← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96178

السنة قبل التدوين

محمد عجاج الخطيب

Полный текст (559 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أَبِي هُرَيْرَةَ أَوَّلاً، فَسَاقَ فِي الحَالِ إِسْنَادَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَ الحَسَنُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» (١). ومن هذا ما ذكرناه عن سيف بن عمر الذي روى خبر وضع سعد بن طريف لحديث «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ ... » (٢). ... [ب] عَلاَمَاتُ الوَضْعِ فِي المَتْنِ: مقدمة: قال الإمام ابن قيم الجوزية: «وَسُئِلْتُ: هَلْ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ [الحَدِيثِ] المَوْضُوعِ بِضَابِطٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْظَرَ فِي سَنَدِهِ؟ فَهَذَا سُؤَالٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ وَإِنَّمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ تَضَلَّعَ فِي مَعْرِفَةِ السَّنَنِ الصَّحِيحَةِ، وَاخْتَلَطَتْ [بِلَحْمِهِ وَدَمِّهِ] وَصَارَ لَهُ فِيهَا مَلَكَةٌ، وَصَارَ لَهُ اخْتِصَاصٌ شَدِيدٌ بِمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآثَارِ وَمَعْرِفَةِ [سِيرَةِ] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَدْيِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَيُخْبِرُ عَنْهُ وَيَدْعُو إِلَيْهِ، وَيُحِبُّهُ وَيَكْرَهُهُ وَيُشْرِعُهُ لِلأُمَّةِ بحيث كَأَنَّهُ مُخَالِطٌ لِلرَّسُولِ ﷺ كَوَاحِدٍ مِنَ أَصَحَابِهِ. فَمِثْلُ هَذَا يَعْرِفُ مِنْ أَحْوَالِ الرَّسُولِ ﷺ وَهَدْيِهِ وَكَلامِهِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ وَمَا لا يَجُوزُ مَا لا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مُتَّبِعٍ مَعَ مَتْبُوعِهِ، [فَإِنَّ] لِلأَخَصِّ بِهِ الحَرِيصَ عَلَى تَتَبُّعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يَصِحُّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ وَمَا لا يَصِحُّ مَا لَيْسَ لِمَنْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ. وَهَذَا شَأْنُ المُقَلِّدِينَ مَعَ أَئِمَّتِهِمْ يَعْرِفُونَ أَقْوَالَهُمْ وَنُصُوصَهُمْ وَمَذَاهِبَهُمْ» (*) وأساليبهم ومشاربهم - ما لا يعرفه غيرهم (٣).

стр. 247

قال ابن دقيق العيد: «وَكَثِيرًا مَا يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ (أَيْ بِالوَضْعِ) بِاعْتِبَارٍ يَرْجِعُ إِلَى المَرْوِيِّ وَأَلْفَاظِ الحَدِيثِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا حَصَلَتْ لَهُمْ بِكَثْرَةِ مُحَاوَلَةِ أَلْفَاظِ النَّبِيِّ ﷺ هَيْئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ وَمَلَكَةٌ يَعْرِفُونَ بِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِهِ وَمَا لاَ يَجُوزُ، ... فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الوَضْعِ مِنْ قَرِينَةِ حَالِ المَرْوِيِّ أَكْثَرُ مِنْ قَرِينَةِ حَالِ الرَّاوِي» (١). ومن القرائن التي تدل على الوضع في المتن: ١ - ركاكة اللفظ في المروي: بحيث يدرك من له إلمام باللغة أن هذا ليس من فصاحة النبي، وقد وضعت أحاديث ركيكة تشهد ألفاظها ومعانيها لوضعها. قال الحافظ ابن حجر: «المَدَارُ فِي الرِّكَّةِ عَلَى رِكَّةِ المَعْنَى، فَحَيْثُمَا وُجِدَتْ دَلَّ عَلَى الوَضْعِ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ رِكَّةُ اللَّفْظِ ; لأَنَّ هَذَا الدِّينَ كُلُّهُ مَحَاسِنُ، وَالرِّكَّةُ تَرْجِعُ إِلَى الرَّدَاءَةِ، أَمَّا رَكَاكَةُ اللَّفْظِ فَقَطْ، فَلاَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى، فَغَيَّرَ أَلْفَاظَهُ بِغَيْرِ فَصِيحٍ، ثُمَّ إِنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَاذِبٌ» (٢). ٢ - فساد المعنى: كالأحاديث التي يكذبها الحس، نحو حديث: «البَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» (٣) و «البَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» (٤)، ومنها سماجة الحديث، وكونه مما يسخر منه كحديث: «لَوْ كَانَ الأَرُزُّ رَجُلا لَكَانَ حَلِيمًا، مَا أَكَلَهُ جَائِعٌ إِلا أَشْبَعَهُ» (٥). قال ابن قيم الجوزية: «فَهَذَا مِنَ السَّمِجِ الْبَارِدِ الَّذِي يُصَانُ عَنْهُ كَلاَمِ العُقَلاَءِ، فَضْلاً

стр. 248

عَنْ كَلاَمِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ» (١)، وحديث: «مَنِ اتَّخَذَ دِيكًا أَبْيَضَ لَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ وَلا سِحْرٌ» (٢)، وكل ما يدل على إباحة المفاسد والسير وراء الشهوات كحديث: «ثَلاثَةٌ تُزِيدُ فِي البَصَرِ: النَّظَرُ إِلَى الخُضْرَةِ، وَالمَاءِ الْجَارِي، وَالوَجْهِ الحَسَنِ» (٣). وحديث «النَّظَرُ إِلَى الوَجْهِ الجَمِيلِ عِبَادَةٌ» (٤). قال ابن قيم الجوزية: «وَكُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ ذِكْرِ حِسَانِ الوُجُوهِ أَوِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، أَوِ الأَمْرِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِمْ، أَوِ الْتِمَاسِ الحَوَائِجِ مِنْهُمْ، أَوْ أَنَّ النَّارَ لا تَمَسَّهُمْ - فَكِذْبٌ مُخْتَلَقٌ، وَإِفْكٌ مُفْتَرَى» (٥). ومن الموضوعات كل حديث تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه كـ «حَدِيثِ عَوَجْ بْنُ عُنُقٍ» الطويل، الذي قصد واضعه الطعن في أخبار الأنبياء، فإن في هذا الحديث: «أَنَّ طُولَهُ كَانَ ثَلاثَةَ آلافِ ذِرَاعٍ وَثَلاثِ مِائَةٍ وَثَلاثَةَ وَثَلاثِينَ وَثُلْثًا، وَأَنَّ نُوحًا لَمَّا خَوَّفَهُ الْغَرَقُ، قَالَ لَهُ: احْمِلْنِي فِي قَصْعَتِكَ هَذِهِ، وَأَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ [يَصِلْ] إِلَى كَعْبِهِ، وَأَنَّهُ خَاضَ البَحْرَ، فَوَصَلَ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الحُوتَ مِنْ قَرَارِ البَحْرِ فَيَشْوِيهِ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، وَأَنَّهُ قَلَعَ صَخْرَةً عظيمة عَلَى قَدْرِ عَسْكَرِ مُوسَى، وَأَرَادَ أَنْ يَرْمِيهِمْ بِهَا [فَقَوَّرَهَا] (*) اللَّهُ فِي عُنُقِهِ مِثْلَ الطَّوْقِ» (٦). وكذلك كل حديث يشتمل على سخافات لا تصدر عن العقلاء، فكيف تصدر عن رسول الله ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم كحديث: «المَجَرَّةُ التِي فِي السَّمَاءِ مِنْ عَرَقِ الأَفْعَى الَّتِي تَحْتَ العَرْشِ» (٧)، وحديث: «المُؤْمِنُ حُلْوٌ يُحِبُّ الحَلاَوَةَ» (٨).

стр. 249

وحديث «الهَرِيسَةُ تَشُدُّ الظَهْرَ» (١) - كلها وأمثالها من وضع الوضاعين الذين افتروا على رسول الله الكذب، ووضعوا ما يخالف الشريعة وما ينافي رسالة الأنبياء الذين جاءوا يخاطبون أولي الألباب ويأمرون بالمعقول، ولم تكن رسائلهم لتفضيل طعام على طعام، وإثارة الشهوات، ورواية الأساطير، والخرافات، والإتيان بما يرده الحق ويرفضه العقل. وفي هذا كلمة لابن الجوزي قال: «مَا أَحْسَنَ قَوْلَ القَائِلِ: إِذَا رَأَيْتَ الحَدِيثَ يُبَايِنُ المَعْقُولَ أَوْ يُخَالِفُ المَنْقُولَ أَوْ يُنَاقِضُ الأُصُولَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ» (٢). ٣ - ما يناقض نص الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي (٣)، وما يناقض السنة مناقضة بَيِّنَةً: قال ابن قيم الجوزية: «وَمِنْهَا (٤) مُخَالَفَةُ الحَدِيثِ صَرِيحَ الْقُرْآنِ كَحَدِيثِ " مِقْدَارِ الدُّنْيَا وَأَنَّهَا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ " وَيَجِيءُ فِي الأَلْفِ السَّابِعَةِ» (٥). وهذا من أبين الكذب، لأنه لو كان صحيحًا لكان كل أحد عالمًا أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا (٦) مائتان وخمسون سَنَةً. والله تعالى يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي، لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ. ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً. يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٧) وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ

стр. 250

عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١) وقال النبي ﷺ «لاَ يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللَّهُ» (٢). ومما وضع مناقضًا للسنة مناقضة بينة «أَحَادِيثُ مَدْحِ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ أَحْمَدُ وَأَنَّ كُلَّ مَنْ يُسَمَّى بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ لا يَدْخُلُ النَّارَ. وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ دِينِهِ ﷺ : أَنَّ النَّارَ لا يُجَارُ مِنْهَا بِالأَسْمَاءِ وَالأَلْقَابِ، وَإِنَّمَا النَّجَاةُ مِنْهَا بِالإِيمَانِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ» (٣). وجميع الأحاديث التي تنص على وصاية عَلِيٍّ ﵁ أو على خلافته غير صحيحة، وهي موضوعة، لأنها تخالف ما أجمعت عليه الأمة من أنه ﷺ لم ينص على تولية أحد بعده. ٤ - كل حديث يَدَّعِي تواطؤ الصحابة على كتمان أمر، وعدم نقله كما تزعم الشيعة: «أَنَّهُ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ، وَهُمْ رَاجِعُونَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَقَامَهُ بَيْنَهُمْ حَتَّى عَرِفَهُ الجَمِيعُ ثُمَّ قال: "هَذَا وَصِيِّي وَأَخِي وَالْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا " ثُمَّ اتَّفَقَ الكُلُّ عَلَى كِتْمَانِ ذَلِكَ وَتَغْيِيرِهِ، وَمُخَالَفَتِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ» (٤). ٥ - كل حديث يخالف الحقائق التاريخية التي جرت في عصر الرسول ﷺ ، أو اقترن بقرائن تثبت بطلانه، مِثْلَ «حَدِيثِ وَضْعِ الجِزْيَةِ عَنْ أَهْلِ خَيْبَرَ»، كذب من عدة وجوه:

стр. 251

أحدها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق. الثاني: أن الجزية لم تكن نزلت حينئذٍ، ولا يعرفها الصحابة ولا العرب وإنما نزلت بعد عام تبوك، حين وضعها النبي ﷺ على نصارى نجران ويهود اليمن ... وَبَيَّنَ ابن قيم الجوزية كذب هذا في عشرة أدلة قوية (١). ومثاله ما رواه الإمام مسلم بسنده عَنْ أَبِي وَائِلٍ قال: «خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ»، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ -: «أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ المَوْتِ؟» (٢) فابن مسعود تُوُفِّيَ قبل صِفِّينَ سَنَةَ ٣٢ هجرية. ٦ - «أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ أَمْرٍ جَسِيمٍ كَحَصْرِ العَدُوِّ لِلْحَاجِّ عَنْ البَيْتِ، ثُمَّ لاَ يَنْقُلُهُ مِنْهُمْ إِلاَّ وَاحِدٌ، لأَنَّ العَادَةَ جَارِيَةٌ بِتَظَاهُرِ الأَخْبَارِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَيُمَثِّلُهُ الأُصُولِيُّونَ بِقَتْلِ الخَطِيبِ عَلَى المِنْبَرِ، وَلاَ يَنْقُلُهُ إِلاَّ وَاحِدٌ مِنَ الحَاضِرِينَ» (٣). ٧ - «مُوَافَقَةُ الحَدِيثِ لِمَذْهَبِ الرَّاوِي، وَهُوَ مُتَعَصِّبٌ مُغَالٍ فِي تَعَصُّبِهِ، كَأَنْ يَرْوِي رَافِضِيٌّ حَدِيثًا فِي فَضَائِلِ أَهْلِ البَيْتِ، أَوْ مُرْجِئٌ حَدِيثًا فِي الإِرْجَاءِ، مِثْلَ مَا رَوَاهُ حَبَّةُ بْنُ جُوَيْنٍ قَالَ: «سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ قَالَ: " عَبَدْتُ اللهَ مَعَ رَسُولِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْبُدَهُ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَمْسَ سِنِينَ أَوْ سَبْعَ سِنِينَ "، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: " كَانَ حَبَّةُ غَالِيًا فِي التَشَيُّعِ، وَاهِيًا فِي الحَدِيثِ "» (٤).

стр. 252

٨ - اشتمال الحديث على مجازفات وإفراط في الثواب العظيم مقابل عمل صغير، مثال ذلك: «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، خَلَقَ اللهُ لَهُ طَائِرًا لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ، سَبْعُونَ أَلْفَ لُغَةٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ». و «مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، أُعْطِيَ فِي الجَنَّةِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَدِينَةٍ، فِي كُلِّ مَدِينَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ سَبْعُونَ أَلْفَ حَوْرَاءَ». وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين: إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقًا قصد التنقيص بالرسول ﷺ (١). وإلى جانب هذه القواعد، فقد تكونت عند أكثر العلماء ملكة خاصة، نتيجة لدراستهم حديث رسول الله ﷺ ، وحفظه ومقارنة طرقه، فأصبحوا يعرفون - لكثرة ممارستهم هذا - ما هو كلام الصادق المصدوق وما ليس من كلامه، وفي هذا يقول ابن الجوزي: «الحَدِيثُ المُنْكَرُ يَقْشَعِرُّ لَهُ جَلْدُ الطَّالِبِ لِلْعِلْمِ، وَيَنْفِرُ مِنْهُ قَلْبُهُ فِي الغَالِبِ» (٢)، ويقول الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ - أَحَدُ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ -: «إِنَّ مِنَ الحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ النَّهَارِ نَعْرِفُهُ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ نَعْرِفُهُ بِهَا» (٣). هذه أهم القواعد التي وضعها جهابذة علم الحديث لتمييز الموضوع من

стр. 253

الصحيح، كما أنهم بحثوا بدقة تامة عن الأحاديث الموضوعة، وصنفوها حتى تعرف لأهل العلم ولا تشتبه عليهم، ونلاحظ أن هذه القواعد تناولت الحديث سَنَدًا وَمَتْنًا، فلم تقتصر جهود العلماء على نقد سند الحديث فقط دون متنه، كما ادعى بعض المستشرقين وَأَيَّدَهُمْ في ذلك بعض الكاتبين المسلمين، وسنستعرض بعض آرائهم في هذا الموضوع، ليظهر لنا بطلان ما ادعوا وزيف ما زعموا على ضوء ما بَيَّنَّاهُ. ***

стр. 254

الفَصْلُ الثَّالِثُ: آرَاءُ بَعْضِ المُسْتَشْرِقِينَ وَأَشْيَاعَهُمْ فِي السُنَّةِ وَنَقْدِهَا: أَوَّلاً - رَأْيُ جُولدْتْسِيهِرْ: يقول الدكتور علي حسن عبد القادر: «وهنا مسألة جد خطيرة، نجد من الخير أن نعرض لها ببعض التفصيل، وهي (وضع الحديث) في هذا العصر، ولقد ساد إلى وقت قريب في أوساط المستشرقين الرأي القائل: " بأن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني، وأنه ليس صحيحًا ما يقال من أنه وثيقة للإسلام في عهده الأول عهد الطفولة، ولكنه أثر من آثار جهود الإسلام في عصر النضوج»، ويقول في الهامش: «هذا الرأي الذي ننقله هو رأي جولدتسيهر في كتابه " دراسات إسلامية "» (١). وقد انتشر رأي (جولدتسيهر) هذا في الغرب والشرق وأصبح من مُسَلَّمَاتِ البحث عند المستشرقين، كما أن (جولدتسيهر) نفسه بَيَّنَ رأيه في السُنَّةِ واضحًا في كتابه " العقيدة والشريعة في الإسلام "، فقد قال: «ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعة للأجيال المتأخرة وحدها، بل هناك أحاديث عليها طابع القِدَمِ، وهذه إما قالها الرسول، أو هي من عمل رجال الإسلام القدامى، ولكن من ناحية أخرى فإنه ليس من السهل تَبَيُّنُ هذا الخطر المتجدد عن بعد الزمان والمكان من المنبع الأصلي،

стр. 255

بأن يخترع أصحاب المذاهب النظرية والعملية أحاديث لا يرى عليها شائبة في ظاهرها، ويرجع بها إلى الرسول وأصحابه. فالحق أن كل فكرة، وكل حزب وكل صاحب مذهب، يستطيع دعم رأيه بهذا الشكل، وأن المخالف له في الرأي يسلك أَيْضًا هذا الطريق، ومن ذلك لا يوجد في دائرة العبادات أو العقائد أو القوانين الفقهية أو السياسية مذهب أو مدرسة لا تعزز رأيها بحديث أو بجملة من الأحاديث ظاهرها لا تشوبه أية شائبة. ولم يستطع المسلمون أنفسهم أن يخفوا هذا الخطر، ومن أجل هذا وضع العلماء علمًا خاصًا له قيمته، وهو علم نقد الحديث، لكي يفرقوا بين الصحيح وغير الصحيح من الأحاديث، إذا أعوزهم التوفيق بين الأقوال المتناقضة، ومن السهل أن يفهم أن وجهات نظرهم في النقد ليست كوجهات النظر عندنا، تلك التي تجد مجالاً كبيرًا في النظر في تلك الأحاديث التي اعتبرها النقد الإسلامي صحيحة غير مشكوك فيها، ووقف حيالها لا يحرك ساكنًا. ولقد كان من نتائج هذه الأعمال النقدية الاعتراف بالكتب الستة أصولاً، وكان ذلك في القرن السابع الهجري، فقد جمع فيها علماء من رجال القرن الثالث الهجري أنواعًا من الأحاديث كانت مبعثرة، رأوها أحاديث صحيحة» (١). إن سوء ظن هذا الباحث في السُنَّةِ ظهر في طيات كتابه المذكور، في أبحاث ونقاط كثيرة، وإنما استشهدتُ ببعض ما يتناول بحثنا، ويتجلى لنا مما أوردت عن جولدتسيهر ما يلي: ١ - يرى أن أكثر الحديث نتيجة للتطور الإسلامي السياسي والاجتماعي أي أنه موضوع.

стр. 256

٢ - يرى أن رجال الإسلام القدامى (الصحابة والتابعين) كان لهم يد في وضع الأحاديث. ٣ - إن بُعْدَ الزمان والمكان من عهد الرسالة يسمح لأصحاب المذاهب أن ينتحلوا الأحاديث لدعم مذاهبهم، بل ما من مذهب نظري أو عملي إلا وقد عزز رأيه في مختلف النواحي العقائدية أو الفقهية أو السياسية حتى في العبادات بأحاديث ظاهرها لا تشوبه أية شائبة. ٤ - وجهة نظر النقاد المسلمين تختلف عن وجهة نظر النقاد الأجانب الذين لا يسلمون بصحة كثير من الأحاديث التي قرر المسلمون صحتها. ٥ - يصور " الكتب الستة " بأنها ضم لأنواع من الأحاديث التي كانت مبعثرة رأى جامعوها أنها صحيحة. هذ النقاط الخمسة هي خلاصة رأي جولدتسيهر في الوضع والنقد، وله آراء كثيرة متفرقة خارجة عن إطار بحثنا (١)، وسنناقش هذه النقاط بإيجاز على ضوء ما سبق أن أثبتناه. [١]- إن ما ادعاه من أن أكثر الحديث نتيجة للتطور غير صحيح، لأن المسلمين منذ القرن الأول ومن عهد الصحابة كانوا يتثبتون في قبول الأحاديث، وكانوا يتتبعون الكذابين والوضاعين، وعرفوا الأحاديث الموضوعة والصحيحة. ثم إن القرآن الكريم قد جاء بالقواعد الكلية التي تناسب كل زمان ومكان ولم يتعرض للجزئيات وطرق تنفيذها التي يمكن أن تتبدل وتتغير حسب البيئة والزمان دون أن تؤثر على القواعد الكبرى والأهداف العليا للإسلام، وترك

стр. 257

الله تعالى للحكام وسائل التطبيق والتنفيذ في ظلال الكتاب والسنة والأصول التي تليها. فالمسلمون ليسوا بحاجة إلى اختلاق أحاديث تبرر ما يقومون به نتيجة لحياتهم الجديدة، فقد كفاهم الله هذا بما شرعه لهم من أسس وقواعد خالدة إلى يوم الدين، رضيها لهم ورضوها لأنفسهم، وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (١). [٢]- يرى أن رجال الإسلام القدامى لهم يد في الوضع. فمن هم رجال الإسلام القدامى إذا لم يكونوا الصحابة والتابعين؟ فإذا كان قصدهم فإننا قد بَيَنَّا فيما سبق احتراز الصحابة عن ذلك وعدم انغماس كبار التابعين في حمأة الوضع فلا داعي للتكرار. [٣]- إذا كان بعض أهل الأهواء قد استجازوا الكذب على رسول الله ﷺ لدعم أهوائهم فهذا لا يعني قط أن أصحاب المذاهب الفقهية والسياسية والعقائدية قد اختلقوا الأحاديث لدعم مذاهبهم، ثم لِمَ يَظُنُّ السوء بهذه المذاهب؟ وَلِمَ يَدَّعِي كذبها ووضعها بعض الأحاديث؟ يجب أن يعلم كل إنسان أن الاختلافات الفقهية بين الصحابة أو الفقهاء لم يكن مردها هوى في النفس أو تعصبًا في الرأي، وإنما كانت لأسباب كثيرة أهمها أن بعض الأحاديث وصلت إلى الأئمة دون بعض فحكموا بها، أو أنها وصلتهم ولكنها ثبتت عند بعضهم ولم تثبت عند الآخرين، أو أنها ثبتت عند الجميع واختلفوا في الاستنباط منها وما إلى هذا (٢)، فالفقهاء جَمِيعًا متفقون على اتباع سُنَّةِ الرسول ﷺ . فهل يعقل

стр. 258

من هؤلاء أن يكذبوا على رسول الله ﵊ لدعم مذاهبهم!؟ وإنما قامت مذاهبهم على القرآن الكريم والسنة المطهرة، وشربت من ينبوع الرسول الصافي ﵊. إن تعميم جولدتسيهر لم يبن على دراسة موضوعية للمذاهب الفقهية والعقائدية بل اكتفى بما وجده عند أهل الأهواء من الأحاديث الموضوعة، أو بما رآه في كتب بعض أتباع المذاهب الفقهية التي دُسَّ فيها بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، ثم ألصق هذا بأصحاب هذه المذاهب جريًا وراء هواه، لدعم رأيه في وضع أكثر الأحاديث. [٤]- إن وجهة نظر النقاد المسلمين مبنية على القواعد والأصول التي وضعوها في نقدهم، وقد رأينا دقتها وعرفنا قيمتها، فمن الطبيعي أن تختلف عن وجهة نظر النقاد الأجانب، الذين لا يؤمنون برسالة محمد ﷺ ولا يعتقدون الإيحاء إليه، فنحن مختلفون معهم من نقطة البداية، لأن كثيرًا من الأحاديث التي تتناول العقائد والغيبيات سلمنا بصحتها بعد التحقيق العلمي، وسلمنا بكل ما جاء فيها لأنها عن الصادق المصدوق، فاختلاف وجهة نظرهم لا يضيرنا ما دمنا قد سلكنا في نقدنا وبحثنا أسلم طرق البحث العلمي وأدقها، وقد شهد لنا بذلك المنصفون منهم. [٥]- أما رأيه في " الكتب الستة ": أنها مجموعة من الأحاديث التي ضمنها مؤلفوها بعد أن كانت مبعثرة في القرن الثالث، ورأوا أنها صحيحة، فهذا رأي مردود، فيه إنكار لجهود العلماء الجبارة التي بذلوها خلال القرن الأول والثاني في سبيل صيانة السنة وحفظها، فالسنة لم تكن مبعثرة متفرقة، بل كان معظمها عَمَلِيًّا، يطبقه المسلمون، ويقيمون تعاليم رسول الله ﷺ على

стр. 259

هداه، ولم يقتصر هذا على عهد الصحابة والتابعين، أو على موطن الإسلام الأول، بل انتشرت سُنَّةُ رسول الله ﵊ في القرن الأول والقرون التالية، وذاعت في الآفاق عندما حرر المسلمون الأوائل البلاد المجاورة من طغيان الحكام، وانتقلت السُنَّةُ العملية والقولية والتقريرية، جيلاً بعد جيل، تحفظًا صدور الحفاظ وصحفهم إلى أن جمعت في كتب مصنفة، وفي أجزاء مبوبة في منتصف القرن الثاني الهجري على أيدي كبار العلماء والحفاظ، وإن ما جمعه البخاري ومسلم وغيرهما في القرن الثالث لم يكن مُبَعْثَرًا، وإنما اختير من ألوف الأحاديث التي كانت عند الحفاظ متوخين الأحاديث الصحيحة وسيتضح هذا لنا جَلِيَّا عندما نتكلم عن تدوين السنة. ثَانِيًا - رَأْيُ غَاسْتُونْ وَيَتْ: كاتب مقال (الحديث) في التاريخ العام للديانات. أورد غاستون ويت رأي جولدتسيهر السابق وأيده (١)، ونعرض لنقد الحديث فقال: «وقد درس رجال الحديث السنة بإتقان إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى (السند) ومعرفة الرجال، والتقائهم وسماع بعضهم من بعض ... »، ثم يقول: «لقد نقل لنا الرواة حديث الرسول مشافهة، ثم جمعه الحفاظ ودونوه، إلا أن هؤلاء لم ينقدوا " المتن " ولذلك لسنا متأكدين من أن الحديث قد وصلنا كما هو عن رسول الله من غير أن يضيف إليه الرواة شيئًا عن حسن نية في أثناء روايتهم الحديث، ومن الطبيعي أن يكونوا قد زادوا شيئًا عليه في أثناء

стр. 260

روايتهم (لأنه كان بالمشافهة)، ومهما كان هذا الرأي صحيحًا فإن المسلمين يقبلون الحديث على أنه كلام صحيح» (١). ... ثَالِثًا - رَأْيُ الأَسْتَاذِ أَحْمَدْ أَمِينْ: قال: «وَقَدْ وَضَعَ عُلَمَاءُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ قَوَاعِدَ لَيْسَ هُنَا مَحَلُّ ذِكْرِهَا وَلَكِنَّهُمْ - وَالحَقُّ يُقَالُ - عَنُوا بِنَقْدِ الإِسْنَادِ أَكْثَرَ مِمَّا عَنُوا بِنَقْدِ المَتْنِ، فَقَلَّ أَنْ نَظْفَرَ مِنْهُمْ بِنَقْدٍ مِنْ نَاحِيَةٍ أَنَّ مَا نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لاَ يَتَّفِقُ وَالظُّرُوفَ التِي قِيلَتْ فِيهِ، أَوْ أَنَّ الحَوَادِثَ التَّارِيخِيَّةَ الثَّابِتَةَ تُنَاقِضُهُ، أَوْ أَنَّ عِبَارَةَ الحَدِيثِ نَوْعٌ مِنَ التَّعْبِيرِ الفَلْسَفِيِّ يُخَالِفُ المَأْلُوفَ فِي تَعْبِيرِ النَّبِيِّ، أَوْ أَنَّ الحَدِيثَ أَشْبَهُ فِي شُرُوطِهِ وَقُيُودِهِ بِمُتُونِ الفِقْهِ وَهَكَذَا، وَلَمْ نَظْفَرْ مِنْهُمْ فِي هَذَا البَابِ بِعُشْرِ مِعْشَارِ مَا عَنُوا بِهِ مِنْ جَرْحِ الرِّجَالِ وَتَعْدِيلِهِمْ حَتَّى نَرَى البُخَارِيَّ نَفْسَهُ - عَلَى جَلِيلِ قَدْرِهِ وَدَقِيقِ بَحْثِهِ - يُثْبِتُ أَحَادِيثَ دَلَّتْ الحَوَادِثُ الزَّمَنِيَّةُ وَالمُشَاهَدَةُ التَّجْرِيبِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ، لاقْتِصَارِهِ عَلَى نَقْدِ الرِّجَالِ، كَحَدِيثِ: «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» وَحَدِيثِ «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ» (٢). إن ما ذكره (غاستون ويت) والأستاذ أحمد أمين - فيه حيف وظلم للجهود التي بذلها علماء السنة لحفظ الحديث الشريف وتخليصه من كل ما يشوبه، فإن علماء الجرح والتعديل تناولوا نقد سند الحديث كما تناولوا نقد متنه، وإن الجهود التي بذلوها في نقد المتن لا تقل عن جهودهم في نقد السند، وقد لمسنا تلك

стр. 261

الجهود حينما استعرضنا القواعد التي وضعوها لتمييز الموضوع من الصحيح. ونستطيع أن نرد على كل من يدعي أن نقد العلماء كان مُنْصَبًّا على (السند) دون (المتن) بأنهم - كما وضعوا علامات لتمييز السند الضعيف من السند الصحيح - وضعوا علامات تمييز متن الخبر الموضوع عن غيره، وهذه العلامات ثمانية للمتن وأربعة للسند، كما ثبت لدينا، فهل بقيت مع هذا حُجَّةٌ لدعم ذلك الزعم!؟. وأما ما ادعاه (غاستون ويت) من زيادة الرواة شيئًا على مَا يَرْوُونَهُ عن حسن نية، فهذا مدفوع بما حققه العلماء في أبحاثهم الدقيقة عن زيادة الراوي شيئًا على الخبر، وَبَيَّنُوا أن هذه الزيادة قد تكون في المتن أو في الإسناد (١)، وما يضيفه الراوي يسمى (المُدْرَجَ)، والإدراج على الحقيقة إنما يكون في المتن، وبينوا صور المدرج ونصوا على كثير من إدراجات الرواة، فلم يلتبس على علماء الأمة المدرج، بل عرفوا كل ذلك. ومعظم ما أدرج كان نتيجة لتفسير الشيخ، يسمعه الطالب فيظنه من الحديث. وقد عرف العلماء هذا، وَبَيَّنُوا أن ما يقع من الراوي خطأ من غير عمد فلا حرج على المخطئ، إلا إن كثر خطؤه، فيكون جَرَحًا في ضبطه وإتقانه (٢)، ويعرف ما أدرجه الراوي بإقراره، أو بمقارنة طرق الخبر، فيتبين بهذه المقارنة ما أدرج من قبل الراوي. وقد عرف النقاد هذا كله ونصوا عليه. وأما ما قاله الأستاذ أحمد أمين من أن «البُخَارِيَّ نَفْسَهُ - عَلَى جَلِيلِ قَدْرِهِ

стр. 262

وَدَقِيقِ بَحْثِهِ - يُثْبِتُ أَحَادِيثَ دَلَّتْ الحَوَادِثُ الزَّمَنِيَّةُ وَالمُشَاهَدَةُ التَّجْرِيبِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ، لاقْتِصَارِهِ عَلَى نَقْدِ الرِّجَالِ ... ». فهذا حُكْمٌ لا نوافقه عليه ولا نقول به، لأن ما استشهد به لدعم رأيه لا يثبت هذا بل يعارضه، بل إن حديث «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» صحيح، وقد فهمه الأستاذ فهمًا مخالفًا للحقيقة، وذهب في تأويله مذهبًا بعيدًا كل [البُعْدِ] عن الصواب، فقد رُوِيَ هذا الحديث من طرق عدة فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًا، فالمراد من الحديث أنه عند انقضاء مائة سَنَةٍ من قول رسول الله ﷺ لن يبقى أحد ممن كان مَوْجُودًا في عهده ﵊ لأنه لم يبق أحد ممن كان في عهده ﵊ أكثر من مائة عام، فكل ما في الأمر أن رسول الله ﷺ بَيَّنَ لأصحابه أنهم لن يعمروا كما عمر من قبلهم من الأمم (١)، ولذلك عليهم أَنْ يَجِدُّوا في طاعاتهم، ويعملوا في دنياهم لآخرتهم وليس في هذا ما يخالف الحوادث الزمنية والمشاهدات التجريبية، ويقول الدكتور مصطفى السباعي: «فَأَنْتَ تَرَىَ أَنََّ هَذَا الحَدِيثَ الذِي كَانَ فِي الوَاقِعِ مُعْجِزَةً مِنْ مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ ﷺ يَنْقَلِبُ فِي مَنْطِقِ النَّقْدِ الجَدِيدِ الذِي دَعَا إِلَيْهِ صَاحِبُ " فَجْرِ الإِسْلامِ " إِلَى أَنْ يَكُونَ مَكْذُوبًا مُفْتَرَىً!» (٢). وأما حديث «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ

стр. 263

اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ». فقد أخرجه الإمام البخاري في (كتاب الطب) (١) كما أخرجه الإمام مسلم (٢) والإمام أحمد (٣)، وقد بَيَّنَ العلماء هذا الحديث فمنهم من خَصَّصَهُ بتمر المدينة اعتمادًا على الأحاديث المقيدة بذلك، ومنهم من أطلقه، (والذي ارتضاه الأكثرون تخصيصه بعجوة المدينة)، قال ابن القيم في " زاد المعاد ": «[وَهُوَ غِذَاءٌ] فَاضِلٌ حَافِظٌ لِلصِّحَّةِ، لاَ سِيَّمَا لِمَنِ اعْتَادَ الْغِذَاءَ بِهِ ... وَنَفَعَ هَذَا العَدَدُ مِنْ [هَذَا] التَّمْرِ مِنْ هَذَا البَلَدِ مِنْ هَذِهِ البُقْعَةِ بِعَيْنِهَا - مِنَ السُّمِّ وَالسِّحْرِ، بِحَيْثُ تَمْنَعُ إِصَابَتُهُ - مِنَ الخَوَاصِّ التِي لَوْ قَالَهَا أَبُقْرَاط وَجَالِينُوسْ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الأَطِبَّاءِ، لَتَلَقَّاهَا عَنْهُمُ الأَطِبَّاءُ بِالقَبُولِ وَالإِذْعَانِ وَالانْقِيَادِ، مَعَ أَنَّ القَائِلَ إِنَّمَا مَعَهُ الحَدْسُ وَالتَّخْمِينُ وَالظَّنُّ، فَمَنْ كَلاَمُهُ كُلُّهُ يَقِينٌ وَقَطْعٌ وَبُرْهَانٌ، وَوَحْيٌ أَوْلَى أَنْ تُتَلَقَّى أَقْوَالُهُ بِالقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَتَرْكِ الاعْتِرَاضِ». «هَذَا خُلاَصَةُ مَا ذَكَرُوهُ فِي هَذَا المَقَامِ، وَالذِي أَرَاهُ أَنَّ المُبَادَرَةَ إِلَى تَكْذيبِ حَديثٍ وَرَفْضِهِ لاَ تَصِحُّ، إلاَّ إذَا وَهُنَ طَرِيقَهُ، أَوْ حَكَمَ العَقْلُ وَالطُّبُّ حُكْمًا قَاطِعًا بِتَكْذيبِهِ وَبُطْلاَنِهِ، وَهَذَا الحَديثُ قَدْ صَحَّ سَنَدُهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ عَنْ أَئِمَّةِ الحَديثِ، وَرَوَاهُ ثِقَاتٌ عُدُولٌ لاَ مَجَالَ لِتَكْذِيبِهِمْ وَمَتْنُهُ صَحِيحٌ عَلَى وَجْهِ الإِجْمَالِ، إِذْ أَثَبْتَ لِلْعَجْوَةِ فَائِدَةً، وَحَضَّ عَلَى أَكْلِهَا، وَمِنَ المُقَرَّرِ حَتَّى فِي الطُّبِّ الحَديثِ أَنْ العَجْوَةَ مُغَذِّيَةٌ، مُلَيِّنَةٌ لِلْمَعِدَةِ، مُنَشَّطَةٌ لِلْجِسْمِ، مُبِيدَةٌ لِلْدِّيدَانِ المُنْتَشِرَةِ فِيهِ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ الأَمْرَاضَ الدَّاخِلِيَّةََ مِنْ تَعَفُّنِ الأَمْعَاءِ وَاِنْتِشارِ الدِّيدَانِ، سُمُومٌ تُودِي بِحَيَاةِ الإِنْسَانِ إِذَا اِسْتَفْحَلَ أَمْرُهَا. وَإذًا فَالحَديثُ مِنْ حَيْثُ مُعَالَجَةِ العَجْوَةِ لِلْسُمُومِ بِالجُمَلَةِ، صَادِقٌ لاَ غُبَارَ عَلَيْهِ. أَمَا السِّحْرُ فَإذَا ذَهَبْنَا إِلَى أَنَّهُ مَرَضٌ نَفْسِيٌّ، وَأَنَّه يَحْتَاجُ إِلَى عِلاَجِ نَفْسِيٌّ، وَأَنَّ الإِيحَاءَ النَّفْسِيَّ لَهُ أَثَرٌ كَبِيرٌ

стр. 264

فِي شِفَاءِ المرضى بِمِثْلِ تِلْكَ الأَمْرَاضِ، وَإذَا أَخَذْنَا العَجْوَةَ إِلَى أَنَّهَا مُغَذِّيَةُ مُفِيدَةٌ لِلْجِسْمِ، مُقَوِّيَةٌ لِلْبُنْيَةِ، قَاتِلَةً لِلْدِّيدَانِ، قَاضِيَةً عَلَى تَعَفُّنِ الفَضَلاَتِ، وَأَنَّهَا مِنْ عَجْوَةِ المَدِينَةِ، مَدِينَةَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّ هَذَا عِلاَجٌ وَصَفَهُ ﵊، وَهُوَ الذِي لاَ يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى. فَلاَ أَشُكَّ فِي أَنَّ ذَلِكَ يُحْدِثُ أَثرًا طَيِّبًا فِي نَفْسِ المَسْحُورِ ... إِنَّكَ لاَ تَشُكُّ مَعِي فِي أَنَّ إِقْدَامَ مُؤَلِّفِ " فَجْرِ الإِسْلاَمِ " عَلَى القَطْعِ بِتَكْذِيبِ هَذَا الحَدِيثِ جُرْأَةٌ بَالِغَةٌ مِنْهُ، لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُقْبَلَ فِي المُحِيطِ العِلْمِيِِّ بِأََيُّ حَالٍ: مَا دَامَ سَنَدُهُ صَحِيحًا بَلاَ نِزَاعٍ، وَمَا دَامَ مُتْنُهُ صَحِيحًا عَلَى وَجْهِ الإِجْمَالِ، وَلاَ يَضُرُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الطِبَّ لَمْ يَكْتَشِفْ حَتَّى الآنَ بَقِيَّةَ مَا دَلُّ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ العَجْوَةِ، وَيَقِينِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الحِجَازِ مَعَاهِدَ طِبِّيَّةً رَاقِيَةً، أَوْ لَوْ كَانَ تَمْرُ العَالِيَةِ مَوْجُودًا عِنْدَ الغَرْبِيِّينَ، لاسْتَطَاعَ التَّحْلِيلُ الطِّبِّيُّ الحَديثُ أَنْ يَكْتَشِفَ فِيهِ خَوَاصَّ كَثِيرَةً، وَلَعَلَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكْتَشِفَ هَذِهِ الخَاصَّةِ العَجِيبَةِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ اليَوْمَ فَفِي المُسْتَقْبَلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (١).انتهى ما نقلناه عن الدكتور مصطفى السباعي. ولم يكتف الأستاذ أحمد أمين بما ذكرناه، بل حاول أن يستشهد بأحاديث عدة على اكتفاء النقاد بنقد السند دون المتن، إلا أنه لم يوفق إلى إثبات ما ادعى بما استشهد به، وما من حديث استشهد به إلا فَنَّدَ العلماء القول فيه، وبينوا طرقه , وأزالوا كل ما قد يستشكله الباحثون وأهل الأهوء (٢).

стр. 265

الفَصْلُ الرَّابِعُ: أَشْهَرُ مَا أُلِّفَ فِي الرِّجَالِ وَالمَوْضُوعَاتِ: وَهُوَ ثِمَارُ جُهُودِ العُلَمَاءِ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى الحَديثِ. كان لظهور الوضع أثر بعيد في نفوس العلماء حملهم على بذل تلك الجهود العظيمة للمحافظة على الحديث، وكان الوضع من الأسباب القوية التي دفعت العلماء إلى جمع الحديث وتدوينه وتصنيفه، حِرْصًا منهم على صيانته من عبث الوضاعين. وقد عبر الإمام الزهري عن هذا فقال: «لَوْلاَ أَحَادِيثَ تَأْتِينَا مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ نُنْكِرُهَا لاَ نَعْرِفُهَا , مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا وَلاَ أَذِنْتُ فِي كِتَابِهِ» (١). وقد فصلت القول في جمع الحديث الشريف وتصنيفه في الباب الرابع من هذا الكتاب، وفيه يتجلى لنا اهتمام العلماء بجمع الحديث، وتخليصه من الموضوع، ثم حرصهم على تصنيف الصحيح منه. والآن سنستعرض آثار العلماء فيما صنفوه من كتب كان لها الأثر الطيب في حفظ الحديث النبوي، فيما يتناول موضوعنا من الرجال وتاريخهم وأحوالهم، وَكُنَاهُمْ وألقابهم وأنسابهم وضبط أسمائهم، وبيان الثقات والضعفاء منهم، وما ألف في الموضوع وغير ذلك - وإن كان قد ألف بعد هذا العصر - مما كان له فضل في صيانة الحديث. وتعتبر هذه المؤلفات حصنًا منيعًا حول الحديث، تتحطم على جنباته سهام أعداء السُنَّةِ، وستبقى أعظم دليل على اهتمام

стр. 266

المسلمين بِسُنَّةِ رسولهم ﷺ ومساهمتهم في بناء تراث الإنسانية العلمي. وقد اعتنيت بجمع هذه المؤلفات، وحاولت حصرها مما طالعته من المطبوع منها والمخطوط، ومما ذكره السيد محمد الكتاني في كتابه " الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة " الذي ذكر فيه مؤلفات كثيرة في الحديث وعلومه. وما ذكره الأستاذ عمر كحالة في كتابه " معجم المؤلفين "، وما ذكره الأستاذ خير الدين الزركلي في " الأعلام "، وما مَرَّ عَلَيَّ من كُتُبِ بعض علماء الحديث ورواته في طيات تراجمهم مما لم يذكر في هذه الكتب وما وجدته في فهارس دور الكتب - وكان من العسير حصر جميع ما أُلِّفَ في موضوعنا هذا - وإذا بي أمام ثروة علمية ضخمة تُرْبِى عَلَى نيف وخمسين ومائتي مؤلف، ورأيت المقام يضيق عن ذكرها، ولهذا فضلت أن أكتفي بذكر بعض المشهور منها. أَوَّلاً: أَشْهَرُ الكُتُبِ التِي أُلِّفَتْ فِي الصَّحَابَةِ: كان الصحابة والتابعون وأتباعهم يعرفون من له صُحْبَةٌ، وخاصة من عانى منهم نقل الحديث وروايته عن الرسول ﷺ ، وكانوا يحفظون أسماء كثير منهم، وقد حرص العلماء على حصرهم، وبيان مروياتهم وأحوالهم وأوطانهم وتاريخ وفاة كل منهم، وقد جَمَعْتُ قَرِيبًا مِنْ أَرْبَعِينَ مُؤَلَّفًا في الصحابة منها: ١ - " معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان " في خمسة أجزاء للإمام الثقة صاحب التصانيف الكثيرة أبي الحسن علي بن عبد الله المديني (١٦١ - ٢٣٤ هـ) (١).

стр. 267

٢ - " كتاب المعرفة " في مائة جزء وهو في معرفة الصحابة للإمام أبي محمد عبد الله بن عيسى المروزي مفتي مرو وعالمها (٢٢٠ - ٢٩٣ هـ) (١). ٣ - " كتاب الصحابة " في خمسة أجزاء للإمام محمد بن حبان أبي حاتم البُسْتِي (٢٧٠ - ٣٥٤ هـ) (٢). ٤ - " الاستيعاب في معرفة الأصحاب " لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي (٣٦٨ - ٤٦٣ هـ)، وقد طبع في مجلدين بالهند سَنَتَيْ (١٣١٨، ١٣١٩ هـ)، ثم طبع أخيرًا في أربعة أجزاء بمصر، وقد سماه بهذا الاسم ظَنًّا منه أنه استوعب الأصحاب، ولكنه فاته كثير منهم، وفيه خمسمائة وثلاثة آلاف ترجمة (٣). ٥ - " أسد الغابة في معرفة الصحابة " في خمس مجلدات للمؤرخ عز الدين أبي الحسن علي بن محمد (ابن الأثير) (٥٥٥ - ٦٣٠ هـ)، وطبع الكتاب سَنَةَ (١٢٨٦ هـ) (٤) في مصر، وفيه سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسون ترجمة. ٦ - " تجريد أسماء الصحابة " في جزأين للإمام الحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ)، وقد طبع بالهند سَنَةَ (١٣١٠ هـ) (٥).

стр. 268

٧ - " الإصابة في تمييز الصحابة " للإمام شهاب الدين أحمد بن علي الكناني العسقلاني (ابن حجر) صاحب التصانيف الكثيرة (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) وهو أجمع ما كتب في هذا الباب، وقد طبع سَنَةَ (١٨٥٣ م) بالهند، ثم طبع في مصر سَنَةَ (١٣٢٣ هـ) في ثمانية أجزاء، جعلت الستة الأولى منها للأسماء، وفيها (٩٤٧٧) ترجمة والمجلد السابع لِلْكُنَى، وفيه (١٢٥٧) كُنْيَةً، والمجلد الثامن في تراجم النساء، وَهُنَّ (١٥٤٥) ترجمة (١). ٨ - " الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة " للشيخ يحيى بن أبي بكر العامري اليمني (٨١٦ - ٨٩٣ هـ) وقد طبع في (٩٢) صفحة بالهند سَنَةَ (١٣٠٣ هـ) (٢) (*). ٩ - " در السحابة في من دخل مصر من الصحابة " لخاتمة الحفاظ جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ). وهو جزء صغير طبع في أول كتابه " حسن المحاضرة " بمصر سَنَةَ (١٣٢٧ هـ) (**). ١٠ - " البدر المنير في صحابة البشير النذير " للشيخ محمد قائم بن صالح السندي الحنفي القادري، كان حَيًّا قبل سَنَةِ ١١٤٥ هـ، وقد ذكر في كتابه أسماء الصحابة الذين وردت صحبتهم بطريق الرواية أو بما يدل على الصحبة بأي طريق (٣).

стр. 269

وهناك كتب كثيرة استقت من هذه الأصول، كما اختصر بعض العلماء بعض هذه الكتب أو ذيلوا عليها. فهناك ذيول على " الاستيعاب " لابن عبد البر، كـ " ذيل ابن فتحون الأندلسي " (- ٥١٧ هـ)، و " ذيل أبي الحجاج يوسف بن محمد بن مقلد " (- ٥٥٨ هـ)، وغيرها من الذيول والمختصرات (١). كما اختصر الإمام السيوطي كتاب " الإصابة "، وسماه " عين الإصابة في معرفة الصحابة " (٢). ثَانِيًًا: أَشْهَرُ مَا صُنِّفَ فِي تَوَارِيخِ الرِّجَالِ وَأَحْوَالِهِمْ: وإذا انتقلنا إلى أخبار الرواة وأحولهم نرى مصنفات مختلفة المنهج. فمن المحدثين والمؤرخين من صنف كتبه على ترتيب السنين، ومنهم من صنف حسب البلدان، ومنهم من رتب كتبه على الحروف، كما هي الحال في كتب التراجم، وآخرون جعلوا الرجال على طبقات أو أجيال. وتتفاوت هذه المصنفات بين إسهاب واختصار، فنرى الإيجاز في كتب التراجم، والتفصيل في التواريخ الكبيرة كـ " تاريخ دمشق "، و " تاريخ بغداد "، و" تاريخ الإسلام "، وقد جمعت نَيِّفًا وتسعين كتابًا أقتصر على ذكر أشهرها،

стр. 270

فنستعرض أولاً أشهر ما كتب في التاريخ والتراجم التي تناولت أحوال الرجال، ثم نتناول بالبحث كتب الطبقات. [أ] كُتُبٌ فِي تَوَارِيخِ الرِّجَالِ وَأَحْوَالِهِمْ: ١ - " تاريخ الرواة " للإمام يحيى بن معين (١٥٨ ٢٣٣ هـ) وهو مرتب على حروف المعجم (١)، وله أَيْضًا " معرفة الرجال " و " التاريخ والعلل " (٢). ٢ - " التاريخ " في عشرة أجزاء للمحدث النسابة الإخباري خليفة بن خياط الشيباني العصفري (- ٢٤٠ هـ) (٣). ٣ - " التاريخ " للإمام أحمد بن محمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ) (٤). ٤ - " التاريخ الكبير " لسيد الحفاظ وأميرهم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري أبي عبد الله (١٩٤ - ٢٥٦ هـ) وهو تاريخ عظيم ذكر فيه أسماء من رُوِيَ عنه الحديث، وكأنه حاول استيعاب الرواة من الصحابة فمن بعدهم إلى طبقة شيوخه، فبلغ عددهم قريبًا من أربعين ألفًا، بين رجل وامرأة وضعيف وثقة (٥)، وقد قدر شيوخه ومعاصروه تاريخه هذا، حتى إن شيخه الإمام أسحاق بن إبراهيم (ابْنُ رَاهُوَيْهْ) لما رأى التاريخ لأول مرة فرح به كثيرًا، ودخل به على الأمير عبد الله بن طاهر فقال: «أَيُّهَا الأَمِيرُ أَلاَ أُرِيكَ سِحْرًا» (٦). والكتاب في أربعة أجزاء كبيرة، رتبه على حروف

стр. 271

المعجم (١)، وفيه قال التاج السبكي: «إِنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ وَمَنْ أَلَّفَ بَعْدَهُ فِي التَّارِيخِ أَوْ الأَسْمَاءِ أَوْ الكُنَى فَعِيَالٌ عَلَيْهِ» (٢). وطبع " التاريخ الكبير " في ثمان مجلدات في حيدر آباد (٣) سَنَةَ (١٣٦١ - ١٣٦٢ هـ)، وله أَيْضًا " التاريخ الوسط " و" الصغير "، وقد طبع " التاريخ الصغير " بالهند سَنَةَ (١٣٢٥ هـ) وهو ثمانية أجزاء صغيرة في مجلد واحد (٤). ٥ - " التاريخ الكبير " للمؤرخ الأندلسي أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي أبي عمر (٢٨٤ - ٣٥٠ هـ) وهو في المُحَدِّثِينَ، قال ابن الفرضي: «بَلَغَ الغَايَةَ»، وقال ابْنُ خَيِّرْ: «خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ جُزْءًا» (٥). ٦ - " الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد " لأبي النصر أحمد بن محمد بن الحسين الكلاباذي (٣٠٦ - ٣٩٨ هـ) ذكر فيه الذين

стр. 272

خرجهم الإمام البخاري في " جامعه " (١). ٧ - " تاريخ نيسابور " لمحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، المعروف بابن البيع (٣٢١ - ٤٠٥ هـ) قال فيه السبكي: «وَهُوَ عِنْدِي مِنْ أَعْوَدِ التَّوَارِيخِ عَلَى الفُقَهَاءِ بِفَائِدَةٍ، وَمَنْ نَظَرَهُ عَرَفَ تَفَنُّنَ الرَّجُلِ فِي العُلُومِ جَمِيعِهَا» (٢)، وله أَيْضًا " تراجم الشيوخ "، و " تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم " (٣). ٨ - " تاريخ بغداد " لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي الشافعي المعروف بالخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٩٣ هـ) وهو من أجل الكتب وأعودها فائدة، ذكر فيه رجالها ومن ورد إليهم وضم إليه فوائد جمة، وقد رتبه على حروف المعجم، وذكر فيه الثقات والضعفاء والمتروكين، وعليه ذيولات متعددة، وقد طبع بالقاهرة سَنَةَ (١٣٤٩ هـ - ١٩٣١ م) في أربعة عشر جزءًا تضم (٧٨٣١) ترجمة. ٩ - " السابق واللاحق في تباعد ما بين وفاة الراويين عن شيخ واحد " للخطيب البغدادي أَيْضًا (٤).

стр. 273

١٠ - " الجمع بين رجال الصحيحين ": " صحيح البخاري" و " مسلم " للإمام الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني الشيباني (٤٤٨ - ٥٠٧ هـ) جمع فيه بين كتابي أبي نصر الكلاباذي وأبي بكر أحمد بن علي الأصبهاني في رجال " البخاري " و " مسلم ". وطبع الكتاب بالهند سَنَةَ (١٣٢٣ هـ) في (٦٣٨) صفحة في مجلدين (١). وللمؤلف أَيْضًا " تاريخ أهل الشام ومعرفة الأئمة منهم والأعلام " مجلدان و" إيضاح الإشكال فيمن أبهم اسمه من النساء والرجال " (٢) وله " المغني في أسماء رجال الحديث " طبع في آخر " تقريب التهذيب " بالهند سَنَةَ (١٣٢٠ هـ). ١١ - " تاريخ دمشق " في ثمانين مجلدًا أو أكثر (٣)، للحافظ المؤرخ أبي القاسم علي بن الحسين (ابن عساكر) الدمشقي (٤٩٩ - ٥٧١ هـ) وهو كتاب عظيم جامع، وقد اختصره الشيخ عبد القادر بدران بحذف الأسانيد والمكررات وسمى المختصر " تهذيب تاريخ ابن عساكر "، طبع منه سبعة أجزاء في دمشق ابتداء من سَنَةِ (١٣٢٩ هـ). ولابن عساكر أَيْضًا " تاريخ المزة "،

стр. 274

و" معجم النسوان "، و" معجم الشيوخ والنبلاء " (١)، و" المعجم المشتمل على أسماء الكتب الستة "، قال في مقدمته: «فَإِنِّي لَمَّا أَخْرَجْتُ أَحَادِيثَ كُتُبِ السُّنَنِ لِلأَئِمَّةِ الأُوَلِ وَرَتَّبْتُهَا تَرْتِيبًا لاَ يُفْضِي بِالنَّاظِرِ إِلَى السَّآمَةِ وَالمَلَلِ، رَأَيْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَسْمَاءَ شُيُوخِهِمْ الثِّقَاتَ النُّبْلِ، وَأُضِيفَ إِلَيْهَا أَسْمَاءَ شُيُوخِ " البُخَارِيِّ " وَ " مُسْلِمٍ "» (٢). ١٢ - كتاب " الكمال في أسماء الرجال " في مجلدين (٣) للحافظ أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجَمَّاعِيلِي الحَنْبَلِي الدِّمِشْقِي (٥٤١ - ٦٠٠ هـ). ١٣ - " جامع الأصول لأحاديث الرسول " (٤) لمجد الدين أبي السعادات: مبارك بن محمد المعروف بابن الأثير (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ). ١٤ - " المعجم " في تاريخ المحدثين في ثمانية عشر جزءًا. لأبي المظفر عبد الكريم بن منصور السمعاني (٠٠ - ٦١٥ هـ) (٥). ١٥ - " التدوين في ذكر أخبار قزوين " لأبي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (٥٥٧ - ٦٢٣ هـ) ذكر فيه خصائصها، وما ورد فيها من

стр. 275

الأخبار النبوية والآثار، وفي أسمائها، ومن وردها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن عرف بنوع من العلم والدراسة من سكانها وأهلها، ومن توطنها وغيرهم، ورتب التراجم على الحروف وابتدأه بذكر المحمدين تَبَرُّكًا بالرسول ﷺ ، وهو في أربع مجلدات مصورة في دار الكتب المصرية (١). ١٦ - " التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد " للحافظ محمد بن عبد الغني بن أبي بكر معين الدين: (ابن نقطة) الحنبلي البغدادي (- ٦٢٩ هـ) (٢). وقد ذَيَّلَ عليه تقي الدين محمد بن أحمد الحسيني الفاسي المكي المالكي (- ٨٣٢ هـ) (٣). ١٧ - " تهذيب الكمال في أسماء الرجال " للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المِزِّي الدمشقي (٦٥٤ - ٧٤٢ هـ)، وهو تهذيب لما جمعه الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي في كتابه " الكمال في أسماء الرجال ": رجال " البخاري " و " مسلم " و " أبي داود " و " الترمذي " و " النسائي " و " ابن ماجه "، فرتب المِزِّي في " تهذيبه " عامة رواة العلم وَحَمَلَةِ الآثار وعامة المشهورين من كل طائفة من طوائف أهل العلم على حروف المعجم، ثم ذكر أسماء

стр. 276

النساء، وقد استغرق تأليفه من سَنَةِ (٧٠٥ - ٧١٢ هـ) وهو خمسون جزءًا في انثي عشر مجلدًا (١). ١٨ - " تذهيب تهذيب الكمال " (٢) للحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ) وفيه اختصر " تهذيب الكمال " لِلْمِزِّي ثم اختصره أَيْضًا في كتابه " الكاشف عن رجال الكتب الستة "، واقتصر فيه على من له رواية في هذه الكتب، ووضع رُمُوزًا لمن أخرج له من أصحاب " الكتب الستة " أو أحدهم أو بعضهم، وذكر تواريخ وفياتهم، ورتبه على حروف المعجم، وبدأ في حرف الألف بالأحمدين، وفي حرف الميم بالمحمدين، تَشْرِيفًا لاسمه ﵊ (٣). ١٩ - " تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام " للإمام الذهبي أَيْضًا.

стр. 277

جمع فيه بين الحوادث والوفيات ورتبه على السنين، فابتدأه من الهجرة النبوية، وانتهى فيه إلى آخر سَنَةِ (٧٠٠ هـ) وقسمه إلى سبعين طبقة، وجعل كل طبقة عشر سنين، ورتب أسماء كل طبقة على ترتيب حروف المعجم، والحوادث على السنين في ست وثلاثين مجلدًا (١)، طبع منهما في مصر خمسة أجزاء سَنَةَ (١٣٦٧ هـ - ١٩٤٧ م). واختصر الذهبي من " تاريخه " مختصرات منها " سير أعلام النبلاء " في أربعة عشر مجلدًا (٢)، طبع منها الجزءان الأول والثاني بمصر سَنَةَ (١٩٥٧ م) والثالث سَنَةَ (١٩٦٢ م). ٢٠ - " التذكرة برجال العشرة " لمحمد بن علي بن حمزة الحُسيني الدمشقي (٧١٥ - ٧٦٥ هـ)، ضم في كتابه هذا إلى من في " تهذيب الكمال " لشيخه المزي من في " الكتب الأربعة ": " الموطأ " و" مسند الشافعي " و" مسند أحمد " و" مسند أبي حنيفة " الذي خرجه الحسين بن محمد بن خسرو من حديث أبي حنيفة، واقتصر على من في " الكتب الستة " دون من أخرج لهم مصنفوها في مصنفاتهم الأخرى كـ " الأدب المفرد " للبخاري (٣). ٢١ - " تهذيب التهذيب " للحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) وفيه لخص " تهذيب الكمال " للمزي

стр. 278

وزاد عليه فوائد كثيرة، وقد طبع بالهند سَنَةَ (١٣٢٥ - ١٣٢٧ هـ) في انثي عشر مجلدًا، ويعتبر " تهذيب التهذيب " من أجمع كتب تراجم رواة الحديث المتداولة بين العلماء في هذا العصر، وأصبحت نسخه نادرة وعزيزة، وقد لخصه ابن حجر في مجلد واحد سماه " تقريب التهذيب في أسماء الرجال " طبع بالهند سَنَةَ (١٣٢٠ هـ) ثم طبع سَنَةَ (١٣٥٦ هـ) مع " تعقيب التقريب " للمولوي أمير علي (١) (*). ٢٢ - " إسعاف المبطأ برجال الموطأ " للحافظ جلال الدين السيوطي، وقد طبع بالهند سَنَةَ (١٣٢٠ هـ). ... [ب] كُتُبُ الطَّبَقَاتِ: وهي الكتب التي جعل مصنفوها الرجال على طبقات، وذكروا أحوالهم طبقة بعد طبقة إلى عصر المؤلف وقد جمعت نَيِّفًا وعشرين مُؤَلَّفًا في موضوعنا. أقتصر على ذكر أشهرها. ١ - " الطبقات الكبرى " للمؤرخ الثقة محمد بن سعد بن منيع الحافظ كاتب الواقدي (المولود سَنَةَ ١٦٨ هـ والمتوفى سَنَةَ ٢٣٠ هـ). فقد صنف سيرة الرسول ﷺ ، ثم ترجم للصحابة على طبقاتهم، فالتابعين، فمن بعدهم إلى وقته، فأجاد وأحسن، ويعتبر كتابه هذا من أوثق وأهم المصادر الإسلامية في التاريخ والرجال.

стр. 279

وقد طبعت " الطبقات " بمدينة لِيدِنْ سَنَةَ (١٣٢٢ هـ) في ثلاثة عشر مجلدًا خصص الأخير منها للنساء، وَوُضِعَ لِكُلِّ مَنْ تَرْجَمَ لَهُمْ ابن سعد في المجلد الرابع عشر فهرس عام، مما يسهل الرجوع إليه. ولابن سعد أَيْضًا " طبقات صغرى ثانية " و " ثالثة " (١). ٢ - " طبقات الرواة " في ثمانية أجزاء (٢) للحافظ أبي عمرو خليفة بن خياط الشيباني العصفري (- ٢٤٠ هـ) أحد شيوخ البخاري. ٣ - " طبقات التابعين " للإمام مسلم بن الحجاج القشيري (٢٠٤ - ٢٦١ هـ (٣)). ٤ - كتاب " التابعين " في انثي عشر جزءًا، للحافظ محمد بن حبان أبي حاتم البُسْتِيِّ، (٢٧٠ - ٣٥٤ هـ) وله " أتباع التابعين " و " تباع التبع " كلاهما في خمسة عشر جزءًا (٤) و " الطبقات الأصبهانية " (٥). ٥ - " طبقات المحدثين والرواة " لأبي نعيم. أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني (٣٣٦ - ٤٣٠ هـ) (٦). ٦ - " طبقات الحفاظ " للحافظ شمس الدين الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ)

стр. 280

ترجم فيه رواة الحديث من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن تلاهم إلى عصره وجعلهم على إحدى وعشرين طبقة، طبع في أربعة أجزاء بالهند، ويعتبر من أنفس كتب الطبقات (١). ٧ - " طبقات الحفاظ " لجلال الدين السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ) ذكر فيه تراجم الحفاظ موجزة وقد طبع سَنَةَ (١٨٣٣ م) بغوطا. وغير هذه الكتب كثير، مما ألف في طبقات علماء المذاهب، وطبقات حفاظ البلدان ككتاب " المحدثين بأصبهان والواردين عليها " لعبد الله [بن] محمد الأصبهاني، و" طبقات علماء [إفريقية] لأبي العرب محمد بن أحمد التميمي المغربي الإفريقي، وغير ذلك. ... ثَالِثًا: كُتُبٌ فِي مَعْرِفَةِ الأَسْمَاءِ وَالكُنَى وَالأَلْقَابِ وَالأَنْسَابِ: وكما صنف العلماء تراجم الرواة وأحوالهم، رأوا أن يصنفوا ما يضبط أسماء الرواة لدفع الالتباس، ومنع الوقوع في الخطأ بسبب تشابه أسماء الرجال وكناهم وأنسابهم، فصنفوا كُتُبًا كثيرة في الكُنَى والألقاب والأنساب، وهذه الكتب أكثر من أن تحصى، وقد جمعت منها نَيِّفًا وثلاثين كتابًا، سأذكر أشهر ما ألف في الأسماء والكنى والألقاب، ثم أتبعها بأشهر كتب أنساب الرواة.

стр. 281

[أ] كُتُبٌ فِي الأَسْمَاءِ وَالكُنَى وَالأَلْقَابِ: ١ - " الأسامي والكنى " في ثمانية أجزاء (١) لعلي بن عبد الله بن جعفر المديني (المولود سَنَةَ ١٦١ هـ، وَالمُتَوَفَّى سَنَة ٢٣٤ هـ). ٢ - " الأسماء والكنى " (٢) للإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ). ٣ - " الكنى " ألف بهذا الاسم كثير من أئمة الحديث في ذلك العصر، منهم الإمام البخاري والنسائي وعبد الرحمن بن أبي حاتم وغيرهم (٣). ٤ - " كتاب الكنى والأسماء " (٤) للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري (٢٠٤ - ٢٦١ هـ). ٥ - " الكنى والأسماء " لأبي بشر محمد بن أحمد بن حماد بن سعد الأنصاري الدولابي (٢٣٤ - ٣٢٠ هـ) وهو كتاب جامع مشهور، طبع في جزأين بالهند سَنَةَ (١٣٢٢ - ١٣٢٣ هـ) (٥). ٦ - " الأسماء والكنى " (٦) في أربعة عشر مجلدًا للحاكم الكبير أبي أحمد محمد بن محمد بن أحمد النيسابوري الحافظ المحدث (٢٨٥ - ٣٧٨ هـ). ٧ - " فتح الباب في الكنى والألقاب " لأبي عبد الله محمد بن إسحاق

стр. 282

ابن منده الأصبهاني (٣١٠ - ٣٩٥ هـ) نشره وعلق عليه (وي دونج) بألمانيا سَنَةَ (١٩٢٧ م). ٨ - " المؤتلف والمختلف في أسماء نقلة الحديث " و " المشتبه في النسبة " للإمام النسابة أبي محمد عبد الغني بن سعيد الأسدي المصري شيخ حفاظ الحديث بمصر في عصره (٣٢٢ - ٤٠٩ هـ) وقد طبع الكتابان في مجلد واحد في (٢١٦) صفحة بالهند سَنَةَ (١٣٢٦ هـ). ٩ - " تكملة المؤتلف والمختلف " و" الأسماء والألقاب " (١) و" الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة " (٢) و" تلخيص المتشابه في الرسم في أسماء الرواة " (٣) لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، المعروف بالخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٦٣ هـ). ١٠ - " الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب " للأمير الحافظ أبي نصر علي بن هبة الله بن جعفر: ابن ماكولا البغدادي (٤٢١ - ٤٨٦ هـ)، وهو كتاب قيم، ألفه بعد أن اطلع على كتب البغدادي وعلى كتابي عبد الغني بن سعيد الأزدي (٤).

стр. 283

قال ابن خلكان: «لَمْ يُوضَعْ مِثْلُهُ» (١). ١١ - " كشف النقاب عن الأسماء والألقاب " (٢) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي (ابن الجوزي) (٥٠٨ - ٥٩٧ هـ). ١٢ - " المستدرك على الإكمال لابن ماكولا " للحافظ محمد بن عبد الغني البغدادي (ابن نقطة) المُتَوَفَّى سَنَةَ (٦٢٩ هـ) (٣). ١٣ - " المشتبه في أسماء الرجال " للحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ) وهذا الكتاب ثمرة الجهود التي بذلها من سبق الذهبي في هذا الباب، مما جاء في كتب الأزدي وابن ماكولا وابن نقطة، وشيخ الذهبي أبي يعلى الفرضي وغيرهم، وأضاف إلى ذلك ما وقع له أو تنبه إليه (٤)، وطبع هذا الكتاب في ليدن سَنَةَ (١٨٦٣ و ١٨٨١ م) في (٦١٢) صفحة، وقد له الدكتور (دوجونغ). وللذهبي أَيْضًا " المقتنى في سرد الكنى " وهو مختصر كتاب الحاكم الكبير بعد أن زاد الذهبي عليه ورتبه على حروف المعجم (٥). ١٤ - " تحفة ذوي الأرب في مشكل الأسماء والنسب " لابن خطيب

стр. 284

الدهشة محمود بن أحمد الهمذاني الفيومي الأصل، (٧٥٠ - ٨٣٤ هـ) وقد ألفه سَنَةَ (٨٠٤ هـ) وطبع بليدن سَنَةَ (١٩٠٥ م) مع مقدمة بالألمانية. ١٥ - " نزهة الألباب في الألقاب " للحافظ أبي الفضل شهاب الدين: ابن حجر الكناني العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) جمع فيه ما لغيره وزاد أشياء كثيرة مما فات سلفه (١). [ب] وَأَمَّا كُتُبُ الأَنْسَابِ فَأَشْهَرُهَا: ١ - " ما اتفق من أسماء المحدثين وأنسابهم غير أن في بعضه زيادة حرف واحد " (٢) لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٦٣ هـ). ٢ - " الأنساب المتفقة في الخط المتماثلة في النقط والضبط " للشيخ محمد بن طاهر المقدسي (٤٨٨ - ٥٠٧ هـ) وَذَيَّلَ تلميذه محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى الأصبهاني (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٨١ هـ) عليه وَطُبِعَا مَعًا في مجلد واحد بليدن سَنَةَ (١٨٦٥ م). ٣ - " اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة، ورواة الآثار " لأبي محمد عبد الله بن علي اللخمي الأندلسي المعروف بالرشاطي (٤٦٦ - ٥٤٢ هـ) وهو كتاب قد أحسن فيه وأجاد، وتلقاه عنه الناس (٣).

стр. 285

٤ - " الأنساب " لتاج الإسلام [أبي سعد] عبد الكريم بن محمد بن أبي المظفر التميمي السمعاني صاحب التصانيف الكثيرة (٥٠٦ - ٥٦٢ هـ) ذكر فيه أنساب الرجال، وذكر لمن يترجم له سيرته وقول الناس فيه من جرح أو تعديل، وشيوخه ومن روى عنه، ورتبه على حروف المعجم. قدم له المستشرق (مارجليوث) وطبع بالزنكوغراف سَنَةَ (١٩١٢ م) بمدينة ليدن (١). ٥ - " اللباب " في ثلاثة مجلدات لعلي بن محمد الشيباني الجزري (٥٥٥ - ٦٣٠ هـ) اختصر به " أنساب " السمعاني وزاد فيه. وقد طبع في ثلاثة أجزاء بمصر سَنَةَ (١٣٥٦ - ١٣٥٩ هـ) (٢). ٦ - " نسبة المحدثين إلى الآباء والبلدان " (٣) لمحمد بن محمود محب الدين: ابن النجار (٥٧٨ - ٦٤٣ هـ). ٧ - " الاكتساب في تلخيص كتب الأنساب " للقاضي قطب الدين محمد بن محمد الخيضري الشافعي (٨٢١ - ٨٩٤ هـ) وهو مختصر كتاب " أنساب " السمعاني وضم إليه ما عند ابن الأثير والرشاطي وغيرهما (٤). ... رَابِعًا: كُتُبٌ فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ: إن ظهور هذا النوع من المصنفات كان نتيجة حتمية لجهود النقاد،
следующие страницы →