٠٢ - الإجازة الثانية: أجازه بها الجنتوري بعد أن أدى فريضة الحج استجازه الشيخ عبد الرحمن وكتب له أسماء الكتب التي أجازه فيها. كل كتاب بسنده من الشيخ إلى مؤلفه فكتب الإمام الجنتوري: الحمد لله الذي اختار لخدمة العلم طائفة من عبيده، وشرفهم على أبناء جنسهم بالتفقه في شرائع دينه ووعدهم بترجيح مدادهم على دم الشهداء يوم القيامة على لسان نبيه ﷺ وعلى آله وأصحابه وأزواجه.
أما بعد: فقد أجزت للشيخ الأجل العالم الأنبل أبي زيد سيدي عبد الرحمن بن عمر شيد الله مناره ونور سريرته وجعله ممن ساد وظفر جميع ما ذكر عني بشرطه آمرا له أن يصرف همته للتفقه في دين الله- إلى أن قال- اللهم لا تواخذنا بما انطوت عليه سريرتنا فأنت أعلم منا بما فيها فإنك أنت العليم الحليم وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وكتبه المتيم المليم عبد الرحمن بن إبراهيم خديم الشريف كان الله له آمين اهـ.
قلت: قد اشتملت هاته الإجازه على قرابة عشرين صفحه بالكتابة المعتدلة سرد فيها أسماء الكتب بأسانيدها وهي البخاري، مسلم، الموطأ، السنن الأربعة، الشمائل، المواهب اللدنية للقسطلاني، الجامع الصغير، الأربعين للنووي، ألفية العراقي، سيرة ابن سيد الناس، الشفاء للقاضي عياض، مؤلفات الحافظ بن حجر، تصانيف السنوسي، إضاءة الدجنة، جوهرة التوحيد للقاني، رسالة ابن أبي زيد، مختصر خليل، وتوضيحه، تصانيف زكرياء الأنصاري، تفسير البيضاوي، وسائر مصنفاته، ألفية ابن مالك، الحكم لابن عطاء الله اهـ.
стр. 37
٠٣ - نص إجازة الفقيه طالبن بن سيد الوافي طالبن: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلا على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين لهم أجمعين وبعد فيقول كاتبه طالبن بن الوافي بن طالبن بن محمد بن محمد بن أحمد بن حاد قد أجزت لأخي عبد الرحمن بن عمر التنلاني بلغه الله من العلم النافع مآله وحماه من كل ما يتقيه ويخشاه أن يروي عني جميع مروياتي عن شيوخى من الحديث والفقه وغيرهما بسندي والوقوف عند ما أشكل والمراجعة عندما أعضل وأوصيه ونفسي بتقوى الله العظيم والمراقبه وحسبنا الله ونعم الوكيل ثم ساق أسانيده في كتب الحديث والفقه وغيرهما إلى مؤلفيها وقد جاء في إجازته صحيح البخاري ومسلم والشفاء والموطأ الخصائص والمعجزات الكبرى والصغرى للسيوطي- إلى أن قال- كان الله لنا وله وجمعنا وإياه في الفردرس الأعلى آمين يا رب العالمين. وبه كتب وكرر اسمه عبيد ربه طالبن بن الوافي بن طالبن بن محمد بن أحمد بن حاد قائلا إنما أجزت الأخ المذكور لما وجوت لنفسي وله من الدخول بذلك في زمرة من له الانتساب إلى الجانب العلى جناب سيد المرسلين ومن ثواب الإعانة على نشر العلم وإتيان الأمر من بابه فقد ورد: (الأسانيد أنساب العلم) والله الموفق إلى صوب الصو اب وإليه المرجع والمآب وحدسبنا الله ونعم الوكيل اهـ.
٠٤ - إجازة الشيخ أحمد بن صالح: نصها بعد الحمدلة والصلاة على رسول الله وبعد فيقول كاتبه أحمد بن صالح قد أجزت الأخ الحبيب والسيد اللبيب ومن صاحبنا وشاركنا في العلم مدة عديدة فلم نر منه إلا
стр. 38
سيما الصلاح والأدب وما فيه الفلاح والرشد إلى بلوغ الأرب من السكوت والوقار والتدب في جميع الأحوال وحال الطلب وحسن الأدب في الظاهر حسن الأدب في الباطن كما نص عليه أولوا الألباب وفقنا الله وإياه للازدياد فيما يرضى مولانا ومالكنا رب الأرباب عبد الرحمن بن عمر أن يروى عني جميع مروياتى من حديث وفقه ونحو ومعقول ومنقول بشرط الوقوف عندما أشكل والمراجعة لما أعضل وأوصيه ونفسي بتقوى الله العظيم والمراقبة وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وذكر مروياته بأسانيده فيها إلى مؤلفيها وقد تضمنت إجازته الكتب الآتية: صحيح البخاري، الشفا، ألفية ابن مالك، الكافية، شافية ابن الحاجب باستثناء باب التمرين، الفريدة، اللامية، علم البلاغة، علم المنطق، وعلم الكلام، والحساب، والفروض، والأصول، والفرائض، والحديث والتفسير اهـ.
٠٥ - إجازة العلامة سيد أحمد الأمين المختار الغلاوي:
نصها: بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم الحمد لله وحده هذا وإن أحمد بن الأمين بن المختار الغلاوي نسبا الشهير بالتواتي أجاز السيد عبد الرحمن بن عمر الونكالي نسبا التماوي بلدا في كل ما أجازه السيد الأجل سيدي عبد الرحمن بن إبراهيم الجواري عني لما استجاز طلبا لتقصير السند فأجزته ذلك بالشرط المطلوب عن أهل الإجازة في جميع ما روى عني الشيخ المذكور أعني سيدي عبد الرحمن بن إبراهيم وبهذا كتب فقير مولاه أحمد بن الأمين بن المختار الغلاوي نسبا الشهير بالتواتي لطف الله به وبالمسلمين آمين.
стр. 39
٠٦ - إجازة الشيخ محمد بن آب: لقد أجاز الشيخ سيدي محمد بن أب تلميذه الأستاذ سيدي عبد الرحمن في مؤلفاته بعد أن استجازه فيها بقوله: يقول كاتبه عبد الرحمن بن عمر التواتي أناله الله أمله وختم بالحسنى أجله قرأت جميع هذا الشرح (شرح صغرى الصغرى) على شيخنا مؤلفه جزاه الله عنا وعن المسلمين أفضل الجزاء وجعله من كل سوء محفوظا ومحروزا في أوائل شوال شوال سنة إحدى وخمسين ومائة وألف في قرية سكناه زاوية الولي الصالح سيدى أحمد بن الرقادي أنالنا الله ببركته غاية المراد ونطلب منه أن يمن علينا ثانيا بأن يأذن لي أن أحدث عنه به وبجميع مؤلفاته وقصائده ومقطوعاته من هو أهل لذلك طلبا للسند الذي اختصت به هذه الأمة وإتيانا للأمر من بابه أدام الله لنا النفع به آمين ولجميع المسلمين آمين يا رب العالمين فكتب ﵀ تحته ما نصه: الحمد لله وبعد فقد أذنت للشاب الفقيه الأديب اللوذعي الألمعي النجيب الصالح الخير الكوكب النير أبى زيد السيد عبد الرحمن بن عمر التواتي نفعني الله وإياه بالعلم وحمله وجعلنا من أخيار أهله بمحض جوده وفضله أن يحدث عني بجميع ما التمس فيه الأذن مني إجازة تامة وكتب عبيد ربه محمد بن أب المزمري التواتي وفقه الله اهـ.
٠٧ - إجازة سيدي محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم من بني القاضي الدرعي: نصها: الحمد لله الذى أسعد من أجازه صراط الاستقامة، ووصل سلسلة من منحه اتباع أهل الفضل والكرامة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي خص الله أمته باتصال الإسناد. وجعل على مرفوع قدرها الاعتماد والاستناد، وعلى آله وأصحابه ما غردت حمامه، وهمعت بمنسحب دمعها عند تهديد رعدها غمامه.
стр. 40
أما بعد فلما كان الإسناد من الدين، وطلب اتصاله من شنشنة المهتدين الهادين، وكان ممن تعلقت به همته، وزادت فيه رغبته ومحبته، السيد الأديب الأخ المحب في الله الأريب، الفقيه الأجل الفاضل الأمثل، المشارك أبو زيد عبد الرحمن بن عمر التواتي ثم التماوي فطلب منا إجازة فيما روينا وسمعنا من أشياخنا بالأسانيد وغيره، فاعتذرت له بأني لست بأهل أن أجاز فكيف بأن أجيز وما أنا إلا كما قال جالينوس الحكيم: (ما معي من العلم إلا علمي بأني لا أعلم) ولكن لما رأيت الحاجه، ولزومه طلب ذلك مساءه وصباحه، أجبته ووجهي بالحياء متبرقع، ولوني بالدخول فيما لا أقدر عليه ولست من أهله منتقع، فقلت أجزت الفقيه المذكور فيما نقل عني وسمع وسطره في هذه الكراسة من جميع مروياتي ومقرواتي ومسموعاتي بعد أن قرأ علي أوائل بعض الكتب صحيح البخاري، ومسلم، والشفا، والجامع الصغير، وغير ذلك إجازة تامة مطلقة عامة بشرطها المعتبر عند أهل هذا الشأن من التثبت والإتقان وأوصيه بما أوصاني به الأشياخ من تقوى الله العظيم واتباع سنه رسوله الكريم وتعليم العلم لله تعالى ورغبة في أجر قوله ﷺ ليبلغ الشاهد منكم الغائب وبلغوا عني ولو آية ويشركني وأشياخي ووالدي في دعواته في خلواته وجلواته وإدبار صلواته أعاننا الله وإياه على رعاية ودائعه وحفظ ما أودعنا من شرائعه والله ينفعنا وإياه بما قرأنا ويرزقنا العمل وإياه بما علمنا بجاه سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكتب أحقر الورى وموطئ نعل العلماء من الثرى عبيد ربه تعالى محمد بن علي بن إبراهيم.
стр. 41
وقد تضمنت فهرست هذا الشيخ ١٧ صفحة ذكر فيها مروياته بأسانيدها إلى مؤلفيها وهي صحيح البخاري، مسلم، الموطأ، الترمذي، سنن ابن ماجه، مسند الدارمي، سنن الدارقطني، مسند الإمام الشافعي، مسند الإمام أحمد، مسند الطيالسي، المعجم الصغير للطبراني، نوادر الأصول، سنن البيهقي، الدلائل للبيهقي، الأربعين النووية، مصابيح البغوي، عمدة الأحكام الصغرى، الجامع الصغير والكبير، سيرة ابن إسحاق، سيرة ابن سيد الناس، مؤلفات النووي، صحيح ابن حبان، الاكتفا للكلاعي، سيرة الحلبي، مسند الفردرس، تآليف ابن أبي الدنيا، تفسير الجلالين، مورد الظمئان، مؤلفات السنوسي، كتاب سيبويه، المختلطة، مغني اللبيب لابن هشام وسائر مؤلفاته، تلخيص المفتاح وشرحه المطول والشرح المختصر، صحاح الجوهري، مؤلفات المكودي، القاموس المحيط، الإحياء للغزالي وسائر مؤلفاته، عوارف المعارف، الحكم لابن عطاء الله، مصنفات ابن حجر، الحديث المسلسل. اهـ.
٠٨ - إجازة الشيخ سيدي أحمد بن عبد العزيز الهلالي: نصها: الحمد لله الذي واصل من إلى جنابه استند، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذى جعله الله أعظم سند، وعلى آله الغابرين بموصول كرمه المسلسل وأصحابه الذابين عن دين الله بالبيض والأسل، وعلى أتباعهم المقتفين لآثارهم والمعتنين بنقل أحاديثه، وأخباره وآثاره.
أما بعد: فيقول كاتبه غفر الله ذنبه وستر بفضله عيبه: إن من منن الله علي ومواهبه لدي أن أكرمني بلقاء العلامة اللبيب المحب الحبيب سيدي عبد الرحمن بن عمر التواتي أجرانا الله وإياه على وفق رضاه فيما
стр. 42
نذر وفيما نأتي وجعلني وإياه من المتحابين في جلاله المتظللين يوم لا ظل إلا ظله بوريف ظلاله ثم إنه قاده حسن الظن والحرص على زيادة الخير إلى خيره وإن كان عنده من الفضل ما ليس عند غيره إلى أن استسمن مني ذا ورم ولا غرو فإن التواضع من مقتضيات الكرم فاستجاز هذا العبيد الفقير الدليل الحقير ولما كان ممن استطيب وده ولا أستطيع رده أجزته وولده المذكور ومن أشار إليه من نسله بالشرط المعتبر عند أهله بكل ما تصح لي وعني روايته من مقروء ومسموع ومجاز وكل ما ألفته وأن لا يطلق على ما ألفته اسم التأليف إلا بطريق المجاز موصيا لنفسي ولهم بتقوى الله تعالى وبذل المجهود في تعاطي العلم بإخلاص النية والله تعالى يبلغني وإياهم من رضاه الأكبر ومن خيرى الدارين غاية الأمنية ومؤكدا عليهم في الدعاء بالتوبة النصوح والاستقامة الدائمة والمغفرة الشاملة لي ولأحبتي وحسن الخاتمة والحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي به هدى الله به عبيده وعلى آله وصحبه ومن تبعهم في طريقهم السديدة قال ذلك. وكتبه العبد الفقير إلى مولاه المعترف بالعجز عن شكر ما أولاه أحمد بن عبد العزيز الهلالي.
وهاته الإجازة قد تضمنت فهرسة الشيخ الهلالي وفيها من الكتب المسندة في كل فن ما لا يمكن حصره عدد صحائفها ٣٣ صفحة.
اللمحة الثامنة: محاورات دارت بينه وبين العلماء الذين تزامن معهم .
لقد دارت بين الشيخ سيدى عبد الرحمن التنلاني وبين العلماء الذين تزامن معهم محاورات كثيرة في موضوعات متفرقة وخصوصا مع الشيخ
стр. 43
السيد العلامة النحرير محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الكريم التمنطيطي أحد أقطاب الشورى الأربعة وأشير إلى أن غنيه الشورى مشحونه بتلك المحاورات الشيء الذي يدل على المكانة السامية التي كان يتمتع بها هذا العلامة الكبير.
وهذه نماذج من محاوراته التي يصعب عدها ولا يمكن استقصاؤها مما وجد بخطه ما كاتب به شيخه أبا زيد الجنتوري نصه: الحمد لله وحده صلى الله على سيدنا محمد وآله وعلى سيدنا وشيخنا وولينا العالم العلامة القدوة المحصل المتقن أبو زيد سيدي الحاج عبد الرحمن بن الفقيه سيد الحاج إبراهيم ألف سلام ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد فقد وصلني سيدي جوابكم عما سألتم عنه فلم تالوا فيه نصحا وإفادة وبيانا لا قطع الله ذلك منكم عادة وما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر فجزاكم الله عن حسن صنيعكم خيرا وأجزل لكم عليه ثوابا وأجرا.
هذا وإنكم بالغتم في العتاب على ما افترى علي به الفاسق الكذاب مع أن الذي ينبغي لكم التثبت كما ورد به الأمر في نص الكتاب وكيف تظنون بي صدور مثل ذلكم في جنابكم الرفيع قبل أن تتحقوه ولا عهدتم مني ما يقرب منه فإنا لله وإنا إليه راجعون فوالذي بإذنه تقوم السماء والأرض ما علمت أني تكلمت مع ذلك الفاسق في جنابكم بشطر كلمة وإنما أتاني شخص غيره بسؤال مضمنه أن رجلا حكم له قاض على خصمه وكتب له بذلك كتابا فرفعه إلى فقيه ليعرضه عليه فأمسكه الفقيه وامتنع من رده للمحكوم عليه ولم يجبه بصحته ولا بإبطاله فألقيت عدة من فقهاء البلد أجاب عنه بأنه ليس للفقيه ما فعل وهو ظالم في إمساكه لا
стр. 44
لغيره فيه حق أو نحو هذا من الكلام فتبعت أولئك لأني لا أجد خلافه هذا محصل ما صدر مني ولم يسم في السؤال القاضي ولا الفقيه ولا ذكر عذر الممسك فإن كان يتوجه علي في هذا لوم فاعلموني بموجبه وأنا فالله يعلم ما انطوت عليه سريرتي من تعظيمكم وتمجيدكم مما أنتم له أهل وهي علي حق وأما ما أجبت به أهل البركة في مسألة سلف الماء فإنما ذكرت ما أخبرونى به عنكم استغرابا له وأمرتم أن يبلغوكموه حرصا على الإفادة لعل أن يكون لديكم فيه علم لا أعلمه فأستفيده وإن كان بخلاف ما أخبروني به تعلموني به ليطمئن قلبي. هذا قصدى والله على ما نقول وكيل وكتب عن عجل خديمكم عبد الرحمن بن عمر لطف الله به انتهى.
ونقل البكراوي في ترجمة الشيخ عبد الرحمن بن عمر قوله: لم يزل قاضي الجماعة الشيخ سيدى عبد الحق بن عبد الكريم معتمدا على فتواه وروايته مقتفيا في الحوادث على منقوله واختياراته ومن أنصافه أنه كتب للقاضي المذكور بما نصه إذا خاطبتك بعزو المنقول فاحكم بذلك وعهدته علي وان خاطبتك بالمقول فأقرع باب نظرك فإنك مسؤول وأساله التوفيق ولك. اهـ.
قلت: ولقد اطلعت على كثير من الردود بين الشيخ القاضي عبد الحق والسيد عبد الرحمن التنلاني وكان موقف الشيخ التنلاني موقفا صلبا لا تأخذه في الله لومة لائم فكان يصدع بالحق غير آبه من سطوة القاضي وعلى سبيل المثال أن الشيخ القاضي عبد الحق كان قد حكم بجبر ثيب على النكاح صونا لها عن الفسق ودفعا لمفسدة الزنا واعتمد فيها على فتوى الحطاب.
стр. 45
قال الشيخ المذكور ثم إني نمت وسبحان الذي لا ينام فانتبهت في جوف الليل فغاب عقلي في التفكر حتى اعتراني شبه الإغماء مع وجود الإحساس من غير نوم غشيني فإذا أنا بطارق يتكلم كأنه بين ذاقنتي وحاقنتي فأنشأ يقول:
أتجبر ثيبا هل أنت رب ... على تزويج قن لا تجوروا
فإن أبحت ممنوعا برأي ... فإبليس الرجيم لكم أمير
فتب وارجع وقل صوبا قواما ... وإلا سوف سلعتكم تبور
فلما أنشدت الأبيات راعني ذلك فانتبهت من وسنات فكرتي فزعا مرعوبا فهرولت فأعرضت مستحسني في هذا الأمر على الفقهاء لا أجد في ذلك نصا صريحا أعتمد عليه إلا ما نقلته معزوا للحطاب فإن أخطأت فإني إلى الله تائب وعما أمرت به آيب وإن ظفرتم بما يزيد فتواى نسبت النظم إلى طارق شيطاني لا إلى وارد رحماني وهو حسبي ونعم الوكيل وكتب محمد عبد الحق بن محمد عبد الكريم فكتب أسفله شيخنا أبو زيد يعني السيد عبد الرحمن التنلاني: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فلا شك أن تلك الأبيات التي لقنتها في المنام موعظة لك وإن كانت لا تدفع النص الوارد في ذلك كما ستقف عليه في الكتاب المصحوب. هذا وقد ذكر ابن رشد وأظنه في نوازله أن من رأى النبي ﷺ في النوم وقال له ما يخالف ما علمه من الشريعة أنه لا يعمل عليه للخلاف في كيفية رؤيته التي هي حق فكيف بغيره ولكن ينبغي لك أن تنظر في النازلة بعين البصيرة من غير ميل إلى مخلوق أيا كان كما هو الواجب في كل نازلة والله يوفقنا وإياك والسلام اهـ.
стр. 46
ومنها قضية المرأة التي تصدقت على ابن أخيها بربع ملكها على وجه القرءان العظيم ثم امتعها به مدة حياتها الخ ففي هذه القضية عقب الشيخ التنلاني على فتوى القاضي سيدي عبد الحق بقوله: هذا وإنني أيها الحبيب وقفت على رسم بيد بعض أهل بودة يتضمن صدقة امرأة على ابن أخيها جميع ربع ما ملكها الله على وجه القرءان العظيم ثم امتعها به مدة حياتها ولم يزل ذلك عن يدها حتى ماتت هذا مضمنه وتحته بخطكم ما مضمنه: تصحيح تلك الصدقة وعدم افتقارها للحوز لأن صدقة القرءان لا تفتقر لحوز كما في ح ومياره ولما رأيت ذلك رعبت منه وتعجبت من صدور هذا من مثلكم ثم لمت نفسي على سرعة الإنكار وأردت الآن استطلاع ما اعتمدتم عليه في هذه المسألة غير أني ظننت أنه غركم ما نقله الحطاب عن ابن رشد في حاشيته على المختصر في باب الهبة والتزاماته وهو ما ذكره في باب رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ من كتاب الصدقات إذا قال لولده أصلح نفسك وتعلم القرءان ولك قريتي الفلانية ففعل الولد فمات أبوه والقرية بيده قبل أن يبلغ الولد الحوز فقال ابن القاسم لا تكون له القرية إلا أن يعرف تحقيق ذلك بإشهاد الأب على ذلك فقال ابن رشد ما محصله أن ابن القاسم إنما يثبت القرية للولد بالإشهاد مع حوز الأب لصغره ولم يجعلها عوضا عن إصلاحه نفسه وتعلمه القرءان فتمضي دون حيازة ثم قال وفي ذلك اختلاف إلى أن قال: وظني أنكم قلدتم في هذه النازلة حكم الشيخ محمد البكري ﵀ فإني وقفت على فتواه بنحو قولكم بخطه ولا أرضى لكم التقليد المحض من غير استحضار إذ لا ينجيكم- إلى أن قال- والعلماء مؤتمنون فيما نقلوه
стр. 47
مبحوث عنهم فيما قالوه ولا تجبن عن إقدامك على البحث مع الشيخ المذكور تعظيما لمنزلته في العلم ورفعة لمكانته إذ لم يزل نخبة الطلبة ونبلاء الأولاد والحفدة يباحثون أشياخهم وآباءهم وأجدادهم في الخلوات والجلوات ويشددون النكير عليهم في الجياة وبعد الممات ولا يقدح ذلك في دينهم ومروءتهم إذا سلمت نياتهم بل يعتد ذلك من نبلهم وذكائهم وقد وقع ذلك للإمام ابن عرفة مع ابن عبد السلام .............. مع شيخه ابن هارون قليلا ومختصره الفقهي مشجون بذلك حتى أفرد مباحثه معهما فيه الشيخ أبو عبد الله المشدالي بتأليف وكذا بدر الدين بن محمد بن مالك مع والده في شرحه على الألفية حتى جلب بعض الأدباء على طرة منه قول الشاعر:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
وذلك كله مصداق قوله صلى الله عليه وسلحم: (أمتي أمة مباركة لا يدرى أولها أو آخرها خير). [رواه ابن عساكر عن عمرو بن عثمان مرسلا أخرجه السيوطي في جامعه الصغير].
وقال إمامنا مالك ﵁: كل كلام يؤخذ منه ويترك إلا كلام صاحب هذا القبر يشير لقبره ﷺ وقال جمال الدين ابن مالك في أول تسهيله وإذا كانت العلوم من الله منحا إلهية وعطايا ربانية فلا بدع أن يوخر لبعض المتأخرين ما خفي على كثير من المتقدمين وقد وقعت بين شيخنا أبي حفص ومعاصره أبي عبد الله سيدي محمد بن الحاج أحمد البداوي في هذه النازلة مراجعة فشدد النكير فيها الثاني على من قال لا تفتقر إلى حيازة وتوقف الشيخ أبو حفص فيها فعرضت توقفه على شيخنا ابي زيد الجنتوري ﵀ فأنكره وتعجب منه وقال لا ينبغي أن
стр. 48
يتوقف في هذه وبالجملة فالنازلة عندى بينة واضحة وأنه لا بنبغي من مثلكم التوقف فيها لما منحكم الله من ذكاء القريحة وسلامة الصدر والإنصاف والحمد لله وأعرضوها على الفقيهين سيدى محمد بن سيد الحاج عبد الله والسيد عبد الكريم بن سيدى محمد الصالح والله الموفق وما دلني على ما ذكر هنا وإن كانت أجنبية عن الشورى وذلك يعد من الفضول إلا الحرص على إرشادكم وإفادتكم والله الموفق بمنه لا شريك له وكتب عبد الرحمن بن عمر لطف الله به اهـ.
ومنها ما خاطب به القاضي السالف الذكر بعد الافتتاح يقول: إلى المحب في الله السيد عبد الحق بن سيدى عبد الكريم ألف سلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد أتاني السيد عبد الرحمن الغماري بالحكم الذي كتبت له على خصمه وقرأته وفهمته ولم تترك لخصمه حجة ثم عاد إلي وذكر أنك كتبت إليه ليأتيني ويعرضه علي ثانيا فهذا لا يليق بك كل من أتاك من الخصمين تكتب له ما يسره لأن إرضاء الخصمين لا يمكن عادة كما قال الحريرى ومن أين ومن أين فإما حكمت على أحد فايئسه وإلا ينقطع عنك أبدا والسلام.
فكتب إليه القاضي شيخنا وحبيبنا في الله أبي زيد بن أبي حفص السلام التام أما بعد: فإني لم أكن أكتب للخصمين ما بسرهما استرضاء لهما ولم أكتب إلا ما يقتضيه حال من دعا إلى الكتابة- إلى أن قال- واللوم يتوجه على أهل الغمارى حيث لم يعلموني بالخبر والسلام.
فأجابه الشيخ عبد الرحمن بقوله: وعليك أيها الأخ ألف سلام وبعد فقد خاطبتك بمحوله نصيحة وإرشادا فإذا أنت لم تفهم قصدي ومرادي فإني قد
стр. 49
لمتك على تطميع الخصوم بكثرة الكتابة والتردد فزت على ذلك فإن أمرت من يقرأ عليهم ما خاطبتك به فهو مما يزيد في طمعهم ويوهن حكمك عليهم فما هذه سيرة السلف من قضاة العدل فإن سيرتهم أن يستشيروا من يتقون بعلمه ودينه فما أشاروا به عليهم نظروا فيه فما وافق ما ظهر لهم اتبعوه وما خالفه إن تحققوا خطأه رفضوه وما شكوا فيه أعادوا الشورى حتى يظهر لهم الحق وما بلغنا أن أحدهم أطلع الخصمين على تلك الشورى التي تأتيه من غيره لأن في اطلاعهما عليها حطا من قدر المشاورة وتحقب ..... على المشاور مع عدم الفائدة إذ لا يفهم العوام مخاطبة العلماء على وجهها وربما فهموا منها خلاف المراد كما قال عبد الرحمن بن عوف لعمر ﵄ لما أواد أن يخطب الناس بمنى فأمره بتأخيره ذلك إلى المدينة كما في صحيح البخاري فإنك قد أبرمت الحكم بما ظهر لك بعد الشورى فما فائدة تطميع المحكوم عليه في مراجعتي إذ لو قنع بما عندي ما وقع خصمه إليك وقد أتاني فقلت له لم يبق لي معكم كلام وما عندي كتبه الشاهدان بينكم وهذه نصيحتي والله يوفقنا وإياك وكتب محبكم عبد الرحمن بن عمر لطف الله به آمين.
ومنها القضية التي سأله عنها ولده الشيخ سيدي محمد بن سيدي عبد الرحمن التنلاني نصها سؤال عمن بيده جنان لأولاده أوصى به والده لهم لكونه أوصى لهم بالثلث فخرج فيه بالقسمة فقال لآخر أعطني غرسة أغرسها فيه وتكون بين الغارس وبينهم أنصافا فأعطاها له وغرسها فأثمرت ثم ماتا فقام الأولاد أهل الثلث على ولد معطي الغرسة يريدون نقض ما فعل أبوهم قابلين أنه تصرف فيما لا يملكه وفعل ما لا يحل فأجابهم بأن أباكم هو متولي أمركم فنازعوه في ذلك فهل تبقى النخلة ويصح ما فعل الأب أم لا؟
стр. 50
فأجاب: الحمد لله الجواب والله المستعان أن ما فعله الأب مع الرجل المذكور في الغرسة فاسد فهي مغارسة فاسدة واختلف فيما لرب الغرسة فقيل له قيمة غرسته حطبا وقيل قيمتها قائمة مع كراء الغارس عليه وقيل لا شيء له وأما كونها تبقى على ملك ورثته فليس لهم ذلك والله أعلم وكتب عبيد ربه تعالى عبد الرحمن بن عمر لطف الله به آمين.
ثم عقب عليه السيد يحيى بن الوافي الجكني ونص مقاله: الحمد لله وحده صلى الله على سيدي محمد وبه تقتي ما أجاب به الفقيه سدده الله في حكم الفساد لم أر له ما يفسده لأنها عقدة صحيحة وأفعال الأب محمولة على السداد حتى يظهر خلافه والآن هي مال مشترك لا يحمل القسمة فيجبر من أبى البيع قائما (١) يعطي رب الجنان قيمتها لأن الضرر منفي من الدين لا ضرر ولا ضرار وكتب من سئل بذلك عبيد ربه يحيى بن الوافي الجكني لطف الله به آمين.
ثم أجابه الشيخ عبد الرحمن مبينا له ما غفل عنه من وجوه فساد هاته المغارسة بقوله: الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وبعد: فوجه فساد المغارسة المسؤول عنها بمحوله الذي غاب عن الفقيه المعترض وفقنا الله وإياه من وجهين أحدهما أن الأب اشتغل بالتصرف في أرض الثلث.
الموصى به لأولاد الموجودين ومن سيوجد وليس له ذلك إذ لا ولاية له على من سيوجد فلا بد من نظر القاضي معه لحق من سيوجد وقد نبه على هذا المعنى في المعيار ونقله سيدي محمد ميارة في شرح نظمه
стр. 51
بستان المنهج. الوجه الثاني أنه يشترط في المغارسة أن يشرك في العامل ورب الأرض في الأرض على حسب اشتراكهما في الغرس وأما إن كان اشتراكهما في الغرس دون الأرض فسدت وقد نص على ذلك غير واحد ولولا أن حامله استعجلني لنقلت من النصوص ما فيه كفاية ووجه فساده الغرر في أجرة العامل إذ لا يدرى هل ينبت الغرس فيكون نصفه أو لا ينبت فيذهب عمله باطلا وهذه النازلة بعكس ذلك ولكن العلة واحدة لأن الأب لو فرضنا صحة تصرفه في تلك الأرض لأولاده لكان رب الغرسة قد استأجره على القيام عليها حتى تعلق بنصفها لو نبتت وعلقت فإن لم تنبت ذهب عمله باطلا فالأجرة مجهولة وهي أيضا خارجة عن سنة المغارسة لأن سنتها أن يكون الغرس من العامل لا من رب الأرض والعمل عليه لا على رب الأرض وهذه النازلة بعكس ذلك وقد يؤدي أيضا إلى كراء الأرض بما يخرج منها لأن رب الغرسة قد اكترى من رب الأرض نصف البقعة التي توضع فيها الغرسة بنصف الغرسة التي نبتت فيها وأيضا فيه كراء الأرض إلى أجل مجهول وهو انتهاء حياة الغرسة ومن يفتي في النوازل ولا يحقق علل الأحكام يكن أقرب للخطأ والله يهدي إلى الصواب وكتب عبيد ربه تعالى عبد الرحمن بن عمر لطف الله به آمين.
ومنها المحاورة التي دارت بينه وبين السيد محمد بن الحاج عبد الله الذي كان يتحاور معه دائما وكان غرضهما في ذلك تبيين الحق وإيضاحه يقول الشيخ سيدي عبد الرحمن: إلى السيد الفقيه النجيب الأخ الحبيب الأريب سيدي محمد بن الحاج عبد الله ألف سلام عليكم ورحمة الله
стр. 52
وبركاته فإني أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو أما بعد فإن عبد الرحمن بن الشيخ عبد الله بن أبي الخير وباب حم بن علي اختصما إلي في قطيفة كان ولد باب حم دفعها لعبد الرحمن في صداق ابنته البكر وقبلها ووجهها لبيت بناء الزوجين ثم بعد مدة مات الولد الزوج فطلب عبد الرحمن من باب حم قطيفه ابنته فعين له قطيفة ابنته فعين له قطيفة دون التي دفعت إليه وزعم أن التي دفع ابنه هي للابن وأنه لم يعلم حين دفعها فلما وجهها الأب لدار ابنته أخذها ودفع لها هذه التي عين الأب فخاصمه عبد الرحمن بأنه لم يقم عليه ولا أعلمه والبنت في حجره وتحت نظره وقد قبل لها القطيفة الأولى في جملة صداقها ولا صدقه في شيء من دعواه فحكمت على باب حم بأن القطيفة لبنت عبد الرحمن إذا قبلها لها أبوها في صداقها ولم يقم عليه باب حم حتى مات ولده معتمدا في ذلك على كلام ابن رشد الذي نقله أبو الحسن في آخر شهادات المدونة وابن عرفة والحطاب في الكلام على الحيازة ونصه: واللفظ للأول: وأما التفويت بالبيع وما في معناه فلا يخلو أن يكون فوت بذلك الكل والأكثر أو النصف وما قاربه فإن فوت الكل بالبيع فإن كان حاضرا بالمجلس فسكت حتى انقضى لزمه البيع وكان الثمن وإن سكت حتى مضى العام لم يكن له مقال في ثمن ولا في غيره مع يمين الحائز وإن لم يكن حاضر المجلس فقام حين علم أخذ حقه وإن لم يقم إلا بعد العام ونحوه لم يكن له إلا الثمن وإن لم يقم حتى مضت مدة الحيازة لم يكن له شيء انتهى المراد منه ولا شك أن دفعها في الصداق بمنزله البيع لأنه معاوضه وأما دعواه أنه أخذها من بيت ابنه فلا تنفعه لو ثبتت لأن الكلام مع الأب لا مع البنت لكونها في حجر أبيها وهو
стр. 53
العاقد والناكح ثم لما سمع ذلك باب حم زعم أنه سأل الفقيه السيد أحمد بن حمادي فأجابه بأن القطيفة له فكتب خصمه سؤالا وأتى به إلي فأجبته بما ظهر لي ثم رفعه للفقيه المذكور فوافق عليه ثم ذكر لي أنه عرضه عليكم فقلتم له إن عندكم خلافه فإن كان كما زعم فنبهوني على ما عندكم فإن كان هو الحق رجعت إليه ولكم المنة علي ولا تظنوا أيها الأخ أني آنف من ذلك بل أفرح به والله على ما نقول وكيل والسلام وكتب محبكم عبد الرحمن بن عمر لطف الله به فكتب إليه المخاطب بعد الافتتاح وعلى شيخنا النبيه الفقيه القدوة العالم العلامة سيدي عبد الرحمن بن عمر السلام ورحمة الله وبركاته وبعد فقد وقف كاتبه على سؤال في النازلة وطلب مني الجواب عليه ولم أعلم بحكم صدر فيها فأجبت بما ظهر لي وأن الفراش إن أقام الأب البينة على ملكيته وادعى الإعارة فيه ولم يكن الصداق مشروطا عليه ولا تحمل به أنه يأخذ فراشه بعد يمين الاستحقاق ويرجع على الابن بقيمة ما استحق من الصداق وهذا هو الشأن والعرف عند العامة يستعير الزوج المتاع من أهله من فيبعث به في أسباب الجهاز ولا يشهدان على العارية في الغالب بل ربما أخبر بها في السر ولا تتملك الزوجة ما أوود إليها إلا ما كان من خالص مال الزوج وأما ما ثبت له مالك يعرف فلا تطلبه ولا تكون الحيازة مدة البناء حجة تقطع قيام ربه هذا ما أطبق عليه أهل العرف والعرف والعوائد في هذا الشأن هي المتبعة ومما يدلك على قبول قوله رده لمتاعه بقرب البناء وعدم حيازة الزوجه أي حيازة تقطع قيامه وتكون قرينة الملك ولو كان وجه إيراد الزوج لمال غيره للزوجة يفيت ذلك على ربه ويكون كالبيع والشراء
стр. 54
لسقط هذا الأمر ولم يسمح أحد بعارية في هذا المحل وحكم الصداق والنحل التي تجري عليها المناكح دائر بين المعارضة والمكارمة قال تعالى: ﴿وآتو النساء صدقاتهن نحلة﴾ فلا يقاس على صريح البيع والمكايسة لافتراق الحكم في البابين واختلاف العوائد في الأمرين هذا مستند أخيك في جواب صدر منه فإن كان خطأ فمن محله واستغفر الله وأتوب إليه. وكتب محبكم عبيد الله سبحانه محمد بن محمد عبد الله لطف الله به.
ثم إن الأول أثنى لمراجعة الثاني عنانه واستعمل في الرد عليه بنانه وأبدى من الكلام بيانه فقال وقوله إلى الصواب آل بعد الحمدلة والصلاة والسلام على رسول الله وعليك أيها المحب ألف سلام ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه العادة التي أخبرتم أنها معتمدكم في الجواب الذي صدر منكم في النازلة لا نعرفها جارية في البلاد التي نحن بها ولو كانت كما ذكرتم لأدى إلى فساد الأنكحة التي تعقد على هذه العادة قبل البناء وتثبت بعده بصداق المثل لما ذكرتم أن المرأة أو وليها لا تعرف قدر صداقها إلا بعد أن يخبر الزوج بما هو عارية وما هو ملك له وهذا جهل بقدر الصداق كما لا يخفى وإنما العادة التي تعرف في هذه البلاد أن يقدر الصداق عند الخطبة أو بعدها قبل العقد جوائح زائدة على ما شرط عليه قصدا للفخر وجبرا لخاطر أهل الزوجة ليظن من رآها أنها من جملة الصداق ثم بعد مضى أيام البناء ترد لأربابها بلا نزاع ولا نشاح وإذا أثبت الحكم عليه هذه العادة مع أنه لم يذكرها لما حضر لدي ولا خاصم بها وإنما خاصم بما ذكر فإنه يحكم على ولده بصداق المثل وقولكم حفظكم الله أن النكاح لا يقاس على صريح البيع لأنه مبني على المكارمة نقول نعم هو كذلك
стр. 55
وأقل أحواله أن يكون كالهبة التي هي محض تبرع وقد نص ابن رشد في بقية كلامه الذي نقلناه أوله بمحوله على أنها كالبيع في هذا الحكم فتأملوا ذلك وفقنا الله وإياكم.
هذا وإن العلماء نصوا على أنه لا ينبغي للمفتي أن يفتي في الحكم الذي بني على العوائد حتى يسأل عن عادة بلد المستفتي والله أعلم. وكتب محبكم عبد الرحمن لطف الله به قائلا إياكم أن تنكروا مراجعتي وتظنوا أنها تعبث أو لطلب العلو معاذ الله أن تكون لشيء من ذلك وإنما هي للتفهم وإظهار الحق وهي سيرة سلف صالح علماء الأمة سلك الله بنا طريقهم والسلام. انتهى.
اللمحة التاسعة: في ذكر مؤلفاته الموجودة لدينا للشيخ سيدي عبد الرحمن بن عمر مؤلفات كثيرة والموجودة منها لدينا: مختصر السمين في إعراب القرءان يقول في افتتاحه: الحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، الذي أنزل على عبده كتابا عربيا وأمره ببيانه للناس فبينه، وأتاهم بشرعة جديدة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين نصروا دينه وبينوا طرقه السديدة، أما بعد فيقول العبد الفقير إلى رحمة مولاه الغني به عن كل ما سواه، عبد الرحمن بن عمر التواتي بلدا ومولدا، القرشي نسبا ومحتدا، كان الله له في الدارين وليا ونصيرا ووقاه شر كل حاسد وقال إذ لم يزل تعالى سميعا بصيرا، لما من الله تعالى علي بحفظ كتابه العزيز وتحصيل ما تيسر من علومه كإعرابه وغريبه وبديعه وبيانه وكان من أجل ما ألف في هذه الفنون الكتاب المسمى بالدر المصون في علم الكتاب المكنون الذي ألفه
стр. 56
الإمام العلامة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود بن إبراهيم النحوي الشافعي الحلبي المشهور بالسمين وكان من أكابر أصحاب أثير الدين أبي حيان لخص تأليفه هذا من تفسير شيخه المذكور ومن غيره وأكثر الاعتراض عليه في رده على الزمخشري وانتصر له وجمع فيه بين الإعراب واللغة والتصريف والبيان فجاء تأليفا حافلا في أربعة أسفار في كل سفر زهاء ثلاثين كراسة بالقالب الكبير فلما وقفت عليه شغفت به ولم يمكنني تحصيله لكبر حجمه فاستعنت الله تعالى على اختصاره ليحصل لي الانتفاع به ولمن أراده من المسلمين واقتصرت على الفنون الثلاثة الأول لشدة الحاجة إليها وأسقطت الرابع لقلة من يتعاطاه من طلبة العصر واقتصرت أيضا في القراءات التي استوفاها فيه متواترها وشاذها على قراءة نافع التي رواها ورش وقالون عنه لأنها محفوظ غالب طلبة المغرب اهـ وختمه بقوله يقول مختصره عبد الرحمن بن عمر التواتي غفر الله تعالى من ذنوبه ما مضى وما يأتي قد من الله تعالى بتمام هذا المختصر جعله الله تعالى من الأعمال الصالحة المقبولة التي أجرها يضاعف ويدخر فالحمد لله حمدا كثيرا على ذلك دائما والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد المبعوث للخلق رحمة وبالحق حاكما وعلى آله الطاهرين وصحابته الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ومنها فهرسته التي ذكر فيها مشائخه والفنون العلمية التي درسها عليهم وتلقاها بالإجازة منهم وهي تشتمل على ١٠٠ صفحة بالكتابة الدقيقة افتتحها بقوله: يقول راجي عفو مولاه الكريم، وفضل جوده العميم عبد
стр. 57
الرحمن بن عمر التواتي منشأ ومولدا، الأموي أصلا ومحتدا، الحمد لله الذي فضل أمة نبينا محمد (ص) على سائر الأمم، وثبت طائفة منها على الحق لا تزل بهم قدم، واختار لحمل دينه من كل خلف منها عدوله ليبلغوه لمن بعدهم من أرباب العناية والهمم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الموصوف بالأزلية والقدم، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث للعرب والعجم، (ص) وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والكرم صلاة وسلاما دائمين متلازمين ما خط كاتب بالقلم.
أما بعد فطلب العلم من أفضل الطاعات والقرب، ومن أجل ما أفنى فيه المرء العمر ودأب، وقد وردت في فضله آثار عن الشفيع المشفع منها قوله (ص): إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب وكنت منة من الله ممن ألهمه لطلبه، وعلق همته بحملته وكتبه، مذ أميطت عني التمائم، ونيطت بي العمائم، فأخذت عن أشياخ عده، في الموطن والغرب، فأردت أن أعرف بهم في هذه الفهرسة، وأذكر من خلالهم ما ينبئ عن علو المرتبة اهـ ثم عددهم واحدا تلو الآخر.
ومنها مختصر النوادر: وهو كتاب في الفقه والمعاملات لابن أبي زيد اختصره الشيخ في مجلد متوسط الحجم وجدناه بخط تلميذه الشيخ محمد بن مالك القبلوي لكنه ناقص من أوله والموجود منه الأبواب التالية: آخر باب الصلاة، باب الخيار، الصيام، البيع، القراض، المغارسة، القضاء، الشهادات، الإقرار، التفليس، الرهن، الحمالة، الحوالة، الرهون، الإكراه، الغصب، الوديعة، العارية، اللقطة، إحياء الموات، حريم للإبار رفع الضرر، الشفعة، القسمة، الوصايا، الحبس، الهبة، الجعل على الخصومة، العتق. وفي آخره كتب الشيخ محمد بن مالك انتهى ما وجد بخط عبد الرحمن بن عمر مما انتخبه من النوادر.
стр. 58
وله أيضا أرجوزة في علم الفلك يقول الشيخ عبد الرحمن:
الحمد لله الذي علمنا ... من النجوم ما به اهتداؤنا
في ظلمات البحر ثم البر ... سبحانه من قادر وبر
وخصنا بأفضل البرايا ... محمد ذي الفضل والمزايا
صلى عليه ربنا وسلما ... وآله وكل من له انتمى
وبعد فالقصد بذا المسطور ... قسم المنازل على الشهور
لبعضها أشير بالحروف ... بالعدد المصطلح المعروف
رابع ينير لسعد بلع ... وللسعود يزه فلتستمع
ولامه للاخبيا فلتعلم ... وبيا فبراير للمقدم
موخر كه له بالثبت ... عاشر مارس لبطن الحوت
كج لنطح منه للبطين ... خامس إبريل بدون مين
وللثريا حيه بلا توان ... أول ميه عده للدبران
رابع عشرة لنجم الهقعه ... وكز منه عده للهنعه
وللذراع تاسع من ينيه ... كب لنجم نثره فلتدره
وخامس من يأيه للصرفه ... ثامن عشره لنجم الجبهه
وأول من أغشت للخرثان ... يز لصرفه ففي ذا التبيان
وكزه لمنزل العواء ... ويدخل السماك قل بطاء
شتنبر وكفه للغفر ... للزبنان الهاء من أكتبر
وحي للإكليل ثم الآخرة ... اجعله للقلب تنل مفاخره
ويح من تونبر للشوله ... نعايم كوله فصخ له
طاء دجنبير لبلدة فع ... وذابح كب له فلتسمع
قد انتهى والحمد لله على ... ما من من آلائه وأفضلا
انتهى
стр. 59
وله ﵀ هذه الأبيات التي يمدح بها تأليف إمام الحرمين المسمى بالورقات وشرحه للحطاب:
عليك إذا رمت الوصول بسرعة ... لعلم أصول الفقه خير العلوم
بتأليف بحر العلم أوحد وقته ... إمام حرام الله محي الرسوم
وطالع عليه شرح حطاب نفعه ... محمد الحطاب بحر الفهوم
وما سمي الحطاب إلا لحطبه ... فوائد لا تلفى لأهل الحلوم
ولما نظم شيخه الشيخ محمد بن اب الأجرومية الذي سماه نزهة الحلوم الحلوم في نظم منثور ابن آجروم قرظه الشيخ عبد الرحمن التنلاني بقوله:
إذا رمت نظما يزري بالدر في سلك ... فلازم ذرا الشيخ ابن أب أخ النسك
بدا فيه فردا بين أعلام عصره ... وحاز به سبقا وفضلا بلا شك
فما انفك مذ أزمان يبدي عجائبا ... بصوع قريض محكم النظم والسبك
وفي نزهة من المحاسن ما ترى ... يقربها المصغي إليها ومن يحك
فقد حوت مع إيجازها لب أصلها ... أدام بها نفعا إلهي ومالكي
وأولى الذي أبداها خير آلائه ... فقد سهل الصعب الذي كنا نشتكي
انتهي
وله مقيدات وفتاوى كثيرة نذكر منها نموذجا فمن مقيداته ما ذكره في كتابه نقل الرواة عمن أبدع قصور توات لما تكلم على حفر الفقاقير بتوات قال: وقد رأيت تقييدا منقولا بخط العلامة الشيخ سيدي عبد الرحمن بن عمر ناقلا له من كتاب عم والده الشيخ سيدي احمد بن يوسف التنلانى حين تكلم على من سبق بعمارة توات من زنانة قال وهم الذين اتخذوا خدمة الفقاقير وابتداعها بحرفة لم يسبقهم غيرهم إليها وحيث بلغوا من
стр. 60
ذلك مقصودهم اصطلحوا على تسميتهم بالفقاقير على ضرب من الشبه لأن الشيء يشبه الشيء فشبهوا صفة الفقارة بصفة فقارة الظهر من كل حيوان له فقارة فأخذها عنهم من بعدهم وصارت حرفة شائعة معروفة عند ذويها إلى الآن انتهى من الكتاب المذكور نقتصر على هذا وأشير إلى أن كتاب غنية الشورى يشتمل على الكثير من فتاويه وخصوصا في أمر الفقارة وإعطائها بجزء مما يخرج منها وكيفية تقسيم مائها إلى غير ذلك مما هو في الكتاب المذكور والشيخ مع هذا متضلع في علم القرءان والرسم والأداء.
اللمحة العاشرة: في رحلته خارج الوطن ومن خلالها ذكر وفاته لقد قام الشيخ بن عبد الرحمن بن عمر التنلاني بعدة رحلات في طلب العلم خارج الوطن فكانت مظفرة آتت أكلها.
الرحلة الأولى: إلى التكرور بمعية شيخه الإمام سيدي عمر بن محمد بن المصطفى الكنتي تعرض الشيخ لتفاصيلها وأسبابها في فهرسته حيث قال ثم بدا له - أي للشيخ سيدي عمر- السفر لبلاد التكرور فطلب مني مصاحبته فأجبته إلى ذلك من غير أن أستأذن أبوي والشيخ لكن كتبت إليهم كتابا معتذرا لهم فصحبته فرأيت منه من حسن الصحة واللطف وحسن الخلق والأثرة أضعاف ما كنت أعهد منه في الحضر فقد كان يأثرني عن ولده في المأكل والمشرب والمركب وكان يسألني في بعض الأحيان ويقول إلي يا فلان أصدقني أسألك بالله هل أنكرت من حالي شيئا فإنما سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أحوال الرجال وأظن انه يعرض بي لما رأى تغيير خلقي من طول المفر فقدمنا قرية تودن وأقمنا بها مدة
стр. 61
فمرضت بها أياما فأنكرت الإقامة بها لقبح عيشها وملح مائها وأردت التوجه لقرية المبروك فمنعني واعتذرت فألح علي وبكى لذلك واستشفع بمن يظن أنه أنصت لكلامه فلما رأيت منه ذلك رق قلبي عليه وأقمت معه ثم قال ثم إنه خرج إلى أروان ولم يمكنه أن يحملني وابنه معه فتخلفنا عنه ثم لحقنا به في مدينة أروان وتركته هناك أريد التوجه منها إلى بلادنا فأقمت معه هناك في حسن عشرة ورغد عيش ومذاكرة وقراءة ثم توجهت عنه لقرية المبروك وتركته هنالك أريد التوجه منها لبلادنا فأقمت هنالك حتى خرجت مع رفقة لبلادنا.
الرحلة الثانية: للشيخ كانت لمدينة أروان للقراءة على شيخه سيدي عمر المذكور فلما قدم عليه مكث معه مدة على الحاله الأولى من مذاكرة وقراءة وحسن معاملة ولم يحدد الشيخ عبد الرحمن مدة إقامته مع شيخه سيدي عمر ثم كر راجعا لتنلان وترك شيخه هنالك وبقيت العلاقة بينهما وطيدة لم تتبدل ولم تتغير. قال السيد عبد الرحمن في فهرسته ثم قدم لبلده يعني زاوية كنتة وأقام بها مدة يزورني وأزوره حتى كان آخر العهد به أن صحبته لبلاد تيدكلت لملاقاة ركب الحجاج فدعاه أمير الحاج سيدي محمد بن أبي نعامة لصحبته للحج فأجابه وحج ثم قفل معه حتى وصل معه لبلد فزان وهناك أتاه أجله ﵀ وذلك بقرية زلا ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الثاني سنة ١١٥٧ هـ.
الرحلة الثالثة: كانث لسجلماسة للشيخ سيدي صالح بن محمد الغماري وقد ابتدأها من تنلان يوم الاثنين التاسع عشر من جمادى الأولى سنة ١١٦٨ ووصل للشيخ المذكور يوم الجمعة السابع من جمادى الثانية عند
стр. 62
الزوال فبالغ في إكرامه لكن وجده يشتكي عينيه فأدلى له بمرامه وأن أسباب الرحلة هو أن يأخذ عنه القرءان العظيم بمقرأ الإمام نافع بروايتي ورش وقالون من طريق الأزرق وأبي نشيط فأقام عنده إلى يوم الثلاثاء الحادي عشر جمادى الثانية ثم إنه بلغه عن الشيخ سيدي أحمد بن عبد العزيز الهلالي أنه يريد السفر لمدينه فاس وكان سيدي عبد الرحمن عازما على زيارته فلما خشي فوات شيخه الهلالي استأذن سيدي صالح في زيارته فأذن له فذهب إليه وبعد عودته من عند الهلالي ابتدأ السلكة أي ختمة القرءان العظيم على سيدي صالح إلى أن ختمها عليه في ظرف خمسة عشر يوما وقد نبهه على مسائل من فن الأداء تخفى على كثير من القراء مثل عدم إظهار اللام الساكنة عند النون نحو جعلنا أنزلنا وكان ينبهه على بيان التشديد في نحو الدين وبينة إلى غير ذلك مما هو مبسوط في فهرسة الشيخ المعرف به.
ثم لما ختم الشيخ سيدي عبد الرحمن السلكة على شيخه التمس منه الإجازة فيها فأجازه كما تقدم.
الرحلةالرابعة: رحلته للأداء فريضة الحج
ألف الشيخ سيدي عبد الرحمن بن عمر التنلاني مذكرة رحلته للحج ابتداء من بلده تنلان وعدد فيها جميع المراحل والأماكن التي نزل بها والرجال الذين التقى بهم وذكر فيها بأنه خرج من تنلان يوم الجمعة العاشر من جمادى الأخيرة سنة ١١٨٨ ووصوله لمكة المكرمة يوم الأربعاء السابع من ذي الحجة ١١٨٨ وهاته المذكرة قد تقطع الكثير منها ونحن ننقلها على حسب ما وجدنا فيها لأجل الفائدة.
стр. 63
قال الشيخ سيدي عبد الرحمن بن عمر: الحمد لله الذي فرض على المكلفين حج بيته المحرم العتيق وجعله حرما وغفر ذنوب من حجه وهو بذلك حقيق أحمده على ما هدانا إلى خير طريق (١) على ما منحنا من التوفيق وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له شهادة تنجينا من عذاب الحريق وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله (٢) إلى خير فريق اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه الذين أقاموا الدين أفضلهم (٣) الصديق وبعد فلما من الله علي بالتوجه لحج بيت الله الحرام وزيارة قبره ﵊ وذلك لما تحركت همة الإخوان في الله سيدي عومر (٤) عبد الرحمن وابن عمه سيدي إدريس بن شيخنا العلامة سيدي عمر فاستشارني في ذلك فأشرت عليهما في الجد في ذلك فطلبا مني المرافقة فاعتذرت لهما (٥) ذات اليد فقالا لي لا تحتاج لذلك فقلت لهما إن وجدت سلف مائة مثقال (٦) فالتزما لي ذلك ثم لما جد منا الجد استنجزتهما ما وعداني به فأجابني الأول (٧) ذلك وخيرني بين ما طلبته وبين أن يعينني بنصفها تبرعا وطلبا للثواب فاخترت الإعانة فجزاه الله على ذلك أفضل
стр. 64
الجزاء وضاعف أجره كما ورد ذلك (١) يضاعف لمن يشاء ثم شرعنا في التجهيز بعد تكرار الاستخارة فكلما حاولت أمرا يسر الله تعالى أسبابه حتى أن أكثر ما طلبته يحصل مهيئا بلا ثمن فضلا منه (٢) وعلامة الأذن التيسير فنسأله تعالى دوام نعمه وتمام آلائه. فخرجنا من بلادنا بعد صلاة الجمعة العاشر من جمادى الأخيرة ونزلنا مدينة تمنطيط اصفرار يومنا وأقمنا بها يوم السبت وأسرينا منها وقتنا زاوية الجديد ثم أسرينا شه وقلنا زاوية الرقادي وبتنا بها تم رحلنا منها لقرية بـ (٣) وزرنا بها قبر الولي الصالح العلامة سيدي محمد بن عبد الكريم المغيلي وبتنا بها وقلنا ثم رحلنا منها ظهر يوم الأربعاء متوجهين لبلاد تدكلت وبتنا دونها يومين وقلنا يوم الجمعة قرية تمقطن ثم رحلنا منها لزاوية سيد أبي الأنوار وأقمنا بها ثلاثة أيام ثم رحلنا منها لأولف الأشراف وبتنا به ثم لزاوية تقرافت وبتنا بها ثم أسرينا منها سحرا متوجهين لبلاد ديدر فنزلنا بأولاد موسى وأضافنا بها سيدي علي بن سيدي أحمد ثم رحلنا لزاوية أبي نعامة نفعنا الله به وزرناه وهو الذي أحيا سنة الحج من بلاد توات وبلاد التكرور فأقمنا بها أربعة أيام واستأجرنا هناك دليلا من الطوارق اسمه تكمن ئم قمنا بها متوجهين لعين صالح وأخذنا طريق الغابة وبتنا بها أربع ليال واستهل لنا شهر رجب في الليلة الرابعة منها ليلة الخميس الثامن والعشرين من أغشت وقمنا بها أربعة أيام وأكرمنا بها محبنا سيدي أحمد بن الفقيه سيد الحاج إبراهيم والسيد محمد
стр. 65
بن بلحاج والحاج محمد بن بحسن من أولاد أبي القاسم والحاج محمد بن عبد الله من أولاد الحاج فجزاهم الله عنا خيرا ثم (١) منه يوم الاثنين الخامس من رجب الأول من شتنبير فنزلنا ظهرا على بير يقال له (٢) ثم رحلنا منه بعد صلاة الصبح وبتنا بواد بحان وظللنا سائرين من يومنا إلى العصر لأن الله تعالى أكرمنا بريح باردة شمالية ولم يحبسنا الحر إلا قرب الزوال ثم رحلنا منه وسرنا مع الواد المذكور حتى انقطع فاستقبلتنا جبال وعقبات فظللنا في طلوع وهبوط حتى خرجنا إلى بسطة اصفرار فبتنا بها ثم رحلنا منها ونزلنا على ماء يقال له حاسي السب (٣) وماؤه قبيح لامتزاجه بالحمأة ثم رحلنا منه وبتنا بواد موسى اسفرارا وعند الزوال أرسل علينا طير يقال له الناموس والعادة أنه يوجد إلا بقرب الماء (٤) وقرب السباخ وليس شيء من ذلك هناك ثم رحلنا ووجدنا بعد رحيلنا فيه حاد واد كثير الحشيش ثم رحلنا ونزلنا ضحى على حاسي التي يوم الأحد الحادي عشر من رجب والسابع من ستنبر وأقمنا عنده يومين لقلة مائه لكون أصله من السيل وعهده به وفيه بعض المرورة ويورث إسهالا مفرطا ثم رحلنا منه وسرنا يومين بين الجبال في طلوع وهبوط ورحنا لمنقاو طين وبتنا به ثم رحلنا منه ومررنا ظهرا على غدير يسمى أمكيد - بكاف معقودة- وذهب إليه الدليل مع بعض أهل الركب وأتوا بماء
стр. 66
الواد بين جبلين يحفر الإنسان قدر ذراعين فيجد ماء طيبا عزيزا إلا أنه قريب العهد بالسيل والأودية القريبة منه كلها مخصبة ويوجد الغدير في مواضع منها ثم رحلنا منه قرب العصر وبتنا في واد فوقه قريب منه ثم رحلنا منه بعد صلاة الصبح وظللنا يومنا سائرين في أوعار وطلوع وهبوط والتواء مع الجبال إلى بعد العصر فنزلنا في فسيح قرب واد يقال له تدمايت انتس ومعناه بلغة الطوارق وأرض البقرة ورحلنا منه قاصدين ماء تحجاوت في أوعار وعقبات لقينا منها برحا أخبرني بعض من سلك درب الحجاز أنها أشد من عقبة أيلة (١) فوصلناه قرب العصر وماؤه طيب غزير لقرب عهده بالسيل وأوديته واسعة مخصبة كالذي قبله ورحلنا منه بعد صلاة الصبح ورحلنا بواد عصرا وفيه شجر الحاد الأسود يسمى أنفى ورحلنا منه سحر يوم الاثنين التاسع عشر من رجب والخامس والحادي عشر من ستنبر ونزلنا واد تنفرين عصرا وأكثر شجره الشبرق والأرطبي ثم رحلنا منه إلى رأس الواد ونزلنا ضحى وبعثنا الإبل فشربت وسقينا منه القرب وراحت لنا قرب المغرب وهو ماؤه طيب ثم رحلنا منه بعد صلاة الصبح ومات هناك لبعض الأشراف بعير سببه أكل الدفلى فاستقبلنا جبلا وعرا فتركنا ذات اليمين وسايرناه مسلقبلين القطب الشمالي إلى الظهر فوجدنا فيه بين جبلين مستقبلة جهتنا فسلكناها بمشقة فادحة حتى أن البعير ليضع خفه إلا بين حجرين فلم نخرج منه إلا قرب المغرب وأمرنا فيه على ماء في جنب الجبل عن يسير الذاهب يسمى حلكم (٢) ونزلنا بمحل
стр. 67
فيه على ماء في جنب الجبل عن يسير الذاهب يسمى حلكم (١) ونزلنا بمحل نزول الركب ظهرا وذلك يوم السبت السادس عشر من شعبان والتاسع من أكتوبر فلم يقدموا فارتحلتا ونزلنا على أخصاص قريبة من عين المولى ثم ارتحلنا منها ونزلنا بقرية اثرعن قرب الزوال وأقمنا بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وفيه ورد علينا ركب سيدي محمد بن الشيخ أبي نعامة الذي كنا ننتظره وتلك القرية هي أكثز قرى فزان تمر أو أجوده وفيها عيون تجري بخلاف غيرها ثم رحلنا منها يوم الجمعة التاسع والعشرين من شعبان والرابع والعشرين من أكتوبر ونزلنا بقرية الحميد ثم رحلنا منها ونزلنا بقرية أزويلة قاعدة فزان في القديم وزرنا بها سبع قباب زعم أنها قباب قبور من افتتحها من الصحابة والتابعين لكن لم يعينوا لنا أسماء أصحابها وأقمنا بها السبت والأحد وهو أول يوم من رمضان واجتمع علي طلبتها مع طالب من الحمراء يسألون عن مسائل منهم من يسأل امتحانا ومنهم من يسأل مستفيدا ولم يقع لنا ذلك فيما قبلها من القرى إلا ما كان من فقيه مرزوق وهو السيد محمد العرب لأن أباه من بلاد أوقروت وذلك لخلو تلك البلاد من العلم وأهله ثم رحلنا منها يوم الاثنين ونزلنا أرضا ورحلنا منها ونزلنا قرية تمس وأقمنا بها الثلاثاء والأربعاء وارتحلنا منها يوم الخميس (٢) رمضان وثاني نونبر سالكين طريق الهاروج لما بلغنا أن له غدران ماء فاكترينا من يدلنا عليها فارتحلنا إلى أرض بسيطة ملسا ورحنا يوم الجمعة إلى الهاروج الأبيض ولم نلق به شدة إلا
стр. 68
عقبة واحدة ويوم السبت رحنا إلى قرب الهاووج الأسود فدخلنا فيه وسرنا في عقبات وأحجار والتواء وطلوع وهبوط أنسانا ذلك ما لقيناه في طريق أزكر ورحلنا يوم الاثنين للماء الذى كنا قصدناه ولقينا من الشدة أعظم ما وجدتا بالأمس ووجدنا به غدران كثيرة في مواضع كثيرة ثم رحلنا منه يوم الثلاثاء في غير طريق مسلوكة لكن لم نلق فيه من الأوعار ما لقيته من قبل ويوم الأربعاء أصبح غيم وازداد في أول النهار وسرنا فيه إلى قرب الزوال ثم انكشف عنا بلطف الله تعالى ووجدنا سرنا فيها فكان آخر النهار رحمة وكذلك يوم الخميس أوله (١) واشتدت الأرض في آخره ويوم الجمعة وسرنا فيه إلى الغروب فخرجنا بعد الغروب إلى أرض مستوية ملساء ونزلنا قرب السور ويوم السبت وقعنا على الطريق المشهورة ووصلنا العرق الذي عنده (٢) الحاد فتزودنا للجمال معاشها تلك الليلة والتي بعدها ولم ننزل إلى بعد العشاء عند الغروب وليلة الثلاثاء بعد العشاء وبتنا دون أصحابنا وهم راحوا لماء زلطا عند نصف الليل وأصبحنا فنزلنا عليهم يوم الثلاثاء السابع عشر من رمضان والحادي عشر من نونبر وماؤه غزير إلا أن فيه بعض مرارة فرحلنا منه وبتنا قريبا من الرمل بعد المغرب ثم رحلنا منه وبتنا قريبا من مدينة وجلة ثم أصبحنا يوم السبت الحادى والعشرين من رمضان والخامس عشر من نونبر وأقمنا بها يوم الأحد وأهلها في غاية المشاكسة في المعاملة وقلة الأمانة ثم رحلنا منها يوم الاثنين ونزلنا في قرية جلو وهي أخصاص مبنية بالجريد
стр. 69
لا جدار فيها إلا مخازن للتمر ونخلها كثير جيد تشبه قرية أتراع في ذلك ثم رحلنا منها ونزلنا واد قطمير وآباوه الغربية أطيب من الشرقية ثم رحلنا منه ودخلنا القرود وهي رحال فبتنا موضعا منها يسمى الصنك ثم موضعا يسمى لم الألواح ثم خرجنا منها عند الغروب وسرنا إلى العشاء فبتنا في أول البرية المسماة قرطبة فأما القرود فهي رمال منبسطة بين عرقين إلا أن فيها انخفاض وارتفاع وبتنا بها يوما آخر وفيها استهل هلال شوال ليلة الاثنين الثالث والعشرين من تونببر ثم رحلنا بعد الصبح فسرنا حتى حلت النافلة وصلينا صلاة العيد ثم سرنا فنزلنا بواد الطرفاوي قرب الظهر وماؤه فيها ملوحة وفيه آبار قصيرة وبعضها أطيب من بعض وشجرها العلندا ثم رحلنا منه وبتنا خطة الجوداوى شجرها العلندا أيضا والحاد ثم رحلنا منه ونزلنا حيبطة الككم وأرض هاتين الرحلتين كلها بيضاء سهلها وجبلها ثم رحلنا منها وسرنا في ارتفاع وانخفاض وقطعنا سبع عقبات ونزلنا بخطته إلى واد عند الغزوالية عند المغرب وماؤها لا بأس به ثم رحلنا منها وبتنا قرية جاوزنا بنكر عجرود بقليل وسرقنا سراق العرب تلك الليلة وأخذوا لبعض الركاب (١) رحلنا منه وسلكنا طريق الصانع وهي أعمدة مبنيه علامة على الطريق بين كل عمودين (٢) أو أقل أو أكثر وإنما فعلوا ذلك لأن تلك الطريق كلها سبخة ورمل لا يظهر فيها أثر سالكيه غالبا ووجدنا في آخر النهار غدير ماء أخذ منه من احتاج إليه
стр. 70
حاجته وسقى فيه دوابه وهناك سقط لي كساء جيد كنت فرشته على ظهر الحمار الذي أركبه ثبت إليه أجره وبتنا بواد الرمل ورحلنا منه وفي فور رحيلنا مات عبد الرحيم صاحب تمنطيط وبتنا بأول واد التيه ورحلنا منه وبتنا بندر النخيل بعد المغرب ووجدنا قافلة من الشام هناك معها كثير من فواكه الشام وثمارها تعرضت لركب مصر ففاتها لأنه سبق ركبنا خروجا ثمانية أيام فتسوقها من شاء من ركبنا ثم رحلنا منه ضحى وبتنا ببار الصعاليك بعد العشاء ولا ماء به ورحلنا منه وصب علينا مطر غزير قبل الظهر ثم اقلع وبتنا بسطح العقبة وهي عقبة ليلة وفي مبيتنا مات عبد الرحمن بن المستور ورحل (١) وغلام الشريف سيدي المهدي بن الكبير ثم رحلنا منه وقطعنا العقبة الهائلة التي يضرب (٢) في الوعرة وشدة الخوف لأن عرب تلك الأرض تتعرض للأركاب فيها ولا سيما ركب المصري (٣) هذه السنة والحمد للد سالم من ذلك لم يعرض لنا فيها أحد وكذلك في غيرها وذلك من أجل (٤) الذي لم يفارقنا فيما مضى من سفرنا ذهابا وإيابا فإنا شاهدنا من الأمم (٥) من مضى ولا سيما عرب الحجاز من ينبوع إلى الحرمين فإنها أهل الركب يتفرقون (٦) ويرسلون إبلهم في المرعى ولا يعرض لهم أحد وأخصب الله ارض (٧)
стр. 71
عند العشاء وقد كان ماتا في مسيرنا الحاج محمد بن عبد القادر بن مهم وبعد نزولنا مات العباس بن الحاج إبراهيم وجهزناهما إلى قبريهما رحمهما الله تعالى ثم رحلنا منها ورحنا بدو المليح بعد المغرب يوم الجمعة الثامن عشر من الشهر وأقمنا به يوم السبت لخزن بعض أهل الركب بعض أزوادهم وأمتعتهم ورحلنا منها يوم الأحد وبتنا بيرام السلطان بعد العصر ثم رحلنا منه ونزلنا بندر الالزام بعد العصر وماؤه وماء الكره من أقبح مياه الدرب ومات فيه رجل من تنمراس من قرى سجلماسة ثم رحلنا منه وبتنا بندر الوجه بعد العصر وبه آبار أطيبها أعلاها ثم رحلنا منه وبتنا الحوراء وماؤها متوسط بين الملح والحلاوة إلا أنه يزيد ملحه إذا أبطأ في القرب ثم رحلنا منه وبتنا القبط قرب العشاء وماؤه وماء بيرام السلطان من أطيب مياه الدرب ورحلنا (١) ثم رحلنا منها سحرا ولما تعلى النهار وأفطر الركب غيمة السماء (٢) وأبرقت مطرا غزيرا وصارت الأرض كأنها نهرا واحدا ولم تزل كذلك إلى أن قربنا من ينبوع (٣) ويرده مشقة عظيمة ولما وصلنا ينبوع وجدنا الركب المصري والتنسي مقيمين (٤) هما المطر فبتنا به وأقمنا إلى الظهر ووجدنا المصري متحيرا لأنه بلغه أن أعراب بدر عزموا (٥) عليهم إلا أن يعطيهم ما ذكر من المال ثم عزم على عدم المرور عليهم فرحل منه
стр. 72
صبح (١) العشرين من الشهر وتنكب طريق بدر ذات اليمين ثم تربصنا نحن إلى الزوال ورحلنا (٢) شهر ذي الحجة ثم سرنا قليلا وبتنا ثم رحلنا وبتنا بعد قاع البزوة (٣) وبتنا نحن إلى الصبح وبعد أن حلت النافلة ركعنا ركعتي الإحرام (٤) ثم رحلنا منه وقطعنا عقبة السكر وجلنا خائص ظهرا وجاوزناه وغادرنا (٥) هناك وبتنا دون عقبة عسفان ثم رحلنا منه وجاوزنا عسفان وبتنا واد فاطمة بعد العشاء ثم رحلنا منه سحرا ووصلنا مكة واغتسلنا وأردنا الدخول من كداء اقتداء بالنبي ﷺ فمنعنا شيء وقع من الأعراب فيه فأخذنا ذات اليمين ونزلنا بكدى المسمى بباب الشبيكة ودخلنا منه يوم الأربعاء السابع من الشهر ثم دخلنا مسجد الحرام من الباب المقابل المقام المالكي إذ لم يمكننا الدخول من باب السلام وطفنا طواف القدوم وسعينا وسهل الله لنا سكنى دار قريبة من المسجد وهي لحفيد الإمام الحسن العجمي بلا كراء ولما كان اليوم الثامن خرجنا إلى منى وبتنا بها إحياء للسنة التي أميتت منذ زمان (٦) حجتنا هذه يسر الله ذلك وبات معنا ركب أهل الشام ورحلنا صبيحة التاسع لعرفات ونزلنا قرب مسجد نمرة (٧) ثم رحلنا منها يوم الاثنين السادس والعشرين من ذي الحجة ورحنا لواد فاطمة عصرا ثم رحلنا منها وجاوزنا عسفاق وبتنا
стр. 73
قرب عقبة عشاء ثم (١) ونزلنا أخليص ظهرا ثم رحلنا منه وجاوزنا قديدا ظهرا ونزلنا اصفرارا ورحلنا ونزلنا رابغا ظهرا ورحلنا منه ظهر غده ونزلنا مسيرة ورحلنا منها ونزلنا بقرب بدر ثم رحلنا ونزلنا بدرا ظهرا ووجدنا هناك ركب المصري ورحلنا منه ونزلنا الجديدة ومات هناك محمد بن المبروك ورحلنا منها ونزلنا قبور الشهداء ورحلنا منها ومررنا على ذي الحليفة المسماة بئر علي ظهرا ودخلنا المدينة المشرفة يوم الخميس السابع من المحرم وصلينا الظهرين بالمسجد الشريف وسلمنا عليه ﷺ وعلى صاحبيه وأقمنا هناك الجمعة وزرنا بعد صلاتها البقيع ووقفنا على قبور من اشتهر من أهله وسلمنا عليهم واستشفعتا في دعائنا بهم وأجملنا من لم نعرفه (٢) السبت خرجنا للصلاة بمسجد قباء ثم لزيارة سيدنا حمزة ومن معه من (٣) إلى أن قال: حتى دخلنا القاهرة بعد ارتفاع النهار يوم الخميس الثاني عشر من صفر فلله الحمد ونسأله تعالى أن يتم علينا نعمته بالوصول إلى بلادنا سالمين.
وفاته: في يوم التاسع والعشرين من صفر سنة ١١٨٩ هجرية انتقل الشيخ سيدي عبد الرحمن التنلاني ﵀ إلى جوار ربه بمصر وكانت وفاته عند طلوع الفجر ودفن بمقبرة الإمام الشيخ سيدي عبد الله المنوفي رحمهما الله آمين. وقد رثاه الكثير من فطاحلة العلماء بالمنطقة التواتية.
стр. 74
اللمحة الحادية عشر: في المرثيات من بين من رثى العلامة الشيخ عبد الرحمن بن عمر التنلاني العبقري الكبير والشاعر البليغ الشيخ السيد محمد بن المبروك البداوي رثاه بقصيدة رائعة من بحر الوافر:
ألا يا مصر قد ازددت فخرا ... بحبر حل مقبرة المنوفي
بعيد زيارة الهادي المنبأ ... من حج البيت حقا بالوقوف
نضلع بالعلوم وكان دهرا ... يدرسها القريب مع الضيوف
ويشد بالنوازل كل يوم ... فيكشف ما علييها من نصيف
ويصدع بالحقيقة من أباها ... وأبغضها على رغم الأنوف
فكم من معضلات قد توارت ... عن العلماء في معنى الحروف
فأوضحها وبينها وصارت ... ذكاء دون مزن أو كسوف
وكم من سنة غبرت وضلت ... أزال قناعها بعد الخسوف
فسيماه السماحة والحياء ... رفيع القدر ذو جسد نحيف
فما من حاجب يثنيك عنه ... ولا عون يروع لدى العطوف
إذا ما قال قال الحق جهرا ... ومهمى عاهد الرحمن يوف
فيوم البين منه قد دهانا ... وفوضنا الأمور إلى اللطيف
وصرنا نرتجي الإياب منه ... لدى فصل الشتاء أو الخريف
فأفجأ نعيه والموت حق ... فقدنا عالما حبرا وصوف
أبا زيد وضيء الوجه فهو ... سراج قد أضاء على ألوف
رحيب الفهم منبع كل علم ... ومنجى كل دان أو شريف
توفي في مساكن مصر فجرا ... وكم صلت عليه من صنوف
стр. 75
في عام طفقش في الأحد الموفى ... لطك صفر قضى أجل اللطيف
بكت عيني وحق لها البكاء ... على كهف الأرامل والضعيف
فقلت لمن أصيب معي تعالى ... ننوح على حلالنا العفيف
فيا مولاي جازه بعدن ... مزخرفة ودانية القطوف
وكون يا مصور من بنيه ... خليفة ذلك الشيخ الحنيف
وعاملني وإياه بفضل ... مع الأولاد في ستر كثيف
وصلى الله خالق كل شيء ... على المختار ذي الشرف المنيف
وجملة آله والصحب طرا ... وتابعهم ذوي دين الرءوف
محمد أصله المبروك يرثي ... الحبيب بوافر لا بالخفيف
انتهى
ومما رثاه به العلامة الواعية الشيخ سيدي محمد بن محمد العالم الزجلاوي وهو أحد تلامذة الشيخ قال ﵀:
وإذا ذكرت من الحوادث جمة ... فاذكر رزية لا رزية عوضها
واذكر أبا زيد وروعة فقده ... وتلهف الإسلام منه ورحضها
إن كان لا يبكيك حسن مثاله ... فازدب لقسوتك العيون وحضها
يا عين جودي بالدموع لفقد من ... لمصابه بكت السماء وأرضها
نجم الهواية والرماية التقي ... طفلا وشيخا قد تبوأ روضها
ألف العبادة والتجريد وعمره ... وزيارة الأطوال أحسن قرضها
العالم المفتي المبين للورى ... سبل الهداية لا يحاذر بعضها
فخر الأفاضل في العلوم خبيرها ... ما شئت من فعل فدونك أمضها
جمع الرواية والدراية فاستوى ... فردا وصدرا في التليد وعضها