← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96178

السنة قبل التدوين

محمد عجاج الخطيب

Полный текст (559 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

السنة قبل التدوين الدكتور محمد عجاج الخطيب - عدد الأجزاء: ١. - عدد الصفحات: ٦٥٢. أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].

стр. 2

السنة قبل التدوين الدكتور محمد عجاج الخطيب رئيس قسم علوم القرآن والسنة بجامعة دمشق أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة الطبعة الثانية: رمضان ١٤٠٨ - أبريل ١٩٨٨ م نشر مكتبة وهبة - مصر

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

السُنَّةُ قَبْلَ التَدْوِينِ: تَقْدِيمٌ: بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الأُسْتَاذِ عَلِي حَسَبَ الله أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله، وأنزل عليه كتابه الكريم تبياناً للحق وهدى إلى الصراط المستقيم، وأمره ببيانه وتنفيذ أحكامه بأقواله وأعماله ليكون للأمَّة من ذلك دستور كامل، لا يغادر من أمور معاشهم ومعادهم صغيرة ولا كبيرة إلاَّ وضع قواعدها، وقرَّر أصولها، وأضاء الوصول إلى الحق فيها. فله الحمد والشكر على ما منح عباده من أسباب الهداية، وما ضمن لهم من حفظ كتابه، وما وَفَّقَهُم إليه من العناية به، والاستشهاد في تفسيره وتطبيقه بقول رسوله ﷺ وعمله. أما بعد فقد اصطنع الله محمداً ﷺ لنفسه، ورباه فأحسن تربيته، وكمل خُلُقه حتى قال فيه - وهو أصدق القائلين -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١)، ثم بعثه إلى الناس بشيراً ونذيراً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٢). [أ]

стр. 5

[ب] ولقد افترض عليه ما افترض على الناس من طاعته والعمل بكتابه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، وقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). وأمره أن يُبلِّغَ ما أنزل إليه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٤)، فبلَّغَ ﷺ ما أمره الله بتبليغه، وشهد الله تعالى له بذلك في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٦)، ولو أنه قصَّر في تبليغ رسالته، أو بلَّغ ما لم يؤمر بتبليغه - لحَلَّتْ به عقوبة ربه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٧). كما أمره أن يبيِّن للناس ما خفي عليهم من مقاصده، ويشرح لهم طرق تنفيذه فقال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٨)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٩).

стр. 6

[جـ] هكذا أعد الله رسوله للقيام بأعباد رسالته، ثم أمر الناس بطاعته: أمرهم بطاعته مقترنة بطاعته سبحانه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣). وأمرهم بطاعته استقلالاً فقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦). ثم قرَّر سبحانه أنَّ طاعة رسوله طاعة له، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٧)، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٨). ولا خفاء بعد هذا في أنَّ كتاب الله هو أصل دينه، وأنَّ سُنَّة نبيِّهِ -

стр. 7

[د] قولية كانت أو فعلية - هي الموضحة لأحكامه، والمفصِّلة لإجماله، والهادية إلى طرق تطبيقه، فهما صنوان لا يفترقان، ومنبعان للتشريع متعاضدان، ولا شبهة في أنَّ طاعة الرسول طاعة لله، ومخالفة أمره معصية لله تعالى، ومن عمل بالقرآن على غير المنهج الذي انتهجه الرسول ﷺ لا يكون عاملاً بالقرآن. وقد جرت سُنَّة الله تعالى في خلقه أنْ يختلف الناس في تقبُّل دعوات الرسل، والأخذ بأسباب الهداية والصلاح مهما قامت الدلائل ووضحت البينات؛ ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (١)، فمنهم من يستجيب لداعي الخير مسرعاً مطمئناً، ويتجنَّب مزالق الجهل والخسران، ومنهم من يركب رأسه ويتبع هواه ويضل عن سواء السبيل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ﴾ (٢). ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٣)، ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٤). وقد ابتلي المسلمون في كل العصور بمن يحاول صرفهم عن الإسلام، تارة بالطعن في كتابه، وأخرى بمحاولة انتقاصه من أطرافه، بالطعن في السُنَّة التي تُفَصِّلُ ما أجمل منه، وتُوضِّحُ ما خفي، وكأنهم حين وقفوا من القرآن أمام جبل شامخ لا يلين، ورجعوا بعد العناء بخُفي حُنين - ظنوا أنهم قادرون على

стр. 8

[هـ] النيل منه بتوهين السُنَّة التي هي عماد بيانه، فسلكوا لذلك طرقاً، وتكلفوا شططاً، فمنهم من تجنَّى على الرُواة وطعن في عدالتهم وصدقهم، ومنهم من طعن في متن الحديث فأنكر منه ما لم يوافق هوه، ومنهم من ادعى انقطاع الصلة بين الرسول وما يُروى عنه وتعذَّر تمييز الصحيح منه من السقيم، لإهمال تدوينه نحو قرنين من الزمان، وانتشار وضع الحديث انتصاراً لرأي أو إبطالاً لمذهب، فدعا إلى إهمال الحديث جملة والاكتفاء بالقرآن الكريم، ومن المؤسف حقاً أنْ يقول بهذا الرأي من يزعم أنه من المسلمين. ولكن العلي القدير الذي تكفَّلَ بحفظ كتابه وأصول دينه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) كان يمنح معونته وتوفيقه دائماً للمتقين المخلصين، ويخذل أعداءه المعاندين: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣)، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤). فلهذا هيأ لدينه في كل العصور من يَرُدُّ كيد الطاعنين في نحورهم، وهيَّأ لسُنَّة رسوله ﷺ من السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان مَنْ عُنِيَ بالدفاع عنها بعد البحث في سندها ومتنها، يتعرف أحوال رُواتها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ثم حفظها تارة في الصدور، وأخرى في السطور. لقد كان المسلمون بين أنْ يدفعهم الحرص على سُنَّة نبيِّّهم إلى تَقَبُّل كل

стр. 9

[و] ما يروى حتى لا يفوتهم ما صح منها، وأنْ يتأثَّروا بشُبَه المُضَلِّلِينَ فيرفضوه كله حذراً من الأخذ بالموضوع والوقوع في الباطل، ولكن الله جنَّبهم الخطتين وعصمهم من الوقوع في الورطتين، ووفَّقهُم إلى الطريقة الوسطى، طريقة الاعتدال البعيدة عن التعصب الأعمى والتحامل الذميم، طريقة الفحص والتمحيص للسند والمتن، ووضع القواعد العلمية الصحيحة لمعرفة من يقبل ومن لا يقبل من الرُواة، وما يقبل وما يُرَدُّ من الأحاديث، وبهذا ميَّزُوا الخبيث من الطيب، ونالت السُنَّة بجهودهم ما لم يعهد في شريعة من الشرائع، ولا في نص من النصوص غير الكتاب الكريم. وكان مما أثلج صدورنا، وفتح باب الأمل في شباب عصرنا - أنَّ الطالب المؤمن بربه، والغيور على دينه، والمُحبّ لسُنَّة الرسول ﷺ السيد «محمد عجاج الخطيب» - سار على توفيق من الله، وهُدى من السلف الصالح، فاختار لنيل درجة الماجستير في العلوم الإسلامية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة - موضوع «السنة قبل التدوين»، ليدفع ببحثه ما أثاره المُضَلِّلُونَ من انقطاع الصلة بين الرسول وما بين أيدينا من سُنَّته في عهد الرسول ﷺ ، وبعضها في عهد الصحابة والتابعين، قبل أنْ تُدوَّنَ التدوين الرسمي المعروف. وقد رَجَّحَ أنَّ التدوين الرسمي بدأ في منتصف العقد الهجري الثامن من القرن الأول حين طلب أمير مصر: عبد العزيز بن مروان بن الحكم من كثير بن مُرَّة الحضرمي - الذي أدرك سبعين بدرياً من الصحابة في حمص - أنْ يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله ﷺ إلاَّ حديث أبي هريرة فإنه كان عنده. ولا يظن بكثير إلاَّ أنْ يستجيب لطلب الأمير، فيجتمع له بهذا ما كان عنده من حديث أبي هريرة وما كان عند كثير، وحسبك هذا تدوينًا

стр. 10

[ز] رسميًا لقسط كبير من سُنَّة رسول الله ﷺ في ذلك العصر، ويكون ما فعله عمر بن عبد العزيز بعد هذا - من العناية بالحديث ومطالبة العلماء في الأقطار المختلفة بكتابته والجلوس لمدارسته - ليس إلاَّ امتداداً لما شرع فيه أبوه من قبل. وهو رأي يُرَجِّحُهُ ما عرف عن السلف من الحرص على حفظ السُنَّة والعمل بها. وقد اقتضاه البحث أن يتكلم عن الوضع وأسبابه، وجهود الصحابة والتابعين ومن بعدهم في مقاومته وتطهير السُنّة من أوضاره، وأن يتحدَّث عن آراء بعض المستشرقين ومن انخدع بهم من المسلمين، فَفَنَّدَ مزاعمهم، ورَدَّ الحق إلى نصابه في مفترياتهم، وبيَّنَ فضل الصحابة وعدالتهم، وحرصهم على العمل بالسُنَّة وحفظها، وتثبُّتهم في روايتها، واقتداء من جاء بعدهم بهم في ذلك، كما تعرَّض لما أثر حول بعضهم من شبهات فنفاها عنهم. ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إنَّ الطالب كان أصيلاً في بحثه، لم يُعْوِزْهُ توجيه وإرشاد؛ بل جمع بجده كل ما استطاع الوصول إليه من مراجع، وتناول منها كل ما يلائم بحثه، ثم عرض ذلك على مقاييس صحيحة في نزاهة وصدق وإيمان، وبهذا نَطَمَ نفسه في سلك المُحبِّين للسُنَّة، الذين بشَّرهم الرسول ﷺ بالجنة فيما روى الترمذي عن أنس ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أحبَّ سُنَّتي فقد أحبَّني، ومَنْ أحبَّني كان معي في الجنة». والله المسؤول أنْ ينفع الإسلام والمسلمين برسالته، وأنْ يجعل من شبابنا شباباً صالحاً لا تخدعه مظاهر المدنية الكاذبة، فيعكف على دراسة الدين القويم، والتراث المجيد، ويدفع عنهما تُهَمَ المبطلين، وضلال المُضِلِّين، وهو الهادي إلى الصراط المستقيم. المحرم ١٣٨٣ هـ - يونية ١٩٦٣ م علي حسب الله

стр. 11

الكِتَابُ: المُقَدِّمَةُ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فإن القرآن الكريم هو المصدر التشريعي الأول في الإسلام، والسُنَّة هي المصدر الثاني، لأنها مبيِّنة له، مُفَصِّلةٌ لأحكامه، مفرِّعة لأصوله، وهي التطبيق العملي للإسلام على يد رسول الإنسانية محمد ﷺ ، دان المسلمون لأحكامها من لدُن الرسول الكريم إلى يومنا هذا، وستبقى إلى جانب القرآن مصدر الأحكام، ومعين الآداب والأخلاق، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فقد كان التمسك بهما سرَّ نجاج الأُمَّة الإسلامية، وتقدمها، مصداقاً لقوله ﷺ «تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللهِ , وَسُنَّتِي». ولكنه لم يرق لأعداء الإسلام قديماً وحديثاً، أنْ يروا ازدهار الأُمَّة الإسلامية وتقدمها، فعملوا على هدم أسس الإسلام، وتشكيك المسلمين في دينهم، وكان من الصعب أنْ ينالوا من القرآن الكريم، فوجَّهُوا سهامهم إلى السُنَّة، وحاولوا تشويهها، فوضعوا الأحاديث، وطعنوا في بعض الصحيح منها، واتَّهمُوا بعض الرُواة الثقات، ولكن هذا لم ينل من السُنَّة أمام يقظة الأُمَّة وعلمائها الذين ذبُّوا عنها وحافظوا عليها. وسلك أعداء الإسلام سُبُلاً مختلفة لإنكار السُنَّة جملة بعد التشكيك فيها ,

стр. 12

فادَّعى بعضهم أن السُنّة أهملت بعد الرسول ﷺ أكثر من قرنين إلى أنْ جمعها بعض المُصَنِّفين في كتب السُنن في القرن الثالث الهجري، فلم تحفظ كالقرآن الكريم منذ ظهور الإسلام، ولهذا تسرَّبَ إليها الوضع، وأصبح من الصعب تمييز الحديث الصحيح من الموضوع ... !! وادَّعَى بعض المستشرقين أنَّ جانباً من الحديث قد وضعه الفقهاء ليدعموا مذاهبهم الفقهية!!! وادَّعَى آخرون أنَّ السُنَّة كانت أحكاماَ مؤقتة لعصر النبي ﷺ ، وأصبحت الآن عديمة الجدوى، وتسرَّبت هذه الفكرة إلى بعض البلاد الإسلامية، وأخذت شكلاً منظماً، فظهر في الهند جماعة تنادي بعدم الاحتجاج بالسُنَّة، سَمَّتْ نفسها (أهل القرآن)، وألَّفَتْ كُتُباً ورسائل كثيرة لنشر أفكارها (١). هذه بعض دعاوى أعداء الإسلام، الذين أرادوا من ورائها إبعاد المسلمين عن دينهم، وخلخلة العقيدة في نفوسهم، ليتمكَّنُوا من نشر مبادئهم في بلادنا الإسلامية الطيبة، والسيطرة عليها مادياً بعد السيطرة عليها فكرياً، ومما يؤسف له أنَّ بعض شبابنا الذين لم يُتَحْ لهم أن يتثقَّفُوا بثقافة الإسلام قد اعتنقوا هذه الأفكار التي تخدم أعداءنا، وتفرق صفوفنا، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى التمسك بما جاء في السُنَّة من أحكام وأخلاق وآداب وتوجيه وإرشاد، كما تعتز الأمم بتراثها وتفخر به، ويشهد المنصفون من علماء الأمم الأخرى

стр. 13

بعظمة تراثنا التشريعي، فكيف يتنكر له بعض المسلمين، ونحن أحوج ما نكون إلى التمسك به، بعد أن عانى المسلمون وطأة الإستعمار فترة طويلة، وذاقوا مرارة التفرقة والهوان، بعد أن كانوا سادة العالم. نحن - في نهضتنا - بحاجة إلى الرجوع إلى شريعتنا، إلى قرآننا وسُنَّة رسولنا، بعد أن حطمنا القيود، ونقضنا غبار الجهالة، ومزَّقنا عصابة العماية عن العيون، فلا بد لإتمام تحرُّرنا من أنْ نتخلَّص من هذه الأفكار التي تسرَّبت إلى صفوفنا، وحملها بعض إخواننا وأبنائنا، سواء أكان هذا عن حسن نية منهم أم عن سوء نية، لأنها تخدم أعداءنا الذين لا يسرهم اجتماع كلمتنا وسعادتنا. ولما كانت السنة مُبيِّنة للقرآن الكريم، ولا يمكن الاستغناء عنها، ولما كان الواقع في حفظ السُنَّة يخالف ما ادعاه المغرضون، كان لا بد من تناول السُنَّة بدراستها وبحث تاريخها، وقد بيَّن الأصوليون وبعض المُحدِّثين مكانة السُنَّة من التشريع الإسلامي، وبقي أن تُبيِّن الحقيقة التاريخية للسُنَّة وكيف اعتنى السلف الصالح بها وحفظها ونقلها قبل أن تصلنا في كتبها المشهورة. وقد رأيت أن أتناول هذا الجانب من البحث في فترة ما قبل التدوين، وأقصد بالتدوين هنا التدوين والتصنيف المشهور، الذي كان في مطلع القرن الهجري الثاني تمشياً مع عرف علماء الحديث، والذي يعود الفضل فيه إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، فليكن هذا هو التدوين الرسمي، ذلك لأنه قد ثبت تدوين جانب من السُنَّة في عهده ﷺ وعهد الصحابة. تلك أسباب لاختيار هذا الموضوع، وسبب آخر هو أنه لم يسبق لأحد أنْ بَحَثَ كيف اجتازت السُنَّة تلك الحقبة بحثاً دقيقاً وافياً، إنما كان بحث السلف في هذه الناحية لا يعدو ذكر لمحات عن تلك الحقبة، لاقتناعهم واقتناع المسلمين بأنَّ

стр. 14

السُنَّة قد حفظت على أحسن وجه، بفضل حُفَّاظها وعلمائها، لهذا توزعت مادة البحث في مراجع كثيرة، في كتب الحديث وشروحها، وكتب مصطلحه وعلومه، وفي تراجم الرُواة، وكتب التاريخ والأصول وغيرها، وإذا كانت هذه النتف تشكل معظم مادة الموضوع، فإنها لا تعطي - كما هي - صورة كاملة عن حقيقة السُنَّة وحفظها آنذاك. هكذا أقدمت على دراسة السُنَّة في تلك الفترة، من خلال أمهات المصادر، المخطوط منها والمطبوع، قديماً وحديثاً، ويممت شطر أمهات دور الكتب العامة والخاصة، في دمشق وحلب والقاهرة .. ورجعت إلى مخطوطات نادرة، كما صَوَّرْتُ بعض المخطوطات من البلاد التي لم تتيسَّرْ لي زيارتها، فكان البحث شاقاً من جهة، ويتطلَّب الدقة من جهة أخرى، واضحاً حيناً، ومُعَقَّداً أحياناً، ومع هذا تابعت البحث بروح علمية، يحدوني الصبر، وتعللني ومضات الأمل. وكان لإشراف فضيلة الأستاذ علي حسب الله وتشجيعه، أثر طيب في إخراج هذا الموضوع بثوب جديد، يصوِّرُ السُنَّة في تلك الفترة تصويراً دقيقاً، من حيث عناية الأمَّة بها وحفظها، والاهتمام بنقلها، والتثبت في روايتها على أسلم القواعد العلمية، وكتابتها ونشاط العلماء في تبليغها، وحرصهم على صيانتها، وعوامل انتشارها، ودراسة الأسباب التي كادت تسيء إليها، وجهود العلماء في سبيل حفظها. وقد تعرضتُ لكثير من الشبهات والآراء، وناقشتها، ورددت عليها، وبيَّنت وجه الحق مدعماً بالأدلة والبراهين، فكان الموضوع في تمهيد وخمسة أبواب وخاتمة.

стр. 15

التمهيد، وفيه: أولاً: التعريف بالسُنَّة لغة وشرعاً. ثانياً: موضوع السُنَّة ومكانتها من القرآن الكريم. الباب الأول: السُنَّة في العهد النبوي. وفيه تحدَّثتُ عن الرسول ﷺ من حيث هو معلم ومربّ، وبيَّنتُ موقفه ﵊ من العلم، ومنهجه في التبليغ، وتعليم أصحابه ﵃، وكيف كان الصحابة يتلقون السُنَّة عنه ﵊. الباب الثاني: السُنَّة في عصر الصحابة والتابعين، وفيه فصلان: الفصل الأول، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: تأسِّي الصحابة والتابعين بالرسول ﷺ وتمسُّكهم بسُنَّته. المبحث الثاني: احتياط الصحابة والتابعين وورعهم في رواية الحديث. المبحث الثالث: ثتبُّت الصحابة والتابعين في قبول الحديث. المبحث الرابع: كيف رُوِيَ الحديث في ذلك العصر باللفظ أم بالمعنى؟ الفصل الثاني، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: النشاط العلمي في عصر الصحابة والتابعين. المبحث الثاني: انتشار الحديث في عصر الصحابة والتابعين. المبحث الثالث: الرحلة في طلب الحديث.

стр. 16

الباب الثالث: الوضع في الحديث، وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: ابتداء الوضع وأسبابه. الفصل الثاني: جهود الصحابة والتابعين ومن تبعهم في مقاومة الوضع وحفظ الحديث. الفصل الثالث: آراء بعض المستشرقين وأشياعهم في السُنَّة ونقدها. الفصل الرابع: أشهر ما أُلِّف في الرجال والموضوعات، وهو ثمار جهود العلماء في المحافظة على الحديث. الباب الرابع: متى دُوِّن الحديث؟ وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: حول تدوين الحديث، وفيه أخبار حول كتابة السُنَّة، وأخرى حول كراهية كتابتها، ومناقشة الأخبار وخلاصة هذه المناقشة. الفصل الثاني: ما دُوِّنَ في عصر الرسول ﷺ وفي صدر الإسلام. الفصل الثالث: آراء في التدوين. الباب الخامس: بعض أعلام رُواة الحديث من الصحابة والتابعين، وفيه فصلاة: الفصل الأول: بعض أعلام الرُواة من الصحابة. وفيه تعريف الصحابي، وعدالة الصحابة، ثم ترجمة المكثرين من الحديث منهم وهم: ١ - أبو هريرة. ٢ - عبد الله بن عمر. ٣ - أنس بن مالك. ٤ - عائشة أم المؤمنين. ٥ - عبد الله بن عباس. ٦ - جابر بن عبد الله. ٧ - أبو سعيد الخدري.

стр. 17

الفصل الثاني: بعض أعلام الرُواة من التابعين: ١ - سعيد بن المسيب. ٢ - عروة بن الزبير. ٣ - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. ٤ - نافع مولى ابن عمر. ٥ - عبيد الله بن عبد الله. ٦ - سالم بن عبد الله بن عمر. ٧ - إبراهيم النخعي. ٨ - عامر الشعبي. ٩ - علقمة النخعي. ١٠ - محمد بن سيرين. وقد يتبادر للوهلة الأولى أنه يمكننا الاستغناء عن الباب الخامس، بما جاء في كتب التراجم، ولكني رأيت من الأهمية بمكان أن أدرس بعض رجال الحديث من الصحابة والتابعين، لأُقَدِّم نموذجاً عظيماً عن القلوب الواعية التي حفظت السُنَّة، والأيدي الطاهرية التي نقلتها بأمانة وإخلاص، على أسلم قواعد التثبت العلمي، وبخاصة أنَّ بعض أهل الأهواء والمستشرقين، كانوا قد طعنوا في مشاهير الرُواة منهم، فرأيت إتماماً للبحث أنْ أُفَنِّدَ طعونهم وافتراءاتهم حين أترجم لهم، وأبيِّنُ الحق من الباطل، بعد أنْ أصحبت أمهات كتب تراجم رجال الحديث في عصرنا نادرة جِدًّا، وقد يعْسر على طلاب العلم الرجوع إليها، فرجح عندي الإقدام على ضم هذا الباب إلى الموضوع، وبهذا أكونُ قد بيَّنْتُ حياة السُنَّة في هذه الحقبة، ودرست مشاهير حُفَّاظها ونَقَلَتِهَا. وكانت الخاتمة خلاصة عامة للبحث. وإني لأرجو الله الكريم أنْ أكون قد وُفِّقْتُ لعرض الموضوع بشكل يحقق الغاية منه، فإني لم آلًُ جهداً، ولم أدَّخِرْ وُسعاً للوصول إلى الحقيقة، وأنا مع هذا لا أدَّعي الكمال في بحثي، وكل ما قُمتُ به لا يعدو محاولة علمية لدراسة السُنَّة وتاريخها في فترة معينة على منهج علمي يسهل الرجوع إليه.

стр. 18

وأسأل الله أنْ يوفق الأجيال إلى دراسة الشريعة الإسلامية الخالدة، وفهمها وتطبيقها، وأنْ يجمع العرب والمسلمين جَمِيعًا على كتاب الله وسُنَّة رسوله، ليهتدي بهديه، وتعيد للعالم نضارته، وتُحَقِّقَ سعادته، كما حقَّقَها أسلافنا العظام. وأخيراً أشكر فضيلة أستاذي المشرف، الذي شملني بعطفه وتوجيهاته، مع كثرة واجباته وتبعاته، وضيق وقته، كما أشكر كل مَنْ ساعدني مِنْ أساتذتي وإخواني، وسهَّل مُهمَّتي. وختاماً أرجو كل من يطَّلع على هذ البحث فيجد ما يحتاج إلى تعديل أو تبديل، أن يفيدني بما عنده، والله أسأله الرشاد والسداد. ... ٢٩ جمادى الأولى ١٣٨٢ هـ ٢٨ أكتوبر (تشرين الأول) ١٩٦٢ م محمد عجاج الخطيب

стр. 19

تَمْهِيدٌ: - التعريف بالسُنَّة لغة وشرعاً ... - موضوع السُنَّة ومكانتها من القرآن الكريم. ختم الله رسالات السماوات العلا إلى الأرض، برسالة الإسلام، فبعث محمداً ﷺ رسولاً هادياً، مُبشراً ونذيراً، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (١). ونبأه بذلك عام ٦١٠ من ميلاد عيسى ﵇ بعد أربعين سَنَة من مولده ﷺ ، فشرَّفه الله بحمل الرسالة السامية الخالدة، إلى الناس كافة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢). وأمره أنْ يبلِّغ أحكام الإسلام وتعاليمه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٣). وأمره أن يدعو أهله وعشيرته إلى الإسلام فقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). ليهدي قومه إلى سبيل الرشاد، فيحملوا عبء تبليغ الرسالة إلى الأمم الأخرى،

стр. 20

فيكون لهم شرف المُبَلِّغ الهادي، ويخلد اسمهم أبد الدهر كما أراد الله للرسول الكريم ﵊، وللأمَّة العربية التي انطلقت تحرِّرُ العالم من الظلم والطغيان، وتوجه مركب الإنسانية إلى شاطئ السلام، وتخرجه من الظلمات إلى النور سالكة سبيل الهداية والحق بعد أن تنكب الناس الصراط المستقيم، وتخبطوا في غياهب الجهالة والضلال. تتقاذفهم أمواج الأهواء كما تشاء، وتحملهم أعاصير الجبابرة كالهباء. إلاَّ أنَّ هداية العرب لم تكن سهلة، بل تحمَّلَ السلو الكريم ﵊ في سبيلها المشاق الكثيرة، وأُوذِيَ في جسمه وماله وأهله وأصحابه ووطنه، وكان يدعو ليلا ًونهاراً وسرّاً وإعلاناً، ويسأل الله السداد والرشاد، متطلِّعاً إلى هداية قومه ليتحمَّلوا الرسالة ويؤدوا الأمانة. لقد أحِيَ إلى الرسول ﷺ ، وقومه على دين آبائهم، وثنية وأصنام، يسودهم النظام القبلي، وتربط بينهم صلة القرابة والدم، لا يحكمهم نظام عام، بل يخضعون للعادات والأعراف، يدفعهم الشرف والمفاخرة بالأنساب إلى المنافسة في المكارم والمروءات، يعيشون في حلقة القبيلة والأسرة، في إطار الجزيرة العربية. وكان لهذا أثر بعيد في صفاء نفوسهم ومحافظتهم على أمجادهم وعاداتهم، وتفانيهم في سبيل مثلهم الأعلى، حتى كانوا يسرفون في ذلك، فهم كرام يبذلون ما يستطيعون للضيف، فيبلغون في ذلك حدَّ الإسراف. ويأبون العار ولو أدى بأعز ما لديهم إلى الردى، ولهذا وَأَدُوا بناتهم خشية الفقر والزلل. ويحبُّون تحقيق الأمجاد والبطولات، ولكنهم ضلوا الطريق وحرموا العقيدة الموصلة إلى ذلك، ترى العفة والكرامة من أخلاقهم،

стр. 21

والكرم والشجاعة من سجاياهم، والحمية والثأر تسير في عروقهم، فلا ينامون على ضيم، وويل لمن غضب عليه العرب، إذْ كانوا يثورون لأتفه الأسباب، يكفي أنْ يستفز القبيلة فردٌ أهينت كرامته، فتنطلق جميعها كباراً وصغاراً تدفع عنه ما أصابه، لأنَّ كرامة الفرد من كرامة القبيلة، وإلى هذا يمكننا أنْ نَرُدَّ أكثر الغزوات والغارات التي كانت بين القبائل قبل الإسلام. وقد حفظت ذاكرتهم القوية أشعارهم وأنسابهم التي كانت بمثابة سجل تاريخي لهم، وكان كل ذلك من المؤهلات التي أعدَّتْهُم لحمل الرسالة الإسلامية فيما بعد. وإذا كانوا قد عبدوا الأوثان فإنهم لم يروها خالقة مدبِّرة لأمور الكون وشؤونه، بل عبدوها زُلْفَى إلى الله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١). ولم تكن عقائدهم معقدة مركبة كما كانت عليه عقائد سكان البلاد المجاورة من الفرس والهند، بل كانوا أصفياء النفوس، ويمكننا أنْ نقول: إنَّ عندهم فراغا عقدياً تستره تلك العبادات والمعتقدات الأولية، التي لم تقف على قدميها أمام عقيدة الإسلام المتماسكة الكاملة. ولهذا كان العرب يمتازون عن غيرهم من الأمم بتلك الصفات التي أهَّلَتْهُم فيما بعد لأنْ يكونوا جنود الإسلام وحملة لوائه إلى العالم. ومع هذا لم يكن من السهل أنْ يستجيب العرب جَمِيعًا إلى دعوة الرسول الكريم بادئ ذي بدء، إذْ كان من الصعب أنْ يتركوا دين آبائهم وأجِدًّادهم، فإذا ما دعاهم إلى الله قال له أقرب الناس إليه: تبّاً لك!! ألهذا دعوتنا؟ وأوذي ﷺ في سبيل دعوته كثيراً، ولم يؤمن به إلاَّ نفر قليل: زوجه،

стр. 22

وبعض ذويه، وقليل من أهله. وكان لا يفتر عن دعوتهم، ويسخرون منه فيزداد نشاطًا وحيوية وراء أمله، ويصوِّرُهم الله تعالى في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (٢). إلاَّ أنَّ الباطل لا يقوى أمام الحق، فسرعان ما يتقوَّض، ويظهر ضعفه، كما يتلاشى الظلام حين يكون وراءه النور الساطع. وهكذا بدأ الإسلام يستولي على القلوب في مكة رُويداً رُويداً، ثم انتشر بين بعض سكان يثرب (المدينة المنورة)، وازداد إيذاء المشركين للمسلمين واضطروهم إلى هجر وطنهم فرارًا بدينهم. وفي المدينة بدأت الدولة الإسلامية منظمة برياسة رسول الله ﷺ ، وانتشر خبر الإسلام في أطراف الجزيرة، ولم تمنع أضاليل المشركين العرب من الدخول في دين الله، دين المساواة والعدالة، عقيدة سهلة سامية، إيمان بالله وطاعة لرسول الله، وعبادات تدخل السعادة والطمأنينة إلى النفوس، نظام يضبط الجماعة ويُؤَمِّنُ حقوق الأفراد ... كل هذا جعل القبائل العربية تتهافت إلى المدينة من كل حَدَبٍ وصوبٍ، يعلنون إسلامهم، وعمَّ الإسلام الجزيرة العربية بعد الفتح الأكبر، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وانقلبت مكة والمدينة بل الجزيرة العربية إلى موطن إسلامي متماسك تنبع منه إشعاعات الهداية لتنير العالم. وقد تم ذلك للرسول الكريم خلال اثنتين وعشرين سَنَةً وبضعة أشهر.

стр. 23

وخرج العرب باعتناقهم هذا الدين الحنيف من نطاق القبيلة المغلق إلى صعيد الإنسانية الواسع، ومن إطار الصحراء إلى العالم الشاسع، وانقلبت رابطة الدم والقرابة إلى الأُخُوَّة في الدين، وانتهى نظام القبيلة وحلَّ مكانه نظام الدولة الإسلامية في مختلف مرافق الحياة وانتقلت حميَّتُهُم للقبيلة إلى نُصرة الحق، وأصبح اعتزازهم بالإسلام وبما يقدمونه من تضحيات وخدمات بدلاً من اعتزازهم بالأنساب، واتجه حُبُّهُم للأمجاد والبطولات صعداً إلى تحقيق ما يُرضِي الله ورسوله، وتحوَّلَتْ شجاعتهم وجُرأتهم المحصورة في النطاق القبلي إلى شجاعة وجرأة في سبيل نشر الدين الجديد، وتحوَّل كرمهم الذي بلغ حَدَّ السرف إلى إعانة الفقراء وإغاثة الملهوفين، وتزويد الجيوش للدفاع عن معتقداتهم وعن إخوانهم في الدين، وتحرير الأمم من نير العبودية إلى الحرية وعبادة إله واحد ... فكان الإسلام شرفاً عظيماً لهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (١) وكان العرب بحقٍّ كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢). يتبيَّنُ لنا مما ذكرت أنَّ هؤلاء العرب الذين انطوت نفوسهم على صفات كريمة، وخصال طيبة، وراءها دوافع قوية وحيويَّة فائقة، كان ينقصهم العقيدة الصالحة، والنظام الحسن، فما إنْ وجدوهما في الإسلام دين الحنيفية السمحة، حتى كانوا خير حافظ لها، وأول داع إليها، ومن ثمَّ فتحوا قلوبهم للرسول الكريم ﵊، وأصغوا إليه، والتفوا حوله

стр. 24

ينهلون من المعين الذي لا ينضب، ويتلقون تعاليم الإسلام من رائده ليقوموا بدورهم في هداية الناس جَمِيعًا، وهكذا تضافر العامل الفطري الذي تميَّز به العرب مع العامل المكتسب الجديد (الروحي)، فظهر الرعيل الأول الذي حمل مشعل النور والحق إلى العالم، ونقل القرآن الكريم والسُنَّة المطهَّرة بكل أمانة وإخلاص. ولما كان موضوعنا متعلِّقاً بالسُنَّة، فلننتقل إلى التعريف بها. أَوَّلاً - التَّعْرِيفُ بِالسُنَّةِ: ١ - السُنَّة فِي اللُّغَةِ: السُنَّة: السيرة حسنة كانت أو قبيحة. قال خالد بن عتبة الهذلي: فَلاَ تَجْزَعَنْ مِنْ سِيرةٍ أَنتَ سِرْتَهَا * ... * ... * فأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا وسننتها سناً واستننتها سرتها، وسننت لكم سنة فاتبعوها. وفي الحديث: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً» (١)، يريد من عملها ليقتدى به فيها. وكل من ابتدأ أمراً عمل به قوم بعده، قيل هو الذي سنَّهُ. قال نُصَيْبٌ: كأَنِّي سَنَنتُ الحُبَّ، أَوَّلَ عاشِقٍ * ... * ... * مِنَ النَّاسِ، إِذْ أَحْبَبْتُ مِنْ بَيْنِهم وَحْدِي

стр. 25

وقد تكرَّرَ في الحديث ذكر السُنَّة وما تصرف منها. والأصل فيه الطريقة والسيرة. وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ، ونهى عنه، وندب إليه قولاً وفعلاً، ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسُنَّة، أي القرآن والحديث. ويجوز أن يكون لفظ (سُنَّة) من سننت الإبل إذا أحسنت رعيتها والقيام عليها (١). ٢ - السُنَّةُ فِي الشَّرْعِ: يختلف معنى السُنَّةِ في اصطلاح المتشرعين حسب اختلاف فنونهم وأغراضهم، فهي عند الأصوليين غيرها عند المُحَدِّثين والفقهاء، ولذلك نرى مدلول معناها من خلال أبحاثهم. (أ) فعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الإمام الهادي، الذي أخبر الله عنه أنه أسوة لنا وقدوة، فنقلوا كل ما يتَّصل به من سيرة، وخُلُقٍ، وشمائل، وأخبار، وأقوال، وأفعال، سواء أثْبَتَ ذلك حُكماً شرعياً أم لا. (ب) وعلماء الأصول إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ المُشرِّع الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده، ويُبيِّنُ للناس دستور الحياة، ولذلك عنوا بأقواله، وأفعاله، وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها. (جـ) وعلماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ ، الذي تدُلُّ

стр. 26

أفعاله على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع في أفعال العباد وجوباً أو حرمة، أو إباحة، أو غير ذلك (١). مما تقدم يتلخَّص لدينا ما يلي: السُنَّة في اصطلاح المُحَدِّثِينَ هي: كل ما أُثِرَ عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صِفة خَلقية أو خُلُقيَّة، أو سيرة سواء أكان ذلك قبل البعثة كتحَنُّثِهِ في غار حراء، أو بعدها. والسُنَّة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي. السُنَّة في اصطلاح علماء أصول الفقه: هي كل ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن الكريم، من قول، أو فعل، أو تقرير، مما يصلح أنْْ يكون دليلاً لحكم شرعي. أما القول فهو أحاديثه ﷺ التي قالها في مختلف الأغراض والمناسبات، فترتَّب على ذلك حكم شرعي، كقوله ﷺ «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وقوله: «لاَ ضَرَر وَلاَ ضِرَارَ» (٢) وقوله في زكاة الزروع: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرَ، وَمَا سُقِىَ بِالنَّضْحِ نِصْفَ الْعُشْرِ» (٣) وقوله في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٤).

стр. 27

وأما الفعل فهو أفعاله التي نقلها إلينا الصحابة، مثل أدائه الصلوات الخمس بهيئاتها وأركانها، وأدائه ﷺ مناسك الحج، وقضائه بالشاهد واليمين (١)، وما إلى ذلك. وأما التقرير فكل ما أقرَّهُ الرسول ﷺ مما صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال، بسكوت منه وعدم إنكار، أو بموافقته وإظهر استحسانه وتأييده، فيُعْتبَرُ ما صدر عنهم بهذا الإقرار والموافقه عليه صادراً عن الرسول ﷺ ، ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخُدري ﵁ أنه خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء فحضرت الصلاة فتيمَّما صعيداً طيِّباً، فصلَّيا ثم وجِدًّا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا النبي ﷺ ، فذكرا ذلك له، فقال الذي لم يعد: «أَصَبْتَ السُنَّةَ» وقال للآخر: «لَكَ الأَجْرَ مَرَّتَيْنِ» (٢). ومنه أَيْضًا إقراره الاجتهاد للصحابة في أمر صلاة العصر في غزوة بين قريظة، حين قال لهم: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدكُمْ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، ففهم بعضهم هذا النهي على حقيقته، فأخَّرها إلى ما بعد المغرب، وفهمه بعضهم على أنَّ المقصود حث الصحابة على الإسراع فصلاَّها في وقتها، وبلغ النبي ﵊ ما فعل الفريقان، فأقرَّهُما ولم ينكر على أحدهما (٣). ومنه إقرارُهُ لطريقة معاذ بن جبل في القضاء حينما بعثه إلى اليمن. إذْ قال له: «كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ

стр. 28

اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي لاَ آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرِي ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» (١). وأما السُنَّة في اصطلاح الفقهاء: فهي كل ما ثبت عن النبي ﷺ ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب، فهي الطريقة المتبعة في الدين من غير افتراض ولا وجوب. وقد تطلق السُنَّة عند الفقهاء في مقابلة البدعة (٢). والبدعة لغة: الأمر المستحدث، ثم أطلقت في الشرع على كل ما أحدثه الناس من قول وعمل في الدين وشعائره مما لم يؤثر عنه ﷺ وعن أصحابه. وقد قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (٣). ومن ذلك قولهم «فُلاَنٌ عَلَى سُنَّةٍ» إذا عمل على وفق ما عمل النبي ﷺ وأصحابه، سواء أكان ذلك مما نص عليه في الكتاب أم لم يكن، وقولهم: «فُلاَنٌ عَلَى بِدْعَةٍ» إذا عمل على خلاف ما عملوه أو أحدث في الدين ما لم يكن عليه السلف. وتُطلَقُ السُنَّةُ أحيانًا عند المُحَدِّثِينَ وعلماء أصول الفقه على ما عمل به أصحابُ رسول الله ﷺ ، سواء أكان ذلك في الكتاب الكريم أم في المأثور عن النبي

стр. 29

- ﷺ أم لا (١). ويحتج لذلك بقوله ﵊: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (٢)، وقوله أَيْضًا: «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» (٣). ومن أبرز ما ثبت من السُنَّة بهذا المعنى «سُنَّةُ الصَّحَابَةِ» حَدَّ الخمر، وتضمين الصناع، وجمع المصاحف في عهد أبي بكر برأي الفاروق، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين ... وما أشبه ذلك مما اقتضاه النظر المصلحي الذي أقرَّهُ الصحابة ﵃ (٤). وأعني بالسُنَّة في بحثي هذا ما أراده المُحَدِّثُونَ، وهي ما يرادف الحديث عند جمهورهم. وإنْ كان بعضهم يُفرِّقُ بينهما. فيرى الحديث ما ينقل عن النبي ﵊، والسُنَّة ما كان عليه العمل المأثور في الصدر الأول، ولذلك قد تَرِدُ أحاديث تخالف السُنَّةَ المعمول بها، فيلجأ العلماء حينئذٍ إلى التوفيق والترجيح، وعلى ذلك يحمل قول عبد الرحمن بن مهدي: «لَمْ أرَ أَحَدًا قَطُّ أَعْلَمَ بِالسُنَّةِ وَلاَ بِالحَدِيثِ الذِي يَدْخُلُ فِي السُنَّةِ مِنْ حَمَّادٍ بْنَ زَيْدٍ» (٥). وكذلك قوله عندما سئل عن سفيان الثوري والأوزاعي ومالك: «سُفْيَانُ

стр. 30

الثَّوْرِيُّ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ فِي السُّنَّةِ، وَالأَوْزَاعِيُّ إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الْحَدِيثِ، وَمَالِكٌ إِمَامٌ فِيهِمَا جَمِيعًا» (١). ومما يدل على أنَّ السُنَّة هي العمل المُتَّبَع في الصدر الأول قول علي بن أبي طالب لعبد الله بن جعفر عندما جلد شارب الخمر أربعين جلدة: «كُفَّ. جَلَدَ رَسُولُ اللِه ﷺ أَرْبَعَينَ وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعَينَ، وَكَمَلَهَا عُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ» (٢). وبعد أن بيَّنْتُ معنى السُنَّة لغة وشرعا أرى من واجبي أن أبيِّنَ معاني بعض الألفاظ التي تداولها أهل هذا الفن في علمهم. ٣ - معنى الحديث والخبر والأثر: الحديث لغة: الجديد من الأشياء، والحديث الخبر يأتي على القليل والكثير، والجمع أحاديث كقطيع وأقاطيع وهو شاذ على غير قياس. وقوله تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٣)، عني بالحديث القرآن الكريم، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٤) أي بَلِّغْ ما أرسلت به (٥). فالحديث والخبر في اللغة مترادفان من وجه. وقد تطور استعمال هذا اللفظ، وأصبح يطلق على نوع خاص من الأخبار في الأوساط الدينية بدون أن يخرجه ذلك عن معناة العام، يقول ابن مسعود:

стр. 31

«إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ ﷺ » وهكذا أصبح القرآن أحسن الحديث، ثم حدَّدَ معنى الحديث أخيراً بأخبار الرسول، سأل أبو هريرة رسول الله ﷺ ، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فقال له الرسول: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلاَّ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ» (١). وقد سبق أن ذكرتُ معنى الحديث مرادفاً للسُنّة عند المُحَدِّثِينَ، وقيل الحديث ما جاء عن النبي ﷺ والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثم قيل لمن يشتغل بالسُنَّة مُحَدِّثٌ، وبالتواريخ ونحوها إخباري» (٢). وقال ابن حجر في " شرح نخبة الفكر ": «الخَبَرُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْفَنِّ مُرَادِفٌ لِلْحَدِيثِ، فَيُطْلَقَانِ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَعَلَى الْمَوْقُوفِ وَالْمَقْطُوعِ»، فيشمل ما جاء عن الرسول ﷺ وعن الصحابة والتابعين، وقيل بينهما عموم وخصوص مطلق فكل حديث خبر ولا عكس. وقد سمَّى المُحَدِّثُونَ المرفوع والموقوف من الأخبار (أثراً). إلاَّ أنَّ فقهاء خراسان يُسمُّون الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر (٣). فخلاصة القول: إذا أطلق لفظ (الحديث) أريد به ما أضيف إلى النبي ﷺ

стр. 32

من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقية أو خُلُقية. وقد يراد به ما أضيف إلى صحابي أو تابعي، ولكن الغالب أن يقيد إذا ما أريد به غير النبي ﷺ . ويطلق الخبر والأثر ويراد بهما ما أضيف إلى النبي ﵊ وما أضيف إلى الصحابة والتابعين وهذا رأي الجمهور. إلاَّ أنَّ فقهاء خراسان يسمُّون الموقوف أثراً والمرفوع خبراً. الحديث القدسي: وكل حديث يضيف فيه رسول الله ﷺ قولاً إلى الله يُسمَّى بالحديث القدسي أو الإلهي، والأحاديث القدسية أكثر من مائة حديث، وقد جمعها بعضهم في جزء كبير (١)، ونسبة الحديث إلى القدس (وهو الطهارة والتنزيه) وإلى الإله أو إلى الرب، لأنه صادر عن الله ﵎ «من حيث إنه المتكلِّم به أولاً والمنشئ له. وأما كونه حديثاً، فلأنَّ الرسول هو الحاكي له عن ربه ، والفرق بينه وبين سائر الأحاديث، أنَّ هذه نسبتها إليه، وحكايتها عنه فهو القائل وهو الحاكي عن نسفه، وأما تلك فلا» (٢).

стр. 33

وقبل أن ندخل الباب الأول من الكتاب أرى من الواجب أنْ أبيِّنَ موضوع السُنَّة ومكانتها من القرآن. ثَانِيًا - مَوْضُوعُ السُنَّةِ وَمَكَانَتُهَا مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ: (١) لم يكن للأحكام في عهد رسول الله ﷺ مصدر سوى الكتاب والسُنَّة. ففي كتاب الله تعالى الأصول العامة للأحكام، دون التعرض إلى تفصيلها جميعها والتفريع عليها، إلاَّ ما كان منها متفقاً مع الأصول ثابتاً بثبوتها، لا يتغيَّر بمرور الزمن، ولا يتطور باختلاف الناس في بيئاتهم وأعرافهم، كل هذا حتى يساير القرآن الكريم كل زمن، ويبقى صالحاً لكل أمَّة، مهما كانت بيئتها وأعرافها، فتجد فيه ما يكفل حاجتها التشريعية في سبيل النهوض والتقدم. وإلى جانب هذه الأصول في القرآن الكريم نجد العقائد والعبادات وقصص الأمم الغابرة، والآداب العامة والأخلاق .. وقد جاءت السُنَّة في الجملة موافقة للقرآن الكريم، تفسِّرُ مُبْهَمَهُ، وتُفَصِّلُ

стр. 34

مجمله، وتُقيِّدُ مُطلقه، وتُخَصِّصُ عامه، وتشرح أحكامه وأهدافه كما جاءت بأحكام لم ينص عليها القرآن الكريم (١)، فكانت في الواقع تطبيقاً عملياً لما جاء به القرآن العظيم، تطبيقاً يتخذ مظاهر مختلفة، فحيناً يكون عملاً صادراً عن الرسول ﷺ ، وحيناً آخر يكون قولاً يقوله في مناسبة، وحيناً ثالثاً يكون تصرُّفاً أو قولاً من أصحابه ﷺ ، فيرى العمل أو يسمع القول ثم يقر هذا وذاك، فلا يعترض عليه ولا ينكره، بل يسكت عنه أو يستحسنه فيكون هذا منه تقريراً. وهكذا كان رسول الله ﷺ يبيّن ما جاء في القرآن الكريم، والصحابة يقبلون ذلك منه، لأنهم مأمورون باتباعه وطاعته، ولم يخطر ببال امرئ منهم أن يترك قول رسول الله ﵊ أو فعله، وقد عرفوا ذلك من كتاب الله تعالى، ففيه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢)، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا (٣)﴾ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥)، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٦). فتقبَّل المسلمون السُنَّة من الرسول ﷺ كما تقبَّلوا القرآن (٧)

стр. 35

الكريم استجابة لله ورسوله، لأنها المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم بشهادة الله ورسوله. وقد بيَّنت السُنَّة القرآن من وجوه (١)، فبيَّنت ما أجمل من عبادات وأحكام، فقد فرض الله تعالى الصلاة على المؤمنين، من غير أن يبيِّن أوقاتها وأركانها وعدد ركعاتها، فبيَّن الرسول الكريم هذا بصلاته وتعليمه المسلمين كيفية الصلاة، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى» (٢). وفرض الحج من غير أن يبيِّن مناسكه، وقد بيَّن الرسول ﵊ كيفيته، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (٣). وفرض الله تعالى الزكاة من غير أن يبيِّن ما تجب فيه من أموال وعروض وزروع، كما لم يبيِّن النصاب الذي تجب فيه الزكاة من كل، فبيَّنت السُنَّة ذلك كله. ومن بيان الرسول ﷺ للقرآن تخصيص عامه، من هذا ما ورد في بيان قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤) فهذا حكم عام في وراثة الأولاد آباءهم وأمهاتهم يثبت في كل أصل موروث، وكل ولد وارث فخصَّت السُنَّةُ المُوَرِّثَ بغير الأنبياء، بقوله ﷺ : «نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ (٥)»، وخصَّت الوارث

стр. 36

بغير القاتل بقوله ﷺ : «لاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ» (١). ومن بيانه ﷺ تقييد مطلق القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) فإنَّ قطع اليد لم يقيَّد في الآية بموضع خاص، فتطلق اليد على الكف وعلى الساعد وعلى الذراع. ولكن السُنَّة قيَّدَتْ القطع بأنْ يكون من الرسغ، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ عندما «أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقْطَعَ يَدُهُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ» (٣). وتأتي سُنَّة الرسول ﷺ مثبتة ومؤكدة لما جاء في القرآن الكريم أو مُفرّعة على أصل تقرر فيه، ومن ذلك جميع الأحاديث التي تدل على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج. ومثال السُنََّة التي وردت تفريعاً على أصل في الكتاب (٤) منع بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها، ففي القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٥). وعندما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وجد المزارعين يتبايعون ثمار الأشجار قبل أنْ يبدو صلاحها، من غير أنْ يتمكَّن المشتري من معرف كميتها وصلاحها، فإذا حان جني الثمار كانت المفاجئات غير الطيبة كثيراً ما تثير النزاع بين المتعاقدين، وذلك عندما طرأ طارئ من برد شديد، أو مُرَاض شجري يقضي على الزهر، وينعدم معه الثمر. لذلك حرَّم رسول

стр. 37

الله ﷺ هذا النوع من البيع ما لم يبدُ صلاح الثمر (١)، ويتمكَّن المشتري من التثبت من تمام تكوُّنها، وقال: «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» (٢). وفي السُنَّةِ أحكام لم ينصَّ عليها الكتاب وليست بيانًا له، ولا تطبيقًا مؤكدًا لما نص عليه كتحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا (٣). بعد هذا التمهيد نتقدم لدراسة السُنَّةِ، منذ عهده ﷺ إلى عصر التصنيف المشهور وبالله التوفيق. ...

стр. 38

البَابُ الأَوَّلُ: السُنَّةُ فِي العَهْدِ النَّبَوِيِّ: - نتحدث في هذا الباب عن الرسول ﷺ من حيث هو مُعَلِّمٍ وَمُرَبٍّ وعن تجاوبه مع دعوته، وموقفه من العلم، ومنهجه ﷺ في التعليم. - ونتناول مادة السُنَّةِ وحاجة المسلمين إليها، ثم نُبَيِّنُ كيف كان الصحابة يتلقَّونها عن الرسول ﷺ . - ثم نختتمه بانتشار السُنَّةِ في عهد الرسول ﵊، وبيان عوامل هذا الانتشار آنذاك.

стр. 39

تَمْهِيدٌ: عرفنا البيئة التي ظهر فيها رسول الله ﷺ ، والفترة التي قَضَّاهَا في دعوته الطاهرة وقد كانت مرحلة تعليمية تطبيقية، وأساسًا متينًا لبنيان الحضارة الإسلامية الشامخ، الذي غَيَّرَ وجه التاريخ، وَأَمَدَّهُ بذخيرة حضارية في مختلف نواحي الحياة. فإذا ما نظرنا إلى تلك الحقبة التي لا تتجاوز ربع قرن من عمر الزمن، منذ بدء دعوة محمد ﷺ حتى وفاته، ألفينا أنفسنا أمام مدرسة كبيرة جِدًّا تمر في مرحلة تربوية جديدة، يشرف على توجيهها وتربية طلابها وتعلمهم محمد ﷺ ، و «موادها» القرآن وَالسُنَّةُ، وطلابها الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -. وإذا حاولنا أنْ نحكم على هذه التجربة التربوية، حُكْمًا عِلْمِيًّا صَحِيحًا كان لا بد لنا من أَنْ نستعمل طرق القياس والدراسة التربوية، لنتمكن من معرفة مدى نجاح تلك المدرسة الكبرى، ومقدار الإفادة من تلك المادة العلمية التي كانت موضوع الدرس والبحث والتطبيق، ولا يتحقَّق لنا هذا إلاَّ بدراسة شخصية المعلم المُرَبِّي، وتفاعله مع مادته ورسالته، وعلاقته بطلابه وتفاعلهم معه، ومدى تجاوب هؤلاء الطلاب مع مُرَبِّيهِمْ ومع مادته، لنعرف من خلال هذا الفائدة العلمية التربوية التي جنوها، ونطمئنَّ إلى مصير العلم الذي تلقَّوهُ وشاركوا في تطبيقه. لهذا كله كان لِزَامًا علينا أنْ نتعرف على شخصية الرسول الكريم ﵊، مُربِّيًا وَمُعلِّمًا، ونطَّلِعَ على منهجه وأسلوبه، وعلى المادة

стр. 40

التي كانت موضوع العناية والتطبيق من حيث اتصالها ببيئة الطلاب وحياتهم اليومية ونَطَّلِعَ على منهج الصحابة أنفسهم في التلقي، ومدى تجاوبهم مع رسول الله ﷺ ، وتفاعلهم مع الشريعة الغراء، وخاصة السُنَّة الشَّرِيفَةَ، كل هذا ليكون بحثنا موضوعيًا دقيقًا، يُصَوِّرُ الواقع الذي كانت عليه السُنَّةُ تصويرًا صحيحًا. وإنَّ دراسة المُربِّي والمادة والطلاب لَتُبَيِّنُ مدى نجاح تلك التجربة لأنَّ كل جانب من هذه النواحي الثلاثة أثره البعيد في فهم المادة العلمية المدروسة وبقائها مدة طويلة في نفوس الطلاب واضحة جلية، فكلما تضافرت هذه العوامل الثلاثة في طرق الإيجاب، كانت الفائدة عظيمة جليلة، وبقيت المادة في أذهان الطلاب أَمَدًا بعيدًا، وإذا تنافرت هذه العوامل وَقََلَّ تجاوبها فيما بينها لم تؤت أكلها، وتضاءلت الفائدة المرجوة منها، وسرعان ما يأتي النسيان على تلك المادة التي كانت موضوع البحث والدراسة والتطبيق، وعلى ضوء هذا نتناول البحث من أطرافه الثلاثة المذكورة في هذا الباب. ... ١ - الرَّسُولُ ﷺ -: [أ] مُعَلِّمٌ وَمُرَبٍّ: مهما حاولت أنْ أصف الدرجة التي وصل إليها الرسول ﷺ من الخٌلُقِ الكريم والسلوك المستقيم فلن أستطيع الإحاطة بذلك، ولا غرابة فأي أديب يمكنه أن يُعبِّرَ عن العناية الإلهية التي شملت رسول الله ﷺ في جميع مراحل حياته؟ وأيُّ مؤرِّخ يمكنه أنْ يستقصي جميع أخباره دقيقها
следующие страницы →