← Акыда

Акыда · id 96180

العواصم من القواصم ت الطالبي

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (383 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كراميا، خلا ما وراء النهر، ببلخ (١)، فإنهم إلى منقطع (٢) المعمور سنية (٣)، على أوفى طريقة في الحق، وقمت عنه، وتركته، وكان فحلا من فحول الفقه، سمعت كلامه في جامع المنصور مع الشاشي في مسألة القضاء على الغائب، فرأيت رجلا قد أحكم الأدلة في مسائل الأحكام، وحكمها على الطريقة العراقية. عاصمة: قال القاضي أبو بكر (٤) ﵁: وقبل وبعد، فينبغي (٥) أن تعلموا أن هذه الطائفة (٦) في حفظ ظاهر هذه الأخبار، لا يقال: إنها بنت قصرا، أو (٧) هدمت مصرا، بل هدمت الكعبة، واستوطنت البيعة، وحذار (٨) أن تنشؤوا معهم دليلا، ولا تستأنفوا معهم من الكلام نقيرا ولا فتيلا (٩)، فليسوا لذلك (١٠) أهلا، ولا ينجع فيهم أن ينشر ذلك معهم، إلا أن تدخل إليهم من بابهم، وهو أيسر طريق إليهم في الكشف لضلالهم ولا تلتزم معهم مذهبا إلا أن تبطل رأيهم، ولا يظهر لك اعتقاد إلا رد الكلام إلى القرآن والسنة، وما أجمعت عليه هذه الأمة، وهو قد خالفوا الكل، فالمهم إفساد مقالتهم، وبيان ضلالتهم، فيقال لهم: ما لكم أصحاب إلا اليهود، فإنها ألفت (١١) في التوارة: حين خلق الله السموات والأرض، ذكر فيه أنه خلقها في ستة أيام، واستراح يوم السبت، فكذبهم الله في قوله فقال: ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] فأخذوا لفظ الراحة بظاهره، وهو إعفاء النفس من كد التعب، بعد تسخيرها فيه، واعتقدته بحاله فكفرهم الله، وكذبهم.

стр. 212

ثم نعطف عنان القول فنقول: قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ وأنتم قد قلتم: إنه أكبر من العرش مقدارا، كيف يشتمل (١) عليه ظل الغمام؟ وكيف يأتي الحق مع الخلق يوم الفصل أو يأتي البنيان وهو أكبر من العرش، والعرش أكبر من السموات والأرض؟ وقوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ يقال لهم: قال الله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ ما العرش؟ وما معنى استوى؟ وينبغي أن تعلموا كلكم أنتم وهم قبل وبعد أن بناء "ظ هـ ر" مفيد في العربية لكل شيء خرج عن حد الخفاء والجهل إلا العلم، كان من المحسوس يخفى على البصر والسمع وسائر الحواس، أو من المعاني يخفى (٢) على العقل. فاحذروا من يأخذ الظاهر فيجعله في حد الباطن بتأويله له، أو يحكم بظاهر على معنى هو خفي، فلما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كان معناها هنا في المطلوب ثلاثة (٣) معان: معنى الرحمن، ومعنى استوى، ومعنى العرش، فأما الرحمن فمعلوم لا خلاف فيه ولا كلام. وأما العرش فهو في العربية لمعان فأيها تريدون، وكذا استوى عليه، يحتمل (٤) خمسة عشر معنى في اللغة، فأيها تريدون؟ أو أيها تدعون ظاهرا منها؟ ولم قلتم: إن العرش ها هنا المراد به مخلوق مخصوص؟ فادعيتموه على العربية والشريعة، ولم قلتم: إن معنى استوى، قعد أو جلس؟ فتحكمون باتصاله به، ثم تقولون إنه أكبر منه من غير ظاهر، ولم يكن عظيما بقدر (٥) جسمي حتى تقولوا: إنه أكثر (٦) أجزاء منه. ثم تحكمكم (٧) بأنه أكبر منه بأربع أصابع، تحكم لا معنى له. وكنت أقضي عجبا من هذه النازلة حتى وردت من المشرق سنة خمس وتسعين (٨) فرأيت غريبة مغربية دفعها (٩) إلي عبد الله (١٠) بن منصور القاضي، فيها كلام لبعض منتحلي صناعة الكلام

стр. 213

بالمغرب يقول فيها: إن الباري في جهة، وأنه فوق العرش، وإن العرش هو الذي يليه من مخلوقاته، فرأيت قوما، قد استولت عليهم الغفلة، وغلبهم الجهل، حتى قالوا: إن الباري يحاذي المخلوقات، والذي أوقعهم في ذلك، أنهم رأوا أحاديث ليست بصحيحة أن النبي ﷺ عدد السموات فذكرها حتى انتهى إلى السماء السابعة، قال فيه (١): "والعرش فوق ذلك، والله فوق ذلك" (٢). وسمعوا القدرية يقولون: إن الله في كل مكان، وتكاثرت في ذلك الأقوال من المؤالف والمخالف، فأنكروا ذلك عليهم، وقالوا: إن أطلق لفظ في هذا المعنى فالذي ينطلق أنه على العرش وسامحوا (٣) في "فوق" لأنه بمعنى علا وجل، ورددوها (٤) في الحديث المذكور آنفا، ثم جاءت طائفة ركبت عليه، فقالت: إنه فوق العرش بذاته وعليها شيخ الغرب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد (٥) فقالها للمعلمين فسدكت بقلوب الأطفال والكبار (٦)، ثم جاء هذا الثاني (٧) فقال: وأنا ماذا أزيد مما يظهر منزلتي بأن أقول: وهو الذي يليه من مخلوقاته يعني ليس بينه وبينه موجود، وهو يحاذيه، وجعل يفيض في المحاذاة والجهة، وما يفيض بكلمة صحيحة، ولم يتفق بعد أن أنكر (٨) على أهل بغداد، وبين أضلاعي هذا الداء فنفيت (٩) عنهم المسألة، وأوردتها، وأصدرت، وأمليت وجمعت. ولبابه: إن الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه شرعا وعقلا، وإن كان في ذلك تفصيل حققناه في موضعه، ونحن نعلم قطعا أنه كان موجودا قبل إيجاده العالم كله، على اختلاف أصنافه، ثم خلقه مثنى وفرادى، فلم تتغير له صفة، ولا حدثت له إضافة، محدثة (١٠)، أو صفة

стр. 214

صفحة ٢١٦ ناقصة. صفحة ٢١٧ مكررة

стр. 215

قالوا: إنه أكبر من العرش بمقدار يسير، فكيف ينزل إلى السماء وهو أكبر من جميعها؟ أي حتى (١) بحمله تعالى على الوجهين، ولم يفهموا أن النبي إنما خاطب بذلك العرب والفصحاء اللسن، وقد ثبت فيها أن التنزيل (٢) على الوجهين نزول حركة، ونزول إحسان وبركة، فإن من أعطاك قد نزل إليك (٣) إلى درجة النيل المحبوبة عندك عن درجة (٤) المنع المكروهة، كما أنه نزل من وده (٥) لك (٦) عن حال البغضاء والإعراض عنك، وهو نزل حقيقة في بابه، كما أن نزول المرء على الجبل إلى السفح حقيقة في بابه ألا ترى إلى قول عنترة: ولقد نزلت فلا تظني غيره...مني بمنزلة المحب الأكرم (٧) وقال عمر ﵁ في الإسلام: (وما ينزل بعبد مسلم من منزل شدة) وهو معنوي، لا حركة فيه ولا انتقال، وفائدته أن الكريم إذا حل بموضع، ونزل بأرض، ظهرت فيها أفعاله، وانتشرت بركته وبدت آثاره (٨)، فما بث الله من رحمته من السماء (٩) الدنيا على الخلق في تلك الساعة عبر عنه بالنزول فيه، عربية صحيحة (١٠). وأما قولهم: إنه يتكلم بحرف وصوت فهو معنى أصلته القدرية لقولها بخلق القرآن، وإن الله خلق في الشجرة كلاما فهمه موسى كما يفهم كلام الإنسان، فجرى أولئك على فصل من البدعة فاسد الأصل، معلوم المعنى. فلما جاءت هذه الطائفة، ووجدت (١١) القول بخلق القرآن كفرا، أقروا الحرف والصوت، وأنكروا الخلق، وقضوا بقدم الحرف والصوت، فجاءوا بما

стр. 216

لا يعقل، ولا هو في حد النظر والمجادلة، ولهم ظواهر لا أصل لها في الصحة، ليس فيها ما يعول عليه، ولا ثبتت صفة به (١) أمثله: حديث عبد الله بن أنيس (٢): (يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد فيناديهم بصوت) ذكره البخاري في التراجم مقطوعا. ومعناه أن مناديه ذو صوت، ليس هو الذي له الصوت صفة. وقد يضاف إلى الباري (٣) ملكه كما تضاف (٤) إليه صفته، فما جاز عليه حمل الأخبار عنه، على الصفة، وما كان غير جائز، حمل الأخبار عنه به على الملك، وإلا ففي الخبر: (ينادي بصوت) وليس فيه يتكلم بصوت. فلم تركتم الظاهر، وجعلتم الكلام والصوت واحدا، وهما قد وردا في موطنين؟ وبين الكلام والنداء ما بين السماء والأرض. وقد قال في حديث القيامة بعينه: (فيأتيهم في صورة ثم يأتيهم في صورة (٥) أخرى) أفيحمل (٦) ذلك على أن الله يتبدل وينتقل ويتحول؟ تعالى الله عن ذلك، فكما أن ذكر الصورة محمول على المعنى، كذلك النداء بصوت محمول على المعنى. فإن قالوا بالصورة والصوت والتعبير بالحوادث، لم يكونوا من أهل القبلة، وحكم بخروجهم أصلا وفرعا من (٧) الملة، ولم يفهم هذه الحقيقة أحد، فهم البخاري (٨) ﵀ فإنه قال: باب قول الله تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [طه: ١٠٩] الآية. ويذكر عن جابر بن عبد الله (٩) عن عبد الله بن أنيس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا

стр. 217

الملك أنا الديان" ثم قال عن أبي سعيد (١) الخدري بالسند الصحيح قال قال النبي ﷺ يقول الله : "يا آدم يقول: لبيك وسعديك فينادي بصوت، أن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلا النار" فبين سبحانه أن المنادي عنه غيره لقوله: "إن الله يأمرك" والحمد لله. وأما أحمد بن حنبل فإنما أبى أن يقول: إن القرآن مخلوق، وحمله الظالم على أن يناظره، وقال له: القرآن شيء أو غير شيء فإن قلت: إنه غير شيء فقد (٢) كفرت، وإن قلت: إنه شيء فقد قال الله أنه (٣): ﴿خالق كل شيء﴾ [الأنعام: ١٠٢] فهل يدخل القرآن فيه أم لا؟ فأبى أن يناظره حتى لا ينزل الحق والباطل (٤) في منزلة سواء، ولو جاء القائل أن القرآن مخلوق إلى أحمد بن حنبل مجيء المسترشد لأرشده وأجابه. ولما نزل منزلة القدرة (٥)، وعضده السلطان، سكت عنه لئلا يقع منه ما يفتتن به الملك والناس، ورأى فداء الدين بنفسه فكانت منزلة سنية لم تكن لأحد في الإسلام. وقد ورد في الصحيح حديث صحيح: (إذا قضى الله في السماء أمرا سمعت الملائكة كهيئة السلسلة على الصفوان فيخرون سجدا، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، فيقولون: الحق الحق) فتعلق به بعض هؤلاء المبتدعة، وقالوا (٦): هذا نص في أن كلام الله صوت، وقد بيناه في شرح الحديث وغيره. وتحقيق القول فيه أن الله تعالى أوحى إلى رسوله إذا قضى الله، ولم يقل تكلم الله، ولا إذا قال الله. والقضاء في اللغة والشرع يرد على معان كثيرة، وقد يحتمل أن يكون المعنى إذا قال الله بواسطة، ففهم عنه تكلم إليهم، فيغشون لثقل قوله على الملائكة كما قال (٧): يغلب النبي ثقل القول فيغشى عليه. كأنه الجرس، وهو نحو من السلسلة على الصفا، وبعض الملائكة أقوى من بعض كما أن بعض الآدميين أقوى من بعض، فقوة جبريل

стр. 218

في الملائكة على القبول من الله يناسب قوة محمد ﷺ في الآدميين على قبول القول من جبريل، ولو كان كلام الله صوتا، لما كان صوت جبريل لمحمد ﷺ كالجرس، وكلام الله لجبريل كالسلسلة لا يصح بهذا التقدير، نعم، ولا كالرعد، ولا أعظم منه. وأما كونه له يد ويمين فإنه له (١)، ثابت قطعا، إذ هو نص القرآن وكذلك ذو عين، فإنه ثابت قطعا، ولما جاء في القرآن كلاهما قال علماؤنا المتقدمون: أن اليدين صفة ثابتة في القرآن ليس لها كيفية، وحملها المتأخرون من أصحابنا على القدرة. والذي قال في آدم: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥] قال: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ [الملك: ١] وقال: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] وقال: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧] وفي الحديث الصحيح: "وكلتا يديه يمين" (٢) والذي خلق به آدم ويطوي به السموات هو الذي به الملك، وهو يقبض به الأرض. في البخاري: يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه. وذكر الحديث وذلك كله عبارة عن القدرة، وضرب الله اليد (٣) مثلا إذ هي آلة التصرف عندنا، والمحاولة، فإنهما المراد هنا (٤)، وأوضح (٥) العلم لنا منا، وذلك تصديق قوله: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ [الذاريات: ٢١] وأما بعض أصحابنا فقد قال: إن معنى قوله: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ أي (٦) بقسمه أن يفني الخلق، فقول ضعيف، وإنما هي كناية عن القدرة كما بينا. وهبك وجد (٧) للقسم ها هنا محتملا، فماذا يصنع (٨) بذكر اليمين في الحديث الصحيح. وأما ذكر الكف فلم يرد في القرآن، ولكنه ورد في الحديث الصحيح، ولعلمائنا نكتة بديعة، وذلك أنه ما جاء في القرآن من أحوال الصفات الثابتة نقلا قطعا، قالوا: إنها صفات لا تتأول، وما جاء في أخبار الآحاد أولوها،

стр. 219

ولم يوجبوا لله منها (١) صفة. وقوله: "إن الصدقة تقع في كف الرحمن" (٢) كلام صحيح يشهد له القرآن والسنة، فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فعبر عن نفسه الكريمة بالمستقرض، فمن دفع إليه شيئا فقد وقع ما دفع في كف المستقرض كما أنه قال: (فلم تعدني) (٣) أفيكون (٤) المرض صفة؟ ولا شك (٥) في أنه لا يكون، كذلك الكف. وأما الساعد فليس في حديث صحيح، وكذلك ذكر الذراع، فلم يصح في الحديث أن النبي ﷺ قال: "أكثر من غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وأن ضرسه مثل أحد، وأن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة" وهو صحيح. وقال: "ولو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى الجمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا، الليل والنهار قبل أن يبلغ قعرها أو أصلها". فأما ذكرها مضافا إلى الجبار فباطل، وأراد بساعد الله إن صح الذي ينتقم الله به، كما أن سيف الله الذي ينتقم به من الكفار (٦) ويستوفي به القبض، وأراد بالذراع مملوكة كبيرة المساحة فأمر أن يذرع بها ما عنده من المساحة، فإنه كما قال: ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ [الحج: ٤٧] و ﴿كخمسين ألف سنة﴾ (٧) [المعارج: ٤] فالأزمنة (٨) تكون عنده في طول المساحة ما يشبه به (٩) فيأمره (١٠) بمقادر يناسبه. وأما ذكر الأصابع فصحيح، ولكن لم ترد مضافة إليه، وإنما ورد: "أنه

стр. 220

يضع السموات على أصبع والأرضين (١) على أصبع ثم يهزهن" (٢) الحديث، ولا ينكر أن يكون لله أصابع، ولكن ليست صفات له، ولا متصلة له (٣)، ولا يقتضي الظاهر ذلك، فلا نرده (٤) باطنا فيضيفوه (٥) إلى الله، وقولوها مطلقة كما جاءت تكونوا آخذين بالظاهر. والمعنى فيه أن الجامع (٦) للمخاطب الأصابع، فضرب له المثل به. فاحفظوا (٧) نكتة بديعة وهي أن الشرع جاء باليدين واليد والكف والأصابع، وقل بالساعد (٨) والذراع مفردات فلا تصلوها، وتجعلوها عضوا، وتضيفوها وتركبوها (٩) بعضها إلى بعض فإنكم تخرجون من الظاهر إلى باطن التشبيه والتمثيل الذي نفاه عن نفسه، فما فرق لا يجمع، وما جمع من صفاته العليا (١٠) لا يفرق. وأما ذكر القدم والرجل فصحيح، وردا مضافين إلى الله (١١)، وأما الساق فلم يرد مضافا إليه، لا في حديث صحيح ولا سقيم، وإنما قال الله: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ [القلم: ٤٢] ما الساق؟ وأي ساق؟ ولمن (١٢) من ذوي (١٣) السوق؟ وأما الوطء بالقدم فلم يرد في حديث صحيح، أما أنه ورد في الحديث الضعيف (١٤) و (آخر (١٥) وطأة وطئها الله تعالى بوج (١٦) يعني الطائف (١٧)،

стр. 221

إشاره إلى أنها آخر غزوة انتقم فيها من الكفار، وذلك مشهور في لسان المخاطبين بالقرآن، قال الشاعر: وطئنا (١) وطيا على حنق...وطي (٢) المقيد ثابت الهرم ولا يبعد أن يكشف عن ساق من يقول: إنه ذو ساق، ومن الذي يمنعهم أن يقولوا: إنه هذا الساق؟ قال الشاعر (٣): عجبت من نفس ومن إشفاقها... (٤) ومن طرادي (٥) الطير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها وأما حديث المخاصرة (٦) فضعيف، وهو في اللغة مأخوذ من خصر (٧) وقد تكون (٨) الجارحة، وقد تكون (٩) من المخصرة وهي العصا، المعنى، يعطيه ما يعتمد عليه، أ (١٠) ويدنيه منه بالمنى (١١) والأمان، حتى يكون بمنزلة من خاصر الملك. ثم يقال لهم: قوله: "يضع السموات على أصبع، وتقلب (١٢) القلوب بأصابع الرحمن" من أين لكم أن أصابع الوضع المطلقة هي أصابع التقليب المضافة إليه؟ ثم إنه قال: ﴿ولتصنع على عيني﴾ [طه: ٣٩] وقال: ﴿تجري بأعيننا﴾ [القمر: ١٤] من قال لكم: إنها عينان؟ وقال: ﴿بيدي﴾ [ص: ٧٥] و ﴿يدي﴾ [الحجرات: ١] من قال لكم: إنها أيدي؟ فإن قيك قوله: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ [الذاريات: ٤٧] قلنا (١٣): اتفقت الأمة على أنها لا ياء فيها (١٤)، فلا سبيل إلى (١٥) أن يكون (١٦) جمع يد، ثم يقال لكم: لم لا (١٧) تصلون بين القدم والرجل والساق والخاصرة والجنب؟. والجنب عبارة عن

стр. 222

جهة القصد، لأنه قال: ﴿فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٦] ولا يكون ذلك أبدا إلا من جهة (١) طاعة، ولا تفريط في الجارحة (٢) منا (٣)، ولا في الصفة منه سبحانه - ثم تصلون (٤) الأصبع بالكف، والذراع والساعد، وتجمعون (٥) صورة فرقها العقل والشرع؟ إن هذا لهو الكفر العظيم، والخسران المبين. ثم (٦) الوطء هو وضع القدم بنقل (٧)، وليس الباري ذا أجزاء تنتقل (٨)، فإن قيل ففي الحديث: "إن العرش ليئط به أطيط الرحل براكبه" قلنا: هذه باء السبب، والمخلوقات كلها تئط به أي من أجله، فإن قيل: أجمعت الأمة على أن أصابع الوضع هي أصابع تقليب القلب، قلنا: أجمعت الأمة على أنها ليست هي. فإن قيل عمن؟ قيل له: وقل أنت عمن؟ وتحقيق المسألة أن أحدا لم يقل قط أن الأصابع والكف صفة، و (٩) إنما اختلفوا فيما جاء به (١٠) القرآن. فأما ما جاء من طريق الآحاد، فلا يثبت العلماء بها (١١) صفة، وإنما اقتحم ذلك هذه (١٢) الطائفة العوجاء (١٣) وأما الضحك والفرح فحديث صحيح، ولكن أجمعت الأمة على أنها ليست بصفات، وإنما الضحك عبارة عما يكون من فضله، ويفيض من عطائه، كما يقال: ضحكت الأرض إذا أبرزت زينتها. قال (١٤) أبو نصير: يضاحك الشمس منها كوكب شرق...موزر بعميم النبت مكتهل وقال آخر: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا...علقت لضحكته (١٥) رقاب المال والفرح عبارة عما يظهر عنده من الجود والسخاء والبشر والقبول وإلا

стр. 223

فيقال (١) لهم: علام (٢) تقولون. إنه يفرح ويمشي ويهرول، ويأتي وينزل؟ فهل يجوع ويعطش ويمرض ويحتاج ويعرى؟ فإن قالوا: لا، قلنا: فقد قال: "عبدي مرضت فلم تعدني، جعت فلم تطعمني، عطشت فلم تسقني" وفي رواية: "استكسيتك فلم تكسني" (٣) فيقول: فكيف (٤) يكون ذلك وأنت رب العالمين؟ يقول: كان ذلك بعبدي فلان، ولو فعلت به ذلك لوجدتني عنده، في حديث طويل، هذا معناه. فإن قالوا: لا نقول بهذه لأنها آفات، وهذه صفات. قلنا لهم بل هي جوارح، وأدوات وهي كلها نقص وآفات، فإن هذه الجوارح (٥) كلها إنما وضعت للعبد جبلة لنقصه يتوصل، ويتوسل بها إلى قصده، ومن له الحول والقوة؟. وإنما هو إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون بلا (٦) آلة له (٧) ولا جارحة، فكما أضاف هذه الألفاظ الجوارحية (٨) عندنا إلى نفسه، كذلك [و ١٣٢ أ] أضاف البيت والدار إليه، فهل بيته الذي هو الكعبة على قدره أو أكبر منه؟ وهل يدخله أم لا؟ وداره هل يسكنها أو يدخلها؟ وأنتم معشر الغافلين أو قل الجاهلين وإن صرمتم فأصب (٩) بالضالين الكافرين مقتل الخطاب الصحيح فيهم: الأرض كلها لله، والمساجد لله، والكعبة بيت الله، والجنة دار الله، وإذا أراد الله أن يشرف بيتا أو دارا، أو آدم أو عيسى قال: إنه منه، وله، وبيده كان، وإلى جنبه يقعده، وعلى عرشه ينزله معه، وكل ملك له، ويده (١٠) ورجله وقدمه، وذراعه وساعده، ولا سيما إذا تصرف في طاعته، ألا ترى إلى (١١) قوله في الحديث الذي رويتم: "فساعد الله أشد، وموساه أحد" فجعل له ساعدا وموسى، والإضافة واحدة والكل صحيح المعنى حق.

стр. 224

وأما قوله ﷺ (١): "إن الله خلق آدم على صورته" فقد تكلمنا على الحديث في مواضع، وأملينا فيه ما شاء الله أن يملى (٢)، ولم يتفق لأحد فيه (٣) من الجمع ما اتفق لنا، ولبابه أن أصل القول، معناه ثلاثة أوجه الأول: أن يكون المراد به صورة الرحمن. الثاني: أن المراد صورة آدم نفسه. الثالث: أن المراد صفة (٤) صورة العبد الملطوم (٥) الذي جاء الحديث على سببه، حين لطم وجهه فقال: "اجتنبوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" فرجع (٦) الثلاثة الأقوال إلى اثنين وهما أن يعود الضمير إلى آدم أصلا أو تبعا، أو يعود إلى الله (٧)، فإن قلنا: إنه يعود إلى آدم كان معناه: أكرمه فإن أباك على صورته، وكان ذلك أوعظ له من أن يقول له (٨): فإنك على صورته، لأن المرء يمكن (٩) أن يمتهن من نفسه ما لا (١٠) يمتهن من أبيه، فإن الموجود إذا أشبه من له حرمة عندك راعيت شبهة جبلة (١١) وشريعة (١٢) ومروءة (١٣)، [و ١٣٢ ب] ألا ترى إلى قول القائل (١٤): أحب لحببا السودان حتى...أحب لحبها سود الكلاب وقال الآخر (١٥): أشبهت أعدائي فصرت أحبهم...إذ صار (١٦) حظي منك (١٧) حظي منهم وإن قلنا يعاد الضمير (١٨) إلى الله كان معناه تشريف العضو بأن فيه طرق العلم كلها، البصر والسمع والشم والذوق واللمس، وفيه شروط (١٩)

стр. 225

قيام العقل بالقلب، أو هو محل العقل، على اختلاف غير ضار (١) في الدين، ولا يصح أن يكون آدم، ولا أحد على صورة الرحمن بإجماع، وإذا بطل الظاهر، فلا معنى لاعتقاد الحال الذي يبطله العقل في الباطن، فإن العقل يزكي الشرع (٢)، والشاهد بعدالته (٣)، ومن الحال أن يأتي الشاهد بجرحه المزكي وتكذيبه، فإن ذلك عائد بإبطال قوله. وقد بينا ما كان يقوله أبو يعلى بن الفراء الحنبلي: أنه يلتزم في صفة الباري كل شيء إلا اللحية والفرج، فانظروا نبهكم (٤) الله إلى هذا المفتري (٥) على الشريعة في جنب الله تعالى، ويقال له: فأين (٦) التزام الظاهر؟ وأين صفات المعاني من العلم والقدرة (٧) والكلام والإرادة، والحياة (٨) والسمع والبصر؟ وإذا ثبتت (٩) الجوارح الظاهرة (١٠) فأين الباطنة من القلب ونحوه؟ فإن (١١) قال: هذه صفات نقص. يقال له: تكون صفات كمال بأن تذهب (١٢) عنه الآلام واللذات، والقاذورات، كما ذكر تعالى عن صفات أهل الجنة، وكما فعلتم في الجوارح الظاهرة، وإذا بلغتم إلى (١٣) هذا المقام فاحمدوا الله على ما وهبكم من العصمة عن هذه البدعة (١٤) بل الكفر الصراح (١٥). ومن استطاع على التأويل، وفهم المعنى فبها ونعمت، ومن قصر نظره التزم الإيمان، ونفى التشبيه، واعتقد تقديس الرب (١٦) عن الآفات والنظير، ولا (١٧) تصفوه إلا بما صح، ولا تنسبوا إليه إلا ما ثبت، فأنتم (١٨) تعلمون أنه لا يقبل على أحد [و ١٣٣ أ]، من الخلق إلا العدل، فكيف (١٩) تقبلون على ربكم، من لم يعرف (٢٠) عينه، ولم تثبت عدالته

стр. 226

فيضاف إليه، ويحكم به عليه. والأحاديث الصحيحة في هذا الباب على ثلاث (١) مراتب، المرتبة (٢) الأولى (٣): ما (٤) ورد من الألفاظ كمال محض ليس للآفات والنقائص فيه حظ، فهذا يجب اعتقاده. الثانية: ما ورد وهو نقص محض، فهذا ليس لله فيه (٥) نصيب فلا يضاف إليه (٦) إلا وهو محجوب عنها في المعنى ضرورة كقوله: "عبدي مرضت فلم تعدني" وما أشبهه. الثالثة: ما يكون كمالا، ولكنه يوهم تشبيها. فأما الذي ورد كمالا محضا كالوحدانية، والعلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر، والإحاطة والتقدير والتدبير، وعدم المثل والنظير فلا كلام فيه، ولا توقف. وأما الذي ورد بالآفات المحضة والنقائص كقوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ [الحديد: ١١] وقوله: "جعت فلم تطعمني (٧) وعطشت" فقد علم المحفوظون، والملفوظون، والعالم، والجاهل أن ذلك كناية، وأنه واسطة عمن تتعلق (٨) به هذه النقائص، ولكنه أضافها إلى نفسه الكريمة المقدسة، تكرمة لوليه، وتشريفا، واستلطافا للقلوب وتليينا (٩). وهذا أيها العاقلون (١٠) تنبيه لكم على ما ورد من الألفاظ المحتملة، فإنه ذكر الألفاظ الكاملة المعاني السالمة، فوجبت له، وذكر الألفاظ الناقصة، و (١١) المعاني الدنيئة فتنزه (١٢) عنها قطعا، فإذا جعلت الألفاظ المحتملة التي تكون للكمال بوجه، وللنقصان بوجه، وجب على كل مؤمن حصيف (١٣) أن يجعله كناية عن المعاني التي تجوز عليه، وينفي (١٤) عنه ما لا يجوز عليه، فقوله في اليد والساعد والكف والأصبع عبارات (١٥) بديعة [و ١٣٣ ب] تدل على معان شريفة، فإن الساعد عند

стр. 227

العرب عليه كانت تعول (١) في القوة والبطش والشدة، ألا ترى (٢) إلى قول الزبير (٣) وقد ضرب، فأبان المضروب وفصله وتجاوز إلى ما تحته فقال له قائل: إن هذا السيف (٤) فقال: ما هو السيف (٥)، إنما هو الساعد، ولهذا قال النبي (٦) في حديث أبي الأحوص (٧) عن أبيه فيجدع هذه فيقول: "ضرر (٨)، ويقول (٩) بحيرة فساعد الله أشد، وموساه أحد" (١٠) تهديدا (١١) له على ما أتى من الفعل القبيح، وتحذيرا له من النقمة والجزاء. وأضاف الساعد إلى الله، لأن الأمر كله لله، كما أضاف الموسى إليه. وكذلك قوله: "إن الصدقة تقع في كف الرحمن" عبر بها عن كف المسكين، تكرمة له، حتى لقد قال بعضهم: إن قوله: "اليد العليا خير من اليد السفلى" المراد باليد العليا (١٢) يد (١٣) السائل المعطى (١٤) الآخذ لهذا المعنى، وأضافها إليه تكرمة، كما قال: ﴿ناقة الله﴾ [الشمس: ١٣] وأمثاله كثيرة. وقد بينا ذكر الأصابع وحكمته في ذكر التقليب به (١٥)، وما يقلب بالأصابع (١٦)، يكون أيسر وأهون، ويكون أسرع، فأراد الباري أن يهون عند قدرته، مقدار السموات والأرض (١٧)

стр. 228

والمخلوقات، وأراد في جعل (١) القلب بين أصبعين، الإشارة (٢) بذلك إلى سرعة تقليبه (٣) وخفائه وحقارته، وهو والمخلوقات سواء في هوان (٤) ذلك عنده، وحقارته (٥) بالإضافة إلى قدرته. وقيل كنى بالأصبعين عن اللمتين لمة من الملك له في الإيعاد بالخير، وتصديق الحق، و (٦) من الشيطان لمة في الإيعاد بالشر والتكذيب بالحق. وأما الذراع فقد بينا بأنه إنما ورد مطلقا غير مضاف إلى الله (٧)، قال الله سبحانه: ﴿ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه﴾ [الحاقة: ٣٢] والحديث الذي فيه (٨) بذراع الجبار، لم يصح، كما قدمنا [و ١٣٤ أ]، وإنما الصحيح في إسناده عن أبي هريرة (٩): "غلظ جلد الكافر أربعون ذراعا" (١٠) مطلقا غير مضاف، فلا يلتفت إلى حديث الإضافة. عاصمة: مما يتعلق بهذا ويستذكر به، وجرى فيه توقف وغلط، أحاديث يعارض ظاهرها المقتضى بالعقل، لا تتعلق بالباري ولا صفاته، ولكنها تتعلق بما أخبر

стр. 229

عنه من المعاني، وقد سبق بيانها (١) بأن (٢) العقل والشرع صنوان، وأن العقل مزكي الشرع، ولا يجرح الشاهد المزكي ولا يكذبه، فإن ذلك إبطال له. وأحكام العقل ثلاثة واجب وجائز (٣) ومستحيل، فأما الواجب والمستحيل فالشرع لا يثبتهما ولا ينفيهما، لأنه لم يأت لبيان المحسوسات والضروريات، وإنما جاء لتعيين جائز أو تبيين حكم ابتدائي (٤)، وعلى الواجب والمستحيل بنى الشرع الأدلة، وبهذا وقع (٥) احتجاجه، وإليها في النظر كان مرجع البيان (٦) منه، فإذا جاء ما ينفي العقل ظاهره فلا بد أيضا من تأويله، لأن حمله على ظاهره محال، فيكون غير مفهوم والشرع لا يأتي به، فلا بد من تأويله. والأخبار على ثلاثة أقسام (٧): متواتر وهو قليل بل عزيز. ومستفيض وهو كثير. وآحاد، وهو جملة أخبار الشرع، وفي القرآن من المتواتر ما يغني، والمستفيض والآحاد إذا جاءا في الآثار، يرد الآحاد جماعة، منهم مالك ﵁ في مواضع تعارضها (٨) أصول الشرع. والقدرية لا تلتفت إليها. ولكنها تتناقض فيها، وشد بينا حقيقة الأخبار في كتب الأصول، ونحن نورد من ذلك أمثلة مختلفة المباني. خبر: قال النبي ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة إن الشيطان لا يتمثل بي" (٩) فهذا يعلم قطعا أنه لا يرى ذات النبي (١٠) لوجهين: أحدهما أن ذاته لا تدرك في اليقظة فضلا عن المنام. الثاني: أنه يراه في صورة تخالف صورته الكريمة. فدل على أن هنالك محذوفا تقديره: من رأى مثالي فقد رآني، أي يكون ذلك دليلا على أنه رأى الحق، كما قال في رواية أخرى: "فقد رأى

стр. 230

الحق" إذ الشيطان وإن لعب بالإنسان في يقظته أو (١) منامه، فلا يلعب به بواسطة النبي، فكان ذلك المثال الذي يرى في المنام، هو مثال النبي ضرب عنه حقا. وقد سألت دانشمند (٢) عن الرجل يرى النبي في المنام فيقول له: كان كذا، أو افعل كذا، مما يوافق الحق، أو يخالف ما روي عنه، أو ما يقتضيه القياس فقال لي: ذلك لا يوجب حكما، ليس بشك في حقيقة المثال، وتصديق الرؤيا، ولكن لأن الذي رأى النبي ﷺ في منامه لا يوثق به في تحصيل ما رأى، فإن المستيقظ قد يفوته التحصيل، ويذهب عن الوعي، بغفلة، أو ذهول، أو نسيان، فكيف بحال النوم؟ انتهى قوله. قال القاضي أبو بكر ﵁: وقد بينا أن الرؤيا أوهام، أو حقيقة إدراك، على الاختلاف في ذلك. وعندي أنه حقيقة إدراك، ولكن الملك يضرب بها المثل، وذلك مختص بحالة النوم تصرف فيه الأشياء عن ظواهرها، وتجري الكنايات والمجازات البعيدة فيها، بإذن صاحب الشريعة ووضعه، كما أنه منع الكنايات في بيان التوحيد، ووضع الأحكام وجرى كل على حكمه وبابه. خبر: قال النبي ﷺ : "أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فكتب ما يكون إلى يوم الساعة" (٣) قال القاضي أبو بكر ﵁: فقد أخبر الله أنه خلق العرش والكرسي والقلم واللوح، وأمر القلم فكتب فاختلفت ها هنا خمسة معان: المعنى الأول: العرش، ولا خلاف بين المصلين أن العرش مخلوق جسم محدث عن أول سابق بعدم (٤)، ولكنهم اختلفوا هل هو عبارة عن

стр. 231

المخلوقات أجمع أم عن مخلوق أعظم منها قدرا، وأعلى منها مكانا، والصحيح إنهما جميعا صحيحان موجودان. المعنى الثاني: الكرسي، وقد اختلف الناس فيه فمنهم من قال: إنه العلم، وقيل: إنه موضع القدمين (١)، ومعناه أن العرش منصوب كهيئتي الدست، والكرسي، موجود تحته كهيئة الكرسي الموضوع للملك في الدنيا يرقى إلى الدست عليه، ويضع إذا جلس قدميه فيه، وهي جلسة الجبارين فيما شاهدتهم عليه، ولم يرد في هيئته حديث يعول (٢) عليه، فلا يلتفت إليه أما أنه من الجائز أن يكون كذلك والله (٣) أعلم بوجه الحكمة في خلقه، إذ لا يصح بحال من المعقول أن يكون مقرا له، ونحن لا نعلم الحكمة في خلق الذر، فكيف أن نعلم (٤) الحكمة في خلق العرش والكرسي، فلا معارضة بين القولين، فيجب الإيمان بالورود والتجويز للمعنيين، واعتقاد وجوب سعة العلم للكل، وتنزيه الرب عن الحلول والاتصال، ونكون حينئذ من الراسخين بفضل الله. المعنى الثالث: القلم، ليس يمتنع أن يكون جسما مؤلفا، ولا خلاف بين الأمة أنه كذلك، وقد تظاهرت الأخبار والآثار أنها أقلام، وقد سمع النبي ﷺ في رواية الصحيح، صريفها في ليلة الإسراء، في العلو الأعلى، ويحتمل أن يكون أول مخلوق قلما واحدا، فكتب، ثم خلقت سائر الأقلام بعده، ويحتمل أن يكون قوله: "أول ما خلق الله القلم" عبارة عن الجنس لا عن الواحد، والظاهر عندي أنه واحد خلقت بعده أقلام سنواه، والله أعلم. المعنى الرابع: أنه قال له: اكتب، قد بينا في "قانون التأويل" وجه الحاجة إلى الكتابة، وفضل الله فيها على الخلق، وما يدفع من مضرتهم، ويرفع من حاجتهم، ولما قال في الحديث: "فقال له اكتب" دل على أن هنالك مكتوبا فيه، وهو المعنى الخامس عبر في آية باللوح (٥) وفي آخر (٦) بالرق

стр. 232

المنشور، ويحتمل أن يكون (١) لفظين لمعنى واحد، وممكن أن يكونا لفظن لمعنيين، والظاهر أنهما واحد له اسمان، بل له أسماء المذكور منها هذان، الإسمان، وعند الانتهاء إلى هذا المام قالت طائفة: إن هذه (٢) عبارة عن انتقاش المعلومات في قلوب العالمين، وعبر عنه بالقلم والكتب مجازا، إذ معنى الكتابة تثبيت صور العلوم، وذلك كله ثابت في قلوب العالمين فعبر (٣) به (٤) عنه. وهذا المعنى وإن كان جائزا في ذاته صحيحا في وجوده، فلا نقف بالقول فيه، بل نقول: إنه مكتوب في جسم بجسم (٥)، وفي مؤلف بمؤلف، ويكون ذلك كله من خلق الله وحكمه، وحكمته بأن كتبه محسوسا ومعقولا، وجعله بالمعنيين موصولا. وإذا كان كل ذلك جائزا فهذا هو الظاهر، فإن الله قال: إنه أول ما خلق، القلم، وقال له: اكتب، ولم يكن هنالك (٦) عالم ينتقش في قلبه معلوم، فعبر عنه بأنه مكتوب، وإنما خلق ما خلق، وكتب ما كتب، ثم أنشأ الخلق أطوارا، وعلمهم بالقول البيان، وبالقلم الكتاب، وأخبر عن الوجهين بقوله: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان، علمه البيان﴾ [الرحمن: ٣] وبقوله: ﴿اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم﴾ [العلق: ٤] وقد زاد بعضهم بأن هنالك (٧) دواة، وجعلها مذكورة في قوله: ﴿ن والقلم﴾ [القلم: ١] وهذه دعوى من غير برهان، فإن المداد مادة لنا في تصوير القلم لما يكتبه في وجه اللوح، وكتاب قلم الله، لا يحتاج إلى مادة، أما أنه لو ثبت طريق وجودها لقلنا به، وإن لم يثبت فقد استغني عنه. تكملة: وتبقى ها هنا نكتة، وهي أن كتابه يحتمل أن يكون بخلاف كتابة الخلق، ويحتمل أن يكون مثلها، فقد روى الترمذي (٨) وغيره عن عبد الله بن

стр. 233

عمر (١) أن النبي ﷺ خرج يوما على أصحابه، وفي يده كتابان فقال عن الذي في يده اليمنى: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل (٢) على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا (٣)، ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل (٤) آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال بيديه، فنبذهما ثم قال: فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة، وفريق في السعير" ولو أراد أحد أن يكتب أسماء أهل بلد في قراطيس تسع بيته، ما وسعت فيه، فكيف كفه؟ ولكن كتابة الباري على ما تقتضيه قدرته (٥). وخذوا (٦) دستورا في كلامه العربي، الذي نظمه لرسوله الأمي الذي أتاه جوامع الكلم (٧)، وأنزل عليه القرآن معجزا للخلق، فذكر قصة نوح في خمس وعشرين آية، أملينا عليكم فيها خمسمائة مسألة، وذكر قصة موسى في تسعة آية، أملينا عليكم فيها ثمانمائة مسألة، وأفرد ليوسف سورة، أملينا عليكم فيها ألف مسألة. وليس يقدر أحد من الخلق على أن يجمع في قدر ذلك من الحروف، مقدارها من العلوم، فإذا شاهدتم هذه القدرة في المؤلف بين أظهركم، فماذا تستغربون من أمر فيما غاب عنكم، فقدر نفسك على أن الأقلام أجسام تكتب في الألواح (٨) فوق السموات بصرير، وتصريف، وتقدير، وتصوير، وأن ذلك المكتوب ينكتب في قلوب الملائكة، وينتقل منه إلى قلوبنا، ويثبت بصفته في كل موضع بحسب حاله والكل جائز مقدور. والحديث (٩) فيه صحيح مأثور. خبر: ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "يؤتى يوم القيامة بالموت

стр. 234

في صورة كبش أملح، فيوقف على الصور بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة فيشرئبون ينظرون، ثم يقال: يا أهل النار، فيشرئبون ينظرون، فيقال لهم: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا (١) هو الموت فيذبح، ثم ينادي منادي يا أهل الجنة خلود، فلا موت، ويا أهل النار خلود، فلا موت، فلولا أن الله قضى لأهل الجنة الحياة، والبقاء، لماتوا فرحا، ولولا أن الله قضى لأهل النار الحياة فيها والبقاء، لماتوا ترحا". قال القاضي أبو بكر ﵁: لما سمع الناس هذا الحديث، من ذهاب الصدر الأول، قالت طائفة: لا نقبله، فإنه خبر واحد، وأيضا فإن جاء بما يناقض العقل، فإن الموت عرض، والعرض لا ينقلب جسما، ولا يعقل فيه ذبحا، ولما استحال ذلك عقلا، وجب أن يمنح الحديث ردا. وقالت طائفة أخرى: إن كان ظاهره محالا، فإن تأويله جائز، واختلفوا في وجه تأويله على أقوال قد بيناها في كتاب "المشكلين"، أصلها (٢) قولان: أحدهما أن هذا مثل، كما لو رأى أحد ذلك في المنام في زمان وباء، فيقال له: هذا الوباء قد زال، ويقع في قلبه في المنام، أن ذلك هو الوباء، وأنه بذبحه يرتفع عن المكان الذي هو فيه. وهذا له رونق، وربما (٣) تلفق وتنمق، وآخر الأمر لا يستمر ولا يتحقق. الثاني: أن الذي يؤتى به متولي الموت، وكل ميت يعرفه، فإنه تولاه (٤)، فإذا استقرت المعرفة به، أعدم لهم، العدم الذي عهدوه ولو شاء ربنا (٥) لخلق لهم العلم بذلك ضرورة، ولكنه رتب لهم هذه القصة بهذه الحكمة، ويعبر عن المتولي لذلك الشيء باسم ذلك الشيء (٦) قال فصيحهم: يا أيها الراكب المزجى (٧) مطيته...سائل بني أسد ما هذه الصوت وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا...قولا يبريكم أني أنا (٨) الموت

стр. 235

والذي يعضد هذا التأويل، ويحققه (١) قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا، ووجد الله عنده، فوفاه حسابه﴾ [النور: ٣٩] فأخبر عن جزائه (٢) بذاته الكريمة، فكذلك يخبر عن الموت بمتوليه فاعلموا ذلك، وقد مهدنا القول مستوفى في تفاصيل الخبر، في كتاب "المشكلين" بما لبابه: إن خروج الروح من الجسد إن لم يكن موتا، إذ (٣) كان الموت لا يكون حياة إلا برجوعه إلى الجسد، فإذا ذبح الكبش، ولم تخرج (٤) روحه، فلا يرى أحد الموت، وإن رآه بعد خروج روحه، فلم تذبح (٥) الموت، وإن رآه وقد خرج بعضه فليس بموت، والموت في حقيقته لا يتبعض، وإن توقفنا في الروح هل يدخل أو يخرج (٦)، وإن قال: أرى مقدماته، عاد إلى المجاز، وأهل القيامة لم تبق (٧) لهم غريبة لم يروها، ولا عادة منخرقة إلا عاينوها، فإنهم رأوا الأجسام الثقال تعلو، وعاينوا في الصراط الأجسام الثقال تمشي على المحدد (٨) الدحض (٩) ثابتة، وتجري كجرى الخيل، وتسير سير الريح، وتخطو خطو البرق، وأحسوا بالظمأ قد ارتفع من شرب الحوض، ورأوا العرق يسيل (١٠)، فيأخذ (١١) كل إنسان عرقه على مقدار (١٢) ذنوبه، فيكون الشخصان متجاورين كخبزة النقي (١٣)، وأحدهما قد غرق في العرق، حتى شرق، وجاره قد بلغ إلى نصف ساقه، ورأوا القسطين على كراسي في الهواء قعودا (١٤) إلى غير ذلك من عظم الآيات، وأعظم منه الحياة بعد الموت، والقيام من الوفاة إلى الحياة، فقد تحققوا الحياة أولا، وثالثا، والموت ثانيا، فلا سالف إلا وقد حصل عندهم في باب كان، وسحبوا عليه ذيل العرفان، فلو ذبح لهم الموت قبل البعث لقال

стр. 236

من رآه ولم يمت: إني قد استرحت من الموت، وإنما يرى الموت قد ذبح، وهو قد ذبح قبل ذلك، وقطع آرابا ثم عاد حيا، فكيف يمتنع عنده أن يعود الموت بعد الذبح حيا؟ فكيف يئس (١) بذبحه مع تجويز عوده؟ فأنى لهم نفس مطمئنة؟ أم كيف يتحققون الخلود في نار أو جنة؟ هيهات ليست الحقائق في هذه الطرائق، ولا تنال المعاني بالأماني، ولا تؤخذ التحف من الصحف، وإنما هي منقولة من الفؤاد إلى الفؤاد، بواسطة اللسان والآذان، ونبذ المحال، بشد الرحال، وأعمال المطي، إلى المكان القصي، وملاحظة الأعيان بالعيان، وتحقيق القول في ذلك أن الروح تخرج (٢) من الجسد في الدنيا على أنواع، تجمعهما حالتان: إحداهما (٣): أن تنتفض البنية، وتنفك الرتبة، والثانية: أن تزهق الروح والبنية بحالها، من وقص أو رفس، ومع عمل من الآدمي كالخنق، ولدم القلب، ورض الانثيين، وغير ذلك من الأنواع الخفي على الناس وجه اتصالها بالموت، والموت وإن اعتقده المعتقدون خروج الروح من الجسد، وأن الروح جسم لا بد له من منفذ لصفته (٤) المذكورة، فإذا وقع الخنق، فمن أين تخرج (٥) والمنفذ مستد؟ وإن قال: هو جسم لطيف. قلنا: اللطيف والكثيف له محله، وسبيله بصفته، والذي يدل عليه أن الريح التي هي شبيه (٦) الروح في الحروف تأليفا، وفي الاشتقاق وزنا، وتصريفا، وفي الكيفية ظنا وتخمينا، إذا سد (٧) عليها المنفذ، لم يكن لها مخرج، ولقد روى أن الخزانة فتحت على عاد (٨) منفذ الريح في مسلك محصور مثل حلقة الخاتم، وعتت، حتى فعلت ما فعلت بقدرة من مكنها فتمكنت، فأفاد أنه لا يكون سلوكها إلا على مسلك بقدر فعلها، ومن يظن الروح لها دخول وخروج كدخول الأجسام وخروجها في المعتاد فيها، هيهات له هيهات المدى، بل له معنى بديع يبرزه النظر، ويشهد له الخبر، فإن قيل: فقد روي أن يحيى ذبح أو نشر ولم يمت:

стр. 237

قلنا أخبار من (١) غير أحبار، ولو صحت لقلنا: إنه ذبح ثم أحيي، وقد أحيي بعد الموت في الدنيا جماعة، ولابن البهاء (٢) كتاب فيهم، كبير مفيد، وقد يمكن أن يذبح الحي فلا يموت، فإن قيل: فحركة المذبوح بعد الذبح، ما هي؟ قلنا لهم: هي عندهم مستعارة، وحقيقتها نبينها إن شاء الله تعالى (٣). فإن قيل: فكيف يأكل أهل الجنة من لحم حيوانها أمع (٤) بقاء الحياة؟ فقد روي أنه يقع بين أيديهم مشويا. قلنا: ويجوز أن يكون مع ذلك حيا سويا، ويلقم وهو يتكلم، وكما الشواء (٥) من غاير استواء، كذلك يؤكل حيا مع الاستواء (٦)، وسقطت الذكاة لأن الجنة ليست بدار تكليف، ولما سقطت الذكاة، سقطت متعلقاتها والله أعلم. وطريقة الكلام في المسألة المتقدمة أن الله يخلق لهم العلم اليقيني، في دار اليقين، بأن الموت لا يعود أبدا. ولو خلق لهم هذا العلم ابتداء دون ذبح شيء لكان ذلك واقعا موقعه، ولكنه بحكمته جعله مخلوقا منوطا بسبب، كما كان عند العلم اليقيني في الدنيا، أن من ذبح أو مات لا يعود فيها أبدا، فرتب لهم سبحانه شيئا يشبهه، حتى يكون العلم الثاني على ما رتب عليه العلم الأول، وثبت (٧) [و ٧٩ أ] في نفوسهم العلم بالمراد كما أثبته من قبل، وكان عود الحياة بعد الموت الأول بخبره، كذلك يكون امتناع العود إلى الموت الثاني بخبره، وتطمئن نفوس أهل الجنة بالخلود، ويزيدهم قوله لهم (٨): أحل عليكم رضائي (٩) فلا أسخط بعده أبدا. ويقع اليأس لأولئك، وتطبق (١٠) عليهم النار، وينفذ (١١) الحكم، ويقع الفصل، ويظهر الوعد الصدق، والله يختم لنا ولكم بالحسنى برحمته.

стр. 238

خبر: ثبت أن النبي ﷺ رأى الأنبياء ليلة الإسراء رؤيا عين، لا رؤيا قلب، في المنام، وذكر فيه أنه رأى جميع الأنبياء في السماء، ورأى موسى عند قبره يصلي مع أنه رآه في السماء، وروي أنه رآهم في المسجد الأقصى، وصلى بهم (١)، ورأى عيسى يهادي بين رجلين كأنما خرج من ديماس (٢) ورأى، أو قال كأني (٣) أنظر إلى يونس يلبي، وتجيبه الجبال، وعليه عباءتان قطوانيتان، ولأجل هذا قال جماعة: إن الإسراء بالنبي ﷺ كان مناما، فأنكروا صحيحا جائزا، لأنه تعذر عليهم ثقيل يعلو، وميت (٤) يحيا من طريق العادة، واطمأنت به نفوس العلماء فإن اعتلاء الثقيل كنزوله، وإذا نزل جبريل مع خفته (٥) جاز أن يعلو محمد مع ثقله، والذي يمسك السموات بغير عمد، والأرض معها بغير أمد محدد (٦)، يجوز في حكمته (٧)، ويتيسر في قدرته أن يعلو بالثقيل إلى ذلك المنتهى، ويجوز أن يحيي له الأنبياء فيردهم (٨) الله إلى هيئتهم، ويريهم (٩) إياه في مواضع مختلفة (١٠)، وفي أوقات متباينة ونحن إنما نتكلم مع أهل الملة، ومن يتوجه إلى القبلة، فإن (١١) تكلم معنا سواهم، رجعنا معه إلى الأصل المتقدم، ويجوز أن يقول النبي (١٢) في يونس: كأني أراه يلبي كما تقول أنت اليوم (١٣): كأني بالنبي محمد (١٤) في [و ٨٠ أ] عرفة (١٥)، في حجته. والناس حوله، وأسامه رديفه (١٦)، لأنك قد تحققته، والأول (١٧) في جهة النبي (١٨)

стр. 239

أصح إذ (١) قال: رأى، وهو (٢) جائز إذ (٣) قال: "كأني". خبر: ومن ذلك قوله في حديث الكسوف: "رأيت الجنة والنار في عرض هذا (٤) الحائط، ودنت، فأردت أن أتناول منها عنقودا" فقد علمنا أن عرض الحائط لا يتسع (٥) لأقل (٦) حائط بالمدينة، فكيف للجنة؟ وإنما أراد أنه رآها في جهة القبلة، وهذا مما لا يؤمن به القدرية أبدا، لأن الرؤية عندهم إنما هي اتصال الأشعة من نور البصر إلى المرئي (٧) على خطوط مستقيمة أو معوجة بحسب اختلاف المناظر، وهي بواطل قد بيناها في غير موضع من كتبنا. وإنما الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى (٨)، يجوز عندنا أن يجعله في الرأس والرجل والخد والظفر، وإن كان أجرى العادة أن يكون في المقلة. فالمعنى في الحديث (٩) أن الله (١٠) خلق لرسوله (١١) الإدراك، وهو في عرض الحائط، وخطر بباله أن يتناول منها عنقودا، فلو حاول ذلك لأخذه، كما قال، لأنه قد كان ألقى في نفسه أو سمعه، أنه إن شاء أن يتناول تمكن (١٢)، وليس من شرط التمكن اللمس، بل بمد (١٣) يده وإرادته يأتي ذلك (١٤) إلى يده من مكان بعيد بل بإرادته (١٥) وحدها. وهذا كله وإن كان خلاف العادة، فإنه مقتضى القدرة، ولما بعد ذلك عند القدرية، قالوا: صقلت له صفحة الحائط فتمثلت له الجنة والنار، في ذلك الجسم الصقيل. فيا (١٦) عجبا لهم هذا خلاف العادة، مما تقتضيه القدرة، وليست القدرة في صحة ما يتعلق بها من الجائزات موقوفة

стр. 240

على ما قالوه من الصقل (١) خاصة، بل هي جائزة في الصقل والنقل (٢)، وإذا جاز صقل الحائط فلا يرى [و ٨٥ ب] فيه (٣) الجنة ممن قابله إلا محمد (٤)، جاز أن يخلق له الإدراك وحده بها. ويحتمل أن يكون قوله: "رأيت الجنة والنار في عرض الحائط" أي مستقرب يوازي في القرب عرض الحائط بما اطلع عليه منها، وألقى إليه من التمكن (٥) بها، وإذا أمكن المرء من البعيد صار قريبا، كما أنه إذا لم يمكن، كان أبعد من السماء، وإن كان مصاقبا له، وهذا لا يخفى على ناظر منصف، يعضده ما روى عن النبي ﷺ لما أسري به، وقال لقريش: "كنت البارحة في بيت القدس" (٦) فقالوا له: صفه لنا، قال: "فكربت كربة لم يصبني قط مثلها، فأراني (٧) الله إياه عند دار أبي جهم، فطفقت أنظر إلى بابه (٨)، وأخبرهم عنه" فإن كان نقل (٩) رؤية (١٠)، فقدرة وآية، وإن كان خلق له الإدراك حتى صار في التبيين له، كأنه قريب منه، كقرب دار أبي جهم فآية، والكل جائز، وربنا عليه قادر. قال القاضي أبو بكر (١١) ﵁: وبعد هذا، أخبار كثيرة هذا دستورها، وقد يضاف إليها بالجهل، ما ليس له أصل كقولهم: (أول ما خلق الله (١٢) العقل (١٣) فقال له (١٤) أقبل) الحديث. وهذا لم يصح،؟ ولو تعدل راويه (١٥) لكان له وجه بأن يخلقه في محل، ولكون الخبر عنه صحيحا معقولا، وقد بينا أنة العلم، فإليه يرجع معناه، وإليه يتركب المراد به. وبقيت بعد ذلك معضلة وهي أن القيامة يوم عظيم فيه أعلام وأحكام، وأجسام (١٦) فقد

стр. 241

روي (١) في الحوض والصراط أحاديث صحيحة، وأما (٢) الميزان فإنما ذكر في القرآن، وانفرد القرآن بذكر الميزان والوزن، وانفردت (٣) السنة بذكر الصراط والحوض. أما أنه روي عن [و ٨١ أ]، أنس (٤) أنه قال للنبي ﷺ : (أحب أن تشفع لي يوم القيامة، قال: "أنا فاعل" قال: قلت يا رسول الله: أين أطلبك؟ قال: "اطلبني أول ما تطلبني على الصراط"، قلت: فإن لم ألقك على الصراط، قال: "فاطلبني عند الميزان"، قال: فإن لم ألقك عند الميزان، قال: "فاطلبني عند الحوض") والحديث لم يصح، بل أنه ثبت في الأحاديث الصحاح (٥) في الشفاعة (٦): (أخرجوا من النار من في قلبه دينار، نصف دينار، شعيرة، ذرة) وذلك مما لا يعرف إلا بالوزن، فكأنه نبه بالسنة على ما صرح به (٧) القرآن [من أمر الميزان، وصرح في السنة بما نبه به في القرآن،] (٨) من أمر الصراط والحوض، فلما كان هذا الأمر (٩) هكذا، اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: إن الأعمال توزن حقيقة في ميزان له كفتان، وشاهين في قبان، ويجعل في الكفتين صحائف الحسنات والسيئات، ويخلق الله الاعتماد فيها على حسب علمه بها، وصفة أعمال عباده لها. وانبنى ذلك على التعديل والتجوير والتحسين والتقبيح، وأن الله يفعل ما يشاء، ولا يترتب عليه حكم في فعل يناسب عملا من أعمال (١٠) أهل الدنيا، وإنما هو الخبر كما جاء والحكم لله العلي الكبير كما أراد. وتعارضت آيات الوعد والوعيد، وجرى فيها ما بيناه في غير موضع، ومنهم من قال - وهم المبتدعة -: إنما يرجع الخبر عن (١١) الوزن إلى تعريف الله سبحانه (١٢) العباد بمقادير أعمالهم. ونقل

стр. 242

الطبري (١) وغيره عن مجاهد (٢) أنه كان يميل إلى هذا القول، فإن كان هذا النقل عنه صحيحا، إنه لمزلة قدم، وفاتحة لمن يرى قلب الألفاظ لغير ضرورة (٣)، مع إمكان حملها على ظاهرها، وليس يمتنع أن يكون الميزان، والوزن على ظاهره، وإنما يبقى النظر في كيفية وزن الأعمال، وهي أعراض، فها هنا يقف من وقف، ويمشي على هدى (٤) [و ٨١ ب] من مشى، فمن كان رأيه الوقوف، فمن الأول ينبغي أن يقف، ولئن (٥) أراد المشيء ليجدن سبيلا ميثاء (٦)، فإنه يجد، هاهنا ثلاثة معان: ميزانا، ووزنا، وموزونا، وكل واحد [منها معلوم، وبعضها مرتبط ببعض، لا يصح أن ينفرد (٧)] (٨) [منها واحد عن الآخر] (٩) للملازمة التي يقتضيها اللفظ، ويقضي بها العقل، قال (١٠) الله تعالى: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ [الأعراف: ٨] فعلمنا أن هنالك وزنا، وقال: ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ [الأعراف: ٨] فعلمنا أن هنالك ميزانا نصا، وموزونا نصا (١١) لأنه قال: ﴿موازينه﴾ بعد قوله: ﴿فمن ثقلت﴾ فاقتضى ثقلا في ميزان، وذلك هو الموزون فصارت الثلاثة كلها في القرآن، واقتضى ذلك موزونا يخف تارة، ويثقل أخرى، فيخف الميزان به (١٢) ويثقل، ولم يبق إلا تعيين الموزون. وقد ورد في الحديث الصحيح أنه يوزن عمله من إيمانه ومن حسناته (١٣)، وبه يخرج من النار، كما أن بعمله السيئ دخلها، فإذا ثقلت السيئات ودخل النار، روعي له عند الخروج الإيمان من ذرة إلى (١٤) شعيرة إلى دينار، ولو روعي له ذلك في الوزن الأول، ما دخل النار لرجحانه له (١٥)، ولكنه تأخر، إما لوزن

стр. 243

السيئات ورجحها، و (١) إما لأنه مدخر (٢) للخروج من النار، وقد بينا ذلك في موضعه من "المشكلين" فدل صحيح هذا الخبر، على أن أعمال الجوارح توزن وبها (٣) ينجو من العذاب، أو يقع فيه، وأنه يخرج بما في قلبه من إيمان (٤)، إذ الأعمال تضعفه، فإذا بقي له (٥) مقدار (٦) ذرة، عصم من الخلود به. ومن مشى في طريق الوزن وتتبع (٧) ألفاظه وجده صحيحا في كل لفظة (٨)، حتى إذا بلغ إلى تعيين الموزون، ولم يتبين له، لا ينبغي أن يرجع القهقري، فيبطل بأن يبقى ما تقدم على حقيقته (٩) وصحته، ويسعى (١٠) في تأويل هذا، وتبيينه (١١). [و ٨٢ أ]، وإنما يكون الرجوع في قياس الخلف النظري (١٢) في المعقولات على الوجه الذي بيناه في أبواب النظر، فلا نقول (١٣) إذا (١٤) لم نعلم (١٥) عين الموزون، يسقط الكل، وإنما وجب الرد في قياس (١٦) الخلف، لابتناء (١٧) بعض المقدمات على بعض، وأما ها هنا فألفاظ صحيحة، ومعان صائبة (١٨) وإمكان موجود، فينبغي إذا عرض في أثناء ذلك التعذر أن يفرد بالنظر. وإذا ثبت هذا، قلنا: قد ثبت أن أعمال العباد مكتوبة في صحائف تنشر له، فيقع الوزن في الصحائف، ويخلق الله فيها (١٩) الثقل، والخفة على حسب عمله بها، وهذا كله مبني على أصل يخالف (٢٠) فيه الفلاسفة والقدرية، التي فرت من الوزن لأجله، وذلك لأن الثقل والخفة عندهم، إنما هو بكثرة الأجزاء وقلتها، وعندنا (٢١) بما يخلقه الله فيها، فجرت العادة في الدنيا بأن يتبع الثقل كثرة الأجزاء، والخفة قلتها، فإذا خرق العادة ارتبط الثقل

стр. 244

والخفة بخلقه، وزمان القيامة زمان خرق العادة عندنا وعندهم، ومجاهد لا يحتاج معه إلى هذا (١) بل يلزمه الأمر من أول كرة، لمساعدته لنا في عموم القدرة، وهذا (٢) ربط به الثقل والخفة في الدنيا ليجعله سبيلا إلى معرفة الخلق بالمقدار والمقدار في الآخرة إنما يكون بمادة عمله من الأعمال، لا بنقل ولا بخفة فيها، لأنها ليست بأجزاء، وقد فعل الله (٣) سبحانه في الدنيا فعلا من ربط الثقل، والخفة بكثرة الأجزاء، عايناه وأخبرنا أنه يفعل في الآخرة غيره، والقدرة عامة، فوجب (٤) التصديق للخبر إذ (٥) لا بد من الرجوع إلى علمه بها باتفاق منا، ومنهم أجمعين. فإن قيل فيعلمهم، فأي حاجة إلى الميزان؟ قلنا نصب الميزان ليس (٦) [و ٨٢ ب] لحاجة، ولا نصب الصراط لحجة، وإنما ذلك لحكمة ليرى الخلق عيانا، ما كان أخبرهم عنه برهانا، وللعيان تأثير لا بد منه في الدنيا والآخرة، كما أخبر به، فلا ترجعوا عن الظاهر إلى الباطن، ولا تحترسوا في (٧) أمر لا بد لكم منه، في كيفية أحوال الأعمال في الآخرة، فإنه قد ثبت عن النبي ﷺ : "أن البقرة وآل عمران، معا يأتيان يوم القيامة، كأنهما غمامتان أو كأنهما خرقان، من طمر صواف تظلان صاحبهم"، والسورة لا تأتي، والحروف (٨) والأصوات لا تتشكل، والخبر قد صح، وتأويل من قال يأتي ثوابها كلام مستور لا علم عنده، فيرسل (٩) عذبة (١٠) لسانه، في الذي ليس من شأنه بما لا تتحصل (١١) حدوده، ولا يثبت وجوده، وأنما يحمل على معان، منها أن الصحيفة التي قرأ فيها، أو كتب الملك فيها، قراءته تظله (١٢)، أو ينشئ الله (١٣) له غمامة يقال: هذه سورتك التي كنت تقرأ. فإن قيل: فهذا هو الثواب. قلنا: نعم، ولكن ليست الغمامة

стр. 245

السورة (١)، ولم يرد تسميتها ثوابا، فكيف ي خبر (٢) عما يشكل بما يشكل، وإنما كان يقول: يأتي ثوابها، لو قاله النبى ﷺ ، فيفسر، وأما تفسير المشكل - والمحتمل بمشكل محتمل، فمما (٣) لا يجوز شريعة، ولا يصح عربية. خبر: روي عن النبي ﷺ أنه ذكر: آخر (٤) أهل النار خروجا من النار، فقال: "يؤتى مثل الدنيا وعشرة أمثالها وذلك أقل أهل الجنة منزلة"، فلما سمع قوم هذا عظم ذلك عندهم (٥) لوجهين خطأين أحدهما: جهلهم بعموم قدرة الله، وعلمه، وسعة مخلوقاته قياسا على أنفسهم، وقصرا [و ٨٣ أ]، لخواطرهم القاصرة عن منتهى العلوم (٦). الثاني: اعتقادهم أن الجنة (٧) هي السموات وهي لا تتسع (٨) لهذا، وكيف وهي من الدنيا؟ فذلك أبعد. قال القاضي أبو بكر (٩) ﵁: فقال لي أبو حامد الغزالي: إنما يؤتى مثل الدنيا في القيمة والقدر، لا في المساحة، وقيد شبر من الجنة خير من الدنيا، بغير حصر بمثل (١٠)، ولا بعشرة أمثالها، ولا بأكثر من ذلك، كما يقال: هذه الياقوتة خير من ألف مثقال، لا في الوزن، ولكن في القيمة والمنفعة، لأنها تساوي بالتقويم أكثر من ألف. فقلت: هذا المذكور، يؤتى مثل الدنيا في (١١) عشر مرات مساحة وقيمة، فإن القيمة لا تنحصر، إذ نصيف حورية، خير من الدنيا، والقدرة متسعة للمساحة والقيمة جميعا، والخلاء يحتملها، فافرض ما شئت في العدم، وأخرجه إلى الوجود، جاز عقلا، وصح، إذا خلق وجودا (١٢) وقد روي عن ابن عباس أنه قال: (ليس في الجنة من الدنيا إلا الأسماء) وليس هذا بإخراج لها من حد المحسوس إلى المعقول، كما تقوله

стр. 246

الفلاسفة، وإنما هو للفرق (١) بينهما من أوجه كثيرة أحدهما: أن الجنة لا تفنى، والدنيا تفنى، والجنة لا تستحيل ولا تتغير، والدنيا، بخلافها (٢)، والجنة لا آفة فيها، والدنيا كلها آفات (٣) من لغو، وهم، وغول، وملل (٤)، وغل، وحسد، ومنازعة، وكل ما يكدر نعم الدنيا، فالجنة منزهة عنه، في ذات وصفات وأفعال. وبذلك تم النعيم، وكمل الأخذ (٥)، وطاب العيش. والدنيا ما يكون فيها ينشأ بتركيب وتدريب، وترتيب، والجنة إنما يقول العبد فيها للشيء (٦) كن فيكون، وكل شيء في الدنيا ينفع ويضر (٧)، والجنة منفعة بجميع ما فيها، لا مضرة معها، فهذه سبعة وجوه أصول، بله ما يتبعها من أعظم (٨) التفصيل. وبالجملة [و ٨٣ ب]، فإذا (٩) أردت أن تعقل أمرك في الجنة فتصور نفسك وقدرها في جنتك، مع من تحب من أهلك لا ينقصك أمل، ولا يتوقع حول (١٠)، وما تمنت نفسك وصل إليك، وما كرهته من شيء دفع عنك، واجتمع عندك الأمران: نيل كل مطلوب على العموم، والأمن من كل مرهوب على العموم، ورضى ربك ورؤيته أعظم من أن تقدر لذته، أو تتصور، واقرأ إذا أردت أن تعلم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧]. قاصمة: قد سبق أنه انقسم حال السامعين لكلام الله إلى من جعله كله باطنا، وآخر جعله كله ظاهرا، وأن الذي جعله ظاهرا، بدأ بالباريء وصفاته فقال (١١) فيها ما تقدم، وقمنا بفرض البيان فيه (١٢)، بما أمكن، وعصمنا البيان فيه (١٣)

стр. 247

بما عصمناه به، وهنالك (١) من تعلق به في مسائل الأحكام خاصة وجعله الدليل على الأحكام وحده، وأسقط الاستنباط، لأنه مستغنى عنه، قال: لأن (٢) الله لم يبق حكما إلا نص عليه، ولا مشكلا إلا بينه وأرشد إليه، فلا يؤخذ حكم إلا منه ولا يوجد بيانه إلا فيه، والحكم بالرأي، والقول بالقياس ضلال (٣) في الدين، وعدول عن سنن المرسلين، ومشاقة لله ولرسوله (٤) وللمؤمنين، وهي أمة سخيفة، تسورت على مرتبة ليست لها، وتكلمت بكلام لم تفهمه، تلقفوه من إخوانهم الخوارج، حين حكم علي، ﵁ (٥) يوم صفين فقالت: لاحكم إلا لله، وكان أول بدعة لقيت في رحلتي كما قلت لكم، القول بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر (٦) قد ملأ المغرب بسخيف (٧) كان من بادية إشبيلية يعرف بابن حزم (٨) نشأ وتعلق بمذهب الشافعي (٩) ثم انتسب [و ٨٤ أ] إلى داود (١٠)، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة يضع ويرفع، ويحكم لنفسه، ويشرع (١١)، وينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول على (١٢) العلماء ما لم يقولوا، تنفيرا للقلوب (١٣) عنهم وتشنيعا عليهم (١٤)، وخرج (١٥) عن طريق الشبهة في (١٦) ذات الله وصفاته فجاء بطوام قد بيناها في رسالة "الغرة" واتفق له أن يكون بين أقوام لا نظر (١٧) لهم إلا المسائل (١٨)، فإذا طالبهم بالدليل، كاعوا،

стр. 248

فتضاحك مع أصحابه منهم (١)، وعضدته الرياسة، بما كان عنده من أدب، وشبه (٢) كان يوردها على الملوك مع عامتهم (٣)، فكانوا يحملونه حفظا لقانون الملك (٤)، ويحمونه لما كان يلقى إليهم من شبه البدع والشرك. و (٥) حين عودتي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم (٦) و (٦) لافحة، فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصار، إلى حساد يطأون عقبي، فيدوسون ذيلي، فإذا دنوا (٧) عدموا (٨) جانبي (٩)، فتارة تذهب لهم نفس (١٠)، وأخرى تنكسر لهم ضرس (١١)، وأنا ما بين إعراض أو تشغيب بهم، ولم يكن هنالك من يقف الأمر، على حد المناظرة، فينصر (١٢) الحق، ويظهر الصدق، فداريت (١٣) الأنام، ودارت الأيام، وقد كان جاءني بعض الأصحاب بجزء لابن حزم سماه "نكت الإسلام" فيه دواهي فجردت عليه نواهي، وجاءني برسالة "الدرة" في الاعتقاد، فنقضتها برسالة "الغرة" والأمر أفحش من أن ينقض، وأفسد (١٤) من أن يفسد، إذ ليس له ارتباط، ولا ينتهي إلى تحصيل، يقولون لا قول إلا ما قال الله، ولا نتبع (١٥) إلا رسول الله، فإن الله لم يأمر بالاقتداء بأحد، ولا بالاهتداء بهدي بشر، ولا بالانتقياد إلى أحد. عاصمة: قال القاضي أبو بكر (١٦) ﵁: اعلموا أرشدكم الله إلى طريق التعليم، ويسر لكم أسباب التفهيم، أنا قد مهدنا في "النواهي" عن

стр. 249

[٨٤ ب] الدواهي "وجه الرد عليهم (١) وطريق الدخول إليهم، ويجب أن تتحققوا أنهم ليس لهم دليل على قولهم (٢)، ولا حجة على رأيهم، وإنما هي سخافة، في تهويل. فأنا أوصيكم بوصيتين: إحداهما (٣): ألا (٤) تستدلوا عليهم، الثانية (٥): وأن تطالبوهم (٦) بالدليل، فإن المبتدع إذا استدللت عليه شغب عليك، وإذا دعوته إلى الاستدلال لم يجد إليه سبيلا، فإن الله تعالى (٧) لم يجعل له (٨) على الباطل دليلا (٩). فأما قولهم: لا قول إلا ما قال الله فحق، ولكن أرني ما (١٠) قال الله. وأما قولهم: لا حكم إلا لله، فغير مسلم على الإطلاق، بل من حكم الله أن جعل (١١) الحكم لغيره، فيما قاله، وأخبر به، قال النبي ﷺ في الثابت من الحديث: "إذا حاصرت أهل حصن فطلبوا أن ينزلوا إليك، فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري ما حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك" (١٢) وهذا نص في مسألتين بديعتين إحداهما: أنه يجوز أن يقال: إن (١٣) لحكم إلي فيك شرعا، والثانية - وتقوي الأولى - أن حكم الله لا يعلم إلا بقوله، وما لم يقل فيه شيئا لنا (١٤)، فلا نتركه دون حكم، ولكنا نحكم فيه بما يقتضيه النظر في أمثال أحكامه وأشباهها، فيلا فكان قوله: لاولكن أنزلهم على حكمك" بمعنى أنفذ فيهم ما تشتهي وما تريد. وإنما أفاد بهذا هذه المسألة (١٥) البديعة، وهو أنه لا يقول المجتهد: هذا حكم الله، وإنما يقول: هذا فرضي في عملي، وعلمي.

стр. 250

وأما قولهم: إن الله لم يأمرنا بأن نقتدي بأحد (١)، ولا نهتدي بغيره فكذبوا على الله وعلى رسوله (٢)، فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" وأمر بالاقتداء بسنة الخلفاء (٣)، كما أمر [و ٨٥ أ]، بالاقتداء بسنته، وإنما يقتدى (٤) بالخلفاء فيما (٥) لم يكن عنه فيه نص، والا فما كان فيه من النص، لا ينسب إلى الخلفاء، وهذا قاطع في أنه ﷺ ، لم ينص على كل مسألة، إذ لو نص عليها، لما كان للخلفاء سنة غيرها، ويقال لهم أيضا: قد صح أنه قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" وهذا كالأول في الاقتداء بهما فيما لم يكن فيه عن النبي (٦) نص. وقد (٧) قال ﷺ : "اهتدوا بهدي عما"،. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها بأمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب (٨)، وأفرضهم زيد بن ثابت (٩)، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل (١٠)، ألا وإن لكل أمة أمينا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح (١١) ولو كان كل الشريعة نصا، ما تفاوت فيه هؤلاء الجلة، ولكان (١٢) دركه عندهم سواء، كما تقول أنت وشيعتك: إن كل أحد يدركه، ويستغني عن كل أحد فيه. وغريبه (١٣) أمرهم أنهم يقولون: لا رجوع إلا إلى النص عن الله وعن رسوله، وهي كلمة مخترعة، لم تجر على (١٤) لسان أحد قبل الشافعي أخذتها منه الشيعة، فقالت: إن النبي نص على علي في الإمامة والخلافه على الأمة، وكان
следующие страницы →