← Сияса и кади

Сияса и кади · id 96174

الإسلام وأوضاعنا القانونية

عبد القادر عودة

Полный текст (157 стр.). Показаны 141–157 · переход к 146.

стр. 141

فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. لا وجه لقياس البلاد الإسلامية بأوروبا: وإذا كانت هذه هي حقيقة الحال في أوروبا، فإن حال البلاد الإسلامية جد مختلفة، إذ فيها دين أتى بنصوص صريحة وأساليب واضحة واجبة الاتباع في كل شأن من شؤون الحياة، وهذه النصوص تكون شريعة كاملة ناضجة هي الشريعة الإسلامية، وهذه الشريعة ظلت تحكم بلاد الإسلام على خير وجه ثلاثة عشر قَرْنًا على الأقل، ففصل الدين الإسلامي عن الدولة مع أن الدولة جزء من الدين، وإقصاء الشريعة الإسلامية التي يتعبد بتطبيقها المسلمون، وإحلال القوانين الوضعية محلها، ليس إلا خروجًا على الدين أو إخراجًا له من قلوب المسلمين. ولا وجه لقياس البلاد الإسلامية على البلاد الأوروبية، لأن الدين الإسلامي أتى بشريعة كاملة أوجب تطبيقها، والدين المسيحي لَمْ يَأْتِ بشيء، ولأن الدين الإسلامي يجعل الحكومة جُزْءًا من الدين، وليس الدين المسيحي كذلك، ولأن فصل الدين عن الدولة لم يؤد إلى تعطيل المسيحية وإلزام المسيحيين قوانين غير قوانينهم، أما فصل الدين عن الدولة في بلاد الإسلام فقد أدى إلى تعطيل الإسلام وإلزام المسلمين قوانين خارجة على أحكام الإسلام، ولأنه ليس في بلاد الإسلام سلطة دينية وسلطة مدنية يتنازعان الحكم والسلطان

стр. 142

كما هو الحال في أوروبا، وإنما في بلاد الإسلام سلطة واحدة تجمع في يديها شؤون الدنيا والدين، وتقيم الدولة على أساس الإسلام الذي مزج بين الدين والدولة مَزْجًا جعل الدولة هي الدين وجعل الدين هو الدولة. الدين لا يؤخر الشعوب: أما ما يدعيه المستعمرون والمبشرون من أن الدين يؤخر الشعوب فينقضه أن المستعمرين جَمِيعًا يتمسكون في بلادهم بالدين، وليس في البلاد الاستعمارية بلد واحد ألغى الدين، وينقضه أن البلاد الأوروبية الاستعمارية والبلاد الاستغلالية تنفق كل عام مئات الملايين من الجنيهات على التبشير بالمسيحية في بلاد الإسلام، ولو كان الدين يؤخر الشعوب كما يدعون لألغوه في بلادهم ليستكملوا الرقي والتقدم، ولما أنفقوا على نشره أموالاً طائلة هم أولى بإنفاقها في وجوه أخرى تنفعهم وتعود عليهم بالخير. وإذا كان في أي دين من الأديان ما يدعو إلى التأخر، فليس في طبيعة الدين الإسلامي إلا ما يدعو إلى التقدم والتفوق، فهو يوجب على المسلم أن يأخذ بأسباب القوة والعزة والتفوق والسيادة، وهو يوجب على المسلم أن يعمل ولا يتبطل، وهو يأمر بالخير والبر والتعاون والتراحم، وهو يقيم الجماعة على أساس المساواة التامة والأخوة المتعاونة والعدالة المطلقة، وهو يدعو الجماعة إلى التحرر من الخوف والجهل والضعف والفقر، وينكر الاستعلاء والأثرة والاحتكار والاستغلال

стр. 143

والإساءة والظلم، وَلَوْ طُبِّقَ الإِسْلاَمُ كما أنزله الله لوجد العالم كله في الإسلام ما يحل مشاكله ويوحد مناهجه، ويجمع كلمته ويدفع عنه ما يعانيه من أهوال. رجعة إلى الاستعمار: والاستعمار بعد أن حقق إلى حد كبير هدفه في البلاد الإسلامية، لا يزال يؤمن أشد الإيمان بأن لا حياة له في حياة الإسلام، ولا سلطان له مع سلطانه، ومن ثَمَّ فهو يخشى الإسلام أشد الخشية حتى ليقلقه ويقض مضجعه تكوين جمعية إسلامية صغيرة أكثر مما يقلقه تكوين حزب سياسي ضخم لمناهضته، ذلك أن الاستعمار يعلم جيدا أن الأحزاب تبحث عن مغانم الدنيا وهي في قبضة المستعمرين، أما المسلم الحقيقي فإنه يبحث عن الشهادة وهي في قتال المستعمرين وقتلهم. وبعد أن تيقظ الوعي الإسلامي في البلاد الإسلامية، وفَهم المسلمون لُعْبَةَ المستعمرين، استطاع الاستعمار في كثير من الأحيان أن يستعين بالحكومات الإسلامية ليتغلب على دعاة الإسلام وينحيهم عن طريقه، ولكنهم أبَوْا أن يستسلموا أو يسالموا وصبروا على حرب الاستعمار وظلم الحكومات الإسلامية، وفتحت هذه الحرب المستمرة وذلك الظلم الغاشم عيون الوطنيين على الحقائق المرة، فعلموا أن الاستعمار يخشى الإسلام، وكان ذلك وحده كَافِيًا لأن يتحول كثير من المسلمين الوطنيين أنصارًا ودعاة للفكرة الإسلامية.

стр. 144

المعركة الحاسمة: والمعركة بين الإسلام والاستعمار تمر اليوم بأدق مراحلها، وستنتهي إن شاء الله بالتمكين للإسلام وهزيمة الاستعمار. إن الاستعمار اليوم في أحرج مواقفه بعد أن تبين مَا تُبَيِّتُهُ له الشيوعية، وهو يعلم حق العلم أنه لن يَقْضِيَ على الشيوعية في البلاد الإسلامية إلا الإسلام. إن الاستعماريين بين أمرين أحلاهما مُرٌّ، فهم على يقين بأن الشيوعية إذا ظفرت بهم فلن تبقى على عظم ولا لحم، ولا على أصل ولا فرع. سيزول الاستعمار ويزول السلطان، ويصبح المتبوع تابعًا والمسيطرون عبيدًا. ستطير المستعمرات، وتستعمر الأوطان التي أنبتت الاستعمار. وهم على يقين أيضًا بأنهم لو سالموا الإسلام وتركوه يُمَكِّنُ لِنَفْسِهِ مَا شَاءَ، فإنه لن يلبث أن يقضي على الاستعمار، وَحِينَئِذٍ يُحْبَسُ المُسْتَعْمِرُونَ في أوطانهم التي لا تقوم بأودهم وينالهم الجوع والحرمان، ويذهب عنهم الجاه والسلطان. إن الاستعمار يحلم بأن يجند المسلمين تحت رعايته لمحاربة الشيوعية، ويحاول جَاهِدًا أن يستثير مخاوف المسلمين بما في الشيوعية من إلحاد، وإنه لحلم لذيذ للمستعمرين ولكنه لن يتحقق من جهة المسلمين بإذن الله. إن الإسلام يكره الاستعمار ويكره الشيوعية إلى درجة المقت، وإن كراهتهما بمنزلة سواء، لأنهما يكرهان الإسلام، وكلاهما يقاتل الآخر للتسلط على بلاد الإسلام، ولن ينال

стр. 145

الإسلام خيرًا من الميل مع أحد العدوين ضد الآخر، لأن الخسارة محققة بمحاربة أحد العدوين، والكسب غير محقق لبقاء العدو الثاني، ولكن الإسلام قد ينال خيرًا ولا يخسر شَيْئًا إذا وقف وقفة المتربص بأعدائه العامل لنفسه لا لغيره، وَلَمْ يُفْلِتْ أي فرصة تسنح له. إن اشتباك الاستعمار مع الشيوعية هو الفرصة الوحيدة التي ستمكن الإسلام أن يتخلص بإذن الله منهما مَعًا، وما الاستعمار في محاربته الشيوعية إِلاَّ كَلِصَّيْنِ يتقاتلان على الاستئثار بسرقة رجل يعرف ما يريد كِلاَ اللصين منه، فإن شاء الرجل أن يعجل بوقوع السرقة ساعد أحد اللصين على الآخر، وإن شاء أن يعمل على نجاة نفسه تركهما يقتتلان وبحث لنفسه عن مخرج يبعده عنهما أو يعصمه من أذاهما. والمسلمون الحقيقيون لا يمكن أن تنطلي عليهم ألاعيب الاستعمار ولن يسكتوا عليها، ولا يمكن أن يثقوا بالمستعمرين ما دام لهم في بلاد الإسلام سلطان، أو ما داموا يضمرون استبقاء ذلك السلطان. فليرح الاستعمار نفسه، وليرح المسلمين من دجله وإفكه، وعلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يتأهبوا ليومهم الموعود، فقد اقترب والله أجله، ويومئذ يفرح المسلمون بنصر الله يؤتيه من يشاء، وسيعلم المستعمرون والبلاشفة لمن عقبى الدار.

стр. 146

٢ - الحُكُومَاتُ الإِسْلاَمِيَّةِ: ما يدفع الحكومات الإسلامية لحرب الإسلام؟: رأينا فيما سبق كيف تحارب الحكومات الإسلامية الإسلام، وتناهض المسلمين العاملين لمجد الإسلام، ورأينا كيف تبيح هذه الحكومات ما حرم الله وتحرم ما أحل الله، ورأينا كيف عطلت الإسلام وخرجت على حدود الله، ورأينا كيف وقفت جهودها على تلبية طلبات المستعمرين وحمايتهم من المسلمين والوطنيين، رأينا كل هذا وسقنا عليه كثيرًا من الأمثلة تبين بجلاء اضطراب منطق الحكومات الإسلامية فيما تدعيه من إسلام، وما تأتيه من أعمال قائمة على جحود الإسلام، وليس ثمة ما يدعو لأن نأتي بأمثلة جديدة ففيما ذكرنا الكفاية، ولكنا نحاول هنا أن نعرف الدوافع التي تدفع الحكومات الإسلامية إلى إتيان الأفعال التي لا يبيحها الإسلام، أو تدفعها إلى السكوت على ما ينكره الإسلام، وهذه الدوافع مهما اختلفت ترجع إلى عاملين: أولهما الجهل بأحكام الإسلام، وثانيهما: الخوف من ذهاب السلطان.

стр. 147

الجهل بأحكام الإسلام: من المؤسف حَقًّا أن يكون رجال الحكومات الإسلامية جاهلين بالإسلام، وهم يسيطرون على الأمم الإسلامية، ويوجهونها في مشارق الأرض ومغاربها، وهم الذين يمثلون الإسلام والأمم الإسلامية في المجامع الدولية. وأغلب رجال الحكومات الإسلامية مسلمون ينتمون إلى أسر عريقة في إسلامها، وأكثر الحكام المسلمين متدينون يؤمنون إيمانًا عميقًا، ويؤدون عباداتهم بقدر ما يعلمون، ولكنهم لا يعلمون من الإسلام إلا القشور، بل إن إسلامهم لا يزيد على إسلام الجهلة والعوام. إنهم لا يعرفون عن الإسلام إلا أنه إيمان وصوم وصلاة وحج ولا يعرفون ما وراء ذلك. إنهم لا يعرفون أن الإسلام جمع بين الأولى والآخرة، ومزج بين الدين والدنيا، وبين المسجد والدولة. إنهم لا يعرفون أن الإسلام شريعة كاملة، وأنه أتى بنصوص في الحُكْمِ والإدارة والسياسة والاقتصاد والمعاملات، وأنه جاء بأحكام للحرب وَالسِّلْمِ ولكل ما يتعلق بشؤون الدنيا، وأنه يوجب تطبيق نصوصه وأحكامه وجعلها أساسًا للحكم ومنهاجًا للحكام. إنهم لا يعرفون أن أول أصل من أصول الإسلام هو أن

стр. 148

يؤمن المسلم بما أنزله الله، وأن الإيمان لا يكون بالقول والاعتقاد، وإنما بهما وبالعمل. فكل إنسان مطالب بالعمل، وسوف يسأل عن عمله فإن أحسن فلنفسه وإن أساء فعليها، ولن يدخل الجنة أحد إلا بعمله الذي يتفق مع ما أمره الله به: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]. ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]. إنهم لا يعرفون أن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - أوجب علينا أن نتبع شريعة الإسلام، ولم يجعل لنا أن نتبع شريعة غيرها ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨]. ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]. وأنه - جَلَّ شَأْنُهُ - جعل الدين الإسلام لا غيره ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وأنه لن يقبل مِن أحد أن يَدِينَ بغير الإسلام، ولن يقبل منه عملاً ولو جاء مُوَافِقًا لما يأمر به الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. إنهم لا يعرفون أن الحُكْمَ في بلاد الإسلام يجب أن يقوم

стр. 149

على أساس ما أنزل الله، وأن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - أمرنا بذلك أَمْرًا جَازِمًا فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقال ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وأنه - جَلَّ شَأْنُهُ - اعتبر من لم يحكم بما أنزل الله كافرًا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. إنهم لا يعرفون أن الإسلام هو اتباع دين الله خَالِصًا، وأن المسلم لا يكون مسلمًا إلا إذا كان مخلصًا للإسلام لا يؤمن إلا به ولا يعمل إلا له ولا يطيع إلا إياه ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١]. إنهم يجهلون أن أحكام الإسلام لا تقبل التجزئة، وأن نصوصه تمنع العمل ببعضها وإهمال البعض الآخر، كما تمنع الإيمان ببعضها والكفر ببعض ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥]. ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤]. وهم يجهلون أن واجب الحكومة الإسلامية الأول هو

стр. 150

إقامة الدين بما فيه من قيادة وعبادة وسياسة وأخلاق، وأن الإسلام يفترض في الحكومة الإسلامية أن وظيفتها إقامة حدود الله وأنها مستخلفة عن الله لِتُقِيمَ دِينَهُ وَتَحْرُسَ دَعْوَةَ رَسُولِهِ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]. وهم يجهلون أن ما يحملون عليه المسلمين من الأوضاع الأوروبية والقوانين الوضعية إنما هو شرع ما لم يأذن به الله ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وهم لجهلهم بالإسلام يلزمون المسلمين هذا الذي لم يأذن به الله، ويريدونهم على أن يتحاكموا إلى القوانين الوضعية مُحْتَجِّينَ بأنها أفضل وأهدى لهم، وأنها سبيل الرقي والتقدم، وكذبوا والله وما زادوا على أن وضعوا أنفسهم تحت قول الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]. وهم لجهلهم بالإسلام إذا قيل لهم ارجعوا إلى الله وَحَكِّمُوا كِتَابَهُ أَعْرَضُوا ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ

стр. 151

بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨]. وهم مع إعراضهم يصدون عن سبيل الله وَيَدَّعُونَ أنهم يقصدون التوفيق بين المسلمين وغيرهم، فهم كما قال الله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦١ - ٦٣]. وهم يعلمون أن القوانين الوضعية ليست إلا أهواء الناس وشهوات الأحزاب، ونزوات الحكام. ولكنهم يجهلون أن الله نهى عن اتباع الهوى وَحَمْلِ الناس عليه لأنه ضلال وإضلال عن سبيل الله ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. وهم يظنون أن هذه القوانين الفاسقة الضالة هي السبب في تقدم الأوروبيين وقوتهم، وهو ظن لا يقوم على ذرة من الحق والصدق، فتلكم هي نفس القوانين التي كانت لهم يوم ظهر الإسلام فأخرجهم مما كانوا يملكون، ويوم تألب عليه الصليبيون فردهم على أعقابهم خاسرين، ويوم سيطر على أوروبا فأعطاه أهلها الجزية صاغرين، وما كان لمسلم حاكم أو غير حاكم أن يدع أمر الله ويتبع الظن ﴿إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦].

стр. 152

وما على المسلم أن يكون أكثر الناس مخالفين له، فإن الحق ليس في اتباع الكثرة ولا في طاعتها، ولكن في طاعة الله ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا﴾ [يونس: ٣٦]. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]. والمسلم مقيد بأوامر الله، ليس له أن يحيد عنها، وليس له أن يعمل حسابًا لأهواء الناس وأعداء الإسلام ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: ١٥]. ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. وليس له أن يخشى الناس فإنما الخشية لله ومن الله ﴿فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]. وإذا كان حكامنا يحفظون قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فعليهم أن يحفظوا بقية الآية ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]. وإذا كان هذا هو حكم الله، فكيف يطمع الحكام أن يطيعهم المسلمون في معصية الله وفيما حَرَّمَهُ اللهُ من اتباع الهوى وطاعة الطواغيت وقوانين الكفر والضلال! وقد أوجب الله أن يستجيبوا له ولرسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وجعل من شيمة المسلم أن يسمع ويطيع أمر الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١].

стр. 153

هؤلاء هم حكامنا المسلمون، وتلك هي بعض أحكام الإسلام التي يجهلون، فإن كانوا يجهلونها كما نعتقد، فلعلهم يعلمون أن جهلهم قد أَوْدَى بالإسلام وأهلك المسلمين، وإن كانوا يعلمون أحكام الإسلام ويتجاهلونها أو يجحدونها فقد نقضوا عهد الله، وقطعوا ما أمر به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، واستنكفوا عن عبادته، واستكبروا بعد أن أكرمهم وَمَكَّنَ لهم وجعلهم حُكَّامًا على الناس، ولست أملك إلا أن أذكرهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]. ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣]. (﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَارًا﴾ [فاطر: ٣٩]. الخوف من ذهاب السلطان: وحكام المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لا يكادون يصلون إلى السلطان حتى يستبد بهم الخوف من ذهاب السلطان، ويستعبدهم الحرص على استبقاء هذا السلطان، وإنهم لَيُضَحُّونَ بالكثير في سبيل الاحتفاظ بسلطانهم، يُضَحُّونَ بعزتهم وعزة بلادهم، وبكرامتهم وكرامة بلادهم،

стр. 154

ويضحون بالإسلام ليرضوا أعداء الله وأعداء الإسلام. إنهم يوالون أعداء الله وأعداء الإسلام من الإنجليز والفرنسيين وغيرهم، ويوادونهم إرضاءً لأعداء الله واستبقاءً لودهم وعطفهم، وهم لا يوالونهم مُوَالاَةَ التُّقَاةِ التي يجيزها الإسلام، وإنما يوالونهم مُوَالاَةَ العطف والإخلاص والحرص على منافع أعداء الله، ولو أضر بالمسلمين والإسلام. وكل ذلك يفعلونه في سبيل الاحتفاظ بالحكم والسلطان وما يتبعهما من الثروة والجاه. ولعل جهلهم بأحكام الإسلام وبتحريم موالاة أعداء الله هو الذي سهل عليهم أن يحرصوا على هذه الموالاة، وأن يُعلنوا عنها بكل لسان، ويتمسكوا بها في كل آن. وحكامنا يطيعون في المسلمين أعداء الله من الإنجليز والفرنسيين والأمريكيين، ويؤذون المسلمين والمسلمات بغير ما اكتسبوا، ويستحلون منهم مَا حَرَّمَ اللهُ، لأنهم يقاومون الاستعمار والاستغلال، ويكافحون أعداء اللهِ وأعداء الإسلام. ولعل هؤلاء الحكام يجهلون أن الله أمرهم أن لا يطيعوا الكافرين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩، ١٥٠]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]. ولعل هؤلاء الحكام يجهلون أن كثيرًا من أهل الكتاب يَوَدُّونَ للمسلمين أن يرجعوا كفارًا بعد إيمانهم، وأن الله حرم على المسلم أن يثق بغير مسلم، أو يؤمن إلا لمن تبع دينه

стр. 155

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]. ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩]. ﴿وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]. وَحُكَّامُنَا لاَ يُشَجِّعُونَ وَلاَ يُقَرِّبُونَ مُسْلِمًا يَخْدِمُ الإِسْلاَمَ، لأنهم حريصون على أن يصبغوا الدولة بغير صبغة الإسلام تَقَرُّبًا إلى أعداء الله، وإرضاءً لمن يحاربون الله، وحتى لاَ يُتَّهَمُوا بأنهم يتعصبون للإسلام، وما عليهم بعد ذلك أن يضيعوا الإسلام، وأن يوهنوا من قوته، ولو فهموا الإسلام على حقيقته لما فعلوا ذلك، ولو آمنوا حق الإيمان لعلموا أن الإيمان هو الحب والبغض، وأن المسلم لا يؤمن إلا إذا تعصب للإسلام، وصبغ نفسه وما حوله بصبغة الإسلام: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]. وهكذا أَذَلَّ الحرص على السلطان طلاب السلطان، وضيع الجهل بالإسلام أحكام الإسلام، وَابْتُلِيَ المسلمون بحكومات هَمُّهَا الوصول إلى الحكم والبقاء فيه، ليس من همها الإسلام ولا تطبيق أحكام الإسلام.

стр. 156

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ آنَ أَنْ تَعْمَلُوا !: أيها المسلمون! هذه هي دُوَلُكُمْ في قبضة الاستعمار يسيطر على أرضها وسمائها ويحتاز خيراتها، وَلاَ هَمَّ له إلا أن يسرق أموالكم، وينهب أقواتكم، ويعتصر دماءكم، ويعبث بكراماتكم، ويسخر من معتقداتكم، ويحولكم عن دينكم. أيها المسلمون! هذه هي قوانينكم لا ترجع لكم ولا تنتسب إليكم، ليس فيها إلا ما يؤذي شعوركم، وما يهاجم معتقداتكم، وما يشيع الفساد بينكم، جاءتكم مع الاستعمار لتعبدكم له، وتغل أيديكم عنه، وتجعل مقامه في بلادكم ممكنا، واستغلاله لكم مشروعًا، وأمره فيكم مطاعًا. أيها المسلمون! هذه هي حكوماتكم تحل ما حَرَّمَ اللهُ، وَتُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ، وتعطل الإسلام، وتتنمر لكل من يخدم الإسلام، وتطارد الوطنيين والمسلمين، ائْتِمَارًا بأوامر الاستعمار، واستجابة لرغباته، ذلك الاستعمار الذي تدعي أنها تحاربه، وما تفعل إلا أنها تواليه وتسالمه.

стр. 157

أيها المسلمون! هذه هي أوضاعكم، تنكرها ألسنتكم، وتأباها قلوبكم، ولكن الاستعمار يفرضها عليكم بسلطانه، ويستعين على إقامتها بينكم بأعوانه، وإن الإسلام ليقتضي أن تحطم هذه الأوضاع وتزول، ولن تزول إلا إذا تحطم الاستعمار وزال، فجاهدوا الاستعمار فهو عَدُوُّ الإِسْلاَمِ الأَوَّلِ وَعَدُوَّكُمْ، وابذلوا في جهاده من أنفسكم وأموالكم، وتعاونوا على إخراجه من دياركم، واستعينوا على إخراجه بتسوية صفوفكم، وتوحيد مناهجكم، وَأَعِدُّوا وَاسْتَعِدُّوا لِيَوْمِ الخَلاَصِ فقد اقترب أجله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]. تَمَّ بِعَوْنِ اللهِ