Полный текст (157 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ولكن حكومة مصر الإسلامية لم يمنعها إسلامها الذي تطنطن وتعلنه في الوثائق الرسمية من أن تعطل شرائع الإسلام، وأن تحرم ما يحله الإسلام، وتحل ما يحرمه الإسلام.
إن حكومات مصر الإسلامية سَوَّلَ لَهَا منطقها أن تطبق على المسلمين القوانين الأوروبية بَدَلاً من الشريعة الإسلامية، بالرغم من أن هذه القوانين لم تصل بعد إلى مستوى الشريعة الإسلامية في أي ناحية من النواحي العلمية والفنية، وبالرغم من أن هذه القوانين تخالف أحكام الإسلام، وبذلك عطلت الحكومات المصرية الشريعة الإسلامية، والشريعة هي مجموعة أحكام الإسلام، فتعطيلها تعطيل الإسلام، وبهذا المنطق المقلوب تقيم الحكومات الإسلامية الإسلام، ولا تستحي أن تدعي لنفسها الولاية على المسلمين والقيام على تنفيذ أحكام الإسلام.
والإسلام لا يسمح لمسلم أن يتخذ غير شريعة الله قانونًا، إذ يلزم المسلم أن يتبع ما أنزله الله دون غيره، وذلك قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨]. وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣].
والمسلم لا يعتبر مسلمًا حَتَّى يُحَكِّم الإسلام في شؤونه وما يشجر بينه وبين غيره طِبْقًا لقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ
стр. 72
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
ومن لم يحكم بما أنزل الله، أو تحاكم إلى غير شريعته، فهو كافر ليس في قلبه ذرة من الإسلام وإن تسمى بمسلم، وانتسب إلى أبوين مسلمين، وَادَّعَى لنفسه الإسلام، ذلك حكم الله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وإذا كان هذا هو حكم الإسلام الذي عطلته ولا تزال تعطله الحكومات في البلاد الإسلامية، فإن كل ذي عقل يستطيع أن يدرك بسهولة مدى حظ هذه الحكومات من الإسلام، وأن يقول غير متحرج أن هذه الحكومات تدعو المسلمين إلى الكفر وتحملهم عليه.
حُكُومَةُ مِصْرَ الإِسْلاَمِيَّةِ تُبِيحُ المُحَرَّمَاتِ:
ومصر الإسلامية التي تجعل دين الدولة الرسمي الإسلام تبيح التعامل بالربا على اختلاف صوره، بل إن الحكومة المصرية نفسها تحرص على أن تعامل بالربا رعاياها المسلمين، لِتُرْبِي أموالها العامة الكثيرة من أموالهم الخاصة القليلة، وهي حكومة إسلامية تعلم أن الإسلام يحرم الربا في كل صوره وأشكاله، وأن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - أنزل علينا كِتَابًا يقول فيه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ
стр. 73
وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وفيه قوله:: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]
ومصر الإسلامية التي تجعل دين الدولة الرسمي الإسلام، تُحِلُّ الخمر والقمار ولحم الخنزير، وتبيح حكوماتها للرجال والنساء أن يفتحوا النوادي والمحلات العامة للعب الميسر وشرب الخمر وأكل كل طعام محرم. وحكومة مصر الإسلامية تبيح كل هذا وهي تعرف أن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - حرمه في كتابه وعلى لسان نبيه، فقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
وعن النبي ﷺ أنه قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»، وأنه قال: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»، وأنه قال: «لَعَنَ اللَّهُ الخَمْرَ، وَلَعَنَ شَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَآكِلَ ثَمَنِهَا».
ولقد بلغ الأمر بحكومات مصر الإسلامية أن لا تستحي من شراء الخمر وتقديمها في الحفلات الرسمية العلنية، وبذلك جلب رجال الحكومات على أنفسهم لعنة الساقي والمبتاع، إن لم يجلبوا عليها أيضا لعنة الشارب والحامل.
стр. 74
ومصر الإسلامية التي تجعل دين الدولة الرسمي الإسلام، تحل الزنا وترخص للنساء بالبغاء، وللرجال بالقوادة، وتبيح الحفلات الراقصة، فتسمح لنساء شبه عاريات أن يراقصن الرجال الأجانب وكلهم قد أخذ الخمر بعقله، وتسلطت عليه غرائزه، وفي ذلك تحريض على الفاحشة وإشاعة لها، والإسلام قد حرم ذلك كله في قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢]. وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].
بل لقد ذهب الإسلام إلى تحريم النكاح بين زانية وعفيف، وبين زانٍ وعفيفة، وذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].
الحُكُومَاتُ الإِسْلاَمِيَّةُ تَمْنَعُ تَعْلِيمَ الدِّينِ الإِسْلاَمِيَّ:
ومصر الإسلامية التي تجعل دين الدولة الرسمي الإسلام تبيح لِلْمُبَشِّرِينَ من الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين وغيرهم أن ينشئوا مدارس للتبشير بالدين المسيحي تفتن أطفال المسلمين عن دينهم، بينما الحكومة المصرية تمنع تعليم الدين الإسلامي في المدارس الحكومية، ولا تهتم بتدريس التاريخ الإسلامي لطلاب هذه المدارس، وإن كانت تهتم أشد الاهتمام بتدريس
стр. 75
تاريخ البلاد الأوروبية، ولعل هذه الحكومات الإسلامية لا تعلم أن أول ما يجب على المسلم أن يتعلمه هو مباني الإسلام، وهي التي يقول فيها رسول الله ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ»، فهذه الأشياء الخمس توجبها طبيعة الإسلام على كل مسلم، فيجب العلم بها وبكيفية العمل فيها وبكيفية وجوبها.
ولعل الحكومات الإسلامية لا تعلم أن العلم بمباني الإسلام، والتفقه في الإسلام واجب بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وبقول رسول الله ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
الحُكُومَاتُ الإِسْلاَمِيَّةِ تُطَارِدُ دُعَاةَ الإِسْلاَمِ:
ومصر الإسلامية التي جعلت الإسلام دِينًا رَسْمِيًّا للدولة، تحارب حكوماتها كل من يدعو إلى الإسلام الصحيح، وينكر على الحكومة اتجاهاتها الضالة المضلة، وتستعين بقوانينها الفاسقة على دعاة الإسلام الراشدين، فتكم أفواههم وتعطل
стр. 76
أقلامهم، وتفتح لهم السجون والمعتقلات، وتسومهم سوء العذاب، لأنهم مسلمون مخلصون للإسلام، ولأن منطقهم لا يستسيغ للمسلم أن يكون على غير الإسلام.
ويلوح أن هذه الحكومات الإسلامية لا تدري أن الإسلام يوجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يحاول تغيير المنكر ما استطاع فالله - جَلَّ شَأْنُهُ - يقول: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقد بينا فيما سبق ما هو المعروف وما هو المنكر، والرسول ﷺ يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا، فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ».
انْحِرَافُ الحُكُومَاتِ الإِسْلاَمِيَّةِ عَنْ الإِسْلاَمِ:
ومصر الإسلامية يُخَوِّلُ لها إسلامها أن تنحرف عن كل اتجاه يرجع إلى الإسلام، فضريبة الزكاة يعطل قانونها لأن الزكاة فريضة يفرضها الإسلام والقانون المدني المصري يؤخذ من عشرات القوانين الأوروبية والأمريكية والآسيوية، وكان من الممكن أن يوضع مثله تمامًا وأفضل منه مشتقًا من أحكام الإسلام، والمحاكم الشرعية ينقص من اختصاصها عَامًا بعد عام لأنها تقضي بأحكام الإسلام، ومعهد الفقه الإسلامي الذي
стр. 77
وضعت نفقاته في الميزانية أكثر من مرة يهمل أمره لأنه سيكون دعامة من دعائم الإسلام.
وما أهون على الحكومات الإسلامية أن تستبدل بحكم الإسلام حُكْمًا من أحكام الكفر والضلال، وما أشد عليها أن ترجع في أي شأن أيًّا كان إلى كتاب الله.
وكأنما هذه الحكومات لا تعلم أن وظيفة الحكومة الإسلامية هي إقامة الإسلام، وأن القرآن افترض في الحكومة الإسلامية أن تقضي على الشرك وَتُمَكِّنَ لِلإِسْلاَمِ، وأن تقيم الصلاة، وتأخذ الزكاة، وأن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وأن تحكم بين الناس بالعدل وَتَسُوسَ أُمُورَهُمْ في حدود ما أنزل الله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. وقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]
стр. 78
خَسِرْنَا مَعْرَكَةَ الاِسْتِقْلاَلِ بِالاِنْحِرَافِ عَنْ الإِسْلاَمِ:
ومصر كما يعلم الناس تجاهد في طلب الحرية والاستقلال، فلننظر كيف تطالب الدولة المسلمة بحريتها، وتكافح في سبيل استقلالها، وسنرى كيف باءت بالخسران والخذلان، وجلبت على نفسها الضعة والهوان، لأنها فَرَّطَتْ فِي جَنْبِ اللهِ وانحرفت عن الإسلام.
كَيْفَ دَخَلَ الإِنْجِلِيزُ مِصْرَ؟:
فِي سَنَةِ ١٨٨٢ م دخل الإنجليز مصر، على أثر فتنة أهلية، بحجة حماية خديو مصر من رعاياه. ولقد حاولوا أن يدخلوا مصر من قبل مِرَارًا ففشلوا، حاولوا مرتين أن يدخلوا مصر بعد أن غزاها الفرنسيون فارتدوا على أعقابهم خاسرين، وحاولوا أن يدخلوها الثالثة في عهد محمد علي فألقت بهم مصر إلى البحر وارتدوا إلى بلادهم يائسين من دخول مصر بالقوة، وظلوا يحيكون دسائسهم ويلقون بشباكهم حتى حانت الفرصة، فرصة الفتنة العرابية التي مهدوا لها ونفخوا فيها حتى أثاروها، فدخلوا مصر لا ليطفئوا الفتنة كما ادعوا، وإنما ليحتلوها وليثبتوا أقدامهم فيها. ولقد أعلنوا أكثر من سبعين مرة أن
стр. 79
وجودهم في مصر مؤقت وأنهم على نية الجلاء، ولكنهم أخلفوا ما وعدوا، وكذبوا فيما أعلنوا، وبقوا في مصر يسرقون أموالها، وينهبون أقواتها، ويعبثون بكرامات أهلها.
مَنْطِقُ الحُكَّامِ وَالزُّعَمَاءِ:
فلما تكشفت نية هؤلاء القراصنة، أجمعت مصر على مقاومتهم وتظاهر أبناؤها على إخراجهم، وتقدم الحكام والزعماء يقودون الشعب إلى غايته، ويعملون لاستقلاله وحريته، ولكنهم آثروا أن يسعوا إلى الحرية والاستقلال عن طريق السلام والاستسلام، والتذلل والسؤال، وَسَوَّلَ لَهُمْ منطقهم أن يعتمدوا في المطالبة بحقوق مصر على عدالة غاصبي هذه الحقوق. وهو منطق أقل ما يقال فيه أنه قائم على الغفلة والجهل بطبائع البشر وَعِبَرِ التَّارِيخِ. فلو كان الغاصب يستشعر العدالة في نفسه ما غصب غيره. ولا عرف الناس الحماية والاستعمار وغيرهما من أوضاع الغصب والاستذلال.
هَذَا المَنْطِقُ لاَ يَرْضَاهُ الإِسْلاَمُ:
وإذا كانت مصر قد خرجت على حكم العقل وطبائع الأشياء في معالجتها لقضية الحرية والاستقلال، فإنها قد خرجت أيضًا على حكم الإسلام، ولو أن حكام مصر وزعماءها استهدوا فطرهم السليمة واستفتوا قلوبهم المسلمة لهدوا إلى الحق والصواب، ولعلموا أن الجهاد الدامي هو طريق الحرية، وأن القتل والقتال هو طريق الاستقلال، ولا يعجبن أحد أن يكون حكم
стр. 80
الإسلام متفقًا مع حكم العقل وطبائع الأشياء. فإن الإسلام هو بنص القرآن ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أو هو كما يقول الرسول ﷺ : «دِينَ الفِطْرَةِ».
الإِسْلاَمُ يَأْبَى عَلَى المُسْلِمِينَ الذِلَّةَ:
إن الإسلام يأبى على معتنقيه أن يستذلوا، بل إنه لم يجعل في قلب المسلم مكانًا للذل إلا ذلة التواضع والرحمة لأخيه المسلم، ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وفيما عدا ذلك فلا ذل ولا استذلال، وإنما عزة واعتزاز على كل من في الأرض ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
ويوجب الإسلام على المسلمين أن يعتقدوا ذلك وأن يؤمنوا به، وأن يجعلوا هدفهم الأسمى تحقيقه، ليهيئوا لأمتهم مكانها الذي اختاره الله لنا، وهو مكان الصدارة والتعليم، ومكان الهداية والقيادة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
فإذا وجد المسلم في مكان لا تتوفر فيه أسباب العزة له،
стр. 81
ولم يستطع أن يوفر لنفسه أسباب العزة والمنعة، فعليه أن يهجر هذا المكان إلى غيره فِرَارًا بنفسه أن يستضعف أو يستذل، وهو لا بد واجد فَرَجًا وَسَعَةً ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]. فَإِنْ أَنِسَ إلى ما هو فيه وسكت عليه وهو قادر على الهجرة فقد ظلم نفسه وكفر بربه ولن ينفعه ادعاؤه الإسلام شَيْئًا، لأنه رضي لنفسه أَنْ يُسْتَضْعَفَ، ويأبى الله والإسلام أن يخلد المسلم للذل أو يستكين للاستضعاف والاستغلال.
ولقد حرص الإسلام على أن يمنع المسلم من الإقامة بين ظهراني غير المسلمين لأن إقامته بينهم تشعره بالوحدة والضعف، وتربي فيه روح الاستخذاء والاستكانة، وقد تدعوه إلى المحاسنة ثم المتابعة، والإسلام يريد للمسلم أن يمتلئ قوة وعزة وأن يكون متبوعًا لا تابعًا، وأن يكون ذا سلطان ليس فوقه إلا سلطان الله. ومن أجل هذا حَرَّمَ الإسلام على المسلم أن يقيم في بلد لا سلطان للإسلام فيه إلا إذا استطاع أن يظهر إسلامه، ويعمل طِبْقًا لعقيدته دون أن يخشى الفتنة على نفسه، وإلا فعليه أن يهجر هذا البلد إلى بلد يعلو فيه سلطان الإسلام، فإن لم يفعل فالإسلام بريء منه ما دام قادرًا على الهجرة، وفي ذلك كله يقول الله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِلاَّ
стр. 82
الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩]،، ويقول الرسول ﷺ :
«أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِمَ؟ قَالَ: «لاَ تَرَاءَى نَارَاهُمَا» ويقول: «لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلاَ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
الإِسْلاَمُ لاَ يُسَالِمُ المُعْتَدِينَ:
ومبادئ الإسلام العامة توجب على المسلم أن لا يسكت على المعتدي، وأن لا يستخذي أمام المسيء، كما توجب على المسلم أن يدفع الاعتداء بالاعتداء، وأن يقابل الإساءة بالإساءة، فمبادئ الإسلام العامة لا تسمح للمسلمين أن يسكتوا إذا اعتدى عليهم أمثال الإنجليز والفرنسيين أو احتلوا بلادهم، ولا تسمح مبادئ الإسلام للمسلمين أن يتخاذلوا أمام الغزاة، أو أن يستكينوا للاحتلال، أو أن يرضوا بسلطان المحتلين، وإنما هو الاعتداء بالاعتداء، والسيئة بالسيئة، والكفاح والحرب، والقتال والقتل حتى يجلوا المحتلين والغزاة عن بلادهم، ويردوهم على أعقابهم خاسرين، ويكون السلطان في بلادهم الإسلام خَالِصًا للمسلمين، وفي ذلك يقول الله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
стр. 83
ويقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. ويقول: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، ويقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].
جِهَادُ أَعْدَاءِ الإِسْلاَمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ:
وبعد، فليست هذه المبادئ العامة هي كل ما جاء به الإسلام، وإنما هناك الجهاد في سبيل الله، تلك الفريضة التي فرضها الله على كل مسلم إلى يوم القيامة وأوجبها وسيلة إلى حفظ الإسلام، والدفاع عن بلاده، وحياطة المسلمين وإعزازهم، وَجَعْلِ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ العُلْيَا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
والجهاد هو القتال في سبيل الله، وبذل النفس والمال للدفاع عن الإسلام والمسلمين، أو لرفع كلمة الإسلام والمسلمين، وهو فريضة لا خلاف عليها كتبها الله على المسلمين في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]. وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
стр. 84
وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٧٥]، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]. وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠، ١١]
هل الجهاد فرض عين أم فرض كفاية؟:
والفقهاء مختلفون في نوع فرض الجهاد، فبعضهم يراه من فروض الكفاية، وبعضهم يراه من فروض الأعيان. وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، وإن لم يقم به من يكفي أثِمَ الناس كلهم، أما فرض العين فهو الذي يلزم الجميع ولا يَسقط عن أحد بفعل غيره.
ولكن الفقهاء الإسلاميين متفقون في أن الجهاد يتعين أن يكون فرض عين في ثلاثة مواضع:
стр. 85
١ - إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان، حُرِّمَ على من حَضَر الانصراف، وَتَعَيَّنَ عليه المُقام لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]، ولقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥].
٢ - إذا استنفر الإمام قَوْمًا لزمهم النفير معه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]. ولقول الرسول ﷺ : «إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا».
٣ - إذا نزل الكفار ببلد إسلامي تعين الدفاع على كل أهله، وكان الجهاد فرض عين عليهم، لأنه قتال دفاع عن الدين لا قتال غزو، ولأن دخولهم خطب لا سبيل إلى إهماله، وأقل ما يؤدي إليه الفتنة والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]، ويقول: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١].
متى يجب الجهاد على الشيوخ والنساء والمرضى؟:
والجهاد في الأصل لا يجب على النساء لما روته عائشة قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ , قَالَ: «جِهَادٌ لاَ قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالعُمْرَةُ».
стр. 86
ولا يجب القتال إلا على بالغ عاقل ذكر سالم من الضرر، ولكن إذا نزل الكفار ببلد إسلامي كان الجهاد وَاجِبًا عَيْنًا على النساء والرجال والشيوخ وأصحاب العاهات والمرضى، فمثلاً يجب على المسلمين في مصر والعراق رجالاً ونساء، شيوخًا وشبابًا، أصحاء وذوي عاهات أن يحاربوا الإنجليز حربًا لا هوادة فيها حتى يجلوهم عن بلادهم، وإلا فهم آثمون مضيعون لفريضة الجهاد التي أوجبت عليهم قتال المعتدين عليهم وأباحت دماءهم، ومثل هذا يجب على كل بلد إسلامي نزل به الكفار ولو كان نزولهم على خراب أو موات بعيد عن العمران.
الإسلام يوجب الإعداد والاستعداد:
والإسلام يوجب على المسلمين أن يكونوا دائمًا على حذر من مهاجمة العدو لهم، وعلى استعداد دائم للقائه، وأن يعدوا له من الجنود والعتاد ما يرهبه ويلقي في قلبه الرعب ويمنعه من التفكير في الاعتداء على المسلمين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
стр. 87
وليكون المسلمون أهلاً لفريضة الجهاد ولإعزاز الدين، فرض عليهم الإسلام أن يتعلموا كل ما يؤدي إلى التفوق في القوة والمهارة مما ينفع الجماعة وقت السلم أو وقت الحرب، كالمسابقة على الأقدام وسباق الخيل وسباق السفن والسيارات والطائرات، وكاللعب بالشيش والمزاريق والسيوف والعصي، وكالرماية بالنبال والمنجنيق والأسلحة النارية، وكالمصارعة والملاكمة ورفع الأثقال والسباحة وغيرها.
والأصل في الشريعة الإسلامية أن كل ما ينفع الأمة في دينها ودنياها من علم أو فن أو صناعة فهو فرض لا شك فيه، وتعلمه واجب على الأمة لا خيار لها في الأخذ به أو تركه.
وعلى هذا تكون الفروسية بما يدخل تحتها من ضروب المهارة والقوة والتفوق فرضًا من الفروض الإسلامية.
ويكون حمل الأسلحة بكافة أنواعها والتمرن على استعمالها فَرْضًا وَاجِبًا على أفراد الأمة بحكم الإسلام.
ويكون إنشاء الصناعات الحربية بكافة أنواعها فَرْضًا وَاجِبًا على الأمة ليس لها أن تتخلى عنه إلا إذا تخلت عن الإسلام.
والنصوص صريحة في إيجاب كل ما يقتضيه الإعداد والاستعداد للحرب، استعدادًا يرهب الأعداء والحاقدين والمتربصين المعروفين والمجهولين. من ذلك قوله تعالى:
стр. 88
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقول الرسول ﷺ : «أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ»، وقوله: «[المُؤْمِنُ] القَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ [المُؤْمِنِ] الضَّعِيفِ»، وقوله: «مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا»، وقوله: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ، وَيَكْفِيكُمُ اللهُ، فَلاَ يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ».
هذه سُنَّةُ رسول الله القولية، أما سُنَّتَهُ العَمَلِيَّةُ فقد ثبت أنه ﷺ سابق بالأقدام، وثبت أنه سابق بين الإبل، وثبت عنه أنه سابق بين الخيل، وثبت أنه حضر نضال السهام وسار مع إحدى الطائفتين فأمسكت الأخرى وقالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: «ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ»، وثبت عنه أنه صارع ركانة، وأنه طعن بالرمح، وركب الخيل مسرجة ومعراة.
ليس للمسلم أن يتثاقل عن العدو:
والإسلام يحرم على المسلمين أن يتثاقلوا عن العدو، أو
стр. 89
يهنوا عند لقائه، أو يتهاونوا في دفعه، أو يولوه الأدبار، أو يدعوا إلى السلم، وإنما عليهم أن ينفروا للقاء عدوهم خفافًا وثقالاً، ويجاهدوه بأموالهم وأنفسهم، ويقاتلوه بكل قوتهم مقبلين غير مدبرين قتالاً فيه قوة وفيه غلظة، ولن يعفهم من كل ذلك أن يكون عددهم أقل من عدد عدوهم، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله الذي فصل لنا هذا كله في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ، إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩].
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦]، وقوله: ﴿وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، وقوله: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقوله: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]. وقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]. وقوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ
стр. 90
قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
إشادة الإسلام بالجهاد والمجاهدين:
ولقد جعل الإسلام فريضة الجهاد في ذروة فرائضه، وأعد للمجاهد أعظم الأجر، حَثًّا للمسلمين على الجهاد وترغيبًا فيه وتشويقًا إليه، وجعل الجهاد بالمال والنفس طريقًا لرحمة الله ومغفرته والخلود في جنته، وسببًا في مضاعفة أجر المجاهد، ووسيلة للنصر على الأعداء، والاستخلاف في الأرض، وإعلاء كلمة الإسلام، والتمكين للمسلمين. واسمع هذه المعاني جميعها في قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]. وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠]. وقوله: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧]. وقوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقوله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. وقوله:
стр. 91
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]. وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥]. وقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧].
واسمع قول رسول الله ﷺ : «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «رَجُلٌ يُمْسِكُ بِرَأْسِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ يُقْتَلَ». وقوله لما سئل أي العمل أحب إلى الله قال: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». وقوله: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ».
حكم الإسلام والسوابق التاريخية:
هذا هو حكم الإسلام في جهاد الأعداء، وتلكم طريقته في استرداد الحرية والاستقلال، وإذا كانت طريقة الإسلام تتفق مع منطق العقول السليمة، وتماشي طبائع الأشياء، فإن وقائع التاريخ قاطعة في أن طريقة الإسلام هي الوسيلة الوحيدة
стр. 92
التي أدت إلى استرداد الحرية المسلوبة والاستقلال المفقود في كل أنحاء العالم وفي كل عصور التاريخ، وإنه لم يحدث في أي مرحلة من مراحل التاريخ القديم والحديث أن شعبًا من الشعوب حصل على حريته واستقلاله عن طريق مسالمة غاصبه والاستسلام له ومناشدته الحق والعدل.
لماذا نقلد الغربيين في طلب الاستقلال؟:
إن حكام مصر وزعماءها وأصحاب الرأي فيها مغرمون بتقليد الأوروبيين والأمريكيين في كل شيء، حتى إنهم ليتشبهون بهم في مطعمهم وملبسهم وطريقة تفكيرهم وكلامهم، فلماذا لا يقلدونهم في العمل للحرية والاستقلال؟
إن دول أوروبا كانت كلها تقريبًا فريسة للاحتلال، وكذلك كانت الدول الأمريكية، وبصفة خاصة الولايات المتحدة، فأي دولة أو دويلة من هذه جَمِيعًا رضيت لنفسها أن تستسلم للغاصبين وتسالمهم ثم تسألهم أن يمنحوها الاستقلال وتناشدهم في ذلك الحق والعدل؟
إن الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وألمانيا واليونان ورومانيا وبلغاريا وتشكوسلوفاكيا وتركيا كانت كلها عرضة للاحتلال في هذا العصر الحديث، بل كانت بعضها محتلاً في هذا القرن، أفترى إحداها استطاعت أن تحصل على استقلالها
стр. 93
وحريتها إلا بامتشاق الحسام والقتل والقتال والجهاد المرير الذي قد يؤدي للنجاح أو ينتهي بالإخفاق؟ وهل كان إخفاق إحداها مرة مانعًا لها من الإعداد والاستعداد وتكرار القتال حتى حصلت على الاستقلال؟
ماذا كسبت مصر من الاستجداء؟:
إن مصر من سنة ١٩١٩ م تستجدي الإنجليز حريتها التي غصبوها، وتسألهم أن يرفعوا أقدامهم عن استقلالها الذي وضعوه في الرغام، فماذا كسبت مصر من الاستجداء والسؤال؟
إنها لم تكسب شَيْئًا، ولكنها خسرت كرامتها، وقتلت الرجولة في أبنائها، وضيعت على نفسها اثنين وثلاثين عَامًا قضتها تمرغ وجهها في التراب، تسجد للإنجليز وتقبل أيديهم وأقدامهم، وتناشد الخُلُقَ الإنجليزي العالي الذي لم يعرف في حياته إلا القرصنة والاستعمار، تناشده الحق الذي نشأت عليه دولة القرصنة، وتسأله العدل الذي أقيمت عليه دعائم الاستعمار!
ولكن يجب ألا ننسى أن مصر كسبت شَيْئًا قد يستحق الذكر جاء نتيجة لاستجداء الإنجليز الشرفاء، ذلك الشيء هو معاهدة سنة ١٩٣٦ التي سميت بمعاهدة الشرف والاستقلال، وكان يجب أن تسمى بحق معاهدة الاستجداء والاستغفال.
стр. 94
إن إنجلترا لما رأتنا نلحف في السؤال قدرت أننا أهل للاستغفال فطوت يدها كما يفعل السخي على ورقة تعلن استقلالنا، لنعترف للإنجليز بأن من حقهم استغلالنا، ورقة تمنحنا حريتنا فيما يضرنا وتسلبها فيما ينفعنا، وخيلت لنا الغفلة أن إنجلترا منحتنا حريتنا واستقلالنا، فطرنا بهذه الورقة كل مطار وسميناها معاهدة الشرف والاستقلال، ثم لما جد الجد بحثنا عن الحرية ونقبنا عن الاستقلال فإذا بنا نجد سرابًا لا ماءً، وأسماءً لا مسميات.
إن معاهدة ١٩٣٦ في نصوصها وفي الكيفية التي طبقت بها دليل لا ينقض على أن إعلان الاستقلال وعقد معاهدات التحالف مع بقاء الاحتلال قائمًا ليس بالذي يحرر الشعوب المحتلة أو التابعة من عبوديتها أو تبعيتها، وليس بالذي يمكن لها حتى فيما يتعلق بداخليتها، بل إن هذه الشعوب بالرغم من إعلان الاستقلال وقيام المعاهدات لا تستطيع أن تفعل إلا ما يرضي حلفاءها الأقوياء ويحقق مصالح سادتها ولو أضر بمصلحتها، وتظل أيديها مغلولة في نظامها وسياستها وتشريعها واقتصادها، ولن يرضى الحليف القوي إلا أن يعيش الحليف الضعيف تابعًا له ومطيعًا لأمره، ولن يسمح الاستقلال المزعوم للدولة المحتلة أن تختار لنفسها منهاجًا معينًا أو حكامًا معينين، بل عليها أن تختار المنهاج الذي يختاره المحتلون، والحكام الذين يزكيهم الاحتلال، ولن يختار المحتلون إلا منهاجًا يُمَكِّنُ لهم ولمصالهحم في البلاد المنكوبة بهم، ولن يزكوا إلا حكامًا يوالونهم ويرعون مصالحهم، ويحفظون لهم سمعتهم
стр. 95
وهيبتهم.
إن حال المصريين أيام الاحتلال السافر، هي هي لم يتغير بإعلان هذا الاستقلال الساخر، وإنما الذي تغير هو طريقة المحتلين في حكم هذا البلد المسكين. لقد كانوا يحكمونه ظاهرين، فأصبحوا يحكمونه مستترين، وكانوا يحملون أوزار الحكم وسيئاته، فأصبحنا نحمل أوزارهم وتنسب إلينا سيئاتهم. لقد كان الإنجليز قديمًا يحكمون مصر لحسابهم، أما اليوم فالمصريون يحكمون أنفسهم لحساب الإنجليز.
كيف نفذت معاهدة ١٩٣٦؟:
لقد نفذ الإنجليز معاهدة سنة ١٩٣٦ في كل ما يتعلق بصالحهم، ونقضوها بندا بندا في كل ما يتعلق بصالح مصر، ويكفي أن يعلم المصريون أن المعاهدة وضعت لمنع الإنجليز من التدخل في شؤونها، ولتبادل العون وقت الحرب. فأما عن التدخل في شؤوننا فلم يكف الإنجليز لحظة واحدة عن هذا التدخل. ولعل من أظهر الأمثلة عليه حادث ٤ فبراير سنة ١٩٤٢، وطلب حل الإخوان المسلمين في سنة ١٩٤٨. أما عن تبادل العون وقت الحرب فقد عاوناهم في الحرب بجنودنا وأموالنا، ووضعنا تحت تصرفهم كل مواردنا، فلما اشتبكنا مع اليهود ضَنُّوا علينا بالسلاح والذخائر بعد أن وعدوا بها، ورفضوا أن يبيعوها إلينا بأمثال ثمنها، وهكذا
стр. 96
يطلب الإنجليز تنفيذ المعاهدة إذا اقتضى ذلك صالحهم، ويعطلون تنفيذها إذا لم يكن لهم صالح في التنفيذ.
نحن لم نتعلم بعد:
وبالرغم من كل ما أصاب سياسة الاستجداء من فشل وإخفاق فلا زال زعماؤنا وكبراؤنا يحرصون على الاستجداء والسؤال، ويمدون يدهم لكل غاد ورائح من الإنجليز يسألونه إلحافًا، ويرهقونه استعطافًا، لا يصدهم عن ذلك إهمال، ولا يمنعهم عنه انتهار.
ولقد بلغ الهوان بحكومة مصر أنها ظلت من سنة ١٩٤٥ حتى اليوم تتضرع إلى الإنجليز وتسألهم أن يتفضلوا عليها بتعديل معاهدة سنة ١٩٣٦، والإنجليز صامتون لا يرقّون للمتضرعين، ولا يستجيبون للسائلين المحرومين الذين حرموا نعمة العقل ونعمة الدين.
إن معاهدة سنة ١٩٣٦ قد نقضت، وأصبحت هشيمًا تذروه الرياح على أثر عقدها، أو على أكثر تقدير في فبراير سنة ١٩٤٢ ولم ينقضها إلا الإنجليز فكيف يعتبر حكامنا المصريون هذه المعاهدة قائمة؟ ولماذا يريدون أن يقيموا من أنقاضها، ويعدلوا بنيانها؟ وما الذي يمنع الإنجليز لو عدلت من نقضها وعدم الاعتداد بها؟
إنه لخير لمصر أن لا يربطنا بالإنجليز عهد أبدًا، لنضعهم
стр. 97
في موضعهم الحقيقي، ولنضع أنفسنا في موضعنا الطبيعي، ليكونوا غزاة لأرضنا ندفعهم بأنفسنا وأموالنا، ونغسل بدمائنا وبدمائهم الأرض التي دنسوها بأقدامهم.
منطق عجيب:
إن بعض الناس يتلمسون الأعذار للحكام والزعماء فيما يلجأون إليه من استجداء الغاصب لنيل الاستقلال، ويقولون إنهم اضطروا لسلوك هذا الطريق اضطرارًا بعد أن تبينوا أن الشعب في عدته واستعداده لا يقوى على مواجهة عدوه، وأنهم ككل أبناء مصر يعلمون حق العلم أن لعنة الاحتلال حلت بوطنهم بسبب واحد هو الضعف، وأن هذه اللعنة استمرت بسبب واحد هو بقاء الضعف.
وإذا كان هذا هو منطق الزعماء والحكام فهو منطق عجيب حقا، فإذا صح أن سبب الاحتلال هو ضعف الشعب، وأن سبب استمرار الاحتلال هو استمرار ضعف الشعب، فقد كان أول ما يجب عمله هو توفير القوة للشعب، ومن السهل توفير القوة في بلد يطالب بحريته واستقلاله ويعمل على نيلهما بكل وسيلة، بل لعل من أسهل الأمور توفير القوة في بلد كمصر يعرف أبناؤه جَمِيعًا أنه في وضع يقتضيه أن يعد ويستعد لنيل حريته واستقلاله، ويعرف أبناؤه جَمِيعًا أن الدين الرسمي للدولة يقتضي مصر وأبناءها الإعداد المستمر، والعدة التي ترهب الأعداء وتحول بينهم وبين مجرد التفكير في الاعتداء.
стр. 98
ولكن حكامنا وزعماءنا وهم يتداولون كراسي الحكم من حوالي ثلاثين عَامًا لم يفعلوا شَيْئًا في سبيل توفير قوة للشعب المحتاج إلى القوة المتلهف عليها، بل لم يوفروا هذه القوة لما يعتبر من القوى الحكومية، فالجيش ضئيل العدد ضعيف العتاد ليس لديه من المعدات الحديثة ما يجعله في عداد الجيوش التي يحسب لها حساب، وهو يعيش على كرم المحتلين وسخائهم، فإن شاءوا أعطوه من عتادهم القديم وذخيرتهم الفاسدة وإلا فلا ذخيرة ولا عتاد، ورجال البوليس والخفر يحمل أكثرهم أسلحة قديمة لا تصلح للاستعمال، وهؤلاء الحكام والزعماء يَعِدُونَ من سنة ١٩٣٦ أنهم سينشئون مصانع للأسلحة الصغيرة والذخيرة، ولكنهم لم يفعلوا شَيْئًا حتى الآن، وقد تداولوا جَمِيعًا كراسي الحكم أكثر من مرة.
وأعجب العجب أن حكام مصر وهم يتزعمون حركة التحرير والمطالبة بالاستقلال، لم يتفقوا على شيء كما اتفقوا على حرمان الشعب من كل قوة، فهم يُحَرِّمُونَ على المصريين أن يحملوا السلاح أيا كان نوعه حتى السكاكين التي تصنع مَحَلِّيًّا، ويحرمون على المصريين تبعًا لذلك أن يتدربوا على استعمال السلاح، ويتشددون في تنفيذ القوانين التي تحرم حيازة الأسلحة ويشددون عقوبتها بين حين وآخر حتى أصبح المصري يعاقب أشد العقاب على حيازة السلاح التافه.
هذا ما تفعله حكومات مصر الإسلامية وتتشدد فيه، وهي تعلم أن الإسلام والعقل ومنطق الأشياء كل ذلك يوجب
стр. 99
على المصريين أن يتدربوا على السلاح وأن يحملوه وأن يحاربوا به المحتلين، فهل يعاقَب المصريون على تمسكهم بالإسلام وعلى أدائهم ما يوجبه عليهم الدين والعقل وما يوجبه عليهم إخلاصهم لوطنهم وما توجبه عليهم رجولتهم؟ أم أنهم يعاقبون لأن حملهم السلاح وتدربهم عليه يقلق راحة المستعمرين ويمرض مزاجهم الرقيق؟
العجب الذي لا ينتهي:
وقد يكون للعجب مدى فيما ذكرنا من أفعال حكامنا وزعمائنا الذين يجاهدون كما يزعمون في سبيل استقلالنا، ولكن العجب لن ينتهي مما يفعله هؤلاء الحكام والزعماء يوم تتأزم الأمور بالدولة المستعمرة، ويفلت الزمام من يدها، وتحين الفرصة لتأخذ مصر حقها وتطرد الغاصبين من أرضها، يومئذ ينقلب الحكام والزعماء على مصر في غير تحرز، ويعملون لمصلحة الإنجليز أكثر مما يعمل الإنجليز، يومئذ تصبح مهمة الدولة المصرية والحكومة المصرية حراسة أمن الإنجليز ومحاربة الوطنيين والقضاء على كل حركة يقصد منها القضاء على سلطان الإنجليز، يومئذ تفتح السجون والمعتقلات للمصريين، وتطلق وراءهم حكومتهم المصرية بوليسها وجواسيسها يسعون وراء المتحمسين ضد الإنجليز، ويطاردون الذين يعكرون صفو الإنجليز، أو يهددون أمنهم وسلطانهم، يومئذ تُلَفَّقُ التُّهَمُ للوطنيين وتدبر لهم المحاكمات، وَيُلْقَى بهم في غيابات السجون والمعتقلات، انتقامًا من وطنيتهم، وتنكيلاً
стр. 100
برجولتهم وإنسانيتهم، وحبسًا لنشاطهم، وقضاء على كل أمل في تحرير مصر، وتمكينًا للاستعمار من رقاب المصريين.
حدث هذا فيما بين سنتي ١٩١٤ و١٩١٨ يوم كانت عجلة الحرب تدور ضد الإنجليز، وكان الأتراك على أبواب مصر من الشرق، والسنوسيون في الغرب، وكان يكفي أن يتحرك المصريون أقل حركة ليتخلصوا من نير الإنجليز وَلِيُغَيِّرُوا بحركتهم المصير الذي انتهت إليه الحرب، ولكن حكام مصر كانوا أشد عطفًا وأكثر حَدْبًا على الإنجليز منهم على حرية مصر وكرامتها، فدفعوا إلى السجون والمعتقلات والمنافي بكل من يناوئ الإنجليز أو من يظن أنه يفكر في مناوأتهم.
وحدث مثل هذا فيما بين سنتي ١٩٤٠ و١٩٤٤ يوم كان الإنجليز يقفون على حافة الهاوية، ويوم بدأ الإنجليز يرحلون عن مصر خائفين مترقبين يائسين، ولكن الحكومة المصرية وحدها هي التي أَمَّنَتْ خوفهم، وأذهبت يأسهم، وأبقت على سلطانهم.
وفي سنة ١٩٤٨ بلغت ثورة النفوس ضد الإنجليز مداها، وتزعزع النفوذ الإنجليزي في مصر إلى حد كبير، وكان سبب هذا كله والدافع إليه جماعة الإخوان المسلمين، فسعى الإنجليز إلى الحكومة المصرية يستعدونها على الاخوان المسلمين، فتحولت الحكومة المصرية الواهنة المستسلمة إلى مارد جبار يقتل هؤلاء الإخوان ويغتالهم، ويملأ بهم السجون والمعتقلات، ويمثل بهم أشنع تمثيل، ويستبيح من أجسامهم وأعراضهم وكراماتهم ما تأنف البهائم والوحوش أن تأتيه.
стр. 101
والحكام المصريون يبغون على قومهم هذا البغي، ويدافعون عن الإنجليز بهذه القوة والقسوة، موالاة للانجليز وتحببًا إليهم وإبقاء على سلطان الاحتلال غير المشروع، ذلك السلطان الذي يستمدون منه سلطانهم، ويربطون بمستقبله مستقبلهم.
أهؤلاء مسلمون؟:
وحكام مصر وزعماؤها الذين يزعمون أنهم يجاهدون في سبيل حرية مصر واستقلالها هم قبل كل شيء مسلمون، مسلمون على الأقل بأسمائهم ولآبائهم، وإن كانوا لا يرضون لأنفسهم إلا أن يكونوا مسلمين بعقولهم وقلوبهم، ولكنهم كم فتقوا في الإسلام الفتوق وجلبوا عليه البوائق، وما في تاريخ أحدهم أنه قدم خدمة للإسلام أو أقام حُكْمًا من أحكام الإسلام أو عادى أعداء الإسلام أو وَالَى أنصار الإسلام.
إن الإسلام يُحَرِّمُ كل التحريم على المسلم أن يوالي غير المسلمين، ولم يجز موالاة الكافرين إلا للتقاة، على أن يكون عمل المسلم خالصًا للإسلام والمسلمين، وأن لا يترتب على موالاة الكافرين إلا النكاية بهم.
والقاعدة في الإسلام أن المؤمن وَلِيُّ المؤمن، وأن الكافر وَلِيُّ الكافر، وأن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أمة واحدة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]. وأن المؤمنين في كل بلاد العالم إخوة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وأن الكفر كله ملة واحدة.
стр. 102
ويمنع الإسلام من موالاة غير المسلم لأن ذلك يؤدي إلى الفتنة والفساد، ويعتبر من يوالي غير مسلم خارجًا عن الإسلام، ومنتسبًا إلى من والاه، ولو كانت الموالاة بقصد الحصول على القوة والمنعة.
ولا يجيز الإسلام لمسلم أن يكون بينه مودة وبين من يكفر بالإسلام ويعاديه، ولا أن يتخذ منهم بطانة ولو كانوا آباء أو أبناء أو إخوة أو عشيرة، ويعتبر القرآن من يفعل ذلك مُجَرَّدًا من الإيمان.
ولا يمنع الإسلام المسلمين من أن يكون بينهم وبين غير المسلمين مودة ما داموا لم يقاتلوا المسلمين أو يعتدوا عليهم، بل من واجب المسلمين في هذه الحالة أن يبروهم ويقسطوا إليهم، ولكن الإسلام يحرم على المسلمين أن يوادوا الذين قاتلوهم في الدين أو أخرجوا المسلمين من ديارهم أو ظاهروا على إخراجهم.
ونصوص القرآن صريحة وقاطعة في هذه المعاني. من ذلك قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ
стр. 103
فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. وقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥]. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وقوله: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣]. وقوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨٠، ٨١]، وقوله: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨، ٩].
وبالرغم من هذه النصوص الصريحة فإن حكامنا وزعماءنا المسلمين يوالون الإنجليز والفرنسيين والأمريكيين وغيرهم
стр. 104
ممن يعادون الإسلام، ويحاربون المسلمين، ويحتلون بلادهم، ويسومونهم الخسف والظلم، وإن حكامنا وزعماءنا ليوادون أعداء الله وأعداء الإسلام ويتملقونهم يبتغون عندهم العزة، عزة الحكم والجاه، وليس في هؤلاء الأعداء إلا من قاتل المسلمين في الدين، وإلا من يحارب الإسلام أعنف الحرب، وإلا من أخرج الفلسطينيين من ديارهم، أو ظاهر على إخراجهم وتشريدهم.
стр. 105
القَوَانِينُ الوَضْعِيَّةُ تُهَدِّدُ نِظَامَنَا الاِجْتِمَاعِي:
النظام الاجتماعي الإسلامي:
والنظام الاجتماعي في البلاد الإسلامية معناه النظام الإسلامي، لأن الإسلام يحكم حركات المسلم وسكناته، وأفعاله وأقواله، ومعاملاته وتصرفاته، وصلاته بالأقرباء والغرباء، والأعداء والأصدقاء، ويرسم له أخلاقه ومنهاجه في الحياة، ولأن الإسلام يقيم المجتمع كله على أسس إسلامية بحتة في الحكم والإدارة والسياسة وفي العلوم والفنون والآداب، وفي الاجتماع والاقتصاد وتوزيع الثروات وفي الحرب والسلم، وفي الداخل والخارج، وعلى هذا فالنظام الإسلامي هو النظام الاجتماعي، لأي مجتمع إسلامي.
ويمكننا أن نفرق في البلاد الإسلامية بين النظام الاجتماعي ونظام الحكم فنقول: إن النظام الاجتماعي هو النظام الذي تقوم عليه الجماعة نفسها، ويحكم علاقاتها بالغير وعلاقات أفرادها بعضهم ببعض. أما نظام الحكم، فهو النظام الذي تتبعه الجماعة في حكم نفسها، أي في اختيار حكامها ورؤساء الدولة فيها وهو النظام الذي يحدد حقوق الحكام ورؤساء الدول وواجباتهم.
стр. 106
وليس لهذه التفرقة أهمية في البلاد الإسلامية، لأن النظام الاجتماعي ونظام الحكم في هذه البلاد يقومان على الإسلام ويرجعان إليه، ولأن الإسلام لا يقبل التجزئة ولا يسمح للمسلمين أن يقيموا أوضاعهم على ما يخالف الإسلام. وكل ما يخالف الإسلام في الاجتماع أو الحكم إنما هو خروج على النظام الاجتماعي أو نظام الحكم، أو هو خروج على الإسلام لا يصح للمسلمين أن يسمحوا به مهما كلفهم ذلك من المشاق والتضحيات.
ولنستعرض فيما يلي الأسس الرئيسية التي يقيم عليها الإسلام حياتنا الاجتماعية، ثم نستعرض بعد ذلك أوضاعنا الاجتماعية، لنرى إلى أي حضيض نزلت بنا هذه القوانين الوضعية.
أسس النظام الاجتماعي الإسلامي:
يقوم النظام الاجتماعي في البلاد الإسلامية على أسس إسلامية بحتة، ويصطبغ في كل مظاهره بصبغة الإسلام، والإسلام هو النظام الذي اختاره الله للبشر ليقيموا حياتهم عليه، وليحييهم به حياة طيبة، وليسعدهم به في الدنيا والآخرة. وأهم أسس النظام الاجتماعي الإسلامي هي:
١ - المساواة التامة بين البشر:
يقيم الإسلام المجتمعات الإسلامية على قاعدة المساواة التامة بين البشر، ويقرر المساواة على إطلاقها، فلا قيود ولا
стр. 107
استثناءات، وإنما مساواة تامة بين الأفراد، ومساواة تامة بين الجماعات، ومساواة تامة بين الأجناس، ومساواة تامة بين الحاكمين والمحكومين، لا فضل لرجل على رجل، ولا لأبيض على أسود، ولا لعربي على أعجمي، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وذلك ما أكده رسول الله ﷺ في قوله: «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ المُشْطِ الوَاحِدِ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلاَّ بِالتَّقْوَى». وفي قوله: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ بِالإِسْلاَمِ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَفَاخُرَهُمْ بِآبَائِهِمْ، [كُلُّكُمْ] لآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، وَأَكْرَمُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ».
فالناس جَمِيعًا متساوون على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، متساوون في الحقوق، متساوون في الواجبات، متساوون في المسؤوليات، وهم في ذلك كأسنان المشط لا تزيد سن عن سن، ولا تنقص سن عن سن، أو هم في ذلك كأبناء الرجل الواحد والمرأة الواحدة، ترشحهم وحدة أصلهم إلى المساواة في حقوقهم وواجباتهم ومسؤولياتهم.
والتقوى هي وحدها نِصاب التفاضل بين الناس في الإسلام، ولكنه تفاضل في حدود معينة، تفاضل بين الناس عند ربهم فقط، فأكرمهم عند الله أتقاهم. وكون التقي كريمًا على الله، لا يعطيه حَقًّا عند الناس يزيد على ما لغيره من
стр. 108
الحقوق، فالتقوى إذن صفة تؤثر في صلة الإنسان بربه، أكثر مما ثؤثر في صلة الإنسان بغيره، والتفاضل الذي ينشأ عن التقوى هو تفاضل معنوي لا مادي.
٢ - العدالة المطلقة:
ويقيم الإسلام المجتمع على العدالة المطلقة المجردة عن القيود، العدالة التي تتسع للأصدقاء والأعداء، ولا تفرق بين الأقرباء والغرباء، العدالة التي لا تعرف الميل والمحاباة، ولا تنكمش عن ذوي النفوذ والجاه، العدالة التي تعطي الحق لصاحبه لأنه محق، وتأخذ الحق من المبطل لأنه مبطل، العدالة التي تعتبر الضعيف صاحب الحق قويا بحقه حتى ترد له حقه، وتعتبر القوي غاصب الحق ضعيفا حتى تسترد منه حق غيره. العدالة التي أمر الله بها ووصفها في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. فهو يأمر - جَلَّ شَأْنُهُ - بالعدل وبالإحسان في العدل، فلا يكفي أن يكون المرء عادلاً، وإنما عليه أن يحسن ما استطاع في عدله. وقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقوله: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥].
стр. 109
٣ - الحرية في أوسع معانيها:
ويقيم الإسلام المجتمع على أساس الحرية في أوسع معانيها، وأروع مظاهرها، فحرية الاعتقاد، وحرية التفكير، وحرية القول، كل ذلك وغيره يقرره الإسلام ويجعله عمدًا للمجتمع الإسلامي، وَأُسُسًا لحياة الأمة الإسلامية.
يقرر الإسلام حرية الاعتقاد، ويجعل لكل إنسان أن يعتنق من العقائد ما شاء، وليس لأحد أن يحمله على ترك عقيدته، أو اعتناق عقيدة غيرها، ولو كانت هذه هي العقيدة الإسلامية، وذلك ظاهر من قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢]. وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤].
ويقرر الإسلام حرية الفكر، ويحث الناس على التفكير في كل شيء، ولقد قامت الدعوة الإسلامية نفسها على أساس العقل والتفكير، واعتمد القرآن في اجتذاب الناس للإسلام على استثارة تفكيرهم، وإيقاظ عقولهم، ودعوتهم إلى التفكير في خلق السماوات والأرض، وفي خلق أنفسهم، وإلى التفكير فيما حولهم مما تقع عليه أبصارهم، أو تسمعه آذانهم، ليصلوا من وراء ذلك كله إلى معرفة الخالق، وليستطيعوا أن يميزوا بين الحق والباطل.
стр. 110
ونصوص القرآن التي تحض على استخدام العقل وتحرير الفكر لا تعد كثرة، من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: ٤٦]. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨]. وقوله: (﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]. وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
ويعيب القرآن على الناس أن يلغوا عقولهم، ويعطلوا تفكيرهم، ويتمسكوا بالعادات والتقاليد، ويؤمنوا بالخرافات والأوهام، ويصف من كانوا على هذه الشاكلة بأنهم كالأنعام، بل أضل سبيلاً من الأنعام، لأنهم يتبعون غيرهم دون تفكير، وَلاَ يُحَكِّمُونَ عقولهم فيما يعملون أو يقولون أو يسمعون، واقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
ويقرر الإسلام حرية القول ويجعلها حَقًّا لكل إنسان،
следующие страницы →