← Акыда

Акыда · id 96180

العواصم من القواصم ت الطالبي

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (383 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة (١)، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة (٢) بنت عمر حتى قدم حذيفة بن اليمان (٣) على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع (٤) حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك [و ٩٨ أ] هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصه أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير (٥)، وسعيد بن العاص (٦)، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٧) فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف (٨) إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف (٩) أن يحرق. قال ابن شهاب (١٠): (وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت (١١) سمع زيد بن ثابت، قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا الصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فالتمسناها فوجدنا (١٢) مع

стр. 282

خزيمه بن ثابت الأنصاري: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣]، فألحقناها في سورتها في المصحف) (١) وأما ما روى أنه حرقها أو خرقها (٢) - بالحاء المهملة أو الخاء (٣) المعجمة وكلاهما جائز - إذا كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه، وقد (٤) سلم في ذلك الصحابة كلهم. إلا أنه روى عن ابن مسعود أنه خطب بالكوفة، فقال: (أما بعد فإن الله قال: ﴿ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٦١] إني غال مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليفعل) وأراد ابن مسعود أن يؤخذ بمصحفه، وأن يثبت ما يعلم فيه، فلما لم يفعل ذلك له (٥)، قال ما قال، فأكرهه عثمان على دفع (٦) مصحفه، ومحا رسومه، فلم تثبت (٧) له قراءة أبدا، ونصر الله عثمان، والحق، بمحوها من الأرض. وأما نفيه (٨) [و ٩٨ ب]، أبا ذر إلى الربذة فلم يفعل. كان أبو ذر زاهدا، وكان يقرع عمال عثمان، ويتلو عليهم: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة: ٢٤] الآية ويراهم يتسعون في المراكب، والملابس حين وجدوا، فينكر ذلك عليهم، ويريد تفريق جميع ذلك من بين أيديهم، وهو غير لازم. قال ابن عمر وغيره (٩) من الصحابة وهو الحق (١٠): إن ما أديت زكاته فليس بكنز، فوقع بين أبي ذر، ومعاوية كلام بالشام، فخرج إلى المدينة فاجتمع إليه الناس، فجعل يسلك تلك الطريق فقال له عثمان: لو اعتزلت، [معناه: أنك على مذهب لا

стр. 283

يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطا (١)، وللعزلة مثلها. ومن كان على طريق أبي ذر، فحاله يقتضى أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلم لكل أحد حاله مما ليس بحرام في الشريعة] (٢). فخرج إلى الربذة زاهدا فاضلا، وترك جلة فضلاء. وكل على خير، وبركة، وفضل. وحال أبي ذر أفضل ولا تمكن لجميع الخلق. فلو (٣) كانوا عليها لهلكوا، فسبحان مرتب المنازل ومن العجب أن يؤخذ عليه في أمر فعله عمر! فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة (٤) بالمدينة حتى استشهد، فأطلقهم عثمان، وكان سجنهم، لأن القوم أكثروا الحديث عن رسول الله ﷺ ، ووقع بين أبي ذر ومعاويه كلام، وكان أبو ذر يطلق (٥) من الكلام بما لم يكن (٦) يقوله في زمان عمر، فأعلم معاوية بذلك عثمان، وخشي من (٧) العامة أن تثور منهم فتنة. فإن أبا ذر كان يحملهم على التزهد، وأمور لا يحتملها (٨) الناس كلهم، وإنما هي مخصوصة ببعضهم فكتب إليه عثمان كما قدمنا: أن يقدم (٩) المدينة. فلما قدم اجتمع إليه الناس فقال لعثمان: أريد الربذة فقال (١٠) له: افعل. فاعتزل، ولم يكن يصلح له إلا ذلك؛ لطريقته. ووقع بين أبي الدرداء (١١)؛ ومعاويه كلام، وكان أبو الدرداء زاهدا فاضلا (١٢) قاضيا لهم، فلما اشتد في الحق، وأخرج طريقة عمر في قوم لم يحتملوها [و ٩٩ أ] عزلوه، فخرج إلى المدينة. وهذه كلها مصالح لا تقدح في الدين، ولا تؤثر في منزلة أحد من المسلمين بحال. وأبو الدرداء، وأبو ذر (١٣) براءة (١٤) من (١٥) عاب (١٦)

стр. 284

وعثمان بريء وأعظم براءة، وأكثر نزاهة. فمن روى أنه نفي، وروى سببا (١) فهو كله باطل. وأما رد الحكم فلم يصح. وقال علماؤنا في جوابه: قد كان أذن له فيه رسول الله ﷺ ، وقال (٢) لأبي بكر وعمر، فقالا له: إن كان معك شهيد رددناه، فلما ولي قضي بعلمه في رده. وما كان عثمان ليصل مهجور رسول الله ﷺ ، ولو كان أباه، ولا لينقض (٣) حكمه. وأما ترك القصر (٤)، فاجتهاد، إذ (٥)، سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة فتركها مصلحة (٦) خوف الذريعة، مع أن جماعة العلماء قالوا: إن المسافر مخير بين القصر والإتمام، واختلف في ذلك الصحابة. وأما معاوية فعمر ولاه، وجمع له الشامات كلها وأقره عثمان، بل إنما ولاه أبو بكر الصديق رضى الله عنه لأنه ولي أخاه يزيد، واستخلفه يزيد فأقره عمر، لتعلقه بولاية أبي بكر، لأجل استخلاف واليه له، فتعلق عثمان بعمر وأقره. فانظروا إلى هذه السلسلة (٧) ما أوثق عراها، وأقدر سردها (٨)، ولن يأتي (٩) مثلها بعدها أبدا. وأما عبد الله بن كريز (١٠) فولاه كما قال، لأنه كريم العمات والخالات.

стр. 285

وأما تولية الوليد بن عقبة. فلأن (١) الناس على فساد في (٢) النيات أسرعوا إلى السيئات قبل الحسنات، فذكر الإسفرائنيون (٣) أنه إنما ولاه للمعنى الذي تكلم به. قال عثمان: ما وليت الوليد لأنه أخي، وإنما وليته لأنه ابن أم حكيم البيضاء عمة رسول [و ٩٩ ب] الله ﷺ ، وتوأمة أبيه، وسيأتي بيانه إن شاء الله. والولاية اجتهاد. قد عزل عمر (٤)، سعد (٥) بن أبي وقاص (٦)، وقدم أقل منه درجة. وأما إعطاؤه خمس أفريقية لواحد، فلم (٧) يصح، على أنه قد ذهب مالك وجماعة إلى أن الإمام يرى رأيه في الخمس، وينفذ فيه ما أداه إليه اجتهاده، وأن عطاءه لواحد جائز (٨). وقد بينا ذلك في مواضعه. وأما قولهم: إنه ضرب بالعصا، فما سمعته ممن أطاع ولا عصا، وإنما هو باطل يحكى، وزور ينثى، فيا لله وللنهى. وأما علوه على درجة رسول الله ﷺ . فما سمعته ممن فيه تقية (٩) وإنما هي إشاعة منكر، ليروى (١٠)، ويذكر، فيتغير بها (١١) قلب من يتغير. قال علماؤنا: ولو صح ذلك فما في هذا ما يحل دمه، ولا يخلو أن يكون ذلك حقا، فلم ينكره (١٢) الصحابة عليه، إذ رأت جوازه ابتداء، أو لسبب اقتضى ذلك، وإن كان لم يكن فقد انقطع الكلام. وأما انهزامه يوم حنين، وفراره يوم أحد، ومغيبه عن بدر، وبيعة الرضوان، فقد بين عبد الله بن عمر، وجه الحكم في شأن البيعة، وبدر،

стр. 286

وأحد. وأما (١)، يوم حنين فلم يبق إلا نفر يسير مع رسول الله (٢) ﷺ ، ولكن لم يجر في الأمر تفسير من بقي ممن مضى في الصحيح، وإنما هي أقوال، منها أنه ما بقي معه إلا العباس وابناه عبد الله، وقثم (٣)، فناهيك بهذا (٤) الاختلاف، وهو أمر قد اشترك فيه الصحابة، وقد (٥)، عفا الله عنه ورسوله، فلا يحل ذكر ما أسقطه الله ورسوله، والمؤمنون. خرج البخاري: (جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان فذكر محاسن عمله، فقال: لعل ذلك يسوؤك [و ١٠٠ أ]، قال: نعم، قال: فأرغم الله أنفك، ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله، قال: هو ذاك (٦) بيته أوسط بيوت النبي. ثم قال: لعل ذلك يسوؤك، قال: أجل، قال: فأرغم الله أنفك، فانطلق (٧) فاجهد علي جهدك) وقد تقدم في حديث بني الإسلام على خمس زيادة فيه للبخاري (٨) في علي وعثمان. وقد أخرج البخاري (٩) أيضا من حديث عثمان بن عبد الله بن موهب (١٠)، قال: جاء رجل من أهل مصر يريد حج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا (١١): هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا (١٢): عبد الله بن عمر، قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني، هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم، قال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال: تعلم أنه تغيب عن ييعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله قد عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته زينب (١٣)، بنت

стр. 287

رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا، وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان (وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان) (١) إلى مكة فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: (هذه يد عثمان) فضرب بها على يده، وقال: (هذه لعثمان) ثم قال ابن عمر: اذهب بها الآن معك. وأما أمر الحمى فكان قديما، فيقال: إنه عثمان زاد فيه لما زادت الرعية. وإذا جاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة فيه لزيادة الحاجة. وأما امتناعه من قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان فإن ذلك باطل. فإن (٢) كان لم يفعل فالصحابة متوافرون، والأمر في أوله، وقد قيل: إن الهرمزان [و ١٠٠ ب] سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر، وظهر تحت ثيابه، وكان قتل عبيد الله له وعثمان لم يل بعد. ولعل عثمان كان لا يرى على عبيد الله حقا. لما ثبت عنده من حال الهرمزان وفعله، وأيضا فإن أحدا لم يقم بطلبه، فكيف (٣) يصح مع هذه الاحتمالات كلها، أن ينظر في أمر لم يصح. وأما قول القائل في مروان، والوليد، فشديد عليهم، وحكمهم عليهم بالفسق، فسق منهم. مروان رجل عدل من كبار الأمة عند الصحابة، والتابعين، وفقهاء المسلمين. أما الصحابة فإن سهل بن معد الساعدي (٤) روى عنه. وأما التابعون فأصحابه في السنن (٥) وإن كان جازهم (٦) باسم الصحبة في أحد القولين. وأما فقهاء الأمصار فكلهم على تعظيمه، واعتبار خلافه (٧)، والتلفت (٨) إلى فتواه، والانقياد إلى روايته. وأما السفهاء من المؤرخين، والأدباء، فيقولون على أقدارهم.

стр. 288

وأما الوليد فقد روى بعض المفسرين أن الله سمام فاسقا في قوله ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة﴾ [الحجرات: ٦] فإما في قولهم نزلت فيه، أرسله النبي ﷺ مصدقا (١) إلى بني المصطلق فأخبر عنهم أنهم ارتدوا، فأرسل رسول الله ﷺ إليهم خالد بن الوليد (٢) فثبت في أمرهم، فبين بطلان قوله، وقد اختلف فيها، فقيل نزلت في ذلك، وقيل في علي، والوليد في قصة أخرى، وقيل: إن الوليد سبق يوم الفح في جملة الصبيان إلى رسول الله ﷺ . فمسح رؤوسهم، وبرك عليهم إلا هو، فقال: إنه كان على رأسي خلوق، فامتنع من مسه فمن يكون في هذا السن يرسل مصدقا؟ وبهذا الاختلاف يسقط العلماء الأحاديث القوية. فكيف (٣) يفسق رجل يتمثل هذا الكلام؟ فكيف رجل من أصحاب محمد ﷺ ؟ [و ١٠١ أ] وأما حده في الخمر، فقد حد عمر، قدامة بن مظعون (٤) على الخمر وهو أمير وعزله، ثم قيل له (٥): صالحه، وليست الذنوب مسقطة للعدالة إذا وقعت منها التوبة. وقد قيل لعثمان: إنك وليت الوليد، لأنه أخوك لأمك أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس فقال: بل لأنه ابن عمة رسول الله ﷺ أم حكيم البيضاء جدة عثمان، وجدة الوليد لأمهما، أروى المذكورة، وكانت (٦) أم حكيم توأمة عبد اللله أبي رسول الله ﷺ . واي حرج على المرء أن يولي أخاه أو قريبه؟ وأما تعلقهم بأن الكتاب وجد مع راكب، أو مع غلامه ولم يقل أحد قط (٧) إنه كان غلامه - إلى (٨) عبد الله بن سعد بن أبي سرح يأمره بقتل حامليه (٩) فقد قال لهم عثمان: أما أن تقيموا

стр. 289

شاهدين (١) علي بذلك (٢)، وإلا فيميني أني ما كتبت ولا أمرت، وقد يكتب على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه. فقالوا: تسلم لنا (٣) مروان. فقال: لا أفعل. ولو سلمه لكان ظالما، وإنما عليهم أن يطلبوا حقهم عنده على مروان وسواه، فما ثبت كان هو منفذه، وآخذه إن كان له أخذه (٤) والممكن لمن يأخذه بالحق (٥). ومع سابقته وفضيلته (٦)، ومكانته، لم يثبت عليه ما يوجب خلعه، فضلا عن قتله. وأمثل ما روى في قصته أنه بالقضاء السابق، تألب عليه قوم، لأحقاد اعتقدوها، ممن (٧) طلب أمرا فلم يصل إليه، وحسد حسادة أظهر داءها (٨)، وحمله على ذلك، قلة دين، وضعف يقين، وإيثار للعاجلة (٩) على الآحلة، وإذا نظرت إليه دلك صريح ذكرهم (١٠)،على دناءة قدرهم (١١) وبطلان أمرهم، كان الغافقي المصري أمر القوم (١٢)، وكنانة بن بشر التجيبي (١٣)، وسودان بن حمران (١٤) وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي (١٥)، [و١٠١ ب] وحكيم بن جبلة (١٦) من أهل البصرة، ومالك بن الحارث الأشتر (١٧)، في طائفة، هؤلاء رؤوسهم، فناهيك

стр. 290

بغيرهم (١)، وقد كانوا آثاروا فتنة، فأخرجهم عثمان بالاجتهاد، وصاروا في جماعتهم عند معاوية، فذكرهم ب الله، وبالتقوى، لفساد الحال، وهتك حرمة الأمة، حتى قال له زيد بن صوحان (٢) يوما - فيما يروى -: كم تكثر علينا من الأمرة (٣)، وبقريش، فما زالت العرب تأكل من قوائم سيوفها، وقريش تجار. فقال له معاوية: (لا أم لك، أذكرك بالإسلام، وتذكرني بالجاهلية، قبح الله من كثر على أمير المؤمنين بكم، فما أنتم ممن ينفع، ولا يضر، أخرجوا عني) (٤). وأخبره ابن الكواء بأهل الفتنة في كل بلد، ومؤامراتهم فكتب إلى عثمان يخبره بذلك، فأرسل إليه بإشخاهم عليه، فأخرجهم معاوية، فمروا بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد فحبسهم ووبخهم، وقال لهم؛ اذكروا لي (٥) ما كنتم تذكرون لمعاوية (٦) وحصرهم، وأمشاهم بين يديه أذلاء، حتى تابوا بعد حول، وكتب إلى عثمان بخبرهم، وكتب (٧) إليه أن سرحهم إلي، فلما مثلوا بين يديه جددوا التوبة، وحلفوا على صدقهم، وتبرأوا مما نسب إليهم فخيرهم حيث يسيرون، فاختار كل واحد ما أراد من البلاد: كوفة، وبصرة، ومصر، فأخرجهم، فما استقروا في جنب (٨) ما ساروا حتى ثاروا. وألبوا، حتى انضاف إليهم جمع، وساروا إليه، على أهل مصر: عبد الرحمن بن عديس البلوي (٩)، وعلى أهل البصرة: حكيم بن جبلة العبدي (١٠)، وعلى أهل الكوفة: الاشتر مالك بن الحارث النخعي (١١). فدخلوا المدينة هلال ذي القعدة سنة خمس وثلاثين، فاستقبلهم عثمان، فقالوا ادع بالمصحف، فدعا به، فقالوا: افتح

стр. 291

السابعة (١) -يعني يونس-فقالوا له (٢): اقرأ، فقرأ، حتى انتهى إلى قوله (٣): ﴿آلله أذن لكم [و ١٠٢ أ] أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩] قالوا له: قف. قالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى؟ إذن الله لك (٤) أم على الله افتريت؟ قال: أمضه، إنما نزلت في كذا، وقد حمى عمر، وزادت الإبل، فزدت. فجعلوا يتبعونه هكذا، وهو ظاهر عليهم، حتى قال لهم: ماذا (٥) تريدون؟ فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه ستا أو خمسا: إن المنفي يقلب (٦)، والمحروم يعطي، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذو (٧) الأمانة والقوة. فكتبوا (٨) ذلك في كتاب، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفرقوا جماعة، ثم رجعوا راضين، وقيل: أرسل إليهم عليا فاتفقوا على الخمس (٩) المذكورة، ورجعوا راضين. فبينما هم (١٠)،كذلك، إذا راكب يتعرض لهم، ثم يفارقهم مرارا (١١)، قالوا: ما لك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله يصر، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه، إلى عامل مصر، أن يصلبهم، ويقطع أيديهم وأرجلهم، فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا عليا، فقالوا له: ألم تر إلى عدوالله كتب فينا بكذا؟ وقد أحل الله دمه. قالوا له: فقم معنا إليه قال: والله لا أقوم معكم. قالوا له (١٢): فلم كتبت (١٣) إلينا؟

стр. 292

قال: والله ما كنت (١) إليكم، فنظر بعضهم إلى بعض، وخرج علي من المدينة، فانطلقوا إلى عثمان، فقالوا له: كتبت فينا كذا قال لهم: أما أن تقيموا اثنين من المسلمين أو بينة، كما تقدم ذكره. فلم يقبلوا ذلك (٢) منه، ونقضوا عهده، وحصروه. وقد روي أن عثمان جيء إليه بالأشتر فقال له: يريد القوم منك، إما أن تحلع نفسك، أو تقص (٣) منها، أو يقتلوك. فقال (٤): أما خلعي فلا أترك أمة محمد بعضها على بعض، وأما القصاص فصاحباي قبلي لم يقصا من أنفسهما، ولا يحتمل ذلك بدني. وروي أن رجلا قال له نذرت دمك [و١٠٢ ب]. قال له: خذ جنبي (٥)، فشرط فيه بالسيف شرطة (٦) أراق منه دمه، ثم خرج الرجل، وركب راحلته، وانصرف في الحين، ولقد دخل عليه ابن عمر فقال: انظر ما يقول هؤلاء، يقولون اخلع نفسك أو نقتلك، فقال له: أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا. قال: هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا. قال: هل يملكون لك جنة أو نارا؟ قال: لا. قال: فلا تخلع قميص الله عنك (٧)، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم خلعوه، أو قتلوه. وقد أشرف عليهم عثمان، واحتج عليهم بالحديث الصحيح في بنيان المسجد، وحفر بئر رومة، وقول النبي حين رجف بهم أحد، وأقروا له به في أشياء ذكرها. وقد ثبت أن عثمان أشرف عليهم، وقال: أفيكم ابنا محدمج؟ (٨) أنشدكما الله، ألستما تعلمان أن عمر قال: إن ربيعة فاجر أو (٩) غادر، وإني والله لا أجعل فرائضهم وفرائض قوم جاءوا من مسيرة شهر (١٠)، وإنما مهر أحدهم عند طنيه (١١)، وإني زدتم في غزاة واحدة

стр. 293

خمسمائة حتى ألحقتهم بهم؟. قالوا: بل قال: أذكركما الله، ألستما تعلمان أنكما أتيتماني، فقلتما: إن كندة آكلة رأس، وإن ربيعة هي الرأس، وإن الاشعث بن قيس (١) قد أكلهم فنزعته واستعملتكما؟ قالا: بلى. قال: الله م إنهم (٢) كفروا (٣) معروفي، وبدلوا نعمتي، فلا ترضهم (٤) عن إمامهم ولا ترض (٥) إماما عنهم. وقد روى عبد الله بن عامر بن ربيعة (٦)، قال: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعا وطاعة، إلا كف يده وسلاحه، ثم قال: قم يا ابن عمر- وعلى ابن عمر سيفه متقلدا - فاجر بين الناس، فخرج ابن عمر، ودخلوا فقتلوه. وجاءه (٧) زيد بن ثابت فقال له: إن هؤلاء الأنصار [و ١٠٣ أ] بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله، مرتين (٨) قال: لا حاجة لي في ذلك كفوا. وقال له (٩) أبو هريرة (١٠): اليوم طاب الضرب (١١) معك- قال: عزمت عليك لتخرجن. وكان الحسن بن علي (١٢) آخر من خرج من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين (١٣)، وابن عمر، وابن الزبير، ومروان، فعزم عليهم في وضع سلاحهم، وخروجهم، ولزوم بيوتهم، فقال له ابن

стр. 294

الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا ألا (١) نبرح، ففتح عثمان الباب، ودخلوا عليه في أصح الأقوال، فقتله (٢) الموت (٣) الأسود، وقيل أخذ ابن أبي بكر (٤) بلحيته وذبحه رومان (٥)، وقيل رجل من أهل مصر يقال له حمار، فسقطت قطرة من دمه على المصحف على قوله: (فسيكفيكهم الله﴾ [البقرة: ١٣٧] فإنها (٦) فيه ما حكت (٧) إلى الآن. وروي أن عائشة ﵂ قالت: غضبت لكم من السوط، ولا أغضب لعثمان من السيف استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالغل (٨) المصفى، ومصتموه (٩) موص (١٠) الإناء، وتركتموه كالثوب المنقى من الدنس ثم قتلتموه. قال مسروق: فقلت لها: هذا عملك كتبت إلى الناس تأمرينهم (١١) بالخروج عليه فقالت عائشة: والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم

стр. 295

سوادا في بياض. قال الأعمش (١): فكانوا يرون أنه كتب على لسانها. وقد روي أنه ما قتله أحد إلا أعلاج من أهل مصر. قال القاضي أبو مكر (٢) ﵁: فهذا أشبه ما روي في الباب، وبه يتبين، وبأصل المسألة، وسلوك (٣) سبيل الحق، أن أحدا من الصحابة لم يسع عليه، ولا قعد عنه ولو استنصر ما غلب ألف أو أربعة آلاف غرباء عشرين (٤) ألفا بلديين أو أكثر من ذلك، ولكنه ألقى بيده إلى المصيبة. وقد اختلف العلماء فيمن نزل به مثلها، هل يلقى [و ١٠٣ ب] بيده أو يستنصر، وأجاز بعضهم أن يستسلم، ويلقي بيده اقتداء بفعل عثمان، وبتوصية النبي ﷺ بذلك في الفتة. قال القاضي أبو بكر (٥) ﵁: ولقد حكمت بين الناس، فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لم يكن (٦)، يرى (٧) في الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب (٨) وعظم على الفسقة الكرب، فتألبوا وألبوا، وثاروا إلي، واستلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي، فعاثوا علي، وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن المقدار، لكنت قتيل الدار. وكان الذي حملي على ذلك ثلاثة أمور: أحدها: وصية (٩) النبي (١٠) ﷺ ، المتقدمة (١١). الثاني: الاقتداء بعثمان. الثالث: سوء الأحدوثة التي (١٢) فر منها رسول الله. المؤيد (١٣) بالوحي. فإن من غاب عني، بل من حضر من

стр. 296

الحسدة معي، خفت أن يقول (١): إن الناس مشوا مستعينين به (٢) مستغيثين له، فأراق دماءهم. وأمر عثمان كله سنة ماضية، وسيرة راضية، فإنه تحقق أنه مقتول بخبر الصادق له بذلك، وأنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه شهيد. وروى أنه قال له في المنام: إن شئت نصرتك، أو تفطر عندنا الليلة. وقد انتدب (٣) المردة والجهلة إلى أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه ساعيا (٤) مؤلبا، وبما جرى عليه راضيا، واخترعوا كتابا فيه (٥)، فصاحة وأمثال، كتب عثمان به مستصرخا إلى علي، وذلك كله مصنوع، ليوغر (٦) قلوب المسلمين، على السلف الماضين؛، والخلفاء الراشدين. قال القاضي أبو بكر (٧) ﵁ (٨): فالذي تنخل (٩) من ذلك أن عثمان [و ١٠٤ أ] مظلوم، محجوج بغير حجة، وأن الصحابة برآء عن دمه بأجمعهم، لأنم أتوا إرادته، وسلموا له رأيه في إسلام نفسه، ولقد (١٠)، ثبت زائدا (١١)، إلى ما تقدم عنهم، أن عبد الله بن الزبير، قال لعثمان: أنا معك في الدار عصابة مستبصرة، ينصر (١٢) الله بأقل منهم، فأذن لنا، فقال: اذكر الله رجلا أراق لي (١٣)، دمه أو قال دما. قال (١٤) سلط بن أبي سليط (١٥): نهانا عثمان

стр. 297

عن قتالهم، فلو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارها (١). وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنت مع عثمان في الدار، فقال: أعزم على كل من رأى أن لي (٢) عليه سمعا وطاعة، إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم غناء من كف يده وسلاحه. وثبت أن الحسن والحسين وابن الزبير، وابن عمر، ومروان، كلهم شاك في السلاح، حتى دخلوا الدار، فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم، ولزمتم بيوتكم (٣). فلما قضى الله من أمره ما قضى، ومضى في قدره ما مضى، علم أن الحق ألا (٤)، يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة، مفروض عليهم النظر فيه. ولم يكن بعد الثلاث (٥) كالرابع قدرا، وعلما، وتقى، ودينا، فانعقدت له البيعة ولولا الإسراع (٦) بعقد البيعة لعلي، لجري على من بها من الأوباش، ما لا يرقع خرقه، ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار، ورأى ذلك فرضا عليه، فانقاد إليه، وعقد (٧) له البيعة طلحة فقال الناس: بايع عليا يد شلاء، والله لا يتم هذا الأمر. فإن قيل بايعا مكرهين. قلنا: حاشا لله أن يكرها لهما ولمن بايعهما، ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك، لأن واحدا أو اثنين تنعقد بهما البيعة (٨) وتتم، ومن بايع (٩) بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعا، ولو لم يبايعا ما أثر ذلك فيهما، ولا في بيعة الإمام. وأما [و ١٠٤ ب] من قال: يد شلاء وأمر لا يتم، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع. ولم يكن كذلك. فإن قيل: فقد قال طلحة: "بايعت واللج (١٠) على قفي" (١١) قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في "القفا" لغة: "قفي" (١٢) كما يجعل في "الهوى"

стр. 298

وهوى)) وتلك لغة (١) هذيل لا قريش، فكانت كذبة لم تدبر. وأما قولهم: "يد شلاء" لو صح فلا متعلق لهم فيه. فإن يدا شلت في وقاية رسول الله ﷺ يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل مكروه، وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ (٢) القدر بعد ذلك على حكمه، وجهل المبتدع ذلك، فاخترع ما هو حجة عليه. فإن قيل بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان. قلنا: هذا لا يصح (٣) في شرط البيعة إنما (٤) بايعوه (٥) على الحكم بالحق، وهو أن (٦) يحصر الطالب للدم، ويحضر المطلوب، وتقع الدعوى، ويكون الجواب، وتقوم البينة، ويقع الحكم، فأما على الهجم عليه بما كان من قول مطلق، أو فعل غير محقق، أو سماع كلام، فليس ذلك في دين الإسلام. قالت العثمانية: تخلف عنه من الصحابة جماعة منهم سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة (٧)، وابن عمر، وأسامة بن زيد، وسواهم من نظرائهم. قلنا: أما بيعته (٨) فلم يتخلف عنها أحد (٩)، وأما نصرته فتخلف عنها قوم، منهم من ذكرتم، لأنها كانت مسألة اجتهادية (١٠). فاجتهد كل واحد (١١)، وأعمل نظره، وأصاب قدره (١٢). قاصمة: روى قوم أن البيعة لما تمت لعلي، استأذن طلحة والزبير عليا في الخروج إلى مكة، فقال لهما علي: لعلكما تريدان البصرة والشام، فأقسما ألا يفعلا، وكانت، عائشة بمكة، وهرب عبد الله بن عامر، عامل عثمان على البصرة إلى مكة، ويعلى [و ١٠٥ أ] بن أمية (١٣)، عامل عثمان على اليمن، فاجتمعوا بمكة

стр. 299

كلهم، ومعهم مروان بن الحكم، واجتمعت بنو أمية، وحرضوا على دم عثمان. وأعطى يعلى لطلحة والزبير وعائشة، أربعمائة ألف درهم، وأعطي لعائشة "عسكرا" جملا اشتراه باليمن بمائتي دينار، فأرادوا الشام فصدهم ابن عامر، وقال: لا ميعاد لكم بمعاوية، ولي بالبصرة صنائع، ولكن إليها، فجاءوا إلى ماء الحوأب (١)، ونبحت كلابه، فسألت (٢) عائشة (٣) فقيل لها: هذا الحوأب، فردت خطامها عنه، وذلك لما سمعت النبي ﷺ يقول: "أيتكن صاحبة الجمل الأدبب (٤) التي تنبحها (٥) كلاب الحوأب" (٦) فشهد طلحة. والزبير أنه ليس هذا ماء (٧) الحوأب (٨)، وخمسون رجلا إليهم. وكانت أول شهادة زور، دارت في الإسلام. وخرج علي إلى الكوفة، وتعسكر الفريقان والتقوا، وقال عمار وقد دنا من هودج عائشة: ما تطلبون؟ قالوا: نطلب دم عثمان. قال: قتل الله في هذا اليوم الباغي، والطالب لغير (٩) الحق، والتقى علي والزبير، فقال (١٠) له علي: أتذكر (١١) قول النبي ﷺ لي: أنك تقاتلي؟ فتركه، ورجع، وراجعه ولده، فلم يقبل، وأتبعه الأحنف (١٢) من قتله. ونادى علي طلحة من بعد، ما تطلب؟ قال: دم عثمان. قال: قتل (١٣) الله أولانا بدم عثمان. ألم تسمع النبي ﷺ (١٤) يقول: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله" وأنت أول من بايعني (١٥) ونكث.

стр. 300

عاصمة: أما خروجهم إلى البصرة فصحيح لا إشكال فيه، ولكن لأي شيء خرجوا؟ لم (١) يصح فيه نقل، ولا يوثق فيه بأحد، لأن الثقة لم ينقله (٢)، وكلام المتعصب غير مقبول (٣)، وقد دخل مع المتعصب من يريد الطعن في الإسلام، واستنفاص الصحابة [و ١٠٥ ب] فيحتمل أنهم خرجوا خلعا لعلي، لأمر ظهر لهم. وهو (٤) أنهم بايعوا لتسكين النائرة (٥)، وقاموا يطلبون الحق. ويحتمل أنهم خرجوا ليتمكنوا من قتلة عثمان. ويمكن أنهم خرجوا لينظروا (٦) في جمع طوائف المسلمين وضم تشردهم (٧)، وردهم إلى قانون واحد، حتى لا يضطربوا فيقتتلوا، وهذا هو الصحيح لا شيء سواه، وبذلك وردت صحاح الأخبار. فأما الأقسام الأول فكلها باطلة، وضعيفة، أما بيعتهم كرها فباطل، وقد (٨) بيناها (٩). وأما خلعهم فباطل، لأن الخلع لا يكون إلا بنظر من الجميع، فيمكن أن يولى واحد أو اثنان، ولا يكون الخلع إلا بعد الإثبات والبيان. وأما خروجهم في أمر قتلة عثمان فيضعف، لأن الأصل قبله تأليف الكلمة. ويمكن أن يجتمع الأمران، ويروى أن في تغيبهم قطعا (١٠)،للشغب (١١)، بين الناس، فخرج طلحة، والزبير، وعائشة أم المؤمنين ﵂ (١٢)، رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم، فيرعوا (١٣) حرمة نبيهم، واحتجوا عليها (١٤)

стр. 301

بقول الله تعالى (١): ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ [النساء: ١١٤] وقد خرج النبي ﷺ في الصلح، وأرسل فيه، فرجت المثوبة، واغتنمت الفرصة (٢)، وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها. وأحسن (٣) بهم أهل البصرة، فحرض من كان فيها (٤) من المتألبين على عثمان الناس (٥)، وقال: اخرجوا إليهم حتى تروا ما جاءوا إليه، فبعث عثمان بن حنيف (٦)، حكيم بن جبلة، فلقي طلحة والزبير بالزابوقة (٧)، فقتل حكيم، ولو خرج مسلما، مستسلما لا مدافعا، لما أصابه شيء، وأي خير كان له في المدافعة؟ وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين، ولا ولاة، وإنما جاءوا ساعين في الصلح، راغبين في تأليف الكلمة [و ١٠٦ أ]، فمن خرج إليهم فدافعهم (٨)، وقاتلهم، دافعوه (٩) عن مقصدهم، كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد. فلما وصلوا إلى البصرة، تلقاهم الناس بأعلى المربد (١٠)، مجتمعين، حتى لو رمي حجر، ما وقع إلا على رأس إنسان. فتكلم طلحة، وتكلمت عائشة ﵄ (١١)، وكثر اللغط، وطلحة يقول: انصتوا، فجعلوا يركبونه، ولا ينصتون (١٢)، فقال: أف، أف، فراش نار (١٣)، وذباب (١٤) طمع (١٥)، وانقلبوا عن غير بيان، وانحدروا إلى بني

стр. 302

نهد، فرماهم الناس بالحجارة، حتى نزلوا الجبل، والتقى طلحة، والزبير، وعثمان بن حنيف (١) عامل علي، على البصرة، وكتبوا بينهم أن يكفوا عن القتال، ولعثمان دار الإمارة، والمسجد، وبيت المال، وأن ينزل طلحة والزبير من البصرة، حيث شاءا (٢)، ولا يعرض بعضهم لبعض (٣)، حتى يقدم علي. وروى أن حكيم بن جبلة، عارضهم حينئذ، فقتل بعد الصلح. وقدم على البصرة، وتدانوا ليتراءوا (٤)، فلم يتركهم أصحاب الأهواء، وبادروا بإراقة الدماء، واشتجر (٥) بينهم (٦) الحرب، وكثرت الغوغاء على البوغاء (٧)، كل ذلك حتى لا يقع برهان، ولا تقف الحال على بيان، ويخفى (٨) قتلة عثمان. وأن واحدا في جيش يفسد تدبيره (٩)، فكيف بألف؟. وقد روي أن مروان لما وقعت عينه في الاصطفاف، على طلحة، قال: لا أطلب (١٠) أثرا بعد عين، ورماه بسهم فقتله. ومن يعلم هذا، إلا علام الغيوب، ولم ينقله ثبت؟ وقد روى أنه (١١) أصابه سهم بأمر مروان، لا (١٢) أنه رماه. وقد خرج كعب بن سور (١٣) بمصحف منشور بيده، يناشد (١٤) الناس أن لا يريقوا (١٥) دماءهم، فأصابه سهم غرب فقتله، ولعل طلحة مثله. ومعلوم أن عند الفتنة، و (١٦) في ملحمة القتال، يتمكن أولو الإحن والحقود، من حل العرى، ونقض العهود، وكانت آجالا حضرت، ومواعد (١٧) انتجزت.

стр. 303

فإن قيل: فلم خرجت [و ١٠٦ ب]، عائشة (١) وقد قال النبي (٢) لهن في حجة الوداع: "هذه ثم (٣) ظهور الحصر"؟ قلنا: حدث حديثين (٤) امرأة، فإن أبت فأربعة. يا عقول النسوان! ألم أعهد إليكم ألا ترووا أحاديث البهتان، وقدمنا لكم على صحة خروج عائشة البرهان. فلم تقولون ما لا تعلمون؟ وتكررون ما وقع الانفصال عنه، كأنكم لا تفهمون، ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ [الأنفال: ٢٢]. وأما الذي ذكرتم من الشهادة على ماء الحوأب (٥)، فقد بؤتم في ذكرها بأعظم حوب (٦)، ما كان قط شيء (٧) مما ذكرتم. و (٨) لا قال النبي ﷺ ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام (٩)، ولا شهد أحد بشهادتهم، وقد كتبت شهاداتكم بهذا الباطل، وسوف تسألون (١٠). قاصمة: ودارت الحرب بين أهل الشام، وأهل العراق، هؤلاء يدعون إلى علي بالبيعة (١١)، وتأليف الكلمة على الإمام. وهؤلاء يدعون إلى التمكين من (١٢) قتلة عثمان، ويقولون: لا نبايع من يأوي القتلة. وعلي يقول: لا أمكن طالبا من مطلوب، ينفذ فيه مراده، بغير حكم ولا حاكم، ومعاوية يقول: لا نبايع متهما بقتله أو قاتلا له، هو (١٣) أحد (١٤) من نطلب (١٥)، فكيف نحكمه، أو نبايعه؟ وهو خليفة عداء، وتسور. وذكروا في تفاصيل ذلك كلمات، آلت إلى

стр. 304

استفعال رسائل، واستخراج أقوال، وإنشاد (١) أشعار، وضرب أمثال، تخرج عن سيرة السلف يقرأها الخلف، وينبذها الخلف. عاصمة: أما وجود الحرب بينهم فمعلوم قطعا، أما كونه بهذا السبب فمعلوم كذلك قطعا. وأما الصواب فيه فمع علي، لأن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، وتهمة الطالب للقاضي، لا توجب (٢) عليه أن يخرج عليه، بل يطلب عنده فإن [و ١٠٧ أ]، ظهر له قضاء، وإلا سكت، وصبر، فكم من حق يحكم الله فيه. وإن لم يكن له دين فحينئذ يخرج عليه، فيقوم له عذر في الدنيا. ولئن اتهم علي بقتل عثمان، فليس في المدينة أحد من أصحاب النبي إلا وهو متهم به، أو قل معلوم قطعا أنه قتله، لأن ألف رجل لا يغلبون أربعين ألفا، جاءوا (٣) لقتل عثمان. وهبك أن عليا، وطلحة، والزبير تظافروا على قتل عثمان، فباقي الصحابة من المهاجرين والأنصار، ومن اعتد فيهم، وضوى (٤) إليهم، ماذا صنعوا بالقعود عن نصرته؟ فلا (٥) يخلو أن يكون لأنهم رأوا أولئك طلبوا حقا، وفعلوا حقا، فهذه شهادة قائمة على عثمان، فلا كلام لأهل الشام. وإن كانوا قعدوا عنه استهزاء بالدين، وأنهم لم يكن لهم رأس مال (٦) في الحال، ولا مبالاة عندهم بالإسلام، ولا فيما يجري فيه من اختلال، فهي (٧) ردة ليست معصية. لأن التهاون بحدود الدين والإسلام، وتعريض حرمات (٨) الشريعة للتضييع كفر. وإن كانوا قعدوا لأنهم لم يروا أن يتعدوا حد عثمان إشارته، فأي ذنب لهم فيه؟ وأي حجة لمروان، وعبد الله بن الزبير، والحسن، والحسين، وابن عمر، وأعيان العشرة معه في داره، يدخلون إليه، ويخرجون عنه في الشكة والسلاح، والمطالبون (٩) ينظرون؟ ولو كان لهم بهم قوة

стр. 305

أو آووا (١) إلى ركن شديد، لما مكنوا أحدا أن يراه منهم، ولا يداخله، وإنما كانوا نظارة. فلو قام في وجوههم الحسن، والحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ما جسروا، ولو قتلوهم ما بقي على الأرض منهم حي (٢). ولكن عثمان سلم نفسه، فترك ورأيه، وهي مسألة اجتهاد، كما قدمنا. وأي كلام كان يكون لعلي لو كتبت عنده البيعة (٣)، وحضر عنده ولي عثمان، قال له: يا أيها [و ١٠٧ ب] الخليفة؟ - ومما تمالأ (٤) عليه ألف نسمة حتى قتلوه وهم معلومون - ماذا كان يقول إلا "أثبت وخذ" وفي يوم كان يثبت، إلا أن يثبتوا هم أن عثمان كان مستحقا للقتل. وت الله (٥) لتعلمن يا معشر المسلمين أنه ما كان يثبت (٦) على عثمان ظلم أبدا، وكان يكون الوقت أمكن للطلب، وأرفق في الحال، وأيسر وصولا إلى المطلوب. والذي يكشف الغطاء في ذلك أن معاوية لما صار إليه الأمر، لم يمكنه أن يقتل من قتلة عثمان أحدا، إلا بحكم، إلا من قتل في حرب بتأويل، أو دس عليه فيما قيل، حتى انتهى الأمر إلى زمان (٧) الحجاج (٨). وهم يقتلون بالتهمة، لا بالحقيقة فتبين لكم أنهم ما كانوا (٩) في ملكهم يفعلون، ما أضحوا (١٠) له يطلبون. والذي تثلج به صدوركم، أن النبي ﷺ ذكر في الفتن، وأشار، وبين، وأنذر الخوارج وقال: (تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) (١١) فبين أن كل طائفة تتعلق بالحق، ولكن طائفة علي أدنى إليه. وقال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما

стр. 306

على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل، وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩] فلم يخرجهم عن الإيمان بالبغي بالتأويل، ولا سلبهم اسم الأخوة بقوله بعده: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: ١٠] وقال في عمار (١): (تقتله الفئة الباغية) (٢)، وقال في الحسين: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) فحسن له خلعه نفسه وإصلاحه. وكذلك يروي أنه أذن في الرؤيا لعثمان في أن يستسلم، ويفطر عنده الليلة. فهذه كلها أمور جرت على رسم النزاع (٣)، ولم تخرج عن طريق من [و ١٠٨ أ] طرق (٤) الفقه (٥)، ولا تعدت (٦) سبيل الاجتهاد، الذي يؤجر فيه المصيب عشرة، والمخطئ أجرا واحدا. وما وقع من روايات في كتب التاريخ (٧) - عدا ما ذكرنا - فلا تلتفتوا إلى حرف (٨) منها، فإنها كلها باطلة. قاصمة التحكيم: وقد تحكم الناس في التحكيم، فقالوا فيه ما لا يرضى (٩) الله، وإذا لاحظتموه (١٠) بعين المرؤة، دون الديانة، رأيتم أنها سخافة، حمل على سطرها في الكتب (١١) - في الأكثر - عدم الدين، و - في الأقل - جهل مبين (١٢). والذي صح من ذلك ما روى الأيمة كخليفة بن خياط (١٣)، والدارقطني (١٤) أنه لما

стр. 307

خرج الطائفة العراقية (١) في مائة ألف، والشامية في سبعين أو تسعين ألفا، ونزلوا على الفرات بصفين، اقتتلوا في أول يوم - وهو الثلاثاء (٢) - على الماء فغلب أهل العراق عليه، ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة ... (٣) ويوم الخميس، ويوم الجمعة، وليلة السبت، ورفعت المصاحف من أهل (٤) الشام، ودعوا إلى الصلح، وتفرقوا على أن تجعل (٥) كل طائفة أمرها إلى رجل، حتى يكون الرجلان يحكمان بين الدعوتين بالحق، فكان من جهة علي، أبو موسى الأشعري (٦)، ومن جهة معاوية عمرو بن العاص (٧)، وكان أبو موسى رجلا تقيا (٨)، ثقفا (٩)، فقيها، عالما، حسبما بيناه في كتاب "سراج المريدين" (١٠) أرسله النبي ﷺ إلى اليمن مع معاذ (١١)، وقدمه عمر، وأثنى عليه بالفهم [و ١٠٨ب]. وزعمت (١٢) الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبله ضعيف الرأي، مخدوعا في القول، وأن ابن العاص (١٣) كان ذا دهاء (١٤)، وأدب (١٥)، حتى (١٦)

стр. 308

ضربت الأمثال بدهائه، تأكيدا لما أرادت (١) من الفساد. وتبع (٢) في ذلك بعض الجهال بعضا، وصنعوا (٣) فيها حكايات. وغيره من الصحابة كان أحذق منه، وأدهى. وإنما بنوا ذلك على (٤) أن عمرا لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم (٥)، صار له بذلك الذكر في الدهاء والمكر (٦)، وقالوا: إنهما لما (٧) اجتمعا بأذرح من دومة الجندل، وتفاوضا اتفقا (٨) على أن يخلعا الرجلين، فقال عمرو لأبي موسى: اسبق بالقول، فتقدم فقال: إني نظرت فخلعت عليا عن الأمر، ولينظر (٩) المسلمون لأنفسهم، كما خلعت سيفي هذا عن عاتقي (١٠) وأخرجه من عنقه، فوضعه في الأرض، وقام عمرو فوضع سيفه بالأرض (١١) وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر، كما أثبت سيفي هذا في عاتقي، وتقلده، فأنكر (١٢) أبو موسى فقال عمرو: كذلك (١٣) اتفقنا، وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف. عاصمة: قال القاضي أبو بكر (١٤) ﵁:! ذا كله كذب صراح، ما جرى منه قط حرف، وإنما هو شيء اخترعته (١٥) البتدعة، ووضعته (١٦) التاريخية للملوك، فتوارثه (١٧) أهل المجانة والجهارة (١٨) بمعاصي الله والبدع.! رأنما الذي روى الأيمة الثقات الأثبات أنهما لما اجتمعا للنظر في الأمر في عصئة كريمة من

стр. 309

الناس، منهم عبد الله (١) بن عمر، ونحوه، عزل عمرو معاوية (٢). ذكر الدارقطني سنده (٣) عن حصين بن المنذر قال: لما عزل عمرو معاوية (٤) [و ١٠٩ أ] جاء فضرب فسطاطه قريبا من فسطاط معاوية ثم جعل يتكلم (٥) فبلغ (٦) ثناه معاوية، فأرسل إلي (٧) فقال إنه بلغني عن هذا كذا وكذا، فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني (٨) عنه، فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وليت أنت، وأبو موسى، كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، والله ما كان الأمر على ما قالوا، ولكن قلت لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض. قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: أن يستعن بكما ففيكما معونة (٩)، وأن يستغن عنكما، فطالما استغنى أمر الله عنكما. قال: فكانت (١٠) هي التي قتل (١١) معاوية نفسه منها (١٢)، فأتيته فأخبرته أن الذي بلغه عنه كما بلغه، فأرسل إلى أبي الأعور الذكواني (١٣) فبعثه في خيلة، فخرج يركض فرسه، ويقول: أين عدوالله؟ أين هذا الفاسق؟ قال أبو يوسف: أظنه قال: إنما يريد حوباء نفسه، فخرج إلى فرس تحت فسطاطه فجال (١٤) عريانا (١٥)

стр. 310

يركضه نحو فسطاط معاوية وهو يقول: "إن الضجور (١) قد تحتلب (٢) العلبة (٣)، يا معاوية إن الضجور قد تحتلب (٤) العلبة؟ " فقال معاوية: "احسبه، وتريد (٥) الحالب فتدق أنفه، وتكفأ إناءه" قال الدارقطني (٦) - وذكر سندا عدلا وساق الحديث - ثم (٧) قال: ثنا (٨) محمد بن عبد الله بن إبراهيم ودعلج بن أحمد قالا: حدثنا (٩) محمد بن أحمد بن النضر، ثنا (١٠) معاوية بن عمرو ثنا (١١) زائدة عن عبد الملك (١٢) بن عمير (١٣) عن ربعي عن (١٤) أبي موسى عن عمرو بن العاص (١٥) قال: والله لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال، وهو يحل لهما منه شيء لقد غبنا، ونقص رأيهما. وأيم الله ما كانا مغبونين، ولا ناقصي الرأي، ولئن كانا امرأين يحرم عليهما من هذا المال الذي أصبناه بعدهما، لقد هلكنا [و ١٠٩ ب]. وأيم الله! ما جاء الوهم إلا من قبلنا. فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه. فأعرضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين، وعرجوا عن سبيل الناكثين إلى سنن المهتدين، وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين. وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب

стр. 311

رسول الله ﷺ ، فقد هلك من كان أصحاب النبي خصمه، ودعوا ما مضى، فقد قضى الله فيه ما قضى. وخذوا لأنفسكم الجد (١) فيما يلزمكم اعتقادا وعملا، ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعنيكم مع كل ماجن اتخذ الدين هملا (٢)، وأحسنوا (٣) فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ورحم الله الربيع بن خثيم (٤)، فإنه لما (٥) قيل له: قتل الحسين. قال: أقتلوه؟ (٦) قالوا: نعم. فقال: ﴿الله م فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون﴾ (٧) [الزمر: ٤٦] ولم يزد على هذا أبدا. فهذا العقل والدين، والكف عن أحوال المسلمين، والتسليم لرب العالمين. قاصمة: فإن قيل: إنما يكون ذلك في المعاني التي تشكل، وأما هذه الأمور كلها فلا إشكال فيها لأن النبي ﷺ نص على استخلاف علي بعده، فقال: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" (٨) " الله م وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله" (٩) فلم يبق بعد هذا خلاف لمعاند، فتعدى عليه أبو بكر واقتعد (١٠) في غير موضعه، ثم خلفه في التعدي عمر، ثم رجي أن يوفق عمر للرجوع إلى الحق فأبهم الحال، وجعلها شورى قصدا للخلاف الذي سمع من النبي ﷺ ، ثم تحيل ابن عوف حتى ردها عنه، إلى عثمان، ثم قتل عثمان لتسوره على الخلافة، وعلى أحكام الشريعة، وصار الأمر إلى علي بالحق الإلاهي النبوي، فنازعه من عاقده، وخالف عليه [و ١١٠ أ] من بايعه (١١)، ونقض عهده من شده، وانتدب أهل

стр. 312

الشام مع معاوية إلى الفسوق في الدين، بل الكفر. وهذه حقيقة مذهبهم أن الكل منهم كفرة. لأن من مذهبهم التكفير بالذنوب. وكيف تقول (١) هذه الطائفة التي تسمى بالإمامية: أن كل عاص بكبيرة كافر على رسم القدرية، ولا أعصى من الخلفاء المذكورين، ومن ساعدهم على أمرهم. وأصحاب محمد أحرص الناس على دنيا، وأقلهم حماية على دين، وأهدمهم لقاعدة شريعة. عاصمة: قال القاضي أبو بكر (٢) ﵁: يكفيك من شر سمعه، فكيف التململ به. خمسمائة عام كملا (٣) إلى يوم مقالي هذا لا ينقص منها (٤) يوم، ولا يزيد يوم (٥) وهو مهل شعبان سنة (٦) ست وثلاثين (٧) وخمسمائة، ماذا يرجى بعد التمام إلا النقص ما رضيت اليهود والنصارى (٨) في أصحاب موسى وعيسى بما (٩) رضيت به الروافض في أصحاب محمد ﷺ حين حكموا عليهم بأنهم قد اتفقوا على الكفر والباطل. فما يرجى من هؤلاء، وما يستبقى منهم؟ وقد (١٠) قال الله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم﴾ [النور: ٥٥] وهذا قول صدق، ووعد حق. وقد انقرض عصرهم، ولا خليفة فيهم، ولا تمكين، ولا أمن ولا سكون إلا في ظلم، وتعد (١١)، وغضب، وهرج، وتشتيت كلمة، وإثارة ثائرة. وقد أجمعت الأمة على أن النبي ﷺ ما نص على أحد يكون من بعده، وقد (١٢) قال العباس لعلي فيما روى عبد الله ابنه قال عبد الله بن عباس: خرج علي بن أبي طالب ﵁ من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي

стр. 313

فيه، فقال الناس: يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب، فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا [و ١١٠ ب] وإني (١) والله (٢) لأرى رسول الله (٣) سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله (٤) فلنسأله فيمن يكون (٥) هذا الأمر بعده (٦)، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه (٧) فأوصى بنا (٨). فقال علي: أنا والله لئن سألناها رسول الله (٩) فمنعناها (١٠) لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله (١١). قال القاضي أبو بكر (١٢) ﵁: رأي العباس عندي أصح، وأقرب إلى الآخرة، والتصريح بالتحقيق. وهذا يبطل قول مدعي (١٣) الإشارة باستخلاف علي، فكيف أن يدعي فيه نص؟!. فأما أبو بكر فقد جاءت امرأة (١٤) إلى النبي فسألته شيئا فأمرها أن ترجع إليه قالت له: فإن لم أجدك - كأنها تعني الموت - قال (١٥): تجدين أبا بكر (١٦). وقال النبي لعمر وقد وقع بينه وبن أبي بكر كلام، فتعفرثجه النبي (١٧)، حتى أشفق من ذلك أبو بكر، وقال النبي (١٨): هل أنتم تاركوا لي صاحبي - مرتين - إني بعثت إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، ألا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته (١٩)،

стр. 314

وقال النبي (١): "لو كنت متخذا (٢) في الإسلام خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا، لا تبقين (٣) في المسجد خوخة إلا خوخة أبي (٤) بكر". وقال قال النبي (٥): "بينما أنا نائم رأيتني على قليب (٦) عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا (٧) أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم استحالت غربا (٨) فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن" (٩). وقد ثبت أن النبي ﷺ صعد أحدا، وأبو بكر وعمر وعثمان (١٠) فرجف بهم فقال: "اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) (١١) وقال (١٢): [و ١١١ أ] ﷺ : "إنه (١٣) كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر" (١٤) وقال النبي (١٥) لعائشة (١٦) في مرضه: "أدعي (١٧) لي أباك (١٨) وأخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" (١٩) وقال ابن عباس: (إن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أرى الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون بأيديهم، فالمستكثر والمستقل، وأرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به (٢٠) فعلوت ثم أخذ به رجل (من بعدك فعلا، ثم

стр. 315

أخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل) (١). آخر فانقطع. ثم وصل له فعلا - وذكر الحديث - ثم عبرها أبو بكر فقال: أما (٢) السبب الواصل من السماء (٣) فالحق الذي أنت عليه، فأخذته (٤) فيعليك الله ثم يأخذ به رجل آخر (٥) من بعدك (٦)، فيعلو به ثم يأخذه (٧) رجل آخر، فيعلو به (٨)، ثم يأخذه (٩) رجل آخر فينقطع به (١٠)، ثم يوصل له فيعلو به (١١)، وصح أن النبي (١٢) قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا؟ " فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهية في وجه رسول الله (١٣). وهذه الأحاديث جبال في البيان، وجبال (١٤) في التسبيب (١٥) إلى الحق لمن وفقه الله، ولو لم يكن معكم أيها السنية إلا قوله: ﴿ألا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ (١٦) [التوبة: ٤٠] فجعلهم (١٧) في نصيب (١٨)، وجعل أبا بكر في نصيب (١٩) آخر. وقام معه (٢٠) جميع الصحابة. وإذا تبصرتم هذه الحقائق فليس يخفي عنها حال الخلفاء في جلالهم (٢١)، وولايتهم، وترتيبهم خصوصا وعموما [و ١١١ ب] وقد قال تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في

стр. 316

الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا لا يشركون بي شيئا﴾ [النور: ٥٥] وإذا لم ينفذ هذا الوعد في الخلفاء فلمن ينفذ؟ وإذا لم يكن فيهم ففيمن (١) يكون؟ والدليل عليه انعقاد الإجماع أنه لم يتقدمهم في الفضيلة أحد إلى يومنا هذا وما (٢) بعدهم مختلف فيه، فأولئك مقطوع بهم، متيقن إمامتهم، ثابت نفوذ وعد الله لهم، فإنهم ذبوا عن حوزة المسلمين وقاموا بسياسة الدين. قال علماؤنا: ومن بعدهم تبع لهم من أيمة (٣) الدين (٤)، الذين هم أركان الملة، ودعائم الشريعة، الناصحون لعباد الله، الهادون من استرشد إلى الله، فأما من كان من الولاة الظلمة فضرره (٥) مقصور على الدنيا وأحكامها. وأما (٦) حفاظ الدين فهم الأيمة العلماء الناصحون لدين الله، وهم أربعة أصناف. الصنف الأول: حفظوا أخبار رسول الله (٧)، وهم بمنزلة الخزان لأقوات المعاش. الصنف الثاني: علماء الأصول، ذبوا عن دين الله، أهل العناد، وأصحاب البدع، فهم شجعان الإسلام، وأبطاله المداعسون (٨) عنه في مآزق الضلال. الصنف الثالث: قوم ضبطوا أصول العبادات، وقانون العاملات، وميزوا المحللات من المحرمات، وأحكموا الجراح (٩) والديات، وبينوا معاني الإيمان والمنذورات (١٠)، وفصلوا الأحكام في الدعاوى، فهم في الدين بمنزلة الوكلاء المتصرفين (١١) في الأموال.

стр. 317

الصنف الرابع: تجردوا للخدمة، ودأبوا على العبادة، واعتزلوا الخلق، وهم في الآخرة كخواص الملك في الدنيا. وقد أوضحنا في كتاب "سراج [و ١١٢] المريدين" في القسم الرابع من علوم القرآن أي المنازل (١) أفضل من هؤلاء الأصناف، وترتيب درجاتهم (٢). قال القاضي أبو بكر (٣) ﵁: فهذه (٤) كلها إشارات أو تصريحات أو دلالات أو تنبيهات، و (٥) مجموع ذلك يدل على صحة ما جرى، وتحقيق ما كان بين الفضلاء (٦)، ونقول - بعد هذا البيان - على مقام آخر: لو كان هنالك نص على أبي بكر يذكر (٧) أو على علي لم يكن بد من احتجاج علي به، أو يحتج له به (٨) غيره من المهاجرين والأنصار، فأما حديث غدير خم فلا حجة فيه، لأنه إنما استخلفه في حياته على المدينه، كما استخلف موسى هارون في حياته عند سفره للمناجاة، على بني إسرائيل، وقد اتفق الكل من إخوانهم اليهود قاطبة (٩) على أن موسى مات بعد هارون، فأين الخلافة؟. وأما قوله: " اللهم وال من والاه" فكلام صحيح، ودعوة مجابة، وما نعلم أحدا (١٠) عاداه إلا الرافضة، فإنهم أنزلوه في غير منزلته (١١)، ونسبوا إليه ما لا يليق بدرجته، والزيادة في الحد (١٢) نقصان من المحدود، ولو تعدى عليها (١٣) أبو بكر، ما كان المتعدي وحده بل جميع الصحابة، كما قلنا؟ لأنهم ساعدوه على الباطل. ولا تستغربوا هذا من قولهم، فإنهم يقولون: إن النبي كان

стр. 318

مداريا لهم (١) وممتحنا (٢) بهم (٣) على نفاق وتقية، وأين أعظم (٤) من قوله (٥) - حين سمع قول عائشة ﵂ (٦) مروا (٧) عمر فليصل بالناس - إنكن (٨) لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر. وقوله - حين سمع صوت (٩) عمر -: يأبى الله ذلك والمسلمون، مروا أبا بكر فليصل بالناس) (١٠). وما قدمنا من تلك الأحاديث. لقد اقتحموا عظيما، ولقد (١١) افتروا كبيرا: وما جعلها عمر شورى إلا اقتداء بأبي بكر (١٢) إذ قال: (إن استخلف (١٣) فقد استخلف من هو خير مني [و ١١٢ ب] وإن لم أستخلف فإن رسول الله (١٤) لم يستخلف) (١٥) فما رد هذه الكلمة (١٦) أحد. وقال: (اجعلها شورى في النفر الذين توفي رسول الله (١٧) وهو عنهم راض) (١٨) وقد رضي عن أكثر منهم، ولكن (١٩) كانوا خيار الرضا، وشهد لهم بالأهلية للخلافة (٢٠). وأما قولهم: تحيل ابن عوف حتى ردها لعثمان. فلئن كانت حيلة، ولم يكن سواها، فلأن الحول ليس إليه، وإنما كل (٢١) عمل العباد حيلة، ولو (٢٢) كان القضاء بالحول (٢٣) فالحول (٢٤) والقوة لله. وقد علم كل أحد أنه لا يليها إلا واحد،

стр. 319

فاستبد عبد الرحمن بن عوف بالأمر، بعد أن أخرج نفسه على أن يجتهد للمسلمين في الأسد والأشد فكان كما فعل، و (١) ولاها من استحقها، ولم يكن غيره أولى منه بها حسبما بيناه (٢) في "مراتب الخلافة" من "أنوار الفجر" (٣) وفي غيره من الحديث. وقتل عثمان فلم يبق على الأرض أحق بعلي منها (٤)، فجاءته على قدر، في وقتها ومحلها، وبين الله على يده (٥) من الأحكام والعلوم ما شاء أن يبين. وقد قال عمر: لولا علي هلك (٦) عمر. وظهر من فقهه وعلمه في قتال أهل القبلة، من استدعائهم ومناظرتهم، وترك مبادأتهم (٧)، والتقدم إليهم قبل نصب الحرب معهم، وندائه: لا تبدأوا (٨) بالحرب، ولا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولا تهاج امرأة، ولم (٩) يغنم (١٠) لهم مالا، وأمره بقبول شهادتهم، والصلاة خلفهم، حتى قال أهل العلم: لولا ما جرى، ما عرفنا حكم قتال أهل البغي. وأما خروج طلحة والزبير، فقد تقدم بيانه، وأما تكفيرهم للخلق، فهم الكفار. وقد بينا أحوال أهل الذنوب الذين ليس منهم عليها (١١) شر (١٢) في غير ما كتاب، وشرحناها في كل باب. فإن قيل: فقد قال العباس في علي ما رواه الأئمة [و ١١٣ أ]، أن العباس وعليا اختصما عند عمر في شأن أوقاف رسول الله ﷺ (١٣) فقال العباس لعمر: يا أمير المؤمنين: اقض بيني وبين هذا الظالم، الكاذب، الغادر، الآثم، الخائن (١٤). فقال الرهط لعمر (١٥): يا أمير

стр. 320

المؤمنين (١) اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر: تئدكم (٢) أنشدكم (٢) الله الذي بإذنه تقوم السماء (٣) والأرض هل تعلمون أن رسول الله (٤) قال: "لا نورث ما تركناه (٥) صدقة" يريد بذلك نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل على علي والعباس (٦) فقال: أنشدكما (٧) الله هل تعلمان أن رسول الله (٨) قال ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: إن الله خص رسوله (٩) في هذا الفيء بشيء، لم يعطه أحدا غيره، فعمل فيها رسول الله (١٠) حياته (١١)، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله (١٢) فقبضها سنتين من إمارته، فعمل فيها بما عمل رسول الله (١٣)، وأنتما تزعمان أن أبا بكر كاذب، غادر، خائن (١٤)، والله ليعلم (١٥) أنه لصادق بار (١٦)، راشد، تابع للحق. وذكر الحديث. قلنا: أما قول العباس لعلي، فقول الأب للابن، وذلك على الرأس محمول، وفي سبيل المغفرة مبذول، وبين الكبار والصغار - فكيف الآباء والأبناء - مغفور موصول. وأما قول عمر: إنهما اعتقدا أن أبا بكر ظالم خائن غادر، وكذلك اعتقدا فيه، فإنما ذلك خبر عن الاختلاف في نازلة وقعت من الأحكام رأى فيها هذان رأيا، ورأى فيها أولئك رأيا، فحكم أبو بكر وعمر بما رأيا، ولم ير العباس وعلي ذلك، ولكن لما حكما سلما لحكمهما كما يسلم لحكم القاضي في المختلف فيه (١٧) والمحكوم عليه يرى أنه قد وهم (١٨)، ولكنه (١٩)
следующие страницы →