← Акыда

Акыда · id 96180

العواصم من القواصم ت الطالبي

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (383 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفلاسفة، وإنما هو للفرق (١) بينهما من أوجه كثيرة أحدهما: أن الجنة لا تفنى، والدنيا تفنى، والجنة لا تستحيل ولا تتغير، والدنيا، بخلافها (٢)، والجنة لا آفة فيها، والدنيا كلها آفات (٣) من لغو، وهم، وغول، وملل (٤)، وغل، وحسد، ومنازعة، وكل ما يكدر نعم الدنيا، فالجنة منزهة عنه، في ذات وصفات وأفعال. وبذلك تم النعيم، وكمل الأخذ (٥)، وطاب العيش. والدنيا ما يكون فيها ينشأ بتركيب وتدريب، وترتيب، والجنة إنما يقول العبد فيها للشيء (٦) كن فيكون، وكل شيء في الدنيا ينفع ويضر (٧)، والجنة منفعة بجميع ما فيها، لا مضرة معها، فهذه سبعة وجوه أصول، بله ما يتبعها من أعظم (٨) التفصيل. وبالجملة [و ٨٣ ب]، فإذا (٩) أردت أن تعقل أمرك في الجنة فتصور نفسك وقدرها في جنتك، مع من تحب من أهلك لا ينقصك أمل، ولا يتوقع حول (١٠)، وما تمنت نفسك وصل إليك، وما كرهته من شيء دفع عنك، واجتمع عندك الأمران: نيل كل مطلوب على العموم، والأمن من كل مرهوب على العموم، ورضى ربك ورؤيته أعظم من أن تقدر لذته، أو تتصور، واقرأ إذا أردت أن تعلم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧]. قاصمة: قد سبق أنه انقسم حال السامعين لكلام الله إلى من جعله كله باطنا، وآخر جعله كله ظاهرا، وأن الذي جعله ظاهرا، بدأ بالباريء وصفاته فقال (١١) فيها ما تقدم، وقمنا بفرض البيان فيه (١٢)، بما أمكن، وعصمنا البيان فيه (١٣)

стр. 247

بما عصمناه به، وهنالك (١) من تعلق به في مسائل الأحكام خاصة وجعله الدليل على الأحكام وحده، وأسقط الاستنباط، لأنه مستغنى عنه، قال: لأن (٢) الله لم يبق حكما إلا نص عليه، ولا مشكلا إلا بينه وأرشد إليه، فلا يؤخذ حكم إلا منه ولا يوجد بيانه إلا فيه، والحكم بالرأي، والقول بالقياس ضلال (٣) في الدين، وعدول عن سنن المرسلين، ومشاقة لله ولرسوله (٤) وللمؤمنين، وهي أمة سخيفة، تسورت على مرتبة ليست لها، وتكلمت بكلام لم تفهمه، تلقفوه من إخوانهم الخوارج، حين حكم علي، ﵁ (٥) يوم صفين فقالت: لاحكم إلا لله، وكان أول بدعة لقيت في رحلتي كما قلت لكم، القول بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر (٦) قد ملأ المغرب بسخيف (٧) كان من بادية إشبيلية يعرف بابن حزم (٨) نشأ وتعلق بمذهب الشافعي (٩) ثم انتسب [و ٨٤ أ] إلى داود (١٠)، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة يضع ويرفع، ويحكم لنفسه، ويشرع (١١)، وينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول على (١٢) العلماء ما لم يقولوا، تنفيرا للقلوب (١٣) عنهم وتشنيعا عليهم (١٤)، وخرج (١٥) عن طريق الشبهة في (١٦) ذات الله وصفاته فجاء بطوام قد بيناها في رسالة "الغرة" واتفق له أن يكون بين أقوام لا نظر (١٧) لهم إلا المسائل (١٨)، فإذا طالبهم بالدليل، كاعوا،

стр. 248

فتضاحك مع أصحابه منهم (١)، وعضدته الرياسة، بما كان عنده من أدب، وشبه (٢) كان يوردها على الملوك مع عامتهم (٣)، فكانوا يحملونه حفظا لقانون الملك (٤)، ويحمونه لما كان يلقى إليهم من شبه البدع والشرك. و (٥) حين عودتي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم (٦) و (٦) لافحة، فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصار، إلى حساد يطأون عقبي، فيدوسون ذيلي، فإذا دنوا (٧) عدموا (٨) جانبي (٩)، فتارة تذهب لهم نفس (١٠)، وأخرى تنكسر لهم ضرس (١١)، وأنا ما بين إعراض أو تشغيب بهم، ولم يكن هنالك من يقف الأمر، على حد المناظرة، فينصر (١٢) الحق، ويظهر الصدق، فداريت (١٣) الأنام، ودارت الأيام، وقد كان جاءني بعض الأصحاب بجزء لابن حزم سماه "نكت الإسلام" فيه دواهي فجردت عليه نواهي، وجاءني برسالة "الدرة" في الاعتقاد، فنقضتها برسالة "الغرة" والأمر أفحش من أن ينقض، وأفسد (١٤) من أن يفسد، إذ ليس له ارتباط، ولا ينتهي إلى تحصيل، يقولون لا قول إلا ما قال الله، ولا نتبع (١٥) إلا رسول الله، فإن الله لم يأمر بالاقتداء بأحد، ولا بالاهتداء بهدي بشر، ولا بالانتقياد إلى أحد. عاصمة: قال القاضي أبو بكر (١٦) ﵁: اعلموا أرشدكم الله إلى طريق التعليم، ويسر لكم أسباب التفهيم، أنا قد مهدنا في "النواهي" عن

стр. 249

[٨٤ ب] الدواهي "وجه الرد عليهم (١) وطريق الدخول إليهم، ويجب أن تتحققوا أنهم ليس لهم دليل على قولهم (٢)، ولا حجة على رأيهم، وإنما هي سخافة، في تهويل. فأنا أوصيكم بوصيتين: إحداهما (٣): ألا (٤) تستدلوا عليهم، الثانية (٥): وأن تطالبوهم (٦) بالدليل، فإن المبتدع إذا استدللت عليه شغب عليك، وإذا دعوته إلى الاستدلال لم يجد إليه سبيلا، فإن الله تعالى (٧) لم يجعل له (٨) على الباطل دليلا (٩). فأما قولهم: لا قول إلا ما قال الله فحق، ولكن أرني ما (١٠) قال الله. وأما قولهم: لا حكم إلا لله، فغير مسلم على الإطلاق، بل من حكم الله أن جعل (١١) الحكم لغيره، فيما قاله، وأخبر به، قال النبي ﷺ في الثابت من الحديث: "إذا حاصرت أهل حصن فطلبوا أن ينزلوا إليك، فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري ما حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك" (١٢) وهذا نص في مسألتين بديعتين إحداهما: أنه يجوز أن يقال: إن (١٣) لحكم إلي فيك شرعا، والثانية - وتقوي الأولى - أن حكم الله لا يعلم إلا بقوله، وما لم يقل فيه شيئا لنا (١٤)، فلا نتركه دون حكم، ولكنا نحكم فيه بما يقتضيه النظر في أمثال أحكامه وأشباهها، فيلا فكان قوله: لاولكن أنزلهم على حكمك" بمعنى أنفذ فيهم ما تشتهي وما تريد. وإنما أفاد بهذا هذه المسألة (١٥) البديعة، وهو أنه لا يقول المجتهد: هذا حكم الله، وإنما يقول: هذا فرضي في عملي، وعلمي.

стр. 250

وأما قولهم: إن الله لم يأمرنا بأن نقتدي بأحد (١)، ولا نهتدي بغيره فكذبوا على الله وعلى رسوله (٢)، فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" وأمر بالاقتداء بسنة الخلفاء (٣)، كما أمر [و ٨٥ أ]، بالاقتداء بسنته، وإنما يقتدى (٤) بالخلفاء فيما (٥) لم يكن عنه فيه نص، والا فما كان فيه من النص، لا ينسب إلى الخلفاء، وهذا قاطع في أنه ﷺ ، لم ينص على كل مسألة، إذ لو نص عليها، لما كان للخلفاء سنة غيرها، ويقال لهم أيضا: قد صح أنه قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" وهذا كالأول في الاقتداء بهما فيما لم يكن فيه عن النبي (٦) نص. وقد (٧) قال ﷺ : "اهتدوا بهدي عما"،. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها بأمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب (٨)، وأفرضهم زيد بن ثابت (٩)، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل (١٠)، ألا وإن لكل أمة أمينا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح (١١) ولو كان كل الشريعة نصا، ما تفاوت فيه هؤلاء الجلة، ولكان (١٢) دركه عندهم سواء، كما تقول أنت وشيعتك: إن كل أحد يدركه، ويستغني عن كل أحد فيه. وغريبه (١٣) أمرهم أنهم يقولون: لا رجوع إلا إلى النص عن الله وعن رسوله، وهي كلمة مخترعة، لم تجر على (١٤) لسان أحد قبل الشافعي أخذتها منه الشيعة، فقالت: إن النبي نص على علي في الإمامة والخلافه على الأمة، وكان

стр. 251

ابن حزم أولا قد تعلق بمذهب الشافعي ستره (١) متهكما مدة، ثم فضح نفسه بمذهبه آخرا، وتعلق بكلمات من لدنه منها النص. فيقال لهم: بأي نص تردون الأمر إلى النص وهم لا يجدونه أبدا، وتحقيق القول في ذلك، أن الله أنزل كتابه محكما، ومتشابها، وأوعز إلى نبيه (٢) بأن يبين (٣) للناس ما نزل إليهم، ولو كان مبينا، يدركه كل أحد، لما كان (٤) محلا للبيان، فامتثل ما أمره الله به، والبيان على أقسام [و ٨٥ ب] كثيرة، عند العلماء، ولكل واحد (٥) طريقة في العبارة عنه. فأما طريقة الأصوليين فقد أثبتناها في مواضعه (٦) مقتدين بغيرنا فيها. وأما المحدثون الذين تتعلق (٧) بحبلهم، وتزعم أنك تتفيأ بظلهم (٨) فهو عندهم على عشر (٩) مراتب، الأولى (١٠): بيان التصريح، كقوله ﷺ : "إن الزمان قد استدار كهيئته (١١) يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات (١٢) ذو القعدة، وذو الحجة ورجب مضر (١٣) الذي بين جمادى وشعبان" الثانية: قال البراء (١٤): أشار النبي ﷺ بيده، ويدي أقصر من يد رسول الله ﷺ ، فقال: "أربع (١٥) لا تضح (١٦) بهن: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقى". الثالثة: قال سمرة بن جندب (١٧). قال رسول الله ﷺ : (لا تسمين عبدك أفلح، ولا نجيحا ولا رباحا ولا

стр. 252

يسارا" (١)، وانظر ألا تزيد (٢) علي. الرابعة: قول النبي ﷺ : "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه من بعده، فإنها لمن (٣) يعطاها لا ترجع إلى صاحبها أبدا". لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. الخامسة: قام رجل عند النبي ﷺ فسأله (٤) عن الصلاة في ثوب واحد فقال: "أو كلكم يجد ثوبين" (٥). السادسة: قال رسول الله ﷺ : "يقبض العلم، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج"، قيل: يا رسول الله ما الهرج؟ قال: هكذا بيده، وحرفها، يريد القتل. السابعة: قال رجل في حجة الوداع: ذبحت قبل أن أرمي، فأومأ بيده وقال: "لا حرج". الثامنة: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى نقاتل أقواما (٦) عراض الوجوه، ذلف (٧) الأنوف صغار العيون، كأن وجوههم الجان المطرقة". التاسعة: جاء أبو بكرة (٨) والقوم ركوع، فركع دون الصف ثم مشى، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: "أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى؟ " قال أبو بكرة (٩): أنا يا رسول الله، قال: "زادك الله حرصا ولا تعد". العاشرة: سؤال النبي ﷺ عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص (١٠) الرطب إذا يبس؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا إذن". فانظروا رحمكم الله إلى بيان النبي ﷺ للأحكام على درجات، وأين النص من هذه المراتب؟ يزيده إيضاحا أن النبي ﷺ صح أنه قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" وقد اختلفا في مسائل قطعا، منها الحد، وتفصيل التفضيل في العطاء، ولا يمكن الجمع بينهما، في الاقتداء، فأين النص؟ ولكم أبين هذه المسألة لا لهم، ومن الاقتداء بهم أن يرى الفقيه منكم، أن كل

стр. 253

واحد منهم لم يرجع إلى صاحبه، ولا نظر (١) كل واحد (٢) إلا لما (٣) يقتضيه اجتهاده، وكذلك فعل (٤) سائر الصحابة دونهم، وكذلك فعل التابعون، وكذلك فعل مالك، والشافعي، فليقتد بهما في ذلك، ومن الاهتداء بهدي عمار، أن فقهه كان فيما إذا عارضه أمران، أحدهما أشد من الآخر، وأكثر احتياطا في الدين، أخذ به، وهذا صحيح منه (٥) فاقتدى به مالك، وجماعة، فرأوا إذا تعارض الدليلان (٦) أن يؤخذ بالأشد والأحوط منهما، ومن الاقتداء بعمر أن لا يقبل حديث النبي (٧) من كل راو (٨)، فنراه (٩) قد رد على أبي موسى حديثه، وطلب منه البينة عليه. ومن الاقتداء بعلي، وهو أحد الخلفاء أنه كان لا يرى رأي أبي بكر ولا عمر (١٠) في الحد، فقد تعارضوا، فكيف يكون الاقتداء؟ فعلى قولهم [و ٨٦ ب] ما بين النبي ﷺ ما أنزل إليه (١١)، ولا أحال إلا على مشكل، ومن الاقتداء بعمر، ألا يمكن النالد! من أن يقولوا: قال رسول الله ﷺ : "ولا يذيعوا أحاديث النبي ﷺ حتى يحتاج إليها"، وإن درست، وهذا لحكمة (١٢) بديعة، وهي أن الله قد بين المحرمات والمفروضات في كتابه، وقال تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١] وثبت عنه أنه قال: (إن (١٣) الله أمركم بأشياء فامتثلوها، ونهاكم عن أشياء فاجتنبوها، وسكت لكم عن أشياء رحمة منه، فلا تسألوا عنها) وقد اتفقت الصحابة على جمع القرآن لئلا يدرس، وتركت الحديث يجري مع النوازل، وأكثر قوم من الصحابة التحديث (١٤) عن النبي ﷺ فسجنهم (١٥) عمر، فلو درس ما درس من الحديث الوحداني، لما أثر في الشريعة، فإن كان يبقى

стр. 254

مسكوتا عنه، فيكون عفوا، وما ضمن (١) الله الحفظ لحديث النبي ﷺ ، وإنما ضمنه (٢) للقرآن. على الاختلاف (٣) أيضا بين العلماء في تأويل قوله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] فإنا نقول لهم: ليس المراد بالذكر ها هنا القرآن (٤)، وإنما هو النبي ﷺ ، أو الدين أو القرآن، وإنما حفظ النبي ﷺ بقوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ المائدة: ٦٧] وحفظ الدين بقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣] وحفظ القرآن بأن الصحابة وفقوا لنسخه، وضبطه، وإرسال الأمهات إلى أمصار المسلمين به (٥)، ولو كان المراد به الحديث (٦) لكان أول من يبادر بذلك الصحابة ﵃، حين قالوا لأبي بكر (٧) أيان (٨) استحر القتل بالقراء يوم اليمامة: يا أمير المؤمنين أدرك القرآن وما جاء إليه أحد [و ٨٧ أ]، قال (٩) له: أدرك حديث رسول الله (١٠). وأنت ترى حديث النبي يأتي في كل زمان وعلى يد كل شيخ واحد بعد آخر، فلعل حفظه هو (١١) هكذا، ولكن فيه أن الأحكام تجري على بابها، ولا ينتظر بها (١٢) الأحاديث حتى إذا وجدت على شرطها، وتبينت (١٣) البيان (١٤) الشافي المراد فيها، ومنها، لم يحل لأحد أن يتعداها، وسنزيده (١٥) بيانا، والله أعلم، يحققه أنهم يقولون على الإجماع، ولا إجماع عندهم إلا للصحابة خاصة، ولا يسمع إجماع الصحابة إلا بأن ينقل عن كل واحد منهم، وهذا مما لم يوجد، فإذا (١٦) قالوا هم: لا حكم إلا بنص: قلنا: ولا نص على من ترك النص.

стр. 255

وهذا القول أصح (١)، لأنه (٢) به قال (٣) جماعة من العلماء، والذي قالوه ما قال به (٤) أحد قط، والاختبار (٥) في ذلك كله يكشف الحقيقة، فإن قائله أجهل الجهال، وأضل (٦) الضلال، فإذا طالبتهم (٧) بنص فذكروه، وجدت الاحتمال يتطرق إليه، ضرورة، فإذا عارضتهم (٨) فيه، لم يجدوا ملجأ، وذلك يبين بتتبع (٩) مسائل لهم، وهي كثيرة، فلا نكلمهم (١٠) فيما ساعدهم (١١) عليه الشافعي، أو أبو حنيفة (١٢) فإنهم يتكلمون بحجتهم (١٣)، ويتقوون بهم (١٤)، وإنما نتكلم (١٥) معهم فيما ينفردون به، فترى (١٦) الفضيحة المعجلة (١٧) وما سلكوا في الظاهر إلا سبيل إخوانهم من اليهود، فإنهم قيل لهم: لا تصطادوا يوم السبت، فسكروا الأنهار في أوائلها، فلما كان في يوم الأحد أمكنهم الحوت، فإن الحوت قبل ذلك كان يأتي يوم السبت، ولا يأتي في سائر الأيام، فأخذوا بظاهر الأمر، فسدوا (١٨) أفواه الأنهار، فلم يجد الحوت منفذا فصادوه (١٩)، فعوقبوا، ولم يعدلوا عن ظاهر ما أمروا حين تركوا المفهوم من ذلك، وهو تفويت الحوت، وكذلك إخوانهم الروافض، قالوا: لا تكون الإمامة إلا بالنص من النبي على أن فلانا خليفتي، وهذا باطل قطعا، ليس لهم في ذلك حديث يعول عليه. مسألة: [و ٨٧ ب]، قال أهل الخبال (٢٠): لو أن رجلا بال في ماء دائم، لم يتوضأ

стр. 256

منه، ولو جرى فيه من بول في مجاورته، لم يمتنع الوضوء به، [وكذلك لو غاط فيه لم يمنع (١) من الوضوء به] (٢). فانظروا رحمكم الله إلى هذا الهوس في الدين، والاعتداء على الشريعة، والاستخفاف بحرمة الرسول ﷺ . إن كان المتبع لفظ الشارع بعينه فقد قال: "لا يبولن أحد في الماء الدائم ثم يغتسل به" (٣). فهذا يقتضي بظاهره، أن يقتصر (٤) المنع على البائل دون غيره، ويقتضي أنه لو بال (٥) في كوز، وصبه فيه أن لا يمنع ذلك من وضوئه (٦) منه، ويقتضي أنه لو بال فيه قطرة من بول، لم يتوضأ به، ولو غاط فيه رطلا لم يمتنع من الوضوء به، فانظروا (٧) إلى ما يؤدي إليه مذهبهم، ويعطيه غرضهم، كبر كلاما يخرج من أفواههم، إن يقولن (٨) إلا محالا على الشريعة، وافتراء وقبل وبعد، فليقولوا ما شاءوا وليخرجوا دقائق (٩) "المحلى" بالحاء المهملة، فعندنا فيه نقطة واحدة فوق حائهم، وأخرى (١٠) تحت جيمنا فتجلى (١١) به ما يقتضي أن يكون كتابهم متروكا لا يلتفت إليه. قال القاضي أبو بكر (١٢) ﵁: وقد كنت أتتبع لكم مسائل داود مسألة مسألة، إلا أن (١٣) ابن حزم لا يبالي عن داود، ولا عن سواه، فأكون ضاربا معه في حديد بارد، ولكني أذكر لكم دستورا تقهرونه به قهرا، بأن تقولوا له: قال الله ﵎: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣] وقال النبي ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" وحفظنا صلاته فعلا، وما أمر (١٤) به غيره قولا (١٥)، وبقي علينا من نسي تكبيرة الإحرام، أو القراءة (١٦) أو الركوع، أو السجود، أو الجلوس، أو السلام، أو اثنتين من

стр. 257

ذلك، ماذا عليه؟ أيجزيه (١) أم لا يجزيه؟ والنبي ﷺ [و ٨٨ أ] فقد نسي وسجد في موضع، فهل كل موضع مثله أم لا؟ وما سجد فيه من ترك السجود وقد رفع الله عنا قطعما ما نسينا فيه أو أخطأنا، فلا يقولون (٢) شيئا يقوم على ساق أبدا، لأنهم لا يجدون في كل حرف نصا، وكذلك القول في أبواب الشريعة كلها منها (٣). مسألة: هي أشدها (٤)، قول ابن حزم: إن الله قادر على أن يتخذ ولدا وأن يخلق إلها إذا شاء ذلك وأراده، بقوله: ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء﴾ [الزمر: ٤] (٥) فانظروا إلى هذه الداهية العظمى، كيف جهل الجائز من المستحيل في العقل والمعقول المفهوم من الكلام دون ما لا يعتهل، فإن هذا الكلام ليس له معنى مفهوم، إذ قوله: هل يقدر الله أن يتخذ ولدا، ليس يفهم، لأن الله هو الذي لا يتصور أن يكون له ولد، ولا يمكن، فإذن، معنى ذلك من قول القائل: هل يقدر الله الذي لا يصح أن يوجد (٦) منه ولد، على أن يكون له ولد، فنقض آخر الكلام أوله، فلم يكن له معنى معقول في نفسه فيستحق به جوابا، و (٧) كذلك قوله: هل يقدر الله على أن يخلق (٨) إلها. لأن الله هو الذي لا يصح أن يكون معه إله سواه، فنقض آخر الكلام أوله (٩) ومن ينتهي إلى هذا الحد، فقد سقطت مكالمته. وقال منتهكا (١٠) للشريعة، مستخفا بطرق (١١) الملة أن من ترك الصلاة متعمدا

стр. 258

حتى خرج وقتها، فقد سقط عنه فرضها، ولم يتوجه عليه خطاب بها، وقد رأى أصول الشريعة ثابتة في الذمة تقضي متى تعذر عملها، من صوم، وزكاة، وحج، فهلا ارعوى، ولم يغو فيمن غوى، ولا ضج (١) على الدين وعوى. فإن قيل فقد قال الله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت [و ٨٨ ب] على المؤمنيين كتابا موقوتا﴾ [النساء: ٥٣]، فربطها بوقت، كما ربطها بطهارة، فإذا زال رباطها (٢)، سقط الأمر بها. الجواب عن ذلك من خمسة أوجه الأول: أني (٣) أعظكم بواحدة تكشف خفاء المسألة، وتهتك سترها، وترفع حجابها، وهو أن تناقشوهم في الألفاظ حتى لا يتمكنوا (٤) من أن يخرجوا (٥) عنها إلى المعاني، فإنهم تجدهم (٦) لا يتبعون لفظا، ولا يصح ذلك لبشر (٧)، فبم يرون (٨) أنهم مهتدون وهم ظالون؟ قوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ فلفظ موقوت (٩)، مفعول من الوقت، والتقدير: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا مفعولا في وقت، ولا شك (١٠) في أن كل عبادة وعمل شرعي موقوت (١١)، فتفسيرهم مرتبط بوقت، لا يقتضيه اللفظ، فإن لفظة مفعول لا تقتضي (١٢) الارتباط بوقت ببنائه، ولا بمعناه. الجواب الثاني: ليس بناء وقت من الزمان خاصة بل هو موضوع لكل محدود، قد قال في الحديث الصحيح: (وقت النبي ﷺ لأهل المدينة، ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل) فاستعمل التوقيت في الأمكنة ليبين أنه لفظ موضوع للتحديد والتعيين في الأقوال والأعمال، كانت لوقت، أو لمكان، أو لوصف. الجواب الثالث: إن قوله: ﴿موقوتا﴾ يفيد أن الوقت شرط من شروطها، كالقبلة، وستر العورة (١٣)، وكل شرط منها كلها إذا فقد لا يمنع من

стр. 259

فعلها بإجماع، فكذلك فقد (١) الوقت، وليس في هذه الشروط كلها أحاديث، يتعلقون بها، وإنما هي كلها ثابتة بالقياس. الجواب الرابع: نقول: إن النبي [و ٨٩ أ] ﷺ قد أبان الحقيقة، وأوضح سواء الطريقة، في نوم أصحابه عن الصلاة بحضرته (٢) في ثلاثة أحوال، عرضت لهم معه: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٣) ويفعلها (٤) في قضائها حين لم يفعلها معهم في وقتها، وقد تساوى معهم في الترك، وإن كانوا قد اختلفوا في سبب الترك وقد بينا فيما سلف من كلامنا أن ما يعرو (٥) رسول الله ﷺ من هذه المعاني التي هي جبلة الآدمي (٦) هي بركة على الأمة، فإنها لهم فيما يصيبهم سلوة، ولأتباعهم له في ذلك أسوة، وقد تفطن لذلك حبر (٧) الأمة فيما روى عنه الأيمة قال مسروق (٨) عن ابن عباس: (كان رسول الله ﷺ في سفر، فعرسوا من الليل قال: فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس. قال: فأمر بلالا فأذن ثم صلى ركعتين فما يسرني أن لي (٩) بها الدنيا وما فيها) (١٠) قال علماؤنا لما كان (١١) في ذلك من التبيان (١٢) لمن عراه بمثل ما عراه، وشغله عن طاعة ربه، أي (١٣) شغله حتى أذهله وأنساه ثم عاد (١٤) إلى ذكراه، ولو كان قوله: ﴿موقوتا﴾ مربوطا بوقت مخصوص معين لم تكن (١٥) في غيره، واقعة موقعها، لأن ذلك يبطل ارتباطه بها. فإن قيل ذلك الوقت الذي ربطت به إنما يعلم من قبله فجعله (١٦) معينا للعالم، وجعله (١٧) للذاهل أو النائم (١٨) وقت الذكر. قلنا: قد بينا أن اللفظ لا يقتضي ذلك، ولا يعطيه الاشتقاق. وقد بينا أن الشريعة لا تخص بذلك، كل

стр. 260

عمل محدود، لا بد له من وقت، إلا أنه قد يكون مطلقا، وقد يكون معينا بحسب لا قامت عليه أدلة الشريعة من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج وفرض ونفل. والجواب الخامس: أنه لم تزل (١) الأمة من عصر الصحابة متفقة على أن من ترك [و ٨٩ ب] الصلاة بأي وجه تركها حتى يخرج الوقت الذي يقولون، إنه يلزمه قضاؤها أبدا من نسيان أو سهو، أو نوم. واختلفوا في المغلوب على عقله بالإغماء والجنون وقد تولجت تلك الأقطار الكريمة، ودخلت تلك (٢) الأمصار العظيمة، وجبت الآفاق القاصية نيفا على عشرة أعوام، فما رأيت أحدا تفوه بهذا الكلام، ولا وجدته مسطورا في كتب أيمة الإسلام، ولو أن أهل بلدنا (٣) إذ سمعوها تفلوا (٤) عليها، ولم يلفتوا (٥) إليها إذنا، ولا قلبا، ولا ليتا (٦)، لماتت. إنما اختلفت العلماء قديما وحديثا فيمن ترك الصلاة متعمدا هل يكون بذلك كافرا؟ فقال أحمد بن حنبل، وابن حبيب (٧) من المشاهير: هو كافر، لألفاظ وردت عن النبي ﷺ منها قوله: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر" (٨) وهذا قول صريح في حديث صحيح، ولو لم يعارضه سواه، لقلنا به، ولكن صدنا عن ذلك معان: المعنى الأول: أن لفظ "كفر" قد يرد في الشريعة بمعنى أشرك، وخرج عن الملة، وقد يرد بمعنى لم يشكر حق النعمة، قال النبي ﷺ للسناء: "إني رأيتهن (٩) أكثر أهل النار". قالوا (١٠): بم يار رسول الله؟ قال: "بكفرهن" قيل أيكفرن ب الله؟ قال: يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم أسأت إليها يوما واحدا (١١)، قالت: ما رأيت منك خيرا قط"، وقد يرد بمعنى ستر لقوله ﷺ : "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر" قيل: ستر نفسه عمن يجب

стр. 261

عليه إظهارها له، وقيل: إنه كالأول في أنه كفر نعمة سيده، أي لم يشكرها كنحو قوله: ﴿واشكروا لي ولا تكفرون﴾ [البقرة: ١٥٢] فجعله من الكفر الذي هو ضد الشكر، لا ضد الإيمان الذي هو [و ٩٠ أ]، توحيد الله. المعنى الثاني: أن النبي ﷺ قال: "أخرجوا من النار من (١) في قلبه مثقال ذرة من إيمان". المعنى الثالث: أن عبادة (٢) روى عن النبي ﷺ قال: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من جاء بهن لم يضيع (٣) منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند (٤) الله عهد أن (٥) يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له (٦) عند الله عهد (٧)، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له" (٨) وهذا نص قاطع، فإن الكافر لا يكون في مشيئة المغفرة بما أخبر به عن ذلك سبحانه. درجة: أما أن العلماء اختلفوا في قتله إذا ترك الصلاة عمدا، فقال أبو حنيفة: لا يحل (٩) إراقة دمه، لكنه يؤدب على استخراج هذا الحق منه بالسوط، وإن أدى ذلك إلى تلف نفسه. وقال مالك والشافعي: يقتل في آخر الوقت. قال متأخرو علمائنا: لا يقتل ضربة بالسيف، ولكنه ينخس بالحديد حتى تفيض نفسه، أو يقوم بالحق الذي عليه من فعلها، وبهذا أقول: قال أبو المعالي: لا أرى أن يسفك دم امرئ مسلم على ترك الصلاة بغير نص من (١٠) كتاب الله (١١)، ولا سنة، ولا قياس جلي تناط بمثله المحظورات والذي حمل على ذلك أبا المعالي (١٢) نكتة فارغة، تعلق بها أهل ما وراء النهر من أصحاب أبي

стр. 262

حنيفة (١) وهي عسيرة (٢) المبدأ، ولكنها سهلة المنتهى، قالوا: إن الشريعة لم تبح قط (٣) دما بترك المفروض (٤) كالوضوء والصوم والزكاة والحج، وإنما أباحت (٥) الدم بفعل المحظور كالرق والقتل والحرابة. والذي انتهى إليه التحقيق في ذلك، المتفق عليه (٦) ما أوردناه في "مسائل الخلاف". لبابه يتحصل في ثلاثة مسالك. المسلك الأول: منع الوضوء والصوم، وارتكاب إباحة دم من تركها متعمدا. فأما الحج فهو على غير [و ٩٠ ب] الفور عند قوم، فلا يتحقق فيه الترك المتفق عليه. وأما الزكاة فمقصودها الأوكد وهو أخذ المال ممكن، وتبقى النية وهو الركن الثاني فليس (٧) يمتنع في الشريعة استقلال الأمر بأحد ركنيه، وقد بيناه في "مسائل الخلاف"، فلا نطول به (٨) في هذه الإشارة. المسلك الثاني: أنا نقول لهم: قد اتفقنا على قتله إلا أنكم (٩) قلتم يقتل بالسوط، وقلنا يقتل بالحديد، والحقوق تستخرج بالحديد، كما تستخرج بالسوط، ألا ترى أنا نستخرج حق الله في الإسلام من المرتد بالحديد. المسلك الثالث: أن قوله ﷺ : "من ترك الصلاة فقد كفر" وهذا وإن لم يفد حقيقة الكفر، فليفد جزاء (١٠) الكفر، لئلا يبقى اللفظ عاريا عن إحدى فائدتيه وهي الحقيقة أو المجاز (١١). فإن قيل: فكيف نقول (١٢) في الأمثلة التي استشهدتم بها وهي قوله في النساء، وفي العبد الآبق؟ قلنا: ليس هنالك حق (١٣) يستخرج بالفعل المؤدي إلى تلف النفس، بخلاف مسألتنا فإنا اتفقنا على أن يستخرج منه هذا الحق، وإن أدى إلى تلف نفسه وإراقة دمه، وإن اختلفنا في صفة ذلك.

стр. 263

درجة: فأما تخصيص التارك متعمدا (١) بدليل على وجوب القضاء وقد قدر الله تعالى (٢) أنه لا بد من النظر في ذلك مع هذه الطائفة الركيكة، فنأخذ ذلك من وجوه: أحدها: أن نقول: إن الأمة أجمعت (٣) أيام عصر السلف الأول على وجوب قضاء الصلاة على المتعمد فلا يراعى ما طرأ في هذه الأوقات المغيرة (٤) التي طرأت عليها البدع المضلة، ولقد كان أهل البدع لا يستحدثون بمثل هذه الطامة حتى أجراها الشيطان بقضاء الله وقدره على لسان من أجراها لتكون زيادة في الإضلال [و ٩١ أ]. ولو راعينا كل خلاف يطرأ، لما استقر الدين على قاعدة. الثاني: أن داود وأصحابه الذين أحدثوا بدعته لا يختلفون في قضاء المتعمد لترك الصلاة، وذلك منصوص في كتبهم، فانظروا هنالك. الثالث: أن من الثابت انعقاد الاجماع على أن من ثبت في ذمته شيء لا بد أن يخرج عنه، ومن تعينت عليه عهدة لا غنى من (٥) أن يتفصى عنها. وهذا متعمد (٦) قد لزمته الصلاة، وثبتت (٧) في ذمته فلا يخرجه عنها (٨) إلا أداؤها على حكم كل حق ثبت في الذمة. فإن قيل هي (٩) حق مؤقت أو مربوط بوقت، فقد سبق الجواب عنه (١٠)، على أنه يبطل بالصوم فإنه مربوط بوقت، ويقضي تاركه متعمدا، وربط الصوم بوقته أعظم من ربط الصلاة بوقتها. فإن قيل: قد زال وقت الأداء، فلا يجب القضاء، إلا بأمر ثان. قلنا: ليس لآخرها حد إلا فعلها. جواب آخر: إنا نقول: إذا توجه الأمر بالفرض، لم ينج المكلف من ذلك إلا فعله، كان ذلك مذكورا في وقت، أو مطلقا، ولا نقول: إن الأداء والقضاء غيران، الأداء هو القضاء، والقضاء هو الأداء، شرعا وعربية. وإنما

стр. 264

ذكر الفرق بينهما المتأخرون من أصحابنا اصطلاحا. وهذه الألفاظ التي اصطلح عليها العلماء آخرا، لما احتاجوا إليه من البيان لا يجوز بناء الأحكام الشرعية عليها، وإنما تبني الأحكام الشرعية على قول الله أو قول (١) الرسول، أو العربية (٢) التي نزل القرآن بها، وتكلم رسول الله ﷺ بلسانها. الرابع: أنا نتعلق بظواهر الأحاديث التي يزعم الجاهلون القائلون بذلك، أنها لهم، وهي ستة أحاديث: الحديث الأول: قوله: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا وقت لها إلا ذلك" (٣) فأخبر [و ٩١ ب] النبي (٤) أن من نام عن صلاة، أو نسيها (٥)، أو تركها، أنه يصليها متى ذكرها. والنسيان في العربية قسمان: أحدهما ذهول، والآخر تعمد، وذلك أشهر من أن يدل عليه. فبين النبي ﷺ أنها متى تركت (٦) بغير عقل كالنوم، أو بعقل كالذهول والعمد، أنه يجب قضاؤها، ألا ترى أنه لم يقل من سها، وذكر من نسي، ليستوفي البيان ﷺ وقال: "إذا ذكرها، فالذاهل يذكر بعد ذلك فيلزمه وقت الذكر، والمتعمد ذاكرا أبدا فيلزمه أبدا، إذ هي (٧) مرتبة على الذكر، فمن وجد منه (٨) الذكر لزمته (٩) حتى يفعل (١٠) [وقد قال ﷺ : "ولا يقولن أحدكم نسيت آية كذا بل هو نسي" وذلك لقوله: ﴿أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى﴾ [طه: ١٢٦] (١١). الحديث الثاني: قول النبي ﷺ وقد قال له رجل أو امرأة: إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا (١٢) أو أمي (١٣) وأنه (١٤) لا يستطيع أن

стр. 265

يحج، أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو كان على أبيك أو أمك دين، أتقضيه" قال: أو قالت: نعم، قال: "فدين (١) الله أحق أن يقضى" فبين (٢) أن كل حق الله في ذمة العبد لا يخرجه عنه إلا فعله، فإن عادوا إلى ذكر الوقت قلنا لهم: قد بينا فساده. الحديث الثالث: قول رسول الله ﷺ : "شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، حتى غابت الشمس، ملأ الله بيوتهم (٣) وقبورهم نارا" (٤) ثم قضاها بعد غروب الشمس، ولم يكن تركها سهوا، وإنما كان اشتغالا بالحرب والتدبير لها، والاحتراس من غرة المشركين. الحديث الرابع: روي في الصحيح أن النبي ﷺ قال في الخندق لأصحابه: "سيروا إلى قريظة ولا يصلين أحد منكم إلا فيها" فساروا ففاجأتهم (٥) العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نبلغها، وقال بعضهم: لم يرد رسول الله هذا منا، وصلوا، فصوب رسول الله ﷺ [و ٩٢ أ]، الطائفتين التي صلت والتي أخرت الصلاة عن وقتها متعمدة وقضت، ولو كانت مقصورة الوجوب على الوقت، لا فعل لها إلا فيه لبين لهم ذلك، وأعلمهم أن ما أتوا به بعد خروج الوقت تكلف. الحديث الخامس: قوله ﷺ ، فيما ثبت وصح: "أنه سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقته" (٦)، قال: فنصليها معهم؟ قال: "نعم" ولم يقل: إن الصلاة لا تفعل إلا (٧) في وقت مخصوص. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال - وهو الحديث السادس -: "ليس التفريط في النوم، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى دخل (٨) وقت

стр. 266

الأخرى" (١) وهذا نص في أن المفرط حتى يخرج الوقت يصلي، ولكنه يكون مفرطا، وهذا القدر كاف لكم في ال مسألة . والذي أراه ألا يكلم (٢) قائل هذا إلا بالاستتابة (٣)، أو بالقتل لمخالفة إجماع الأمة. والله أعلم. مسألة: ومن أعظم ما جاء (٤) من التخليط قول ابن حزم: والقرآن كلام الله تعالى وهو علمه، ويعبر بالقرآن، و (٥) بكلام الله عن خمس مسميات يعبر بذلك عن علم الله، وعن المسموع في المحاريب، قال الله (٦): ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] وعن المحفوظ في الصدور، قال الله تعالى (٧): ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ [العنكبوت: ٤٩] وعن المكتوب في الصحف. قال الله تعالى: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾ [البروج: ٢١] وقال: ﴿فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾ [عبس: ١٦] ونهى ﵇ عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. وعن المعاني المفهومة من التلاوة. وكل (٨) هذه الأربعة إذا أفردت، وعبر عنها بالصوت والخط - حاشا لله (٩) - فكل ذلك مخلوق. وإذا عبر عن علم الله فهو غير مخلوق، فكل ما وقع من ذكر فرعون، والكفار، والسموات [و ٩٢ ب]، والأرض، في القرآن فكل ذلك مخلوق. وإذا أطلق جملة فهو غير مخلوق. قال الله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا﴾ [الأنعام: ١١٥]، وهذا يدل على أنه غير مخلوق. وقال: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم﴾ [يونس: ١٩] فصح يقينا أنه أراد علمه السابق، فعلمه (١٠) هو كلامه وهو غير مخلوق. وقال: ﴿وتمت كلمة ربك﴾ [هود: ١١٩] وقال: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾

стр. 267

[الكهف: ١٠٩] فدل على أن الذي تم (١)، غير الذي لا ينفد، والذي ثم (٢) هو ترتيبه لمقادير ما خلق. وقول الله غير كلام الله، والبرهان أن التكليم (٣) فضيلة قال الله تعالى: ﴿منهم من كلم الله﴾ [البقرة: ٢٥٣] والقول رذيلة، قال الله تعالى: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (٤). قال القاضي أبو بكر (٥) ﵁: ما لهذا مثل (٦) إلا كما قال الشاعر: وخلا الغبي بما (٧) يضلل نفسه...كفرا كفعل الأسخط (٨) المتهوج عبثا يرد مقاله بمقاله...فعل الجهول على الطريق الأعوج هذا الكلام من تخليطه. قوله: كلام الله هو علمه: لا عقل ولا شرع، من أين أخذ هذا؟ أدلة العقول تنفيه، والشرع لم يرد به، ثم قال: يعبر بكلام الله عن خمس (٩) مسميات: عن علم الله، وعن المسموع في المحاريب، والمسموع في الدور (١٠)، والمسموع في السفر (١١)، والمسموع في الكتيبة (١٢) إذا تلا القرآن هنالك أحد، كلام من يكون؟ ثم قال: وعلى (١٣) المحفوظ في الصدور، قال لقوله: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ [ولا يصح أن تكون ذات القرآن الذي هو كلام الله آيات (١٤) ثم قال] (١٥) ﴿في صدور الذين أوتوا العلم﴾ فإن حفظه من لم يقرأ العلم كالصبي الصغير والعجوز والأعرابي الفدم، هل هو محفوظ في صدره أم لا؟ والله لم يقل: إلا في صدور

стр. 268

أهل العلم (١) [و ٩٣ أ]، فلا يزد هو عليه (٢)، ولا يجعل الخصوص عموما، فإنه جهل محض بالطريقة، وخروج (٣) عن الظاهرية، ثم قال: وعن المكتوب في المصحف لقوله: ﴿في لوح محفوظ﴾ (٤) واللوح المحفوظ هو عند الله، وليس بصحف (٥). وقال تعالى: ﴿فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾ يعني ما (٦) بأيدي الملائكة، فالذي يقتضيه القرآن أنه في صحف الملائكة. فأما في صحف بني آدم أو (٧) ألواحهم، فيفتقر فيه إلى (٨) نص. فإن قالوا (٩): وأي (١٠) فرق بينهم؟ هذا مثل ذلك. قلنا: هذا قياس وإلحاق وتقدير وتشبيه، وتنظير، وأين أصلك في أنه لا شيء إلا قول الله، وقول الرسول؟ وأما نهي النبي ﷺ عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، فمتى كان ذلك الوقت مصحف يسافر به؟ وقد كتب هو ﷺ بالقرآن إلى الروم وهم أنجاس. وإذا كان في صدور الرجال، وحملوا إلى أرض (١١) العدو، فكيف هذا ولا يحمل المصحف؟ والرجال المؤمنون أعظم حرمة. وقد قال بعض الناس: لا يغزو العلماء. قال: ويعبر بالقرآن عن المعاني المفهومة من التلاوة. ومن قال له هذا؟ وأين وجده؟ في كتاب الله، أو في سنة رسول الله (١٢)؟ وأنى له، أن (١٣) الآيات يراد بها المعاني؟ ولعل يراد بها الألفاظ. ثم قال: وكل هذا إذا عبر به عن غير الله، مخلوق، وإذا عبر به عن الله، غير مخلوق، فكيف (١٤) تكون الحروف التي يكتب بها الله، ويعبر بها عنه غير مخلوقة، فإذا عبر بها عن غيره تكون مخلوقة، وكلاهما موجود عن عدم؟. وهذا الكلام (١٥) ينفيه العقل والشرع، ولا يرضى أن يتكلم به معتوه. وقوله: إن

стр. 269

كلمات الله قد تمت، بمعنى مقاديره، وكلماته التي لا تنفد (١) غير مخلوقة (٢). سخافة، وكلمات [و ٩٣ ب] الله على حقيقة واحدة تعالى أن يكون منها شيء مخلوقا (٣) أو من صفاته العلى (٤)، أو من أسمائه الحسنى. ثم قال: وقول الله غير كلام الله. وهذه سخافة قالتها المعتزلة، ولكن بطريقة معلومة من العربية سلكوها، ومن البدع (٥) معقولة ذكروها (٦) يصح أن تسمع فيرد (٧) عليها. وأما هذا الذي قال: من (٨) أن كلام الله فضيلة، وقوله رذيلة. فهذا خذلان لا (٩) ينتهي إليه جهلة النسوان. يا لك ذا (١٠) من جعل (١١) بمرحض...خلا لك الجب فدحرج وارحض ...ولفها من قذر وحيض (١٢) ... مسألة غريبة: وهي أن الله سبحانه قال: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة﴾ فأوجب الكفارة بالعود بعد الظهار، فقال البائس داود: إن (١٣) معنى ذلك: يظاهر مرة أخرى بلسانه، ولم يحتشم من العربية (١٤)، ولا من الله، ولا من رسوله (١٥)، ولا من الناس، وأنا أكلمه لكم (١٦) ظاهريا، حتى أبرزه لكم بريا (١٧)، من المعرفة عريا. قال الله: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا﴾ فننزل معه منزلة فنقول: أخبرني يا داود، كيف الظهار الذي أخبر الله عنه؟ هل هو قول بالجنان أو قول باللسان؟

стр. 270

وجئني بذلك (١) نصا عن (٢) النبي ﷺ في حديث صحيح أو سقيم، ولن تجد ذلك أبدا، وأخبرني يا داود عن صفة ترتيبه في الاعتقاد، وفي نظم الحروف عن النبي ﷺ (٣)، أو عن أحد من الصحابة. وهذه مسألة قد استرحنا معك فيها، فإنها ليست بإجماع، فإذا عين ما عين (٤) أو قال ما قال، قيل له: و (٥) من أين تقول ذلك، وأنت لا تتكلم إلا بنص؟ ولا سبيل أبدا إلى (٦) أن تتكلم بحرف مما تقوله (٧) إلا (٨) وفيه من الله قول، أو رسوله، فإن زاد على قول الله أو قول رسوله، حرفا فزد أنت حرفين [و ٩٤٣ أ]. منزلة أخرى (٩): إنا نقول لك في الظهار إنه قول الرجل لزوجته في تشبيه ظهرها بظهر أمه، هل هو قول محدد (١٠) أو أي قول كان؟ بأي صيغة (١١) ظهر منه وورد؟ فإن (١٢) قال: هو مثل قول: أنت علي كظهر أمي. قيل له: بل هو قوله: أنت علي مثل ظهر أمي أو أنت (١٣) ظهر أمي تكون (١٤) علي (١٥) أو بطنك علي كظهر أمي، أو فرجك أو جملتك كظهر أمي، أو يسقط الظهر من أمه، و (١٦) يجعله في الزوجة، ويقول (١٧) ظهرك علي كأمي. وهذا هو صريح القرآن فيلزمه أن يجعل الظهار شيئا غير هذا، ولو قال: إنه ظهرك علي كظهر أمي كان أميل إلى قرب (١٨) القرآن، وينبغي (١٩) أن يقال له: إنه إذا قال ظهرك، فمن حرم عليه بطنها أو سائر أعضائها، وهو يقول: لو طلق يدها لم تطلق، وإن قال: تطلق

стр. 271

وقع في أشد من ذلك، وأطم، وطولب بالدليل، فإن رام أن يتعلق بالإجماع لم يجده إلا من الفقهاء، ولا قدر لهم عنده، وإنما الإجماع الذي يرى، إجماع الصحابة. ويجب أن تعلموا أن البخاري ومسلما (١) لم يدخلا في الظهار حرفا واحدا من الحديث. أما أن (٢) الأيمة أدخلوا منها جملة فذكر أبو داود، والطبري حديث خويلة (٣): قالت: ظاهر مني زوجي، وذكرت نزول القرآن، وروى الترمذي أن رجلا أتى النبي ﷺ ، وقد ظاهر من امرأته، وروى أبو داود أن رجلا جعل امرأته كظهر أمه، وهذا أقرب الألفاظ إلى التفسير (٤)، فإنه لم يذكر أحد منهم لفظه ولكن ظاهر هذا يقتضي أن نقول (٥)، امرأتي كظهر أمي، فينبغي أن يقتصر (٦) يا داود عليه، ولئن فعلت ذلك لنقولن لك: هل (٧) جعلها بقوله، أو باعتقاده ذلك فيها؟ فإن قيل: ومن أين علمت ذلك؟ قلنا: قال لها: اعتقدت فيك ألا أعلوك، كما لا أعلو أمي، أو قال لها: فرجك كفرج أمي. منزلة أخرى: [ و ٩٤ ب]. ثبت عن الترمذي وغيره أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال له (٨): يا رسول الله: ظاهرت من امرأتي، فوقعت عليها قبل أن أكفر، قال: "وما حملك على ذلك يرحمك الله؟! قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال له (٩): "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك به". فأعلمه ببقاء كفارة الظهار عليه، وإن (١٠) كان قد وطئ، وبقي النظر في العود الذي أحال عليه (١١) رسول الله ﷺ (١٢)،

стр. 272

ولم يثبته (١) فيرجع (٢) إلية، فنقول (٣): إن الله سبحانه قال: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ [المجادلة: ٣] وأنت لم يتعين لك بعد قولهم الذي يرتبط به الحكم، فترى (٤) أن يكون العود إليه، هل هو قول القلب أم قول اللسان؟ وما صفة ذلك القول؟ أو رأيت إن قاله ثم نسيه وأنت قد عينته؟ وإن قلت (٥): أخذ بالعموم فيه. فكل قول يكون ذلك فيه (٦)، أقول به مهما كان فيه ذكر الظهر. قلنا له: ويكون فيه ذكر الظهر (٧) فيهما جميعا أو (٨) في الزوجة وحدها، أو في الأم (٩) وحدها. منزلة أخرى: يقال له: أرأيت إن لم يعد لما (١٠) قال، ولا كلم الزوجة؟ فليس له ما يقول مما فيه أثر عن النبي ﷺ . وانظروا رحمكم الله إلى قول النبي ﷺ للذي وقع على امرأته (١١) المظاهر منها قبل أن يكفر: "لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به" وقال للآخر الذي وقع على امرأته قبل أن يكفر: "أعتق رقبة أو أطعم" ولم يقل له: عد لما قلت، لأنه قد رآه عاد لما قال، ومعنى الآية قد بيناه في "الأحكام" (١٢) وتحقيقه: أنه لما قال: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أنهم لا يعودون إليه لأنه لما قال لها: أنت (١٣) علي كظهر أمي، قد قال: أنه لا يطأها، فلما عاد إلى الوطء لزمته الكفارة، أو إلى التمسك بالزوجية، أو إلى العزم (١٤) على ما بيناه هنالك والله أعلم. [و ٩٥ أ] أي (١٥)، وهكذا فخذ مسائلهم تجدها كما قلناه بتوفيق الله، وتنخل (١٦) من ذلك كله، المعنى المطلوب وهو تنزيل الشريعة منازلها، وتوفيتها مقاديرها، وعصمها بعواصم من

стр. 273

مطالبيها (١) أو أعدائها (٢)، حتى قام عمود الدين على أسه، واطرد نصره (٣) على رسه، واتسق بنيانه برصه، ورأى المطالب (٤) الأعظم أن مداخل الإلحاد لا تتحد، فعدد لها بعد ذلك سبلا (٥) من الباطل، أسلك (٦) فيها أمما، ونصل (٧) إليها عصبا، وجر (٨) إليها خلقا كثيرا. أصلها (٩): بعد (١٠) أن استأثر الله بنبيه ﷺ ، وقد أكمل له (١١) ولنا دينه، وأتم عليه وعلينا (١٢) نعمته، كما قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣] وما من شيء في الدنيا يكمل إلا وجاءه النقصان، ليكون الكمال الذي يراد به وجه الله خاصة، وذلك العمل الصالح، والدار الآخرة، فهي دار الله الكاملة. قال أنس: (ما نفضنا أيدينا من تراب قبر رسول الله ﷺ حتى أنكرنا نفوسنا) (١٣) واضطربت الحال، ثم تدارك الله الإسلام ببيعة أبي بكر، فكانت موتة (١٤) النبي ﷺ ، قاصمة الظهر (١٥)، ومصيبة العمر. فأما علي فاستخفى في بيته مع فاطمة. وأما عثمان فسكت. وأما عمر فأهجر (١٦) وقال: (ما مات رسول الله ﷺ ، وإنما

стр. 274

وعده الله كما وعد موسى، وليرجعن رسول الله (١) فليقطعن أيدي ناس وأرجلهم) (٢). وتعلق بال العباس (٣) وعلي بأمر أنفسهما في مرض النبي ﷺ (٤)، فقال العباس لعلي: (إني أرى الموت في وجه بني عبد الطلب، فتعال حتى نسأل (٥) رسول الله ﷺ فإن كان هذا الأمر فينا علمناه) (٦). وتعلق بال (٧) علي والعباس (٨) بميراثهما، فيما تركه النبي (٩) من فدك، وبني النضير، وخيبر [و ٩٥ ب] واضطرب أمر الأنصار يطلبون الأمر لأنفسهم، أو الشركة فيه مع المهاجرين، وانقطعت قلوب الجيش الذي كان قد برز مع أسامة بن زيد (١٠) بالجرف. عاصمة: فتدارك الله الإسلام والأنام، وانجابت (١١) انجياب الغمام ونفذ وعد الله، باستئثار رسول الله، وإقامة دينه على التمام، وإن كان قد أصاب، ما أصاب من الرزية (١٢) الإسلام - بأبي بكر الصديق ﵁، وكان إذ (١٣) مات النبي غائبا في ماله بالسنح (١٤) فجاء إلى منزل ابنته عائشة ﵂، وفيه مات النبي ﷺ ، فكشف عن وجهه، وأكب عليه يقبله وقال: (بأبي أنت (١٥) وأمي يا رسول الله (١٦) طبت حيا وميتا، والله لا يجمع الله عليك الموتتين. أما

стр. 275

الموتة التي كتب الله عليك فقدمتها (١)، ثم خرج إلى المسجد والناس فيه، وعمر يأتي حجر من القول كما قدمنا، فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد، أيها الناس (٢)، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) ثم قرأ ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾ [آل عمران: ١٤٤] فخرج الناس يتلونها في سكك المدينة، كأنها لم تنزل إلا ذلك اليوم (٣). واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، يتشاورون ولا يدرون ما يفعلون، فقالوا: نرسل إليهم يأتوننا، فقال أبو بكر: بل نمضي (٤) إليهم، فسار إليهم المهاجرون منهم (٥) أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فتراجعوا (٦) الكلام، فقال بعض الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر كلاما كثيرا مصيبا يكثر، ويصيب منه: نحن الأمراء وأنتم [و ٩٦ أ] الوزراء، إن رسول الله ﷺ قال: "الأئمة من قريش" (٧)، وقال: "أوصيكم بالأنصار خيرا أن تقبلوا من محسنهم، وتتجاوزوا (٨) عن مسيئهم" (٩) وإن (١٠) الله سمانا الصادقين، وسماكم المفلحين، وقد أمركم أن تكونوا معنا حيث ما كنا فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٩] إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة، والأدلة القوية، فتذكرت الأنصار ذلك، وانقادت إليه، وبايعوا أبا بكر الصديق ﵁، وقال أبو بكر لأسامة: أنفذ لأمر رسول الله. فقال له (١١) عمر: كيف (١٢) ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك؟ فقال: لو لعبت الكلاب بخلاخيل (١٣) نساء أهل المدينة ما رددت جيشا أنفذه

стр. 276

رسول الله ﷺ ، وقال له عمر وغيره: إذا منعتك (١) العرب الزكاة فاصبر (٢) عليهم. فقال: والله لو منعوني عقالا (٣) كانوا يؤدونه (٤) إلى رسول الله ﷺ لقالتهم عليه (٥) والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة (٦). قيل له (٧): ومع من تقاتلهم؟ قال: وحدي، حتى تنفرد سالفتي، وقدم الأمراء على الأجناد: والعمال في البلاد، مختارا لهم، مرتئيا فيهم، فكان ذلك من أسد (٨) عمل، وأفضل مقدمة للإسلام (٩)، وقال لفاطمة وعلي والعباس: إن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا، صدقة" (١٠) فذكر الصحابة ذلك، وقال: سمعته يقول: "لا يدفن نبي إلا حيث يموت" (١١) وهو في ذلك كله رابط الجأش، ثابت العلم، والقدم في الدين. ثم استخلف عمر، فظهرت بركة الإسلام، ونفذ الوعد الصادق في الخليفتين، ثم جعلها عمر شورى فأخرج عبد الرحمن بن عوف (١٢) نفسه من الأمر، حتى ينظر ويتحرى فيمن يقدم، فقدم عثمان، فكان عند الظن به، ما خالف له (١٣) عهدا، ولا نكث عقدا، ولا اقتحم مكروها، ولا خالف سنة. وقد كان النبي ﷺ [و ٩٦ ب] أخبر بأن عمر شهيد، وبأن عثمان شهيد، وبأن (١٤) له الجنة على بلوى تصيبه، وهو وزوجه رقية ابنة رسول الله ﷺ أول مهاجر بعد إبراهيم الخليل ﷺ . دخل به في باب. أول من (١٥) ... وهو علم كبير جمعه الناس (١٦). ولما صحت

стр. 277

أمامته قتل مظلوما، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ما نصب حربا، ولا جيش عسكرا، ولا سعى إلى فتنة، ولا دعا إلى بيعة، ولا حاربه (١) ولا نازعه من هو من أضرابه، ولا أشكاله، ولا يرجوها لنفسه. ولا خلاف أنه ليس لأحد أن يفعل ذلك في غير عثمان، فكيف في عثمان ﵁؟ وقد سموا من قام عليه فوجدناهم أهل أغراض سوء، حيل (٢) بينهم وبينها. فوعظوا، وزجروا، وأقاموا بحمص (٣) عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (٤) يؤنبهم ويؤدبهم (٥)، حتى تابوا، وأرسل بهم إلى عثمان فتابوا، وخيرهم، فاختاروا التفرق في البلاد فأرسلهم، فلما سار كل إلى ما اختار أنشأوا الفتنة وألبوا (٦) الجماعة، وجاءوا إليه في جملتهم، فاطلع عليهم من حائط داره، ووعظهم وذكرهم، وورعهم عن دمه، وخرج طلحة (٧) يبكي، ويورع الناس، وأرسل علي ولديه، وقال الناس لهم (٨): إنكم أرسلتم إلينا، أقبلوا إلى من غير سنة الله، فلما جئنا، قعد هذا في بيته، يعنون عليا، وخرجت أنت تفيض عينيك، والله لا برحنا حتى نريق دمه. وهذا قهر عظيم وافتيات على الصحابة، وكذب في وجوههم، بهت لهم، ولو أراد عثمان لكان مستنصرا بالصحابة (٩)، ولنصروه في لحظة، وإنما جاء القوم مستجيرين (١٠) متظلمين، فوعظهم فاستشاطوا، فأراد الصحابة إليهم (١١)، فأوعز إليهم عثمان ألا يقاتل

стр. 278

أحد بسببه أبدا، فاستسلم وأسلموه برضاه، وهي مسألة من الفقه كبيرة، هل يجوز للرجل أن يستسلم أم يجب عليه أن يدافع عن نفسه؟ [و ٩٧ أ] وإذا استسلم، وحرم على أحد أن يدافع عنه بالقتل هل يجوز لغيره أن يدافع عنه (١)، ولا يلتفت إلى رضاه؟ اختلف العلماء فيها. فلم يأت عثمان منكرا، لا في أول الأمر، ولا في آخره، ولا جاء الصحابة بمنكر. وكل ما سمعت من خبر باطل، إياك أن تلتفت إليه. قاصمة: قالوا معتدين (٢) متعلقين برواية كذابين: جاء عثمان في ولايته، بمظالم ومناكير، منها: ضربه لعمار (٣) حتى فتق أمعاءه، ولابن مسعود (٤) حتى كسر أضلاعه، ومنعه عطاءه، وابتدع في جمع القرآن وتأليفه، وفي حرق المصاحف، وحمي الحمى، وأجلى أبا ذر (٥) إلى الربذة، وأخرج إلى الشام أبا الدرداء (٦)، ورد الحكم (٧) بعد أن نفاه رسول الله ﷺ ، وأبطل سنة القصر في الصلوات في السفر، وولي معاوية ومروان (٨) ممن لم يكن (٩) من أهل الولاية، وأعطى مروان خمس أفريقية، وكان عمر يضرب بالدرة، وضرب هو بالعصا، وكتب مع عبده على جهله كتابا إلى ابن أبي سرح (١٠) في قتل من ذكر فيه،

стр. 279

وعلا على درجة رسول الله ﷺ ، وقد انحط عنها أبو بكر وعمر، ولم يحضر بدرا وانهزم [يوم حنين، وفر] (١) يوم أحد، وغاب عن بيعة الرضوان، وولى الوليد بن عقبة (٢) وهو فاسق ليس من أهل الولاية، ولم يقتل عبيد الله بن عمر (٣) بالهرمزان (٤) الذي أعطى السكين لأبي لؤلؤة (٥) وحرضه على عمر حتى قتله (٦). عاصمة: هذا كله باطل سندا ومتنا. أما قولهم: جاء عثمان بمظالم ومناكير فباطل. وأما ضربه لعمار وابن مسعود، ومنعه عطاءه فزور، وضربه لعمار إفك مثله، ولو فتق (٧) أمعاءه ما عاش أبدا. وقد اعتذر عن ذلك العلماء (٨) بوجوه، لا ينبغي أن يشتغل بها، لأنها مبنية على باطل، ولا ينبني حق على باطل، ولا يذهب الزمان في مماشاة الجهال (٩) فإن ذلك لا آخر له. وأما جمع القرآن فتلك حسنته العظمى، وخصلته الكبرى [و ٩٧ ب]، وإن كان وجدها كاملة، ولكنه أظهرها (١٠)، ورد الناس إليها، وحسم مادة الخلاف فيها، وكان نفوذ وعد الله بحفظ القرآن على يديه، حسبما بيناه في

стр. 280

"كتب القرآن" (١) وغيرها. روى الأيمة بأجمعهم أن زيد بن ثابت (٢) قال: (أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال (٣) أبو بكر: إن عمر أتاني (٤) فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر) (٥). قال زيد: قال لي (٦) أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمروني (٧) به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال (٨) عمر (٩) هذا والله خير فلم يزل أبو بكر (١٠) يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف (١١)، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي (١٢) خزيمة الأنصاري (١٣) لم أجدها مع أحد غيره ﴿لقد

стр. 281

جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة (١)، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة (٢) بنت عمر حتى قدم حذيفة بن اليمان (٣) على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع (٤) حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك [و ٩٨ أ] هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصه أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير (٥)، وسعيد بن العاص (٦)، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٧) فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف (٨) إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف (٩) أن يحرق. قال ابن شهاب (١٠): (وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت (١١) سمع زيد بن ثابت، قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا الصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فالتمسناها فوجدنا (١٢) مع

стр. 282

خزيمه بن ثابت الأنصاري: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣]، فألحقناها في سورتها في المصحف) (١) وأما ما روى أنه حرقها أو خرقها (٢) - بالحاء المهملة أو الخاء (٣) المعجمة وكلاهما جائز - إذا كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه، وقد (٤) سلم في ذلك الصحابة كلهم. إلا أنه روى عن ابن مسعود أنه خطب بالكوفة، فقال: (أما بعد فإن الله قال: ﴿ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٦١] إني غال مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليفعل) وأراد ابن مسعود أن يؤخذ بمصحفه، وأن يثبت ما يعلم فيه، فلما لم يفعل ذلك له (٥)، قال ما قال، فأكرهه عثمان على دفع (٦) مصحفه، ومحا رسومه، فلم تثبت (٧) له قراءة أبدا، ونصر الله عثمان، والحق، بمحوها من الأرض. وأما نفيه (٨) [و ٩٨ ب]، أبا ذر إلى الربذة فلم يفعل. كان أبو ذر زاهدا، وكان يقرع عمال عثمان، ويتلو عليهم: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة: ٢٤] الآية ويراهم يتسعون في المراكب، والملابس حين وجدوا، فينكر ذلك عليهم، ويريد تفريق جميع ذلك من بين أيديهم، وهو غير لازم. قال ابن عمر وغيره (٩) من الصحابة وهو الحق (١٠): إن ما أديت زكاته فليس بكنز، فوقع بين أبي ذر، ومعاوية كلام بالشام، فخرج إلى المدينة فاجتمع إليه الناس، فجعل يسلك تلك الطريق فقال له عثمان: لو اعتزلت، [معناه: أنك على مذهب لا

стр. 283

يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطا (١)، وللعزلة مثلها. ومن كان على طريق أبي ذر، فحاله يقتضى أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلم لكل أحد حاله مما ليس بحرام في الشريعة] (٢). فخرج إلى الربذة زاهدا فاضلا، وترك جلة فضلاء. وكل على خير، وبركة، وفضل. وحال أبي ذر أفضل ولا تمكن لجميع الخلق. فلو (٣) كانوا عليها لهلكوا، فسبحان مرتب المنازل ومن العجب أن يؤخذ عليه في أمر فعله عمر! فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة (٤) بالمدينة حتى استشهد، فأطلقهم عثمان، وكان سجنهم، لأن القوم أكثروا الحديث عن رسول الله ﷺ ، ووقع بين أبي ذر ومعاويه كلام، وكان أبو ذر يطلق (٥) من الكلام بما لم يكن (٦) يقوله في زمان عمر، فأعلم معاوية بذلك عثمان، وخشي من (٧) العامة أن تثور منهم فتنة. فإن أبا ذر كان يحملهم على التزهد، وأمور لا يحتملها (٨) الناس كلهم، وإنما هي مخصوصة ببعضهم فكتب إليه عثمان كما قدمنا: أن يقدم (٩) المدينة. فلما قدم اجتمع إليه الناس فقال لعثمان: أريد الربذة فقال (١٠) له: افعل. فاعتزل، ولم يكن يصلح له إلا ذلك؛ لطريقته. ووقع بين أبي الدرداء (١١)؛ ومعاويه كلام، وكان أبو الدرداء زاهدا فاضلا (١٢) قاضيا لهم، فلما اشتد في الحق، وأخرج طريقة عمر في قوم لم يحتملوها [و ٩٩ أ] عزلوه، فخرج إلى المدينة. وهذه كلها مصالح لا تقدح في الدين، ولا تؤثر في منزلة أحد من المسلمين بحال. وأبو الدرداء، وأبو ذر (١٣) براءة (١٤) من (١٥) عاب (١٦)

стр. 284

وعثمان بريء وأعظم براءة، وأكثر نزاهة. فمن روى أنه نفي، وروى سببا (١) فهو كله باطل. وأما رد الحكم فلم يصح. وقال علماؤنا في جوابه: قد كان أذن له فيه رسول الله ﷺ ، وقال (٢) لأبي بكر وعمر، فقالا له: إن كان معك شهيد رددناه، فلما ولي قضي بعلمه في رده. وما كان عثمان ليصل مهجور رسول الله ﷺ ، ولو كان أباه، ولا لينقض (٣) حكمه. وأما ترك القصر (٤)، فاجتهاد، إذ (٥)، سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة فتركها مصلحة (٦) خوف الذريعة، مع أن جماعة العلماء قالوا: إن المسافر مخير بين القصر والإتمام، واختلف في ذلك الصحابة. وأما معاوية فعمر ولاه، وجمع له الشامات كلها وأقره عثمان، بل إنما ولاه أبو بكر الصديق رضى الله عنه لأنه ولي أخاه يزيد، واستخلفه يزيد فأقره عمر، لتعلقه بولاية أبي بكر، لأجل استخلاف واليه له، فتعلق عثمان بعمر وأقره. فانظروا إلى هذه السلسلة (٧) ما أوثق عراها، وأقدر سردها (٨)، ولن يأتي (٩) مثلها بعدها أبدا. وأما عبد الله بن كريز (١٠) فولاه كما قال، لأنه كريم العمات والخالات.

стр. 285

وأما تولية الوليد بن عقبة. فلأن (١) الناس على فساد في (٢) النيات أسرعوا إلى السيئات قبل الحسنات، فذكر الإسفرائنيون (٣) أنه إنما ولاه للمعنى الذي تكلم به. قال عثمان: ما وليت الوليد لأنه أخي، وإنما وليته لأنه ابن أم حكيم البيضاء عمة رسول [و ٩٩ ب] الله ﷺ ، وتوأمة أبيه، وسيأتي بيانه إن شاء الله. والولاية اجتهاد. قد عزل عمر (٤)، سعد (٥) بن أبي وقاص (٦)، وقدم أقل منه درجة. وأما إعطاؤه خمس أفريقية لواحد، فلم (٧) يصح، على أنه قد ذهب مالك وجماعة إلى أن الإمام يرى رأيه في الخمس، وينفذ فيه ما أداه إليه اجتهاده، وأن عطاءه لواحد جائز (٨). وقد بينا ذلك في مواضعه. وأما قولهم: إنه ضرب بالعصا، فما سمعته ممن أطاع ولا عصا، وإنما هو باطل يحكى، وزور ينثى، فيا لله وللنهى. وأما علوه على درجة رسول الله ﷺ . فما سمعته ممن فيه تقية (٩) وإنما هي إشاعة منكر، ليروى (١٠)، ويذكر، فيتغير بها (١١) قلب من يتغير. قال علماؤنا: ولو صح ذلك فما في هذا ما يحل دمه، ولا يخلو أن يكون ذلك حقا، فلم ينكره (١٢) الصحابة عليه، إذ رأت جوازه ابتداء، أو لسبب اقتضى ذلك، وإن كان لم يكن فقد انقطع الكلام. وأما انهزامه يوم حنين، وفراره يوم أحد، ومغيبه عن بدر، وبيعة الرضوان، فقد بين عبد الله بن عمر، وجه الحكم في شأن البيعة، وبدر،
следующие страницы →