← Акыда

Акыда · id 96180

العواصم من القواصم ت الطالبي

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (383 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

العائدة لمصلحة (١) العالم الخاص، من البدن، والعالم العام، الخلق، فهو قانون علقوه من الشرائع السالفة (٢) مبدلا، [و ٤٠ أ] ورتبوه مشحونا سخافة وخللا، إذا قرأت لهم منه مسطورا، رأيته متهافتا منكورا، أخبرني الفقيه الطرطوشي (٣)، أخبرني الباجي (٤) أنه كان يوما في باجة (٥) أحمد بن هود (٦) ينتظر إذنه فجالسه ابنه الملقب بالمؤتمن (٧)، وكان يتفلسف وجاذبه ذيل الحديث، فقال له: هل قرأت أدب النفس لأفلاطون؟ قال له الباجي: إنما قرأت أدب النفس لمحمد بن عبد الله ﷺ . قال القاضي أبو بكر (٨) ﵁ (٩): الذي رأيت لأفلاطون زجر (١٠) النفس، وعني الباجي بقوله: أدب النفس لمحمد، ما تضمنت الشريعة من قرآن وسنة، في هداية السنن، وإيضاح السنن، والقوم كما ذكرنا لكم، إنما رتبوها مسارقة (١١) لقوانين الشرائع، مركبة على الشهوات

стр. 107

واللذات، مقرونة بمكارم حسبما تقتضيه الأهواء (١) وتميل إليه النفوس، من غير نظر في العواقب الصحيحة المفيدة، ولو كان على ما زعموا، لكان الخلق عبثا، ولما (٢) كانت الخلقة حكمة، بما رتب عليها في الحشر من العاقبة. قاصمة: وتبعته (٣) طائفة كادت الدين، وبهرجت على المسلمين، وأرادت التلفيق بين الفلسفة والملة، وحاولت الجمع بين الشرع المنقول، وقضيات العقول القاصرة، عن غاية الدليل بذواتها، وجزمت القول بأنه لم يأت رسول (٤) إلا بها، ولا دار إلا حولها، ورتب نظامه في سلكها، ودار كلامه وعلمه عليها، وجعلت تتبع ذلك فصلا فصلا، حتى عقدت أبوابا في شرح هذه المقاصد، ومن أعظم من انتدب لذلك (٥) القضاة الأربعة الذين لقبوا أنفسهم إخوان الصفاء فجمعوا الخمسين رسالة، في كل علم رسالة، ولم يبقوا من رسوم (٦) الإسلام أصلا إلا عقدوا فيه فصلا، وكانوا في علومهم مقدمن، وعلى [و ٤٠ ب]، الفصاحة مقتدرين، وبدرك المدرك عارفين، وبالدولة معتضدين، ومن تمكن من تصريف لسانه وبنانه، لا ينبغي أن يستغرب ما جاء من بيانه، فكم قائل من الحكماء: في فمي ماء وهل ينـ... طق من في فيه ماء (٧) وإنما يقصر بالقلوب الأصمعية (٨)، والألسنة اللوذعية، والنفوس الأحوذية، ما وراءها (٩) من انتقاد الحساد، وتشنيع الأعادي (١٠)، فترى العالم صامتا وما به عي، متماوتا وإنه لحي، ولما تمكنت هذه الطائفة كما قلنا، لم يبق فن (١١) من الحكم النبوية، والأغراض الفلسفية والأدلة الجلية والخفية،

стр. 108

والإشارات بعبارات غلاة الصوفية، إلا وقد رصدت عليه (١) أبنية (٢)، ودست فيه (٣) بلايا، دع (٤) بلية فإذا قرأها (٥) من ليس من أهلها هلك فيها، وإذا قرأها عالم جردها عن فاسدها، وأقامها من مائدها، وعدلها عن حائدها، وردها إلى مالكها، وواجدها. عاصمة: قال القاضي أبو بكم (٦) ﵁: إن الله تعالى وله الحمد، أنزل كتابه على نبيه نورا محكما، هدى تبيانا، لم يكن رموزا ولا كناية عما لا يتوصل به (٧) إليه سامعه، ولا يعلمه مخاطبه، وأقام عشرة أعوام، أو ثلاثة عشر عاما (٨)، أو خمسة عشر عاما، يجادل بالحجة جميع الكفرة، بألف (٩) من آي القرآن حسبما بيناه في "أنوار الفجر" فما بقي نوع من الأدلة، ولا وجه من وجوه الحجج، إلا وجاء بها على أوضح منهج، وتناولت كل حجة طائفة من الملحدة، وأصحاب الطبائع والصابئة بقدرها، واليهود والنصارى، والزائغين بقسطها، على نحو ما قالت كل طائفة من الشرك، ولو شاء ربنا لكفهم عن هذه المقالات، وإذ أطلقها على ألسنتهم، فقد نص كيف تنقض أقوالهم، حسبما تقرر من الأدلة، ومن كيفية استعمال، في كتابه، وعلى لسان رسوله، وذلك [و ٤١ أ] كله بسابقة من المشيئة، ووجوه من الحكمة، ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ [هود: ١١٩] فأبان أنه خلقهم للاختلاف، وليرحم من شاء منهم فيخلصه عن شائبة الخلاف، وما استأثر الله برسوله ﷺ ، إلا والدليل قد اتسق، والدين بالعلم قد استوسق، والحرس مبثوث (١٠) على جوانب الملة، لا يستطيع أحد خرقها (١١)، لا في السماء بسلم، ولا في الأرض بنفق، وإن

стр. 109

اشتجر (١) الخلق اشتجار (٢) أطباق الرأس، عقائد وأعمالا، وتفرقوا تعصبا واختلالا، فمدت البدع أعناقها، وأطلقت المبطلة (٣) ألسنتها، فإذا (٤) كانت الأمة على حاميتها، والولاية على حمايتها، خلع العذار الخلق في العاصي، وأخذوا في طرف من البدعة. فلما جاء الوعد الصدق بأن الدين بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، ولج في الدين لصوص، من غير بابه، وتعلقوا (٥) بإهابه، ومشوا له الضراء، وأسروا حسوا في ارتغاء (٦)، وخاطبك كل واحد منهم بلسان القرابة، وهو من البعداء، وعاملك بالخلة وهو من الأعداء، وأتاك بالداء في صفة الدواء، ولم يخل الله قط أمته، ولا ضيع شريعته، عن ذاب (٧) عن حرمها، وحامل على مستقيمها، كما أخبرنا أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين (٨)، بالمعلق من مدينة السلام، تجاه دار الخلافة ثنا (٩) أبو بكر أحمد بن علي الحافظ (١٠) ثنا (١١) أبو بكر أحمد بن عمر الدلال (١٢) ثنا (١٣) جعفر بن محمد بن نصير الخلدي (١٤)، نا (١٥) خلف بن عمرو العسكري (١٦) حدثنا سعيد بن منصور (١٧)، نا عبد الرحمن بن

стр. 110

زياد (١)، نا شعبة (٢) عن معاوية بن قرة (٣) عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يزال (٤) ناس من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم، الساعة" (٥) قال القاضي أبو بكر (٦) ﵁ (٧): وبعد هذا فليس يخفى على ذي لب، أن العقل والشرع صنوان. منزلة الشرع من العقل (٨): وقد قال بعضهم: إن العقل مزكي الشرع، ولا يصح أن يأتي الشاهد، بتجريح المزكي، ولا بتكذيبه، فإن ذلك إبطال له. وتحقيقه (٩) أن المعقول (١٠) على ثلاثة أقسام: واجب، وجائز، ومستحيل. فأما الواجب والمستحيل فلا يتعرض الشرع إلى بيان حقيقتهما، وأما قسم الجواز فإن الشرع هو الذي يتصرف فيه بأن يعين أحدهما، لأنه هو (١١) الذي أوعز به، عالم الغيب والشهادة، أما أنه يذكر الواجب، والمستحيل في معرض الأدلة، إذا كانا نظريين، ويذكرهما إذا كانا ضروريين، تمهيدا (١٢) لتوطيد القسمين النظريين عليهما، وإذا لم يتناقضا، و (١٣) لم (١٤) يتنافيا فعلى أي وجه يجمع بينهما؟ أما أنه جاءت ظواهر ضعفت بعض قدر الخلق عنها، فوجد السبيل من كان له حرص على الزيغ عن الشريعة بها. عاصمة (١٥): وقد نزل القرآن بها، وتكلم رسول الله ﷺ عليها، وأبلغ رسالة ربه

стр. 111

فيها، فلو كان عند من تقدم من السلف الصالح والطالح، والكريم واللئيم (١)، والمؤمن والكافر، منهم أجمعين من يشك فيها، أو يرى (٢) إشكالها، لما وقف مؤمن في شك، ولا سكت كافر عن طعن (٣)، ولبادر إلى الاعتراض (٤)، مع ما كان في نفسه من عداوة الشرك، بل سلم جميعهم تسليم العالم بها، على حالته من كفر أو إيمان، وما اعترض كافر (٥) على الرسول (٦) إلا في آحاد يسيرة من الألفاظ، لم تكن (٧) من باب الأخبار عن الله، ولو كان عندهم فيها شبهة، أو للملحد بها متعلق، لقام صاحبها يشدو بها، ويشهرها، أو لصاحب طبيعة لقال له (٨): أنت تنسب (٩) الكل إلى الله، وهو قد رد الكل إلى الطبيعة، وأحال على الأسباب والمسببات، وربط الحوادث بحركات الأفلاك، أو لليهودي أو لنصراني [و ٤٢ أ] لتبادروا (١٠) من قريب، وتناوشوا (١١) من بعيد، متألبين عليه في كلامه، وقد جاؤوه من الأطراف القاصية، فناظرهم به، أو لصاحب صنم، لثاروا إليه يقولون له: ربك بعين ويد ورجل، وكف، وأصبع، وساعد، وجنب، ويأتي، ويجيء، ويضحك، ويطأ برجله (١٢)، ويمشي، ويهرول، وينزل، ويخاصر (١٣)، ويمل مع من يمل، ويعطي بيدين، وآدم مخلوق على صورته، باطنه بباطنه (١٤)، وظاهره بظاهره (١٥)، فما ينكر من عبادة من تكتنفه الآفات؟ ويأخذ كل واحد (١٦) منهم في طريقه، على مذهبه، ويجادلونه (١٧) بذلك كله، أو يدعيه كل واحد إلى نفسه، ولكنهم علموا (١٨) خلافه لهم أجمعين في المقاصد، ومباينته لهم في الموارد (١٩)، رادا (٢٠) على

стр. 112

جميعهم، وأنه لم يأتهم بمبهم، ولا كلمهم بتخليط ولا (١) محال، وأن معجزته ظاهرة، ودليله على صدقه بين، فلجأوا إلى الحرب، والاحتماء بالطعن والضرب، والانحياز إلى دار غير داره، أو تمسك كل واحد ببلاده، والإسلام يعلو ولا يعلى، وكلمة الله لا بد أن تبلغ المنتهى. فلما درست الملة، ونقصت الشريعة، صارت هذه الطوائف عليه عزين، ما بين مدعين وطاعنين، وملبسين. ومنهم من يأتي بهيئة الناصر، ومذهبه التخذيل، وينتدب هاديا، ومقصده التضليل، والحق قليل. ولم يلف (٢) أحد في كتاب الله، ولا حديث النبي ﷺ كلمة (٣) يردها العقل، نعم، ولا يخالفه، في شق الأنملة (٤)، حتى يفتقر إلى التمييز بينهما، والفصل بمحز (٥) اختلافهما، فأبت هذه الطائفة الركيكة إلا أن يكون (٦) يبرز (٧) فيهما (٨) النزاع، وتنزل بزعمها في الفصل بينهما منزلة الانتفاع، في دين (٩) قاصمة، وهدم (١٠) قاعدة قائمة، وليس الأمر كما زعموا، والحمد لله. وسترى ذلك في أثناء الكلام، عيانا، وتتحققه برهانا، إن شاء الله. ومنهم [و ٤٢ ب] من حملته القحة، وعظيم التهتك، مع التمكن من الهزء واللعب، على التغلغل في الباطن (١١)، فقالت (١٢): إن نزول القرآن ليس على وضع تأويله (١٣) تنزيله (١٤)، بل وراءه بحار علوم، وكنآيات عن أغراض (١٥)، كما قدمنا عنهم، فيقولون: إن البقرة لها معنى على (١٦) غير ما يظهر (١٧) من التنزيل، وإن العجل

стр. 113

أيضا (١) له معنى أيضا، خلاف تنزيله، إذ لا يصح أن يكون على تنزيله، فإن أحدا من أصحاب موسى، ما كان ليتخذ العجل المصاغ (٢) من الفضة آلها، من دون الله، يخور بحليه وجوهره، إذ لا يخفى ذلك على من له أدق مسكة من نظر، فلذلك (٣) وجب أن يحال (٤) على معنى، يمكن أن يقع فيه الاشتباه، ويحصل معه الإشكال، فيرتبك فيه من يرتبك به. وهذا مما فاوضتهم (٥) في أنحائه مرارا، ووجه الرد عليهم بشاهد (٦)، فإن جد (٧) هذا لمعترض لي، والمتكلم معي (٨)، كان يعبد حجرا يأتي به من الطريق، كما قال أبو رجاء العطاردي (٩) في صحيح البخاري قال: (كنا نعبد حجرا (١٠) فإذا وجدنا حجرا هو خير منه ألقيناه، وأخذنا الآخر (١١)، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة (١٢) من تراب، ثم جئنا بالشاة (١٣) فحلبنا عليه، ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلعنا (١٤) منصل الأسنة، فلا ندع رمحا فيه جليدة (١٥)، ولا سيما فيه حديدة، إلا نزعناه وألقيناه)، وكان يقول: كنت يوم بعث رسول الله ﷺ ، غلاما، أرعى الإبل على أهلي، فلما سمعنا بخروجه، فررنا إلى النار، إلى مسيلمة الكذاب، وقد وقف على ذلك بعض الصحابة، فاعتذر بأنها كانت عقولا كادها (١٦) باريها، وليس عبادتهم العجل، وقلبهم له إلاها، بأغرب من قلبكم (١٧) أنتم ما نزل (١٨) قرآنا إلى (١٩) ما تدعونه علما وبيانا.

стр. 114

ولولا أنكم لا تحتملون ما أذكره عنهم، ولا ينبغي أن يهاج به أهل هذه الأقطار، لأنهم لم يسمعوه، لذكرت لكم من ذلك غريبا، تفنون الدهر منه [و ٤٣ أ]، عجبا. وجملته أنهم لا يذكرون في تأويل آي من القرآن، ولا حديث عن الرسول معنى يرده إلى غرضه، إلا قلبته له في معنى آخر، حتى إن من أراد من الباطنية أن يرد جميع القرآن في علي، فترده (١) إلى العباس العباسية وترده (٢) إلى أبي بكر البكرية، وإلى عثمان العثمانية، ومن أراد من الإخوانية (٣) أن يرد الآيات، والآثار إلى أفعال الكواكب وتأتيراتها، وأن ذلك عبارة عنها ردت (٤) له (٥) إلى غير ذلك. فإن قال المبتدع أو الملحد: قد صح لي غرضي من أن الشرع لا تحصيل فيه، قلنا له: لا يخلو (٦) أن تتشرع به وتقبله، فما تدعي فيه، نبطله عليك، حتى إذا ما انتفيت منه، وقلت: ليس بشيء، رجعت صاغرا بالدليل إلى قيد آخر من النظر يفيدك (٧) بأنه حق، وهكذا هي حقيقة الملة، من أراد أن يدخل فيها داخلة، رد عنها إليها بأدلتها، في غوائب من النظر، كلها قرآنية سنية، حسبما بينها الله في كتابه، لأوليائة، وحاج بها عن نفسه على أعدائه. و (٨) في أثناء هذه العواصم سترون دستور ذلك، وتتبينون، إذا لحظتموه بقلب شاهد، ونظر جاهد، والله أعلم. استدراج: إن المطلوب علمه ينقسم إلى معدوم وموجود، وفي ذلك كلام طويل، بيننا وبينهم، ولكننا (٩) نبني معهم، على أنا قد وقفنا، ها هنا، فنقول: [الكلام معكم على وجهين: أحدهما: بما (١٠) يعترض في أثناء النظر، وترديد

стр. 115

القول، وقد قدمنا منه جزءا مما جرى بيننا وبينهم على صفته، من مجازه وحقيقته. الثاني: أن نتكلم معهم بلغة حبرهم الأول صاحب الطاء والفاء، ومن عبر عنه من سين أو راء. فنقول، (١): لا خلاف أن الوجود ينقسم إلى واحد وإلى كثير، والواحد الذي لا كثرة فيه هو ذات الباري، فإنه لا ينقسم بالفعل (٢) ولا يقبله، فهو واحد بالإمكان وبالوجود، والقوة والفعل، ولهذا لم يقبل (٣) لواحق الكثرة، من [و ٤٣ ب]، الغيرية والتخالف، والتقابل، ونحوه من التساوي والتشابه، ونحوه من (٤) التساوي والتماثل، وعدم التناهي بكل وجه، ووجوب الوجود له، و (٥) لازم فيه باتفاق، التقدم لا بالزمان، ويبقى النظر بيننا وبينهم في بقية مراتب التقدم الأربعة وهو (٦) الشرف والطبع والذات، الذي ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن تكون به، أو لا به، نعم! وهل يقال فيه: إنه موجود بالقوة؟ فيه نظر طويل، وهذا كله لا يوصل إليه إلا بنظر طويل، وتفصيل لا يتاق (٧) عنه إلا إزالة (٨) الحال معهم إلى الإمكان، على موافقة المطلوب، لكن يبقى النظر الأعظم، في أن حقيقة موجود بلا ماهية لا يقبل الكثرة كذا، كذا، كذا، كما ساقوه يصح أم لا؟ فإنكم إذا قلتم: علمنا الله، قيل لكم: موجود بلا، ولا، ولا (٩) كما وصفتم، علم بماذا؟ ولا (١٠) بد لكم أن تعلقوه (١١) بمفهوم تطمئن به العقول ويدخل في

стр. 116

سلك العلوم، وليس لهم عن هذا جواب ينفع (١)، وإلا فهذا كلامي، وأنا حي أو ميت فاحشروه (٢) وانشروه ففي قوة كل ما أوردت عليكم معشر الموحدين أن (٣) تبطلوه (٤)، بيد أننا نحن بفضل الله الذي أتانا على لسان رسوله من العلم المثبوت ببركته (٥)، نقول: من أراد أن يعلم الله، فسبيل ذلك لائحة، وهو أن تتحقق أنه ليس مثلك، فكل ما علمت نفسك عليها، وقدرتها فليس هو عليها (٦)، فإن قلت: فهذا نفي محض، قلنا هو نفي لمثلك، وليس نفيا لصانعك وموجدك، لأنه قد ثبت بك ومعك ومنك. وانظروا رحمكم الله إلى (٧) النبي كيف أنبأ عنه، بأن طريق معرفته أفعاله، فأما هو سبحانه، فلا يستطيعه أحد، قد قال النبي ﷺ : "أنت كما أثنيت على نفسك" (٨) معناه: لا أقدر على صفتك إلا بما علمتني من صفة نفسك، فإن أردت أن تنكره لم تقدر، وإن أردت أن تمثله [و ٤٤ أ]، لم تستطع، فإن أردت دركه كما وصف نفسه، ودل عليه فعله، أمكنك. وهذه ثلاتة أقسام ضرورية فأنت العالم به حقا على قدرك، وهو العالم بنفسه كما ينبغي، وإذا أردت الصراط المستقيم، المبلغك إليه كما أمر، من الاستدلال بأفعاله عليه، فأقرب شيء إليك من أفعاله، أنت، فمنها فارق إليه، واعرج (٩) في درج (١٠) المعارف تقف (١١) بك عنده بين يديه فتعلم إذا سلكت هذه السبيل الميثاء (١٢)، أنه (١٣) قد جعل (١٤) الروح فيك آية عليه، فإنك إذا

стр. 117

أردت إنكارها وجودا، لم تقدر عليه، وإن أردت له مثالا لم يمكنك، وإن أقررت بها لدلالة آثارها عليها أصحبت. وتحقيقه (١): أن الفعل لا يصدر إلا عن قادر، وهو عبارة عمن إذا شاء فعل، وإذا شاء لم يفعل (٢)، وأنه عالم بنفسه، وبكل معلوم، إذ أنت عالم بنفسك ولم توجدها (٣)، فضلا عنه، وهو عالم بغيره، كما تعلم أنت غيرك، وإن توقفت في أنه علم واحد، أو علوم، فلا تبال به، فإنها مسألة نظر، والأصح أنه واحد، وأنه مريد لما يفعله، إذ الفعل عن الفاعل يصدر طبعا أو عن إرادة، والطبع عند طا، وصحبه، وهما: الفاآن والسين، هو الفعل المنفك عن العلم بالمعقول (٤). وقد اتفقنا (٥) على أن يعلم ويفعل من غير طبع وذلك هو الإيثار (٦)، والقول في العلم قد تقدم. وإن نظرت في غيرك من أفعاله، فهو من الصراط المستقيم، لكنه محتوش (٧) بثنيات، يخاف على السالك أن يعرج (٨) عليها (٩)، فيتيه بعدها. ومن ذلك الغير: عقل، ونفس، وجسم، والعقل عندهم جوهر لا ينقسم، ولا يتركب (١٠)، ولا يشاهد. والنفس تقبل التأثير من العقل، وتؤثر (١١) في الجسم. والجسم يتأثر بالنفس ولا يؤثر، والعقل عندهم ينقسم (١٢) إلى بسيط ومركب، إمكانا عقليا ووجوديا (١٣)، والبسيط في الأكثر

стр. 118

عندهم (١)، هو الذي له طبيعة واحدة، كالهواء، والماء، والمركب الذي يجمع طبيعتين [و ٤٤ ب] كالطين (٢). ولا خلاف عندهم، في أن البسيط أصل المركب، كالحبر (٣) لا وجود له في العفص والزاج (٤). ومن البسيط ما لا يتركب، وهو بالعمل ببساطته (٥) ولي فيه معهم كلام. ومن أعظم ما ينظر فيه، الأجسام السماوية، فيقولون: إنها متحركة بالإرادة، لغرض هو شوق إلى العلوي، للتشبه به، لعلاقة بينها (٦) وبين الأجسام يسمى عقلا، قالوا: أو ملكا، ويدل عليه عدم التناهي في هذه الحركة، أزلا (٧) وأبدا، فلا بد لها من الاستمداد من قوة محركة، ويستحيل أن يكون في الجسم قوة لا نهاية لها، لأن (٨) له نهاية، فلا بد من (٩) محرك مجرد عن المواد. وذلك قسمان: كتحرك المعشوق والعاشق وكما يحرك الروح البدن، والثقل الجسم إلى أسفل. فالأول ما لأجله الحركة، والثاني ما منه الحركة. والحركة الدورية تفتقر إلى فاعل مباشر، تكون (١٠) منه الحركة، وذلك لا يكون إلا نفسا متغيرا، لأن العقل المجرد الذي (١١) لا يتغير لا تصدر (١٢) منه الحركة المغيرة (١٣)، فتكون (١٤) النفس الفاعل للحركة، متناهي القوة، لكونه جسمانيا، و (١٥) لكنه يمده موجود ليس بجسم، بقوته التي لا تتناهى، ويكون (١٦) عريا (١٧) عن المادة، حتى تكون (١٨) قوته تخرج عن النهاية، ولا يكون فاعلا للحركة،

стр. 119

فتكون (١) لأجله الحركة، من حيث كونه معشوقا (٢)، لا من حيث (٣) كونه مباشرا للحركة، ولا يتصور محرك (٤) لا يتحرك بنفسه (٥) إلا بطريق العشق، فإذا (٦) نظروا في الإدراك للأشياء، فقال أكثرهم: إنه لا يكون إلا للحس، بإرادة حسية، وحركية (٧)، خلاف النبات، إذا حركته طبع، تميز (٨) به الحيوان، وهي حركة شوقية، وحركة اختيارية، فالشوقية إلى المشتهى والمكروه، والإرادية هي الحركة في الأعضاء للتصرف (٩). والمدركة نوعان: نوع يدرك [و ٤٥ أ]، الصورة المتكونة (١٠) بانطباعها في الهواء، ويستمر الانطباع حتى ينتهي إلى رطوبة العين، وكذلك السمع، وسائر الحواس، لهم فيه تخليط. وإذا مشوا في إدراك المعقولات، دخلوا في مجهلة تيه، لا علم لهم (١١) بها (١٢)، أصلها عندهم أن الحواس كلها تنقل المتلقي لها إلى سابقة (١٣) الدماغ، من قدام، وليس للقلب في ذلك أثر، وهي أن قبلتها، ففي لحظة ليس لها ثبات معها، بل تذهب عنها، لكن ربما ألقتها إلى قوة في آخر الدماغ، تسمى خيالية، ثم عندهم قوة أخرى في محل من الدماغ آخر، له تركيب يسمى (١٤) الفكرية، ولهم بعدها أخرى وهمية، يسمونها الحاكية (١٥)، وهي في الحيوانات كلها. وهذه الكلمات شاركهم فيها الأطباء، وبنوا علاجهم عليها (١٦).

стр. 120

عاصمة: قال القاضي أبو بكر (١) ﵁: قولهم: إن الذات الواحدة لا تنقسم بالفعل، يقال لهم (٢): نعم ولا بالقوة، فذكرهم (٣) الفعل وحده، تقصير أو تلبيس، وأما قولهم: إنه واحد بالإمكان، فجهل محض، وإنما (٤) ينبغي أن يقولوا: إنه واحد بالوجوب، واحد بالوجود، لأن الإمكان، ما جاز سواه، وهاهنا يمتنع هذا، وقولهم: إنه واحد بالعقل، محال، لأنه العقل لا يخظر إليه (٥)، وأما قولهم: لم يقبل لواحق (٦) الكثرة من الغيرية إلى آخر الفصل، فهو باطل، بل الباري تعالى غير لخلقه، خلاف لهم. وقولهم: التقابل، فإنه يقبله على رأيهم، وهذا إذا كان معنويا، فإنه سبحانه لا أول له، والخلق له أول، ولا يعدم، والخلق يعدمون، وهكذا يتقابل معهم في صفات الجلال، هي له والكمال (٧)، والنقص للخلق، ولا يصح سوى هذا. وأما التقابل بمعنى التوازي، فمحال عليه، وكذلك التساوي والتشابه، والتماثل، محال عليه، وكذلك عدم التناهي. وقولهم: ووجوب الوجود ينقض ما سبق من قولهم: إمكان الوجود (٨)، كما بيناه، وأما [و ٤٥ ب]، فضل (٩) التقدم، فإنه بمعنى الشرف، واجب للباري، ولا يقال: إن ذاته قبل الذوات، لأنه لا يتطرق إليها القبل الزماني، ولا قبل الطبع، ولا شك في أن (١٠) كل شيء به، ومنه، على معنى أنه الفاعل له بقدرته، ولا إشكال على مذهب الجميع، لأنه لا يكون موجودا بالقوة، وأقوى ما فيه عليهم، أن من ضرورته (١١) خروجه إلى الفعل، أو جواز خروجه له (١٢)، وذلك محال ها هنا

стр. 121

باتفاق، وثبت (١) أن الإله هو الذي ليس على حال من أحوال الموجودات (٢) كلها، وهذا ما لا خلاف فيه بين العقلاء منهم ومنا، بيد أنهم لا يفون هذا الأصل حقه في التوابع. وأما العقل فإنه معلوم به، لا إشكال فيه عند أحد، بيد أن الملحدة، والشيعة (٣) أدخلته سوق الاشتباه قصد الالتباس، أو جهالة فطرية، وطرأ عليه أيضا (٤) استعمال العرب له في ثمراته وفائدته، في (٥) بعض مقدماته، فصار لذلك مشكلا على من هو دخيل في لسان العرب، وبهذا كله وجدت الملحدة السبيل إلى دخيلتها. وأهل الفلسفة يطلقونه في (٦) معان كثيرة، منه عملي، وهي قوة تنشأ عنها قوة أخرى، منطلقة إلى ما يختار (٧) من الجزئيات، وهذا فيما لا يخلو أن يكون علما أو نظرا أو إرادة. ومنها عقل هيولاني، وهذا تهويل، يعبرون به عن قوة في النفس صالحة لقبول ماهيات الأشياء مطلقة معراة عن موادها، بها (٨) فارق الكامل الصبي، والبهيمة، وهذا إنما يرجع إلى علوم مركبة على غيرها، فالصبي يعلم، والدابة تعلم، لكن (٩) علما مقصورا، والكامل يعلم عليه زيادة، ومنها عندهم عقل فعال، وهي القوة التي تعلم (١٠) متى شاء عقلها، وأحضرها بالفعل (١١)، وهذا هو عبارة عن تجريد (١٢) النظر في الخفي باستخراجه من المعلوم الحاضر، مع الذكر له، وليس في (١٣) شيء [و ٤٦ أ]، من ذلك إشكال، إلا من عباراتهم، وإلا فهي علوم كلها مرتبط بعضها بالبعض (١٤)، ويتركب على (١٥) البعض، وكلها تترتب (١٦) على العلوم الضرورية، وتزيد وتنقص، وتنسى وتذكر، وقد بينا في

стр. 122

غير كتاب أن العقل هو العلم بنفسه، لا زيادة عليه، كيفما تصرفت أحواله، وانتظمت (١)، لا تختلف (٢) في ذلك. وأما إذا ذكروا العقل الفعال، فتنتفخ أوداجهم، وتغشى وجوههم قترة، ويقولون: هو كل ماهية مجردة عن المادة، ويقولون: إنه فعال، إذ من شأنه أنه يخرج الفعل الهيولاني من القوة إلى الفعل، بإشراقه (٣) عليه، وهذا كله تركيب فاسد، ونسبة فعل إلى غير فاعل، ولا يصح أن يكون إخراج، ولا إدخال إلا في الأجسام، وما يستفاد من علم عن علم، لا يقال فيه شيء من ذلك، والمادة والصورة ها هنا عبارتان فاسدتان على حالهما من المجاز. العلم المرتب ليفيد علما مادة، وحصوله عنه صورة، والتهويل بهذه الأباطيل لا معنى له، وقد قدمنا القول في البسيط والمركب، ولا فائدة له في اللغة العربية، إلا أن بناء: ب س ط للاتساع، وبناء: ر ك ب للاجتماع المرتب، فيصح لهم هذا المعنى في المركب لغة ولا يصح لهم ذلك في البسيط، لأن معناه عندهم مفرد ينضاف عليه حتى يصير مركبا. وأما قولهم: إن نفوس السموات تتحرك بالإرادة (٤) والسموات والأفلاك، فيا سبحان الله، أكثرهم (٥) ينكرون (٦) الإيثار (٧) والإرادة للأول، وينسبونها للثاني (٨)، والثاني أغني عنها من الأول، وأما تفسيرهم الحركة، أنها من (٩) شوق، فذلك خذلان، لم يرضه إخوانهم من القدرية. وهل ينبعث الشوق إلا عن نفس حية، رطبة، مع بلة وبنية؟ فإن ركبوه على غيرها، كان ذلك دعوى لا تثبت أبدا، وما ذكروه دعوى محال، سموها عقلا، وزعموا أنا نحن نسميها ملكا، فهذا كذب [و ٤٦ ب]، علينا، ولغو منهم (١٠). فلم يصيبوا

стр. 123

في وجه، ودسوا (١) ذلك، ليخرجوا ألفاظ الشرع إلى أغراضهم الفاسدة، وأما قولهم: إنه يدل عليه (٢) [عدم التناهي، فإنا لله (٣) على تجويز المحال، أي مناسبة بين (٤) عدم التناهي لو ثبت، وبين ما ادعوه؟ فكيف ولا مناسبة بينهما بحال؟ وهي في نفسها محال، على ما أصلوه، وما جرى في (٥) جوازهم (٦) هذا، فإنه هذه الحركات الدورية، فإن كانت لا آخر لها عندهم، فلا بد أن يكون لها أول، فقولهم: عدم التناهي أزلا (٧) وأبدا، باطل في باطل، وقولهم: لا بد لها من استمداد (٨) من قوة محركة، لا يصح لأن ذلك يؤدي إلى طلب ما لا ينتهي (٩) فيها، وذلك محال. فقولهم (١٠): يستحيل أن تكون (١١) قوة لا تتناهى (١٢) في جسم متناه باطل، فإن ذلك إنما ينبني (١٣) على نسبتهم الأفعال إلى الأجسام، وهي عندنا محال لأفعال الله، فيخلق الله قوى لا تتناهى في جسم متناه، على التوارد، وقولهم: لا بد من محرك مجرد عن المواد (١٤)، قلنا: قولهم لا بد من محرك صحيح، وقولهم: مجرد عن المواد، لا ندري ما هو، وإن دريناه لم نفسره (١٥) لكم، ولا معكم، ولكنا نقول: لا بد من محرك لم يتحرك، ولا يتحرك، وحينئذ، يصح أن يكون أصلا للمحركات (١٦) المتحركات، وأما قولهم: إن ذلك كحركة المعشوق، فيا سبحان الله! يصعدون إلى العلو، ثم ينزلون إلى الهاوية بخذلانهم، أي عشق ها هنا؟ وما يتجرد عن المواد، لا يعشق ولا يعشق، ولا ينزع ولا يقلق، وقولهم: كما يحرك الروح (١٧) البدن، من أفسد شيء عندهم وعندنا، ونحن لا نسلم أن الروح يحرك البدن، ولا

стр. 124

يجوز ذلك عندنا عقلا، وأفسد منه، وأبعد قولهم: كما يحرك الثقل الجسم، فإن ذلك لا يجوز بحال، وليس شيء (١) من ذلك لأجله، بل (٢) إنه قد يكون الشيء من الشيء، وبالشيء، على معنى بقدرته، والله قد خلق ما في السموات [و ٤٧ أ]، وما في الأرض جميعا صادرا منه بالقدرة، والعلم، والإرادة. كان لبعض ملوك (٣) خراسان صاحب ذمي (٤) فقال له: إن عيسى أفضل من نبيكم محمد، بشهادة نبيكم له بذلك، فقال له الملك: وأين؟ قال (٥): إن محمدا أخبر عن ربه بأن عيسى روح الله، وكلمته منه، فجعله من نفسه، ولم يجعل ذلك (٦) لمحمد، فأرسل الملك إلى بعض خواصه، وقال: دلني على عالم خراسان، فقال له: ما أعلمه إلا أبا الطيب سهل بن محمد بن سليمان بن محمد بن سليم (٧) الصعلوكي الحنفي (٨)، تفقه بأبيه، وحاز رياسة الدنيا، والدين. فأرسل إليه، وأعلمه بذلك فقال: لا بد أن يكون جواب هذا السؤال في القرآن، ولكن يفرد لي منزل، أكون فيه، لا يدل علي فيه أحد، ففعل ذلك به، فلما كان بعد ثلاث، قال: أخرجوني فأخرجوه، فقال: قد قال الله (٩): ﴿وسخر لكم ما في السموات، وما في الأرض جميعا منه﴾ [الجاثية: ١٣] فليس في (١٠) ذلك اختصاص لعيسى، وقد رأيت رأسا من الملحدة كان يجهل بمسألة من الأعراب على الطلبة، وهو أن يقول قوله: ﴿وسخر (١١) لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا﴾ على من تعود (١٢) الهاء؟ فإذا رأى من بلغ معه الغاية السابقة قال له: إن كل موجود، فهو من الوجود (١٣) الأول، الثاني فاض عنه (١٤)، فيضان النور من الشمس، على

стр. 125

سطوح الأجسام، بالترتيب المذكور عندهم، وإن رأى عاميا سلك معه مسلك الحق الذي يعده (١) مسلك العوام، وإن رأى نبيلا لم يثق به، حقق عليه السؤال، وشككه في المقام، ولم يبرم معه عقدة البيان، ولا هتك له قناع الإشكال. قال القاضى أبو بكر (٢) ﵁: قد (٣) قال الله : ﴿قل كل من عند الله﴾ [النساء: ٧٨]. فأخبره بثلاثة أخبار لثلاثة معان: الأول: أنه جعل الكل من عنده، الثاني: قال: ﴿ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾، الثالث: قال عيسى: ﴿بكلمة منه﴾ [آل عمران: ٤٥]. فالأول عام [و ٤٧ ب]، والثاني خاص، والثالث خاص من الخاص، وقد قيل: الأول في العموم قوله: ﴿وسخر لكم (٤) ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾، والثاني: قوله: في الفوائد، والمصائب: ﴿قل (٥) كل من عند الله﴾ والثالث (٦): قوله في عيسى: ﴿بكلمة منه﴾ وتحقيق القول في ذلك، أن حرف "من" (٧) أصله للغاية كما بينا في "التمحيص" و"الملجئة" ويرد له ثلاث (٨) عبارات: قد يكون للجنس، وللتسبب (٩)، وللبعضية. والثالث محال على الباري تعالى باتفاق منا ومنهم. والأول محال عليه باتفاق من الكل. فلم يبق إلا الثاني، وذلك جائز في كل شيء، بل واجب ذلك له فيه، وقد حققنا ذلك كله في موضوعه بما لبابه: إن الله (١٠) خلق لنا ما في السموات والأرض جميعا، فالسماء سقف، والأرض مهاد (١١) والشمس ضياء، والقمر حساب (١٢) والماء حياة، و (١٣) النبات

стр. 126

والشجر أقوات (١)، فكل له وجه من الانتفاع لنا بجميع ذلك، هذه صفته على الجملة والتفصيل، وكل ذلك عند أهل السنة من الله لا شريك له، في خلق ذلك، ولا في شيء منه، بل كل ذلك خلقه، فأخلصوا له (٢) العبادة، وعاد الضمير إلى الله تعالى مقرونا بحرف "من" كما قدمنا على معنى التسبب، للابتداء (٣) المبين لافتتاح الشيء، المقتضي لغايته (٤)، وقد (٥) قال قوم: يعود إلى البحر، فالصفوية (٦) يقولون: يعود الضمير على الله ويكون معناه أنه - سبحانه عما يقولون - نبه به على أن ذاته مبدأ لكل شيء، عنه كان كل شيء، على ترتيب (٧) العلل والمعلولات (٨)، والتوليد والمولدات، والنشوء (٩)، حالا بعد حال، في المنشآت، فكانت الواحدة مبدأ للكثرة، وقد بينا قولهم في ذلك، وأوضحنا سخافته، وفساده (١٠)، فيما تقدم، وسنكرر (١١) ذلك فيما بعد. وأما الطبائعية فيقولون: إن الهاء تعود على البحر، ومعناه عندهم: أن الله نبه عليه فقال: ﴿الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك [و ٤٨ أ] فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (١٢) وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾ ويعني من سحاب ومطر، ونبات وشجر، فإن المطر يصعد من البحر بتدبيرهم الذي رتبوه، ويتصعد من (١٣) طريق السحاب، وينزل بترتيب إلى الأرض، فتقبله، ويتولد النبات، فيكون ولدا من ازدواج

стр. 127

الماء والأرض، فالماء أب، والأرض أم، والبحر معدن، والتصعيد كيفية (١)، في (٢) سخافة (٣) لا ترضاها (٤) الأنعام (٥). قد نبهنا على فساد هذا الترتيب كله، وحققنا بطلانه، وسنكرر ذلك، ويتأكد، إن شاء الله. فكان هذا البائس يسر (٦) هذه (٧) المعاني (٨)، في هذه الآية، ويلطخ بها وجوه الطلبة، ولا يصرح لهم (٩) بمذهب السنة، ليوهمهم أن في بيانها معنى غريبا، ويطوي كشحه على هذه المستكنة (١٠)، فقد كشفها الله لكم، وله الحمد والمنة. فإن قيل: فقد قال ﷺ : "إذا نشأت (١١) بحرية ثم تشامت (١٢)، فتلك عين غديقة" وقال الشاعر الجاهلي في صفة السحاب: شربن بماء البحر. قلنا: ﴿سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿يضل به كثيرا، ويهدي به كثيرا﴾ [البقرة: ٢٦] إذا جاءنا حديث صحيح كقوله: (لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم) (١٣) وقوله (١٤): (أول من رأى الشيب إبراهيم) وأمثاله، قلتم: هذا باطل، فإذا جاء حديث مقطوع ليست له رواية، ولا يعرف له صاحب، يوافقكم، صادمتمونا (١٥) به، لا تقربونا (١٦) في حجة لكم، نحن أعلم بمقاصد رسولنا، وكلام نبينا، ولغة قومنا منكم، معشر اليونانية والمانوية. أما قول الجاهلي فجهل محض، و (١٧) أما الحديث فمقطوع السند،

стр. 128

صحيح المعنى، أذن به النبي ﷺ ، في الاستدلال (١) بالعوائد، فإن من البلاد، ما علامة مطره نشوء السحاب [هكذا، ومنها ما يكون علامة مطره نشوء السحاب (٢)] بخلافه، وكل بلدة بريحها [و ٤٨ ب]، منها بلاد تمطر بالدبور، ومنها بلاد تمطر بالصبا، سنة (٣) الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، وصار معنى الآية: خلق لنا ما في السموات وما في الأرض للانتفاع، وخلق الأفعال الحسنة (٤) والسيئة (٥) للابتلاء، وخلق عيسى آية في الأنبياء، وهذا يحقق في "التفسير" و"المشكلين" على الاستيفاء، إن شاء الله (٦). وقولهم: إن الحركة الدورية تفتقر (٧) إلى فاعل مباشر. كلام باطل وضعيف، أما ضعفه فقولهم (٨): كل حركة دورية. فيقال لهم: لا يصح اختصاص الدورية بذلك، فإن غيرها فيها كذلك. وأما كون الحركة تفتقر إلى محرك مباشر، فباطل قطعا، دليلا، وباطل منهم، فقد قال: إن حركة الفلك تشوق (٩)، ولا مباشرة فيها، وأنتم ترون هذا التفاوت في التهافت، وقولهم: إن ذلك لا يكون إلا نفسا متغيرا. محال دليلا، ودعوى نظرا (١٠). وقولهم: إن العقل المجرد الذي لا يتغير، لا (١١) تصدر منه الحركة المغيرة. باطل، لا يصدر التغيير (١٢) إلا ممن (١٣) لا يتغير، ولا يفعل شيء مثله أبدا، فإن ذلك محال قطعا يقينا، وما ركبوه من واسطة (١٤) العشق، حتى يكون الفعل عنده، كلام غث، ما أخذ لهم! بينما يكونون بزعمهم في برهان إذا (١٥) هم قد خرجوا إلا خطبة، ومثل، وشعر، وخلع عذار، وذلك عندهم بعيد من البرهان. وأما النفس فهو عندهم بعيد (١٦) من الألفاظ الإلهية، وهو عندهم عبارة

стр. 129

عن معنى يشترك فيه الإنسان، والحيوان، والنبات بمعنى، (١) الإنسان والملائكة المساوية بمعنى، وهو بالمعنى الأول جسم، وهو عندنا (٢) عبارة عن ذات كل شيء موجود، وعن الروح الذي تميز (٣) به (٤) الحيوان عن الموات. وما ركبوه لأنفسهم من المعاني على الأسماء فهي دعاوي، لأنهم دخلوا في اللغة فاستعاروا لأغراضهم أسماء، فلا [و ٤٩ أ]، نبالي (٥) بهم ولا نمنعهم (٦) إلا عما يتعلق من (٧) ذلك بالشرع. وأما الجسم، فهو عندهم عبارة عن معان، منها الممسوح بالأبعاد (٨) الثلاثة (٩)، إما قوة، وإما فعل، في تفصيل بارد، وهو عندنا عبارة عن كل شيء مؤلف من موجودين فصاعدا (١٠) لا تأليف فيهما (١١). قاصمة: لو سمعتم ترتيب صدور (١٢) الموجودات عن الإله، لسمعتم أحاديث أم عمرو، لا (١٣) حديث خرافة، فإنه ليس لما (١٤) تعتقده (١٥) الكافة، أمر دون أمر، قال راؤهم وسينهما (١٦): غاية التحقيق في ذلك أن الثابت (١٧)، كون الأول [واحدا من كل جهة (١٨)، ولا يمكن أن يوجد (١٩) من الواحد، إلا واحد (٢٠)]، فيصدر عن الأول الواحد شيء واحد، يلزمه لا من جهة الأول (٢١)

стр. 130

حكم (١)، فيكون فيه (٢) كغيره (٣) كثرة (٤)، ويكون ذلك مبدأ للكثير (٥)، ووجه ذلك أن الأول واجب الوجود، وغيره ممكن الوجود، فهو (٦) بحكم (٧) ما هو (٨)، ممكن، وهو بقياس السبب، واجب، فيكون له حكمان فتكون الكثرة. عاصمة: قال القاضي أبو بكر (٩) ﵁: قلنا لهم: إن كان هذا طريق الكثرة، فهو طريق السخافة والخذلان، وهما أخوان، وإن قيل لهم: لا سبيل أن يكون الأول واحدا، فإن الوجود له، لا يتجرد عن علم، فإنه يعلم، ولا عن معان أخر، أمهاتها عندكم (١٠)، ألا يكون وجود لسواه، إلا (١١) منه، فائضا عن وجوده بواسطة أو بغير واسطة، لا يتكثر بغيره (١٢)، ولا يتجزأ، فكما كان الوجود الثاني كثرة، لأنه ممكن لغيره، كذلك يكون الأول كثرة، لأن غيره ممكن به، والإمكان مضاف إليهما معا، وهذا لا (١٣) جواب عنه. وإذا قلتم: إنه سبب لغيره، فأي واحد ها هنا؟ وإنما الوحدة - المحضة، ما قاله أمثالهم، من أنه ليس هنالك شيء يذكر، ولا يقال، ولا يضاف إليه شيء، ولا يكون عنه (١٤) شيء، فهذا (١٥) على (١٦) حاله (١٧)، ربما كان وحدة (١٨)،

стр. 131

ولا يقول (١) أحد منا به (٢). وأما ما ذكرتموه فلا أعلم في الكثرة شيئا أكثر منه [و ٤٩ ب]. قاصمة: قالوا: صدر عن الأول عقل مجرد، وفيه تعديد (٣) بالثنى (٤) كما يجب فيما قلنا، فكان فلكا وملكا. عاصمة: قلنا (٥): وهلا كان ماء، ونارا، ورطوبة، ويبوسة؟ وبأي دليل عينتم هذا؟ ومن أي طريق عرفتموه؟ فلا سبيل لهم إلى (٦) معرفة ذلك أبدا. قالوا: ونعني بالملك، العقل المجرد، وينبغي أن يحصل للأشرف (٧)، من الوصف، الأشرف، والعقل أشرف، والوصف الذي له من الأول، هو الوجوب، أشرف، ويلزم عن العقل الأول، ثان، ومن الثاني ثالث وفلك البروج، ومن الثالث، رابع وفلك زحل، ومن الرابع، خامس وفلك المشتري، ومن الخامس، سادس وفلك الشمس، ومن السادس، سابع وفلك المريخ، ومن السابع، ثامن وفلك الزهرة، ومن الثامن، تاسع وفلك عطارد، ومن التاسع، عاشر وفلك القمر، وحصلت الموجودات الشريفة تسعة عشر، عشرة عقول، وتسعة أفلاك، قلنا (٨) مما (٩) زاد في هذا التخليط، ضيق المارستان، حتى صار في كل إنسان. ﴿وما أشهدتهم خلق (١٠) السموات والأرض ولا خلق أنفسهم،

стр. 132

وما كنت متخذ المضلين عضدا﴾ [الكهف: ٥١] (١) ما هذا التبجح (٢) في الدعوى؟ امتلأت رؤوسكم هوسا، وتمكنتم من الدولة والخلاء، فجئتم بما حقه أن يقذف في الخلاء. يا لك من قنبرة بمعمر...خلالك الجو (٣) فبيضي واصفري ...ونقري ما شئت أن تنقري... من أين لكم هذا التركيب؟ فكيف بما بعده من الترتيب؟ ثم ما إليه من التعديد (٤)؟ ولعل هذه (٥) الكواكب كلها في فلك واحد، ولكل كوكب مجراه، ولمجراه هي (٦) دائرته، وفلكه كالدار، لكل واحد فيها مسكنه، وليس لهم عن هذا جواب، إلا أن يقولوا: رصدنا فأصبنا، قلنا (٧) ونحن رصدناكم (٨)، فلم تصيبوا، وإذا رصد واحد، لا يتحقق صدقه تبنى (٩) عليه السموات والأرض. فإن قيل نعرف (١٠) ذلك بحساب الكسوف [و ٥٥ أ]، قلنا: قد بينا أمر الكسوف في موضعه بأبدع بيان، والآن في مناظرتكم نقول: هبكم أن ترتيب مجرى الشمس والقمر على برهان حساب (١١) من أين يعلم ترتيب غيره؟ وهذا الآن نظر في الهيئة، ولا ينال (١٢) كيف كانت، وإنما افتقر إليه، ما تريدون أن تبنوا عليه، فالدار تصلح للفجور، وللعمل (١٣) المبرور، ولا يقع التعيين (١٤) بدليل عقلي، وإنما يكون بالوجود، أو بخبر الصادق، وذلك (١٥) المفهوم من غرضهم: تركيب الامتزاجات من العلويات في السفليات، فنقول (١٦) أولا: تكثرون من ذكر العلو والسفل، ونحن نقول: لا حقيقة له عندكم، هل كان

стр. 133

علوا أو سفلا (١)، إلا بواسطة الإنسان، فمن يمشي على بطنه، أين علوه؟ وقبل أن يوجد ذلك، ما العلو؟ وما (٢) السفل؟ ولم كان الأول الذي صدرت عنه هذه المعاني في العلو؟ ولم لا يكون محيطا؟ وإن كان محيطا، فلم لم ينزل المطر من جهة الأرجل إلى الرؤوس، ويكون النبات على رأسه، وأصله في رأسه (٣)؟ أجروا ذلك على موجب الطبع، حتى يظهر في أثناء ذلك كل بدع، ثم من المسكت لهم أن نقول (٤) كيف (٥) قلتم: إن الشمس لا تكون سببا لنضج الفواكه (٦) إلا بشرط قوة طبيعية، تكون في الفاكهة، قابلة لهذا التأثير؟ فمن الشمس كانت هذه القوة لها، أم من غير الشمس؟ ومن أغرب (٧) محالهم، أنهم قالوا: إن مادة الهواء قابلة لصورة النار والماء، ولكن غلب البرد، فكان لقبول (٨) صورة الماء أولى، فيقال لهم: الجهل بهذا الكلام أولى، وأولى (٩) لكم، ثم أولى، إذا طولبتم بالدليل عليه، جفت أفواهكم، وخرست ألسنتكم. قاصمة: لما رتبوا منازل الموجودات، حتى انتهت إلى الامتزاجات، جعلوا لها (١٠) في بعض المراتب استقصات، وهي النار، والهواء، والماء، والأرض، ورتبوا لها في الامتزاجات أحوالا وصفات مختلفة، جعلوا بعضها كمالا، وبعضها نقصانا، وبعضها [و ٥٥ ب]، خيرا، وبعضها شرا، ويتأتى ذلك باستعدادات، وإضافات كان أصلها وجود العناصر، الأربعه، المختلفات في السفليات، ومنها ما يطلب الوسط، ومنها ما يطلب المحيط، ولا بد من مادة مشتركة، لأجل أنه لا يجوز أن يكون سبب وجودها السموات وحدها، في هذيان طويل، هذه مقدماته (١١).

стр. 134

عاصمة: ومن العجب أن الاستقص عندهم هو الجسم الأول، فهذه الأجسام الأول أوجدت عن مثلها أو عن (١) خلافها؟ وما الذي أوجب امتزاجاتها؟ ولم اختلفت أحوالها وصفاتها؟ ولم تزايدت ونقصت؟ ومن أين تنشأت (٢) هذه الاستعدادات والإضافات؟ أعن (٣) أسباب متماثلة (٤) أو مختلفة (٥)؟ أضيفوا نوعا إلى نوع، وركبوا مثلا على مثل، حتى يظهر تهافتكم في كلامكم، فيخرج من فيكم ما يكفيكم. وهذه العناصر الأربعة، التي عينتم (٦)، هلا كانت ستة أو ثلاثة؟ فمن أين (٧) وجب هذا التعديد فيها؟ وتعينت لها؟ والنار جرم بسيط، حار، يابس، طبعه الحركة إلى الوسط (٨)، من أين كان حارا، يابسا دون أن يكون رطبا؟ والحرارة من أين جاءته؟ وكذلك اليبوسة؟ ولم (٩) كان في قعر الفلك القمري (١٠)؟ وهلا كان في مقعر فلك الشمس؟ وكذلك قلتم: الهواء (١١) حار، رطب، من أين جاءه هذا؟ وهلا انقلب الأمر فيه؟ ولم قلتم: إنه يتحرك إلى تحت كرة النار؟ وهلا كان فوقها؟ أثبتوا ما قلتم من دعوى، وعللوها بعد الثبوت. وقلتم: الماء جرم بارد، رطب، يتحرك بالطبع إلى تحت كرة الهواء، فوق الأرض، والأرض جسم بارد يابس (١٢)، طبعه أن يكون متحركا إلى الوسط، نازلا فيه. أثبتوا هذه الدعاوي وعللوها على مرتبتكم (١٣)، ولم كانت الأرض جسما (١٤)، ولم يكن الماء، والهواء، والنار كذلك؟ ومن أين نسبتم ذلك إلى مادة؟ ولم جعلتم سبب وجودها معنى [و ٥١ أ] غير السموات، ولم تحدث (١٥) غيرها فأحلتم فيها على العدم؟ ومن العجب أنهم

стр. 135

يريدون أن ينفوا البركة عن (١) الحركة، فيقولون: إنها كلمة، هي (٢) عبارة عن كمال أول بالقوة، أو خروج من القوة إلى الفعل، لا في آن واحد. وبالجملة فكل تغير عندهم حركة، فهذا اصطلاح أحذر (٣) أن يبنى (٤) معهم (٥) عليه حكم (٦)، إنما الحركة النقلة من جسم إلى جسم، أو ما هو في معنى الجسم، من الجوهر، لا سيما وقد أدخلوا في حد الحركة الآن، وهو عندهم كلمة يعبر بها عن ظرف (٧) متوهم يشترك فيه الماضي والمستقبل، وهذه سخافة. وهو معقول، عبارة عن الحال الكائنة التي طرأت ثم ذهبت، والعقل يقضي بين الطرو، والذهاب بالفصل. نكتة القضاء والقدر: ويقال لهم: إذا كان الأول كمالا وشرفا، أو ذا (٨) كمال وشرف، وصدر عنه تسعة عشر من هذا النوع، كما قلتم، فما هذا النقصان، والفساد، والشر عن (٩) غاية الكمال، والشرف والصلاح والخير؟ وأنتم تقولون: أن الخير فائض من المبدأ (١٠) الأول على كل أحد (١١)، بواسطة الذي سميتموه فلكا، أو (١٢) ملائكة، لا سيما وهو عندكم فياض بالطبع، قالوا: ما يخلق الشر إلا والخير فيه أغلب، كالنار والماء، الخير فيه أغلب من الشر، إذ لو (١٣) لم يخلق زحل، والمريخ، والنار، والماء، والشهوة، والغضب، لبطل بسبب فقدها (١٤) خير كثير، قلنا: ولم (١٥) لم يكن عن فياض الخير بطبعه إلا ما لا يفيض إلا خيرا،

стр. 136

من كل وجه كهو، قالوا (١): الخير المحض هو الموجود، والذي لا يتمحض خيره وفيه شر، ممكن، ينبغي أن لا يوجد، وهو ممكن، فكأنكم (٢) قلتم: لو لم تخلق (٣) النار ولا زحل، إلا بحيث لا يكون نارا، ولا زحلا، قلنا: هذا خذلان وهذيان، ومن قال: إن قسم الخير الذي فيه شر، غير ممكن، قلنا: وكيف أمكن وجود خير [و ٥١ ب] فيه شر، عن خير محض إن كان الموجود (٤) بالذات؟ فلما وجد، بطل هذا الأصل. قالوا: الشر في العدم، وهو النقص عن الكمال، قلنا (٥): الشر في وجودكم؟ ولولاكم ما كان شر، والعدم عندكم هو أحد مبادئ الحادث، وهو أن لا يكون في شيء، ذات شيء (٦)، من شأنه أن يقبله، ويكون فيه، وليس العدم ما ذكرتم، إنما العدم أن لا يكون شيء أصلا، قالوا: المفيد للخير بين (٧) أن يخلق المطر (٨) بخيره العام، ولا يعبأ بالشر النادر فيه، الذي يلزم بالضرورة عنه، وبين أن لا يخلق المطر، فيصير (٩) الشر عاما، وإذا قوبل هذا بذلك (١٠)، علم قطعا أن الخير في أن يخلق، قلنا: هذا الكلام على ركاكته، باطل، لأنه ترك منه قسم، وهو أن يخلق المطر خيرا كله، أو يخلق (١١) الخير (١٢) دونه، فما الذي اضطر إلا أن يخلق على حاله؟ قالوا: وبهذا الترتيب كان

стр. 137

القضاء والقدر، ومنع من (١) ذكره (٢) سره (٣)، لأنه (٤) يوهم العوام عجزا، فكان الصواب أن يقال لهم: الله قادر على كل شيء، ليوجب ذلك تعظيما، ولو فصل لهم لتوهموا العجز، فهذا سر (٥) القدر. قلنا (٦): هذا شر (٧) القدر الشين المعجم بالنقط الثلاث، ليس للقدر سر (٨)، بل القضاء (٩) والقدر حكم نافذ كله، ومن (١٠) شر القدر (١١) ونعوذ ب الله منه، خلقكم، وخلق كلامكم هذا، وكونكم في العالم ضلالا، مضلين، بألفاظ (١٢) هائلة، ومخرقة باردة، و (١٣) قد قال ربنا تعالى: ﴿وكل صغير وكبير مستطر﴾ [القمر: ٥٣] وقال نبينا ﷺ : "أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب فكتب ما يكون إلى يوم القيامة" (١٤) وقال ربنا تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣]، أما أن علماءنا قالوا: إن الله قد (١٥) أنبأنا عن صفاته العلى، وأسمائه الحسنى، التي منها: العزيز، الملك، الغفار، المنتقم، فجرى الخلق في صفاتهم وأفعالهم، على مقتضى صفاته، فلم يكن [و ٥٢ أ]، بد، لأجل كونه غفارا من أن يكون هناك ذنب، ولكونه منتقما، أن يكون هناك هتك حرمة، واقتحام فاحشة، ولكونه (١٦) مغنيا، أن يكون هنالك محتاج، ولكونه (١٧) راضيا، أن يكون هنالك خير، ولكونه (١٨) ساخطا، أن يكون هنالك شر، وليس في المخلوقات صفة (١٩) إلا وهي تتعلق بنوع من الصفات، فالقضاء والقدر هو

стр. 138

تعلق المخلوقات بصفات الخالق، والتنويع والانقسام من متعلقات الإرادة، التي لا يؤمنون بها، وهم لها منكرون، وإذا كان عزيزا، فالعزيز هو الذي لا يرام بوهم، وتنفذ إرادته في كل موجود، ولا يوجد له مثل، ولا ينحط عن المنزلة، ولا يبالي (١) بالعاقبة، ولا مخلص منه، ولا ملجأ إلا إليه، إليه (٢) منتهى (٣) المطالب، ولا تلحقه آفة، ويفعل ما يشاء. ومما ينبغى معشر الإخوان أن تعلموه (٤)، أن كل حديث في النهي عن الخوض في القدر، لا أصل له، وإنما أحدث النهي عنه أقوام (٥) مثل من أحدث القول فيه، كأنهم قصدوا حماية الشريعة بما ليس منها، والله غني عن العالمين، فكيف عن الكاذبين. عارضة: حضر (٦) عندنا بعض الطلبة، بكتاب علق في آخره على عادة الناس مسطورا، هذا نصه: كلام حكمة للاسكندر (٧) في الاعتبار بالأجرام العلوية: بينما الاسكندر على سريره (٨)، في صحن داره، إذ تأمل طوالع (٩) البروج، وأوافلها (١٠)، وجواري السعود في مناقلها، وانتظام الكواكب في أقطارها وازديان فلكها، بزينة مصابيحها، وسير دراريها، ولوامع شهبها، وميز كيف وضعت في مراكزها، ثم تقبل في مسيرها، وتنعكس إلى (١١) مغاربها، بتدوير الفلك إياها لا يردعه عارض، عن (١٢) مراعاته، ولا يقطعه مانع، عن دوام حركته، ولا يعوقه أمر دون المضي إلى ما (١٣) رتب له بطبيعته، فقال (١٤): أيها

стр. 139

الفلك الدوار، المنبئ عن الحكمة، المنوط (١) بالأنوار المتلألئة، والنجوم الزاهرة، والشمس المبصرة (٢)، [و ٥٢ ب] إن فضاء تظله لرحيب، وإن عالما تؤثره لعجيب، وإن خطر ما ضمنته لجليل، وإن بصرا يلمح ما وراءك لغير كليل، وإن سكانا عصبوا (٣) فيك لفي معقل منيع، وإن حادثا يشتت أركانك، ويخر سقفك، ويقلقل (٤) ذرى (٥) بنيانك، لفادح فظيع، وإن قيامة مبدؤها انتقاضك لعظيمة (٦) الخطب، فسبحان من أبدع جوهرك من غير عنصر، وأدنى أقاصيك إلى غير علاقة، ووكد (٧) أعاليك بلا سلم، وفسح حدودك بلا إحاطة، ما أدل كرور ليلك على نهارك، ورجوع نهارك بعد انقضاء ليلك، على كرور أبداننا (٨) بعد دروجها (٩)، وانقراضها، وارتداد النضارة في بالي الشجر، بعد نحولها، واهتزاز الأرض، واخضرارها، بعد همودها واقشعرارها، على ارتداد الأرواح المقبوضة في أجسامها، بعد تمزقها (١٠) واضمحلالها وأدل استسرار (١١) القمر واستهلاله، وتقسيط الحساب. بين فصول الأيام على عدالة الرجعة، وعدل حساب الكرة (١٢)، فليت شعري إلى ماذا (١٣) تتناهى الحكمة بنا؟ وإلى أي الحالين يؤول الأمر؟ وعلى أيها يجب العود (١٤)؟ بما (١٥) أريق بيننا وبين ملوك الأرض من الدماء. قال القاضي أبو بكر ﵁ (١٦): وهو بعقله (١٧) مولع بها، متعجب منها (١٨)

стр. 140

يدعوالله أن يفهمها له، ويسأله أن يفتح (١) له في معرفة مقاصدها، فأشفقت منه وخفت عليه، وعلمت أنه بقلة معرفته، اغتز (٢) بهذا اللفظ الهائل، الذي ليس وراءه طائل، لكونه مختل المعاني، معتل المباني، فقلت في نقضه، وبيان حقيقة التوحيد فيه (٣): أيها الفلك المدار برغمه، لقد ضل من يسميك دائرا بزعمه، فكيف من يعتقدك فاعلا بوهمه، هذا، وهو يرى عليك أثر التسخير باديا، ويشاهد فيك سنن التدبير جاريا، هل أنت إلا محل نيرات، ومجرى حركات، ولزيم تحويلات، وضعت على النافع [و ٥٣ أ]، علامات، فيا ليست شعري بأي معنى عززت (٤)؟ وفي أي منصب من الفاعلين تنزلت (٥)؟ أبحياتك تصرفت؟ أم بقدرتك أوجدت؟ أم بإرادتك قدمت وأخرت؟ وماثلت وغايرت؟ أم بعلمك أتقنت وأحكمت؟ هذا (٦) وهيئتك لو تغيرت عما هي عليه، لم تكن في شيء مما ينسب (٧) إليك، والتغير (٨) عليك جائز، فليس بينك وبين الحدث حاجز، والفاعل بالحقيقة هوالله (٩) الذي تصدر عنه الأفعال، ولا تتغير عليه الأحوال، هل ما يعتقده المغترون فيك إلا ذكرة (١٠) خاطرة، وفكرة عابرة (١١)، لم يصحبها ترديد (١٢) ولا تثقيف (١٣) بقانون التسديد، هل أنت إلا (١٤) ما أنت بنفسك؟ فكيف أن تكون لنفسك؟ فضلا عن نسبة شيء إليك من غيرك، فمن كان مستريبا بأفعالك، أو (١٥) معتقدا لجلالك، فلينظر إلى أمثالك، فإنه يتحقق (١٦) أن الوحدانية لا توازن بمثال، ولا تعارض بالأمثال، ولا بد منها في الاعتقاد والمقال، وأنتم سبعة أفلاك أو تسعة، فعند من تبتغي (١٧) منكم النجمة؟ والواحد من له

стр. 141

الاختصاص، والعبد المشترك بعيد عن الخلاص، ولتعلم (١) أنه لو أحيل عليك بالجدال، فوجئت بالسؤال، وطولبت بالنظر والاستدلال، لكان لك في الجواب اختلال، ولم ينصرك اعتلال (٢)، فما وراءك يا عصام؟ أعدم أم وجود؟ أم بحر ممدود (٣)؟ أم نبات محصود (٤)؟ وأي قسم ادعيت من ذلك، أو ادعي لك، فقد أسلمك فيه النظر وخذلك، نحن وإن (٥) خاطبنا منك (٦) من لا يعقل الخطاب، وقاولناك كأنك - ولست منهم (٧) - من ذوي الألباب، فإن لسان العيرة (٨) عنك ناطق، بأنك صنيع (٩) القادر الخالق. قل لي وإن كنت الغنيـ...ـي بصدق علمي عن سؤالك ماذا أفدت (١٠) من الحوا...دث في كرورك وانتقالك بل أنت فيه مسخر...ما بين حلك وترحالك هلا ثبت في معظما...وأدرت غيرك باحتيالك حتى يكون (١١) الكل يسـ...ـعى في امتثالك لأمثالك فالآن حين تبينت...آيات نقصك واختلالك [و ٥٣ ب]، أمن ذلك (١٢) أنشئت (١٣) أو (١٤) أبدعت أو أوردت (١٥) أو (١٦) أصدرت؟ هيهات أن تنشأ مختلفات بديعة، عن ذات واحدة بالطبيعة، إذ لا يغاير (١٧) بين المختلفات إلا الإيثار، ولا يدل على الأعيان إلا الآثار، فالزم قدرك، حتى يأتي أمر الله فإنه لا يغتر بك إلا الغافل اللاهي.

стр. 142

قاصمة: إذا نزل القوم عن العلم الإلهي، وهو القول في الله وصفاته، إلى، ما دونه ركبوا كلامهم فيه، على أربعة أركان هي (١) عندهم: الصورة، والهيولي، والحركة، والمكان، وقد جرت فيما مضى (٢) عرضا، فلتذكر الآن قصدا، وله عندهم، ستة معان، فالذي هو الآن منتحاهم في الصورة، هي الحقيقة التي تقوم بالمحل، وحده عندهم، أنه الوجود في شيء آخر، لا كجزء منه، قالوا: كصورة الماء في هيولي الماء (٣)، و (٤) هيولي الماء إنما تحصل (٥) بقبوله الصورة الجسمية، وهي عندهم جوهر، وجوده بالفعل، ولا يحصل الفعل إلا بقبوله، والحركة عندهم كما قدمنا هي الانتقال من مكان إلى مكان، أو (٦) من صفة إلى صفة. والمكان هو السطح الباطن (٧) من الجرم (٨). والزمان عندهم هو مقدار الحركة (٩) من جهة التقدم والتأخر. عاصمة: أما الصورة فهي عبارة عن حقيقه الشيء في تركيبه وتأليفه، أو عن حقيقته في ذاته، والأول حقيقة، والثاني مجاز، فإذا قال القوم: إنها موجودة (١٠) في شيء لا تكون (١١) جزءا منه، فذلك هو العرض عندنا، ولكن ليس على العموم، يطلق على كل عرض، وأما قولهم: كصورة الماء في هيولي الماء (١٢)، فقد تبين من تفسيرهم للهيولي (١٣)، أن الهيولي جوهر وجوده بالفعل (١٤)، أن

стр. 143

ذلك يرجع إلى المعلوم في العدم، المقدر وجوده، وعليه يحومون (١)، وإذا كان هكذا، فصورة الماء هي الهيولي المقدرة قبل وجوده، وكان مقدرا على ثلاثة أنحاء: [و ٥٤ أ]. النحو الأول: برودة مطلقة، والنحو الثاني: رطوبة مطلقة، والنحو الثالث: جرم يقوم ذلك به، فهذا هو الجوهر، وتقديره، والعرض (٢)، وقيامه به، إذا وجد، فما هذا الهيولي في الهيولي؟ وأغرب (٣) منه (٤) أنهم (٥) ١ يقولون: إن الماء (٦) كان عن انقلاب الهواء إليه، فقد خرجنا عن ذلك كله، وتهافتوا (٧) فيه، ولزمهم ما لا انفصال لهم عنه، وأما الحركة فقد بيناها، ولا معنى لذكرها، على إرادة تغير الصفات، وإذا اصطلحوا كذلك عليها (٨)، لم نمنعهم (٩)، ولكن لا يكون اصطلاحهم أصلا يركبون عليه معنى، فإن الاصطلاحات (١٠) لا تتركب عليها المعاني. وأما المكان فلا نمنعهم (١١) منه، ولا نبالي عنهم (١٢) أكثر من أنهم زادوا في الحاوي، وليس من شرطه أن يكون حاويا، بل لو فرضنا جوهرا بين أربعة جواهر لكان كل واحد مكانا لصاحبه، وكان (١٣) المحوي منها واحدا (١٤). قاصمة: قالوا: العرض عبارة عن معان، أكثروا فيها، قد أفسدناها في مواضعها (١٥)، ومعولهم فيها الآن على الكمية والكيفية، والكمية عرض يقوم بالجوهر، من جهة المقدار (١٦)، وهو عبارة عن كل ما يقبل التجزي. والكيفية هي (١٧) عندهم، الهيئة في الأشخاص، احترازا عن الفصول، وهي عبارة عن

стр. 144

كل هيئة (١) قارة في الجسم، لا توجب للجسم نسبة إلى خارج، ولا واقعة (٢) في أحد أجزائه، احترازا من الإضافة والوضع (٣)، وإذا قرروا (٤) الحرارة والرطوبة واليبوسة؟ فهي أعراض تتعاقب (٥) على الأجسام، وقد تزول البرودة عن الماء، فلا يبطل كونه ماء، لأن ذلك معنى (٦) في الهيولي، لا يدرك بالحواس (٧)، وقد قال قوم منهم لا يكون الماء حارا، لأن ذلك إبطال للطبع، ولكن تمتزج (٨) من أجزاء الناء، مع أجزاء الماء، إلى تخليط كثير في الامتزاج، أصله [و ٥٤ ب]، عندهم أن تمتزج العناصر وهي الأصول الأول، بحيث يفعل (٩) بعضها في بعض، وتتغير كيفيتها، حتى تستقر (١٠) للكل كيفية، متشابهة (١١) فيسمى ذلك الاستقرار امتزاجا، بأن يكسر (١٢) الحار من البرودة في البارد، وعكسه، ونحوه الرطب واليابس، ولا بد أن تبقى (١٣) الصور (١٤) وهي القوى الموجبة لهذه الكيفيات، لأنها لو بطلت، لكان ذلك فسادا، لا مزاجا، وقد قال أرسطوطاليس (١٥): إن قوى العناصر الفاعلة باقية في الامتزاجات، ولا يوجد امتزاج معتدل بحال (١٦)، والأرض ثلاث طبقات، والهواء أربعة (١٧)، والنار واحدة. عاصمة: أما الكمية والكيفية فهي عبارة عن المعاني التي (١٨) يسأل عنها بكم، وبكيف، فيسأل بكم عن أشياء متألفة في الوجود المحقق أو المقدر، ويسأل

стр. 145

بكيف عن صفات، تكون تلك الأشياء عليها متوحدة أو مثناة. وقولهم: إنه عبارة عما يقبل التجزي، صحيح في الجملة، ولكن أصله لا يتجزأ، وقولهم: الكيفية (١) عبارة عن هيئات في (٢) الأشخاص، قلنا: هذا باطل، بل هو منطلق على ما يتشخص وما لا يتشخص، فهم إن اصطلحوا على هذا، لم نمنعهم، ما لم يركبوا عليه مذهبا، وأما قولهم: إنها (٣) هيئة قارة في الجسم فباطل قطعا، بل يصح أن تكون (٤) دائمة وزائلة، وأما قولهم: لا يوجب (٥) نسبة، لا إلى خارج، ولا واقعة (٦) في الداخل. باطل، بل توجب (٧) النسبة من طرفها (٨) الداخلة والخارجة. وأما قولهم: إن البرودة قد تزول عن الماء، فلا يبطل كونه ماء، لأن ذلك معنى في الهيولي لا تدركه الحواس، فسخافة، لأن الأعراض المتعاقبة على الجسم، لا يزول الجسم بزوال آحادها، وإنما يزول بزوال جميعها، فلو فرضت في الماء زوال الرطوبة [و ٥٥ أ]، كما فرضت زوال البرودة، ما بقي ماء. وأغرب منه في إبطال مذهبهم، أن فرض زوال (٩) البرودة يجوز ويوجد، وفرض زوال الرطوبة (١٠) لا يجوز (١١)، و (١٢) وجوده غير رطب، محال، فلا يصح لهم مقال (١٣). وقولهم (١٤): إن الحرارة إن (١٥) زالت، لا يبطل كونه ماء، لأن ذلك معنى في الهيولي، قلنا: فأفرض (١٦) زوال الرطوبة عنه (١٧) أو (١٨) كلاهما، وتبقى (١٩) في الهيولي، ولا يصح لكم تقدير كون الشيء على صفته في العدم بحال (٢٠)، فلا تقطعوا قلوبكم في ذلك.
следующие страницы →