← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96178

السنة قبل التدوين

محمد عجاج الخطيب

Полный текст (559 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بغير القاتل بقوله ﷺ : «لاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ» (١). ومن بيانه ﷺ تقييد مطلق القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) فإنَّ قطع اليد لم يقيَّد في الآية بموضع خاص، فتطلق اليد على الكف وعلى الساعد وعلى الذراع. ولكن السُنَّة قيَّدَتْ القطع بأنْ يكون من الرسغ، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ عندما «أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقْطَعَ يَدُهُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ» (٣). وتأتي سُنَّة الرسول ﷺ مثبتة ومؤكدة لما جاء في القرآن الكريم أو مُفرّعة على أصل تقرر فيه، ومن ذلك جميع الأحاديث التي تدل على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج. ومثال السُنََّة التي وردت تفريعاً على أصل في الكتاب (٤) منع بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها، ففي القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٥). وعندما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وجد المزارعين يتبايعون ثمار الأشجار قبل أنْ يبدو صلاحها، من غير أنْ يتمكَّن المشتري من معرف كميتها وصلاحها، فإذا حان جني الثمار كانت المفاجئات غير الطيبة كثيراً ما تثير النزاع بين المتعاقدين، وذلك عندما طرأ طارئ من برد شديد، أو مُرَاض شجري يقضي على الزهر، وينعدم معه الثمر. لذلك حرَّم رسول

стр. 37

الله ﷺ هذا النوع من البيع ما لم يبدُ صلاح الثمر (١)، ويتمكَّن المشتري من التثبت من تمام تكوُّنها، وقال: «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» (٢). وفي السُنَّةِ أحكام لم ينصَّ عليها الكتاب وليست بيانًا له، ولا تطبيقًا مؤكدًا لما نص عليه كتحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا (٣). بعد هذا التمهيد نتقدم لدراسة السُنَّةِ، منذ عهده ﷺ إلى عصر التصنيف المشهور وبالله التوفيق. ...

стр. 38

البَابُ الأَوَّلُ: السُنَّةُ فِي العَهْدِ النَّبَوِيِّ: - نتحدث في هذا الباب عن الرسول ﷺ من حيث هو مُعَلِّمٍ وَمُرَبٍّ وعن تجاوبه مع دعوته، وموقفه من العلم، ومنهجه ﷺ في التعليم. - ونتناول مادة السُنَّةِ وحاجة المسلمين إليها، ثم نُبَيِّنُ كيف كان الصحابة يتلقَّونها عن الرسول ﷺ . - ثم نختتمه بانتشار السُنَّةِ في عهد الرسول ﵊، وبيان عوامل هذا الانتشار آنذاك.

стр. 39

تَمْهِيدٌ: عرفنا البيئة التي ظهر فيها رسول الله ﷺ ، والفترة التي قَضَّاهَا في دعوته الطاهرة وقد كانت مرحلة تعليمية تطبيقية، وأساسًا متينًا لبنيان الحضارة الإسلامية الشامخ، الذي غَيَّرَ وجه التاريخ، وَأَمَدَّهُ بذخيرة حضارية في مختلف نواحي الحياة. فإذا ما نظرنا إلى تلك الحقبة التي لا تتجاوز ربع قرن من عمر الزمن، منذ بدء دعوة محمد ﷺ حتى وفاته، ألفينا أنفسنا أمام مدرسة كبيرة جِدًّا تمر في مرحلة تربوية جديدة، يشرف على توجيهها وتربية طلابها وتعلمهم محمد ﷺ ، و «موادها» القرآن وَالسُنَّةُ، وطلابها الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -. وإذا حاولنا أنْ نحكم على هذه التجربة التربوية، حُكْمًا عِلْمِيًّا صَحِيحًا كان لا بد لنا من أَنْ نستعمل طرق القياس والدراسة التربوية، لنتمكن من معرفة مدى نجاح تلك المدرسة الكبرى، ومقدار الإفادة من تلك المادة العلمية التي كانت موضوع الدرس والبحث والتطبيق، ولا يتحقَّق لنا هذا إلاَّ بدراسة شخصية المعلم المُرَبِّي، وتفاعله مع مادته ورسالته، وعلاقته بطلابه وتفاعلهم معه، ومدى تجاوب هؤلاء الطلاب مع مُرَبِّيهِمْ ومع مادته، لنعرف من خلال هذا الفائدة العلمية التربوية التي جنوها، ونطمئنَّ إلى مصير العلم الذي تلقَّوهُ وشاركوا في تطبيقه. لهذا كله كان لِزَامًا علينا أنْ نتعرف على شخصية الرسول الكريم ﵊، مُربِّيًا وَمُعلِّمًا، ونطَّلِعَ على منهجه وأسلوبه، وعلى المادة

стр. 40

التي كانت موضوع العناية والتطبيق من حيث اتصالها ببيئة الطلاب وحياتهم اليومية ونَطَّلِعَ على منهج الصحابة أنفسهم في التلقي، ومدى تجاوبهم مع رسول الله ﷺ ، وتفاعلهم مع الشريعة الغراء، وخاصة السُنَّة الشَّرِيفَةَ، كل هذا ليكون بحثنا موضوعيًا دقيقًا، يُصَوِّرُ الواقع الذي كانت عليه السُنَّةُ تصويرًا صحيحًا. وإنَّ دراسة المُربِّي والمادة والطلاب لَتُبَيِّنُ مدى نجاح تلك التجربة لأنَّ كل جانب من هذه النواحي الثلاثة أثره البعيد في فهم المادة العلمية المدروسة وبقائها مدة طويلة في نفوس الطلاب واضحة جلية، فكلما تضافرت هذه العوامل الثلاثة في طرق الإيجاب، كانت الفائدة عظيمة جليلة، وبقيت المادة في أذهان الطلاب أَمَدًا بعيدًا، وإذا تنافرت هذه العوامل وَقََلَّ تجاوبها فيما بينها لم تؤت أكلها، وتضاءلت الفائدة المرجوة منها، وسرعان ما يأتي النسيان على تلك المادة التي كانت موضوع البحث والدراسة والتطبيق، وعلى ضوء هذا نتناول البحث من أطرافه الثلاثة المذكورة في هذا الباب. ... ١ - الرَّسُولُ ﷺ -: [أ] مُعَلِّمٌ وَمُرَبٍّ: مهما حاولت أنْ أصف الدرجة التي وصل إليها الرسول ﷺ من الخٌلُقِ الكريم والسلوك المستقيم فلن أستطيع الإحاطة بذلك، ولا غرابة فأي أديب يمكنه أن يُعبِّرَ عن العناية الإلهية التي شملت رسول الله ﷺ في جميع مراحل حياته؟ وأيُّ مؤرِّخ يمكنه أنْ يستقصي جميع أخباره دقيقها

стр. 41

وجليلها في هذا المجال؟ ومع هذا فَإِنَّ المؤلفات التي دُوِّنَتْ عن حياة رسول الله ﷺ في مختلف ظواهرها لم يُدَوَّنْ مثلها لرجل في التاريخ قط. وأحاول الآن أنْ أتناول الخطوط الكبرى لموضوعنا هذا. لقد اصطفى الله تعالى مُحَمَّدًا ﷺ ، وربَّاه وعلَّمه بعنايته الإلهية ليتمكَّن من حمل الرسالة وتبليغها، فأُعِدَّ إعدادًا عظيمًا، حَتَّى كَانَ القُرْآنُ خُلُقَهُ: يرضى برضاه، ويسخط بسخطه (١)، بُعث لِيُتَمِّمَ مكارم الأخلاق، «فَلَمْ يَكُنْ ﷺ فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلاَقًا» (٢). «كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا» (٣)، «وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ» (٤)، «وَإِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ» (٥) وَكَانَ أَصْحَابه يَعْرِفُونَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَلَمْ يَحْقِدْ عَلَى إِنْسَانٍ قَطُّ لِنَفْسِهِ، وَمَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ «إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا» (٦). كان سيد الناس في أخلاقه ومعاملاته؛ وكيف لا وقد اختاره الله تعالى ليكون للعالم أسوة حسنة، وأوحى إليه ليكون لهم بشيراً ونذيراً؟ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (٧) فكانت مُهِمَّتُهُ - عَلَيْهِ

стр. 42

الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - مُهِمَّة صعبة جليلة، يبلغ الناس آيات الله - جَلَّ وَعَلاَ -، وَيُفقِّهَهُمْ في الدين، ويطهرهم وينقذهم مما كانوا فيه، لذلك كله كان - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - يتمتع بصفات خُلُقِيَّةٍ سامية، وَيَتَمَيَّزُ بشخصية تربوية عالية، تتجلَّى فيها الآداب الكريمة، التي تتدفق من خصاله الحميدة الكثيرة، ويكفينا في ذلك كله شهادة الله له إذْ يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١). أما من الناحية العلمية فقد شرح الله صدره وعلمه ما لم يكن يعلم، فبلغ ﷺ من العلم غاية لم يبلغها بشر سواه، فكان المرجع الأول للمسلمين في أحكام القرآن، وتعاليم الإسلام، وعرف سير الأمم الغابرة، وجمع إلى ذلك علم أهل الكتاب، وأُتِيَ جوامع الكلم، إلى جانب معرفته بالعلوم الأخرى التي تتصل بالحياة الإنسانية، يدرك ذلك من تتبع أخباره ﷺ وسيرته، قال تعالى: ﴿ ... وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ... ﴾ (٢) فعلم دقائق أحكام القرآن فحمله إلى الناس، وَبَيَّنَهُ بِسُنَّتِهِ الطاهرة وسلوكه المستقيم، فكان المعلم الأول، والمُرشد الصادق الأمين إلى الطريق القويم، وكان بحق رحمة للعالمين. ... [ب] تَجَاوُبُهُ مَعَ دَعْوَتِهِ: لما كان لتجاوب المُرَبِّي مع مادته أثر بعيد في إفادة طلابه، وبقاء المادة العلمية ثابتة راسخة في أذهانهم، أحببت أنْ أُنَبِّهَ إلى تجاوب الرسول الكريم مع رسالته ودعوته، لندرك فيما بعد أثر ذلك في حفظ السُنَّةِ الشَّرِيفَةِ.

стр. 43

إنه لا يشك إنسان في أنَّ رسول الله ﵊، قد اندفع من صميم فؤاده وبجميع قواه في سبيل تبليغ رسالته، وقد تَحَمَّلَ الكثير من الأذى وَقَاسَى الصعاب وصبر الصبر الجميل لتدعيم أركان الحنيفية السمحة، واضطهد كثيرًا حتى غادر مسقط رأسه. ومع هذا كان يَتَمَنَّى لقومه الهداية والرشاد، فَيُطَيِّبُ اللهُ خاطره، ويُخفِّفُ عنه، مُبيِّنًا أنَّ هدايتهم بيده فيقول: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١). وَيُصَوِّرُ الله تعالى ضيقه ﷺ في سبيل هداية قومه فيقول: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٢). حتى إذا مَا رَسَتْ دَعَائِمُ الإسلام وقويت شوكته، وقامت دولته كان الرسول ﵊، القائد المُوجِّهَ والرئيس المشرف، والفقيه المعلم، والمُفتي الصادق يمارس كل هذا بنفسه الصافية، وروحه العالية مندفعًا في أداء الأمانة فقضى عمره داعيًا إلى الله مُعَلِّمًا وَمُرْشِدًا، يُحِبُّ أصحابه حُبًّا جَمًّا، يشاركهم آلامهم وأفراحهم، وفي هذا كله كان منسجمًا انسجامًا تَامًّا مع رسالته سعيدًا بدعوته، خير من يهتدي بسيرته في مختلف مظاهر الحياة، وقد كان الأسوة الحسنة لأصحابه الذين خالطوه ورأوه وسمعوا منه وعرفوا عنه كل دقيق وجليل، فنقلوه إلينا بإخلاص ودقة. ...

стр. 44

[ج] مَوْقِفُ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ العِلْمِ: لقد نزل الوحي على رسول الله ﵊ أول ما نزل بآيات توجه النظر الإنساني إلى التعلم، وتطالبه بالقراءة، فصدع بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... ﴾ (١). وإنا لنجد القرآن يدعو إلى التعلم، ويحض على طلب العلم، وَيُبَيِّنُ درجات العلماء، ويخاطب العقلاء، ويحضهم على التدبر في آيات الله تعالى وآلائه، من ذلك قوله تعالى: ﴿ ... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ﴾ (٣) وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٤) وقد حض على سؤال العلماء فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥) وأوجب نشر العلم وبيان أحكام الله فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ (٦) كما حض على طلب العلم والتعليم فقال: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٧)، بَلْ حَثَّ على الاستزادة من العلم فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٨).

стр. 45

ولسنا بصدد إحصاء آيات العلم والتعليم والعلماء في القرآن الكريم، فإنَّ المقام لا يتسع لذلك، وإنما الغاية أنْ نعرف موقف الرسول ﷺ من العلم والحث على طلبه، وتشجيعه للعلماء وطلاب العلم على ممارسة التعليم والتعلم، فنطَّلع على سُنَّته ﵊ في ذلك، لأنَّ لهذا أثرًا بعيدًا في حفظ «السُنَّةِ» إلى جانب القرآن الكريم. وإنَّ ما سنعرضه الآن إنما هو غيض من فيض. ١ - حَضُّ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى طَلَبِ العِلْمِ: بيَّنَ الرسول ﷺ منزلة العلم وحض على طلبه فقال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (١) وقال ﷺ : «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» (٢)، وجعل العلم ركنا من أركان الخير وَمَيَّزَ الناس به فقال: «النَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلاَمِ إِذَا فَقهُوا» (٣). وجعل طلب العلم الشرعي الذي يحتاج إليه المسلم ليقيم أمور دينه فريضة على المسلم فقال ﵊: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (٤).

стр. 46

وأما العلوم الأخرى التي يحتاج إليها المسلمون في حياتهم فهي من باب فرض الكفاية، يأثم جميع المسلمين إذا احتاجوا إلى علم ولم يوجد بينهم من يكفيهم إياه، ثم لاَ يَتَحلَّلُونَ من ذلك حتى يَسُدُّوا ذلك النقص. وجعل العلم من الأمور التي يغتبط فيها ويتنافس في مضمارها فقال ﷺ : «لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ أَتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِى الْحَقِّ، وَآخَرُ أَتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (١). وحثَّ ﷺ المسلمين على أنْ يكون لكل منهم نصيب مِنَ العلم فقال: «اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا أَوْ مُسْتَمِعًا أَوْ مُحِبًّا، وَلاَ تَكُنِ الْخَامِسَةَ فَتَهْلَكَ» (٢)، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ لِي مِسْعَرُ: «زِدْتَنَا خَامِسَةً لَمْ تَكِنْ عِنْدَنَا، وَالخَامِسَةَ أَنْ تَبْغَضَ العِلْمَ وَأَهْلَهُ». وكان الرسول ﵊ يحض أصحابه على تفهم أمور دينهم، ويأمرهم أَنْ يسألوا عما يجهلونه، ويمنعهم أنْ يفتوا من غير علم، ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عباس: أَنَّ رَجُلاً أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَدْ أَصَابَهُ اِحْتِلاَمٌ، فَأُمِرَ بِالاِغْتِسَالِ فَمَاتِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فقال: «قَتَلُوهُ!! قَتَلَهُمُ اللَّهُ!! أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالَ؟!» (٣).

стр. 47

ولم يقتصر حض رسول الله لأصحابه على طلب العلم الشرعي من خلال القرآن والسُنَّةِ الطاهرة، بل دعاهم إلى كل علم يفيد المسلمين، حتى إنه أول ما قدم المدينة، وسمع من زيد بن ثابت بضع عشرة سورة من القرآن، وهو صغير السن أعجب به، وأمره أن يتعلَّم لغة اليهود، فقال: «يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي» وفي رواية: «إِنِّي أَكْتُبُ إِلَى قَوْمٍ فَأَخَافُ أَنْ يَزِيدُوا عَلّيَّ أَوْيُنْقِصُوا، فَتَعَلَّمَ السُّرْيَانِيَّةَ» قَالَ زَيْدٌ: «فَتَعَلَّمْتُهَا فِي سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا» (١). وكان رسول الله ﷺ كثيراً ما يدعو الله فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ (٢)». وذكر ﵊ العلم النافع في ثلاثة لا ينقطع أجرها بعد الموت، فقال: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: صَدَقَةٍ جَارِية، أوَ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَهُ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٣). هكذا بَيَّنَ رسول الله ﷺ مكانة العلم وحض أصحابه

стр. 48

والمسلمين جَمِيعًا على طلبه، ولم يكتف بذلك بل أمر بتبليغه. ٢ - حَضُّهُ عَلَى تَبْلِيغِ العِلْمِ: إنَّ الغاية من العلم أن ينتفع أصحابه، وينفعوا غيرهم به، ولا فائدة من علم مكتوم أو فقه في صدور العلماء، لا ينال منه الناس شيئًا، لذلك أمر رسول الله ﷺ بنشر العلم، وَحَرَّمَ كتمانه، وذكر ذلك في مناسبات كثيرة، وشهد على هذا ألوف المسلمين. قال ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نَضَّرَ اللهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيْثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَحْفَظُ لَهُ مِنْ سَامِعٍ» (١) والحديث مشهور، وطرقه كثيرة بألفاظ متقاربة، منها: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» ومنها: «نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لاَ فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلاَثٌ لاَ يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ الْمُؤْمِنُ: إِخْلاَصُ الْعَمَلِ للهِ ، وَطَاعَةُ ذَوِي الأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تَكُونُ مِنْ وَرَائِهِمْ» (٢). وكان يُبَلِّغُ الوفود التي تَفِدُ إليه أنْ يحملوا الإسلام إلى من خلفهم، ويُفَقِّهُوهُمْ في الدين، ومن ذلك ما فعله عندما قدم إليه وفد عبد القيس، قال ﷺ : «مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالقَوْمِ - أَو الْوَفْدِ -

стр. 49

غيرَ خَزايا، ولا ندامَى. قالوا: إنا نأتيك (١) من شُقَّة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحيُّ من كفار مُضَرَ، ولا نستطيع أن نأتيَكَ إلاَّ في شهر حرام، فمُرْنا بأمرٍ نُخبر به مَنْ وراءنا، ندخُلُ به الجنة، فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع .... قال: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ» (٢). ولم يترك رسول الله ﷺ طريقة من طرق التبليغ والإعلام في ذلك العصر إلاَّ استعملها في سبيل تبليغ الإسلام، فأرسل الرُّسُلَ، وطيَّرَ الكُتُبَ، ووجَّهَ الأمراءَ والقضاة، فكان مثالاً طيِّبًا لنشر الرسالة، وتلبيغ الأمانة، ومنع كتمان العلم: فقال: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَلُ الذِي يَتَعَلَّمُ عِلْماً ثُمَّ لاَ يُحَدِّثُ بِهِ مَثَلُ رَجُلٍ رَزَقَهُ اللهُ مالاً فَكَنَزَهُ فَلَمْ يُنْفِقْ مِنْهُ» (٤) فهو بمعنى الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ

стр. 50

وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١). ٣ - مَنْزِلَةُ العُلَمَاءِ (المُعَلِّمِينَ): يكفي رجال العلم فضلاً أنَّ رسول الله ﷺ رائدهم، وأول من حمل لواء التحرير من الجهالة والضلال. وَقَدْ بَيَّنَ ﵊ منزلتهم فقال: «العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» (٢) وَحَثَّ الأُمَّةَ على احترام العلماء ومعرفة حقوقهم فقال: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِى مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ» (٣) وإنَّ للعالم نصيبه عند الله من هذا الأجر كما لطالب العلم نصيبه منه. وفي ذلك يقول ﵊ «العَالِمُ وَالمُتَعَلِّمُ شَرِيكَانِ فِي الأَجْرِ» (٤) وقال ﷺ «مُعَلِّمُ الْخَيْرِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي البِحَارِ» (٥) ٤ - مَنْزِلَةُ طُلاَّبِ العِلْمِ: من أعظم ميزات الإسلام، أَنَّ كل عمل يقوم به المسلم يعود عليه بالفائدة

стр. 51

والخير يكتب له به عند الله أجره حتى طلب العلم، قال ﷺ : «مَنْ غَدَا إلَى الْمَسْجِدِ لاَ يُرِيدُ إلاَّ أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يُعَلِّمَهُ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامًّا (١) حِجَّتُهُ» (٢) وفي رواية: «كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (٣) و «مَنْ طَلَبَ عِلْمًا فَأَدْرَكَهُ، كَتَبَ الله لَهُ كِفْلَيْنِ مِنَ الأَجْرِ، وَمَنْ طَلَبَ عِلْمًا فَلَمْ يُدْرِكْهُ، كَتَبَ الله لَهُ كِفْلاً مِنَ الأَجْرِ» (٤) وقال: «إِذَا جَاءَ المَوْتُ طَالِبَ العِلْمِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ مَاتَ شَهِيداً (٥)». وإنَّ فضل العلم ليربو على فضل العبادة أحيانًا لقوله ﷺ : «فَضْلُ العِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ العِبَادَةِ، وَمِلاَكُ الدِينِ الوَرَعُ» (٦). وإنَّ منزلة طلاب العلم لتبدو مجسَّمة واضحة فيما روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: « ... وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ،

стр. 52

وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (١). وَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ مُتَّكِئٌ عَلَى بُرْدٍ لَهُ أَحْمَرَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي جِئْتُُ أَطْلُبُ العِلْمَ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِطَالِبِ الْعِلْمِ، إِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَتَحُفُّهُ الْمَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَبْلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ مَحَبَّتِهِمْ لِمَا يَطْلُبُ» (٢) وفي رواية: «مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا طَلَبَ» (٣). ٥ - وَصِيَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِطُلاَّبِ العِلْمِ: عَنْ أَبِي هَارُونَ العَبْدِيِّ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ: " مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ". قَالَ: " قُلْنَا: وَمَا وَصِيَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ " قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّهُ سَيَأْتِي بَعْدِي قَوْمٌ يَسْأَلُونَكُمْ الحَدِيثَ عَنِّي، فَإِذَا جَاؤُوكُمْ فَأَلْطِفُوا بِهِمْ، وَحَدِّثُوهُمْ» (٤). وفي رواية أنه: إِذَا رَأَى الشَّبَابَ قَالَ: " مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ

стр. 53

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْصَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُوَسِّعَ لَكُمْ فِي المَجْلِسِ وَأَنْ نُفَقِّهَكُمْ، فَإِنَّكُمْ خُلُوفُنَا، وَأَهْلُ الحَدِيثِ بَعْدَنَا " (١). وفي رواية أخرى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُرَحِّبُوا بِطُلاَّبِ العِلْمِ، فَيَقُولُ: «سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ يَطْلُبُونَ العِلْمَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَقُولُوا لَهُمْ مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، [وَاقْنُوهُمْ] (*)» (٢). وفي رواية: «وَإِنَّهُمْ سَيَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ فَإِذَا جَاؤُوكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» (٣). تلك لمحة سريعة عن موقف رسول الله ﷺ من العلم، وتشجيعه العلماء وطلاب العلم على التعليم والتعلم، فَبَيَّنَ فضل العلماء وطلابه، ومنزلة كل منهم وأجره، حتى إنَّ المرء لا يكاد يسمع شَيْئًا من ذلك، إلاَّ اندفع تِلْقَائِيًّا، ليكون أحد أطراف الحياة العلمية، فهل بعد هذا كله وسيلة تشجيعية لطلب العلم وتحصيله؟ وهل وراء ذلك ما يثني الصحابة ومن بعدهم عن دراسة الحديث وحفظه وإتقانه؟! إِنَّ التشجيع العلمي بلغ أَوْجَهُ، وسبيل العلم متيسر للجميع ليس بينه وبين طلابه حاجز أو مانع، ومعلم الخير يرحب بكل طالب. وننتقل بعد هذا إلى منهج الرسول الكريم في تعليم أصحابه. ...

стр. 54

[د] مَنْهَجُهُ ﷺ فِي التَّعْلِيمِ: إنَّ منهج الرسول الكريم في تبليغ أصحابه لاَ يَتَعَدَّى منهج القرآن العظيم، إذْ كان الرسول مُبَلِّغًا لكتاب الله تعالى، مُبَيِّنًا أحكامه، مُوَضِّحًا آياته، وقد نزل القرآن الكريم مُنَجَّمًا عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ خلال ثلاث وعشرين سَنَةٍ، والرسول الكريم يبلغ قومه، ومن حوله، ويفصل تعاليم الإسلام، ويطبق أحكام القرآن، فكان معلمًا وحاكمًا وقاضيًا ومفتيًا وقائدًا طيلة حياته ﵊، فكل ما يتعلق بِالأُمَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ في جميع شؤونها، دقيقها وعظيمها، وكل ما يتناول الفرد والجماعة في مختلف نوحي حياتهم، مما لم يرد في القرآن فهو من السُنَّةِ، العملية أو القولية أو التقريرية، ومن ثَمَّ نجد بين يدينا أحكامًا وآدابًا وعبادات وقربات شُرِّعَتْ وَطُبِّقَتْ وَسُنَّتْ خلال ربع قرن، فلم توضع السُنَّةُ دفعة واحدة (١) كمجموعة من الشرائع الوضعية، أو الأحكام الخلقية، التي يمليها بعض الحكماء والوعاظ، وإنما شُرِّعَتْ لتربية الأُمَّة دينيًا واجتماعيًا وخلقيًا وسياسيًا، في السلم والحرب، في الرخاء والعسر، وتتناول النواحي العلمية والعملية، فلم يكن من السهل أن ينقلب الناس آنَئِذٍ فجأة، ويتحوَّلوا بين عشية وضحاها عن تعاليمهم القديمة، وديانتهم

стр. 55

وعاداتهم وتقاليدهم إلى الإسلام في نظمه وتعاليمه وعقائده وعباداته. لقد تَدَرَّجَ القرآن الكريم في انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة، ومحاربة المنكرات التي كان عليها الناس في الجاهلية، وثبت بالتدرج أَيْضًا العقائد الصحيحة، والعبادات، والأحكام، ودعا إلى الآداب السامية والأخلاق الفاضلة، وشجع الذين التفوا حول الرسول ﷺ على الصبر والثبات وفي هذا كله كان الرسول الكريم يُبيِّنُ القُرْآنَ، ويفتي الناس، ويفصل بين الخصوم ويقيم الحدود، ويُطبِّقُ تعاليم القرآن، وكل ذلك سُنّةٌ، وسنتناول الآن منهج الرسول الكريم ﵊، في ذلك كله، مُتَوَخِّينَ الإِيجَازَ، وإِنَّ لدراسة أسلوبه ومنهجه لأثرًا بعيدًا في تثبيت سُنَنِ الرسول ﷺ ، ولولا ذلك لَمْ نَتَعَرَّضْ لدراسته. كان الرسول ﷺ قد اتخذ دار الأرقم مَقَرًّا له ولأصحابه حين كانت الدعوة سرية، فيلتف حوله المسلمون الأوائل بعيدًا عن المشركين يتذاكرون كتاب الله، وهو يُعَلِّمُهُمْ مبادئ الإسلام، ويحفظهم ما يتنزل عليه من القرآن، وبعد ذلك أصبح منزل الرسول ﵊ في مكة ندوة المسلمين، ومعهدهم الذي يَتَلَقَّوْنَ فيه القرآن الكريم، وينهلون من الحديث الشريف على يدي رسول الله ﷺ . ولا شك في أَنَّ الصحابة كانوا يستظهرون آيات القرآن، ويتدارسونها فيما بينهم، في بيوتهم وفي حوانيتهم، في المدينة وفي البيداء، ليثبتوا ما سمعوا من رسول الله ﷺ . وقد يتذاكرون تفسير مَا تَلَقَّوْهُ، وما تفسيره إلاَّ شرح رسول الله ﷺ وهو الحديث. فحفظ حديث رسول الله ﵊ كان متمشيًا جنبًا إلى جنب مع حفظ القرآن العظيم من الأيام

стр. 56

الأولى لظهور الإسلام. وقصة إسلام عمر تُثْبِتُ أَنَّ المسلمين كانوا يقرأون القرآن في بيوتهم، وَيَتَفَقَّهُونَ في الدين ... ثم أصبح المسجد فيما بعد - المكان المعهود للعمل والفتوى والقضاء، إلى جانب العبادة وإقامة الشعائر الدينية، وعرض لأمور العامة على المسلمين. ومع هذا لم يقتصر تبليغ الرسول ﵊ على مكان محدود ولا على مناسبة مُعَيَّنَةٍ، فقد كان يُسْتَفْتَى في الطريق فَيُفْتِي، وَيُسْألُ في المناسبات فيجيب، يُبَلِّغُ الأحكام في كل فرصة تسنح له، وفي كل مكان يتسع لذلك: في حله وترحاله، في سلمه وحربه. وإلى جانب هذا كانت له مجالس علمية كثيرة يتخول فيها أصحابه بالموعظة، فإذا جلس جلس إليه أصحابه حِلَقًا حِلَقًا (١). ويقول أنس ﵁: «إِنَّمَا كَانُوا إِذَا صَلُّوا الغَدَاةَ قَعَدُوا حلقاً حلقاً، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ، وَيَتَعَلَّمُونَ الفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ» (٢) ومن تاريخ الصحابة وحياتهم العلمية تعلم أَنَّ الرسول الكريم لم يكن يضن على مسلم بالعلم، وأنه كان يكثر مجالسة أصحابه يعلمهم وَيُزَكِّيهِمْ. وسيظهر لنا ذلك من البحث. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يَتَخَوَّلُنَا بِالمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» (٣) فقد كان ﵊ يخشى أَنْ يَمَلَّ أصحابه فَيَتَخَوَّلُهُمْ بالموعظة بين وقت وآخر، لأَنَّ الاستمرار في تعليمهم وتوجيههم، يدخل الملل إلى نفوسهم، فتقل الفائدة، فمن الحكمة سلوك هذا

стр. 57

الطريق في التعليم، وهو الطريق الذي تعتمده اليوم المؤسسات التربوية في مناهجها التعليمية، وهي خير طريقة لتثبيت ما يتلقاه الطالب من المعلومات. وكان ﷺ يخاطب الناس على قدر عقولهم، فإنَّ الكلام الذي لا يبلغ عقول السامعين ولا يفهمونه قد يكون فتنة لهم، فيأتي بغير المقصود منه. لقد كان الرسول الكريم يخاطب حضوره بما يدركونه، فيفهم البدوي الجافي بما يناسب جفاءه وقسوته، ويفهم الحضري بما يلائم حياته وبيئته، وكما أنه كان يراعي تفاوت المدارك، وانتباه أصحابه وقدرهم الفطرية والمكتسبة، فتكفي منه الإشارة إلى الألمعي الذكي، واللمحة العابرة إلى الحافظ المجيد. من ذلك: مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَمًا أَسْوَدَ وإنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟». قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟». قال: إنَّ فِيهَا لَوِرْقًا. قال: «فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟». قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: «وَهَذَا عَسَى أَنْ نَزَعَهُ عِرْقٌ» (١). ومن ذلك أَنَّ فتى من قريش أتى النبي ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي فِي الزِّنَا، فأقبل القوم عليه وزجروه فقالوا: مه مه!! فقال: «ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا». فقال: «أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ». قَالَ: لاَ وَاللَّهِ جَعَلَنِى اللَّهُ

стр. 58

فِدَاكَ. قَالَ «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ؟». قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ: «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ» - ثم ذكر له رسول الله أخته وعمَّته وخالته، وفي ذلك يقول الفتى مقالته: «لاَ وَاللَّهِ يا رسول الله جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاكَ» - قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ». قَالَ (الرَّاوِي): فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ (١). لقد اتبع رسول الله ﷺ أسلوبًا جعل الفتى يدرك أثر الزنا في المجتمع، وكيف أَنَّ الناس جَمِيعًا لا يرضونه لأنفسهم وأهليهم كما أنه لا يرضاه هو لذويه، مما حمله على الاقتناع بالإقلاع عنه، وخير الأمور ما كان الدافع إليه من قرارة النفس. وكان يخاطب القوم بلغتهم ولهجتهم، ومن هذا ما رواه الخطيب البغدادي بسنده عَنْ عَاصِمٍ الأَشْعَرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول: «لَيْسَ مِنْ امْبِرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَرِ». أَرَادَ لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَهَذِهِ لُغَةُ الأَشْعَرِيِّينَ يَقْلِبُونَ اللاَّمَ مِيمًا (٢). وَ «كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ ثَلاَثًا لِكَيْ يُفْهَمَ عَنْهُ» (٣)، وَإِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ فَصْلاً يُبَيِّنُهُ، فَيَحْفَظُهُ مِنْهُ مَنْ سَمِعَهُ (٤).

стр. 59

وعن عائشة «أنه ﷺ لاَ يَسْرِدُ الكَلاَمَ كَسَرْدِكُمْ، وَلَكِنْ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلاَمِ فَصْلٍ يَحْفَظُهُ مَنْ سَمِعَهُ» (١). وفي رواية: «إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ عَدَّهُ العَادُّ لأَحْصَاهُ» (٢). ويظهر أنه كان من عادة رسول الله ﷺ أنْ يعيد كلامه ويكرره على السامعين حتى يدركوه جَمِيعًا فلا يفوت أحدهم بعضه فَعَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ «كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاَثًا (٣)». ولا يفهم من حديث أنس هذا أنه كان يفعل ذلك دائمًا بل بقدر ما تقتضيه الحاجة. فمن جميع ما سبق يَتَبَيَّنُ لنا أنه ﷺ كان يُبَيِّنُ للناس الأحكام جَيِّدًا حتى لا يبقى لسامع سؤال، ولا لسائل مشكل يقف عنده. حتى إنه كان يجيب السائل بأكثر مما سأله (٤). كان يتغيَّا التيسير في جميع أموره، وينهى عن التشديد والتعقيد، يريد من المسلمين أَنْ يأتوا الرخص كما يأتون بالعزائم، وينهى عن التنطع في العبادة. والتضييق في الأحكام، ولا بعد في ذلك كله، فإنه ناطق بلسان الشريعة السمحة الميسرة. ويظهر لنا أسلوبه في ذلك كله من تتبع سيرته - عَلَيْهِ

стр. 60

الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -. ويتجلَّى مع هذا حلمه تارة، وحبه لأُمَّته تارة أخرى وغضبه للحق حِينًا، ونهيه عن التعقيد أحيانًا. من ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁، قال: دَخَلَ أَعْرَابِىٌّ المَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَمُحَمَّدًا، وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا!!». ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِى الْمَسْجِدِ!! فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، أَهرِيقُوا عَلَيْهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سِجْلاً مِنْ مَاءٍ» (١). وكان يدعو إلى التيسير دائمًا، فعن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا، وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» (٢) وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، وخَيْرُ العِبَادَةِ الفِقْهُ» (٣) كما كان ينهى عن الأغلوطات

стр. 61

وصعاب المسائل (١)، ومشهور عن معلم الخير ﷺ أنه: «مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ أَخَذَ (٢) أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ فَيَنْتَقِمَ للهِ بِهَا» (٣). وكان ﷺ في معاملته للمسلمين جَمِيعًا أَخًا مُتَوَاضِعًا ومُعلِّمًا حَلِيمًا، بَلْ كَانَ أَبًا رَحِيمًا، فإذا ما أراد أَنْ يُعَلِّمَ أصحابه بعض الآداب خاطبهم ألين الخطاب وأحبه إلى نفس المخاطب، فيقول مثلاً: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الوَالِدِ إِذَا أَتَيْتُمْ الغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا» (٤) وإذا ما أعجب أصحابه به، وحاول بعضهم الثناء عليه أو اطراءه أبى ذلك وقال: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (٥)، فلم يرض أن يرفعوه عن درجة البشر ويعظموه، وما كان ينتظر منهم جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا. تَعْلِيمُ النِّسَاءِ: جَاءَ نِسْوَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقْدِرُ

стр. 62

عَلَيْكَ فِي مَجْلِسِكَ مِنَ الرِّجَالِ، فَوَاعِدْنَا مِنْكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ. قَالَ: «مَوْعِدُكُنَّ بَيْتُ فُلاَنٍ». وَأَتَاهُنَّ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَلِذَلِكَ الْمَوْعِدِ، قَالَ (أبو هريرة): فَكَانَ مِمَّا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تُقَدِّمُ ثَلاَثًا مِنَ الوَلَدِ تَحْتَسِبُهُنَّ، إِلاَّ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَتَانِ؟ قَالَ: «أَوِ اثْنَتَانِ» (١). وكانت النساء يسألن رسول الله ﷺ فيُجيبُهُنَّ عن أمور دِينِهِنَّ ولم يكن ذلك صدفة أو نَادِرًا، بل خَصَّصَ لَهُنَّ أوقاتًا خاصة يجلسن فيها إليه، وَيَتَلقَّيْنَ عنه تعاليم الإسلام، وَيُفْتِيهِنَّ، قالت عائشة ﵂: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (٢). وها هي ذي أُمُّ سُلَيْمٍ - وهي بنت ملحان والدة أنس بن مالك - تأتي رسول الله ﷺ وأم سلمة حاضرة - فتقول: " إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ " فقال النَّبِيُّ ﷺ «إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ»، فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِي وَجْهَهَا - وَقَالَتْ: يَا رَسولَ اللهِ، أَوَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟» (٣). وبهذه الروح الطيبة، والنفس السامية، والصدر الرحب، والمنهج التربوي الصحيح كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُ أصحابه والمسلمين عامة أحكام الإسلام وتعاليمه وآدابه، ولم يكن بين الرسول الكريم والمسلمين حاجب

стр. 63

كالملوك والقياصرة، بل كان المسجد معهده يُعَلِّمُ فيه المسلمين الشريعة، وقد يرونه في الطريق فيسألونه، فيبش لهم ويجيبهم، وقد يعترضونه في مناسكه وَحَجِّهِ، أو على راحلته يستفتونه فيفتيهم (١) والابتسامة لا تفارق ثغره، وقد تكون إجابته لسائل عن مسألة وحوله جمع قليل أو كثير، وقد يكون على منبر مسجده يبلغ الناس الإسلام وتعاليمه، ويفصل الأحكام يشرحها ... فينقل السامعون ما تلقوه إلى إخوانهم وذويهم فإنْ سمع وشاهد ووعى ستبقى آثار ما تلقاه واضحة جلية في نفسه أَمَدًا طويلاً، حتى إذا ما شك فيما سمع، عاد إلى رسول الله ﷺ ، ليزيل وهمه، ويثبته على الصواب ويرده إلى الحق. من كل ما سبق يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّ منهج رسول الله ﷺ كَفِيلٌ بأنْ يُحَقِّقَ ما كان يريده الرسول الكريم من تعليم أصحابه وتربيتهم وتطبيق أحكام الشريعة، وكفيلٌ بأنْ يثبت تلك الأحكام والتعاليم في نفوسهم. بعد هذا نقدم على دراسة «المادة» لنرى تفاعل الصحابة معها وتجاوبهم.

стр. 64

وإياها، ثم ننتقل إلى الصحابة وكيفية تَلَقِّيهِمْ الشريعة عن الرسول ﷺ . ... ٢ - مَادَّةُ السُنَّةِ: عرفنا في مقدمة هذا الباب أَنَّ السُنَّةَ هي المادة التي تلقاها الصحابة ﵃ مع القرآن الكريم عن رسول الله ﷺ ، وشاركوا في تطبيقها واتباعها. وإنا لنرى هذه المادة تتعلق بالمسلمين في جميع أمور حياتهم: في عقائدهم وعباداتهم، ومناسكهم، وبيوعهم ومعاملاتهم، وفي أحوالهم الشخصية، وفي آدابهم، كما تتصل اتصالاً وَثِيقًا بمختلف مظاهر حياتهم اليومية في السلم والحرب في اليسر والعسر. والمادة التي تتصف بهذه الصفات تجعل التلميذ متعلقًا بها مُحِبًّا لها، حريصًا عليها، لأنها الناظم لأموره وتصرفاته. وقد كان الصحابة حريصين على سُنَّةِ رسول الله ﷺ مُحِبِّينَ لها، يتسابقون إلى مجالس الرسول ﷺ ، يدفعهم إلى ذلك إيمانهم القوي وَحُبُّهُمْ لِمُعَلِّمِهِمْ الكَبِيرِ، وقد سمعوا وعرفوا ما للعلم من فضل ومكانة، وما للعلماء وطلاب العلم من منزلة وأجر فأقبلوا على تلقي السُنَّةَ وتطبيقها من قلوبهم صادقين مخلصين. ويظهر لنا ذلك جَلِيًّا في دراسة كيفية تَلَقِّيهِمْ السُنَّةَ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ .

стр. 65

٣ - كَيْفَ كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَلَقَّوْنَ السُنَّةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ -؟: ما كان الإيمان يخالط قلوب المسلمين أصحاب رسول الله ﷺ وينير سبيلهم - حتى عرفوا عظمة الإسلام، فانكبوا ينهلون من القرآن الكريم: ذلك المعين الذي لا ينضب بعد أَنْ رأوا فيه المعجزة الكبرى والهداية العظمى وامتلأت قلوبهم حُبًّا للهِ ورسوله ﵊، فتفانوا في الدفاع عن مبادئهم وحماية قائدهم وَمُعلِّمِهِمْ، حتى إنَّ الرجل منهم ليفديه بماله ودمه وولده. لقد تحولت جميع قواهم الفطرية، وفضائلهم الطبيعية، وحيوياتهم الدائمة، وتضافرت للمحافظة على الإسلام ونشره، وإِنَّ التاريخ ليحفظ تلك المفاخر الخالدة من التضحيات العظيمة النادرة ... فإذا ما دعت الحاجة إلى المال سارع المسلمون متنافسين في تقديم أموالهم بين يدي رسول الله ﷺ هذا يَتَبَرَّعُ بثلث ماله، وذلك بنصف ماله، وآخر بماله كله ... !! وقد تضيق الحال بالمسلمين أنفسهم، فترى عثمان ﵁ يهب قافلته التجارية القادمة من الشام للمسلمين، ويأبى أَنْ يبيعها بالمبالغ المغرية التي عرضت عليه ويقول: «دُفِعَ لِي بِهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ... ». وقد بذلوا نفوسهم للذود عن حياض الإسلام، وَفَدَوْا الرسول ﷺ بأرواحهم فإذا ما نزل بهم الخطب في غزوة أُحُدْ رأيناهم يتسابقون للدفاع عن رسول الله ﷺ ، وهذا أبو دجانة يجعل ظهره ترسًا لرسول الله ﷺ ، حتى أثخنته الجراح، وإلى جانبه عَلِيٌّ يَذُبُّ عنه بسيفه، وسعد بن أبي وقاص يرمي بقوسه حتى كتب لهم النصر ..

стр. 66

هذه نماذج قليلة لتفاني الصحابة وبذلهم في سبيل عقيدتهم ودينهم وبهذه الروح السامية والحيوية الدائمة أقدموا على تلقي العلم عن رسول الله ﷺ . كان الصحابة يتعلَّمون من النبي ﷺ القرآن الكريم آيات معدودات: يَتَفَهَّمُونَ معناها، ويتعلَّمون فقهها، ويطبقونه على أنفسهم، ثم يحفظون غيرها، وفي ذلك يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ: «حَدَّثَنَا الذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا القُرْآنَ: كَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَغَيْرُهُمًا - أًنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يَتَجَاوَزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ ... قَالُوا فَتَعَلَّمْنَا القُرْآنَ وَالعِلْمَ وَالعَمَلَ جَمِيعًا» (١). وكان بعضهم يقيم عند الرسول ﷺ يَتَعَلَّمُ أحكام الإسلام وعباداته، ثم يعود إلى أهله وقومه يُعلِّمُهُم وَيُفَقِّهُهُمْ، ومن هذا ما أخرجه البخاري عن مالك بن الحويرث قال: أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا، فَقَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (٢). وكان الصحابة يحرصون على حضور مجالس رسول الله ﷺ

стр. 67

حِرْصًا شَدِيدًا، إلى جانب قيامهم بأعمالهم المعاشية من الرعاية والتجارة وغيرها، وقد يعسر على بعضهم الحضور، فيتناوبون مجالسه ﵊، كما كان يفعل ذلك عمر ﵁، قال: «كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ - وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ - وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ» (١). وَيَقُولُ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ الأْوسِيِّ ﵁: «مَا كُلُّ الحَدِيثِ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كَانَ يُحَدِّثُنَا أَصْحَابُنَا، وَكُنَّا مُشْتَغِلِينَ فِي رِعَايَةِ الإِبِلِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَطْلُبُونَ مَا يَفُوتُهُمْ سَمَاعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَسْمَعُونَهُ مِنْ أَقْرَانِهِمْ، وَمِمَّنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُمْ، وَكَانُوا يُشَدِّدُونَ عَلَى مَنْ يَسْمَعُونَ مِنْهُ» (٢). وفي رواية عنه: «لَيْسَ كُلُّنَا كَانَ يَسْمَعُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَنَا ضَيْعَةٌ وَأَشْغَالٌ، وَلَكِنِ النَّاسُ لَمْ يَكُونُوا يَكْذِبُونَ يَوْمَئِذٍ، فَيُحَدِّثُ الشَّاهِدُ الغَائِبَ» (٣). وعن أنس بن مالك ﵁: «[وَاللَّهِ مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُكُمْ سَمِعْنَاهُ] مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بَعْضُنَا بَعْضًا وَلاَ يَتَّهِمُ بَعْضُنَا بَعْضًا» (٤). وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:

стр. 68

أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟»، قَالَ: «نَعَمْ، أَوْ حَدَّثَنِي مَنْ لَمْ يَكْذِبْ، وَاللهِ مَا كُنَّا نَكْذِبُ وَلاَ كُنَّا نَدْرِي مَا الكَذِبُ». (١). وكان الصحابة يتذاكرون دَائِمًا ما يسمعون من رسول الله ﷺ ، قال أنس بن مالك: «كُنَّا نَكُونُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ فَإِذَا قُمْنَا تَذَاكَرْنَاهُ فِيمَا بَيْنَنَا حَتَّى نَحْفَظُهُ» (٢). وإلى جانب هذه المجالس، كان الصحابة يَتَلَقَّوْنَ السُنَّةَ عن رسول الله ﷺ من وجوه يمكن حصرها فيما يأتي: [أ] حوادث كانت تقع للرسول نفسه، فَيُبيِّنُ حُكْمَهَا، وينتشر هذا الحكم بين المسلمين بمن سمعوه منه، وقد يكون هؤلاء كثرة تُمَكِّنُهُمْ كثرتهم من إذاعة الخبر بسرعة، وقد يكونون قلة فيبعث الرسول الكريم ﵊ من ينادي في الناس بذلك الحكم. مِثَالُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: نَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا، فَسَأَلَهُ: «كَيْفَ تَبِيعُ؟» فَأَخْبَرَهُ، فَأُوحِىَ إِلَيْهِ أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ» (٣). وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَهِيَ مُسْتَتِرَةٌ بِقِرَامٍ (٤)، فِيهَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ فَتَلَوَّنَ

стр. 69

وَجْهُهُ، ثُمَّ أَهْوَى الْقِرَامَ فَهَتَكَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ » (١). وقد يرى رسول الله ﷺ أو يسمع صحابيا يخطئ، فيُصَحِّحُ له خطأه، ويرشده، من ذلك ما رواه عمر بن الخطاب ﵁ أنه رأى رجلاً توضأ للصلاة، فترك موضع ظفر على ظهر قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ»، فرجع فتوضأ ثم صلى (٢). ومن ذلك ما رواه عمر بن الخطاب ﵁ قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ [صَحَابَةِ] النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا فُلاَنٌ شَهِيدٌ، فُلاَنٌ شَهِيدٌ حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا فُلاَنٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَلاَّ إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ: اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ المُؤْمِنُونَ» قَالَ: فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ أَلاَ إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ المُؤْمِنُونَ (٣). [ب] حوادث كانت تقع للمسلمين، فيسألون الرسول عنها، فيُفتيهم ويجيبهم، مُبيِّنًا حُكْمَ ما سألوا عنه، من الحوادث ما يتناول خصوصيات السائل نفسه، ومنها ما يتعلق بغيره، وجميعها من الوقائع التي تعرض للإنسان في حياته فترى الصحابة لا يخجلون في ذلك كله، بل يسرعون إلى المُعَلِّمِ

стр. 70

الأول، ليقفوا على حقيقة تطمئن قلوبهم إليها، وتثلج صدورهم عندها. وقد يخجل الصحابي من الرسول ﷺ فيكلف غيره عبء السؤال، من ذلك ما يرويه عليُّ بن أبي طالب قال: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَكُنْتُ أَسْتَحْيِى أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ (١) فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» (٢). وَرَوَى قَيْسٌ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الصَّلاةِ ذَهَبْتُ أَحُكُّ فَخِذِي، فَأَصَابَتْ يَدِي ذَكَرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ هُوَ إِلاَّ بِضْعَةٌ مِنْك؟» (٣). وقد يسألونه ﷺ عن أخص من ذلك كما روى عروة عن عائشة ﵂، قال: جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ رِفَاعَة طَلَّقَنِي، فَبَتَّ (٤) طَلاَقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ. فَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لاَ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلا تَسْمَعُ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ (٥). لقد كان المسلمون يسألونه عن أمورهم وأحوالهم، لا يحجبهم عنه حاجب،

стр. 71

لا يمنعهم منه مانع، لذلك نرى الأعرابي البعيد عنه يسأله كما يساله الصحابي الملازم له، كلهم يريدون الحق، قال عليٌّ ﵁: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا نَكُونُ بِالبَادِيَةِ، فَتَخْرُجُ مِنْ أَحَدِنَا الرُّوَيْحَةُ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الله لاَ يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» (٢). إنَّ هؤلاء الصحابة الذي يسألون رسول الله ﷺ عن مثل هذه الأمور الشخصية التي قد يخجل منها غيرهم، كانوا لا يحجبون عن سؤاله في معاملاتهم وعباداتهم وعقائدهم وسائر أمورهم، بل إِنَّ بعضهم كان إذا وصله خبر عن رسول الله ﵊، يعود إليه لينهل من معينه، وَيَتَزَوَّدُ مِنْ عِلْمِهِ، كَمَا حَدَثَ لِضَمَامٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَقَوْمَهُ حِينَ جَاءَهُمْ رَسُولُ رَسُولِ اللهِ يُبَلِّغُهُم الرِّسَالَةَ (٣)، فَانْطَلَقَ ضِمَامٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ حَوْلَهُ أَصْحَابُهُ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ عَلَى جَمَلٍ، قَالَ أَنَسٌ: « ... فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ، عَقْلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ. فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ (ضِمَامٌ): ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ أَجَبْتُكَ» فَقَالَ الرَّجُلُ لِلْنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَة، فَلاَ تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ». قَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ

стр. 72

كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّىَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ... فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأََنَا ضِمَام بْن ثَعْلَبَة أَخُو بَنِي سَعْدٍ بْنِ بَكْرٍ» (١). ومن ذلك ما حديث لأحد الصحابة حِينَ قبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا، فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ تَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ، فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أمٌّ المُؤْمِنِين، فَأَخْبَرَتْهَا فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَرَجَعَتْ المَرْأَةُ إِلَى زَوْجَهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَزَادَهُ ذّلِكَ شَرًّا!! وَقَالَ: لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللهِ، يُحِلُّ اللهُ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ. فَرَجَعَتِ المَرْأَةُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَوَجَدَتْ رَسُولَ اللهِ عِنْدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ «مَا بالِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ؟» فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: «أَلاَ أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ؟» فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «قَدْ أَخْبَرْتُهَا، فَذَهَبَتْ إِلَى زَوْجِهَا فَأَخْبَرَتْهُ فَزَادَهُ شَرًّا، وَقَالَ: لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللهِ، يُحِلُّ اللهُ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ».، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ» (٢). لقد حمله ورعه أن يظن هذا الحكم خَاصًّا بالرسول حتى أكد الرسول ﵊ أنه حكم عام. وقد كانت السيدة عائشة أم المؤمنين لا تسمع شَيْئًا لا تعرفه إلاَّ راجعت فيه حتى تعرفه (٣).

стр. 73

وقد يختصم مسلمان في قضية أو حكم، فيرجعان إلى رسول الله ﵊ ليفصل بينهما ويبيِّن وجه الصواب. من ذلك ما رواه المسور بن مخرمة: أنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ بنَ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فَقَرَأَ فِيهَا حُرُوفًا لَمْ يَكُنْ نَبِيُّ اللَّهِ أَقْرَأَنِيهَا، قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أُسَاوِرَهُ وأنا فِي الصَّلاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ القِرَاءَةَ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ مَا هَكَذَا أَقْرَأَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ أَقُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الفُرْقَانِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ فِيهَا حُرُوفًا لَمْ تَكُنْ أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْرَأْ يَا هِشَامُ»، فَقَرَأَ كَمَا كَانَ قَرَأَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» (١)، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَأْ يَا عُمَرُ» فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ» (٢). إنَّ في هذه الأجوبة والفتاوى والأقضية مادة كثيرة في مختلف أبواب كُتُبِ السُنَّةِ، حتى إنها تُؤَلِّفُ جَانِبًا كَبِيرًا من سُنَّةِ رسول الله ﷺ ، ويبعد أن ينسى هذه الحوادث من وقعت له وسأل عنها الرسول ﷺ ، لأنها جزء من حياة السائل بل واقعة بارزة من وقائع عمره. [ج] وقائع وحوادث شاهد فيها الصحابة تصرفات الرسول ﷺ . وهذه كثيرة في صلاته وصيامه وحجه وسفره وإقامته ... فنقلوها إلى التابعين الذين بَلَّغُوهَا إلى من بعدهم وهي تُؤَلِّفُ جَانِبًا كَبِيرًا مِنَ السُنَّةِ، وخاصة

стр. 74

هديه ﷺ في العبادات والمعاملات وسيرته ... ومن ذلك سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان، والإسلام والإحسان وعلم الساعة، وإجابته ﷺ عن ذلك كله وقال: «يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (١). ومن ذلك ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ قال: «أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَآخِرِهِ، وَأَوْسَطِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» (٢). ومن ذلك أَيْضًا ما رواه سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ» (٣). ومن ذلك ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُصَلِّى، إِذِ انْصَرَفَ وَنَحْنُ قِيَامٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى لَنَا الصَّلاَةَ، ثُمَّ قَالَ: " إِنِّى ذَكَرْتُ أَنِّى كُنْتُ جُنُبًا حِينَ قُمْتُ إِلَى الصَّلاَةِ، وَلَمْ أَغْتَسِلْ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ فِى بَطْنِهِ رِزًّا (٤) أَوْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فَلْيَنْصَرِفْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ أَوْ غُسْلِهِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى

стр. 75

صَلاَتِهِ» (١). وما رواه أَيْضًا فقال: كَانَ آخِرُ كَلاَمِ رَسُولِ اللِه ﷺ : «الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ، اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (٢). مما سبق يتضح لنا أنَّ عوامل ثلاثة تضامنت وتضافرت في سبيل حفظ السُنَّةِ المُشَرَّفَةِ في عهد رسول الله ﷺ ، وهذه العوامل هي: شخصية الرسول من حيث هو مُرَبٍّ وَمُعَلِّمٍ، وفوق هذا، وأكثر من هذا من حيث هو رسول رب العالمين، وَالسُنَّةُ من حيث مادتها، والصحابة وهم الطلاب الذين تَلَقَّوْا السُنَّةََ وشاركوا في تطبيقها، وتجاوبوا مع المعلم الأول والمادة مُخلصين، بقلوب عظيمة انطوت على رغبة مُلِحَّةٍ، وإرادة قوية في اتباع ما به يتم إيمانهم، ويقطع صلتهم بما كانوا فيه من ضلال. كل ذلك كان له الأثر الكبير في حفظ الصحابة لِلْسُنَّةِ دقيقها وجليلها، ثم نقلها إلى التابعين الذين نقلوها إلى من بعدهم طِبْقًا لما قاله ﷺ لأصحابه: «تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ يُسْمَعُ مِنْكُمْ» (٣). ويمكننا أنْ نقول - ونحن واثقون مطمئنون -: إنَّ السُنَّةَ في عهد رسول الله ﵊ كانت محفوظة عند الصحابة جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع القرآن الكريم، وَإِنْ كان نصيب كل صحابي منها يختلف عن نصيب الآخر، فمنهم المُكْثِرُ من حفظها، ومنهم المُقِلُّ، ومنهم المتوسط في ذلك. ومن ثم نستطيع تأكيد أنهم قد أحاطوا بِالسُنَّةِ، وتكفلوا بنقلها إلى التابعين. ويخطئ من يَدَّعِي أَنَّ بعض السُنن فات الصحابة جَمِيعًا بعد أنْ رأينا مدى
следующие страницы →