ويترجمونها إلى غير العربية، فإباحة ترجمة الحديث إلى لغة ثانية دليل على إباحة نقله بنفس اللغة على معناه، بلفظ عربي هو أقرب إلى لفظ الرسول ﷺ من ألفاظ اللغة الأجنبية (١)، بل هذا أولى بأن يكون مُبَاحًا.
وللذين كرهوا الرواية على المعنى أدلة منها حديث «نَضَّرَ اللهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ»، وَمَا رَوَاهُ البَرَاءُ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا بَرَاءُ كَيْفَ تَقُولُ إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ طَاهِرًا، فَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، فَقُلْتُ كَمَا عَلَّمَنِي غَيْرَ أَنِّي قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي: «وَ (بِنَبِيِّكَ)، فَمَنْ قَالَهَا مِنْ لَيْلَتِهِ ثُمَّ مَاتَ، مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ» (٢).
وقد أطال بعض العلماء القول في أدلة كل من المجيزين للرواية على المعنى والمانعين لها (٣). وأجمع العلماء كلهم على أنه لا يجوز للجاهل بمعنى ما ينقل أن يروي الحديث على المعنى. ومن أجاز هذه الرواية إنما أجازها للعالم بشروط، قَالَ المَاوَرْدِيُّ: «إِنْ نَسِيَ اللَّفْظَ جَازَ، لأَنَّهُ تَحَمَّلَ اللَّفْظَ وَالمَعْنَى، وَعَجَزَ عَنْ أَدَاءِ
стр. 142
أَحَدِهِمَا فَيَلْزَمُهُ أَدَاءُ الآخَرِ، لاَ سِيَّمَا أَنَّ تَرْكَهُ قَدْ يَكُونُ كَتْمًا لِلأَحْكَامِ، فَإِنْ لَمْ يَنْسَهْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُورِدَهُ بِغَيْرِهِ، لأَنَّ فِي كَلاَمِهِ ﷺ مِنَ الْفَصَاحَةِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ» (١). وقال السيوطي: «وَلاَ شَكَّ فِي اشْتِرَاطِ أَنْ لاَ يَكُونَ مِمَّا تَعَبَّدَ بِلَفْظِهِ ... وَعِنْدِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمِ» (٢).
بعد هذا يمكننا أن نحكم أن رواية الحديث بالمعنى كانت للضرورة، وكانت بقدر وخاصة بعد أن عرفنا ورع الصحابة والتابعين، ودقتهم في رواية الأخبار، وتحفظهم وتثبتهم مما يَرْوُونَ أو يسمعون، وهذا يُرَجِّحُ عندي أن الرواية بالمعنى إن وقعت تاريخيًا من بعض الصحابة، فإنما كانت بألفاظ قريبة جِدًّا من ألفاظه ﷺ ، لأنهم رَأَوْا رَسُولَ اللهِ ﵊، وسمعوا منه وتخرجوا بحلقاته، واستضاءت قلوبهم بتوجيهه وعنايته، وكانوا على جانب عظيم من البيان والفصاحة، وهم أعلم الأُمَّةِ بلغة العرب، لم يتسرب إلى كلامهم اللحن، ولم يغير سليقتهم ولسانهم امتزاج الأمم والشعوب.
وَيُقَوِّي عندي أن معظم ما رواه الصحابة والتابعون كان بلفظ الرَّسُولِ ﷺ أن بعضهم كان يكتب الحديث بين يدي النبي الكريم، وكانوا يعقدون الحلقات يتذاكرون فيها ما يسمعونه منه ﵊، ويصحح بعضهم أخطاء بعض، وإذا شكوا في أمر أو أشكل عليهم شيء رجعوا إلى النبي الأمين ﷺ ، وكان أكثر الرواة من التابعين يكتبون ما يسمعون من الصحابة ويحفظونه، فمنهم من يذاكر الحديث حتى إذا ما وعاه صدره محاه، ومنهم من يحفظه ويحتفظ بصحفه وألواحه، ومنهم من حرص
стр. 143
على كتابة الحديث وجمعه في كراريس أو في مصنف كالمصحف (١).
وأما من كان لا يكتب من التابعين وأتباعهم فقد حرص على حفظ الحديث في صدره، وكانوا يتذاكرون الأحاديث بين آونة وأخرى، ويرحلون من بلد إلى آخر ليسمعوا من الصحابة ﵃، أو ليتأكدوا من صحة ما سمعوه عن [رَسُولِ] اللهِ ﷺ ، فيفهموا معناه ويضبطوا حروفه وألفاظه.
ويزيدنا ثقة بأن جل ما رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ كان بلفظه ﵊، تلك الحوافظ التي وهبها الله لِحَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ، وَرُوَاةُ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعهمْ، فيروي لنا التاريخ ما كان يحفظه أبو هريرة وغيره، وإن المرء ليعجب عندما يطلع على أخبار صحيحة، تذكر تلك الحوافظ العظيمة التي حملت إلينا السُنَّةَ كذاكرة عبد الله بن عباس الذي اشتهر بسرعة حفظه، حتى إنه كان يحفظ الحديث من مرة واحدة، وَيُُرْوَى أنه سمع قصيدة لابن أبي ربيعة عدتها ثمانون بَيْتًا فحفظها من المرة الأولى، وفي الصحابة أمثاله كزيد بن ثابت الذي حفظ معظم القرآن قبل بلوغه، وتعلم لغة اليهود في سبعة عشر يومًا، وفيهم عائشة أم المؤمنين التي كانت آية من آيات الذكاء والحفظ وغير هؤلاء.
وفي التابعين نافع مولى عبد الله بن عمر الذي لم يخطئ فيما حفظ، وأجمع النُقَّادُ على دقة حفظه، وفيهم ابن شهاب الزُّهْرِي حافظ زمانه، وعامر الشعبي ديوان عصره، وقتادة بن دعامة السدوسي مضرب المثل في سرعة الحفظ والضبط والإتقان.
فإذا طالعنا ما اختلف فيه الرواة من حيث اللفظ، مما تعددت طرقه وجدنا
стр. 144
معظمه مما كان أخبارًا عن عمل من أعماله ﷺ ، أو تبليغًا لحكم واقعة شاهدوها بأعينهم، فنراهم يقولون: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَذَا»، و «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَذَا»، والمعنى في كل هذا واحد، وهذا طبيعي لا يدخل الريب في مروياتهم، لاختلافهم في صيغ الأداء، لأن كل رَاوٍ عَبَّرَ عما شاهده بلفظه، ومن النادر أن نرى اختلافًا فيما نقلوه إلينا من جوامع الكلم، أو مما يتعبد بلفظه، كصيغ الأذان والإقامة والدعاء والتشهد وغير ذلك.
وليس جميع ما نقل إلينا مما اختلف لفظه بسبب الرواية بالمعنى، فجله يعود إلى تعدد مجالس الرَّسُولِ ﷺ وكثرتها، فقد يتناول موضوعًا وَاحِدًا في مناسبات مختلفة، ويجيب السائلين بما يتناسب مع مداركهم، وقد يستفتيه أكثر من واحد في واقعة واحدة، فيفتي كل واحد بما يكفيه وَيُرْوِي غليله، بألفاظ مختلفة، وعبارات متفاوتة، تؤدي الغاية المقصودة، وما روي بالمعنى مع هذا لا يكاد يخفى على أهل هذا العلم، لكثرة دراستهم حديث الرَّسُولِ ﷺ ، وللأمانة العلمية التي كان عليها الرواة، فكانوا مَثَلاً رَائِعًا في الضبط والدقة والإتقان، يتبعون بعض ما يَرْوُونَهُ بعبارة تفيد احتياطهم فيما نقلوه، وَيُنَبِّهُونَ في أثناء سياق الحديث على موضع السهو أو الظن، وكانوا يحرصون دائمًا على نقل اللفظ النبوي كما صدر عنه ﵊.
بعد هذا لا نرى داعيًا للتهويل الذي يثيره بعض الكُتَّابِ وبعض المغرضين حول رواية بعض الأحاديث بالمعنى، ولا وجه لإثارة خلاف أصبح طَيَّ التاريخ، وكان معظم ما ذهب إليه العلماء من إباحة رواية الحديث بالمعنى وعدم روايته خِلاَفًا عَقْلِيًّا نَظَرِيًّا، وإن وقع تَارِيخِيًّا فإنما وقع في الصدر الأول وبقدر
стр. 145
لا ضرر منه، لذلك نرى أنه من العبث إثارة مثل هذا الموضوع - الذي انصرم أوانه - وتشكيك الأُمَّةِ في حديث رسولها الأمين، وليس هناك أي مسوغ لإدخال الريب في النفوس، بعد أن أجمعت الأُمَّةُ على قبول الكتب الصحاح، وعلى أنها حديث رَسُولِ اللهِ ﷺ ، الذي نُقِلَ إلينا بأسلم الطرق العلمية، على أيدي خيار علماء الأُمَّةِ من الصحابة والتابعين ومن تبعهم.
وقد تناول (أَبُو رَيَّةَ) في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " هذا البحث، إلا أنه أحاط الموضوع بهالة، تُوهِمُ من لا خبرة له بأن معظم الحديث النبوي قَدْ رُوِيَ بألفاظ الرواة (١)، وَجَسَّمَ خطر الرواية بالمعنى، بما لا يتفق والواقع التاريخي، وتحدث عن بعض الخلاف العقلي النظري على أنه مما وقع بالفعل، وَرَتَّبَ على جواز الرواية بالمعنى نتائج، إن صح ترتبها على رواية غير الحديث بالمعنى. لا يمكن أن تنتج عن رواية الحديث
стр. 146
فضلاً عن أنها لم تترتب من جراء رواية بعض الأحاديث بمعناها، لما عرفنا ما في الأمر أن بعض الأحاديث رويت بمعناها، ولم ينتج عن ذلك خطر على الدين ولا غاب ذلك عن المسلمين.
ونحن لا نشك أن الرواية بالمعنى قد تُوقِعُ فِي الخَطَأِ، ولكن هذا الخطأ - إذا وقع - لَمْ يَخْفَ عَلَى عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، فلا وجه لذلك التهويل والإيهام، لأن النُقَّادَ والعلماء اعتنوا عناية عظيمة بحفظ الحديث وروايته، وأشاروا إلى كل كبيرة وصغيرة وَرَوَوْا أكثر الأحاديث من طرق عدة تنفي الشك وتطرح الخبث، فما الداعي - بعد هذا - لأن يثير (أَبُو رَيَّةَ) شبهة حول الحديث وروايته؟
على أنه لم يكتف بذكر اختلاف السابقين في الرواية وذكر أقوالهم، بل حاول أن يثبت أن جميع ما رُوِيَ مُخْتَلِفًا لَفْظُهُ إنما كان نتيجة لرواية الحديث بالمعنى، وساق شواهد على هذا، فذكر اختلاف صيغ التشهد، واستطرد وخرج عن الموضوع، ثم ذكر «حَدِيثَ الإِسْلاَمِ وَالإِيمَانِ» وحديث «زَوَّجْتُكهَا بِمَا مَعَك [مِنْ الْقُرْآن]» وغير ذلك، وما من شيء استشهد به إلا وللعلماء قول فيه.
وقد رَدَّ على (أَبُو رَيَّةَ) العَلاَّمَة المعاصر (عبد الرحمن بن يحيى المُعَلَّمِي اليَمَانِي) رَدًّا مُفَصَّلاً (١) يكفي أن استشهد بفقرة واحدة منه.
الفَصْلُ الثَّانِي: وَفِيهِ ثَلاَثَةُ مَبَاحِثَ:
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: النَّشَاطُ العِلْمِيُّ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ:
شعر الصحابة بالتبعة الملقاة على عاتقهم لحفظ الشريعة وتطبيقها، فسارعوا إلى صيانة مصادرها الأولى خشية ضياع القرآن الكريم من صدور القُرَّاءِ (الحُفَّاظ)، إثر حروب الردة، ومن ثم جمعوه في مصحف على عهد الصِدِّيقِ، وخافوا عاقبة الاختلاف في القراءات في الأمصار المختلفة، فنسخوه في مصاحف وُزِّعَتْ على الأقاليم الإسلامية في عهد عثمان ﵁ وكانوا في أحكامهم يرجعون إلى الكتاب الكريم ثم إلى السُنَّةِ، يسألون عن حكم مأثور عن الرسول فيما يَجِدُّ لهم من قضايا، فإذا ما ثبت عندهم شيء عن رَسُولِ اللهِ ﷺ تسمكوا به وطبقوه، وقد ذكرت طريقة اجتهادهم فيما سبق.
وقد وجد الصحابة ضرورة تلح لحفظ السُنَّةِ، فحاول الصِدِّيقُ ثُمَّ الفَارُوقُ حفظها كتابة - وما منعهم من ذلك إلا حرصهم على القرآن وَالسُنَّةِ كما سيتبين لنا هذا في بحث تدوين السُنَّةِ - فما كان منهم إلا أن أَكَبُّوا على دراستها والسؤال عنها، والبحث عن الحديث عند حفاظه، ويكفينا مثالاً لهذا ما كان يفعله ابن عباس بعد وفاة رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فقد روى عِكْرِمَةُ [عَنْ] ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُمُ اليَوْمَ كَثِيرٌ، قَالَ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَتَرَى النَّاسَ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْكَ، وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ فِيهِمْ؟ قَالَ: فَتَرَكَ ذَاكَ، وَأَقْبَلْتُ أَنَا أَسْأَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحَدِيثِ، فَإِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِيَ الحَدِيثُ عَنِ
стр. 152
الرَّجُلِ، فَآتِي بَابَهُ، وَهُوَ قَائِلٌ (١)، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ تُسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ؛ فَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: " يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، مَا جَاءَ بِكَ؟ أَلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ؟ " فَأَقُولُ: " أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ "، فَأَسْأَلُهُ عَنِ الحَدِيثِ» (٢).
وكانت رغبة الصحابة في سماع حديث رَسُولِ اللهِ ﷺ عظيمة، وهل أحب إلى المرء من أن يسمع حكم مُرَبِّيهِ وأحكامه وتشريعاته؟ وهل من شيء أعز على المسلم من أن يُحْيِي آثار منقذه من الضلال ورائده إلى الخير؟ لقد كان الصحابة مندفعين بإخلاص إلى سماع حوادث رَسُولِ اللهِ ﷺ وسيرته وحديثه، فهذا أبو بكر الصِدِّيقُ يقف عند عازب والد البراء فيشتري منه رَحْلاً وهو للناقة كالسرج للفرس، ثم يقول له: «مُرْ البَرَاءَ فَلْيَحْمِلْهُ إِلَى مَنْزِلِي، فَقَالَ: لاَ، حَتَّى تُحَدِّثَنَا كَيْفَ صَنَعْتَ حِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَنْتَ مَعَهُ؟»، فقص عليه خبر الهجرة (٣).
وهذا عَلِيٌّ أمير المؤمنين يَلْتَقِي بكَعْبِ الأَحْبَارِ فَيَقُولُ لَهُ كَعْبٌ: " يَا عَلِيُّ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي المُنْجِيَاتِ؟ " قَالَ: " لاَ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي المُوبِقَاتِ "، فَقَالَ كَعْبٌ لِعَلِيٍّ: " حَدِّثْنِي بِالمُوبِقَاتِ، حَتَّى أُحَدِّثَكَ بِالْمُنْجِيَاتِ " فَقَالَ عَلِيٌّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «المُوبِقَاتُ: تَرْكُ السُّنَّةِ، وَنَكْثُ البَيْعَةِ، وَفِرَاقُ الْجَمَاعَةِ» فَقَالَ كَعْبٌ لِعَلِيٍّ: " الْمُنْجِيَاتُ: كَفُّ لِسَانِكَ، وَجُلُوسٌ فِي بَيْتِكَ، وَبُكَاؤُكَ عَلَى خَطِيئَتِكَ " (٤).
стр. 153
وقد روى بعض الصحابة عن بعض كثيرًا سواء في حياته ﵊ أو بعد وفاته، من ذلك رواية الفاروق عمر عن الصِدِّيقِ ﵄ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ حديث «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» وهو حديث صحيح أخرجه " مسلم "، ومنها رواية عُثْمَانَ ﵁ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لاَ يَقُولُهَا عَبْدٌ حَقًّا إِلاَّ حُرِّمَ عَلَى النَّارِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ» أخرجه مسلم في " صحيحه "، ورواية أبي بكر عَنْ بِلاَلٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا بِلاَلُ أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ». ورواية عبد الرحمن بن عوف عن الفاروق ﵄ قَالَ: «رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ». وما رواه بجالة بن عبدة قال: «كُنْت كَاتِبًا لِجَرِيرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى مِنَاذَرِ (١) , فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرِ بْنِ اَلْخَطَّابِ ﵁: اُنْظُرْ مَجُوسَ هَجَرَ مِنْ قِبَلِك , فَخْذ مِنْهُمْ الجِزْيَة، فَإِنَّ عَبْدَ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَنِي أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ أَهْلِ هَجَرَ»، وروت عائشة عن الصِدِّيقِ، كما روى عنها، وروى ابن عمر عن ابن عباس، وابن عباس عن ابن عمر، كما روت عائشة عنه، وروى ابن عباس عنها، وروى جابر بن عبد الله عن أبي سعيد الخُدري، كما روى أبو سعيد عن جابر، وأنس عن جابر، وجابر عن أنس، وروى ابن عباس عن جابر بن عبد الله كما روى جابر عنه، وروى أبو سعيد الخُدري عن ابن عباس كما روى ابن عباس عنه (٢)، ومن يراجع كتب السُّنَنِ، وتراجم الرواة يجد كثيرًا من روايات بعض الصحابة عن بعض،
стр. 154
وهذا دليل واضح على النشاط العلمي الذي كان بينهم، يتبادلون الأحاديث ويسمعون ويسمع منهم وَيَرْوُونَ وَيُرْوَى عنهم. كل هذا في سبيل معرفة الحق وحفظ السُنَّةِ المُطَهَّرَةِ.
ولم يكتف الصحابة بدراسة الحديث فيما بينهم، بل حَثُّوا على طلبه وحفظه وحضوا التابعين على مجالسة أهل العلم والأخذ عنهم، ولم يتركوا وسيلة لذلك إلا أفادوا منها. من هذا ما رُوِيَ عن عمر ﵁: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا» (١) وقال أَيْضًا: «تَعَلَّمُوا الفَرَائِضَ وَالسُّنَّةَ كَمَا تَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ» (٢). وكان أبو ذر مثلاً رائعًا لنشر الحق وتبليغ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يروي عنه أنه قال: «لَوْ وَضَعْتُمْ الصَّمْصَامَةَ - السيف الصارم - عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُهَا» (٣). وما كان أبو ذر بِدَعًا من الصحابة، إنما كان أحد الألوف الذين ساهموا في حفظ السُنَّةِ.
عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، «عَلَيْكُمْ بِالعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ ذَهَابُ أَهْلِهِ ... (٤)» وكان ينهى عن البدع ويأمر باتباع السُنَّةِ فيقول: «الاقْتِصَادُ فِي السُّنَّةِ [خَيْرٌ] مِنَ الاجْتِهَادِ فِي البِدْعَةٍ» (٥). وقال أمير المؤمنين عَلِيٌّ بن أبي طالب: «تَزَاوَرُوا وَتَذَاكَرُوا الحَدِيثَ، فَإِنَّكُمْ إِلاَّ تَفْعَلُوا يَدْرُسُ» (٦).
стр. 155
ووقف عمرو بن العاص على حلقة من قريش فقال: «مَا لَكُمْ قَدْ طَرَحْتُمْ هَذِهِ الأُغَيْلِمَةَ؟ لاَ تَفْعَلُوا، وَأَوْسِعُوا لَهُمْ فِي المَجْلِسِ، وَأَسْمِعُوهُمُ الحَدِيثَ، وَأَفْهِمُوهُمْ إِيَّاهُ، فَإِنَّهُمْ صِغَارُ قَوْمٍ أَوْشَكَ أَنْ يَكُونُوا كِبَارَ قَوْمٍ، وَقَدْ كُنْتُمْ صِغَارَ قَوْمٍ فَأَنْتُمُ اليَوْمَ كِبَارُ قَوْمٍ» (١).
وكان ابن عباس يحض طلابه على مذاكرة الحديث، فيقول: «تَذَاكَرُوا هَذَا الحَدِيثَ، لاَ يَنْفَلِتْ مِنْكُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ القُرْآنِ، القُرْآنُ مَجْمُوعٌ مَحْفُوظٌ، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَذَاكَرُوا هَذَا الحَدِيثَ يَنْفَلِتْ مِنْكُمْ، وَلاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ حَدَّثْتُ أَمْسِ لاَ أُحَدِّثُ اليَوْمَ، بَلْ حَدِّثْ أَمْسِ، وَحَدِّثْ اليَوْمَ، وَحَدِّثْ غَدًا» .. ، كما كان يقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ مِنَّا، شَيْئًا فَتَذَاكَرُوهُ بَيْنَكُمْ» (٢).
وكان أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يحب طلاب العلم ويفسح لهم المجالس، وكثيرًا ما كان يقول: «تَحَدَّثُوا، فَإِنَّ الحَدِيثَ يُذَكِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا» (٣).
وَمِمَّا يُرْوَى عَنْ أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِطُلاَّبِهِ: «إِنَّ هَذَا المَجْلِسَ مِنْ بَلاَغِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَأَنْتُمْ فَبَلِّغُوا عَنَّا أَحْسَنَ مَا تَسْمَعُونَ». وفي رواية: كَانَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا سَكَتَ قَالَ: «اعْقِلُوا، بَلِّغُوا عَنَّا كَمَا [بُلِّغْتُمْ]» (٤).
وهكذا كان الصحابة الكرام يتواصون بحفظ الحديث ومذاكرته ويحضون طلابهم على ذلك، ويحثونهم على تبليغ ما يسمعون منهم.
стр. 156
وقد سار التابعون وأتباعهم على نهج الصحابة، فكانوا يوصون أولادهم وتلاميذهم بحفظ السُنَّةِ وحضور مجالس العلم، فقد أوصى عُرْوَةُ بَنِيهِ بهذا كما أوصى طلابه (١)، وكان علقمة يشجع طلابه على مذاكرة الحديث ودراسته (٢)، كما كان عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، يَقُولُ: «إِحْيَاءُ الحَدِيثِ مُذَاكَرَتُهُ فَتَذَاكَرُوهُ» (٣). واشتهرت بين العلماء عبارة «تَذَاكَرُوا الحَدِيثَ فَإِنَّ الحَدِيثَ يُهَيِّجُ الحَدِيثَ» (٤).
وأكثر من هذا، كان بعض الآباء يشجعون أبناءهم على حفظ الحديث، ويقدمون إليهم جوائز كلما حفظوا شيئًا منه، من هذا ما رواه النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ، يَقُولُ: قَالَ لِي أَبِي: «يَا بُنَيَّ، اطْلُبِ الحَدِيثَ، فَكُلَّمَا سَمِعْتَ حَدِيثًا، وَحَفِظْتَهُ، فَلَكَ دِرْهَمٌ. فَطَلَبْتُ الحَدِيثَ عَلَى هَذَا» (٥).
ومهما يكن موقف المُرَبِّينَ في هذا العصر من هذا التشجيع فإنه وسيلة مبدئية لحفظ الحديث ودراسته، إن كانت في نظر الطفل هي الغاية فإنها لا تلبث أن تصبح، وسيلة إذا ما ألف حفظ الحديث، وتعطشت نفسه إليه تجسمت الغاية الأصلية أمامه، وعرف قيمتها، وقدر نفع الحديث، وعرف معناه، وأصبح من عشاقه، سواء أنقطعت تلك الجوائز أم لم تنقطع.
وإن التاريخ ليحفظ لنا أخبارًا كثيرة تثبت إقبال طلاب العلم على طلب
стр. 157
الحديث إقبالاً لا مثيل له، بدافع ذاتي، وميل نفسي، حتى إن بعض طلاب العلم المتفانين في حُبِّ الحديث كانوا يؤدون بعض الخدمات من أجل سماع حديث أو حديثين (١).
وقد كانت المنافسة العلمية المحببة قائمة بين طلاب الحديث في ذلك العصر، فالذكي من تمكن من حفظ أحاديث في باب كذا وباب كذا، وَالمُجِدُّ من أسرع إلى صحابي وأخذ عنه قبل وفاته، وَالمُفْلِحُ من حظي بحب شيخه، وتمكن من الانفراد به، والكتابة عنه، والقراءة عليه ثم العرض والتصحيح بين يديه ..
لكل هذا رأينا أصحاب الحديث يَجِدُّونَ في طلب العلم الشريف، ويتبارون في تحصيله (٢)، وكثر طلاب العلم كثرة تثلج لها الصدور، وتشرق بها النفوس حتى إن أحد الصحابة كان يحدث الناس، فيكثرون عليه، فيصعد فوق بيت ويحدثهم (٣). قال أنس بن سيرين: «قَدِمْتُ الكُوفَةَ قَبْلَ الجَمَاجِمِ، فَرَأَيْتُ [فِيهَا] أَرْبَعَةَ آلاَفٍ يَطْلُبُونَ
стр. 158
الحَدِيثَ» (١)، وفي رواية زاد: فقال: «وَأَرْبَعَمِائَةٍ قَدْ فَقِهُوا» (٢). فَقَبْلَ بِدَايَةِ الربع الأخير من القرن الأول أضحت الكوفة محط أنظار أهل الحديث، ولم يقتصر هذا النشاط على قُطْرٍ دُونَ آخَرٍ، بل كان عَامًّا شاملاً. فحلقات العلم كانت تعقد في كل مكان، ففي جامع دمشق حلقات أبي الدرداء التي تضم نَيِّفًا وخمسمائة وألف طالب (٣) إلى جانب حلقات غيره من شيوخ دمشق التي كان يكتب فيها الطلاب (٤)، كما كانت تعقد في حمص وحلب والفسطاط والبصرة والكوفة واليمن إلى جانب حلقات ينبوع الإسلام في مكة والمدينة، فقد كانت في المدينة كالروضة يختار منها طالب العلم ما يشاء (٥).
وفي عهد عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، كان المسجد الحرام يغص بطلاب العلم، حتى إن الخلفية أعجب بهم عندما زاره فوجد فيه حِلَقًا لا تحصى، تضم أبناء المسلمين وطلاب العلم، فسأل عن شيوخ هذه الحلقات، فكان فيها عطاء، وسعيد بن جُبير، وميمون بن مهران، ومكحول، ومجاهد وغيرهم، فحث أبناء قريش على طلب العلم والمحافظة عليه (٦).
وسيتجلى لنا نشاط المراكز العلمية في الدولة الإسلامية عندما نتكلم عن انتشار العلم في عهد الصحابة والتابعين.
стр. 159
وقد قَيَّضَ الله لهذه الأُمَّةِ أساتذة أوتوا العلم والأدب وأصول التربية ترعرعوا بين يدي رَسُولِ اللهِ ﷺ ويدي أصحابه الكرام، واجتهد القائمون على التعليم منهم في ذلك العصر في تعليم تلاميذهم وجلسائهم، واعتنوا عناية عظيمة بالنشء الجديد، فنرى إسماعيل بن رجاء - من أقران الأعمش - «يَجْمَعُ الصِّبْيَانَ وَيُحَدِّثَهُمْ» (١) ومر رجل بالأعمش - سليمان بن مهران - وهو يحدث فقال له: تحدث هؤلاء الصبيان؟ فقال الأعمش: هؤلاء الصبيان يحفظون عليك دينك (٢). وكان مُطَرَّفٌ بن عبد الله يقول: «لأَنْتُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مُجَالَسَةً مِنْ أَهْلِي» (٣). وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيَّ، يَقُولُ: «لَوْ لَمْ يَأْتُونِي - (يعني طلاب الحديث) - لأَتَيْتُهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ» (٤). وكانوا يعلمونهم الحديث والأدب فيه، واحترامه وإجلاله (٥)، وكانت لحلقات العلم مكانة جليلة، وكان طلاب الحديث يوقرون أساتذتهم، ويفخرون بخدمتهم، والأخذ عنهم، وكان سلوكهم مع أساتذتهم في غاية الأدب والاحترام، سواء أكان هذا في التلقي عنهم أم في مناقشتهم، ويؤثر عن كثير من الصحابة والتابعين نصائح لطلاب العلم في هذا الصدد (٦).
وأما حلقات العلم وشيوخها وطريقة تعليمهم فإنها تحتاج إلى بحث كبير قائم بذاته، وإن لدينا من الأخبار ما يملأ أكثر من مجلد في هذا. ولكن المقام يضيق بإيرادها، ويكفينا أن نذكر شَيْئًا مُوجَزًا عن الصحابة والتابعين يتناول طريقة تعليمهم.
стр. 160
وأول ما يسترعي انتباهنا في هذا خطوط كبرى تعتبر من الأسس الهامة في التربية الحديثة، من هذه الأسس:
١ - مُرَاعَاةُ أَحْوَالِ المُحَدِّثِينَ:
----------------------------
فقد لاحظ الصحابة والتابعون أحوال طلابهم ملاحظة دقيقة، فكانوا لا يحدثونهم إلا بما يناسب مداركهم، ويشرحون الأحاديث، ويبينون مناسبتها حتى يدرك الطلاب ما يرويه شيوخهم، يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ فَيَسْمَعُهُ مَنْ لاَ يَبْلُغُ عَقْلَهُ فَهْمُ ذَلِكَ الحَدِيثِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِتْنَةً» (١) وفي رواية عنه: «مَا أَنْتَ مُحَدِّثٌ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلاَّ كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ» (٢). وعن حماد بن زيد قال: قَالَ أَيُّوبُ: «لاَ تُحْدِثُوا النَّاسَ بِمَا لاَ يَعْلَمُونَ فَتَضُرُّوهُمْ» (٣).
٢ - الحَدِيثُ لِمَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ:
----------------------------
وكما حرص الصحابة والتابعون على مراعاة أحوال الرواة، حرصوا على نشر الحديث بين أهله وطلابه، ورفعه عن السفهاء وأهل الغايات والأهواء، فكانوا يحاولون جهدهم ألا يحضر مجالسهم إلا طلاب العلم، وفي هذا كان يقول الزُّهْرِيِّ: « ... وَهُجْنَتُهُ (أي الحديث) نَشْرُهُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ» (٤)، وَ «كَانَ الأَعْمَشُ
، فَإِنْ بَلَغَهُ عَنْهُ خَيْرًا أَدْنَاهُ وَحَدَّثَهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا الصَّلْتِ، لِمَ تَفْعَلْ هَذَا؟ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ العِلْمُ عِنْدَهُمْ، فَيَصِيرُوا أَئِمَّةً يُحْتَاجُ إِلَيْهِمْ، فَيُبَدِّلُوا كَيْفَ شَاءُوا» (١).
قد يُظَنُّ أن في تَشَدُّدِ زائدة مَنْعًا للعلم ونشره، وأن طريقته هذه تتنافى مع رسالة المعلمين المرشدين الهادين، والحقيقة أن منهجه هذا كان من وسائل المحافظة على السُنَّةِ، كما كان حائلاً دون أهل البدع والأهواء من أن يستغلوا الحديث الشريف، أو يُحَرِّفُوهُ تَبَعًا لأهوائهم.
٣ - طَلَبُ الحَدِيثِ بَعْدَ القُرْآنِ الكَرِيمِ:
-----------------------------------
من البدهي أن يهتم المسلمون بكتاب الله تعالى وحفظه ودراسته وتلاوته، وفهمه وتفسيره. وقد أجمع المُحَدِّثُونَ على أنه لا ينبغي أن يطلب المرء الحديث إلا بعد قراءته القرآن وحفظه كله أو أكثره، ثم يبدأ سماع الحديث وكتابته عن الشيوخ، وكان كثير من المُحَدِّثِينَ لا يقبلون الطلاب في حلقاتهم إلا إذا وثقوا من دراستهم القرآن الكريم وحفظ بعضه على الأقل، وفي هذا قَالَ حَفْصُ بْنَ غِيَاثٍ: «أَتَيْتُ الأَعْمَشَ فَقُلْتُ: " حَدِّثْنِي "، قَالَ: " أَتَحْفَظُ القُرْآنَ؟ " قُلْتُ: " لاَ "، قَالَ: " اذْهَبْ فَاحْفَظِ القُرْآنَ، ثُمَّ هَلُمَّ أُحَدِّثُكَ " قَالَ: " فَذَهَبْتُ فَحَفِظْتُ القُرْآنَ، ثُمَّ جِئْتُهُ فَاسْتَقْرَأَنِي، فَقَرَأْتُهُ، فَحَدَّثَنِي "» (٢).
٤ - عَدَمُ تَتَبُّعِ المُنْكَرِ مِنَ الحَدِيثِ:
---------------------------------
خشي الصحابة والتابعون من بث بعض الأحاديث الواهية والضعيفة،
стр. 163
فنهوا عن روايتها وطلبوا التثبت في الرواية كما سبق أن ذكرنا، وحثوا على رواية الأحاديث المعروفة ونشرها بين طلاب العلم وخاصة الجدد منهم. وفي هذا يُرْوَى عن أمير المؤمنين عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ!! أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» (١). قال الإمام الذهبي: «فَقَدْ زَجَرَ الإِمَامُ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ رِوَايَةِ المُنْكَرِ، وَحَثَّ عَلَى التَّحْدِيثِ بِالمَشْهُورِ، وَأَصْلُ هَذَا كَبِيرٌ فِي الكَفِّ عَنْ بَثِّ الأَشْيَاءِ الوَاهِيَةِ، وَالمُنكِرةِ مِنَ الأَحَادِيثِ فِي الفَضَائِلِ وَالعَقَائِدِ، وَالرَّقَائِقِ، وَلاَ سَبِيِلَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا مِنْ هَذَا إِلاَّ بِالإِمْعَانِ فِي مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ» (٢).
وأما الأحاديث المنكرة والشاذة وطرقها، والأحاديث الموضوعة، فقد كان يحفظها الشيوخ حتى إذا ذكر لهم حديث منها بَيَّنُوهُ، وكانوا يَرْوُونَ منها لطلابهم بعد بيان عِلَلِهَا، وبعد أن يقطع الطلاب مرحلة جيدة في دراساتهم. وسنبين هذا عندما نتكلم عن الحديث الموضوع.
٥ - التَّنْوِيعُ وَالتَّغْيِيرُ دَفْعًا لِلْمَلَلِ:
--------------------------------
عرف الصحابة والتابعون ما يجدد نشاط طلابهم، فعملوا به، وأفادوا منه لتحقق الغاية من دروسهم وحلقاتهم، فكانوا بتناولون دراسة الأحاديث المختلفة حِينًا، ويتكلمون في الرجال أحيانًا، وينتقلون إلى سيرة الرَّسُولِ ﷺ تارة، ويذكرون أسباب ورود الحديث ومناسبته تارة أخرى.
стр. 164
فكانت دراسة الحديث شيقة، تجذب الطالب إليها لتعدد موضوعاتها وتناولها كَثِيرًا من الأمور التي تتعلق بدينه ودنياه. ومع هذا كان شيوخ الحلقات يخشون إدخال السآمة إلى نفوس تلاميذهم، فكانوا يتخولونهم بالموعظة كما كان يفعل رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وكما فعل الصحابة من بعده (١) وكانت السيدة عائشة توصي التابعين بهذا، فَقَدْ قَالَتْ لِعُبَيْدٍ بْنِ عُمَيْرٍ: «إِيَّاكَ وَإِمْلاَلَ النَّاسِ وَتَقْنِيطَهُمْ» (٢). ولهذا كانوا لا يطيلون المجلس حتى لا تضيع الفائدة عليهم، وفي هذا يقول الإِمَامُ الزُّهْرِيُّ: «إِذَا طَالَ المَجْلِسُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ» (٣) وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: - إِذَا فَاضَ مَنْ عِنْدَهُ بِالحَدِيثِ بَعْدَ القُرْآنِ وَالتَّفْسِيرِ -: «أَحْمِضُوا [بِنَا]». أَيْ: خُوضُوا فِي الشِّعْرِ وَ [الأَخْبَارِ] وغيره ... ، وعن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: «إِنِّي لأَسْتَجِمُّ قَلْبِي بِالشَّيْءٍ مِنَ اللَّهْوِ، لأَقْوَى بِهِ عَلَى الحَقِّ» (٤).
وقد كان الصحابة أحيانًا يتناولون في مجالسهم بعض الشعر وأيام الجاهلية ليسروا عن أنفسهم، فيبدلوا الموضوع ليستعيدوا نشاطهم، فَعَنْ أَبِي خَالِدٍ [الوَالِبِيِّ] قَالَ: «كُنَّا نُجَالِسُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَتَنَاشَدُونَ الأَشْعَارَ وَيَتَذَاكَرُونَ أَيَّامَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ» (٥)، وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُحَدِّثُ ثُمَّ يَقُولُ:
стр. 165
«هَاتُوا مِنْ أَشْعَارِكُمْ، هَاتُوا مِنْ أَحَادِيثِكُمْ، فَإِنَّ الأُذُنَ مَجَّاجَةٌ، وَالنَّفَسَ حَمْضَةٌ» (١).
وكان يقول: «رَوِّحُوا الْقُلُوبَ سَاعَةً وَسَاعَةً» (٢).
٦ - اِحْتِرَامُ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَوْقِيرُهُ:
------------------------------------------------------------
ذكرت تمسك الصحابة والتابعين بالسنة، وتقديمها على كل شيء بعد القرآن، فقد كانوا لا يقبلون رَأْيًا مَعَ السُنَّةِ مهما يكن شأنه، ومهما تكن منزلة صاحبه، وكما تمسكوا بالسنة احترموا مجالس الحديث، ووقروا حفاظه، وتأدب الناس مع حديث رسول الله ﷺ شُيُوخًا وَطُلاَّبًا.
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: «كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُحْدِثُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ (٣)»، قَالَ إِسْحَاقُ: «[فَرَأَيْتُ] الأَعْمَشَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَحَدَّثَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ تَيَمَّمْ (٤)». وَقَالَ قَتَادَةُ «لَقَدْ كَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ تُقْرَأَ الأَحَادِيثُ الَّتِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ عَلَى طُهُورٍ»، وفي رواية: «إِلاَّ عَلَى وُضُوءٍ (٥)». وروي هذا عن كثير من العلماء.
ويذكر سعيد بن المسيب - وهو على فراش المرض - حديثًا عن رسول الله ﷺ فيقول: «أَجْلِسُونِي، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُحَدِّثَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مُضْطَجِعٌ» (٦).
стр. 166
قال الرامهرمزي: كان أكثرهم يتطهرون عندما يتصدرون للتحديث فيلبس العالم أحسن ثيابه، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ومن ذلك قول أَبِي الْعَالِيَةِ: «إِذَا حَدَّثْتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا فَازْدَهِرْ»، وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ يُحَدِّثَ، تَوَضَّأَ وَضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَلَبِسَ قَلَنْسُوَةَ، وَمَشَطَ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: «أُوَقِّرُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١). وكان مالك يحدث أحيانًا أبناء كل قطر حتى لا يزداد الازدحام في داره، فكان مناد على بابه ينادي: «لِيَدْخُلَ أَهْلُ الْحِجَازِ»، فلا يدخل غيرهم، ثم يخرج فينادي: «لِيَدْخُلْ أَهْلُ الشَّامِ» (٢) ... يفعل هذا حتى لا يكثر الطلاب، فيكثر السؤال، وتفوت الفائدة جل الحاضرين.
وهناك آداب كثيرة، وأصول متبعة للسؤال والقراءة والعرض على المحدث والجلوس بين يديه، وحضور حلقات العلم، تكفلت بذكرها كتب خاصة (٣)، وأفردت لها أبواب في أكثر كتب مصطلح الحديث وعلومه.
٧ - مُذَاكَرَةُ الحَدِيثِ:
--------------------
لم يكن طلاب العلم يكتفون بحضور مجلس الحديث ثم ينصرفون إلى أعمالهم حتى يحين المجلس القادم، من غير أن يذاكروا ما يسمعونه. ولم يكن حضور حلقات العلم للتسلية وشغل أوقات الفراغ .. ، متى شاء الطالب حضر ومتى أحب
стр. 167
انصرف منها، كلا، بل كان الطلاب يحضرون في أوقات معينة يخصصها لهم أستاذهم بعد صلاة الفجر مثلاً حتى الضحى، أو بين الظهر والعصر، فيتسابق الطلاب إلى الحلقة قبل انعقادها، ليتخذوا أماكنهم (١)، حتى إذا حضر الأستاذ كان جميع الطلاب على استعداد لتلقي الحديث عنه. وقد يتغيب عن الحلقة طالب، فيسأل عنه الشيخ ويعرف سبب غيابه، وقد يكلف بعض إخوانه السؤال عنه، فالحلقات في العصور الماضية كانت كالفصول النظامية في مدارسنا الحديثة.
لهذا كان أصحاب الحديث يحرصون على حضور مجالسه، ويحفظون ما يسمعونه، ويذاكرونه.
وقد كان الصحابة ﵃ يفعلون هذا في عهد رسول الله ﷺ ، فعن أنس بن مالك قال: «كُنَّا نَكُونُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ فَإِذَا قُمْنَا تَذَاكَرْنَاهُ فِيمَا بَيْنَنَا حَتَّى نَحْفَظُهُ» (٢).
وكان التابعون وأتباعهم يذاكرون حديث رسول الله ﵊ جماعات وأفرادًا، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَمَّانِ (٣) قَالَ: «حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمًا بِحَدِيثٍ فَلَمْ نَحْفَظْهُ، فَتَذَاكَرْنَاهُ بَيْنَنَا حَتَّى حَفِظْنَاهُ» (٤). وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «كُنَّا نَكُونُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَيُحَدِّثُنَا، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ تَذَاكَرْنَا حَدِيثَهُ» (٥) .. ، وَعَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا يَحْيَى الأَعْرَجَ - وَكَانَ عَالِمًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - اجْتَمَعَ هُوَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ،
стр. 168
فَتَذَاكَرَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ» (١). وقال مرة عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: «إِحْيَاءُ الْحَدِيثِ مُذَاكَرَتُهُ»، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ، كَمْ مِنْ حَدِيثٍ قَدْ أَحْيَيْتَهُ مِنْ صَدْرِي قَدْ كَانَ مَاتَ» (٢).
وقد تطول مجالس المذاكرة من أول الليل حتى نداء الفجر (٣)، وكان من طلاب العلم من ينتظر انصرام الليل ليلقى إخوانه فيذاكرهم، وكان إِبْرَاهِيمُ النَّخعِي يَقُولُ: «إِنَّهُ لَيَطُولُ عَلَيَّ اللَّيْلُ حَتَّى أَلْقَى أَصْحَابِي فَأُذَاكِرُهُمْ» (٤). ومما يروى عن شعبة بن الحجاج أنه خَرَجَ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْنٍ، وَقَدْ عَقَدَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا فَكَلَّمَهُ بَعْضُ إِخْوَانِهِ، فَقَالَ: «لاَ تُكَلِّمْنِي فَإِنِّي قَدْ حَفِظْتُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ أَخَافُ أَنْ أَنْسَاهَا» (٥).
هكذا كان يذاكر أصحاب الحديث حديث رسول الله ﷺ ، حتى يثبت في صدورهم ولا ينسوه.
وكان بعضهم يتخذ التحديث بما سمع وسيلة إلى حفظه، فإذا لم يجد من يحدثه حدث خادمه أو بنيه، وفي هذا يروى عَنْ الإِمَامِ الزُّهْرِيِّ كَانَ يَبْتَغِي الْعِلْمَ مِنْ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ، فَيَأْتِي جَارِيَةً لَهُ نَائِمَةً فَيُوقِظُهَا فَيَقُولُ لَهَا «حَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِكَذَا، وَفُلاَنٌ بِكَذَا»، فَتَقُولُ لَهُ: «مَا لِي وَلِهَذَا؟» فَيَقُولُ: «قَدْ عَلِمتُ أَنَّكِ لاَ تَنْتَفِعِينَ بِهِ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ الآنَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَذكِرَهُ» (٦)، ولا يجد إسماعيل بن رجاء من يذاكر الحديث معه فيجمع غلمان المكاتب ويحدثهم كيلا ينسى حديثه (٧).
стр. 169
وكثيرًا ما كانت تعقد مجالس المذاكرة وتقام المناظرات بين أصحاب الحديث لتعرف طرقه، ويكشف عن القوي والضعيف منها، وفي هذا يقول يَزِيدُ بْنِ هَارُونَ: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ يَكْتُبُونَ عَنْ كُلٍّ - مِنَ المَشَايِخِ الأَقْوِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِ -، فَإِذَا وَقَعَتِ الْمُنَاظَرَةُ حَصَّلُوا» (١).
مما سبق يتبين لنا اهتمام الصحابة والتابعين وأتباعهم بالسنة المطهرة، وحرصهم على الحديث النبوي الشريف، فعرفنا كيف كانوا يحدثون طلابهم وكيف كانوا يعتنون بصغارهم، ويحرصون على تربيتهم التربية الصالحة، على هدى محمد ﷺ ، كما عرفنا آدابهم في الحديث وطلبه، واحترامهم لعلمائهم، وحرص الطلاب على دراسة السنة وحفظها ومذاكرتها وتثبيتها في صدورهم والعمل بها، كل ذلك يعطينا صورة حية عن النشاط الحديثي في ذلك العصر، صورة مخطوطة عن الحركة العلمية القوية التي كانت في عصر الصحابة والتابعين، تلك الحركة التي كان لها الفضل العظيم في حفظ السُنَّةِ.
وإن ما قدمناه لا يعدو الخطوط العريضة لتلك الحركة الواسعة، التي كانت في الصدر الأول وقد أغفلنا كثيرًا من التفصيلات التي تتعلق بسن السماع وطريقة الرواية والتلقي، وكيفية القراءة على المحدث، وكل ما يتعلق بدرجات تحمل الحديث وأدائه، مما تكفلت بشرحه كتب مصطلح الحديث وعلومه.
وهكذا خرجنا من هذا البحث بخلاصة هامة، هي أن الحديث الشريف لقي عناية وحفظًا واهتمامًا عظيمًا من أبناء ذلك العصر، الذين تولوا نقله بأمانة وإخلاص إلى الجيل الذي تلاهم، ثم أدت الأجيال المتعاقبة هذه الأمانة حتى وصلت إلينا في أمهات الكتب الصحيحة.
стр. 170
المَبْحَثُ الثَّانِي: اِنْتِشَارِ الحَدِيثِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ:
انتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، بعد أن عم الإسلام الجزيرة العربية كلها، وأصبحت هذه البلاد قلعة حصينة للإسلام، وقاعدة تنبعث منها أضواء الهداية في العالم، وقد عقد رسول الله ﷺ قبل وفاته لواء جيش الرسول ﷺ أسامة لفتح الشام، ولكن المنية اخترمته قبل إنفاذه، وخلفه الصِدِّيقُ فوجه جيش الرسول ﷺ إلى بلاد الشام، واتسعت الفتوحات الإسلامية، وامتدت الدولة الإسلامية حول الجزيرة العربية، ففتحت بلاد الشام كلها (فلسطين والأردن وسوريا ولبنان) والعراق جميعها في سَنَةِ سبع عشرة هجرية (١)، وفتحت مصر سَنَةَ عشرين من الهجرة (٢)، ووصل المسلمون إلى ما وراء النهر في خلافة عثمان بعد أن فتحوا (فارس) سَنَةَ إحدى وعشرين، ووصلوا سمرقند سَنَةَ ست وخمسين (٣)، وما لبثت الرايات الإسلامية أن خفقت في ربوع الأندلس غربًا سَنَةَ ثلاث وتسعين (٤) وارتفعت بنود الإسلام وأعلامه على ذرا جبال البرانس (٥) (*) سَنَةَ ست وتسعين، وعلى حدود الصين شَرْقًا سَنَةَ ست وتسعين أَيْضًا (٦).
كان في طليعة الجيوش الإسلامية صحابة رسول الله ﷺ .
стр. 171
وكانوا كلما دخلوا بَلَدًا فيه أقاموا فيه المساجد (١)، ومكث فيه بعض الصحابة والتابعين يدبرون أموره، وينشرون فيه الإسلام، ويعلمون أبناءه القرآن الكريم وَسُنَّةَ رسول الله ﵊، وكان الخلفاء يمدون البلاد الجديدة بالعلماء، وقد استوطن كثير من الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - تلك الأمصار، يرشدون أهلها، ويعلمون أبناءها، وقد دخل الناس في دين الله أفواجًا، والتفوا حول الرسول الكريم ﷺ ، ينهلون من الينابيع التي أخذت عن الرسول الكريم ﵊ وتخرج في حلقاتهم التابعون الذين حملوا لواء العلم بعدهم، وحفظوا السنة الشريفة، وهكذا أصبحت في الأقاليم والأمصار الإسلامية مراكز علمية عظيمة، تشع منها أنوار الإسلام وعلومه، إلى جانب مراكز الإشعاع الأولى التي أمدت هذه الأقطار بالأساتذة الأول.
ويجدر بنا أن نذكر لمحة موجزة عن مراكز التعليم هذه فيما يخص بحثنا، فنتناول أهم تلك المراكز العلمية والقائمين عليها في الأمصار الإسلامية:
١ - المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ:
--------------------
هي دار الهجرة، وحاضرة الدولة الإسلامية، التي آوت الرسول الكريم بعد هجرته، ومعه الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، وشهدت الجانب التشريعي الأول في صدر الإسلام، وفي مساجدها التف المسلمون حول محمد ﵊، يتلقون القرآن العظيم، ويسمعون الحديث الشريف، وفيها شاهدوا قضاءه وقسمته للغنائم، واستنفاره للجيوش، وموادعته لخصومه، وإليها التجأ المسلمون المهاجرون بدينهم، تحت ضغط قريش والقبائل الأخرى في أطراف الجزيرة العربية، وتعلقت بها الأنظار، وعقدت عليها الآمال، حتى كان صلح الحديبية
стр. 172
ثم الفتح الأعظم، فأصبحت مركز الحجاز السياسي، وعاصمة الدولة الإسلامية إلى أوائل خلافة عَلِيٍّ ﵁.
وقد يخطر ببالنا أن المهاجرين عادوا إلى مكة بعد وفاته ﷺ ، ولكن التاريخ يؤكد لنا أن الصحابة والخلفاء آثروا أن يجاوروا رسول الله ﷺ (١)، ويقيموا حيث أقام. لذلك نرى في المدينة كبار الصحابة الذين رسخوا في العلم، وكانت لهم مكانة عظيمة في الحديث، ومن هؤلاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وأبو هريرة وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخُدري، وزيد بن ثابت الذي اشتهر بفهم القرآن والحديث والفرائض خاصة، وكانت له مكانة رفيعة عند الخلفاء الراشدين حتى إنهم ما كانوا يقدمون عليه أَحَدًا في القضاء أو الفتوى والفرائض والقراءة (٢).
وقد تخرج في المدينة كبار التابعين، ومنهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وابن شهاب الزهري، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن المنكدر وغير هؤلاء ممن كانوا مرجع الأمة في السُنَّةِ والقضاء والفتوى.
٢ - مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ:
------------------
لما فتح رسول الله ﷺ مكة، خلف فيها مُعَاذًا يعلم
стр. 173
أهلها الحلال والحرام، ويفقههم في الدين، ويقرئهم القرآن الكريم، وكان معاذ من أفضل شباب الأنصار عِلْمًا وَحِلْمًا وَسَخَاءً، شهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها، وكان يُعَدُّ من أعلم الصحابة بالحلال والحرام. قال رسول الله ﷺ فيه: «مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَرَامِ اللهِ وَحَلاَلِهِ» (١) وقال ﵊: «خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، مِنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ» (٢). وقد روى عنه عدد كبير من الصحابة، منهم عبد الله بن عباس، الذي كانت له الصدارة بعد أن عاد من البصرة إلى مكة المكرمة، كما كان في مكة عتاب بن أسيد الذي أَمَّرَهُ رسول الله ﷺ للصلاة في أهلها (٣)، وأخوه خالد بن أسيد، والحكم بن أبي العاص، وعثمان بن أبي طلحة وغيرهم (٤).
وقد تخرج في مكة على أيدي الصحابة مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم (٥).
ولا بد أن نذكر هنا علو منزلة مكة المكرمة، وأثرها في تبادل الثقافة ونشر الحديث النبوي في مواسم الحج، حيث يلتقي فيها المسلمون ويجتمع أكثرهم بصحابة رسول الله ﷺ وبالتابعين، يحملون معهم الكثير الطيب من حديثه ﵊ إلى بلادهم، ولا تزال لمكة والمدينة هذه المكانة إلى يومنا هذا، وستبقى ما بقي الإسلام إلى يوم الدين.
стр. 174
٣ - الكُوفَةَ:
------------
لقد نزل في الكوفة عدد كبير من أصحاب رسول الله ﷺ ، وفي عهد عمر ﵁، حين فتحت العراق للمسلمين، وأصبحت الكوفة والبصرة قاعدتي الفتح الإسلامي في خراسان وفارس والهند، فقد هبط الكوفة ثلاثمائة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر (١) من أشهرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن مسعود وغيرهم (٢). وكان لعبد الله بن مسعود أثر كبير في رفع اسم الكوفة، لما بذله في سبيل تعليم أبنائها، وقد تخرج في هذه المدرسة كبار التابعين الذين حفظوا الشريعة وحافظوا على السنة المطهرة، فقد كان في الكوفة ستون شَيْخًا من أصحاب عبد الله بن مسعود، وكان في بني ثور الذين نزلوا الكوفة ثلاثون رجلاً، ما فيهم رجل دون الربيع بن خثيم (٣) المشهور بعبادته وورعه وعلو مكانته في الحديث، وكان فيها كميل بن [زياد] النخعي، وعامر بن شراحيل الشعبي، وسعيد بن جبير الأسدي، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير (٤) وغيرهم.
٤ - البَصْرَةُ:
-------------
ونزل البصرة من الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - أنس بن مالك، وكان إمام البصرة في الحديث، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس الذي وَلَّى إمارتها لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ونزل فيها غير هؤلاء
стр. 175
عتبة بن غزوان ن وعمران بن حصين، وأبو برزة الأسلمي، ومعقل بن يسار، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبو زيد الأنصاري، وعبد الله بن الشِخِّيرْ، والحكم وعثمان ابنا أبي العاص وغيرهم (١).
وأشهر من تخرج من مدرسة البصرة الحسن البصري الذي أدرك خمسمائة من الصحابة، ومحمد بن سيرين، وأيوب السختياني، وبهز بن حكيم القشيري، ويونس بن عبيد، وخالد بن مهران الحذاء، وعبد الله بن عون، وعاصم بن سليمان الأحول، وقتادة بن دعامة السدوسي، وهشام بن حسان (٢) وغيرهم.
وأما بغداد فلم تشتهر إلا منذ عهد المنصور العباسي.
٥ - الشَّامُ:
-----------
نزل الشام من الصحابة عدد كبير كانوا في جيش الفتح الإسلامي، وقد استوطن أكثرهم المدن الكبرى بادئ الأمر، ثم ما لبث سكان القرى أن تمسكوا ببعضهم عندما شعروا بالفائدة العلمية الكبرى التي حملها إليهم المسلمون، ومن الصعب حصر عدد الصحابة الذين حلوا في بلاد الشام، ولكن الوليد بن مسلم يقرب هذا لنا فيقول: «دَخَلَتْ الشَّامَ عَشْرَةُ آلاَفِ عَيْنٍ رَأَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ » (٣). وكان يزيد بن أبي سفيان قد كتب إلى عمر بن الخطاب ليعينه بالعلماء، ليفقهوا أهل الشام (٤)، فأرسل إليه معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبا الدرداء - الذين توزعوا في بلاد الشام، فأقام عبادة
стр. 176
في حمص، وأبو الدرداء في دمشق، ومعاذ في فلسطين، ثم أرسل عمر بعد هؤلاء عبد الرحمن بن غنم (١).
ونشطت الحركة العلمية في بلاد الشام وخاصة في دمشق أيام الأمويين، وما زال بها فقهاء ومحدثون ومقرئون (٢)، وانتشر فيها العلماء حتى أضحت قرية داريا حاضرة العلم والأدب في غوطة دمشق، ويقول السمعاني: «إِنَّهُ كَانَ فِي دَارْيَا جماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ قَدِيمًا وَحَديثًا، وَمِمَّنْ نَبَغَ فِيهَا مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدٍ الأَزْدِيَّ الدَّارَانِيَّ، وَيُعَدُّ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ» (٣).
وقد نزل بلاد الشام غير الصحابة المذكورين أبو عبيدة بن الجراح، وبلال بن رباح وشرحبيل بن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض بن غنم، والفضل بن العباس بن عبد المطلب - وهو مدفون بالأردن -، وعوف بن مالك الأشجعي، والعرباض بن سارية (٤) وغيرهم.
وتخرج على أيدي الصحابة في هذه المدرسة كبار علماء الشام من التابعين منهم سالم بن عبد الله المحاربي قاضي دمشق، وأبو إدريس الخولاني (عائذ بن عبد الله) الذي تولى القضاء بدمشق لمعاوية وابنه يزيد، ومنهم أبو سليمان الداراني، قاضي دمشق لعمر بن عبد العزيز، وليزيد وهشام ابني عبد الملك، قضى لهم ثلاثين سَنَةً، ومنهم عُمير بن هانئ العنسي الداراني المُحَدِّثُ (٥).
стр. 177
وتخرج في هذه المدرسة عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، الذي يقرن بمالك وأبي حنيفة ويلقب بإمام أهل الشام، ومكحول الدمشقي، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حيوة (١)، وبحير بن سعد الكلاعي، وثور بن يزيد الكلاعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر (٢) وغيرهم.
٦ - مِصْرُ:
-----------
دخل المسلمون مصر في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وكان معه من الصحابة عدد كبير منهم الزبير بن العوام، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، والمقداد بن الأسود، كانوا على رأس المدد الذي أرسله عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص (٣)، كما كان معه عبد الله بن عمرو: أحد الصحابة المكثرين عن رسول الله ﵊ والذي كان يُدَوِّنُ الحديث بين يدي رسول الله ﷺ ، فقد مكث بمصر إلى ما بعد وفاة والده، وعنه روى كثير من مُحَدِّثِيهَا.
ونزل مصر من الصحابة عقبة بن عامر الجهني، وخارجة بن حذافة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وَمَحْمِيَّةُ بْنُ جَزْءٍ، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأبو بصرة الغفاري، وأبوسعد الخير، ومعاذ بن أنس الجهني، ومعاوية بن حُديج، وزياد بن الحارث الصدائي وغيرهم (٤).
وتخرج على أيدي هؤلاء في هذه المدرسة، يزيد بن أبي حبيب مُحَدِّثُ
стр. 178
الديار المصرية، وعمر بن الحارث، وخير بن نعيم الحضرمي، وعبد الله بن سليمان الطويل، وعبد الرحمن بن شريح الغافقي، وحيوة بن شريح التجيبي، وغيرهم، وقد كان ليزيد بن أبي حبيب أثر بعيد في نشر الحديث في مصر، فقد تتلمذ عليه الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة (١) اللذان تتلمذ عليهما خلق كثير، وكانا في عصرهما مُحَدِّثِي الديار المصرية.
٧ - المَغْرِبُ وَالأَنْدَلُسَ:
----------------------
كان عمرو بن العاص قد وصل إلى برقة وطرابلس سَنَةَ (٢١ هـ) في عهد عمر بن الخطاب، فاستأذن عمرو الخليفة بفتح إفريقية فلم يأذن له، فاستجاب لأمر أمير المؤمنين وعاد إلى مصر، فكان عمرو وأصحابه أول المسلمين الذين دخلوا أطراف المغرب، وعندما تولى عثمان ﵁ الخلافة أذن لأمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بغزو إفريقية، وكان ذلك سَنَةَ (٢٥ هـ) ثم أمده بجيش من المدينة فيه جماعة من الصحابة، منهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن جعفر، والحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير، ولقيهم عقبة بن نافع ببرقة، فتابعوا فتح البلاد (٢)، ثم خرج لفتح المغرب مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ سَنَةَ (٣٤ هـ) وكان في غزاته هذه جماعة من المهاجرين والأنصار (٣)، وقال سليمان بن يسار: «غَزَوْنَا إِفْرِيقِيَّةَ مَعَ ابْنِ حُدَيْجٍ وَمَعَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ بَشَرٌ كَثِيرٌ» (٤). ثم ولي عقبة بن نافع المغرب، وكان في جيشه كثير من الصحابة والتابعين وهو الذي فتح المغرب الأقصى ووطد أركان الإسلام في شمال إفريقية (٥).
стр. 179
وقد نزل إفريقية من الصحابة غير الذين ذكرناهم مسعود بن الأسود البلوي أحد الصحابة الذين بايعوا الرسول ﷺ تحت الشجرة، والمسور بن مخرمة، والمقداد بن الأسود الكِنْدِي أحد الصحابة السابقين (١)، وبلال بن الحارث بن عاصم المُزَنِيِّ صاحب لواء مزينة يوم الفتح، وجبلة بن عمرو بن ثعلبة أخو أبي مسعود البدري، كان فاضلاً من فقهاء الصحابة، وسلمة بن الأكوع الصحابي المشهور وغيرهم كثير (٢).
ودخل إفريقية من التابعين خلق كثير منهم السائب بن عامر بن هشام ومعبد أخو عبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن الأسود، وعاصم بن عمر بن الخطاب، وعبد الملك بن مروان، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وسليمان بن يسار فقيه المدينة، وعكرمة مولى ابن عباس (٣)، وأبو منصور والد يزيد بن منصور من كبار التابعين، كما أرسل عمر بن عبد العزيز عشرة من التابعين يفقهون أهل إفريقية منهم: حبان بن أبي جبلة، وإسماعيل بن عبيد الله الأعور، وإسماعيل بن عبيد (٤)، وعبد الرحمن بن رافع التنوخي الذي ولي قضاء إفريقية، وسعيد بن مسعود التجيبي وغيرهم (٥) ممن ساهموا في نشر الإسلام وتعليم أبناء البلاد وتفقيههم.
стр. 180
وقد تخرج على أيدي هؤلاء من أهل إفريقية خلق كثير منهم: زياد بن أنعم المعافري، وعبد الرحمن بن زياد، ويزيد بن أبي منصور، والمغيرة بن أبي بردة، ورفاعة بن رافع، وعمرو بن راشد بن مسلم الكناني، وعمران بن عبد المعافري، والمغيرة بن سلمة، ومسلم بن يسار الإفريقي، وغيرهم ممن حمل لواء العلم (١).
وما لبثت مدينة القيروان أن أضحت محط أنظار أهل المغرب فكان فيها سحنون بن سعيد، وسعيد بن محمد الحداد (٢). كما لمعت قرطبة وإشبيلية وغرناطة وبلنسية، من بلدان الأندلس في مطلع القرن الثالث الهجري بيحيى بن يحيى وابن حبيب، وببقي بن مخلد وغيرهم (٣).
٨ - اليَمَنُ:
------------
كان رسول الله ﷺ قد وجه معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن، كما نزل غيرهما من الصحابة فيها، وتخرج في اليمن علماء من ألمع التابعين، منهم همام ووهب بنا منبه، وطاوس وابنه، ثم معمر بن راشد، ثم عبد الرزاق بن همام وأصحابه (٤).
٩ - خُرَاسَانُ:
-------------
نزل خراسان من الصحابة وتوفي بها بُرَيْدَةُ بن الحصيب الأسلمي وهو مدفون بمرو، وأبو برزة الأسلمي، والحكم بن عمرو الغفاري، وعبد الله بن