← Акыда

Акыда · id 96180

العواصم من القواصم ت الطالبي

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (383 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وابن الراوندي (١)، والجاحظ المعتزلي (٢)، وكثير من أمثالهم قد استسنوا (٣) في البشر (٤) أنه لا [و ٢٧ ب] مدرك إلا العقول، وأنها تغني عن الرسل، ولا مدرك في عقد، أو قول، أو عمل، إلا والعقل مستقل به وقسموه لمدارك أربعة (٥): المدرك الأول: معرفة الموجودات كالسماء وما اشتملت عليه (٦) من أفلاك دائرات، وكواكب نيرات، والأرض وما كان فيها من معدن ونبات، وعدوا (٧) مركبات، وبسائط مفردات، وهي الماء والهواء والتراب والنار، والمعادن واجتماعها مزاجا، وافتراقها تعددا وازدواجا، على الجملة في كلها، وعلى التفصيل في النظر في الإنسان وتركيبه، وما يختلف عليه من أحواله، والمطر (٨) وما يرتبط به (٩).

стр. 72

المدرك الثاني: سموه ما وراء الطبيعة، وهو النظر في الصانع ما هو؟ وما هو عليه؟ وكيف نشأت الموجودات عنه، وترتبت منه؟. المدرك الثالث: النظر في المصالح العامة التي تقوم بالقانون الإنساني في خلقه وخلقه، مما يتعلق بصفاته، وتكرماته (١) ودناءاته، وشهواته (٢)، وسهواته (٣)، وساقوا (٤) ذلك كله على تدبير في نظر سموه سياسة وأدب (٥) النفس وغير ذلك، ومهدوا قبل ذلك كله، طريقا إلى تحصيل (٦) هذه المدارك بالعقول سموه المنطق، مهدوا (٧) فيه بزعمهم، أنواع الأدلة، وشروط النظر، مستوفى بتفهيم المفردات منه، ثم وجه التركيب عليه وقسموه ثمانية أقسام (٨). وكانت هذه أمورا (٩) تكلمت فيها الأوائل (١٠) عند دروس الشرائع وفترات الرسل، وتمكن الشيطان من الخلق في مزج الباطل بالحق، فأرسل فيهم جنود الضلالات، بهذه المقالات. وعندما بعث الله محمدا صلى الله عليه [و ٢٨ أ] وسلم، على دروس (١١) من الملل، وانطماس من السبل، وفترة من الرسل، فأظهر (١٢) الآيات، وظهرت له (١٣) ألف من المعجزات حسبما أمليناها (١٤) في كتاب "أنوار الفجر من مجالس الذكر" فانقذ الله به الخلائق من الهلكة؛ وأعلى به من الإسلام الكلمة، وأكمل

стр. 73

به علينا النعمة، ثم استأثر به، وما زالت الحال تنقص، حسبما وعد (١) به، حتى آلت الحال إلى ما آلت إليه ولا بد من نفوذ تمام الوعد الحق (٢)، كما نفذ ابتداؤه فصار عند الخلق بهذه المعاني. قاصمة لم تبق لهم قائمة: ومن أغرب ما دسوه إلينا على لحم الخنزير، وأنه يناسب لحم بني آدم، فصار لذلك (٣) أعدل اللحوم. عاصمة: قال القاضي أبو بكر (٤) ﵁: يا لله ولذهاب ا (٥) العقول! إلى ذهاب الأديان! يترجم اليهودي والنصراني والملحد عن رجل يسمى جالينوس (٦) لا ندري (٧) من هو، ولا على أي ملة كان، إلا ما حكوا عنه من أنفسهم، أو (٨) ترجموه (٩) باختيارهم، فيجعل أصلا، ما ترجموه، في [ ... ] والعمل، وهبك (١٠) أنا سمعنا ذلك من رأس الأطباء، يقال لهم: بم (١١) علمتم (١٢) أن لحم الخنزير، أعدل اللحوم؟ بشعره إذ (١٣) مسخ، أو بلونه إذا سلخ، أو بطعمه إذا طبخ، أم بشحمه إذا سنخ (١٤)؟ وأي مناسبة بينه وبين الإنسان؟ إلا من جهة الحيوانية، وذلك يشترك فيه معه (١٥) الثور والقرد (١٦)، هذا على رجلين، وذلك على أربع، وأنت ترى لحم ذوات الأربع

стр. 74

كيف تختلف (١) مراتبها، ويتباين (٢) بعضها عن بعض في طبائعها، وكذلك ما يمشي على بطنه من الحيوان (٣)، تختلف مرتبتهم، وتتباين أكثر، من تباين ذوات الأربع، وتبعد عن ذوات الأربع أبعادا عظيمة، وأن لحوم ذوات الأربع عندهم لتتباين (٤) في طبائعها ومنافعها ومضارها، على أنها (٥) ذوات أوبار [و ٢٨ ب]، وأشعار، فماذا (٦) يقرب (٧) الخنزير ممن (٨) يمشي على رجلين (٩)؟ هل هو (١٠) إلا إرادة منهم لا حياء دينهم، وعضد (١١) لنحلتهم؟ وهلا قالوا: إن لحم القرد أشبه بلحم الإنسان لحدة ذهنه، وعظيم فهمه؟ وإن كل حيوان (١٢) نسج (١٣) بطبعه إلا الآدمي والقرد، أو لست تراه يصرف أنامله تصرف الإنسان؟ وهل الأخلاق عندهم إلا آثار الخلقة؟ والحركات إلا أمارات الطبيعة؟ فأين هم؟ عن هذا معرضون، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وبصر (١٤) هذه الطائفة العمياء من أصحابنا، ومن (١٥) أهل جلدتنا، فإنهم عن هذا غافلون. مزيد بيان: إن الباري في مخلوقاته يفعل ما يريد، ويغاير في مخلوقاته بين الأجناس، والأنواع، خلق الحيوان على أنواع، كما خلق النبات على أنواع (١٦) صارت بغيرها (١٧) أجناسا، فمن الحيوان ماش على رجلين، ومنهم على أربع، ومنهم على بطنه، والأصل ماء، أو ليقل (١٨) قائلهم ما شاء، فيلزمه (١٩) ذلك قرط

стр. 75

أذن، وطوق جيد، ووشاح خصر (١)، وخدم (٢) قدم، وسوار ساعد، وقد جعل تعالى كل الحيوان بلسان واحد، وجعل للحية لسانين، وكذلك كل حيوان، إذا قطعت له رجل اندرج (٣) على الأخرى إلا النعام، وجميع الحيوان له كرش ورئة إلا الفرس، وكذلك الحوت ليست له (٤) رئة، وجميع حوت الماء له لسان، وحوت البحر له لسانان، وجميع بني آدم (٥) (ركبهم في أرجلهم والبهائم ركبها في أيديها، وقالوا: إن جميع بهائم الوحش كفوفها في أرجلها، إلا ابن آدم) (٦) والقرد، فإنها في الأيدي، وجميع الحيوان إذا نام أغلق (٧) عينيه إلا الأرنب، ومن أغرب ما قالوا عن الذئب أنه يغلق عينه الواحدة ينام بها، ويفتح الأخرى، يحترس (٨) بها، فإذا مضى نصف الليل داول بينهما، وقالوا: إن الأسد يفترس كل شيء [و ٢٩ أ]، إلا المرأة الحاثض إذا رميت إليه أعرض عنها، والنطف يختلف (٩) بقاؤها في الأرحام مع اتحاد (١٠) الحيوانية والتوليد، فأقله شهران وأكثره للفيل سبع سنين، إلى أشياء غريبة، هم نقلوها وما عقلوها، ولا ردوا إلى المشيئة والآثار أمرها، ولا جواب لهم عنها. قال القاضي أبو بكر ﵁: وقد جاء الله كما قدمنا بطائفة عاصمة (١١)، تجردت لهم وانتدبت بتسخير الله، وتأييده، للرد عليهم، ممن (١٢) قدمنا ذكره من أعيان الأيمة، إلا أنهم لم يكلموهم بلغتهم، ولا ردوا عليهم بطريقتهم، وإنما ردوا عليهم وعلى إخوانهم المبتدعة، بما ذكره الله في كتابه، وعلمه لنا على لسان رسوله، فلما لم يفهموا تلك الأغراض، بما استولى على قلوبهم من صدإ الباطل، طفقوا يهزأون من تلك العبارات، ويطعنون في تلك الدلالات، وينسبون قائلها إلى الجهالات، ويضحكون مع أقرانهم في الخلوات، فانتدب للرد عليهم بلغتهم، ومكافحتهم بسلاحهم، والنقض

стр. 76

عليهم بأدلتهم، أبو حامد الغزالي، فأجاد فيما أفاد، وأبدع في ذلك ما أراد الله وأراد، وبلغ في فضيحتهم المراد، فأفسد قولهم من قولهم، وذبحهم بمداهم. فكان من جيد ما أتاه، وأحسن ما رواه، ورآه، وأفرد عليهم (١) فيما يختصون به دون مشاركة أهل البدع لهم، كتابا سماه "تهافت الفلاسفة" ظهرت (٢) فيه منته، ووضحت في درج المعارف مرتبته (٣)، وأبدع في استخراج الأدلة من القرآن، على رسم الترتيب في الوزن، الذي شرطوه على قوانين خمسة بديعة في كتاب سماه "القسطاس" (٤) ما شاء. وأخذ في "معيار العلم" عليهم طريق المنطق فرتبه (٥) [و ٢٩ ب]، بالأمثلة الفقهية والكلامية، حتى محا فيه رسم الفلاسفة، ولم يترك لهم مثالا، ولا ممثلا، وأخرجه خالصا عن دسائسهم، بيد أنه أدخل فيه أغراضا صوفية، فيها غلو وإفراط، وتدآل (٦) على الشرع وانبساط. وقد كان تعرض سخيف من بادية بلدنا يعرف بابن حزم (٧)، حين طالع شيئا من كلام الكندي إلى أن يصنف (٨) في المنطق، فجاء بما يشبه عقله، ويشاكل (٩) قدره (١٠)، وقد كان أبو حامد تاجا في هامة الليالي، وعقدا في لبة المعالي، حتى أوغل في التصوف، وأكثر معهم التصرف، فخرج على

стр. 77

الحقيقة، وحاد في أكثر أحواله عن الطريقة، وجاء بألفاظ لا تطاق، ومعان ليس لها مع الشريعة انتظام ولا اتساق (١)، فكان علماء بغداد يقولون: لقد أصابت الإسلام فيه عين، فإذا ذكروه جعلوه في حيز العدم، وقرعوا عليه (٢) السن من ندم، وقاموا في التأسف عليه على قدم، فإذا (٣) لقيته رأيت (٤) رجلا قد علا في نفسه، ابن وقته، لا يبالي بغده ولا أمسه، فواحسرتي (٥) عليه أي شخص أفسد من ذاته، وأي علم خلط (٦)، وخلط فيه مفرداته (٧)، ماذا ألأم من المحامد، وكم حايد عنه وحامد (٨)، وكان ممن (٩) ترجم عن الفلاسفة، ترتيب الأدلة الذي سموه حد (١٠) المنطق، قد ضرب فيه الأمثلة الهندسية، والطبائعية، والإلاهية، ليتدرب القارئ بذكرها، ويأنس بتكرارها، ويطمح إلى مطالعتها، ويتشوق (١١) ويستعد لاعتقادها، حتى يعلمها، وهي في كل ذلك تسدك (١٢) بقلبه، ويطمح إليه بطرفه، ويتعلق منها بأمنيته، فتزل (١٣) به (١٤) القدم.

стр. 78

وعلى كل حال فالذي أراه لكم على الإطلاق، أن تقتصروا على كتب علمائنا الأشعرية، وعلى العبارات الإسلامية، والأدلة [و ٣٠ أ] القرآنية، وأنتم في غنى عن ذلك كله، وخذوا (١) مني في ذلك نصيحة (٢) مشحونة بنكت من الأدلة، وهي أن الله سبحانه، رد على الكفار، على اختلاف أصنافهم، من ملحدة، وعبدة أوثان، وأهل كتاب، وطبيعة، وصابئة (٣) وشركة (٤) ويهودية، بكلامه (٥)، وساق أفضل سياق أدلته، وجاء بها في أحكم نظام، وأبدع ترتيب، فعلى ذلك فعولوا، فإن أبا حامد وغيره، وإن كان لبس للحال معهم لبوسها، وأخذ نعيمها، ورفض بؤسها، وأحيا أرواحها ونفوسها، فليس كل قلب يحتمله، وقل وجود نفس تستقل به، فهو وإن كان سبيلا للعلم، ولكنه مشحون بالغرر (٦)، والشرع (٧) قد نهى عنه، والعقل يستحث على (٨) الانكفاف والهروب منه. أما أن الرجل إذا وجد من نفسه منة، أو تفرس فيه الشيخ المعلم له ذلك، فلا بد من توقيفه على جميع (٩) مآخذ الأدلة، واتساعه في درجات العلم، وتمكنه من بحبوحات المعارف، حتى يكون مستقلا بأعباء الشريعة، مطيقا على حمل أثقالها، بصيرا بالنضال عنها، والذب عن حرماتها، إذا احتيج إليه فيها (١٠).

стр. 79

وأما أصحاب الطبيعة فقصتهم بديعة، وذلك أن القدرية لما كانت تدين دينها، وتسر (١) عقيدتها، وكان الجاحظ المفتري (٢) على جهالته، وثمامة بن أشرس على خساسته (٣)، وابن المقفع على فهاهته (٤)، وابن الراوندي على حماقته، ومن تابع كل واحد منهم في صفاته، تسترت بالإسلام ولبست جلدته، لستر عورتها في مخالفته، وجعلت تغتال (٥) الدين، بمعان (٦) ترهب بها على العامة، وتأخذها من ظواهر الألفاظ، وتدس مذاهبها في عقائدها، كأنها تعضد (٧) الإسلام وتتعلق في ذلك بآيات متشابهات، وأحاديث مشكلات، فتركت (٨) المحكم وراء [و ٣٥ ب]، ظهرها (٩)، لأن (١٠) أرباب الطبيعة يدعون أن النشء في هذا العالم على التركيب، إنما هو من تأثير البسائط في الأصل (١١) و (١٢) وينشأ مركب عن (١٣) مركب، هكذا على الترتيب، وذلك أنهم (١٤) رأوا تركيب الكون في الموجودات المشاهدات، واحدا بعد واحد، فنسبوا الثاني إلى الأول، وعلقوا اللاحق بالسابق، وألحقوا المتأخر بالمتقدم (١٥)، وجعلوه منه باقترانه به في الوجود، وارتباطه معه في التواصل، وذهلوا عن المنشئ الحقيقي، فكانت بصائرهم عبيدا لأبصارهم، وجدالهم أقوى من أبصارهم (١٦)، وتحيلت (١٧) المعتزلة ومن دان دينها من القدرية فقالوا: إن الثاني تكون (١٨) عن الأول برسم التولد.

стр. 80

قال القاضي أبو بكر (١): هذه لفظة اخترعها لهم الجاحظ المفتري (٢)، مستفادة من الولادة، وهي خروج الشيء (٣) من الشيء (٤)، وكان هذا لما نشأ عن هذا، ولم يقولوا أنشأه احترازا من المشاركة مع المنشئ المنفرد سبحانه، فقالوا: نشأ (٥) عنه، وعبروا عنه (٦) بالتولد (٧)، تحسينا له، وإخراجا له بزعمهم من حيز المجهول إلى حيز المعلوم. فأما الفلاسفة فبنوه على أصلهم في أن الفاعل لا يفتقر في كونه فاعلا، إلى حياة وقدرة وإرادة، بل يكون شيء عن شيء، بأمور باردة، ورتب فاسدة، حتى أن بعضهم يقول في تحقيقه، حين ظهر له، أن شيئا من الكوائن لا بد له من مكون: إن الأفلاك تتحرك بعشق بعضها لبعض، إذ (٨) المحرك (٩) منها واحد للآخر، حتى تنتهي إلى قبل الأخير (١٠)، فيقول لك (١١): إنه يتحرك (١٢) بعشقه للأخير الآخر (١٣) فهي حركة عشقية (١٤)، ففر هؤلاء من هذه المقالة، لأشنوعتها (١٥) وقالوا: نشأ هذا عن هذا، وعبروا عنه بالتولد تحسينا له، كما قدمنا، وعلى قاعدة الفلسفة قعدوا، و (١٦) حول دائرتهم دوروا، ولكن [و ٣١ أ] قاعدتهم أهوت بهم، و (١٧) دائرتهم ضنت (١٨) عليهم. وقد تمهدت القواعد الشرعية والعقلية في إثبات الصانع، ع وأنا أمهد لكم (١٩) طريقين:

стр. 81

الطريق الأول (١): إن الخاطر إذا جال فيه أن التكوينات، في عالم الكون والفساد، في (٢) محاط فلك القمر، تترتب (٣) في الوجود من ذواتها بطبعها أو من ذوات (٤) أخرى (٥) طبعها فيها، وانطباع هذه لها حتى تنتهي (٦) إلى (٧) المراد. فاحضر بذهنك، وردها إلى ما قبلها حتى تنتهي معهم إلى موقف أول، لا سابق له، فإن أراد أن يتمادى، قيل (٨) له: قف يا سيار، فقد (٩) سال بك التيار (١٠)، و (١١) إن كنت تمشي في معقول، فلا تتعده إلى تعطيل، وتتيه في التضليل، وتقع في غير معقول، بالتسلسل إلى ما ليس بمحصول، وإذ وقف الخاطر أو المناظر، ولا بد له (١٢) من ذلك، قيل (١٣) لهما أو لأحدهما: هذا المنتهي في النظر، المبتدأ في الكون، كيف يكون هذا عنه صادرا؟ يكون على وجه صدور الفعل المفعول من الفاعل المعقول، ذي القدرة والحياة والعلم والإرادة والتدبير والتقدير؟ أو صدور حركة الخاتم عن حركة اليد؟ ((١٤) فإن أوقفوه على فاعل بتلك الصفات، فقد وقفت دائرة النظر على قطب التوحيد، وإن هم قالوا: إنه يصدر عنه صدور حركة الخاتم عن حركة اليد) فيلزمهم أن لا يصدر عن الأول إلا ثان يماثله، وهكذا إلى الآخر، فمن أين ينشأ التغير (١٥)، ويأتي الضد عن الضد؟ والمختلف عن المتفق، والمعدد (١٦) عن المنفرد (١٧)؟ وعلى هذه القاعدة في دلالة الصانع. نبه الله سبحانه بقوله: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير

стр. 82

صنوان تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم [و ٣١ أ]، يعقلون﴾ [الرعد: ٤]، فنبه بهذه الآية، في الأحرف اليسيرة على المعاني العظيمة، بالأدلة المعدودة (١)، فإنك (٢) تنظر إلى الأرض، ما بين سهل وحزن، وحجر (٣) وتراب لدن أنواع مختلفة، وأزواج (٤) مفترقة، زرع (٥) ونبات، وأشجار أشتات، أصل كل شيء منها واحد، حتى (٦) تنظر (٧) إلى الحبة (٨) التي تنبت (٩) عنها ذات أجزاء متساوية، فإذا تزايدت للنبات، تزايلت عن تلك الصفات، وانقسمت إلى عرق يعلوه قشر، يتراقى إلى غصن ينتهي إلى عذق، ينقسم إلا ورق، وزهر، وثمر، الأرض واحدة، والماء واحد، والحبة (١٠) واحدة، وكل ما ينشأ عنها لا يماثلها، ولا يتماثل (١١) في نفسه، بل لكل (١٢) واحد (١٣) هيئة مخصوصة، ولون مخصوص، وطعم مخصوص. والماء الذي من شأنه الرسوب يصعد إلى الجميع، ويجرى فيه حتى يسيل على جميع جوانبه، ونواحيه، فيا أيها الحاضر والناظر (١٤)، أين ألفاظك الرائقة، وحكمتك الفائقة، أبن لي هذه الاختلافات كيف تتعدد (١٥)، والطبع واحد، دون شرط (١٦) الفاعل الواحد (١٧)، المتصف بالصنع (١٨) حقيقة؟ هيهات ها أنا معك دائر، فقل ما أنت قائل، أو (١٩) صر إلى ما أنت صائر، وأبن لي كيف دارت عليك الدوائر، وخذلتك الطبائع، فما لك من قوة ولا ناصر؟ ودعني من نويبغة إذا وقف على هذا، زوى حاجبه، وأدار قرنيه، وفرق - كالمبتسم - بين شفتيه،

стр. 83

فليخرج ما يصدر، وليذكر ما شاء أن يذكر، فهذه الطريقة لأزمة له، فلا مبرح (١) له عنها، ولا (٢) محيص منها. الطريقة الثانية: لا خلاف بينهم أن النيرات السبعة في الأفلاك السبعة، هي الفاعلة المدبرة، ولكل واحد منها جزء ينفرد به، ولكنهم جعلوا الآدمي بينهم عضين، وقسموه عليهم، وأعطوا لكل واحد [و ٣٢ أ]، منها جزءا من الآدمي، وشهرا من أيام تربيته وحينا (٣)، فيقال لهم: ليس هذا معلوما (٤) ضرورة، فيتفق العقلاء عليه، ولا وجدنا نظرا يوصل إليه، ولا روينا خبرا يدل عليه، هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، فكل (٥) ما ذكروه فقد تقدم ذكر (٦) إبطاله. مضايقة: إذا قلتم: إن الكون والفساد في مقعر فلك القمر (٧) فمن أين يصل بينهما تأثير ((٨) ما فوقهما من باقي الصانعين؟ ولا يخلو أن يكون فلك القمر) (٩) محيطا بهذا العالم، أو يكتنف (١٠) بعضه، ويبقى البعض في خلاء عنه، وأيما (١١) قلتم فلا مخرج لكم منه، و (١٢) إن قلتم: إنه محيط به، وإن هذا العالم في محاطه، كالدرة (١٣) في الدرج، فمن يجمع بينه وبين تأثير (١٤) ما فوقه، وبينهما حجابه، وحجب غيره، إن كانوا على مثاله، ومحال وصول التأثير عندكم من وراء حجاب (شفاف (١٥)، فكيف من وراء حجاب) (١٦) يملأ الفم

стр. 84

ذكره، فكيف قدره؟ وإن قلتم: إنه لا يحيط فلك القمر بهذا العالم، فما يخرج عن محاذاة فلك القمر؟ هل يحيط به خلاء، أو له محيط آخر سواه؟ فإن قلتم يحيط به خلاء، فالعدم ليس بمحيط، ولا محاط به، ولا هو طريق لشيء، ولا عليه طريق لا (١) محسوسا ولا معقولا، وإن قلتم إن هناك محيطا به، فعينوه. فإن (٢) قلتم: إنه يحيط به الذي فوقه، قلنا لكم: وما حكم الفلك (٣) الثاني؟ الإحاطة بجميع فلك القمر أو ببعضه (٤)؟ فإن قلتم بجميعه، فما هذا التحكم؟ أو ما دلكم عليه، وإن (٥) قلتم: إنه أكبر منه، قيل لكم: وقد يكون الشيئات عظيمين متقاربين (٦) في حيزين مختلفين، وإن قلتم: إنه يحيط ببعضه، فهل يقابل المحيط منه للمحيط من فلك القمر؟ أو يقابل الخالي من (٧) إحاطته به (٨)؟ فإن قابل الخالي، فلم لا يصل تأثير الثاني أو الثالث إلى هذا [و ٣٢ ب]، المؤثر دون ترتيب مع هذا المؤثر الأول حتى يتعارضا فيما فعل كل واحد منهما، فيفسد التدبير ويختل النظام؟. و (٩) قد جعلتك على هذا الأصل، فخذه بكل فصل، وأرده بجميع وجوهه، فليس لهم عنه مناص (١٠). وقد قلت في هذا المعنى لبعض أصحابنا أبياتا توحيدية: كن للإله كما كان لك...ولا متبل بمدار الفلك فإن إلهك قد أحكمت...معاليه من عال أو من ملك ومن ذل أو عز (١١) في موطن...ومن عاش في نعمة أو هلك فلا ترج ذلك من غيره...ودع عنك من شك أو خذلك (١٢) وخل المضلين في غيهم...وقل للكواكب من أصلك

стр. 85

وأنت تغور وأنت تمور...فمن عاض (١) منك ومن بدلك ولو فلك دار من ذاته...أقام إذا شاءه أو سلك وإن لم يكن ذاك من طوقه...فأني يقال له ذاك لك؟ فليس المغير إلا الذي...تغاير عنك وما شاكلك فيا أيها الندب (٢) ما أعقلك...ويا أيها الفدم (٣) ما أغفل. أمن كان عن كونه (٤) عاجزا...أترجوه للغير ما أجهلك؟ تنبه فقد بان وجه الدليل...وقد آن أن تعرف من دل لك (٥) تنزيل: لما تعلقت القدرية بذيل (٦) الفلسفية في هذه المسأة، وألفيناها تحتها، نزلنا في الكلام معها، وهتكنا سترها، وفصل القول معهم في التوليد معلوم، قد طوله القاضي (٧) والشيخ أبو الحسن (٨) لكن بمناقضات لا بدلالات، فإنا أسخف من أن يدل على فساده، وإنما أراد هؤلاء العلماء أنهم لم يفوا (٩) به، وأنهم تناقضوا (١٠) فيه، فشأنكم وإياه. وأما نحن فنورد عليهم طريقة قريبة المرام، ضابطة لشغب (١١) الكلام، فنقول: قد حررناها [و ٣٣ أ]، قبل هذا بنصها في غير ما املاء، حتى تكون (١٢) كالتكرار، لتوكيد (١٣) الألفاظ والمعاني،

стр. 86

فذلك أضبط لها. وأول من يؤثر عنه هذا المذهب معمر (١) القدري، والجاحظ المفتري، وقد قام بحمد الله وتوفيقه الدليل على أن الله وحده خالق الأجسام، والأعراض، وتبين أن العبد مكتسب غير فاعل، فإذا ثبت استحالة الفعل من الحي العالم الذي يقبل الأمر والنهي فاستحالته من الأموات أثبت، ولأن الإحراق الكائن مع اتصال النار بالأجسام المحترقة فعل محكم، إن أضيف إليها، بطل الاستدلال بالفعل المحكم على الحياة والعلم، نعم وعلى الوجود (٢)، وانقلبت الحقائق وبطلت الأدلة، ولأن النار إن (٣) أحرقت بذاتها، وجب أن تحرق كل ما يتصل بها من حار (٤) وبارد ورطب ويابس، فإن (٥) كانت تحرق بصفة لها، وهي الحرارة، فلا يخلو أن تنتقل إلى المحترق وذلك باطل، لاستحالة بقاء العرض، فضلا عن انتقاله، أو تحرق الحرارة وهي قائمة بالنار، ففي (٦) ذلك محال شنيع، وهو (٧) تجرد الأحكام للمحال، وللمعاني (٨) القائمة، بمحال (٩) آخر (١٠)، فيبيض عمرو (١١) ببياض (١٢) زيد، ويسود بكر بسواد خالد، فإن قيل أفي المشاهدة تريد أن تشكك الخلق؟ قلنا: المشاهدة وجود الإحراق فأما نسبته إلى النار فدعوى، فإن قيل وجدنا النسبة عربية شرعية، قلنا أضاف الله تعالى المعاني إلى الأسباب عند وجودها على حكم اللغة العربية، والحقيقة وراء ذلك، والذي يكشف الغطاء معهم في ذلك أن يقال لهم: ليس لكم عمدة إلا اقتران الموجودين وهو اتصال النار بالأجسام، ووجود الإحراق حينئذ، فبجهلكم بحقيقة الفاعل القادر،

стр. 87

أضفتموه إلى الجماد، ولم تراقبوا (١) أن تقولوا (٢): إن جمادا فاعل، قوي محكم، فيلزمكم مثله في الاقترانات الموجودات في العالم كلها. [و ٣٣ أ] وأوقعها (٣) حجة، وأوضحها محجة، الأب والأم (٤) يتولد منهما (٥) الولد، فإذا أودع الأب النطفة في الرحم اقترن بذلك اختلاف الأوصاف على النطفة، وانسلاك الروح فيها، والقوى المحركة المدركة، ولا يقال إنها موجودة به، ولا مضافة إليه، وإن اقترن ذلك به، بل يحيلونها على الأول، بواسطة وبغير واسطة من أسماء يسمونها ملائكة (٦)، وماذا يقولون فيها من البهتان، ويتفوهون (٧) به من الطغيان، وذلك يلزمهم فيمن غمض عينيه، فلم ير شيئا ففتح عينيه فأدرك الألوان، يقولون (٨) إن فتح البصر ولد إدراك الألوان في العينين، وكذلك في نور الشمس مثله، وفي اقترانات لا تحصى كثرة (٩)، فبطل هذا التعلق جملة، ولكنهم لما رأوها ألفاظا اعتادوها فدكت بقلوبهم، حتى لم يستطيعوا أن ينزعوها عنها، وقد استوفينا ذلك في كتب الأصول وهذه نبذة منه.

стр. 88

التفات: ونعود إلى القول مع من انتدبنا إليه فنقول: وأما المتالجة منهم، فهم أعظم الطوائف فليقة (١)، وأردأهم طريقة، لا يعقد معهم على قول، ولا يستقر معهم من التحقيق على منزل، ومآل الحاصل من تخليطهم إلى قدم العالم (٢)، الذي ينبني على عدم الصانع، ويعتقدون (٣) استحالة الفناء الذي بنوه على إنكار الحشر والنشر، والثواب والعقاب، ومنهم من يذكر الصانع والحشر والثواب أسماء لا مسميات لها، كما قال الشاعر: أجر (٤) ووزر (٥) على نار مضرمة...أو في نعيم أركب أو على قدم أسماء منقبة في غير مرتبة...كالشيء يخبر عنه وهو في العدم وإذا نظرت إلى كلامهم في ذلك كان لك (٦) معهم طريقان [و ٣٤ أ]، أحدهما التعلق بما لم يطردوه على أصلهم، ولا وفوا بعهدة (٧) المعقول (٨) فيه، وهي مناقضة عائدة على أصل من أصولهم الضرورية بالبطلان، وذلك أنهم يقولون: هذه الهيئة لا نفاد لها ولا انقضاء، ولا استحالة، ولا تغير بأفلاكها وصفاتها وحركاتها وأجسامها (٩). فيقال لهم: فإذا كانت حركة القمر في فلكه لا نهاية (١٠) لها، وحركة زحل لا نهاية لها، فلا يصح أن تنسب إحداهما إلى الأخرى، لأن ما لا يتناهى (١١) لا ينسب مما لا يتناهى، فإن نسبوا فقد خرجوا عن المعقول، ولا بد لهم من ذلك، وإن لم ينسبوا، فقد أبطلوا مذهبهم، وتدبيرهم، نسبة شيء إلى شيء منها، أو بها.

стр. 89

الثاني: أن نقول (١) لهم: كل ما كان له أول جاز (٢) أن يكون له آخر، لأنه لا يصح أن يوجد لنفسه، وما أوجده غيره، جاز (٣) أن يعدمه، ولما وقف النظر إلى هذا الموضع الذي لا بد منه أنكروا العدم في (٤) الأول، و (٥) أنكروا الإعدام، وجوزوا وجود شيء لا (٦) من شيء، وأحالوا عدمه منه، أو من غيره، وكان في ذلك كلام طويل، ليس هذا موضعه. هذا القول يسكتهم عنه، ويجريهم (٧) معكم. ومن الغرائب (٨) أن صاحب الجيم (٩) عندهم قال: لو كانت الشمس فانية لأدركها الذبول بطول البقاء (١٠)، فيقال له: هذا فاسد على مذهبك، وعلى طريق الحق. أما فساد ذلك على مذهبك، فالذبول عندك إنما يكون بنضب المادة، ولعل مادة الشمس لم تنضب، وأما على مذهبنا، فلأن العدم إنما يكون عن قطع الأعراض وذلك مبين (١١) على التحقيق في الأصول بجميع وجوهه. وقد قال الشيخ أبو الحسن [و ٣٤ ب]: معرفة الصانع ضرورة (١٢)، وتحقيقه أنه إن كان العالم صنعة فهي صادرة عن صانع قطعا، ضرورة المعنى واللفظ، وأما الفناء الذي أحالوه فهو مشاهد في بعض العالم، وهو معلوم فيما لم يشاهد بالدليل المتقدم، حسبما سطر في كتب الأصول.

стр. 90

وأما إنكار الحشر فشاهده (١) في إعادة (٢) النبات في الأرض بعد الاستحصاد، وهم يقولون، هذا في عالم الكون والفساد، (قلت لهم: والإنسان من ذلك العالم، فإن قيل إنما يقولون إنما ذلك بأسباب مرتبة من الكون والفساد) (٣) قلنا عنه جوابان: أحدهما: أنه إذا ثبت وجود الإعادة للفاني كجريان (٤) العادة فيه، على وجه لا يلزم أن تكون العادة واجبة، إلا على تقدير أن يكون (٥) العقل (٦) من تلك الأسباب، وقد بينا فساده، فلم يبق إلا أنه يعيده الفاعل متى شاء، كما أخبر، وقد قالوا: إن الصفة تعود على التفصيل والجملة (٧) بعد الدورة العظمى، وذلك لاثنين وسبعين ألفا دوريا في نقطتي الحمل والجدي، فيقال لهم: فهل تعود بصفتها على الجملة والتفصيل، أو بالبعض؟ فإن قيل تعود بالكل، قلنا: فلم لا نذكر أنفسنا الآن (٨) كما كنا قبل (٩)؟ وإن (١٠) قيل تعود بالبعض لأنا قد فاتنا ذكر ذلك فينا (١١)، قلنا (١٢): فالذي فوت الذكر لتلك الصفة، يفوت منها (١٣) غيره (١٤)، ويقدمها (١٥)، ويؤخرها، ويغيرها، وبطل بهذا وجوب نسبة شيء من ذلك إلى حركات الفلك، أو إلى ما (١٦) ينسب إليه، لأن اختلال دقيقة منها، يوجب اختلال الجميع، فإن قيل (١٧): فقد رويتم أن الله لما خلق آدم استخرج منه نسم بنيه فقال لهم: ﴿ألست بربكم؟ قالوا: بلى﴾ [الأعراف: ١٧٣]، ثم أوجدهم [و ٣٥ أ] فلم يذكروا، قلنا: نحن نقول: إن الباري هو خالق الخلق، وصفاتهم، من حركة وسكون، وعلم، وذهول، وما شاء أوجد، وأعاد، وما

стр. 91

لم يشأ أخبر عنه فآمنا به، وهذا لازم لكم، ساقط عنا، كما بيناه، وكذلك معرفة الثواب والعقاب، معلوم من جهة الخبر، وقد شبب (١) بعض الفلاسفة بأنه مدرك بالعقل، في تخليط تكذب به القدرية (٢). وهلة: وقد (٣) كان أبو حامد الغزالي يميل إلى ذلك ويستطرفه، قلت له: ما معنى قول النبي ﷺ في صلاة الكسوف: "ورأيت الجنة فتناولت منها عنقودا، فلو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا"؟ كيف يكون صفة دوام أكله ووجوده هل كان كلما أكل منه جزء خلفه آخر، وإذا فنيت حبة أينعت (٤) أخرى؟ فقال، وكتب بخط يده (٥): ثمار الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة، والمعنى في الحديث (٦) أن ثمار الجنة إذا تعلقت بها آمال الناظرين، أو قابلتها أبصارهم، حدثت أمثالها في نفوسهم، حدوث أمثال المرائي (٧) في المرآة، وأعيان المرائي لم تتبدل ذواتها، ولا رامت مكانها. قال القاضي أبو بكر (٨) ﵁: تذكرة: ولم تتفق لي مراجعته (٩)، وهذا مما لا نقول به اعتقادا، ولا نرضاه دينا، فإنه لا يشهد له عقل، ولم يرد به نقل. فإن قيل: فهذا النائم يأكل حتى يشبع، قلت له: يا نائم دعني من النائم، ولا تحمل الحقيقة على المجاز، ولا ترد (١٠) النوم إلى اليقظة. وسنتكلم على الرؤيا في موضعها، وقد سبق منا أمثالها، ولا سيما في محاسن الإنسان (١١).

стр. 92

ومن أعظم ما نسكتهم (١) به، أن نقول لهم: إنا نرى الله في المنام [و ٣٥ ب]، أدميا، أكذلك (٢) هو؟ فبهتوا (٣) وهذا أمر (٤) صحيح، وذلك أن الأمور المعقولة، إما أن تعلم مشاهدة، أو يهجم عليها العقل باتفاق (٥)، أو تعلم (٦) بالدليل، من تمثيل أو تنظير، وهو لا (٧) يقول بقياس في العقليات، وإن قال به، فبمقدمتين تنتجان مطلوبا صحيحا، وهذا مما لم يعول فيه إلا على الدعوى، والتمثيل بالمرآة التي لا تقوم على ساق. معاد (٨): وقد بينا أن قولهم الأصلي: إن كل شيء من ذاته بالابتداء، والانتهاء، وبالتفصيل، وبتفصيل التفصيل، من ابتداء الوجود إلى منتهاه، بطبيعته، كل ذلك دائر (٩) على الحركات، كائن عنها، على جبر وانطباع، فيتحرك المتحرك بتوابعه، وذلك موجود في (١٠) المحرك الأول. عاصمة: قلنا: هذا فاسد من ثمانية أوجه، الأول: إن قولهم: إن كل شيء من ذاته، يريدون به طبيعة، كما صرحوا به (١١) أو غير ذلك؟ فإن أرادوا غير ذلك، وليس عندهم فليبرزوه، وإن أرادوا بالطبع، فما معناه؟ إذ ليس يرجع إلا (١٢) إلى العادة، أن هذا وجد بعد هذا، فقالوا: إنه وجد عنه وبه، ولا نسلم لهم ذلك، ولا يدلون عليه أبدا. وإن قالوا به (١٣)، فإنا نقول لهم: إن كان يفعل شبهه

стр. 93

المشاهدة، وأما مع الانفصال فدعوى، لا تثبت أبدا، من حرك الثاني للأول وليس متصلا به (١)، وهكذا إلى آخر الصفقة، حتى اضطروا إلى أن يقولوا: إنه يتحرك الثاني بعشقه للأول فيحكيه، قلنا (٢) له: فإذا (٣) عشقه، فمن الفاعل ومن المفعول؟ ومن الواطئ ومن الموطوء؟ والعشق هو معنى (٤) تطلع النفس إلى اللذة (٥)، وليس من شرطها (٦) تساوي الأفعال، بل ربما كان الاختلاف فيها شرطا، فانظروا إلى [و ٣٦ أ]، هذا الخباط الذي يذكر في معنى بيان الحقائق والأدلة. الثالث (٧): أن الفاعل إن كان يحرك فيحرك (٨) الكل، وانتظم التدبير بالحركة، فمن أين جاء السكون؟ فإن قالوا (٩): من قطب الدائرة، لم نسلم (١٠) لهم أن فيها ساكنا، ولو سلم (١١) فالحركة هي الفاعلة عندهم، فما للسكون والدخول فيه؟ والمعول على القطر (١٢) من (١٣) القطب، ونحن عندهم أهل القطب، فما بالنا (١٤) في حركة دائمة ليس فيها (١٥) من السكون شيء. الرابع: إنه إن كان المحرك الأول يفعل بطبعه (١٦)، فكيف نشأ عن الطبع الواحد أربع (١٧) مختلفة، ولا ينشأ عن الشيء إلا مثله؟ فإن أشاروا إلى الامتزاج، قيل لهم: وليس في الأول امتزاج، وهو إنما يفعل (١٨) بذاته، فمن أين جاء الامتزاج (١٩)؟.

стр. 94

الخامس: إن المحرك الأول إن كان لحركته ابتداء فاندفعت، فلم تفرقت الكوائن، ولم يكن عنها في حالة واحدة ما (١) يقتضيه الطبع، وتوجبه الهيئة والتدبير في فعل تتركب (٢) عليه أفعال؟ وإن (٣) كان فعله على الترتيب، فلم كان (٤) مختلفا كما تقدم؟ ومن أين جاء التعارض، والتمانع، والتضاد بين الكوائن، والأصل واحد؟. السادس: ويرجع إلى الأول، إذا كانت الحركة صدرت عنها الحركات فلم افترقت (٥) في الأفلاك إلا مستقبلة (٦)، وراجعة، إلى مستقيمة ومعوجة (٧)؟ إن كانت هذه الأسماء على الحقيقة، فهي خلاف فاعلها، وإن كانت مجازا لا حقيقة لها (٨) فلم ركبتم عليها الحوادث؟. السابع: إن الإسلاميين من الفلاسفة قد حكموا على (٩) أفلاطون (١٠) وأرستوطاليس (١١) باستحالة الإيثار (١٢)، وإن صانعا مؤثرا لا يتصور، وهذا (١٣) أحد أصول الإلحاد الأربعة، وهو الأول الآن معهم، فإنا نقول لهم: زعمتم أن صدور الأشياء عن ذاته، صدور العلة عن المعلول، والدليل القاطع على (١٤) استحالة [و ٣٦ ب]، ذلك (١٥) أن العقل يقضي قطعا أن الصفتين الجائز ورودهما على الحل على التعاقب، فورود (١٦) إحداهما (١٧) يستحيل أن

стр. 95

يكون بغير سبب، يعين أحد الجائزين، ولا يجوز أن يضاف ذلك إلى القدرة، لأن نسبتهما إليها (١) واحدة، وكذلك الحياة والعلم مثلها (٢)، فلا بد من سبب معقول يضاف إليه (٣) التخصيص، يجده المرء لا يفتقر (٤) إلى الحياة، وهم لا يبالون بذلك كله، وإنما يأخذون السبيل إلى الإلحاد، كيف اطردت لهم. والعمدة في ذلك أن يقال: أجمع العقلاء على أن الميت لا يعقل لمواتيته (٥)، وقد كان يعقل [و ٣٧ أ] في حال حياته ولا يصح أن يضاف إلى شرط، سوى الحياة، لأن كل صفة نضيفها (٦) إليه، يستحيل أن نضيفها (٧) إلى الميت، فكل صفة نذكرها (٨) هي مساوية لهذه في اشتراط وجود الحياة لها. وأما دعواهم أن الأفلاك حية، فلا يقام عليه دليل أبدا، وهو غير مشاهد (٩)، وليس لهم إلا حركتها، وليس من شرط الحركة الحياة (١٠)، فإن الميت يتحرك، والخطب معهم طويل بتخليطهم لمن لا يعلم مفاصل (١١) الكلام (١٢) ومن يعلمها (١٣) يقطعهم في الحال. وقد اندرج الوجه الثامن في هذا الكلام (١٤). عاصمة: وأعظم الخطب، إنكارهم العلم أصلا، وهم لا يحتاجون إليه بزعمهم، فإن ما يصدر بالطبع لا بالوضع، لا يفتقر إلى قدرة، ولا إلى علم،

стр. 96

والقول في القدرة أقرب منه في العلم، لأن الآفة في (١) العجز معقولة مشاهدة، والعلم وإن كان أظهر، فهو خفي عن المشاهدة، ولكن إتقانه المتعلق به، يظهره قطعا، وهذه الصفات الأربعة (٢) ثابتة للصانع قطعا، وهي القدرة، والعلم، والإرادة، والحياة، ومنهم من يقر بالعلم، لكن يدعون أنه على وجوه، منهم من يقول: إنه حادث، ويفتقر إلى علم يحدث به، ولا موجود محدث أقوى احتياجا إلى العلم من العلم. ومنهم من يقول: إنه عالم بالجمل لا بالتفصيل، لأنه عندهم أحدث الأصول (٣) بعلم، ثم رتب عليه الحوادث المتعلق بعضها ببعض، الكائن بعضها عن بعض، فلا يخلقها ولا يعلمها. قال القاضي أبو بكر (٤) ﵁: وهذا من العجب ولولا أنه علمها على التفصيل، ما خلق لها من يعلمها على التفصيل، ويوجدها على الإحكام والتريب، فإذا أقروا بذلك، فقد (٥) أقروا بأنه يعلمها على التفصيل، وإنما العجب كل العجب من كلمات صدرت عن أبي المعالي (٦) [و ٣٧ ب] فادحة تحوم (٧)، أو تشف (٨) على أن علم الباري، لا يتعلق بالمعلومات على التفصيل (٩)، ونصها، قال: (إذا تعلق علم الباري بجواهر لا تتناهى فمعنى

стр. 97

تعلقه بها (١) استرساله عليها، من غير فرض تفصيل الآحاد (٢)، مع نفي النهاية فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى (٣) في الوجود، يحيل وقوع تقديرات (٤) غير متناهية في العلم، فإن قالوا: إن الباري تعالى عالم بما لا يتناهى (٥) على التفصيل سفهنا (٦) عقولهم) (٧).

стр. 98

وقد بسطنا القول على هذا الكلام في كتاب "التمحيص" (١) بما فيه بلاغ، فلينظر هنالك بمقدماته ولواحقه، والمقدار الذي يعرفك (٢) الآن بكنهه، ويعطيك فائدة ما سطرنا (٣) هنالك منه على الاختصار، إيراد بعض ما استطر هنالك (٤) من الفصول بلفظه الذي وقع الإملاء به. اعلموا وفقكم الله أن المعلومات من جهة الكون تنقسم إلى واجب وجائز ومستحيل (٥)، والواجب على قسمين: واجب مطلق، وهوالله وحده، وصفاته. وواجب من وجه، وهو ما خلقه الله تعالى من أصول العالم، كالجواهر والأجسام، والأعراض. فهذه مما يجب كونها على هذه الصفة (٦)، فلا يتصور خروج الجوهر عن كونه جوهرا، ولا العرض عن كونه عرضا، ولا خروج الجسم عن كونه جسما. ومن أصول هذه الأصول: أن الجوهر لا يخلو عن عرض، وأن العرض لا يصح وجوده دون ما يقوم به من جوهر، أو جسم. وهذا كله متفق عليه بين العقلاء، و (٧) معلوم عندهم قطعا قبل النظر، ومنه ما هو معلوم بنظر، ويتركب عليه وجود الأكوان، والألوان بالجواهر والأجسام، على البدل والانفراد، حسب نسبة كل واحد منها (٨) إلى الآخر، من ضد أو خلاف [و ٣٨ أ] ويتركب عليه بعد ذلك النظز في أحكام جميعه، بالنسبة إلى سبب (٩) نشأت عنه، أو (١٠) إلى كيفية هي عليه، أو (١١) إلى تركيب في وجود أو عدم، أو صفة فناء أو بقاء، أو إلى حال تركيب واستحالة، يكون بعده (١٢) نظر في انحصار الأعراض إلى ألوان (١٣)، وأكوان. وانحصار الأكوان إلى حركة، وسكون. وانحصار الألوان إلى أحمر، وأسود،

стр. 99

وما بينهما من والسطة، ترجع إليهما، أو تقف بينهما، وأعظم من ذلك القول في انحصار العالم إلى الموجودات على ترتيبها، وتدبيرها، ما بين وجود، وعدم، وبقاء، وفناء، وتكليف، وإعفاء، وتعجيل، وإمهال، ودنيا، وآخرة، وثواب وعقاب، في عموم ذلك. ومن هذا المتقدم أصل متفق عليه بين منزلي النفي والإثبات وهو (١) الوجود، والعدم، والحركة، والسكون فرعا عليه (٢)، ومنه متفق عليه بين أهل الملل، ومنه متفق عليه بين أهل السنة. ومن جملة المتفق عليه مما تقدم، أن الجوهر لا يخلو عن حركة، أو سكون. وعجبا لبعض علمائنا فإنه استدل عليه، ولئن احتاج إلى دليل، لم يثبت لنا شيء بعده. ومن المختلف فيه، القول في وجود لون خلاف ما شاهدناه، فمن قائل إن الألوان منحصرة، ومن قائل إنها غير منحصرة، ومن واقف. وفي حديث المعراج (حتى بلغت سدرة المنتهى فغشيتها (٣) ألوان لا أدري ما هي) وقد تكلمنا عليه في شرح الحديث. ومسألة الانحصار (٤)، هذه، مسألة مشكلة، فإن العلم الذي به أدرك (٥) المرء (٦) انقسام الموجودات إلى جواهر وأعراض، به أدرك أن موجودا ليس بجوهر ولا عرض (٧)، ولا نعلمه (٨)، وأن جهات المخلوق ستة لا سابع لها، وأن الكون من حركة وسكون لا ثالث لهما، وأن السواد والحمرة [و ٣٨ ب]، لا غاية وراءهما، وإن كان بينهما وسائط، وأن العلم لا تعلق له بالعدم المحض، وإنما يتعلق بمعدوم مقدر (٩). فإن قدرت (١٠) عالما آخر، وأمكننا فهمه، فقدر موجودا ليس بجوهر ولا عرض، وكونا ليس بحركة ولا سكون (١١)، ولونا ما (١٢) ليس بحمرة ولا سواد، وجهة سابعة (١٣) لمخلوق. فإن

стр. 100

وجب أن ينحصر ذلك في المعلوم، فلا تسأل عما وراءه بنفي أو إثبات، وقد بسطناه في موضعه. قال القاضي أبو بكر (١): قال ابن الجويني: (والدليل على أنها منحصرة، أنها لو كانت غير منحصرة لتعلق العلم منها (٢)، بآحاد لا (٣) تتناهى على التفصيل وذلك محال) (٤). قال القاضي أبو بكر (٥) ﵁: هذا كلام محذوف لأن قوله: (لو كانت غير منحصرة) مقدمة واحدة لا تنتج شيئا باتفاق من العقلاء، فلا يصح أن يرتب (٦) عليها قوله: (لتعلق العلم منها (٧) بآحاد لا تتناهى على التفصيل) حتى يقول: هي منحصرة ولا بد أن تكون معلومة، فإن الحكم على المجهول بحصره أو عدمه محال. وإذا كانت معلومة، فلا بد أن يتعلق بها العلم (٨) على التفصيل، والتفصيل هو الحصر (٩)، فآل نفي الحصر إلى إثباته، فبطل في نفسه، وهذا هو برهان الخلف. قال ابن الجويني: (فإن قالت الجهلة الباري عالم بما لا يتناهى (١٠) على التفصيل سفهنا عقولهم) (١٠). قال القاضي أبو بكر (١١) ﵁: يريد أن التفصيل كما قدمنا، يقتضي الحصر والنهاية، فكيف يضاف إليه، ما لا يقتضي النهاية والحصر، فإن كان للتفصيل عند أحد معنى غير الحصر والتناهي فليركب عليه ما يليق به، وقدمنا أن (١٢) لفظ الجملة والتفصيل ليس شرعيا. قال ابن الجويني: (إذا تعلق علم الله بجواهر

стр. 101

[و ٣٩ أ] لا تتناهى فمعنى تعلقه بها استرساله عليها في غير فرض تفصيل (١) الآحاد مع نفي النهاية، فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقديرات (٢) غير متناهية في العلم). قال القاضي أبو بكر (٣) ﵁ (٤): أما قول الجويني (٥) أيضا: (وإن قالوا: إن الباري عالم بما لا يتناهى على التفضيل سفهنا عقولهم)، فهو عبارة عن أنه كلام متناقض غير معقول (٦)، لما بينا من أن التفصيل عنده يقتضي الحصر، وما لا يتناهى ينفيه (٧)، فتناقضا، فالجمع (٨) بينهما في الأخبار سفه في العقل. وكذلك كل (٩) من جمع بين متناقضين، ولذلك سفهنا عقل أبي هاشم، وسلبناه دينه، في تصويره عن الجملة الجامعة بين (١٠) المتناقضين، قول القائل: محمد ومسيلمة صادقان أو كاذبان، فإنه لا يصح الإخبار عنه بكل واحد من الخبرين، لأنه جمع في الخبر عنه بين متناقضين، كما لو قلت: الإنسان والحجر حيوانان أو (١١) مواتان (١٢). وأما قوله: (إن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقديرات (١٣) غير متناهية في العلم) فإنه كلام ناقص أيضا، مفتقر إلى تتميم، وحينئذ يصلح للتعلم والتعليم (١٤)، لأن قوله: (ما يحيل دخول - ما لا يتناهى في الوجود) يعني به في زمن متناه وإلا فدورات (١٥) الأفلاك عند الفلاسفة لا نهاية لها، ونعيم الجنة عند الموحدين، لا نهاية له، وكل واحد منهما يوجد متماديا عند من يرى الأول، و (١٦) على الحقيقة في (١٧) الثاني. ولكن ذلك كله،

стр. 102

إنما يحال الموجود (١) فيه على أزمنته الآتية، فيكون لكل موجود زمانه. وقوله: (يحيل وقوع تقديرات (٢) غير متناهية في العلم) يعني بقوله: (وقوع): وجود، وقوله: (تقديرات) يريد تصوير موجودات (٣)، (غير متناهية)، يعني في زمان (٤) متناه، وذلك مما لا يتعلق به علم، لأنه لا يتصور له ثبات، وقوله: (تعلق علم بها على التفصيل مع نفي النهاية محال) [و ٣٩ ب]، لأنه يريد بالتفصيل، الحصر والانتهاء، (٥) ثم قال: و (٦) هذه الأجناس المختلفة التي فيها الكلام يستحيل (٧) استرسال العلم عليها لتباينها بالخواص، وهذا كلام مفهوم (٨). [(٩) وقوله: (تعلق بالعلم بها مع النهاية محال) مبني على أصله في أن التفصيل هو الحصر والانتهاء] (٩). قال القاضي أبو بكر (١٠) ﵁: فنتخل (١١) من هذا كله، أن هذه الألفاظ من الجملة والتفصيل والحصر، ألفاظ مولدة، ركبت عليها المبتدعة علومها، وخاض فيها علماؤنا معهم، ولكل واحد، فيها اصطلاح، تركيب معناه على ما (١٢) اصطلح عليه فيها، ويختلف الاثنان في الوجه المصطلح عليه فيتباريان ويتعارضان، ونحن إذا تكلمنا (١٣) على ذلك قلنا: دعونا من العبارات المحدثة الفاسدة، الباري تعالى، عالم بعلم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما كان وما يكون، ولا يقدر شيء إلا وهو عالم به، نعم

стр. 103

وقد كتبه، فهذا عقد (١) صحيح، مدلول عليه. فإن قلتم على التفصيل (٢) يعلم، أو على الجملة؟ قلنا: لا ندرك ما تريدون، فإن أردتم بقولكم: على التفصيل، أنه لا يخفى عليه شيء، فذلك صحيح، وإن أردتم بالجملة، أنه يعلم شيئا، ويخفى عليه آخر، فلا يصح، لأن الدليل قد قام على (٣) أنه لا يخفى عليه شيء، فإنما نتكلم (٤) معكم، في عموم علمه وخصوصه، والجملة والتفصيل عبارات باردة، لا نلتفت لكم إليها، ولا نبني عليها حكما، ولا نصف الباري بشيء منها، لا نفيا ولا (٥) إثباتا، وإنما نصفه بما وصف به نفسه، ودل الدليل عليه من سعة علمه، وتقدس ذاته وصفاته، وأنه لا يخفى عليه شيء، كان أو لم يكن، تقدم أو تأخر، فعلى هذا عولوا، ودعوا بنيات الطرق، والألفاظ المحدثة، وخذوا (٦) ذات اليمين، وهو ما كان عليه السلف المتقدمون من الصحابة والتابعين، وقد بينا ذلك كله، في كتب الأصول، وهذه إشارة إلى جملة نكته (٧)، عاصمة لكم في هذا الباب، قاصمة لظهورهم، وذلك أنا نقول: إن (٨) الفلاسفة على قسمين (٩): منهم من يقول: إن الباري لا يعلم إلا نفسه (١٠)، ومنهم من يقول: يعلم غيره (١١)، ويلزمهم أن يقولوا: إنه لا يعلم شيئا. وقد رأيت منهم من يقوله، فأما من يقول: إنه يعلم نفسه ولا يعلم غيره، فيقال لهم: قولكم: إنه لا يعلم غيره، ما تعنون به؟ أتريدون لاستحالة ذلك (١٢)، أو لأنه لم يتفق؟ فإن كان لا يعلم غيره، لاستحالة ذلك، فهو باطل قطعا، لأن من يعلم نفسه يعلم غيره، وإن كان لأنه لم يتفق ذلك، فالذي يوجبه (١٣) ذلك للعبد، عدم ارتباط كل واحد منهما بصاحبه، والموجودات كلها مرتبطة

стр. 104

بالأول، فكيف يعلم منها وأحدا غيره؟ هذا محال قطعا. وإن قالوا: إنه لا يعلم شيئا فذلك من أفسد دعوى، فإنها إذا كانت عنه أو بعضها، فكيف يكون عنه ومنه وبه، أو منه أو به أو عنه، وهو لا يعلم ذلك؟ وتصوره غير معقول. وإن قالوا: إنه يعلمها جملة، ولا يعلمها تفصيلا، قلنا: إن كان لا يعلمها تفصيلا، فلا يعلمها أيضا جملة، لأن كل جملة لها تفصيل، يكون عنها مرتبا، أو فيها محكما، أو بها مولدا، فكيف (١) كانت عنه كذلك، ولا يعلم بها؟ و (٢) كيف كان عنه ما لم يعلم به، على وجهه؟ هذا لا يتصور. فإن قيل: الإحاطة (٣) بها على التفصيل وهي لا تتناهى (٤) ولا يمكن تحصيلها، قلنا: [هذا الكلام بإطلاقه تلبيس، لأنه يقال لهم: قولكم: لا يمكن تحصيلها لمن] (٥)؟ آللذي كانت عنه أو لغيره؟ فإن قلتم لغيره قلت صدقتم، فإن الإنسان لا يدرك الأشياء كلها على التفصيل، لأنه (٦) ليس شيء منها عنه، وإنما يعلم منها ما علم، وكانت عنه، فمن ضرورة العالم، أن يعلم (٧) ما يكون عنه، ولا يستعظم علم ما لا يتناهى، كما لا يستعظم وجوده، وقدر الوجود مقرونا بالعلم، وقدره من غير تعلم، وبغير آفة تطرأ (٨) عليه، وبغير عدم يلحقه، أو يسبقه، ولم تجد له نظيرا، فلم يلف (٩) منك (١٠) نكيرا (١١). والإنسان على قصوره، يعلم ما كان، وما هو فيه، وما يكون باطراد العادة، كما (١٢) أخبر الصادق، أنها (١٣) لا تتغير وهو لم يجد (١٤) ذلك، ولا

стр. 105

كان عنه. فقدر في الخالق المكون، قل بواسطة أو بغير واسطة، علم ذلك كله على الكمال، والقوم في قصور من المعرفة عظيم، وتخليط كثير. وقد فاوضتهم في الأقطار والأمصار بنفسي (١)، و (٢) حضرت ذلك في مجالس الأيمة والجهابذة بالشام والعراق، فما أثبت الله لهم قدما، ولا رفع لهم قط علما. ولم يتكلموا على تقية إلا بغاية الحمية، وقوة الاعتقاد والنية، والله يعيذنا (٣) من حالهم، ويريهم وبال أمر مآلهم، بعزته (٤). قال القاضي أبو بكر (٥) ﵁: وقد تقدم من ذكرنا لقولهم في المفردات والبسائط إشارة، أنبهكم فيها، على نكتة، فأوضت فيها عظماءهم، فاضطررت أكثرهم في النظر إلى أن يقول (٦): إن البسيط المطلق لا يتحقق إلا في القول. وذلك أني قلت له: الاسطقصات (٧) التي كان ينبغي أن يسكتوا عنها ما هي؟ فذكرها، قلت له: الماء بسيط أو مركب؟ ففكر وقدر وعلم ما ألزمته (٨)، فقال: مركب، قلت له: من الرطوبة والبرودة، قال: نعم، قلت: فالرطب المطلق مجردا، والبارد المطلق مجردا لا ينضاف إليهما شيء، ما هو؟ وحينئذ يتحقق لك البسط، قال لي: ذلك يكون في العدم، قلت له الله أكبر! العدم ليست له ذات، تخبر عنها بما يعقل فيها، وكذلك لو وضعت يدك معه في الأفلاك فلكا فلكا، اضطرتهم الأدلة إلى أن يقولوا: إن أحاد جميعها بسط (٩) في العدم، فزحل إلههم الأعظم، بارد يابس، فقد كان كل واحد منهما بسيطا، فمن جمع فيه الضدين؟ ومن ركب (١٠) المتناقضين؟ في الله! وللعقول التي ذهبت في تضليل!. قال القاضي أبو بكر (١١) ﵁: وأما النظر معهم في الأيالة

стр. 106

العائدة لمصلحة (١) العالم الخاص، من البدن، والعالم العام، الخلق، فهو قانون علقوه من الشرائع السالفة (٢) مبدلا، [و ٤٠ أ] ورتبوه مشحونا سخافة وخللا، إذا قرأت لهم منه مسطورا، رأيته متهافتا منكورا، أخبرني الفقيه الطرطوشي (٣)، أخبرني الباجي (٤) أنه كان يوما في باجة (٥) أحمد بن هود (٦) ينتظر إذنه فجالسه ابنه الملقب بالمؤتمن (٧)، وكان يتفلسف وجاذبه ذيل الحديث، فقال له: هل قرأت أدب النفس لأفلاطون؟ قال له الباجي: إنما قرأت أدب النفس لمحمد بن عبد الله ﷺ . قال القاضي أبو بكر (٨) ﵁ (٩): الذي رأيت لأفلاطون زجر (١٠) النفس، وعني الباجي بقوله: أدب النفس لمحمد، ما تضمنت الشريعة من قرآن وسنة، في هداية السنن، وإيضاح السنن، والقوم كما ذكرنا لكم، إنما رتبوها مسارقة (١١) لقوانين الشرائع، مركبة على الشهوات

стр. 107

واللذات، مقرونة بمكارم حسبما تقتضيه الأهواء (١) وتميل إليه النفوس، من غير نظر في العواقب الصحيحة المفيدة، ولو كان على ما زعموا، لكان الخلق عبثا، ولما (٢) كانت الخلقة حكمة، بما رتب عليها في الحشر من العاقبة. قاصمة: وتبعته (٣) طائفة كادت الدين، وبهرجت على المسلمين، وأرادت التلفيق بين الفلسفة والملة، وحاولت الجمع بين الشرع المنقول، وقضيات العقول القاصرة، عن غاية الدليل بذواتها، وجزمت القول بأنه لم يأت رسول (٤) إلا بها، ولا دار إلا حولها، ورتب نظامه في سلكها، ودار كلامه وعلمه عليها، وجعلت تتبع ذلك فصلا فصلا، حتى عقدت أبوابا في شرح هذه المقاصد، ومن أعظم من انتدب لذلك (٥) القضاة الأربعة الذين لقبوا أنفسهم إخوان الصفاء فجمعوا الخمسين رسالة، في كل علم رسالة، ولم يبقوا من رسوم (٦) الإسلام أصلا إلا عقدوا فيه فصلا، وكانوا في علومهم مقدمن، وعلى [و ٤٠ ب]، الفصاحة مقتدرين، وبدرك المدرك عارفين، وبالدولة معتضدين، ومن تمكن من تصريف لسانه وبنانه، لا ينبغي أن يستغرب ما جاء من بيانه، فكم قائل من الحكماء: في فمي ماء وهل ينـ... طق من في فيه ماء (٧) وإنما يقصر بالقلوب الأصمعية (٨)، والألسنة اللوذعية، والنفوس الأحوذية، ما وراءها (٩) من انتقاد الحساد، وتشنيع الأعادي (١٠)، فترى العالم صامتا وما به عي، متماوتا وإنه لحي، ولما تمكنت هذه الطائفة كما قلنا، لم يبق فن (١١) من الحكم النبوية، والأغراض الفلسفية والأدلة الجلية والخفية،

стр. 108

والإشارات بعبارات غلاة الصوفية، إلا وقد رصدت عليه (١) أبنية (٢)، ودست فيه (٣) بلايا، دع (٤) بلية فإذا قرأها (٥) من ليس من أهلها هلك فيها، وإذا قرأها عالم جردها عن فاسدها، وأقامها من مائدها، وعدلها عن حائدها، وردها إلى مالكها، وواجدها. عاصمة: قال القاضي أبو بكم (٦) ﵁: إن الله تعالى وله الحمد، أنزل كتابه على نبيه نورا محكما، هدى تبيانا، لم يكن رموزا ولا كناية عما لا يتوصل به (٧) إليه سامعه، ولا يعلمه مخاطبه، وأقام عشرة أعوام، أو ثلاثة عشر عاما (٨)، أو خمسة عشر عاما، يجادل بالحجة جميع الكفرة، بألف (٩) من آي القرآن حسبما بيناه في "أنوار الفجر" فما بقي نوع من الأدلة، ولا وجه من وجوه الحجج، إلا وجاء بها على أوضح منهج، وتناولت كل حجة طائفة من الملحدة، وأصحاب الطبائع والصابئة بقدرها، واليهود والنصارى، والزائغين بقسطها، على نحو ما قالت كل طائفة من الشرك، ولو شاء ربنا لكفهم عن هذه المقالات، وإذ أطلقها على ألسنتهم، فقد نص كيف تنقض أقوالهم، حسبما تقرر من الأدلة، ومن كيفية استعمال، في كتابه، وعلى لسان رسوله، وذلك [و ٤١ أ] كله بسابقة من المشيئة، ووجوه من الحكمة، ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ [هود: ١١٩] فأبان أنه خلقهم للاختلاف، وليرحم من شاء منهم فيخلصه عن شائبة الخلاف، وما استأثر الله برسوله ﷺ ، إلا والدليل قد اتسق، والدين بالعلم قد استوسق، والحرس مبثوث (١٠) على جوانب الملة، لا يستطيع أحد خرقها (١١)، لا في السماء بسلم، ولا في الأرض بنفق، وإن

стр. 109

اشتجر (١) الخلق اشتجار (٢) أطباق الرأس، عقائد وأعمالا، وتفرقوا تعصبا واختلالا، فمدت البدع أعناقها، وأطلقت المبطلة (٣) ألسنتها، فإذا (٤) كانت الأمة على حاميتها، والولاية على حمايتها، خلع العذار الخلق في العاصي، وأخذوا في طرف من البدعة. فلما جاء الوعد الصدق بأن الدين بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، ولج في الدين لصوص، من غير بابه، وتعلقوا (٥) بإهابه، ومشوا له الضراء، وأسروا حسوا في ارتغاء (٦)، وخاطبك كل واحد منهم بلسان القرابة، وهو من البعداء، وعاملك بالخلة وهو من الأعداء، وأتاك بالداء في صفة الدواء، ولم يخل الله قط أمته، ولا ضيع شريعته، عن ذاب (٧) عن حرمها، وحامل على مستقيمها، كما أخبرنا أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين (٨)، بالمعلق من مدينة السلام، تجاه دار الخلافة ثنا (٩) أبو بكر أحمد بن علي الحافظ (١٠) ثنا (١١) أبو بكر أحمد بن عمر الدلال (١٢) ثنا (١٣) جعفر بن محمد بن نصير الخلدي (١٤)، نا (١٥) خلف بن عمرو العسكري (١٦) حدثنا سعيد بن منصور (١٧)، نا عبد الرحمن بن

стр. 110

زياد (١)، نا شعبة (٢) عن معاوية بن قرة (٣) عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يزال (٤) ناس من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم، الساعة" (٥) قال القاضي أبو بكر (٦) ﵁ (٧): وبعد هذا فليس يخفى على ذي لب، أن العقل والشرع صنوان. منزلة الشرع من العقل (٨): وقد قال بعضهم: إن العقل مزكي الشرع، ولا يصح أن يأتي الشاهد، بتجريح المزكي، ولا بتكذيبه، فإن ذلك إبطال له. وتحقيقه (٩) أن المعقول (١٠) على ثلاثة أقسام: واجب، وجائز، ومستحيل. فأما الواجب والمستحيل فلا يتعرض الشرع إلى بيان حقيقتهما، وأما قسم الجواز فإن الشرع هو الذي يتصرف فيه بأن يعين أحدهما، لأنه هو (١١) الذي أوعز به، عالم الغيب والشهادة، أما أنه يذكر الواجب، والمستحيل في معرض الأدلة، إذا كانا نظريين، ويذكرهما إذا كانا ضروريين، تمهيدا (١٢) لتوطيد القسمين النظريين عليهما، وإذا لم يتناقضا، و (١٣) لم (١٤) يتنافيا فعلى أي وجه يجمع بينهما؟ أما أنه جاءت ظواهر ضعفت بعض قدر الخلق عنها، فوجد السبيل من كان له حرص على الزيغ عن الشريعة بها. عاصمة (١٥): وقد نزل القرآن بها، وتكلم رسول الله ﷺ عليها، وأبلغ رسالة ربه
следующие страницы →