Полный текст (157 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وليس لهذه التفرقة أهمية في البلاد الإسلامية، لأن النظام الاجتماعي ونظام الحكم في هذه البلاد يقومان على الإسلام ويرجعان إليه، ولأن الإسلام لا يقبل التجزئة ولا يسمح للمسلمين أن يقيموا أوضاعهم على ما يخالف الإسلام. وكل ما يخالف الإسلام في الاجتماع أو الحكم إنما هو خروج على النظام الاجتماعي أو نظام الحكم، أو هو خروج على الإسلام لا يصح للمسلمين أن يسمحوا به مهما كلفهم ذلك من المشاق والتضحيات.
ولنستعرض فيما يلي الأسس الرئيسية التي يقيم عليها الإسلام حياتنا الاجتماعية، ثم نستعرض بعد ذلك أوضاعنا الاجتماعية، لنرى إلى أي حضيض نزلت بنا هذه القوانين الوضعية.
أسس النظام الاجتماعي الإسلامي:
يقوم النظام الاجتماعي في البلاد الإسلامية على أسس إسلامية بحتة، ويصطبغ في كل مظاهره بصبغة الإسلام، والإسلام هو النظام الذي اختاره الله للبشر ليقيموا حياتهم عليه، وليحييهم به حياة طيبة، وليسعدهم به في الدنيا والآخرة. وأهم أسس النظام الاجتماعي الإسلامي هي:
١ - المساواة التامة بين البشر:
يقيم الإسلام المجتمعات الإسلامية على قاعدة المساواة التامة بين البشر، ويقرر المساواة على إطلاقها، فلا قيود ولا
стр. 107
استثناءات، وإنما مساواة تامة بين الأفراد، ومساواة تامة بين الجماعات، ومساواة تامة بين الأجناس، ومساواة تامة بين الحاكمين والمحكومين، لا فضل لرجل على رجل، ولا لأبيض على أسود، ولا لعربي على أعجمي، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وذلك ما أكده رسول الله ﷺ في قوله: «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ المُشْطِ الوَاحِدِ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلاَّ بِالتَّقْوَى». وفي قوله: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ بِالإِسْلاَمِ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَفَاخُرَهُمْ بِآبَائِهِمْ، [كُلُّكُمْ] لآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، وَأَكْرَمُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ».
فالناس جَمِيعًا متساوون على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، متساوون في الحقوق، متساوون في الواجبات، متساوون في المسؤوليات، وهم في ذلك كأسنان المشط لا تزيد سن عن سن، ولا تنقص سن عن سن، أو هم في ذلك كأبناء الرجل الواحد والمرأة الواحدة، ترشحهم وحدة أصلهم إلى المساواة في حقوقهم وواجباتهم ومسؤولياتهم.
والتقوى هي وحدها نِصاب التفاضل بين الناس في الإسلام، ولكنه تفاضل في حدود معينة، تفاضل بين الناس عند ربهم فقط، فأكرمهم عند الله أتقاهم. وكون التقي كريمًا على الله، لا يعطيه حَقًّا عند الناس يزيد على ما لغيره من
стр. 108
الحقوق، فالتقوى إذن صفة تؤثر في صلة الإنسان بربه، أكثر مما ثؤثر في صلة الإنسان بغيره، والتفاضل الذي ينشأ عن التقوى هو تفاضل معنوي لا مادي.
٢ - العدالة المطلقة:
ويقيم الإسلام المجتمع على العدالة المطلقة المجردة عن القيود، العدالة التي تتسع للأصدقاء والأعداء، ولا تفرق بين الأقرباء والغرباء، العدالة التي لا تعرف الميل والمحاباة، ولا تنكمش عن ذوي النفوذ والجاه، العدالة التي تعطي الحق لصاحبه لأنه محق، وتأخذ الحق من المبطل لأنه مبطل، العدالة التي تعتبر الضعيف صاحب الحق قويا بحقه حتى ترد له حقه، وتعتبر القوي غاصب الحق ضعيفا حتى تسترد منه حق غيره. العدالة التي أمر الله بها ووصفها في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. فهو يأمر - جَلَّ شَأْنُهُ - بالعدل وبالإحسان في العدل، فلا يكفي أن يكون المرء عادلاً، وإنما عليه أن يحسن ما استطاع في عدله. وقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقوله: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥].
стр. 109
٣ - الحرية في أوسع معانيها:
ويقيم الإسلام المجتمع على أساس الحرية في أوسع معانيها، وأروع مظاهرها، فحرية الاعتقاد، وحرية التفكير، وحرية القول، كل ذلك وغيره يقرره الإسلام ويجعله عمدًا للمجتمع الإسلامي، وَأُسُسًا لحياة الأمة الإسلامية.
يقرر الإسلام حرية الاعتقاد، ويجعل لكل إنسان أن يعتنق من العقائد ما شاء، وليس لأحد أن يحمله على ترك عقيدته، أو اعتناق عقيدة غيرها، ولو كانت هذه هي العقيدة الإسلامية، وذلك ظاهر من قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢]. وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤].
ويقرر الإسلام حرية الفكر، ويحث الناس على التفكير في كل شيء، ولقد قامت الدعوة الإسلامية نفسها على أساس العقل والتفكير، واعتمد القرآن في اجتذاب الناس للإسلام على استثارة تفكيرهم، وإيقاظ عقولهم، ودعوتهم إلى التفكير في خلق السماوات والأرض، وفي خلق أنفسهم، وإلى التفكير فيما حولهم مما تقع عليه أبصارهم، أو تسمعه آذانهم، ليصلوا من وراء ذلك كله إلى معرفة الخالق، وليستطيعوا أن يميزوا بين الحق والباطل.
стр. 110
ونصوص القرآن التي تحض على استخدام العقل وتحرير الفكر لا تعد كثرة، من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: ٤٦]. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨]. وقوله: (﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]. وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
ويعيب القرآن على الناس أن يلغوا عقولهم، ويعطلوا تفكيرهم، ويتمسكوا بالعادات والتقاليد، ويؤمنوا بالخرافات والأوهام، ويصف من كانوا على هذه الشاكلة بأنهم كالأنعام، بل أضل سبيلاً من الأنعام، لأنهم يتبعون غيرهم دون تفكير، وَلاَ يُحَكِّمُونَ عقولهم فيما يعملون أو يقولون أو يسمعون، واقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
ويقرر الإسلام حرية القول ويجعلها حَقًّا لكل إنسان،
стр. 111
بل إن الإسلام يجعل القول واجبا على الإنسان في كل ما يمس الأخلاق والمصالح العامة والنظام وفي كل ما يعتبر منكرًا، وذلك قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]. وذلك قول الرسول ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ»، وقوله: «أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ»، وقوله: «إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ» ... قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ». وقوله: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَالَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ».
٤ - الأخوة:
ويقيم الإسلام المجتمع الإسلامي على أساس متين من الأخوة فيعتبر المسلمين إخوانًا تربط بينهم رابطة الأخوة الإسلامية وتوحد اتجاهاتهم، وتقوي صفوفهم، وتحملهم على التعاون والبر والتراحم، وفي هذا المعنى يقول الله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. ويقول: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ويقول رسول الله - صَلََّى
стр. 112
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
٥ - الاتحاد:
وبعد أن أقام الإسلام المجتمع الإسلامي على أساس الأخوة، أوجب على المسلمين الاتحاد والالتفاف حول راية القرآن، وحرم عليهم الفرقة والتنازع، ليكونوا يَدًا واحدة ولسانًا واحدًا، وأوصاهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله، حتى لا يكون هناك سبيل للنزاع والاختلاف، وحتى تظل الوحدة قائمة والصفوف سليمة، وحتى لا يكون للأهواء والأغراض منفذ، وذلك قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقوله: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وقوله: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 113
٦ - التعاون:
ويقيم الإسلام المجتمع بعد ذلك على التعاون، التعاون على الخير والبر، واتقاء المحارم، ومحاربة المنكرات والمفاسد، ونبذ الإثم والعدوان، وصيانة بناء المجتمع الإسلامي من كل الأمراض الاجتماعية التي تؤدي بالجماعات إلى التحلل والفناء، وفي ذلك يقول - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ويقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
٧ - اتقاء المحارم:
ويقيم الإسلام المجتمع على اتقاء المحارم، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم بغير الحق، فليس لمسلم أن يأتي في سره أو علنه فاحشة حرمها الإسلام، وليس له أن يباشر مأثمًا، ولا أن يبغي ما ليس حقه، ولا أن يطلب ما ليس له، وفي ذلك يقول - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]. وقوله: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ
стр. 114
تُحْشَرُونَ﴾ [المجادلة: ٩]. وقوله: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
٨ - التحلي بالفضائل:
ويقيم الإسلام المجتمع على الأخلاق الفاضلة، والفضائل الإنسانية العليا، فيوجب الإسلام على المسلمين التخلق بالأخلاق الحسنة، والتحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل، ليكون المجتمع الإسلامي مجتمعًا فاضلاً مِثَالِيًّا، فإذا دعا المسلم الناس إلى الإسلام فليكن ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، وإذا جادل غيره جادله بالحسنى، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وليس للمسلم أن يجهر بالسوء من القول إلا إذا ظُلم، فما لم يظلم فليس له أن يجهر بقولة السوء، ﴿لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]. وليس للمسلم أن يسخر من أحد أو يلمزه ولا أن يتنابز بالألقاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]. وليس لمسلم أن يظن بأخيه المسلم الظنون، ولا أن يأخذه بالظن، ولا أن يتجسس عليه، ولا أن يغتابه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ
стр. 115
بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]. وليس للمسلم أن يتعالى أو يتكبر ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣]. وليس للمسلم أن يختال أو يتفاخر ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].
وعلى المسلم أَنْ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، ويعطي من حرمه، وأن يأمر بالمعروف ويعرض عن الجاهلين ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وعليه أن يدفع عن نفسه بالتي هي أحسن، فإن ذلك أقرب إلى أن يحيل العداوة صداقة ويقرب بين القلوب ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. وعلى المسلم أن يصلح بين الناس ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. وعليه أن يعرض عن اللغو ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]. وليس للمسلم أن يبخس الناس أشياءهم ﴿وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]. ولا أن يتمنى ما فضل الله به بعض الناس عليه ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]. ولا ينسى وهو صاحب حق أن يتفضل على أخيه المسلم ﴿وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وهذا قليل من كثير من الفضائل العليا التي جاء بها الإسلام وألزم المسلمين التحلي بها، ويكفي المسلمين من الأخلاق الفاضلة أن الله جعل لهم في رسول الله أسوة حسنة ﴿لَقَدْ
стр. 116
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وأن الله وصف رسوله ﷺ بالخُلُق العظيم فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فإذا سار المسلمون على نهج رسوله، واتخذوا من أفعاله وأقواله وأخلاقه أسوة، فقد أفلحوا وبلغوا ذروة الفضل.
٩ - الاستخلاف في ملك الله:
ويَعتبر الإسلام الأرض وما عليها مالاً لله وَمُلْكًا له ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ [المائدة: ١٢٠]. استعمر فيه الآدميين وأعده لانتفاعهم ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. فالمال مال الله لا مالهم وملكه لا ملكهم، ولكنهم مستخلفون فيه وَقُوَّامٌ عَلَيْهِ ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]. ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. ((﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦]. ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ
стр. 117
بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦]. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠].
وإذا كان المال على اختلاف أنواعه وأشكاله مال الله والناس مستخلفين فيه ووكلاء عليه، فليس لأحدهم أن يحبس ما في يده من هذا المال عن غيره إذا كان في حاجة ماسة إليه، وليس له أن يحبسه عن المصالح العامة، وليس له أن يستأثر به دون غيره، وليس له أن يكنزه وقد خلق لينتفع به الناس، وليس له أن يظن إذا أعطى غيره شَيْئًا من هذا المال أنه يعطي شَيْئًا من عنده، وإنما هو وسيط أعطى غيره من مال الله كما [أخذ هو] لنفسه من مال الله، وهذا المعنى ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]. أي أن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - فضل بعض الناس على بعض في الرزق وجعل بعضهم خَدَمًا ومماليك للبعض الآخر، فالذين فضلوا في الرزق ليسوا هم الذين يرزقون خدمهم وعمالهم ومماليكهم، وإنما هم وسطاء في إيصال رزق الله إليهم، فالكل سواء يستمدون من الله الرزق وهو الذي يرزق المالك والمملوك، والسيد والخادم، والأمير والحقير.
وهذا المعنى ظاهر أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. وهذا النص خاص بالمكاتبين من الأرقاء، وحكمه إعانة هؤلاء المكاتبين على أداء
стр. 118
المال الذي كاتبوا عليه، والنص حين يأمر بإعانة المكاتبين، على أداء ما التزموه يذكر الناس بأنهم لا يعطون المكاتبين شَيْئًا من أموالهم، وإنما يعطونهم من مال الله الذي آتاهم وجعلهم خلفاء فيه.
ويترتب على اعتبار المال مال الله والناس مستخلفين فيه أن يكون للحكومة الإسلامية الحق في أن تقتطع من ثروات الأفراد ما يقوم بالمصالح العامة وما يرد الحاجة عن المحتاجين، وأن تراقب توزيع الثروات فتحد من ثراء الأغنياء والمترفين، لترفع مستوى الفقراء والكادحين.
١٠ - تفتيت الثروات:
ويقوم النظام الاجتماعي الإسلامي على تفتيت الثروات وتوزيعها. وللإسلام في ذلك ثلاث وسائل إيجابية: (الأولى) الميراث، وهو يؤدي طِبْقًا للنظام الإسلامي إلى توزيع ثروة الميت بين أبويه وزوجته وأبنائه وأبناء أبنائه، وأحيانا يأخذ عصبة الميت وذوو رَحِمِهِ بعض ميراثه (الثانية) ضريبة الزكاة، وهي تقتطع جُزْءًا من رأس المال في كل سنة، لا من الأرباح، ويبلغ هذا الجزء ٢.٥% من رأس المال يؤخذ من الأغنياء ليرد على الفقراء. (الثالثة) حق الحكومات في أن تقتطع من ثروات الأفراد ما يقوم بالمصالح العامة وَيُقَرِِّبَ بين مستوى الطبقات كما بَيَّنَّا من قبل.
стр. 119
وهناك وسيلة (رابعة) سلبية هي تحريم الاكتناز، فالإسلام يحرم على المسلم أن يكنز المال ويعطله فلا ينتفع به ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].
هذه هي الوسائل الأربع التي يفتت بها الإسلام ثروات الأفراد ويمنعها من التضخم، وهي وسائل إجبارية، وهناك وسائل أخرى اختيارية ترك أمرها للأفراد كالتصدق والإنفاق في سبيل الله، وقد حرص الإسلام على أن يأتي الأفراد هذه الوسائل الاختيارية، فدعاهم إليها ووعدهم حُسن المثوبة ومضاعفة الأجر عليها، فالإسلام يدعو إلى التصدق في السر والعلن في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ [الحديد: ١٨]. والإسلام يدعو المسلمين إلى الإنفاق ويبين لهم أنهم لن ينالوا رضاء الله حتى ينفقوا مما يحبون وأن ما ينفقون من خير سوف يخلفه الله ويجزيهم عليه أجرًا عظيمًا: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧]. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
стр. 120
وهكذا يمنع الإسلام الثروات أن تتضخم، وينقلها من يد واحدة إلى أيد كثيرة، ويعطي للحكومات الحق في أن تقتطع من ثروات الأفراد ما يصلح حال الجماعة، ويرفع مستوى الفقراء والمعدمين، ويحول بين الأغنياء وبين الترف الذي يفسد الأفراد والجماعات، ويجعل المال في يد الفقراء والأغنياء على السواء، ولا يتركه في يد الأغنياء وحدهم: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. ويتبين مما سبق أن سياسة الإسلام في المال تقوم على المبادئ الآتية:
[أ] المال مال الله والناس مستخلفون فيه، فهم قُوَّامٌ عليه ووكلاء فيه وليسوا أصلاء.
[ب] إذا كان للقائم على المال حق فيه فإن للغير أيضًا حقوقًا على هذا المال يجب أن تقضى منه، كرِه ذلك القائم على المال أو أحبه، والنصوص في ذلك صريحة منها قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦]. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]. وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
ويلاحظ أن حقوق الغير على المال معينة، أي لا تتجاوز نسبة معينة منه.
стр. 121
[ج] إن للحكومات الحق في أن تأخذ من هذا المال فوق ما سبق ما تصلح به حال الجماعة كلما اقتضى الأمر ذلك دون أن يكون هناك حد لما تأخذه، ولا تتقيد الحكومات في ذلك إلا بقيد المصلحة العامة.
[د] إن الإسلام يدعو القائمين على المال أن ينفقوا منه طوعًا في كل وجوه الخير والنفع ويعدهم على ذلك أعظم الأجر.
[هـ] إن المال ينتقل محملاً بكل هذه الحقوق كلما انتقل من يد القائم عليه إلى يد غيره بالتصرف، أو إلى ورثته بالموت.
١١ - البر والتراحم:
والإسلام بعد ذلك كله يقيم المجتمع على البر والخير، وعلى التراحم والتعاطف، ويوجب على القوي والضعيف والغني والفقير والقريب والبعيد أن يكون كل منهم بَارًّا بأخيه راحمًا له عطوفا عليه، وأن يحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يعمل كل منهم لخير أخيه ويؤثره على نفسه ما استطاع، وأن يكون كل منهم بارا بوالديه وأهله واصلا لرحمه، والنصوص في ذلك صريحة متعددة منها قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقوله: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ﴾ [المجادلة: ٩]. ويقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ﴾ [المائدة: ٢]. وقوله: ﴿لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ
стр. 122
بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. وقوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. ومنها قول الرسول ﷺ : «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ»، وقوله: «البِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»، وقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ - وَفِي رِوَايَةٍ: لأَخِيهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، وقوله: «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الوَالِدِ، وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الوَالِدِ»، وقوله: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، وقوله: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» ... يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ، وقوله: «لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ»، وقوله: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»، وقوله: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فِي الإِسْلاَمِ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا».
١٢ - الاستمساك بالشورى:
والإسلام يرد نظام الحكم في الجماعة إلى الشورى لتستطيع الجماعة أن تختار الحكام الصالحين للقيام بأمر الله في الجماعة، ولتستطيع أن تعزلهم كلما عجزوا عن أداء].
стр. 123
واجباتهم أو حادوا عن الطريق القويم، كما أن نظام الشورى يحول بين الحكام وبين الاستئثار بشؤون الجماعة، إذ يجعل الجماعة رقيبة على الحكام الذين اختارتهم. وقد جاء الإسلام بنظام الشورى وطبقه المسلمون قبل أن تعرفه الدول الغربية بأحد عشر قَرْنًا على الأقل، وقد فرض هذا النظام بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. وبقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
أوضاعنا الاجتماعية اليوم:
رأينا فيما سبق بعض الأسس التي يقيم الإسلام المجتمع عليها، ولكن هذه الأسس الإسلامية لا تقوم عليها المجتمعات الإسلامية اليوم بعد أن عطلت الإسلام أهواء الحكام وقوانينهم التي ينقلونها عن بلاد لا تدين بالإسلام، تلك القوانين التي وجهت المسلمين اتجاهات غير إسلامية، وأَنْسَتْهُم الإسلام حتى لم يعد فيهم من الإسلام شيء.
إن حكامنا وزعماءنا وأصحاب الرأي فينا لم يعودوا إخوانًا متحدين متعاونين كما يقتضي ذلك الإسلام، وإنما هم أحزاب وشيع، يعيشون متفرقين متنابذين، يتآمر بعضهم على البعض، ويتقول كل منهم على الآخر بالحق والباطل، ويتبادلون القذف والسباب كما لو كانوا يتقارضون المدح والثناء،
стр. 124
كل يحاول تحقير الآخر وتشويهه، وكل يريد أن يهدم أخاه ليرتفع على هامته، أو ليخلو له الجو ينطلق فيه، وقد حرصوا على هذه التقاليد التي ينكرها الإسلام ومارسوها كلهم حتى مزقوا أعراضهم، وقطعوا أرحامهم، وهدموا أنفسهم، وتركوا أسوأ مَثَل لمن بعدهم.
والعدل الذي يوزعه الإسلام بالقسطاس المستقيم على القريب والبعيد والعدو والصديق، هذا العدل قد ذهب من بلاد الإسلام، فنحن اليوم لا نعرف من العدل إلا اسمه، ولا نجد تحت هذا الاسم إلا المحاباة الكريهة، والمحسوبية العمياء، حتى ليريد كل حزب أن يستأثر أعضاؤه وأنصاره بكل ما في البلد من حقوق وخيرات ولو قل عدده وَضَؤُلَ شَأْنُهُ، فإذا ما زحزح عن الحكم جاء الحزب الذي يخلفه بأسوأ مما فعل سلفه، فإذا قيل له في ذلك احتج بالسوابق وهكذا يبررون الظلم بالظلم والمحاباة بالمحاباة.
ولقد فسدت أخلاقنا وضعف إيماننا بأنفسنا وانحدرنا إلى الحضيض، ورأينا كبراءنا وهم المثال الذي يحتذيه الشعب يتلونون كل يوم بلون ويلبسون لكل حالة لبوسها، فهم يومًا يؤيدون حكم الأقلية، وفي اليوم التالي ينادون بالحكومة الدستورية، وهم بعد ذلك منابذون لهؤلاء وهؤلاء، يجرون وراء فرد ليس له جماعة تؤيده ولا حزب يسنده، وهم يفعلون كل ذلك لا تَمَشِّيًا مع عقيدة يعتقدونها، ولا
стр. 125
خضوعًا لمبادئ يطبقونها، وإنما جريًا وراء الأهواء والشهوات، وتحقيقًا للمنافع أَوْ تَخَوُّفًا من الحرمان، ذلك أنهم يربطون أنفسهم بكل ذي سلطان طَالَمَا كان له سلطان، فإذا ما أحسوا بهذا السلطان في طريق الزوال انقلبوا على صاحبه ينهشون عرضه ويسخرون منه، وَطَالَمَا والله عبدوه من دون الله، وضحوا في سبيل إرضائه بكرامة الرجل وحياء الإنسان.
ومن أجل هذا الذي درج عليه كبراؤنا فإن كل الحكومات على اختلاف أغراضها وألوانها وعلى اختلاف الجهات التي تسندها، تجد مؤيدين من كل الطبقات، وتستطيع أن تعيش مسنودة بأغلبية برلمانية طَالَمَا كان بقاؤها في الحكم مكفولاً أو على الأقل مأمولاً.
ولقد تمثل الشعب بسادته وكبرائه في نفاقهم وسوء أخلاقهم، فعم النفاق وفشا الرياء وضاعت الأخلاق والكرامات، ولم يبق في الشعب من له ذمة أو ضمير أو خُلُقٍ إلا القليل، ومن المؤلم أن نجد كثيرًا من شباب الأمة وجيلها الحديث ينظرون إلى هؤلاء الذين يتمسكون بالفضائل على اعتبار أنهم قوم يحلمون ويعيشون في العصور البائدة، ويعتقدون أن المدنية والتقدم في التحلل من كل شيء، من الخلق والكرامة ومن الذمة والضمير، بل التحلل من الشفقة والرحمة ومن الآدمية والإنسانية.
стр. 126
إن الكثيرين من شباب اليوم فارغو النفوس والقلوب والرؤوس، فلا علم ولا عمل، ولا دين ولا إيمان، وهم لا يجيدون إلا تزجيج الحواجب وتصفيف الشعر، واختيار الملابس والتشبه بالممثلين والممثلات. ولا عمل لهؤلاء الشباب إلا ارتياد المحلات العامة والاندفاع وراء الشهوات. وقد وقع الكثير منهم فريسة سهلة للشيوعيين، لأنه ليس في تربيتهم المدرسية ولا في حياتهم المنزلية ما يَحُولُ بينهم وبين الآراء الهدامة أو ما يحصنهم ضد الفساد.
والناس اليوم يستحلون كل شيء ما دام يؤدي للغاية، فالسرقة، والرشوة، والاختلاس، وبيع الأعراض والكرامات، والمساومة على المصالح العامة، والتستر على الخيانة والفساد، وإسكات صوت الحق، كل ذلك جائز ما دام يؤدي إلى المال، أو الجاه، أو كراسي الحكم.
وكل فرد يحسد غيره ويتمنى ما بيده، فالمستوزر يحسد الوزير ويتمنى أن يحل محله، والفلاح الصغير يحسد المزارع الكبير، والعامل يحسد صاحب العمل، والفقير يحسد الغني، ويتمنى كُلٌّ أن يكون له ما للمحسود من مال ونعمة، بل لا يرى بَأْسًا من أن يحصل على ما يتمناه دون حق ودون جهد وعن طريق غير مشروع.
إن في مصر غِنًى أتخم الأغنياء، وَفَقْرًا ألصق الفقراء
стр. 127
بالطين، ولكن هؤلاء المتخمين بالثروة يأبون أن يردوا على الفقراء والمساكين بعض حقهم الذي يوجبه الدين وتفرضه طبيعة الاجتماع. والقوانين عاجزة عن معالجة هذه الحالة لأنها لا توجد ولا تنفذ إلا إذا رضي بها السادة الأغنياء.
وفي مصر ماليون يكدسون الأموال عقارات ومنقولات ومشروعات صناعية، ويستخدمون عمالاً يكدحون ويشقون بأجور تافهة لا تقوم باللقمة الجافة والكساء الذي يستر العورة، وليس في مصر قانون يلزم أصحاب الأموال أن يشركوا في أرباحهم العمال كما يقضي بذلك الإسلام، وصاحب المال يكدس خزائنه ذهبا وفضة، والعامل يكدس في قلبه غَضَبًا وَحِقْدًا ينمو ويزيد كل يوم.
إن حياتنا الاجتماعية قائمة على المنفعة، وعلى التحلل من كل القيود، ومن أجل ذلك لا يوقر الصغير كبيرًا، ولا يعطف الكبير على صغير، ولا يرحم القوي ضعيفًا، وَلاَ يَبَرُّ الغني فقيرًا، ولا تحترم الرعية رَاعِيًا، وقد جرف هذا التيار الأسرة، فتقطعت الصِلاَتُ والأواصر بين الزوجة وزوجها، والابن وأبيه، والأخ وأخيه، وحق أن يحدث هذا ما دامت حياتنا قائمة على المنفعة والأثرة.
إن أداة الحكم في مصر قد تعفنت وتعطلت حتى لم يعد لوجودها معنى إلا زيادة الفساد، وكل شيء في مصر الآن
стр. 128
يشترى ويباع ويساوم عليه، فكراسي الحكم لها ثمن، والبقاء فيها له ثمن، والترشيح لعضوية المجالس النيابية له ثمن، وانتخاب المرشحين للنيابة له ثمن، والوظائف لها أثمان مختلفة، والمساعدة على عمل الخير والشر لها ثمنها، والظهور بمظهر القوة والكرامة له ثمن، والنذالة لها ثمنها، وليس في هذا البلد التاعس من يعمل عَمَلاً من حق أو باطل قبل أن يحصل على ثمنه، ويا ضيعة أصحاب الحقوق العاجزين عن دفع الأثمان! ويا بؤس أصحاب الكرامات الذين يرفضون أن يدفعوا الأثمان!.
لقد فسدت أداة الحكم في مصر حتى لتفوح روائح الفساد من كل جوانب مصر ومن كل شيء فيها، ولقد شهدنا في عام واحد من فضائح الحكم في مصر ما يخجل كل مصري إلى يوم القيامة، بل لقد تجمع في يوم واحد على صفحات الجرائد تسع فضائح كبرى هي قضية الجيش الأولى التي أحيلت على القضاء العادي، وقضية انفجار الذخائر في القلعة، وقضية استيراد الأسلحة من الصحراء الغربية، وقضية التموين بما فيها من فضائح استيراد الشاي والذرة والصفيح والأخشاب والأغنام وغيرها، وقضية الاختلاسات الكبرى في وزارة المعارف، وقضية تهريب السيارات لإسرائيل عن طريق بور سودان، وقضية السرقة والاختلاس من مخازن تفتيش مباني الغرب، وقضية اختلاسات مخازن الصحة، وقضية
стр. 129
الأوكار وما حدث فيها من تعذيب للمتهمين تقشعر منه الأبدان، ويعجز عن وصف بشاعته اللسان.
وكل فضيحة من هذه الفضائح تكفي لتلويث سمعة الأمة، ولكن الفضيحة الأخيرة وَأَدَتْ سُمْعَةَ مِصْرَ، وأثبتت أن رجال السلطات الإدارية وسلطات التحقيق نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ، وخانوا أماناتهم، وأتوا من الأعمال ما لا يغتفر.
إن المتهم وديعة المجتمع يسلمها أمانة لرجال الإدارة والنيابة، وإن لهؤلاء حتى سؤاله واستجوابه، ولكن ليس لهم أن يهددوه أو يكرهوه أو يعذبوه أو يسيئوا استعمال الحقوق التي خولتهم الجماعة إياها، فإذا ما فعلوا ذلك فقد انقلبت الأوضاع، وضاعت الأمانات، وزالت الضمانات، وتقوضت العدالة بأيدي القائمين عليها.
وقد يحتمل أن يهدد متهم أو يكره أو يعذب أو يساء بأي وجه إذا كان هذا العمل فرديًا، فما يخلو رجال الإدارة والنيابة من أن يكون بينهم فرد ينزع إلى الإجرام بطبعه، أو ينزلق إليه بضعفه، ولكن الذي لا يحتمل ولا يغتفر هو أن تتآمر الحكومات ورجال البوليس وسلطات التحقيق على الإساءة للمتهمين، وتهديدهم وإكراههم بشتى الوسائل وأقذرها، وتعذيبهم بأبشع الأساليب وأنكرها.
إن تعذيب المتهمين بأيدي صغار رجال البوليس وكبارهم
стр. 130
على مرأى ومسمع من رئيس الحكومة والمشرفين على التحقيق والقائمين به، وتكرار هذا التعذيب ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يوم وأسابيع وشهورًا، معناه أن مصر ليس فيها عدالة، وليس فيها نظام، وإنما فيها وحوش لا تفلت فرائسها، وحيوانات جامحة تحركها نزواتها، وهذه الوحوش المفترسة والحيوانات الجامحة هي التي تمسك بزمام الحكم، وتحمل ميزان العدل بين الناس.
إن هذه الفضيحة قد أصابت مصر بجرح مميت وسبة لا تزول، وإن على كل مصري يشعر بكرامته وبحق مصر عليه أن يقوم فلا يقعد حتى تحقق هذه الفضيحة الكبرى، وحتى يلاقي كل ناكث أثيم، وكل خائن زنيم، جزاء ما اقترف من الإثم، وجزاء ما شارك فيه، وجزاء ما أغضى عليه.
إن في مصر فَسَادًا يوشك أن يدمرها، وفيها تَحَلُّلاً يوشك أن يقضي عليها، إن فيها ظُلْمًا لا يخشع وعدلاً لا ينفع، وأهواء تفرق، واتجاهات تمزق.
إن في مصر هوة بين الفقراء والأغنياء، وهوة بين أصحاب الأعمال والعمال، وهوة بين الضعفاء والأقوياء، وهوة بين الآباء والأبناء، وهوة بين الحكام والمحكومين.
إن الأمة المصرية مجموعة من المتنافرين المتنابذين، ليس
стр. 131
فيها عدل ولا نظام، وليس بين أفرادها تعاون ولا بر ولا تراحم.
إن مصر تقف على شفا الهاوية، ولن يحول بينها وبين أن تتردى فيها إلا الإسلام، فهو الكفيل بإحياء النفوس، وتطهير القلوب، وتصحيح الأوضاع، وتوحيد القوى، وهو الكفيل بقيادة الأمة إلى بر السلام والأمان.
стр. 132
لِمَاذَا يُحَالُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَالإِسْلاَمِ ؟
لقد رأينا فيما سبق كيف نعيش في تناقض، ونعمل في تنافر، وكيف غمرنا الفساد وأخذت بخناقنا المشكلات، وكل مسلم يعلم أن الإسلام هو العلاج الوحيد لكل ما نعانيه من فساد، ونواجهه من مشكلات جِسام، وأن فيه مَا يُرْضِي جميع النزعات، ويجمع بين كل الاتجاهات، ولكننا بالرغم من علمنا بهذا، وبالرغم من مطالبتنا بتطبيق أحكام الإسلام، يحال بيننا وبين الإسلام الذي نحرص عليه، ونتعبد به في الحكم والسياسة وغيرهما، ونسأل الله في كل لحظة الموت عليه.
ولو أن المسلمين أقلية في بلاد الإسلام، لكان من المستساغ بعض الشيء أن يحال بينهم وبين الإسلام، أما والمسلمون هم تقريبًا كل سكان بلاد الإسلام، وكلهم يحرص على أن ينتمي إلى الإسلام، أما وأكثر الدول الإسلامية تجعل دينها الرسمي الإسلام، فقد يبدو غريبًا أن يحال بين المسلمين وبين
стр. 133
[أحكام] الإسلام في بلاد تَدَّعِي الديمقراطية، ولها دستور ينص على أن الحكم ووضع القوانين للأغلبية.
ومن السهل أن نعرف لماذا يحال بيننا وبين الإسلام، إذا عرفنا الذين يحولون بيننا وبينه أو يقطعوننا عنه، ولا يحول بيننا وبين الإسلام إلا الاستعمار، ولا يقطعنا عن الإسلام إلا الحكومات الإسلامية التي تقام في بلاد الإسلام.
стр. 134
١ - الاسْتِعْمَارُ:
عداوة الاستعمار للإسلام طبيعية:
وعدو الإسلام الأول هو الاستعمار، فهو الذي هيأ لنبذ أحكامه واستبدال القوانين الوضعية به، وإنها لعداوة طبيعية فما يستطيع الاستعمار أن يقف على قدميه في بلد يطبق أحكام الإسلام.
ذلك أن الإسلام لا يقبل أَنْ يُدنِّسَ الاستعمار بلاد الإسلام، ولا يسمح أن تعلو في البلد المسلم إلا كلمة الإسلام.
والإسلام يحرم على المسلم أن يخضع لغير المسلم، ويوجب على المسلم جهاد الغزاة المستعمرين وقتالهم وقتلهم حتى يخرجوا من بلاد الإسلام.
والإسلام يبيح للمسلم دم المستعمر وماله، لأن المستعمِر ليس إلا حربيًا معتديًا، فكل ما يسفكه المسلمون من دم المستعمرين إنما هو دم مباح، وكل ما يأخذون من أموالهم إنما هو مال مباح، وكل ذلك إذا ما أتاه المسلمون بنية خالصة إنما هو عمل يتقربون به إلى الله.
стр. 135
والإسلام يحرم على المسلم موالاة المستعمر وموادته، ويوجب عليه مقته وكراهته، فكيف يعيش الاستعمار بين قوم لا يوالونه ولا يوادونه بل يكرهونه ويمقتونه.
والإسلام يوجب على المسلمين في كل بقاع الأرض أن يتكتلوا ضد من يغزو بلدًا إسلاميًا، فقيام أحكام الإسلام يؤدي إلى تكتل المسلمين وتحزبهم ضد الاستعمار، وقد يطيق المستعمرون أن يواجهوا بلدًا إسلاميًّا ولكنهم لا يطيقون أن يواجهوا وحدة حقيقية تجتمع فيها كل بلاد الإسلام.
والإسلام لا يجيز للمسلمين أن يعاهدوا المستعمرين أو يهادونهم ما دام في المسلمين قوة، فهي إذن الحرب المشبوبة الدائمة ما دام الاستعمار، أو هي الهدنة الموقوتة التي لا تنتهي إلا بالقتال.
والإسلام يجيز للمسلمين في حالة ضعفهم أن يهادنوا المستعمرين هدنة مؤقتة قصيرة على أن يعدوا ويستعدوا، فإذا خافوا الإضرار بالمسلمين أو خشوا خيانة المستعمرين نبذوا إليهم عهدهم وعادوا إلى حربهم بعد إنذارهم، فأحكام الإسلام تمنع من مسالمة المستعمرين إلا إلى أجل، وتجيز نقض الهدنة والعود إلى الحرب كلما اقتضت ذلك مصلحة المسلمين والإسلام.
стр. 136
والإسلام بعد ذلك يحرم الاحتكار، ويحرم الاستغلال، ويحرم الربا في كافة الصور والأشكال، ولا يقوم الاستعمار إلا على هذه كلها، فإذا لم يكن احتكار ولا ربا ولا استغلال، فما نفع المستعمرين من الاستعمار؟
لذلك كله ولغيره، حرص الاستعمار على أن يبعد المسلمين عن أحكام الإسلام، فما دَخَلَ بَلَدًا إلا بعد أن هَيَّأَ لإبعاده عن الإسلام، وما استقر في بلد إلا بعد أن أقصى عنه سلطان الإسلام.
أساليب الاستعمار في محاربة الإسلام:
وللاستعمار في الحيلولة بين المسلمين والإسلام وتحويلهم عنه أساليب شتى، منها أنه يغري الحكام المسلمين بالإسلام، ويزين لهم أن يحلوا مكانه القوانين الوضعية، ويوسوس لهم أن هذه القوانين ستؤدي بهم إلى المدنية والقوة والتقدم، وما تؤدي في الواقع إلا إلى الضعف والتحلل والفساد والدمار، وما يقصد المستعمر من هذا كله إلا اتقاء الحرب التي يشنها عليه الإسلام، وقطع المعين الذي يمد المسلمين بالقوة ويحثهم على مقاومة الاستعمار ونضال المستعمرين، ولعل هذا هو بعض ما قصد إليه الوزير الانجليزي (جلادستون) حين وقف في مجلس العموم من عشرات السنين يقول: «إِنَّ قَدَمَ الإِمْبْرَاطُورِيَّةَ الإِنْجْلِيزِيَّةَ لَنْ تُرَسَّخَ فِي بِلاَدِ الإِسْلاَمِ مَا دَامَ القُرْآنُ مَوْجُودًا».
والاستعمار كما يستعين على الإسلام بالحكام المسلمين،
стр. 137
يستعين بالتبشير بالمبشرين الذين رأوا أن من الصعب تكفير المسلم وتحويله عن دينه تحويلاً عاجلاً مباشرًا، فاختطوا خطة بارعة لتحويل المسلمين عن دينهم تَحْوِيلاً بَطِيئًا وغير مباشر، وإذا تحول المسلمون عن دينهم خطوة أمكن أن يتحولوا عنه خطوة أخرى خصوصًا إذا كان التحول غير مباشر، وهكذا حتى يأتي يوم يتحول المسلمون فيه عن إسلامهم، ويكونون حَرْبًا على دينهم.
وتقوم خطة المبشرين على أَنْ يُعَلِّمُوا المسلمين في مدارسهم أن الدين شيء والعلم شيء، وَأَنَّ الدِّينَ طَالَمَا عَادَى العِلْمَ الذي هو أساس تقدم البشر والعامل الأول في حضارتهم. والأمثلة على ذلك حاضرة عندهم في تاريخ الكنيسة المسيحية. كذلك يُعَلِّمُونَ المسلمين أن تأخرهم راجع إلى التمسك بالدين وتحكيمه في شؤون الدنيا، وأنهم لن يتقدموا ما لم يفصلوا بين الحُكْمِ وَالدِّينِ، وتكون لهم حكومة مدنية كما يفعل الأوربيون.
وهكذا سلك التبشير والاستعمار طريقًا واحدًا وتعاونًا على إصابة هدف واحد.
وقد أفلح المبشرون إلى حد كبير، إِذْ تَخَرَّجَ من مدارسهم كثير من حكام المسلمين وَكُتَّابِهِمْ، وهؤلاء نهجوا نهج أساتذتهم، فَسَمَّمُوا أفكار المسلمين، ووجهوهم نفس الاتجاه الذي يعمل له الاستعمار والمبشرون.
ويشتري الاستعمار والمبشرون أقلام بعض المسلمين بثمن بخس ليستخدموهم في مهاجمة الدين، وليزينوا لهم إقصاء الدين في كل ما يتعلق بشؤون الدنيا، والتشبه بالأوروبيين
стр. 138
في فصل الدين عن الدولة، وبذلك يُمَكِّنُ الاستعمار لنفسه ويثبت قدميه كلما حال بين المسلمين وبين الدين.
وقد ساعد على نجاح المستعمرين والمبشرين أن الحكومات الإسلامية تمنع تعليم الدين في المدارس، وأن كتب التعليم جميعها مترجمة عن الكتب الأوروبية، وأن الإشراف على التعليم كان فيما سلف للأوروبيين من مستعمرين ومبشرين، فطبع المسلمون أفواجًا أفواجًا بطابع التبشير والاستعمار، وخرجوا من المدارس لا يعرفون إلا أن الدين الذي لم يتعلموا شَيْئًا منه لا يصلح لشؤون الحكم والسياسة، وأنه يجب أن ينحى عن الشؤون الدنيوية، وأن يكون علاقة بين الإنسان وربه، وأن التخلص من شيء من أحكام الدين يُقَرِّبُ الشعب خطوة من المدنية والتقدم، وسيطر هؤلاء المسلمون فيما بعد على شؤون الحكم والتعليم وغيرهما من شؤون الأمة، فداروا في نفس الدائرة التي رُسِمَتْ لهم، وكانوا أمناء على تعاليم أساتذتهم، ولم يخرج عليها إلا من هيأت له ظروفه أن يدرس وأن ينقد وأن يوازن. وحينئذ استطاع أن يعرف أنه أُلعوبة في يد المستعمرين والمبشرين.
الفصل بين الدين والدولة:
وَقَدْ اسْتُغْفِلَ المسلمون إلى حد كبير حين أُفْهِمُوا بأن سبب تقدم أوروبا هو الفصل بين الدين والدولة، لأن الدين المسيحي الذي تدين به أوروبا لَمْ يَأْتِ بمبادئ وأحكام يقوم عليها نظام الحكم والإدارة والسياسة والمعاملات وغيرها. وقد جاء هذا الدين في عصر الدولة الرومانية، فاحتضنته تلك الدولة
стр. 139
ونشرته بين الناس، وكان لهذه الدولة قانون كامل هو القانون الروماني الذي يعتبر أساسًا ومصدرًا لكل القوانين الأوروبية العصرية، ولذلك لم يكن للدين محل في التشريع، خصوصًا وأن الدين المسيحي لم يأت بتشريع خاص، ولكن احتضان الدولة للدين الجديد وقيامها بنشره اقتضى أن يضاف إلى القانون بعض النصوص التي تلائم هذا التطور. ثم جاء بعد ذلك عهد استغل فيه رجال الكنيسة سلطانهم وثقة الجماهير فيهم، فاتبعوا أهواءهم، وجروا وراء مطامحهم وألبسوا كل ذلك ثَوْبًا مِنَ الدِّينِ، لِيُخْضِعُوا له الناس باسم الدين، وليتغلبوا بسهولة على منافسي سلطانهم من السياسيين والمفكرين، ولكن الغلبة كانت للآخرين، حيث انتهت المعركة بعزل رجال الدين عن الحكم والسلطان.
فالمنافسة بين رجال الدين ورجال السياسة لم تكن على الدين أو السياسة، وإنما كانت على السلطان ولا شيء غيره، والنزاع الذي حدث في أوروبا لم يكن نزاعا بين أهواء رجال الكنيسة وأهواء رجال السياسة، وَحَرْبًا بين التدجيل باسم الدين، والتدجيل باسم الشعوب. وقد انتهى كل هذا بالفصل بين رجال الدين وسلطان الدولة وبما يسمى اختصارًا: الفصل بين الدين والدولة. وليس أدل على ذلك من أن القوانين الأوروبية لا تزال كما هي لم تتأثر بنظرية الفصل بين الدين والدولة، ولم يحذف منها إلا بعض النصوص التي وضعت في العصور الوسطى لحماية السلطان الذي اغتصبته الكنيسة لنفسها، ولا تكاد القوانين الأوروبية العصرية
стр. 140
تختلف في اتجاهاتها عما كان عليه القانون الروماني في عصور المسيحية الأولى إلا بالقدر الذي اقتضاه التطور الطبيعي للعادات والتقاليد.
ولعل كل الذي ترتب على الفصل بين الدين والدولة لا يخرج عن نتيجتين:
الأولى: حرمان رجال الكنيسة من أن يكون لهم سلطان دنيوي لحماية سلطانهم الديني، فقد كانوا يرون أن قيامهم على الدين يقتضي أن يكون لهم من سلطان الحكم ما يمكنهم من أداء وظيفتهم.
الثانية: إعلان الحرية الدينية. فقد كان رجال الكنيسة يُكْرِهُونَ الناس على عقيدة معينة، فلما ذهب سلطانهم، تُرِكَ للناس أن يعتقدوا ما يشاؤون.
وحدوث هاتين النتيجتين ليس فيه فصل حقيقي بين الدين والدولة، لأن قيام الدولة على الدين لا يقتضي أن يكون لرجال الدين أي سلطان خاص ولا يقتضي حمل الناس على عقيدة معينة، وأفضل مَثَلٍ لذلك هو الإسلام. فالإسلام يوجب أن تقوم الدولة على أساس الدين الإسلامي، ويوجب أن يكون الحكم والسياسة والإدارة والتشريع، وكل ما له أثر في حياة الأمة مُسْتَمَدًّا من الدين الإسلامي وقائمًا عليه، وبالرغم من ذلك فإن الإسلام لا يعطي علماء الإسلام وفقهاءه أي سلطان، ولا يميزهم من هذه الوجهة عن أي فرد عادي، كما أن الإسلام يحمي كل الحماية حرية التدين، وَيُحَرِّمُ أَنْ يُكْرَهَ شَخْصٌ على عقيدة معينة، أو دين معين، وذلك قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ
стр. 141
فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
لا وجه لقياس البلاد الإسلامية بأوروبا:
وإذا كانت هذه هي حقيقة الحال في أوروبا، فإن حال البلاد الإسلامية جد مختلفة، إذ فيها دين أتى بنصوص صريحة وأساليب واضحة واجبة الاتباع في كل شأن من شؤون الحياة، وهذه النصوص تكون شريعة كاملة ناضجة هي الشريعة الإسلامية، وهذه الشريعة ظلت تحكم بلاد الإسلام على خير وجه ثلاثة عشر قَرْنًا على الأقل، ففصل الدين الإسلامي عن الدولة مع أن الدولة جزء من الدين، وإقصاء الشريعة الإسلامية التي يتعبد بتطبيقها المسلمون، وإحلال القوانين الوضعية محلها، ليس إلا خروجًا على الدين أو إخراجًا له من قلوب المسلمين.
ولا وجه لقياس البلاد الإسلامية على البلاد الأوروبية، لأن الدين الإسلامي أتى بشريعة كاملة أوجب تطبيقها، والدين المسيحي لَمْ يَأْتِ بشيء، ولأن الدين الإسلامي يجعل الحكومة جُزْءًا من الدين، وليس الدين المسيحي كذلك، ولأن فصل الدين عن الدولة لم يؤد إلى تعطيل المسيحية وإلزام المسيحيين قوانين غير قوانينهم، أما فصل الدين عن الدولة في بلاد الإسلام فقد أدى إلى تعطيل الإسلام وإلزام المسلمين قوانين خارجة على أحكام الإسلام، ولأنه ليس في بلاد الإسلام سلطة دينية وسلطة مدنية يتنازعان الحكم والسلطان
стр. 142
كما هو الحال في أوروبا، وإنما في بلاد الإسلام سلطة واحدة تجمع في يديها شؤون الدنيا والدين، وتقيم الدولة على أساس الإسلام الذي مزج بين الدين والدولة مَزْجًا جعل الدولة هي الدين وجعل الدين هو الدولة.
الدين لا يؤخر الشعوب:
أما ما يدعيه المستعمرون والمبشرون من أن الدين يؤخر الشعوب فينقضه أن المستعمرين جَمِيعًا يتمسكون في بلادهم بالدين، وليس في البلاد الاستعمارية بلد واحد ألغى الدين، وينقضه أن البلاد الأوروبية الاستعمارية والبلاد الاستغلالية تنفق كل عام مئات الملايين من الجنيهات على التبشير بالمسيحية في بلاد الإسلام، ولو كان الدين يؤخر الشعوب كما يدعون لألغوه في بلادهم ليستكملوا الرقي والتقدم، ولما أنفقوا على نشره أموالاً طائلة هم أولى بإنفاقها في وجوه أخرى تنفعهم وتعود عليهم بالخير.
وإذا كان في أي دين من الأديان ما يدعو إلى التأخر، فليس في طبيعة الدين الإسلامي إلا ما يدعو إلى التقدم والتفوق، فهو يوجب على المسلم أن يأخذ بأسباب القوة والعزة والتفوق والسيادة، وهو يوجب على المسلم أن يعمل ولا يتبطل، وهو يأمر بالخير والبر والتعاون والتراحم، وهو يقيم الجماعة على أساس المساواة التامة والأخوة المتعاونة والعدالة المطلقة، وهو يدعو الجماعة إلى التحرر من الخوف والجهل والضعف والفقر، وينكر الاستعلاء والأثرة والاحتكار والاستغلال
стр. 143
والإساءة والظلم، وَلَوْ طُبِّقَ الإِسْلاَمُ كما أنزله الله لوجد العالم كله في الإسلام ما يحل مشاكله ويوحد مناهجه، ويجمع كلمته ويدفع عنه ما يعانيه من أهوال.
رجعة إلى الاستعمار:
والاستعمار بعد أن حقق إلى حد كبير هدفه في البلاد الإسلامية، لا يزال يؤمن أشد الإيمان بأن لا حياة له في حياة الإسلام، ولا سلطان له مع سلطانه، ومن ثَمَّ فهو يخشى الإسلام أشد الخشية حتى ليقلقه ويقض مضجعه تكوين جمعية إسلامية صغيرة أكثر مما يقلقه تكوين حزب سياسي ضخم لمناهضته، ذلك أن الاستعمار يعلم جيدا أن الأحزاب تبحث عن مغانم الدنيا وهي في قبضة المستعمرين، أما المسلم الحقيقي فإنه يبحث عن الشهادة وهي في قتال المستعمرين وقتلهم.
وبعد أن تيقظ الوعي الإسلامي في البلاد الإسلامية، وفَهم المسلمون لُعْبَةَ المستعمرين، استطاع الاستعمار في كثير من الأحيان أن يستعين بالحكومات الإسلامية ليتغلب على دعاة الإسلام وينحيهم عن طريقه، ولكنهم أبَوْا أن يستسلموا أو يسالموا وصبروا على حرب الاستعمار وظلم الحكومات الإسلامية، وفتحت هذه الحرب المستمرة وذلك الظلم الغاشم عيون الوطنيين على الحقائق المرة، فعلموا أن الاستعمار يخشى الإسلام، وكان ذلك وحده كَافِيًا لأن يتحول كثير من المسلمين الوطنيين أنصارًا ودعاة للفكرة الإسلامية.
стр. 144
المعركة الحاسمة:
والمعركة بين الإسلام والاستعمار تمر اليوم بأدق مراحلها، وستنتهي إن شاء الله بالتمكين للإسلام وهزيمة الاستعمار.
إن الاستعمار اليوم في أحرج مواقفه بعد أن تبين مَا تُبَيِّتُهُ له الشيوعية، وهو يعلم حق العلم أنه لن يَقْضِيَ على الشيوعية في البلاد الإسلامية إلا الإسلام.
إن الاستعماريين بين أمرين أحلاهما مُرٌّ، فهم على يقين بأن الشيوعية إذا ظفرت بهم فلن تبقى على عظم ولا لحم، ولا على أصل ولا فرع. سيزول الاستعمار ويزول السلطان، ويصبح المتبوع تابعًا والمسيطرون عبيدًا. ستطير المستعمرات، وتستعمر الأوطان التي أنبتت الاستعمار. وهم على يقين أيضًا بأنهم لو سالموا الإسلام وتركوه يُمَكِّنُ لِنَفْسِهِ مَا شَاءَ، فإنه لن يلبث أن يقضي على الاستعمار، وَحِينَئِذٍ يُحْبَسُ المُسْتَعْمِرُونَ في أوطانهم التي لا تقوم بأودهم وينالهم الجوع والحرمان، ويذهب عنهم الجاه والسلطان.
إن الاستعمار يحلم بأن يجند المسلمين تحت رعايته لمحاربة الشيوعية، ويحاول جَاهِدًا أن يستثير مخاوف المسلمين بما في الشيوعية من إلحاد، وإنه لحلم لذيذ للمستعمرين ولكنه لن يتحقق من جهة المسلمين بإذن الله.
إن الإسلام يكره الاستعمار ويكره الشيوعية إلى درجة المقت، وإن كراهتهما بمنزلة سواء، لأنهما يكرهان الإسلام، وكلاهما يقاتل الآخر للتسلط على بلاد الإسلام، ولن ينال
стр. 145
الإسلام خيرًا من الميل مع أحد العدوين ضد الآخر، لأن الخسارة محققة بمحاربة أحد العدوين، والكسب غير محقق لبقاء العدو الثاني، ولكن الإسلام قد ينال خيرًا ولا يخسر شَيْئًا إذا وقف وقفة المتربص بأعدائه العامل لنفسه لا لغيره، وَلَمْ يُفْلِتْ أي فرصة تسنح له.
إن اشتباك الاستعمار مع الشيوعية هو الفرصة الوحيدة التي ستمكن الإسلام أن يتخلص بإذن الله منهما مَعًا، وما الاستعمار في محاربته الشيوعية إِلاَّ كَلِصَّيْنِ يتقاتلان على الاستئثار بسرقة رجل يعرف ما يريد كِلاَ اللصين منه، فإن شاء الرجل أن يعجل بوقوع السرقة ساعد أحد اللصين على الآخر، وإن شاء أن يعمل على نجاة نفسه تركهما يقتتلان وبحث لنفسه عن مخرج يبعده عنهما أو يعصمه من أذاهما.
والمسلمون الحقيقيون لا يمكن أن تنطلي عليهم ألاعيب الاستعمار ولن يسكتوا عليها، ولا يمكن أن يثقوا بالمستعمرين ما دام لهم في بلاد الإسلام سلطان، أو ما داموا يضمرون استبقاء ذلك السلطان. فليرح الاستعمار نفسه، وليرح المسلمين من دجله وإفكه، وعلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يتأهبوا ليومهم الموعود، فقد اقترب والله أجله، ويومئذ يفرح المسلمون بنصر الله يؤتيه من يشاء، وسيعلم المستعمرون والبلاشفة لمن عقبى الدار.
следующие страницы →