← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96178

السنة قبل التدوين

محمد عجاج الخطيب

Полный текст (559 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في حمص، وأبو الدرداء في دمشق، ومعاذ في فلسطين، ثم أرسل عمر بعد هؤلاء عبد الرحمن بن غنم (١). ونشطت الحركة العلمية في بلاد الشام وخاصة في دمشق أيام الأمويين، وما زال بها فقهاء ومحدثون ومقرئون (٢)، وانتشر فيها العلماء حتى أضحت قرية داريا حاضرة العلم والأدب في غوطة دمشق، ويقول السمعاني: «إِنَّهُ كَانَ فِي دَارْيَا جماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ قَدِيمًا وَحَديثًا، وَمِمَّنْ نَبَغَ فِيهَا مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدٍ الأَزْدِيَّ الدَّارَانِيَّ، وَيُعَدُّ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ» (٣). وقد نزل بلاد الشام غير الصحابة المذكورين أبو عبيدة بن الجراح، وبلال بن رباح وشرحبيل بن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض بن غنم، والفضل بن العباس بن عبد المطلب - وهو مدفون بالأردن -، وعوف بن مالك الأشجعي، والعرباض بن سارية (٤) وغيرهم. وتخرج على أيدي الصحابة في هذه المدرسة كبار علماء الشام من التابعين منهم سالم بن عبد الله المحاربي قاضي دمشق، وأبو إدريس الخولاني (عائذ بن عبد الله) الذي تولى القضاء بدمشق لمعاوية وابنه يزيد، ومنهم أبو سليمان الداراني، قاضي دمشق لعمر بن عبد العزيز، وليزيد وهشام ابني عبد الملك، قضى لهم ثلاثين سَنَةً، ومنهم عُمير بن هانئ العنسي الداراني المُحَدِّثُ (٥).

стр. 177

وتخرج في هذه المدرسة عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، الذي يقرن بمالك وأبي حنيفة ويلقب بإمام أهل الشام، ومكحول الدمشقي، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حيوة (١)، وبحير بن سعد الكلاعي، وثور بن يزيد الكلاعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر (٢) وغيرهم. ٦ - مِصْرُ: ----------- دخل المسلمون مصر في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وكان معه من الصحابة عدد كبير منهم الزبير بن العوام، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، والمقداد بن الأسود، كانوا على رأس المدد الذي أرسله عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص (٣)، كما كان معه عبد الله بن عمرو: أحد الصحابة المكثرين عن رسول الله ﵊ والذي كان يُدَوِّنُ الحديث بين يدي رسول الله ﷺ ، فقد مكث بمصر إلى ما بعد وفاة والده، وعنه روى كثير من مُحَدِّثِيهَا. ونزل مصر من الصحابة عقبة بن عامر الجهني، وخارجة بن حذافة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وَمَحْمِيَّةُ بْنُ جَزْءٍ، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأبو بصرة الغفاري، وأبوسعد الخير، ومعاذ بن أنس الجهني، ومعاوية بن حُديج، وزياد بن الحارث الصدائي وغيرهم (٤). وتخرج على أيدي هؤلاء في هذه المدرسة، يزيد بن أبي حبيب مُحَدِّثُ

стр. 178

الديار المصرية، وعمر بن الحارث، وخير بن نعيم الحضرمي، وعبد الله بن سليمان الطويل، وعبد الرحمن بن شريح الغافقي، وحيوة بن شريح التجيبي، وغيرهم، وقد كان ليزيد بن أبي حبيب أثر بعيد في نشر الحديث في مصر، فقد تتلمذ عليه الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة (١) اللذان تتلمذ عليهما خلق كثير، وكانا في عصرهما مُحَدِّثِي الديار المصرية. ٧ - المَغْرِبُ وَالأَنْدَلُسَ: ---------------------- كان عمرو بن العاص قد وصل إلى برقة وطرابلس سَنَةَ (٢١ هـ) في عهد عمر بن الخطاب، فاستأذن عمرو الخليفة بفتح إفريقية فلم يأذن له، فاستجاب لأمر أمير المؤمنين وعاد إلى مصر، فكان عمرو وأصحابه أول المسلمين الذين دخلوا أطراف المغرب، وعندما تولى عثمان ﵁ الخلافة أذن لأمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بغزو إفريقية، وكان ذلك سَنَةَ (٢٥ هـ) ثم أمده بجيش من المدينة فيه جماعة من الصحابة، منهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن جعفر، والحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير، ولقيهم عقبة بن نافع ببرقة، فتابعوا فتح البلاد (٢)، ثم خرج لفتح المغرب مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ سَنَةَ (٣٤ هـ) وكان في غزاته هذه جماعة من المهاجرين والأنصار (٣)، وقال سليمان بن يسار: «غَزَوْنَا إِفْرِيقِيَّةَ مَعَ ابْنِ حُدَيْجٍ وَمَعَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ بَشَرٌ كَثِيرٌ» (٤). ثم ولي عقبة بن نافع المغرب، وكان في جيشه كثير من الصحابة والتابعين وهو الذي فتح المغرب الأقصى ووطد أركان الإسلام في شمال إفريقية (٥).

стр. 179

وقد نزل إفريقية من الصحابة غير الذين ذكرناهم مسعود بن الأسود البلوي أحد الصحابة الذين بايعوا الرسول ﷺ تحت الشجرة، والمسور بن مخرمة، والمقداد بن الأسود الكِنْدِي أحد الصحابة السابقين (١)، وبلال بن الحارث بن عاصم المُزَنِيِّ صاحب لواء مزينة يوم الفتح، وجبلة بن عمرو بن ثعلبة أخو أبي مسعود البدري، كان فاضلاً من فقهاء الصحابة، وسلمة بن الأكوع الصحابي المشهور وغيرهم كثير (٢). ودخل إفريقية من التابعين خلق كثير منهم السائب بن عامر بن هشام ومعبد أخو عبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن الأسود، وعاصم بن عمر بن الخطاب، وعبد الملك بن مروان، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وسليمان بن يسار فقيه المدينة، وعكرمة مولى ابن عباس (٣)، وأبو منصور والد يزيد بن منصور من كبار التابعين، كما أرسل عمر بن عبد العزيز عشرة من التابعين يفقهون أهل إفريقية منهم: حبان بن أبي جبلة، وإسماعيل بن عبيد الله الأعور، وإسماعيل بن عبيد (٤)، وعبد الرحمن بن رافع التنوخي الذي ولي قضاء إفريقية، وسعيد بن مسعود التجيبي وغيرهم (٥) ممن ساهموا في نشر الإسلام وتعليم أبناء البلاد وتفقيههم.

стр. 180

وقد تخرج على أيدي هؤلاء من أهل إفريقية خلق كثير منهم: زياد بن أنعم المعافري، وعبد الرحمن بن زياد، ويزيد بن أبي منصور، والمغيرة بن أبي بردة، ورفاعة بن رافع، وعمرو بن راشد بن مسلم الكناني، وعمران بن عبد المعافري، والمغيرة بن سلمة، ومسلم بن يسار الإفريقي، وغيرهم ممن حمل لواء العلم (١). وما لبثت مدينة القيروان أن أضحت محط أنظار أهل المغرب فكان فيها سحنون بن سعيد، وسعيد بن محمد الحداد (٢). كما لمعت قرطبة وإشبيلية وغرناطة وبلنسية، من بلدان الأندلس في مطلع القرن الثالث الهجري بيحيى بن يحيى وابن حبيب، وببقي بن مخلد وغيرهم (٣). ٨ - اليَمَنُ: ------------ كان رسول الله ﷺ قد وجه معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن، كما نزل غيرهما من الصحابة فيها، وتخرج في اليمن علماء من ألمع التابعين، منهم همام ووهب بنا منبه، وطاوس وابنه، ثم معمر بن راشد، ثم عبد الرزاق بن همام وأصحابه (٤). ٩ - خُرَاسَانُ: ------------- نزل خراسان من الصحابة وتوفي بها بُرَيْدَةُ بن الحصيب الأسلمي وهو مدفون بمرو، وأبو برزة الأسلمي، والحكم بن عمرو الغفاري، وعبد الله بن

стр. 181

حازم الأسلمي المدفون بنيسابور، وقثم بن العباس المدفون بسمرقند (١)، وفي هذه البلاد ظهر كبار المحدثين. في (بخارى) كان عيسى بن موسى غنجار، وأحمد بن حفص الفقيه، ومحمد بن سلام البيكندي، وعبد الله بن محمد السندي، ثم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. وفي (سمرقند) أبو عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ثم محمد بن نصر المروزي. كما ظهر في [الشاش] فيما بعد الحسن بن الحاجب والهيثم بن كليب. وفي (فرياب) تخرج جماعة من العلماء أقدمهم محمد بن يوسف الفريابي صاحب الثوري، ثم القاضي جعفر بن محمد الفريابي صاحب التصانيف المُتَوَفَّى سَنَةَ (٢٢٦ هـ) (٢). من كل ما تقدم يتبين لنا أن المسلمين عندما ساروا إلى البلاد المجاورة، لم يسيروا وراء دنيا يصيبونها، ولا خلف تجارة يربحون منها، وإنما انطلقوا ليحرروا الأمم من الظلم والطغيان، وينشروا بين أبناء البلاد الجديدة تعاليم الإسلام، ويأخذوا بأيديهم إلى جادة الصواب، ويفتحوا عيونهم على نور الهداية والحق. وبهذا، تتميز الفتوحات الإسلامية عن جميع الفتوحات التي عرفها التاريخ، إلى جانب ميزات كثيرة يضيق المقام بذكرها، ومن أجل تحقيق تلك الغاية المذكورة، استقر علماء الصحابة في الأقطار المختلفة، وأمد الخلفاء الأمصار

стр. 182

بالعلماء ليسرعوا في حركة التحرير والهداية والتعليم، وقد التف المسلمون الجدد حول من عندهم من الصحابة. وكان الصحابة يتفاوتون في العلم، ولم يكن عند كل واحد منهم جميع ما قاله الرسول ﷺ وشرعه، ولهذا بدأت الرحلات العلمية في سبيل جمع الحديث وتلقيه، وقد ظهرت هذه أَيْضًا بين الصحابة، وكثرت الرحلات من التابعين وأتباعهم ليسمعوا ما فاتهم، أو ليتأكدوا مما سمعوا، ولهذا نرى كثيرًا من التابعين يقصدون الصحابة في أقاصي البلاد يسافرون الليالي والأيام في طلب حديث أو حديثين كما سيظهر لنا بعد قليل. وقد رأينا بروز بعض الصحابة ولمعانهم في الأقطار المختلفة، فانطبع تلامذتهم بطابعهم وساروا على نهجهم، ثم حلوا محلهم وحملوا لواء العلم ونشره. ***

стр. 183

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ: كانت الرحلة في طلب الحديث قائمة في عهده ﷺ ، فكان بعض من يسمع بالرسالة الجديدة، يسافر إلى الرسول ﵊ ليسمع القرآن الكريم، ويتفهم تعاليم الإسلام، ثم ينصرف إلى قومه بعد أن يعلن إسلامه كما فعل ضمام بن ثعلبة. فالرحلة في عهد الرسول كانت عامة من أجل معرفة تعاليم الدين الجديد. وأما في عهد الصحابة والتابعين وأتباعهم فقد تمت رحلات كثيرة من العلماء في طلب الحديث خاصة، وكثيرًا ما كانوا يقطعون المسافات الطويلة لسماع حديث أو التأكد من حديث وضبطه، أو للالتقاء بصحابي وملازمته، للأخذ عنه، لأن الصحابة في عهد التابعين توزعوا في البلدان ونقلوا في صدورهم الحديث النبوي، فكان لا بد لمن أراد أن يجمع حديث محمد ﷺ من أن ينتقل من بلد إلى آخر، وراء الصحابة الذين سمعوا منه ورأوه وأخذوا الأحكام عنه، ثم رحل أتباع التابعين إلى التابعين، ولازموهم وأخذوا عنهم، حتى تم جمع الحديث في مراجعه الكبرى، ومع هذا لم تنقطع رحلة العلماء في سبيل المذاكرة والعرض على الشيوخ المشهورين. ومما يروى في رحلة الصحابة ما حَدَّثَ به عَطَاءُ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ: "خَرَجَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ حَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُهُ، وَغَيْرُ عُقْبَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ إِلَى مَنْزِلِ مُسْلِمَةَ بْنَ مَخْلِدٍ الأَنْصَارِيَّ - وَهُوَ أَمِيرُ مِصْرَ -،

стр. 184

فَأَخْبَرَهُ فَعَجَلَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَعَانَقَهُ ثُمَّ قَالَ: " مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا أَيُّوبَ؟ " فَقَالَ: " حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرِي وَغَيْرُ عُقْبَةُ، فَابْعَثْ مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى مَنْزِلِهِ "، قَالَ: " فَبَعَثَ مَعَهُ مَنْ يَدُلُّهُ عَلَى مَنْزِلِ عُقْبَةَ، فَعَجَّلَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَعَانَقَهُ، وَقَالَ: " مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا أَيُّوبُ " فَقَالَ: " حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَمِعَهُ غَيْرِي وَغَيْرُكَ فِي سَتْرِ الْمُؤْمِنِ "، قَالَ عُقْبَةُ: " نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى خِزْيَةٍ (١) سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ: " صَدَقْتَ"، ثُمَّ انْصَرَفَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَرَكِبَهَا رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ، فَمَا أَدْرَكَتْهُ جَائِزَةُ مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ إِلاَّ بِعَرِيشِ مِصْرَ" (٢). لقد خشي أبو أيوب أن يكون نسي شيئًا من حديث «سَتْرِ المُؤْمِنِ»، فأحب أن يتأكد من ذلك، ويتثبت من صحة ما يحفظه عن الرسول الكريم، فرحل من الحجاز إلى مصر، يقطع الفيافي والقفار في سبيل ذلك!!. وَعَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ بَلَغَهُ حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ:" فَابْتَعْتُ بَعِيرًا فَشَدَدْتُ إِلَيْهِ رَحْلِي شَهْرًا، حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ أَنَّ جَابِرًا بِالبَابِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَقَالَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَخَرَجَ فَاعْتَنَقَنِي، قُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي لَمْ أَسْمَعْهُ، خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ أَوْ تَمُوتَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ

стр. 185

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَحْشُرُ اللَّهُ العِبَادَ - أَوِ النَّاسَ - عُرَاةً غُرْلاً (١) بُهْمًا»، قُلْنَا: "مَا بُهْمًا؟ " قَالَ: " لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ - أَحْسَبُهُ قَالَ: كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ -: أَنَا المَلِكُ، لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ، وَلاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَدْخُلُ النَّارَ، وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ "، قُلْتُ: وَكَيْفَ؟ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُرَاةً بُهْمًا؟ قَالَ: «بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (٢). وتنشط الرحلات في طلب الحديث بين التابعين وأتباعهم، حتى لقد كان أحدهم يخرج وما يخرجه إلا حديث عند صحابي يريد أن يسمعه منه لأنه سمعه من رسول الله ﷺ ، وفي هذا يروى عَنْ أَبِي العَالِيَةِ قَوْلُهُ: «كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِالبَصْرَةِ، فَلَمْ نَرْضَ حَتَّى رَكِبْنَا إِلَى المَدِينَةِ، فَسَمِعْنَاهَا مِنْ أَفْوَاهِهِمْ» (٣). وَخَرَجَ الشَّعْبِيُّ [إِلَى مَكَّةَ] فِي ثَلاَثَةِ أَحَادِيثَ ذُكِرَتْ لَهُ، فَقَالَ: «لَعَلِيِّ أَلْقَى رَجُلاً لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ » (٤)، وروى الزُّهْرِي عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: «إِنْ كُنْتُ لأَسِيرُ ثَلاَثًا فِي الحَدِيثِ الوَاحِدِ» (٥). وأقام أبو قلابة بالمدينة وليس له بها حاجة إلا رجل عنده حديث واحد ليسمعه منه (٦). وَيُرْوَى أن «مَسْرُوقًا»

стр. 186

رحل في حرف (١)، ويظهر أن «مَسْرُوقًا» (٢) كان كثير الترحال، ولذلك قَالَ عَامِرُ الشَّعْبِيِّ: «مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ كَانَ أَطْلَبَ [لِلْعِلْمِ] فِي أُفُقٍ مِنَ الآفَاقِ مِنْ مَسْرُوقٍ» (٣). ويروى عن الشعبي أنه حَدَّثَ بحديث ثم قال لمن حدثه: «أَعْطَيْتُكَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّاكِبُ لَيَرْكَبُ إِلَى المَدِينَةِ فِيمَا دُونَهُ» (٤). وكان الصحابة الكرام يشجعون على طلب العلم، وعلى الرحلة من أجله، من هذا ما رُوِيَ عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى مِنِّي، تَبْلُغُهُ الإِبِلُ، لأَتَيْتُهُ» (٥)، وكانوا يرحبون بطلاب العلم كما سبق أن ذكرنا، وكل هذا حَبَّبَ إلى التابعين الرحلة، حتى إِنَّ عَامِرًا الشَّعْبِيَّ قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلاً سَافَرَ مِنْ أَقْصَى الشَّامِ إِلَى أَقْصَى اليَمَنِ؛ لِيَسْمَعَ كَلِمَةَ حِكْمَةٍ مَا رَأَيْتُ سَفَرَهُ ضَاعَ (٦)»، وفعلاً كانوا يرحلون إلى الصحابة ولا يرون أن سفرهم قد ضاع. عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، أَتَيْتُكَ مِنَ المَدِينَةِ، مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 187

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: وَلاَ جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ العِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، حَتَّى الحِيتَانِ فِي المَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١). وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ (٢)، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ المُرَادِيَّ، فَقَالَ: " مَا جَاءَ بِكَ؟ "، قُلْتُ: " أُنْبِطُ العِلْمَ "، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ خَارِجٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِي طَلَبِ العِلْمِ، إِلاَّ وَضَعَتْ لَهُ المَلاَئِكَةُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا بِمَا يَصْنَعُ» (٣). وأخبار العلماء ورحلاتهم كثيرة يضيق المقام بذكرها، ويكفينا أن نذكر شيئًا منها، فقد رحل ابن شهاب إلى الشام ليلقى عطاء بن يزيد وابن مُحيريز وابن حيوة، ورحل يحيى بن أبي كثير إلى المدينة للقاء من بها من أولاد الصحابة، ورحل محمد بن سيرين إلى الكوفة فلقي بها عبيدة وعلقمة وعبد الرحمن

стр. 188

ابن أبي ليلى، ورحل الأوزاعي إلى يحيى بن أبي كثير باليمامة ودخل البصرة، ورحل سفيان الثوري إلى اليمن ثم دخل البصرة، ورحل عيسى بن يونس إلى الأوزاعي بالشام ... ورحل شعيب بن أبي حمزة إلى الزهري وهو يومئذٍ بالشام. وأما رحلة العلماء من بلد إلى بلد في الإقليم الواحد، فكثيرة كثرة تفوق الحصر (١). وكان لرحلات العلماء في طلب الحديث أثر بعيد في انتشار السُنَّةِ، فمما لا شك فيه أن الراوي يرى مَنْ يُرْوِي عَنْهُ، ويقف على سيرته، ويسأل أهل بلده عنه، وكثيرًا ما كانوا يتشددون في السؤال عن الراوي، حتى يقال لهم: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تُزَوِّجُوهُ؟» (*). كذلك كان للرحلات فائدة عظيمة في معرفة طرق كثيرة للحديث الواحد فقد يسمع الراوي من علماء المصر الذي رحل إليه زيادات لم يسمعها من علماء مصره وكثيرًا ما يجد عندهم ما لم يجده عند شيوخه، وقد تقع مناظرات بين علماء الأمصار، تعارض فيها طرق الحديث الواحد، فيحصل فيها القوي ويعرف الضعيف، ويزداد طلاب العلم معرفة لأسباب ورود الأحاديث، حين يلقون من سمع من رسول الله ﷺ أو أفتاه أو قضى له. ويكفي الرحلة فائدة أن تساعد على نشر الحديث وجمعه، وتمحيصه والتثبت فيه، فكان لرحلات الصحابة والتابعين وأتباعهم أثر جليل في المحافظة على السُنَّةِ وجمعها وتدلنا تراجم الرواة على الصعاب التي كانوا

стр. 189

يستعذبونها في سبيل حفظ السنة، وسماع أحاديث رسول الله ﷺ من منابعها الصحيحة، ويكفينا أن نقرأ في ترجمة أحدهم، هو فلان اليمني، ثم المكي، ثم المدني، ثم الشامي، ثم الكوفي، ثم البصري، ثم المصري، لنعرف مقدار ما قاسى في قطع الفيافي والبعد عن الأهل والأوطان، وما تحمله من مشاق حتى أصبح من رجال الحديث في عصره، فلم يصلنا الحديث في مصنفاته وكتبه، مرتبًا باسانيده، وعلى أبواب جامعة كل منها في موضوع خاص، إلا بعد أن خدمه الصحابة، والتابعون وأتباعهم، والعلماء من بعدهم ووقفوا عليه حياتهم، فجزاهم الله عنا خير الجزاء، وأسكنهم فسيح جناته. لا شك في أن الحديث النبوي قد انتشر جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع القرآن الكريم، ووصل إلى الأقاليم الإسلامية الجديدة، ولا نشك في أن العلم لم يبق مقصورًا على مكة والمدينة، بل تعددت مراكزه ومجالسه، وشهدت الأمصار البعيدة ما شهدته حواضر العالم الإسلامي، من نشاط علمي على يدي الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، ويمكننا أن نتصور مدارس متنقلة في مختلف الأمصار، روادها الصحابة وكبار التابعين، إذ كان يكفي لأهل خراسان مثلاً أن يحل بينهم صحابي حتى يسرعوا إليه، ويلتفوا حوله ويسألوه ويستقرئوه القرآن ويسمعوا منه حديث الرسول ﷺ . هذا جانب عظيم يصور لنا انتشار السُنَّةِ في أبعد حدود الدولة الإسلامية ولكن لا بد لنا من أن نقول الحق وإن كان مُرًّا، فإن بعض من دخل الإسلام - إثر الفتح - إنما دخله نفاقًا، أو اعتنقه على

стр. 190

أنقاض عقائد فاسدة بقيت رواسبها في نفسه، فجعلته ينتهز أية فرصة للطعن في الدين الجديد، الذي قوض أمجاد آبائه، وأطاح بمصالحه الشخصية، ومنهم من كان متعصبًا لقومه وبلده. وهناك بعض الخلافات السياسية التي حدثت عقب الفتنة وظهور الفرق والأحزاب، كل هذا كان عاملاً في ظهور الوضع في الحديث الشريف إلى جانب انتشاره في الآفاق. وهذا ما سندرسه في الباب التالي ونفصل أسبابه ونبين جهود الصحابة والتابعين وأتباعهم، والعلماء من بعدهم، في سبيل المحافظة على السُنَّةِ، وصيانتها من عبث أعداء الدين.

стр. 191

البَابُ الثَّالِثُ: الوَضْعُ فِي الحَدِيثِ: الفصل الأول: ابتداء الوضع وأسبابه. الفصل الثاني: جهود الصحابة والتابعين ومن تبعهم في مقاومة الوضع وحفظ الحديث. الفصل الثالث: آراء بعض المستشرقين وأشياعهم في السُنَّةِ ونقدها. الفصل الرابع: أشهر ما ألف في الرجال والموضوعات وهو ثمار جهود العلماء في المحافظة على الحديث.

стр. 192

الفَصْلُ الأَوَّلُ: ابْتِدَاءُ الوَضْعِ وَأَسْبَابُهُ: أَوَّلاً: ابْتِدَاءُ الوَضْعِ: بقي الحديث النبوي صافيًا لا يعتريه الكذب، ولا يتناوله التحريف والتلفيق طول اجتماع كلمة الأمة على الخلفاء الأربعة الراشدين، قبل أن تنقسم إلى شيع وأحزاب، وقبل أن يندس في صفوفها أهل المصالح والأهواء وكانت المبادرة الأولى التي ترتبت عليها الاضطرابات الكثيرة في القرن الهجري الأول هي فتنة عثمان ﵁ واستشهاده، فقد هزت العالم الإسلامي هزة عظيمة، وأورثت الأمة عواقب وخيمة، امتدت آثارها إلى يومنا، ثم اجتمعت - بعد الفتنة - كلمة المسلمين على أمير المؤمنين عَلِيٌّ ﵁، إلا أن الأحداث كانت أقوى من أن تفسح للهدوء والسلام سبيلهما إلى الدولة آنذاك، فحصل انقسام كبير في صفوف الأمة، تجسم في معسكر أمير المؤمنين عَلِيٌّ الذي انطوى تحت جناحه أهل الحجاز والعراق، ومعسكر أمير الشام معاوية الذي انضم إليه أكثر أهلها وأهل مصر. وقد جر هذا الانقسام على الأمة الحروب الطاحنة، وما لبث أن انتهى بالتحكيم الذي كان سببًا لظهور فرق سياسية مختلفة (١)، فالجمهور يؤيدون عَلِيًّا

стр. 193

- ﵁، لأنه الخليفة الذي بايعته الأمة بعد مقتل عثمان ﵁، وحزب معاوية قام مطالبًا بدم عثمان، وانتهى به الأمر إلى طلب الخلافة، وممارسة الحكم فعلاً بعد التحكيم، والخوارج قوم من شيعة أمير المؤمنين عَلِيُّ انشقوا عنه لأنه قبل التحكيم ونادوا (لاَ حُكْمَ إِلاَّ للهِ)، ونقموا على معاوية لأنه يريد أن يتولى أمر المؤمنين، وهذا لا يكون إلا بالشورى بينهم، وكان هؤلاء أشداء أقوياء، جلهم من العرب الجفاة القساة، وكان لأمير المؤمنين عَلِيٌّ ﵁ معهم مواقع كثيرة وحروب دامية مدة خلافته، كما كان لهم أثر بعيد في إقلاق مضاجع خلفاء بني أمية طيلة الحكم الأموي. وبعد استشهاد عَلِيٍّ ﵁ قام بعض شيعته يطالبون بحقهم في الخلافة. وهكذا نشأت الأحزاب والفرق التي اتخذت شكلاً دينيًا كان له أبلغ الأثر في قيام المذاهب الدينية في الإسلام (١). وقد حاول كل حزب أن يدعم ما يَدَّعِي بالقرآن والسنة، ومن البدهي ألا يجد كل حزب ما يؤيد دعواه في نصوص الحديث بما لا تحتمله، إلا أن هذا لم يحقق ما يرمون إليه، ولم يجد بعضهم إلى تحريف القرآن أو تأويله سبيلاً، لكثرة حفاظه، فتناولوا السُنَّةَ بالتحريف وزادوا عليها، ووضعوا على رسول الله ما لم يقل (٢)، ونشطت حركة الوضع مع الزمن، حتى اختلط الحديث الصحيح بالموضوع، وظهرت أحاديث موضوعة في فضائل الخلفاء الأربعة وغيرهم من رؤساء الفرق وزعماء الأحزاب، ثم ظهرت

стр. 194

أحاديث صريحة في دعم المذاهب السياسية والفرق الدينية، وكانت الأحاديث الموضوعة تولد مع ظهور الفرق، فينبري من يضع أحاديث تنتقص تلك الفرق، كما يقف الواضعون من الخصوم للدفاع عنها وهكذا، حتى تكونت مجموعة من الأحاديث الموضوعة التي كشف عنها جهابذة هذا العلم ورجاله، ولم يقتصر الوضع على فضائل الأشخاص، ودعم الآراء والأفكار العقائدية والمذاهب السياسية، بل تعداها إلى مختلف أبوب الحديث، وكادت الأحاديث الموضوعة تتناول جميع جوانب الحياة الخاصة والعامة، فوضعت أحاديث في الفضائل والمثالب، وأحاديث في مناقب البلدان والأيام، وأخرى في العبادات المختلفة، وفي المعاملات والأطعمة والأدب والزهد والذكر والدعاء، وفي الطب والمرض والفتن والمواريث وغيرها. ويجدر بنا أن نبين أن الوضع لم يصل إلى ذروته في هذا القرن، لأنه نشأ قبل منتصف القرن الهجري الأول بقليل، وسرعان ما كان يعرف الحديث الموضوع لكثرة الصحابة والتابعين الذين عرفوا الحديث وحفظوه، ولم يؤخذوا بأراجيف الكذابين، وأخبار الوضاعين، هذا إلى أن أسباب الوضع في ذلك القرن لم تكن كثيرة، وكانت الأحاديث الموضوعة تزداد بازدياد البدع والفتن، وكان الصحابة وكبار التابعين وعلماؤهم في معزل عنها. ويصور لنا الإمام ابن تيمية ذلك في قوله: «الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا أَقَلَّ فِتَنًا مِنْ سَائِرِ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّهُ كلما تاخر الْعَصْر عَن النُّبُوَّة كثر التَّفَرُّق وَالْخلاف، وَلِهَذَا لم يحدث فِي خلاَفَة عُثْمَان بِدعَة ظاهرة فَلَمَّا قتل وتفرق النَّاسُ حدثت بدعتان متقابلتان بِدعَة الخَوَارِج المُكَفِّرِينَ لِعَلِيٍّ وَبِدْعَةُ الرَّافِضَةِ المُدَّعِينَ لإِمَامَتِهِ وَعِصْمَتِهِ أََوْ نُبُوَّتِهِ

стр. 195

أَو إلاهيته (١)، ثمَّ لما كَانَ فِي آخر عصر الصَّحَابَة فِي إِمَارَة ابْن الزبير وَعبد الْملك حدثت بِدعَة المرجئة والقدرية. ثمَّ لما كَانَ فِي أول عصر التَّابِعين، فِي أَوَاخِر الخلاَفَة الأموية حدثت بِدْعَةُ الجَهْمِيَّةِ وَالمُشَبِّهَةِ الممثلة، وَلم يكن عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَة شَيْء من ذَلِك، وَكَذَلِكَ فتن السَّيْف، فَإِن النَّاس كَانُوا فِي ولاَيَة مُعَاوِيَة ﵁ متفقين يغزون العَدُوَّ، فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَة قتل الحُسَيْن، وَحُوصِرَ ابْنُ الزبير بِمَكَّة، ثمَّ جرت فتْنَة الحَرَّةِ بِالمَدِينَةِ (٢) ثمَّ لما مَاتَ يزِيد جرت فتْنَة بِالشَّام بَين مَرْوَان وَالضَّحَّاكِ بمرج راهط، ثمَّ وثب المُخْتَار على ابْن زِيَاد فَقتله وَجَرَتْ فِتْنَةٌ، ثمَّ جَاءَ مُصعب بن الزبير فَقتل المُخْتَارَ وَجَرت فتْنَة ثمَّ ذهب عبد الملك إِلَى مُصعب فَقتله وَجَرت فتْنَة، وَأرْسل الحجَّاج إِلَى ابْن الزبير فحاصره مُدَّة ثمَّ قَتله، وَجَرت فتْنَة ثمَّ لما تولى الحَجَّاجُ العِرَاقَ خرج عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الأَشْعَث مَعَ خلق عَظِيم من العراق وَكَانَت فتْنَة كَبِيرَة، فَهَذَا كُله بعد موت مُعَاوِيَة، ثمَّ جرت فتْنَة ابْن الْمُهلب بخراسان، وَقتل زيد بن عَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ وَقتل خلق كثير آخَرُونَ، ثمَّ قَامَ أَبُو مُسلم وَغَيره بخراسان وَجَرَتْ حروب وَفتن يطول وصفهَا (٣). وعلى هذا فإنا نستبعد ظهور الوضع قبل الفتنة، كما نستبعد تطوع أحد من الصحابة بوضع الحديث على لسان رسول الله ﷺ ، ولا يعقل أن يتصور مسلم الصحابة الأجلاء، الذين بذلوا نفوسهم وأموالهم في سبيل الله

стр. 196

ودافعوا عن رسول الله ﷺ ، وهجروا أوطانهم وقاسوا ألوان العذاب، ومرارة العيش استجابة للرسول الكريم ﵊، لا يعقل أن يتصورهم يفترون ويكذبون على رسول الله ﷺ . وهو الذين نشؤوا في رعايته، وتخرجوا في جامعته، ونهلوا من معينه، وتأسوا بفعله، فكانوا على جانب عظيم من التقى والورع والخشية، لذلك ننفي إقدام الصحابة الكرام على الكذب على رسول الله. وإن ما نقله بعض أهل الأهواء من أن بعض الصحابة والتابعين كانوا يضعون في عَلِيٍّ ﵇ الأخبار القبيحة التي تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، إرضاء لمعاوية الذي «جَعَلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ جُعْلاً يُرَغِّبُ فِي مِثْلِهِ فَاخْتَلَفُوا مَا أَرْضَاهُ. مِنْهُمْ: أَبُو هَرَيرَةَ، وَعَمْرُو بْنُ العَاصِ، وَالمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَمِنَ التَّابِعِينَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ» (١). إن ما نقله هؤلاء وغيرهم لا يرقى إلى الصحة، وتاريخ الصحابة ينفي هذه الادعاءات ويدحض مثل هذه المزاعم. وإن الواقع التاريخي في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته ينفي كل افتراء على الصحابة في هذا الموضوع، والصحابة أسمى بكثير من أن يخوضوا في الكذب والوضع، وهم الذين سمعوا من رسول الله ﷺ في مواطن كثيرة قوله: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٢)، وقوله ﷺ : «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ،

стр. 197

مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١)، فلا يعقل أن يقدم أحد من الصحابة - بعد أن عرف جزاء الكذب على رسول الله - على وضع واختلاق ما لم يقله ﷺ ، ولا يعقل أن يجازف أحد منهم بالنور النبوي الذي خالط قلبه وروحه، فيطفئه بوضع حديث في سبيل دعم فكرة أو للانتصار لحزب أو للتقرب من شخص، وإن أية محاولة في سبيل إثبات الوضع من قبل الصحابة ستبوء بالفشل، لكثرة الأدلة القاطعة على ورعهم وخشيتهم وبعدهم عن المعاصي، واعتزال أكثرهم الفتن وابتعادهم عن الضلالات والبدع، بل إن الأدلة على أنهم كانوا حفظة للشريعة يَذُبُّونَ عن السُنَّةِ التحريف والتأويل أكثر من أن تحصى، ولو فرضنا جدلاً وقوع الوضع من بعض الصحابة - وهذا بعيد - فإن ذلك سينكشف أمره وينتقل إلينا كما انتقلت أخبار كثير من الحوادث الجليلة والدقيقة (٢) ويقوي هذا عندنا، ذلك الوعي الرفيع الذي كان يتميز به الصحابة وكبار التابعين، إلى جانب رسوخهم في الحديث النبوي، الذي يسهل عليهم معرفة الصحيح من الموضوع، وراء هذا كله جرأتهم

стр. 198

المثالية في الحق، وهي جرأة لم ترض لهم أن يسكتوا عن آبائهم وأعز الناس إليهم إذا انحرفوا عن سواء السبيل، ولم يكن يخيفهم آنذاك سلطان الحاكم، ولا نفوذ القوي، بل كثيرًا ما كانوا يعترضون على الحكام والعلماء وغيرهم، يبينون وجه الحق، لا يخافون فيه لومة لائم. وإن التاريخ الإسلامي ليعتز بذلك الجيل الذي تمثل الإسلام، وعمل به فكان قدوة حسنة للأجيال التالية، وإن هذا كله ليدفع كل شبهة تحوم حول إيقاع الصحابة في نار الوضع (١). وكما نفينا عن الصحابة انغماسهم في الوضع ننفي عن كبار التابعين وعلمائهم ذلك أَيْضًا ونقرر أنه إذا حصل الوضع في النصف الأول من القرن الهجري الأول، فإنما صدر عن بعض المستهترين الجاهلين من طبقة التابعين وأتباع التابعين، الذين حملتهم الخلافات السياسية والأهواء الشخصية على انتحال الكذب، ووضع الأحاديث على رسول الله ﷺ . وفي هذا العصر - عصر التابعين - كان الوضع أقل من الوضع في عصر أتباع التابعين، لكثرة الصحابة الذين مَارَسُوا السُنَّةَ وَبَيَّنُوا السَّقِيمَ مِنَ الصَّحِيحِ، ولعدم تفشي التحلل والكذب في الأمة، لقربها من عصر الرسول ﷺ ، إذ لا تزال متأثرة بتوجيهاته، محافظة على وصاياه، تعمها التقوى والورع والخشية، كل هذا خفف من انتشار الكذب والوضع، إلى جانب أن دواعي الوضع وأسبابه كانت ضيقة محدودة في نشأتها الأولى، ثم كثرة وازدادت فيما بعد.

стр. 199

ونرى الأحاديث الموضوعة قد ظهرت بكثرة في العراق، حيث قامت أكثر الفتن والحوادث في هذا الإقليم، كما نشأت بذور الفرق الدينية فيه، وكادت ثقة المحدثين تفقد بعلماء هذا القطر، لولا قيام نقاد الحديث ورجاله وعلمائه بالكشف عن الكذابين، وبيان أحوالهم وتتبعهم. وقد اشتهرت العراق بالوضع حتى سميت «دَارَ الضَّرْبِ» تضرب فيها الأحاديث كما تضرب الدراهم، وكان أهل المدينة يتوقون أحاديثهم، وكان مالك يقول: «نَزِّلُوا أَحَادِيثَ أَهْلِ العِرَاقِ مَنْزِلَةَ أَحَادِيثِ أَهْلِ الكِتَابِ، لاَ تُصَدِّقُوهُمْ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ». وَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بْنُ مَهْدِي: «يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ سَمِعْنَا فِي بَلَدِكُمْ - (المَدِينَةَ) - أَرْبَعمِائَةَ حَدِيثٍ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَنَحْنُ (أَيْ فِي العِرَاقِ) فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ نَسْمَعُ هَذَا كُلَّهُ»، فَقَالَ لَهُ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، مِنْ أَيْنَ لَنَا دَارَ الضَّرْبِ التِي عِنْدَكُمْ؟ دَارُ الضَّرْبِ تَضْرِبُونَ بِاللَّيْلِ وَتُنْفِقُونَ بِالنَّهَارِ» (١). وقال ابن شهاب: «يَخْرُجُ الحَدِيْثُ مِنْ عِنْدِنَا شِبْرًا فَيَعُودُ فِي العِرَاقِ ذِرَاعًا» (٢). وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لجماعة من أهل العراق جاؤوا يسألونه أن يُحَدِّثَهُمْ: «إِنَّ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ قَوْمًا يَكْذِبُونَ وَيُكَذِّبُونَ وَيَسْخَرُونَ» (٣). ... ثَانِيًا: أَسْبَابُ الوَضْعِ: ذكرت فيما سبق أن أسباب الوضع الرئيسية هي انقسام الأمة إلى أحزاب سياسية، اتخذت شكلاً دينيًا، وحاول كل حزب أن يدعم موقفه ويؤيد آراءه

стр. 200

بوضع أحاديث على لسان رسول الله ﷺ ، ثم ازدادت الأسباب التي كان لها أثر بعيد في وضع الحديث، ونجمل هذه الأسباب فيما يلي: [١] الأَحْزَابُ السِّيَاسِيَّةُ: كان أول ما ظهر عقب فتنة أمير المؤمنين عثمان ﵁ شيعة الإمام عَلِيٍّ، وحزب معاوية، ثم ظهر الخوارج بعد وقعة «صِفِّينْ»، وسنتناول بإيجاز أثر كل حزب في وضع الحديث. [أ] أَثَرُ الشِّيعَةِ وَخُصُومِهِمْ فِي وَضْعِ الحَدِيثِ: قال ابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة ": «إِنَّ أَصْلَ الأَكَاذِيبِ فِي أَحَادِيثِ الفَضَائِلِ كَانَ مِنْ جِهَةِ الشِيعَةِ، فَإِنَّهُمْ وَضَعُوا فِي مَبْدَإِ الأَمْرِ أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةً فِي صَاحِبِهِمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى وَضْعِهَا عَدَاوَةُ خُصُومِهِمْ. فَلَمَّا رَأَتْ البَكْرِيَّةُ مَا صَنَعَتْ الشِيعَةُ وَضَعَتْ لِصَاحِبِهَا أَحَادِيثَ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ» (١). ومما يؤسف له أن بعض أهل الأهواء وأعداء الإسلام اتخذوا التشيع سِتَارًا لتحقيق أهوائهم، والوصول إلى مآربهم، فكان كثير من الفتن يقوم باسمهم، فنكب أهل البيت نكبات متوالية، ذهب ضحيتها خيرة أبناء أمير المؤمنين عَلِيٍّ ﵁ وأحفاده، وسجل لهم التاريخ مآسي تتفطر لها القلوب، وتقشعر لها الأبدان، كل ذلك بسبب استغلال أعداء الدين اسم أهل البيت، وهؤلاء المستغلون هم الذين وضعوا الأحاديث في سبيل تأييد حركاتهم وشجعوا على وضعها (٢).

стр. 201

وإنا لا نتصور قط أن يوافق الحسن أو الحسين أو محمد بن الحنفية أو جعفر الصادق أو زيد بن علي وغيرهم من أهل البيت على الكذب على رسول الله جدهم وهم على جانب عظيم من الورع والتقى والصفاء، وإن أهل البيت لأرفع بكثير من أن يكذبوا على رسول الله ﷺ لهذا أحببت أن أُبَيِّنَ من أول هذا البحث أن أهل البيت براء من هذا كله، وإنما حمل إثم الوضع باسمهم من لف حولهم من شيعتهم، وكثر الوضع، وأساؤوا إلى إمامهم عَلِيٌّ ﵁ أكثر مما أحسنوا إليه بذلك، قال أبو الفرج بن الجوزي: «فَضَائِلُ عَلِيٍّ الصَّحِيحَةُ كَثِيرَةٌ، غَيْرَ أَنَّ الرَّافِضَةَ لاَ تَقْنَعُ، فَوَضَعَتْ لَهُ مَا يَضَعُ، لاَ مَا يَرْفَعُ» (١). وقد كثر الوضع منهم حتى أساءوا إلى سمعة العراق، وأصبح أهل المدينة يتوقون حديثهم، «وَصَارَ الأَمْرُ يَشْتَبِهُ عَلَى مَنْ لاَ يُمَيِّزُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ الغَرِيبِ إِذَا دَخَلَ إِلَى بَلَدٍ نِصْفُ أَهْلِهِ كَذَّابُونَ خَوَّانُونَ، فَإِنَّهُ يَحْتَرِسُ مِنْهُمْ حَتَّى يُعْرَفَ الصَّدُوقُ الثِّقَةُ» (٢)، وقال أحد أصحاب عَلِيٍّ ﵁: «قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا؟» (٣)، وَقَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: «مَا كُذِبَ عَلَى أَحَدٍ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَمَا كُذِبَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁» (٤)، ويقول ابن تيمية: «وَكَذِبُ الرَّافِضَةِ مِمَّا يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ» (٥)، وقال ابن المبارك: «الدِّينُ لأَهْلِ الحَدِيثِ، وَالكَلاَمُ وَالحِيَلُ لأَهْلِ الرَّأْيِ، وَالكَذِبُ لِلْرَّافِضَةِ» (٦)، و «سُئِلَ

стр. 202

مَالِكٌ ﵁ عَنْ الرَّافِضَةِ، فَقَالَ: " لاَ تُكَلِّمْهُمْ، وَلاَ تَرْوِ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ "» (١)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «لَمْ أَرَ أَحَدًا أَشْهَدَ بِالزُّورِ مِنَ الرَّافِضَةِ» (٢)، وقال يزيد بن هارون: «يُكْتَبُ عَنْ كُلِّ مُبْتَدِعٍ - إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً - إِلاَّ الرَّافِضَةَ، فَإِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ» (٣)، وَقَالَ حَمَّادٌ بْن سَلَمَةَ: «حَدَّثَنِي شَيْخٌ لَهُمْ تَابَ - يَعْنِي الرَّافِضَةَ - قَالَ: كُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا، فَاسْتَحَسَنَّا شَيْئًا جَعَلْنَاهُ حَدِيثًا» (٤). وقد صنع الشيعة أحاديث كثيرة، وحرفوا بعض الأحاديث حسب أهوائهم وفرقهم التي كانت تزداد يومًا بعد يوم، فوضعوا أحاديث في مناقب عَلِيٍّ ﵁، وأخرى وضعوها في مثالب معاوية والأمويين، وكتب الموضوعات مملوءة بأكاذيبهم، وسنذكر بعض ما وضعوا على سبيل المثال، ونبين أثره في الأحزاب المعادية لهم. وكان يهم الشيعة إثبات وصية الرسول ﷺ لِعَلِيٍّ بالخلافة من بعده، فوضعوا كثيرًا من الأحاديث في هذا، منها: «وَصِيِّي، وَمَوْضِعُ سِرِّي، وَخَلِيفَتِي فِي أَهْلِي وَخَيْرُ مَنْ أَخْلُفُ بِعْدِي عَلِيٌّ» (٥) و «يَا عَلِيٌّ، أَخُصُّكَ بِالنُبُوَّةِ وَلاَ نَبِيَّ بَعْدِي» (٦). و «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِيًّا وَوَارِثًا، وَإِنَّ وَصِيِّي وَوَارِثِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ» (٧) وحديث: «لَمَّا أَنْ عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ﷺ [إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ]، أَرَاهُ اللَّهُ مِنَ

стр. 203

العَجَائِبَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ. فَلَمَّا أَصْبَحَ جَعَلَ يُحَدِّثُ النَّاسَ مِنْ عَجَائِبِ رَبِّهِ، وَكَذَّبَهُ مَنْ كَذَّبَهُ مَنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَصَدَّقَهُ مَنْ صَدَّقَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ انْقَضَّ نَجْمٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: " فِي دَارِ مَنْ وَقَعَ هَذَا النَّجْمُ فَهُوَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي"، وَطَلَبُوا ذَلِكَ النَّجْمَ فَوَجَدُوهُ فِي دَارِ علي بن أبي طالب ﵁، فَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: ضَلَّ مُحَمَّدٌ وَغَوَى وَهَوَى أَهْلَ بَيْتِهِ، وَمَالَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (١)، وحديث: «خَلَقْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ مِنْ نُورٍ، وكنا عَلَى يَمِينِ العَرْشِ ... » (٢) وافتنوا في وضع الأحاديث كما يحبون ويهوون، من ذلك: «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، فَإِنْ أَدْرَكَهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِخَصْلَتَيْنِ: كِتَابِ اللَّهِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ... وَهُوَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي» (٣) و «مَنْ لَمْ يَقُلْ: عَلِيٌّ خَيْرُ النَّاسِ، فَقَدْ كَفَرَ» (٤)، و «النَّظَرُ إِلَى عَلِيٍّ عِبَادَةٌ» (٥)، و «حُبُّ عَلِيٍّ يَأْكُلُ السَّيِّئَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» (٦)، و «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ فِي عِلْمِهِ، وَنُوحٍ فِي فَهْمِهِ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي حُكْمِهِ، وَيَحْيَى فِي زُهْدِهِ، وَمُوسَى فِي بَطْشِهِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى عَلِيٍّ» (٧)، و «مَنْ مَاتَ وَفِي قَلْبِهِ بُغْضٌ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلْيَمُتْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» (٨)، وحديث: «مَثَلِي مَثَلُ شَجَرَةٍ، أَنَا أَصْلُهَا، وَعَلِيٌّ فَرْعُهَا، وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ ثَمَرَتُهَا، وَالشِّيعَةُ وَرَقُهَا. فَأَيُّ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنَ الطِّيبِ إِلاَّ الطَيِّبَ» (٩)، وحديث: «مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ عَلِيًّا، وَمَنْ أَبْغَضَ عَلِيًّا

стр. 204

فَقَدْ أَبْغَضَنِي، وَمَنْ أَبْغَضَنِي، فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ، وَمَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» (١)، وحديث: «يَا عَلِيُّ، إِنَّ اللَّهَ [قَدْ] غَفَرَ لَكَ وَلِذُرِيَّتِكَ وَلِوَالِدَيْكَ وَلأَهْلِكَ وَلِشِيعَتِكَ وَلِمُحِبِّي شِيعَتِكَ» (٢). وإلى جانب هذا وضع الشيعة أخبارًا بشعة تنال من أبي بكر وعمر وغيرهما يزعمون فيها إساءة هؤلاء الصحابة إلى عَلِيٍّ ﵁ وأهله، وفي هذا يقول ابن أبي الحديد: «فَأَمَّا الأُمُورُ الشَّنِيعَةُ المُسْتَهْجَنَةُ التِي تَذْكُرُهَا الشِّيعَةُ مِنْ إِرْسَالِ قُنْفُذٍ إِلَى بَيْتِ فَاطِمَةَ ... وَأَنَّ عُمَرَ ضَغَطَهَا بَيْنَ البَابِ وَالجِدًّارِ ... وَجَعَلَ فِي عُنُقِ عَلِيٍّ حَبْلاً يُقَادُ بِهِ ... فَكُلُّهُ لاَ أَصْلَ لَهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَلاَ يُثْبِتُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلاَ رَوَاهُ أَهْلُ الحَدِيثِ وَلاَ يَعْرِفُونَهُ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ تَنْفَرِدُ الشِّيعَةُ بِنَقْلِهِ» (٣). لقد رأى بعض الوضاعين من الأحزاب الأخرى أن هذه الأحاديث تنتقص أبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية، فوضعوا مقابلها أحاديث أخرى ترفع من شأن الشيخين ومعاوية، من ذلك الحديث الموضوع: «لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ قُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَارْتَجَّتِ السَّمَوَاتُ، وَهَتَفَ بِي المَلائِكَةُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. يَا مُحَمَّدُ اقْرَأْ ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾، قَدْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَعْدِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ» (٤)، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرَادٍ، قَالَ: «كُنَّا عِنْد رَسُول الله، فَأُتِيَ بِفَرَسٍ فَرَكِبَهُ ثُمَّ قَالَ: " يَرْكَبُ هَذَا الفَرَسَ مَنْ يَكُونُ الخَلِيفَةَ بَعْدِي، فَرَكبهُ أَبُو بَكْرٍ "» (٥).

стр. 205

وَحَدِيثُ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِلْنَّبِيِّ ﷺ إِنِّي كُنْتُ مَعَكَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، فَكَبَّرْتَ وَكَبَّرْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ بِالحَمْدِ فَقَرَأْتُهَا، فَوُسْوِسَ إِلَيَّ شَيْءٌ مِنَ الطُّهُورِ فَخَرَجْتُ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ، فَإِذَا أَنَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ بِي وَهُوَ يَقُولُ: وَرَاءَكَ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِقَدَحٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ مَاءً أَبْيَضَ مِنَ الثَّلْجِ وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، عَلَيْهِ مِنْدِيلٌ أَخْضَرُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الصِّدِّيقُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذْتُ المِنْدِيلَ فَوَضَعْتُهُ عَلَى مَنْكِبِي وَتَوَضَّأْتُ لِلصَّلاةِ وَأَسْبَغْتُ الوُضُوءَ، وَرَدَدْتُ المِنْدِيلَ عَلَى القَدَحِ، وَلَحِقْتُكَ وَأَنْتَ رَاكَعٌ الرَّكْعَةَ الأُولَى فَتَمَّمْتُ صَلاَتِي مَعَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ النَّبِيُّ: " أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ الذِي وَضَّأَكَ لِلْصَّلاَةِ جِبْرِيلُ وَالذِي مَنْدَلَكَ مِيكَائِيلُ وَالَّذِي مَسَكَ رُكْبَتِي حَتَّى لَحِقْتَ الصَّلاةَ إِسْرَافِيلُ "» (١). وحديث: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ أَبَا بَكْرٍ خَلِيفَتِي عَلَى دِينِ اللَّهِ وَوَحْيِهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ تُفْلِحُوا، وَأَطِيعُوهُ تَرْشُدُوا» (٢)، وحديث: «عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَمَا مَرَرْتُ بِسَمَاءٍ إِلا وَجَدْتُ فِيهَا اسْمِي مَكْتُوبًا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مِنْ خَلْفِي» (٣)، وحديث: «إِنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ يَكْرَهُ أَنْ يُخَطَّأَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ» (٤)، وحديث: «لَمَّا أُسْرِيَ بِي رَأَيْتُ فِي السَّمَاءِ خَيْلاً مَوْقُوفَةً مُسْرَجَةً مُلْجَمَةً ... رُؤُوسُهَا مِنَ اليَاقُوتِ الأَحْمَرِ ... ذَوَاتُ أَجْنِحَةٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذِهِ؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ: هَذِهِ لِمُحِبِّي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، يَزُورُونَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٥)، وحديث عن

стр. 206

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبى أوفى: رَأَيْت النبى مُتَّكِئًا عَلَى عَلِيٍّ، وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَقْبَلا، فَقَالَ «يَا أَبَا الحَسَنِ أَحِبَّهُمَا فَبِحُبِّهِمَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ» (١). وحديث: «إِنَّ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثَمَانِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لِمَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَفِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ثَمَانُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَلْعَنُونَ مَنْ أَبْغَضَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ» (٢). وحديث: «مَا فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلا مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْهَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ الْفَارُوقُ وَعُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ (٣)». ووضع بعض الكذابين من حزب معاوية بعض الأحاديث، منها: «إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﵌، أَنْ يُحَوِّلَ الكِتَابَةَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَنَزَلَ الوَحْيُ بِاخْتِيَارِهِ» (٤)، ووضعوا أحاديث مطولة في كتابته آية الكرسي وغيرها، ذكرتها كتب الموضوعات، منها «أَنَّهُ ﷺ أَخَذَ القَلَمَ مِنْ يَدِ عَلِيٍّ فَدَفَعَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ» (٥)، وَ «الأُمَنَاءُ عِنْدَ اللَّهِ ثَلاثَةٌ: أَنَا، وَجِبْرِيلُ، وَمُعَاوِيَةُ» (٦)، وحديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ نَاوَلَ مُعَاوِيَةَ سَهْمًا. وَقَالَ: " خُذْ هَذَا السَّهْمَ حَتَّى تَلْقَانِي بِهِ فِي الجَنَّةِ (٧)». وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِي ﷺ بِوَرَقَةِ آسٍ أَخْضَرَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا لاَ إِلَه إِلاَّ الله مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ حُبُّ مُعَاوِيَةَ فَرْضٌ عَلَى عِبَادِي» (٨).

стр. 207

وَحَرَّفَ الشِّيعَةُ حَدِيثَ: «اللَّهُمَّ أَرْكِسْهُمَا فِي الفِتْنَة رَكْسًا، اللَّهُمَّ دُعَّهُمَا إِلَى النَّارِ دَعًّا» (١) في أنه قيل في معاوية وعمرو بن العاص حين كانا يتغنيان، والواقع أنهما لم يفعلا شيئًا من هذا، إنما قيل هذا في معاوية بن رافع وعمرو بن رفاعة بن التابوت، فَحَرَّفَ الرَّوِاي الأَسْمَاءَ. ووضع بعض المغرضين من أتباع حزب معاوية « ... ثمَّ قَالَ النَّبِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّ فِي جَهَنَّمَ كِلاَبًا زُرْقَ الأَعْيُنِ، عَلَى أَعْرَافِهَا شَعْرٌ كَأَمْثَالِ أَذْنَابِ الخَيْلِ، لَوْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِكُلٍّ مِنْهَا أَنْ تَبْلَعَ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ فِي لُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ لَهَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، تُسَلَّطُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ لَعَنَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ» (٢). وأمثال هذه الأحاديث كثيرة، كلها من صنيعة الأحزاب المتناوئة، التي حاولت أن تدعم بها موقفها، وترفع من قدر أصحابها وزعمائها، وكان بوسع هؤلاء الابتعاد عن الكذب على رسول الله ﷺ مكتفين بما للصحابة من فضائل ثابتة، ولكن الهوى ساق بعضهم إلى ذلك والجهل أعمى قلوب بعضهم. وقد رأي بعض ذوي النيات الحسنة ما كان من هذه الأحزاب، وما دار بينهم من طعون مختلفة تناولت الصحابة، وانتقصتهم وكادت تقضي على فضائلهم، فدفعهم حبهم للصحابة جَمِيعًا إلى وضع أحاديث تذكر فضلهم، وترفع من شأنهم، وتبين أنه لا فرق بين الخلفاء الأربعة، وقد ظن هؤلاء - بحسن نيتهم - أنهم يفعلون خيرًا، لأنهم يمنعون بوضع هذه الأحاديث اللعن الذي

стр. 208

كان يتبادله أتباع كل صحابي، ويقطعون دابر الشتم والسباب فيجمعون أمر الأمة وكأنهم لم يعلموا أنهم يفتئتون على رسول الله الكذب. ومن ذلك حديث «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَتَّخِذَ أَبَا بَكْرٍ وَالِدًا وَعُمَرَ مُشِيرًا وَعُثْمَانَ سَنَدًا وَأَنْتَ يَا عَلِيُّ ظَهِيرًا. أَنْتُمْ أَرْبَعَةٌ أَخَذَ اللَّهُ لَكُمُ الْمِيثَاقَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، لاَ يُحِبُّكُمْ إِلاَّ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَلا يُبْغِضُكُمْ إِلا مُنَافِقٌ مُسِيءٌ أَنْتُمْ خُلَفَاءُ نُبُوَّتِي، وَعَقْدُ ذِمَّتِي» (١). حديث «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْش أَيْنَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ؟ فَيُؤْتَى بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃» (٢)، و «أَبُو بَكْرٍ وَزِيرِي، وَالقَائِمُ فِي أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي، وَعُمَرُ حَبِيبِي يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِي، وَأَنَا مِنْ عُثْمَانَ وَعُثْمَانُ مِنِّي، وَعَلِيٌّ أَخِي وَصَاحِبُ لِوَائِي» (٣). و «أَبُو بَكْرٍ أَوْزَنُ أُمَّتِي، وَأَرْحَمُهَا، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خَيْرُ أُمَّتِي وَأَكْمَلُهَا، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَحْيَى أُمَّتِي وَأَعْدَلُهَا، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلِيُّ أُمَّتِي وَأَوْسَمُهَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَمِينُ أُمَّتِي وَأَوْصَلُهَا، وَأَبُو ذَرٍّ أَزْهَدُ أُمَّتِي وَأَرَقُّهَا، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ أَعْدَلُ أُمَّتِي وَأَرْحَمُهَا، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سفيان أَحْلَمُ أُمَّتِي وَأَجْوَدُهَا» (٤)، وَ «مَنْ شَتَمَ الصِّدِّيقَ فَإِنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَمَنْ شَتَمَ عُمَرَ فَمَأْوَاهُ سَقَرُ، وَمَنْ شَتَمَ عُثْمَانَ خَصْمُهُ الرَّحْمَنُ، وَمَنْ شَتَمَ عَلِيًّا فَخَصْمُهُ النَّبِيِّ ﵌» (٥)، ومن حديث طويل: « ... ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى مُبْغِضِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ» (٦). وإذا رجعنا إلى كتب الموضوعات رأينا أن الشيعة قد أسرفوا في الوضع أكثر من غيرهم.

стр. 209

[ب] الخَوَارِجُ وَوَضْعِ الحَدِيثِ: لم نعثر في المراجع القريبة منا على ما يدل على وضع الخوارج للحديث، أو على اعتمادهم على ذلك لدعم موقفهم وإثبات دعواهم، اللهم إلا ما ذكر عن ابن لهيعة قال: سمعت شيخًا من الخوارج تاب ورجع، وهو يقول: «إِنَّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ دِينٌ، فَانظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا إِذَا هَوَيْنَا أَمْرًا صَيَّرْنَاهُ حَدِيثًا» (١). وما رواه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: قَالَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ: «إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَنْ مَنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ، إِنَّا كُنَّا إِذَا هَوَيْنَا أَمْرًا جَعَلْنَا فِي حَدِيثٍ» (٢). وما رواه السيوطي: رُوِيَ عَنْ شَيْخٍ خَارِجِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ دِينٌ، فَانظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا إِذَا هَوَيْنَا أَمْرًا صَيَّرْنَاهُ حَدِيثًا» (٣). هذه أخبار ثلاثة بمعنى واحد، وطرق مختلفة، تدل على وضع الخوارج للحديث، إلا أننا لم نجد دليلاً يثبت عليهم هذا بين الأحاديث الموضوعة، وربما كان عدم كذبهم هذا لاعتقادههم أن مرتكب الكبيرة كافر، والكذب من الكبائر. وهناك أدلة كثيرة على أنهم أصدق من نقل الحديث، ومن هذا ما قاله ابن تيمية للرافضة في الرد عليهم: «وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الخَوَارِجَ شَرٌّ مِنْكُمْ، وَمَعَ هَذَا فَمَا نَقْدِرُ أَنْ نَرْمِيهِمْ بِالكَذِبِ، لأَنَّنَا جَرَّبْنَاهُمْ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَتَحَرَّوْنَ الصِّدْقَ لَهُمْ

стр. 210

وَعَلَيْهِمْ» (١)، كما قال أَيْضًا: «وَمَنْ تَأَمَّلَ كُتُبَ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ رَأَى المَعْرُوفَ عِنْدَ مُصَنِّفِيهَا بِالكَذِبِ فِي الشِّيعَةِ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، وَالخَوَارِجُ مَعَ مُرُوقِهِمْ مِنَ الدِّينِ فَهُمْ مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَتَّى قِيلَ إِنَّ حَدِيثَهُمْ مِنْ أَصَحِّ الحَدِيثِ» (٢). وَقَالَ أَبُو دَاوُدُ: «لَيْسَ فِي أَصْحَابِ الأَهْوَاءِ أَصَحُّ حَدِيثًا مِنَ الْخَوَارِجِ» (٣). لا بد لنا بعد هذا من مخرج لما رُوِيَ عنهم من الكذب، فالأخبار الأولى تدل على وقوع الوضع منهم، باعتراف أحد شيوخهم، إلا أننا لم نعرف هذا الشيخ!! وقد روى الخطيب عن حماد بن سلمة (٤) نحو حديث ابن لهيعة عن (شيخ من الرافضة)، في نفس الصفحة التي روى فيها خبر ابن لهيعة، فيمكن أن يحمل على أنه خطأ من الكاتب أو الراوي. وإذا فرضنا أنه خطأ، فما موقفنا من الخبرين الآخرين اللذين لا سبيل إلى تسرب الخطأ إليهما؟ إلا أن الأخبار التي تدل على صدقهم تعارض هذه الروايات، والبحث لا يؤدي إلى دليل يُدِينُ الخوارج بالوضع فلا بد من حمل تلك الأخبار على وهم الراوي: أن «الشيخ» خارجي، وهو ليس كذلك. وَأُرَجِّحُ من هذا أن الخبرين ضعيفان لجهالة «الشيخ». وأما ما روي عن عبد الرحمن بن مهدي: أن الخوارج والزنادقة قد وضعوا هذا الحديث: «إِذَا أَتَاكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ فَإِنْ وَافَقَ كِتَابَ اللهِ فَأَنَا قُلْتُهُ .. » - فقد فَنَّدَ الدكتور مصطفى السباعي هذا القول، وَبَيَّنَ أنه

стр. 211

من وضع الزنادقة (١). وهكذا يثبت أن الخوارج لم ينغمسوا في حمأة الوضع لما عرف عنهم من الورع والتقوى. [٢] أَعْدَاءُ الإِسْلاَمِ (الزَّنَادِقَةُ): لقد قوضت دولة الإسلام دولتي كسرى وقيصر، وقضت على عروش الملوك والأمراء الذين كانوا يحكمون الشعوب الخاضعة لهم، يذيقونها العذاب ويستنزفون خيراتها، ويسترقون أبناءها، وكان حول هؤلاء الحكام طبقة من الخواص والمستغلين، الذين يفيدون من وراء أولئك الملوك والأمراء، وكانت لهم وسائلهم الخاصة في استغلال رعاياهم، فعندما انتشر الإسلام، وخالط قلوب الأمم المظلومة، والشعوب المغلوبة على أمرها من قبل رعاياها تذوق هؤلاء نعمة الحرية، وشعروا بالكرامة الإنسانية، في حين أفلتت السلطة من يد الحكام، وخسروا مناصبهم، وضاعت تلك المنافع التي كانوا ينالونها باستغلال أبناء الشعب، الذي عرف قيمة الحياة بعد أن حطم قيود الظلم باعتناق الإسلام، ولم يرق الوضع الجديد أولئك المتسلطين، فأضمروا الحقد والكيد للإسلام والمسلمين، ولم يستطيعوا أن يحققوا آمالهم بقوة السيف، لقوة الدولة الإسلامية، فراحوا ينفرون المسلمين من العقيدة الجديدة، بدس الأباطيل والأكاذيب السخيفة على رسول الله، قاصدين من وراء ذلك إبعاد الناس عن الإسلام، الذي حاولوا أن يُصَوِّرُوهُ أبشع الصور في عقائده وعباداته وأفكاره، وظهر هؤلاء بمظاهر مختلفة، وتحت أسماء فرق متعددة، إلا أنهم لم يوفقوا إلى

стр. 212

ما أرادوا، وباءت محاولاتهم بالفشل أمام قوة الإسلام، وسمو مقاصده، وصفاء عقيدته. وسنذكر أمثلة موجزة مما صنعوه ليضللوا أتباع الدين، وَيُنَفِّرُوا مِنْهُ من يحب اعتناقه، فمن ذلك: ما رووه: «أَنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ أَتَوْا الرَّسُولَ ﷺ ، فَقَالُوا: مَنْ يَحْمِلُ العَرْشَ؟ فَقَالَ: " تَحْمِلُهُ الهَوَامُّ بِقُرُونِهَا، وَالمَجَرَّةُ التِي فِي السَّمَاءِ مِنْ عَرَقِهِمْ "، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ ﷺ » (١). قال أبو قاسم البلخي: «هَذَا وَاللهِ تَقَوُّلٌ، وَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ مَلاَئِكَةٌ» (٢)، وحديث عن النبي ﷺ : «المَجَرَّةُ التِي فِي السَّمَاءِ عَرَقُ الأَفْعَى التِي تَحْتَ العَرْشِ» (٣). وقال أبو القاسم: «وَمَا يَسْتَجِيز أَن يَرْوِي مِثْلَ هَذَا عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ إِلاَّ مَنْ لاَ يُبَالِي بِدِينِهِ، وَمَتَى قَالَ المُسْلِمُونَ إِنَّ تَحْتَ العَرْشِ أَفْعَى؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ دَسِيسِ الزَّنَادِقَةِ لِيُقَبِّحُوا الإِسلاَمَ» (٤)، وحديث: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , مِمَّ رَبُّنَا؟ قَالَ: " مِنْ مَاءٍ مَرُورٍ لا مِنْ أَرْضٍ وَلا سَمَاءَ , خَلَقَ خَيْلا فَأَجْرَاهَا فَعَرِقَتْ فَخَلَقَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ العَرَقِ» (٥). إنه لا يضع مثل هذه الأحاديث مسلم ولا عاقل!!. وإن هؤلاء لأشد ضَرَرًا وبلاء على الإسلام من غيرهم، فقد كان منهم من يفحش في الكذب والافتراء، ومن هؤلاء عبد الكريم بن أبي العوجاء، الذي اعترف قبل أن تضرب عنقه بوضعه الحديث، فقال: «وَاللهِ لَقَدْ وَضَعْتُ فِيكُمْ

стр. 213

أَرْبَعَة آلاَفِ حَدِيثٍ، أُحَرِّم فِيهَا الحَلاَلَ، وَأُحَلُّ فِيهَا الحَرَامَ» (١) وقال المهدي: «أَقَرَّ عِنْدِي رَجُلٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ أَنَّهُ وَضَعَ أَرْبَعِمِائَةِ حَدِيثٍ، فَهِيَ تَجُولُ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ» (٢). وقال حماد بن زيد: «وَضَعَتْ الزَّنَادِقَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إثني عشر ألف حديث، بثوها في الناس (٣)» وفي رواية قال: «وَضَعَتْ الزَّنَادِقَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ (٤). إلا أن هذه الأحاديث لَمْ تَخْفَ على رجال هذا العلم، فبينوها وتتبعوا الكاذبين الذين وضعوها. [٣] التَّفْرِقَةُ العُنْصُرِيَّةُ وَالتَّعَصُّبُ لِلْقَبِيلَةِ وَالبَلَدِ وَالإِمَامِ: اعتمد الأمويون في إدارة دولتهم وتسيير أمورها على العرب خاصة، وتعصب بعضهم للعرب والعربية، وربما نظر بعض العرب إلى المسلمين من العناصر الأخرى نظرة لا توافق روح العصر، حتى إن طبقة الموالي «وهم المسلمون من غير العرب» شعرب بهذه العنصرية، فكانوا يحاولون المساواة بينهم وبين العرب وانتهزوا أكثر الاضطرابات والحركات الثورية فانضموا إليها في سبيل تحقيق ذلك، (٥)

стр. 214

وإلى جانب هذا كانوا يبادلون العرب الاعتزاز والفخار، فحملهم هذا على وضع أحاديث ترفع من قدرهم، وتبين فضائلهم، ومن ذلك حديث: «إِنَّ كَلامَ الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ بِالفَارِسِيَّةِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَوْحَى أَمْرًا فِيهِ لِينٌ أَوْحَاهُ بِالفَارِسِيَّةِ، وَإِذَا أَوْحَى أَمْرًا فِيهِ شِدَّةٌ أَوْحَاهُ بِالعَرَبِيَّةِ» (١) فوضع مقابله حديث: «أَبْغَضُ الكَلامِ إِلَى اللَّهِ الفَارِسِيَّةُ، وَكَلامُ الشَّيَاطِينِ الخُوزِيَّةُ، وَكَلامُ أَهْلِ النَّارِ البُخَارِيَّةُ، وَكَلامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَرَبِيَّةُ» (٢)، وحديث: «دَعُونِي مِنَ السُّودَانِ إِنَّمَا الأَسْوَدُ لِبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ» (٣). ومنشأ وضع الأحاديث في فضائل بعض القبائل العربية يرجع - في غالب ظني - إلى إثارة تلك العصبية القبلية التي ظهرت في الدولة الأموية عقب وفاة يزيد بن معاوية (٤). وكانت وضعت أحاديث في الجنس والقبيلة واللغة وضعت أحاديثُ في تفضيل البلدان والأئمة، وأظن أن انتقال مركز إدارة الدولة الإسلامية من بلد إلى آخر كان له أثر بعيد في دفع بعض المتعصبين إلى وضع الأحاديث في فضائل بلدانهم أو أئمتهم. ومما لا شك فيه أن التعصب للأئمة لم يظهر إلا في القرن الثالث الهجري، ولم تبد هذه الظاهرة إلا من الأتباع الجاهلين، فَوُضِعَتْ أحاديث كثيرة في فضائل البلدان منها: «أَرْبَعُ مَدَائِنَ مِنْ مُدُنِ الجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا: مَكَّةُ، وَالْمَدِينَةُ،

стр. 215

وَبَيْتُ المَقْدِسِ وَدِمَشْقُ ... » (١) وفي الآئمة حديث: «يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ بْنُ إِدْرِيسَ هُوَ أَضَرُّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ إِبْلِيسَ، وَيَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ سِرَاجُ أُمَّتِي» (٢)، و «سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ وَيُكَنَّى أَبَا حَنِيفَةَ لَيُحْيَيَنَّ دِينُ اللَّهِ وَسُنَّتِي عَلَى يَدَيْهِ» (٣). [٤] القَصَّاصُونَ: ظهرت حلقات القصاصين والوعاظ في أواخر عهد الخلافة الراشدة (٤)، وكثرت هذه الحلقات فيما بعد في مختلف مساجد الأقطار الإسلامية (٥)، وكان بعض القصاص لا يهمه إلا أن يجتمع الناس عليه، فيضع لهم ما يرضيهم من الأحاديث التي تستثير نفوسهم، وتحرك عواطفهم، وقد كان معظم البلاء من هذا الصنف الذي يكذب على رسول (٦) الله ﷺ ، ولا يرى في ذلك إثمًا ولا بُهتانًا. ومما يؤسف له أن هؤلاء القصاس - على تعالمهم وكذبهم على رسول الله
следующие страницы →