن دستورًا، ومن الرسول ﷺ زعيمًا، وجعلوا الموت في سبيل الله مطلبًا وأمنية. ولقد والله صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومن ينتظر وما بدلوا تبديلاً. ومصر بما قدمت ولا تزال تقدم للإسلام من خدمات، وبما فيها من وعي إسلامي ناضج، تعتبر محط آمال المسلمين، والموجه الأول للدعوة الإسلامية والقوى الإسلامية في كل بلاد الإسلام. هذه هي مصر، بلد إسلامي عريق في إسلامه، نَصَّبَ نفسه في الماضي للدفاع عن الإسلام ونشره في ربوع الأرض، وها هو اليوم يبذل كل ما يستطيع من جهد في إيقاظ المسلمين،

стр. 70

وتصحيح عقائدهم، وتسوية صفوفهم، وتوحيد مناهجهم، ودفعهم في طريق واحد لإحياء الدولة الإسلامية، وإعلاء كلمة الإسلام. مَاذَا تَفْعَلُ مِصْرُ المُسْلِمَةُ بِالإِسْلاَمِ؟ ولننظر بعد ذلك ماذا تفعل مصر هذه بنفسها وبالإسلام الذي تؤمن به، والذي كانت تحرص أشد الحرص عليه، لننظر ماذا تفعل اليوم بالإسلام تحت تأثير قوانينها الوضعية التي نقلتها عن فرنسا الماجنة الملحدة، أو عن إنجلترا التي تعيش على الكيد للإسلام، أو عن إيطاليا التي أفنت حياتها دون أن تنجح في محاربة الإسلام، تلك القوانين التي أخذت عن دول غير مسلمة تَدَّعِي المسيحية وهي براء منها، وتدعي الإيمان برسالة المسيح ﵇ وما تؤمن إلا بالشرك والكفر والطغيان. الدَّوْلَةُ المِصْرِيَّةُ تَدِينُ بِالإِسْلاَمِ وَتُعَطِّلُ الإِسْلاَمَ: إن مصر الإسلامية وعلى رأسها ملك مسلم ولها حكومة إسلامية، حرصت على أن تعلن أن دين الدولة الرسمي الإسلام، ونصت على ذلك في دستورها، ووكلت إلى الدولة أن تشرف على كل شؤون الإسلام، فسيطرت الدولة على التعليم والتثقيف الإسلامي، وعلى دُورِ العبادات والأوقاف الإسلامية، وجعلت الدولة نفسها مهيمنة على تطبيق المبادئ الإسلامية في الاجتماع والاقتصاد والآداب والأخلاق وشؤون الحكم والسياسة وغيرها، وليس في اختصاص الحكومة الإسلامية والدولة الإسلامية بهذا كله ما يخالف أحكام الإسلام.

стр. 71

ولكن حكومة مصر الإسلامية لم يمنعها إسلامها الذي تطنطن وتعلنه في الوثائق الرسمية من أن تعطل شرائع الإسلام، وأن تحرم ما يحله الإسلام، وتحل ما يحرمه الإسلام. إن حكومات مصر الإسلامية سَوَّلَ لَهَا منطقها أن تطبق على المسلمين القوانين الأوروبية بَدَلاً من الشريعة الإسلامية، بالرغم من أن هذه القوانين لم تصل بعد إلى مستوى الشريعة الإسلامية في أي ناحية من النواحي العلمية والفنية، وبالرغم من أن هذه القوانين تخالف أحكام الإسلام، وبذلك عطلت الحكومات المصرية الشريعة الإسلامية، والشريعة هي مجموعة أحكام الإسلام، فتعطيلها تعطيل الإسلام، وبهذا المنطق المقلوب تقيم الحكومات الإسلامية الإسلام، ولا تستحي أن تدعي لنفسها الولاية على المسلمين والقيام على تنفيذ أحكام الإسلام. والإسلام لا يسمح لمسلم أن يتخذ غير شريعة الله قانونًا، إذ يلزم المسلم أن يتبع ما أنزله الله دون غيره، وذلك قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨]. وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. والمسلم لا يعتبر مسلمًا حَتَّى يُحَكِّم الإسلام في شؤونه وما يشجر بينه وبين غيره طِبْقًا لقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ

стр. 72

يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ومن لم يحكم بما أنزل الله، أو تحاكم إلى غير شريعته، فهو كافر ليس في قلبه ذرة من الإسلام وإن تسمى بمسلم، وانتسب إلى أبوين مسلمين، وَادَّعَى لنفسه الإسلام، ذلك حكم الله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وإذا كان هذا هو حكم الإسلام الذي عطلته ولا تزال تعطله الحكومات في البلاد الإسلامية، فإن كل ذي عقل يستطيع أن يدرك بسهولة مدى حظ هذه الحكومات من الإسلام، وأن يقول غير متحرج أن هذه الحكومات تدعو المسلمين إلى الكفر وتحملهم عليه. حُكُومَةُ مِصْرَ الإِسْلاَمِيَّةِ تُبِيحُ المُحَرَّمَاتِ: ومصر الإسلامية التي تجعل دين الدولة الرسمي الإسلام تبيح التعامل بالربا على اختلاف صوره، بل إن الحكومة المصرية نفسها تحرص على أن تعامل بالربا رعاياها المسلمين، لِتُرْبِي أموالها العامة الكثيرة من أموالهم الخاصة القليلة، وهي حكومة إسلامية تعلم أن الإسلام يحرم الربا في كل صوره وأشكاله، وأن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - أنزل علينا كِتَابًا يقول فيه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ

стр. 73

وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وفيه قوله:: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩] ومصر الإسلامية التي تجعل دين الدولة الرسمي الإسلام، تُحِلُّ الخمر والقمار ولحم الخنزير، وتبيح حكوماتها للرجال والنساء أن يفتحوا النوادي والمحلات العامة للعب الميسر وشرب الخمر وأكل كل طعام محرم. وحكومة مصر الإسلامية تبيح كل هذا وهي تعرف أن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - حرمه في كتابه وعلى لسان نبيه، فقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. وعن النبي ﷺ أنه قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»، وأنه قال: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»، وأنه قال: «لَعَنَ اللَّهُ الخَمْرَ، وَلَعَنَ شَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَآكِلَ ثَمَنِهَا». ولقد بلغ الأمر بحكومات مصر الإسلامية أن لا تستحي من شراء الخمر وتقديمها في الحفلات الرسمية العلنية، وبذلك جلب رجال الحكومات على أنفسهم لعنة الساقي والمبتاع، إن لم يجلبوا عليها أيضا لعنة الشارب والحامل.

стр. 74

ومصر الإسلامية التي تجعل دين الدولة الرسمي الإسلام، تحل الزنا وترخص للنساء بالبغاء، وللرجال بالقوادة، وتبيح الحفلات الراقصة، فتسمح لنساء شبه عاريات أن يراقصن الرجال الأجانب وكلهم قد أخذ الخمر بعقله، وتسلطت عليه غرائزه، وفي ذلك تحريض على الفاحشة وإشاعة لها، والإسلام قد حرم ذلك كله في قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢]. وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]. بل لقد ذهب الإسلام إلى تحريم النكاح بين زانية وعفيف، وبين زانٍ وعفيفة، وذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. الحُكُومَاتُ الإِسْلاَمِيَّةُ تَمْنَعُ تَعْلِيمَ الدِّينِ الإِسْلاَمِيَّ: ومصر الإسلامية التي تجعل دين الدولة الرسمي الإسلام تبيح لِلْمُبَشِّرِينَ من الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين وغيرهم أن ينشئوا مدارس للتبشير بالدين المسيحي تفتن أطفال المسلمين عن دينهم، بينما الحكومة المصرية تمنع تعليم الدين الإسلامي في المدارس الحكومية، ولا تهتم بتدريس التاريخ الإسلامي لطلاب هذه المدارس، وإن كانت تهتم أشد الاهتمام بتدريس

стр. 75

تاريخ البلاد الأوروبية، ولعل هذه الحكومات الإسلامية لا تعلم أن أول ما يجب على المسلم أن يتعلمه هو مباني الإسلام، وهي التي يقول فيها رسول الله ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ»، فهذه الأشياء الخمس توجبها طبيعة الإسلام على كل مسلم، فيجب العلم بها وبكيفية العمل فيها وبكيفية وجوبها. ولعل الحكومات الإسلامية لا تعلم أن العلم بمباني الإسلام، والتفقه في الإسلام واجب بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وبقول رسول الله ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». الحُكُومَاتُ الإِسْلاَمِيَّةِ تُطَارِدُ دُعَاةَ الإِسْلاَمِ: ومصر الإسلامية التي جعلت الإسلام دِينًا رَسْمِيًّا للدولة، تحارب حكوماتها كل من يدعو إلى الإسلام الصحيح، وينكر على الحكومة اتجاهاتها الضالة المضلة، وتستعين بقوانينها الفاسقة على دعاة الإسلام الراشدين، فتكم أفواههم وتعطل
следующие страницы →