← Акыда

Акыда · id 96180

العواصم من القواصم ت الطالبي

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (383 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

العالم، من فعل الله تشهد بصدق الرسول، فلا يصح أن تكون شهادة، فيوردها (١) في غير محلها، ولا تكون من فعل أحد غير الفاعل [و ١٣ب]، المطلق بالحقيقة، وقد قيدنا عنه أن ذلك من قوى النفس، بالتأثير (٢) في الأجسام العلوية، وأن ذلك مما لا ينكر أن يكون للأنبياء، قال: وإنما ينكر اقتصارهم عليه، ومنع قلب العصا ثعبانا، قال أبو بكر بن العربي (٣): وأنا أقول: إني لا أنكره، ولكني (٤)، أقول: إن (٥) هذا التأثير ليس (٦) للنفوس، وإنما هو مما يخلقه الله بقدرته، وإرادته، للنبي مع التحدي، ليكون معجزة، أو مع عدم (٧) التحدي فيكون آية وكرامة، فأما أن يجري (٨) على حكم النفوس مجرى (٩) الأشياء المعتادة والتأثيرات (١٠) المتعارفة فلا، وسترى ذلك في الإملاء على التهافت إن شاء الله. وبعد النظر الطويل الذي هذه إشارته (١١) خرجت عن هذه الغمرة التي أوجبها استرسال مثله، في هذه الألفاظ القلقة، التي لا يصح (١٢) أن يكون فيها إذن لأحد ليذكرها، فضلا عن أن يحققها، ويسطرها، وهي أخلاط غالبة على الفؤاد (١٣)، ومعاني حائدة عن سنن السداد.

стр. 37

الموقف الثالث قالت طائفة لا معلوم إلا المحسوس المدرك من الحواس، أو (١) ما يظهر في النفس ابتداء، مما لا ريبة فيه، كجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، فأما هذه المعارض التي تدعي، ويتعرض لها بالاكتساب، والفكر، في تفاصيل طرقها، حتى تحصل، فليس وراءها طائل، لاختلاطها وتشابهها وعدم الوصول إليها، ومتى رأيت نظارين (٢) اتفقا، أو دليلا (٣) وقف بك على منتهى؟ بل ترجع (٤) عنه (٥) تارة، وتشك أخرى، وهذا مما لا يوثق به، لا (٦) سيما إذا تعارضت الطرق، أو حمل معنى على معنى، ألا ترى أن الحذاء لو حذا نعلا على مثال، ثم حذا على ذلك الثاني، ثالثا، وتمادى كذلك إلى سبعة أمثلة، مثلا (٧)، فإنك إذا ركبت السابع على الأول، [و ١٤ب]، لم تجده على مثاله، وهذا نظر في المحسوسات، ولكنه لما بعد اضطرب، فكيف فيما يخرج عن سبيل الحس. عاصمة: قال القاضي أبو بكر (٨): قال لي أبو علي الحضرمي بالثغر: ليس هذا مذهبا لأحد، وإنما أوردته الملحدة، من (٩) الخرمية (١٠) والباطنية، تشكيكا، وتشغيبا، وإلا فهم مقطوعون في أول كرة، بالطريقة التي افتتح بها العلماء

стр. 38

تصانيفهم، ونقول لهم بعد ذلك: هذا الكلام، تطردونه في الأعمال والعقائد، أو تقصرونه؟ (١) فإن طردوه في الأعمال والتصرفات، وطلب المعاش (٢)، فكلها نظري، لا ضرورة فيه قطعا، أو قصروه (٣) على الاعتقادات الباطنة، قيل لهم: الأعمال التي سلمتم (٤) جريان النظر فيها، إنما ترتبط بالعقائد، لأنها تنعقد أولا، ثم ترتب بالنظر، ثم يبرز العمل ما انعقد من ذلك واستقر، فدل ذلك على صحة النظر، فإذا (٥) صح النظر فيها، لإفادته، دل على صحة النظر في الاعتقاد وحده. فإن قيل: علمنا صحه النظر في الأعمال بالعثور على المقصود قطعا، أو بالخطأ فيه قطعا، قلنا: عنه جوابان: أحدهما (٦): إن الذي قدم النظر في الاعتقاد أولا، هو رجاء الحصول، كذلك في مسألتنا، ثم يكون بعد ذلك العثور على شيء أو عدمه (٧)، نظرا (٨) آخر (٩). الثاني: أنا كذلك نعثر على المطلوب، بالنظر في باب الاعتقاد، والسقوط عنه، وليس يلزم أن يستوي النظر (١٠) في (١١) العقائد، كما لم (١٢) يلزم (١٣) أن يستوي النظر في الأعمال، فإن منها ما يبدو قريبا، ومنها ما يبعد، ومنها ما يقع العثور فيه على المطلوب، ومنها ما يخطئ (١٤)، ويعلم أنه من تقصير، ومنها (١٥) ما يشكل عليه فيتوقف، ولا يعترض ذلك على أصل النظر، في

стр. 39

الأعمال بالإبطال [و ١٥ أ]، وقد يقال: أنتم إنما مقصدكم ترك (١) النظر، حتى لا يكون ابتلاء ولا وظيفة (٢) ولا يقبل من نبي قول، لأنكم لم تقدروا على تحقيق ذلك، فنبذتموه، فأنت - كما قلت لمن حظر (٣) - إذا نظرت في الكيمياء عمرك وقد سمعت بعدها أو فقدها، فلم يقطعك ذلك عنها، وكذلك أنت الذي خرجت تطلب الكنوز في القبور، وفي المواضع التي ترجوها فيها، أو لا ترجوها، ويأتيك المنجم، فيقول لك ربعت هذه البقعة فاقتضت الطوالع أن فيها مالا (٤) فغدوت تعني (٥) قلبك وبدنك فيها ومالك، بأي المحسوس أدركت ذلك؟ هل فعلته إلا بنظر أصله طمع؟ فكيف لم تنظم (٦)، في (٧) أوليتك ومن أولك و (٨) وأخرك، ومن صورك وقدرك؟. وهذا الغرض (٩) لا تحتقره (١٠)، فإنا قد رددنا به عن الباطل، من (١١) اعتقده، وافهموا أنكم إذا أردتم أن تيقنوا (١٢) مشككا، أو تدلوا (١٣) حائرا، لم يكن فيه شيء أنجع، من أخذه من بابه، وهذه سيرة الله في أدلته مع أوليائه لأعدائه، وسنة أنبيائه في أنبائه. وأما مسألة الحذاء، فإنما وقع الخطأ فيها، بتقصير الحذاء، في ضبط المثال، وإلا (١٤) فلو ارتبط لتحصيله، ولم يعجل في تحصيله، لكان السابع كالأول، وقد جربناه فوجدناه، ولكنه (١٥) إذا حذا قصر، فلا يظهر التقصير الأول لخفائه، ولا الثاني حتى ائتلف الخطأ على المخطى فيه، جاء محسوسا،

стр. 40

كالجوهر، فإذا ائتلف صار محسوسا، ولو فككت الجسم لانتهى إلى حد، يفوت الآلات، حتى ينتهي إلى حد، يفوت الحس، وهو معقول، حتى ينتهي إلى حد، تقف التجزية (١) عنده عقلا بالدليل حسبما بيناه في كتب (٢) الأصول. قال القاضي (٣): وقد رأى هؤلاء المحرومون [و ١٥ ب] أن النظر في علم الكلام، متفاوت في الجلاء والخفاء، حتى لقد بينت (٤) لبعضهم، في طريق الجدال تارة والإرشاد أخرى، إذا قال الرجل: اثنان في اثنين كم يكون مجموعهما؟ فيقال أربعة. فيعيد السؤال عليه في الأربعة، فيقول له: ستة عشر، ثم يعيد حتى ينتهي إلا أعداد مركبة، يفتقر فيها إلى أعمال الفكر، وربما لم يصب (٥) فيها إلا بعد لأي، وكذلك لو قال: أربعة ونصف، ثم يقول له: أربعة (٦) ونصف، ونصف (٧) وثمن، ثم يقول له: أربعة ونصف، ونصف و (٨) ثمن، وربع ثلاثة أجزاء من ثمانية وتسعين، رأى نفسه في إشكال طويل فيضره ذلك (٩)، ولكنه يبرز الوجه فيه (١٠) بتفكير (١١). وإذا دخل في استخراج المجهول من المعلوم افتقر إلى نظر طويل، فيضجره ذلك، ويتركه (١٢)، حتى إذا احتاج إلى قسمة حقل، أو دار، على فرائض مختلفة، لجأ إلى سواه، واستغاث بغيره، وبذل له (١٣) ما له فيه، ونزل الدنية من الجهل، والاستجداء (١٤) إلى من هو دونه، فإن كان ذلك محتاجا ظهر عليه بما له، واشترى منه علمه، وإن كان غنيا، ترفع (١٥) عنه حتى يخضع له، فإن قال: هذا وإن كان كذلك فإنه (١٦) يفضي إلى يقين، قلنا له:

стр. 41

كذلك (١) النظر في العقائد الدينية يفضي (٢) إلى يقين. فإن قال: فلم اختلف الخلق فيه؟ قلنا: ليس خلاف من خالف في الحق مبطلا له، إنما علينا أن نعرض عليه الفصول في الأصول (٣)، حتى يقف على فائدة الدليل، ونحن نقرر لكم، فنقول: إن معظم اختلاف النظار بالحقيقة، في العقائد، ليس (٤) اختلافهم (٥) في القواعد، وإنما ذلك لعسر الطريق (٦)، وكثرة العوائق، وكلال الخاطر، وضعف الهمة (٧)، وقلة الرغبة، واحتقار الفائدة، وإحدى هذه تبطل الأرض، وإن الله شاء ببالغ حكمته، ونافذ قدرته، أن يجعل الخلق فريقين، كما بينا [و ١٦ أ]، ويقسمهم إلى الهدى والضلال، وقسم علمه فيهم إلا الجلي (٨) الطريق والخفي (٩) الطريق، ووضعه درجات، ليظهر شرف علمه، ولينزل كل أحد منهم في درجة، حتى يتفاضل (١٠) الخلق، كما كتبه لهم، وأراده منهم، وإلا فأي دليل لم يوصل إلى مدلول؟ ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ [النمل: ٦٤]. والنظر في التفصيل، يبين التحصيل، وهذا كله مجاهدة على الدين، وحيل (١١) في هدم قواعد الشرائع، من الإباحية والتعطيلية (١٢).

стр. 42

الموقف الرابع قالت طائفة: العلم صحيح، ولا يخلق المرء به، بل يستفيده بالتعلم (١)، والعلم لا يحصل إلا لمتعلم، وهو طالب العلم، ولا يصح أن يطلب إلا من أهله، وليس له أهل إلا المعصوم، الذي لا يجوز عليه الخطأ، ولا يشك فيما يلقيه، وهو الإمام المعصوم و (٢) في كل وقت، يتناقلون العلم من معصوم إلى معصوم، ويتوارثونه من إمام إلى إمام. قال الإمام أبو بكر (٣): وهذه (٤) أول بدعة لقيت في رحلتي، فإني خرجت من بلادي، حين (٥) الفطرة، فلم ألق في طريقي إلا من كان على سنن الهدى، يغبطني تديني (٦)، ويزيدني في يقيني، حتى بلغت بلاد هذه الطائفة وزرت بها قبر عمرو، ففجأني (٧)، من أقوالهم، ما قاله في (٨) عمارة (٩) المذكور عمرو: إذا المرء لم يترك طعاما يحبه...ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما فلا بد أن يلقى له الدهر سبة...إذا ذكرت أمثالها تملا الفما كلمات غرارة، خاتمتها نبذ الحقيقة والشريعة، والاسترسال على الإباحة، فلو فجئتني بدعة مشتبهة، كالقول بخلق القرآن، أو (١٠) نفي

стр. 43

الصفات، أو (١) الإرجاء، لم (٢) آمن بإغواء الشيطان، وانتدابه، أن يولجني من (٣) بابه، فلما رأيت هذه الحماقات أقمت على حذر. عاصمة: وقلت: الحمد لله الذي أعذر وأنذر، وثبت [و ١٦ ب]، وبصر، هذه أرض ينبغي أن يشد إلى الاعتصام فيها الحزام، ويفض عن غرر (٤) هذه العورات الختام، وترددت فيها على أقوام، لم يكن عندهم إلا العقائد السليمة، مع مقدمات من الأدلة، لتحصين العقائد عن سورة شبهة، فلبثت فيهم (٥) ثمانية أشهر، لم يبق باطل إلا سمعته، ولا كفر إلا شوفهت به، ووعيته، ﴿تكاد (٦) السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا﴾ [مريم: ٩٠] وهم لم يدعوا للرحمن ولدا، ولكنهم جاءوا بأعظم من ذلك كفرا، وعندا، مع انهماك (٧) في الكفر، واستهتار، وانحلال عن ربقة الديانة، والمروءة والحشمة، وخلع عذار، فسبحان الممهل لهم من ملك جبار، ثم خرجت عنهم إلى الشام، فوردت البيت المقدس، طهره الله، فألفيت فيه ثماني (٨) وعشرين حلقة، ومدرستين (٩) إحداهما (١٠) للشافعية بباب الأسباط، والأخرى (١١) للحنفية، بإزاء قمامة تعرف بمدرسة أبى عقبة، وكان فيه من رؤوس (١٢) العلماء، ورؤوس المبتدعة، على اختلاف طبقاتهم، كثير، ومن أحبار اليهود، والنصارى، والسمرة جمل، لا تحصى، فأوفيت على المقصد، من طريقه، ووعيت العلم بتحقيقه، ونظرت إلى كل طائفة تناظر (١٣)، وناظرتها بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري ﵀، وغيره من مشيخة أهل السنة، ثم نزلت إلى الساحل لأغراض نصصتها في كتاب ترتيب الرحلة، وكان الساحل

стр. 44

المذكور مملوءا من هذه النحل الملحدية، والمذاهب الباطنية، والإمامية، فطوفت في مدن الساحل، لأجل تلك الأغراض الدينية، نحوا من خمسة أشهر، ونزلت عكا منها، وكان رأس الإمامية بها حينئذ أبو الفتح العكي (١)، وبها من أهل السنة شيخ، يقال له الفقيه الديبقي (٢)، فاجتمعت بأبي الفتح في مجلسه، وأنا ابن العشرين فلما [و ١٧أ] رآني صغير السن، كثير العلم، غزير القول، مصيب القصد (٣)، منذلقا (٤) مدربا، ولع بي، وفيهم لعمر الله، وإن كانوا على مذهب باطل، انطباع، وإنصاف، وإقرار للرجل بفضله، إذا ظهر، واعتراف، فكان لا يفارقني ويسارعني في السؤال والجدال، ولا يفاترني، فتكلمت على إبطال (٥) مذهب الإمامية، والقول بالتعليم من الإمام (٦) المعصوم، بما يطول ذكره في هذه (٧) العصم. ومن جملة (٨) كلامنا فيها أنهم يقولون: إن لله في عبيده أسرارا وله فيهم (٩) أحكاما (١٠)، والعقل لا يستقل (١١) بدركها، ولا يقوى على نيل (١٢) الحقيقة من رين ارتباك الشبه، فلا يعرف ذلك إلا من قبل إمام معصوم، وهذا مما ينبغي أن تعلموا (١٣) أنه راجع إلى القول بالحلول (١٤)، وإنما عرجوا عنه ليبعدوا منه، وهم عليه (١٥) محلقون، والية راجعون. فقلت (١٦) لهم بعد أن فهمت أمرهم، وتحققت مقصدهم ووعيت عن بعضهم أنه يورده بعبارة أخرى، فيقول: إن الله أمر بالحق، وعلم الصدق،

стр. 45

على يدي (١) مبلغ معصوم وهو النبي ﷺ (٢)، وألا يكن الأمر على هذا فقد زلقنا (٣) عن درج الحق إلى الباطل، وعن منزلة اليقين إلى الشك، وعن حالة (٤) الثقة إلى الارتياب، فقلت (٥): أمات الإمام المبلغ عن الله لأول ما أمره بالتبليغ أم هو مخلد؟ فقال لي: مات، وليس هذا بمذهبه، ولكنه تستر (٦) معي به، وإنما حقيقة مذهبه أن الله سبحانه يحل في كل معصوم، فيبلغ عنه، فالمبلغ هوالله، لكن بواسطة حلوله في آدمي، فقلت: هل خلفه أحد؟ فقال: خلفه وصيه علي، فقلت (٧) له: فهل قضى بالحق، وأنفذه أم لا؟ قال: لم يتمكن لغلبة (٨) المعاند، قلت له: فهل أنفذه حين قدر؟ قال: منعته التقية، ولم تفارقه من يوم العهد إلى يوم الموت، إلا أنها كانت تقوى تارة، وتضعف أخرى، فلما ولي، بقيت من التقية بقية، فلم يمكن إلا المداراة [و ١٧ ب] للأصحاب لئلا ينفتح عليه، من الاختلال أبواب، قلت: وهذه المداراة هي حق أم لا؟ قال: باطل أباحته الضرورة (٩)، قلت: فأين العصمة؟ قال: إنما تتعين (١٠) العصمة مع القدرة، قلت: فمن بعده إلى الآن وجدوا القدرة أم لا؟ قال: لا، قلت: فالدين مهمل، والحق مجهول (١١) مخمل (١٢)، قال: سيظهر، قلت: بمن؟ قال: بالإمام المنتظر، قلت: لعله الدجال، قال: فما بقي أحد إلا ضحك، وقطعنا الكلام على غرض مني، لأني خفت أن أفحمه فينتقم مني، في بلاده، قلت: ومن أعجب ما في هذا الكلام، أن الإمام إذا أوعز إلى من لا قدرة له، فقد ضيع، فلا عصمة له، وأعجب منه أن الباري على مذهبه، إذا علم أنه لا علم إلا بالمعلم، وأرسله عاجزا مضعوفا، لا يمكنه أن يقول ما علم، فكأنه ما علمه، وما بعثه، وهذا عجز منه وجور، لا سيما على مذهبهم، فرأوا من الكلام ما لم يمكنهم أن يقوموا معه بقائمة،

стр. 46

وخرج البحث (١)، وشاع به الحديث، فأراد رئيس الباطنية المسمين (٢) بالإسماعيلية (٣)، أن يجتمع (٤) معي فجاءني أبو الفتح إلى مجلس الفقيه الديبقي، وقال لي: إن رئيس الإسماعيلية، رغب في الكلام معك، فقلت: أنا مشغول، فقال: هاهنا موضع قريب (٥) قد جاء إليه، وهو محرس (٦) الطبرانيين، مسجد في قصر على البحر، شامخ البنا مشيد البناء، وتحامل علي فقمت ما (٧) بين حشمة وحسبة، وللمحرس (٨) المذكور رائعة طويلة فقطعتها، ودخلنا حشمة (٩) قصر المحرس (١٠)، وصعدنا إليه، فوجدتهم قد اجتمعوا في زاوية المحرس (١١) الشرقية، فرأيت النكر في وجوههم، فسلمت، ثم قصدت جهة المحراب، فركعت عنده ركعتين، لا عمل لي فيه (١٢) إلا تدبير القول معهم، والخلاص منهم، فلعمر (١٣) الذي قضى علي بالإقبال إلى أن أحدثكم أن كنت رجوت الخروج من (١٤) ذلك المجلس أبدا، ولقد كنت أنظر إلى البحر يضرب في حجارة سود [و ١٨ أ] محددة تحت طاقات المحرس، فأقول هذا قبري الذي يقذفون بي (١٥) فيه، وأنشد في سري: ألا هل إلى الدنيا معا وهل لنا...هوى البحر قبر أو سوى الماء أكفان وهي كانت الشدة الرابعة من شدائد عمري، التي أنقذني الله منها. فلما سلمت، استقبلتهم، وسألتهم عن أحوالهم عادة، وقد اجتمعت إلى نفسي، وقلت: أهون ميتة، وأشرفها، في أكرم موطن أناضل فيه عن الدين، وأكون قيم المسلمين، فقال لي أبو الفتح، وأشار إلى فتى حسن الوجه: هذا سيد

стр. 47

الطائفة، ومقدمها، فدعوت له، وسكت، فبداني، وبدرني، وقال لي (١): قد بلغتني (٢) مجالسك، وانتهى إلى كلامك، وأنت تقول: قال الله، وفعل الله، فأي شيء هو (٣) الله، الذي تدعو إليه، وتكثر من ذكره؟ أخبرني، وبين لي، واخرج عن هذه المخرقة التي جازت لك، على هذه الطائفة الضعيفة، وقد احتد (٤) نفسا، واحتدم حلبا (٥)، وامتلأ حنقا وغيظا، وجثا على ركبته (٦)، كما عاث بقولته (٧)، ولم أشك أنه لا يتم الكلام إلا وقد اختطفني أصحابه قبل الجواب، وعمدت بتوفيق الله إلى كنانتي، واستخرجت (٨) منها سهما صائبا، كان من عددي، فضربت به حبة قلبه، فسقط لليدين وللفم، ولم تبق له كلمة تجري على القلم (٩)، وشرح ذلك أن الإمام أبا بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الجرجاني (١٠) قال: كنت أبغض الناس في من يقرأ علم الكلام، وذلك لأنه كان مقدما (١١) في علم الحديث، عارفا به (١٢) قال (١٣): فدخلت يوما الري فعمدت إلى جامعها فدخلته واستقبلت سارية، أركع عندها، وإذا فيما يجاورني رجلان وهما يتذاكران (١٤) علم الكلام، فتطيرت بهما، وقلت في نفسي (١٥) أول ما دخلت هذا (١٦) البلد سمعت فيه ما أكره، وجعلت أخفف الصلاة، حتى أبعد منهما (١٧) فعلق بي من قولهما: إن [و ١٨ ب]، هؤلاء الباطنية

стр. 48

أسخف خلق الله عقولا، وينبغي للنحرير أن لا يتكلف لهم دليلا، ولكن (١) يطالبهم بلم؟ فلا قبل لهم بها، ولا معدل معهم عنها، وسلمت مسرعا، وشاء الله بعد ذلك أن يكون رجل من الإسماعيلية، ولفهم القرامطة يلقون الأمر إلى معرفيهم (٢)، فكشف القناع في الإلحاد وجعل يكاتب وشمكير الأمير، يدعوه إلى الإلحاد، ويقول: إني لا أقبل دين محمد إلا بالمعجزة، فإن أظهرتموها رجعنا إليكم، وانجرت الحال إلى أن اختاروا رجلا جلدا، منهم (٣)، له دهاء ومنة، فورد على وشمكير رسولا، فقال له: إنك أمير، ومن شأن الأمراء والملوك أن تتخصص (٤) عن العوام، ولا تقلد (٥) في عقيدتها، وإنما حقهم أن يفحصوا عن البراهين، فقال له وشمكير، اختر (٦) رجلا من أهل مملكتي، ولا أنتدب للمناظرة بنفسي، فيناظره (٧) بين يدي فقال (٨) له الملحد: اخترت أبا بكر الإسماعيلي لعلمه بأنه ليس من أهل التوحيد، وإنما كان إماما في الحديث، ولكن كان وشمكير (٩) يعتقد فيه، أنه أعلم أهل الأرض، بأنواع العلوم، فقال له وشمكير (١٠): تيك مرد أي رجل جيد، فأرسل الملك إلى أبي بكر الإسماعيلي، بجرجان ليرحل إليه إلى غزنة، حتى يناظر الإسماعيلي، لما كان يسمع من ذكره، وإمامته في الحديث، والملك بعاميته يعتقد أنه قائم على كل علم وأنه ليس فوقه أحد، ولا وراءه مطلب، فلم يبق أحد من العلماء إلا يئس من الدين، وقال: سيبهت الإسماعيلي، الكافر مذهبا، الإسماعيلي الحافظ نسبا، ولم يمكنهم أن يقولوا للملك: لا علم عنده لئلا يتهمهم بالحسد، فلجأوا إلى الله أن ينصر دينه وعولوا عليه. قال الإسماعيلي: فلما جاءني البريد، وأخذت في المسير، وتدانت (١١) الدار [و ١٩ أ]، قلت: إنا لله، وكيف أناظر، فيما لا أدري، وأتكلم بما لا أعلم،

стр. 49

هل أتبرأ عند الملك أولا، وأرشده إلى من يحسن الجدل، ويعلم حجج الله في خلقه على صحة دينه، وندمت على ما سلف من عمري، ولم أنظر في شيء من علم الكلام، ثم أذكرني الله ما كنت سمعته من الرجلين بجامع الري، فقويت نفسي، وعولت على أن أجعل ذلك عمدتي، وبلغت البلد، وتلقاني الملك، واستراح (١)، ثم جمع الخلق، وحضر الإسماعيلي المذهب مع الإسماعيلي النسب، وقال الملك للإسماعيلي الباطني: اذكر قولك يسمعه الإمام، فلما أخذ في ذكره، واستوفاه قال له الإسماعيلي الحافظ: لم؟ فلما سمعها الملحد قال: هذا إمام قد عرف مقالتي، فبهت، فقال له الملك: (إذا ناشمند ورضين) (٢) ورجع إلى أصحابه وهو يشير إلى الإسماعيلي ويقول: (أجور مردد أنشمند) وروي. أنه قال: (يا كشنخان (٣) خوستي كه بيك) (٤) فرد (٥) مناظره وطرده، قال الإسماعيلي: فخرجت (٦) من ذلك، وأمرت بقراءة علم الكلام، وتحققت أنه عمدة من عمد الإسلام، قال القاضي أبو بكر (٧): وحين انتهى بي الأمر إلى المقام المتقدم، قلت: إن كان في الأجل نساء (٨)، فهذا شبيه بيوم الإسماعيلي، فرددت وجهي إلى أبي الفتح الإمامي (٩)، وقلت له: لقد كنت في لا شيء (١٠)، ولو خرجت من عكا، قبل أن أجتمع بهذا العالم ما رحلت إلى غربنا (١١) عن نادرة الأيام، أنظر إلى حذقه بالكلام، ومعرفته، قال لي: أي شيء هوالله، ولا يسأل بمثل هذا (١٢) إلا مثله (١٣)، ولكن بقيت ها (١٤) هنا نكتة لا بد من (١٥) أن نأخذها اليوم عنه، وتكون ضيافتنا عنده، لم قلت أي شيء هوالله،

стр. 50

فاقتصرت من حروف الاستهفام على أي، وتركت الهمزة، وهل، وكيف، وأين، وكم، وما، وهي أيضا من [و ١٩ ب]، ثواني (١) حروف الاستفهام، وعدلت من الام، عن حروفه فهذا سؤال ثان، عن حكمة ثانية، ولأي معنيان في الاستفهام، فأي المعنيين قصدت بها؟ (٢) ولم سألت بحرف يحتمل، ولم تسأل بحرف مصرح بمعن واحد؟ هل ذلك وقع منك بغير علم ولا تحصيل ولا قصد لحكمة (٣) أم لحكمة؟ (٤) فبينها لنا، فما هو إلا أن افتتحت هذا الكلام، واستخفرت (٥) فيه، وهو يتغير حتى اصفر آخرا من الوجل، كما اسود أولا، من الحقد، ومات قبل أن يموت، ورجع أحد أصحابه الذي كان على يمينه إلى آخر كان بجنبه، وقال له: ما هذا الصبي إلا بحر زاخر من العلم، ما رأينا مثله قط، وهم ما رأوا قط أحدا به (٦) رمق لأن الدولة لهم، ولولا مكاننا من رفعة الدولة، ملك الشام وأن (٧) والي عكا كان يحكمنا لأنا جلبنا إليه كتابه بأن يبالغ في برنا، وينتهي إلى الغاية في مكارمتنا (٨)، ما خلصت منهم في العادة أبدا و (٩) حين سمعت تلك الكلمة من إعظامي، طلبت ما أمامي وقلت: هذا مجلس عظيم، وكلام طويل، يبين أنه يفتقر إلى تفصيل، ولكن نتواعد إلى يوم آخر، وقمت وخرجت، فقاموا كلهم معي، وقالوا (١٠): لا بد أن تبقى قليلا، فقلت: لا، وأسرعت حافيا، فلما جئت الدرابزين (١١) لم أنزل على الدرج، و (١٢) وثبت في وسط القصر، وخرجت على الباب إلى الرائعة (١٣) أعدو، حتى أشرفت على قارعة الطريق، وبقيت هنالك (١٤)، مبشرا نفسي بالحياة، حتى خرجوا بعدي، وأخرجوا لي، لا لكتي (١٥)

стр. 51

فلبستها ومشيت معهم، متضاحكا، ووعدني (١) بمجلس فلم أف لهم، إلى أن خرجت عنهم، وخفت وفاتي، في وفائي، وفي ترتيب الرحلة بقية الحديث. قال القاضي أبو بكر (٢): وقد كان قال لي [و ٢٠ أ]، أصحابنا النصرية (٣) بالمسجد الأقصى: إن شيخنا أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي (٤) اجتمع برئيس من الشيعة، فشكا (٥) إليه فساد الخلق، وأن هذا الأمر لا يصح إلا بخروج الإمام المنتظر، فقال له نصر: هل لخروجه ميقات معلوم أم لا؟ قال الشيعي: نعم لخروجه ميقات، قال أبو الفتح نصر: و (٦) معلوم هو أو مجهول؟ قال له (٧) الشيعي: معلوم، قال نصر: و (٨) متى يكون؟ قال الشيعي: إذا فسد الخلق، قال أبو الفتح نصر: فلم تحبسونه عن الخلق؟ و (٩) قد فسد جميعهم إلا أنتم فلو فسدتم لخرج، فأسرعوا به، وأطلقوه من سجنه، أو نحو هذا، وعجلوا بالرجوع إلى مذهبنا، فبهت، وأظن أنه سمعها من شيخه سليمان بن أيوب الرازي الإمام (١٠) الزاهد. تكملة: وقولهم: إن العقول تقصر فلا بد من معلم صحيح، وقولهم: إن المعلم يكون معصوما صحيح، ولكن هو (١١) المعلم الأول الواسطة بين الله وبين الخلق، و (١٢) يجوز أن يكون واحدا، ويجوز أن يكون ألفا، وقد بعث الله

стр. 52

واحدا، واثنين وثلاثا (١)، فأما من يأخذ عن هذه الوسائط، فلا يلزم أن يكون معصوما، فما دليلكم عليه؟ ولا كلام له بعد هذا يحكى. قال القاضي أبو بكر: وجرت (٢) مجالس سوى هذا بيانها في موضعها، منها أنه لما شاع في البلدة المذكورة ذكري، واستفاض أمري، وتفاقم عليهم خطبي، وكان بها أمير من أمراء الشيعة، له باع في الجدال، وميل (٣) مع التشيع (٤) إلى مذهب الاعتزال، ودعاء إلى البدعة والضلال، فلما سمع بذكري، ترصد الاجتماع بي (٥)، فلم يتفق (٦) إلا يوم التبريز للخروج إلى طبرية، فنزل في رحلي، علي، في كبكبته، فجزعنا لعمر الله حين [و ٢٠ ب] حل بنا، لأن الأمر لهم، والدولة دولتهم، والبلاد بلادهم، فلما استوى به الدست، فاتحني (٧) بالقول، وفي القوم (٨) بشهادة الله - وإن خالفونا في العقيدة - بر في اللقاء، وحلاوة في المنطق، (٩) واحتمال كثير، فقال لي: بلغني أنك جادلت أصحابنا هاهنا، وسمعت بانفصالك، فأردت لقاءك، لأعلم ما عندك، فاطلع (١٠) قدرك، فتراجعت إلي نفسي، ووطنتها (١١) على ما عسى أن تلقى (١٢) من المكروه في ذات الله، وكان يكلمني بكلام عذب، والنكراء على وجناته بادية، فقلت له: قد كان بعض ما بلغ الأمير، وهو مشكور على اهتباله وبره، ومثله عرف لكل أحد، مبلغ قدره، ولو أرسل إلي مشيت إليه، مبادرا متشرفا (١٣)، بلقائه (١٤)، مستسعدا (١٥) برؤيته (١٦)، فقال لي (١٧): ما دليلك على أن الله تعالى عالم بعلم؟ فقوي قلبي، وحضر لبي (١٨)، واسخنفزت (١٩)،

стр. 53

فقلت (١): مثل الأمير في منصبه، وفهمه لا يرضى بهذا، فقال لي: وما هو؟ قلت: حكمت علي بأني أقول: إن الله تعالى (٢) عالم بعلم، ولم تسمع (٣) ذلك مني، ولا شهد (٤) بذلك عندك علي، ولو سمعته (٥)، فمن أدب الجدال السؤال أولا عن المذهب، ثم بعد ذلك عن الدليل على صحته، فقال لي: قد علمت بالسماع المتواتر أنك أشعري، قلت: هذان وهمان، أحدهما: أن الخبر المتواتر لا يوجب عندك شيئا، وهو مذهب الإمامية، الثاني: أنك (٦) إذا (٧) سمعت أني أشعري، كيف حكمت بأني مقلد له في جميع قوله؟ (٨) وهل أنا إلا ناظر من النظار أدين بالاختيار، وأتصرف في الأصول بمقتضى الدليل؟ فبأن سمعت أني ناظرت في مسائل على مذهب الأشعري حكمت فيما لم تسمع، بما سمعت، أي نوع هذا من النظر؟ (٩) مثلك لا يرضى به في جلالة منصبه، فصرف وجهه إلى أبي الفتح شيخ الإمامية بها وهو كان جليسي، ومناظري أيام [و ٢١ أ] كوني بها، في كل وقت فسارره، فأخذت من تحريك شفتيه، أنه قال له: هذا صبي لا يطاق، فلما فهمتها، استزدت استرسالا، وأفضت في الكلام إدلالا (١٠)، فقلت: وكان من حق الأمير أن يقبل على مسائله المختصة به، ولا يسألني أولا عن مسألة ليست له، وإنما هي من مسائل المعتزلة، فأردت أن تجادلني بكلامهم، وأن تفاوضني (١١) بحجاجهم، وتركت ما يختص بك دونهم كمسألة عصمة الإمام، وكونه المرجوع إليه، والمحكوم في الدين بقوله، فهلا بدأت بها، وأظهرت علمك فيها، وفخرت على قومك بالكلام عليها (١٢)، فلما رأى الشدة في الحدة، وقد تحلقت علينا الأجناد والعسكرية، وتشوفت (١٣) القافلة، وخاف الظهور عليه، حل حبوة الجدال، ولاطف في

стр. 54

الكلام والاسترسال (١)، ودعا مقدم القافلة فقال له: أنظر من معك، واقد قدر صاحبك، ولا تصل إلي إلا بكتابه شاكرا، وإلا فلا ترجع إلى البلد، فشكرناه، ودعونا له، وقام، فخسر (٢) ركابه، وحان (٣) إيابه، وانصرف في كبكبته، وقد عصمنا الله من سطوته، وخرجت عن عكا إلى طبرية، على حوران، والبثنية (٤)، وعدلت عن بصرى إلى دمشق، لوجوه بيناها في كتاب ترتيب الرحلة، فمن هنالك (٥) أشرق (٦) الحق بنوره، واتصل المسير إلى دار السلام، فألفيت بها (٧) من رؤساء العلم، ورؤوسه، وأشياخ الملة، وأحبارها، ما يملأ الخافقين، فقلت: هذه ضالتي التي كنت أنشد (٨)، وكان فيها قاضيان عظيمان دينا في الظاهر، أبو اليمن الحنفي (٩)، وأبو سعد الهروي (١٠) فجالستهما وسمعت كلامهما، وإذا بهما (١١) على هذا المذهب وأحدهما وإن كان يلوح فأبو سعد كان يصرح، ولم يكن يظن أن عندي من مذهب القوم، وأغراضهم علما (١٢) وفشا ذلك في خراسان، من لدن موت أبي الفتح

стр. 55

الملك العادل (١) وقتل (٢) التاجية (٣) لخواجا بزرك الملقب بنظام الملك (٤)، وزير أبي الفتح، وكان تاج الملك وزير خاتون باطنيا، وتحزبت الباطنية إلى قلعة أصبهان، وثارت في الجبل (٥) حتى بلغت همدان، ودعوا إلى الجدال، فأرسل الملك إلى الغزالي، فصنف له كتابا سماه "حجة الحق في الرد على الباطنية" بالعجمية، وكلفه الخليفة أن يضع له في ذلك شيئا، فأرسل إليه (٦) كتابا سماه "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية" في كشف أعوارهم وهتك أستارهم، وتبيين عوارهم، برع فيه، وإن كان القاضي (٧) قد سبقه إليه، ولكن أجاد هذا في الترتيب، فنوظروا بذلك (٨) ونزلوا إلا طائفة بلدهم الجبل، حتى استنزلوا بالحيل، وتفرقوا في البلاد أيادي سبا، ووقعت إلى العراق منهم طائفة، فلقطوا بها لقط الطائر حب السمسم، وعقد لهم مجلس، وقرروا فيه، فمنهم من أنكر، ومنهم من اعترف واستمر، ومنهم من تاب واستغفر، فقال الشافعية تقبل توبتهم، وقال الحنفية: لا تقبل لهم توبة، وجرى في ذلك كلام بين أبي بكر الشاشي (٩) الشافعي، وبين الشريف أبي طالب الزيني (١٠)

стр. 56

ودخل (١) المنشور بصورة المجلس، إلى الخليفة أحمد المستظهر ب الله (٢) ﵀، فوقع يقتلون دون قبول توبتهم، حسبما رآه إمام دار الهجرة مالك (٣) فإنهم أخبث الطوائف (٤) مقالة، وأسخفها حجة ودلالة، أليس شاعرهم الذي يقول: حل برقادة المسيح...حل بها آدم ونوح حل بها الله ذو البرايا...فكل خلق سواه ريح وهو القائل مخبرا عن صاحب مظلته [و ٢٢ أ]: أمديرها من حيث دار لطالما (٥) زاحمت (٦) تحت ركابه جبريلا وماذا يستبقي من هؤلاء؟ فكانت أول مسألة حكم فيها بمذهب مالك بمدينة السلام، بعد أحوال وأعوام، وكانت بعدها أخرى نبينها (٧) في موضعها. وهذا الذي احتج به الخليفة عليهم، وهو الذي أشرت به عنهم (٨) من قولهم: إن (٩) الله يحل في كل رسول وإمام، ويشافه الخلق، وعيسى من محاله، ومحمد، وعلي، عندهم، وكل علوي مثلهم، يحل الإله فيهم، إلى سخافات وراءها، و (١٠) تهتكات لا ينبغى ذكرها، ولولا أن الله سبحانه ذكر المقالة الفاسدة تحذيرا عنها، وإقامة للدلالة عليها، ما قلنا هذا أبدا ولا رضينا بذكره، وما ضل من اقتدى، ولا قصر من ناضل عن دين الله بالهدى (١١)، ولقد أخبرني من أثقه غير واحد، أن قاضي همدان، كان باطنيا، وأنه كان إذا سمع عن سني، قال لباطني: ارفعه في الدعوة، فإذا رفعه إليه، ودخل داره،

стр. 57

أمر بقتله، ورماه (١) في مغواة، فطلب ذلك الرجل فلم يوجد (٢) له خبر أبدا، وفشت الغيلة (٣) فيهم على المسلمين (٤)، حتى قام شيخنا أبو المظفر حامد (٥) بن رجاء المعراني (٦) الشافعي خطيب أصبهان (٧) على المنبر، وخطب مؤيدا للدين، ومحرشا للموحدين، ومستنجدا لهم على ما يفعل بأهل السنة من المؤمنين، وقال في خطبته: ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون، وسل سيفه على المنبر، ونزل، فقتل (٨) الباطنية، فما بقي منهم في ذلك اليوم بأصبهان إلا من خفي أمره، أو أخفى نفسه وطهرها الله منهم إلى انكفائي عن العراق. قال القاضي أبو بكر (٩): وكان قد ظهرت لهم في القراطيس الملقاة عندهم جملة، ارتفع إلى الخليفة بعضها من مقالاتهم، قرطاس فيه: إن الحق مطلوب كل [و ٢٢ ب] عاقل، وطريق تحصيله أبدا معلوم، وهو أنه رفيق الوحدة، والباطل حيث الكثرة، وهذا ينقلب عليهم فيقال لهم (١٠): الحق حيث الكثرة، والباطل حيث الوحدة، ويد الله مع الجماعة، والحق ما كثرت الشهود عليه، وبعد أن نقلبه (١١) عليهم، لا يكون لهم كلام به احتفال أبدا، لأن أوله ليس له ثبات، فآخره شر من أوله. جواب آخر: يقال لهم: بم عرفتم أن الحق في الوحدة؟ أبقول (١٢) الإمام أم (١٣) بالتجربة، أو بالنظر؟ وليس لهم عن هذا جواب به احتفال، وكنا نورده، إلا أنا كرهنا التطويل، ورجونا علمكم به.

стр. 58

جواب آخر: هذا يبطل كل حقيقة، فإن قائلا لو قال: إن السموات سبع، وقال آخر (١): إن السموات واحدة، لقلنا يلزمكم أن تقولوا إن السماء واحدة، لأن الحق في الوحدة، وكذلك لو قال قائل: الإمام واحد، هو الحق، فمن قال: إنهم أيمة فهو باطل، لأن الحق في الوحدة، وهذه مسكتة (٢) لهم، وقد جربناها. قرطاس: قالوا: إنما ينتقل إلى البدل مع عدم الأصل، كالتيمم (٣)، والنظر بدل الخبر، فإن كلام الله هو الأصل، فهو خلق الإنسان وعلمه البيان، والإمام هو (٤) خليفته، ومع وجود الخليفة الذي يبين (٥) بقوله لا (٦) ينتقل إلى النظر. قال القاضي أبو بكر (٧): هذه كلمات خبيثة ملفقة (٨)، من جزء، عشر (٩) العشر فيه طيب، لكنه قرن إلى باطل، خبيث مبطل للكل، كلام الله هو الكل، ولكن لا يبلغ إلى كلام الله إلا واسطته. وقد قال الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني (١٠): إن العاقل (١١) لا يصح أن يدرك بذاته كل العلوم حتى يبعث الله من يرشده، وهو الرسول (١٢)، وقولهم: إن خليفة الله هو الذي يبلغ عنه صحيح (١٣)، ولكن الخليفة هو النبي الذي سن (١٤) ثم استأثر (١٥) الله به [و ٢٣ أ] ولا معصوم بعده، لكن الكل في ذاته

стр. 59

معصوم فإذا أخذ عن المعصوم قطعا فحسن، وإن أخذته (١) عن غير معصوم وعيته (٢) وسبرته بالقانون الذي بينه (٣) المعصوم، وأفرغته في قالب العلم المعصوم، فهو ينبيك عن قراره (٤)، ومتنه يدلك (٥) على غراره (٦)، فلا يصح لهم هذا الكلام بحال، لا سيما وهم يقولون: إن المعصوم غائب ولكنه (٧) قد بث الدعاة. يقال لهم: ومعلمنا محمد (٨)، قد بث الدعاة، فإن قيل: نحن إذا اختلفنا في شيء رددناه إلى إمامنا (٩) المعصوم. قلنا: ونحن إذا اختلفنا في شيء رددناه إلى إمامنا المعصوم، الذي أكمل لنا التعليم، وقال لنا عن مرسله العظيم: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: ٣]. ويقال لهم: ولعل معلمكم الغائب قد مات، وليس لهم بعد هذا إلا (١٠) ما يحكى. قاصمة: وكان هذا الداء في الإسلام لوجهين: أحدهما: أن المجوس الذين قاموا بين أظهر (١١) المسلمين (١٢) بالجزية، وعندهم (١٣) هذا العقد الخبيث فهم بالمصاقبة (١٤) للمسلمين يبثونه فيهم فيتشككون (١٥) بتشكيكهم، ويرتدون (١٦) إليهم، كما أن لمقام (١٧) النصارى بين أظهرنا، ترددت نحلتهم (١٨) عندنا

стр. 60

وعلمناها، وكانوا مغمورين (١) بالحق مقهورين، إلى أن أنشأ الله بني برمك: يحيى بن خالد (٢)، ومحمد بن خالد، فملك الوالي أمر الدين إياهما، وجعل الخلافة بأيديهما، فكان محمد بن خالد حاجبها، ثم كان وزيرها، وصاحب أمرها كله يحيى بن خالد ثم ابنه جعفر بن يحيى (٣)، وكانوا باطنية يعتقدون رأي الفلاسفة، فكادوا الدين، وأحيوا (٤) المجوسية، واتخذوا البخور في المساجد، وإنما كانت تطيب بالخلوق، فزادوا التجمير ليعمروها [و ٢٣ ب]، بالنار منقولة، حتى يجعلوها عند الإنس (٥) ببخورها (٦) ثابتة (٧)، وتمكن العجم من إفساد دولة العرب، والملحدة من الملة، والعبيد من الأحرار، وقد كان يضمرون لها (٨) حقدا، وينتظرون (٩) لفسادها (١٠) وقتا، فانتقوا كل ضيق العطن، مخلوع الرسن، وأظهروا الآراء الفلسفية بعد خفائها، وجلبوا الناس إلى أنفسهم بعظيم العطاء، وسعة الإفضال، والتمكن من الملك، والإدناء من مقار العز، فنفقت بعد كسادها، وعادت بعد نفادها، ولحظوا الخلق بعين التنفير (١١)، ليأخذوا من يوافقهم على هذا النظير (١٢)، فاعتاموا منهم من لا يهدي، ولا يهتدي وصح (١٣): عن المرء لا تسل وسل عن قرينه...فكل قرين بالمقارن يقتدي (١٤) وعقدوا مجلسا للضلال باسم الهدى، ونصبوا على الإسلام لذلك موعدا، يحضر فيه من ينتحل علم الكلام من أصحابهم (١٥) المنتدبين للطعن على أهل الإسلام، أولى عقائد فاسدة ونحل مضلة، وكان من رؤوس

стр. 61

مجلسهم، وممن اختاروا للعون على ضلالتهم أربعة عشر رجلا (١) ثمانية (٢) من المعتزلة: أبو الهذيل محمد بن الهذيل العلاف (٣)، وإبراهيم بن سيار النظام (٤) البصريان، وبشر (٥) بن المعتمر البغدادي (٦)، وجعفر بن حرب (٧)، وجعفر بن مبشر (٨)، وثمامة بن أشرس (٩)، ومنهم الصباح (١٠) بن الوليد المرجي، شيخهم في زمانه، ومنهم أبو مالك الحضرمي (١١) شيخ الشروية. ومن الإمامية هشام بن الحكم الجزار (١٢) الكوفي (١٣)، وصاحبه السكاك، وصاحباه أيضا (١٤) علي بن مقسم، وعلي بن منصور (١٥)، وإبراهيم بن مالك رجل من أهل البصرة، يتفقه في ظاهر أمره، ويصر في الباطن (١٦) على أمر

стр. 62

عظيم، والموبذان قاضي المجوس، وكان هذا الموبذان المذكور خالصة القوم، وعيبتهم (١) وشعارهم، ومن ذكرناه (٢) [و ٢٤ أ]، سواه دثارهم. ولقد تكلموا في بعض مجالسهم في العشق، فقالوا ألفاظا صاغوها على مناقضة الشريعة، حتى قال أبو الهذيل فيه: إنه (٣) يختم على النواظر، ويطبع على الأفئدة، ويتعدى في الأجساد، ومشرعه (٤) في الأكباد، وصاحبه متصرف (٥) في (٦) الظنون متفتق (٧) الأوهام (٨)، وقال بقيتهم نحوه، وقال الموبذان: إنه نار تأجج في تامور (٩) القلب، بين الجوانح واللب، فيوجد بوجود الأشخاص، والتحام الأجرام، لأن منشأه عن حركات (١٠) حيوانية، وعلل هيولانية، ومصرفه (١١) الاستقصات، لأنها تولده، والنجوم تنتجه، والأسرار العلوية تصوره، وهو من كرم العناصر، وتداعي الضمائر، واتفاق الأهواء، ولا يكون إلا من اعتدال الصورة، وذكاء الفطنة، وصفاء المزاج، واستواء التركيب والتأليف. عاصمة: قال القاضي أبو بكر (١٢): فها أنتم أولاء ترون ما يأتون (١٣) به (١٤) من القحة والتهتك، (١٥) ويقتحمون (١٦) في البطالات من الترهات والانهماك في الضلالات. ويقال لهم، ما عارضهم به من قابل فاسدا بفاسد وهو باب من الجدل، وطريق من طرق الحق في مقابلة الفاسد وهو باب من النظر قاطع بالخصم، قاصم لظهره: إنكم لم تعلموا للعشق حقيقة، إنما هو معنى يهوى

стр. 63

على مبهط (١) الصب، من قيضب القرب (٢)، فيزعج (٣) بلاعج الحب من فيقب (٤) القلب، فيذهل اللب، ويعظم الكرب فقربه البعد، وحياته القرب، ليس من مزاج الأسطقس، ولا من مملكته (٥)، ولا من تأثير (٦) الكواكب، ولا أفلاكها، وإنما هو علوي على العلويات بري من الهيولات، ومعنى إذا وقع خرق (٧) أقطار السموات، فنزل على غير ميقات، لا يتعلق بالأشباح ولا يمتزج بالحركات، ولا يدركه عالم الحواس، ولا يعد في تصرفات الأمزجة، ولا يلحقه [و ٢٤ ب]، تأليف، لأنه (٨) فرد عن فرد لفرد، يحرك الأفلاك، ولا تحركه: أزمر (٩) على البوق (١٠) إن صاحوا بشبوط (١١) وقابل (١٢) القوم تخليطا بتخليط صوت بصوت وخير الصوت أفهمه...فاسمع فها هو إفراط بتفريط وقد ذكر الأستاذ المعظم أبو المظفر طاهر بن محمد الإسفراييني شاهفور أن هذه المشيخة الركيكة، اجتمعوا مع نفر من أصحابهم (١٣) في مجلس لهم للخوض في الباطل وتكلموا في مسألة ما يصح وصف الباري بالقدرة عليه (١٤) فزعمت أن الظلم مقدور لله (١٥)، لكنه لا يفعله، لأن وقوعه منه يدل على حدوثه، فقيل لهم ما دل على حدوثه لم يوصف بالقدرة عليه كالموت والحركات، فقال النظام: لا يقدر الله على ما لو وقع منه كان ظلما وجورا،

стр. 64

والمعنى فيه أنه لو قدر عليه لم يدر لعله قد جار أو كذب فيما مضى أو يجوز ويكذب في المستقبل أو قد جار الآن في بعض أطراف الأرض (١) ولم يكن لنا من جوره وكذبه أمان، إلا من جهة حسن الظن به، فأما دليل يؤمننا من وقوع ذلك منه، فلا سبيل إليه، فقال له الأسواري (٢): يلزمك على هذا الاعتلال أن لا يكون قادرا على ما علم أنه لا يفعله، وأخبر بأنه لا يفعله (٣)، لأنه لو قدر على ذلك لم نأمن (٤) وقوعه منه، فيما مضى أو (٥) في المستقبل. قال له النظام: هذا لازم، فما قولك فيه؟ فقال: أنا أسوي بينهما، فأقول: إنه لا يقدر على فعل ما علم أنه لا يفعله، ولا على ما لو فعله لكان ظلما منه. فقال النظام للأسواري: قولك هذا الحاد وكفر، فقال أبو الهذيل للأسواري: ما تقول في فرعون ومن علم الله سبحانه [و ٢٥ أ]، منهم أنهم لا يؤمنون؟ هل كانوا قادرين على الإيمان أم لا؟ فإن زعمت (٦) أنهم كانوا قادرين عليه، فما يؤمنك من أن تكون (٧) قد وقع من بعضهم ما علم الله أنه لا يفعله؟ أو (٨) أخبر عنه بأنه لا يفعله على قود (٩) اعتلالك، واعتلال النظام، وإنكار كما قدرة الله على الظلم والكذب، فقالا: هذا لازم لك (١٠) فما جوابك عنه؟ فقال: أنا أقول: إن الله تعالى قادر على أن يظلم، ويكذب، وعلى أن يفعل (١١) ما علم أنه لا يفعله، فقالا له: أرأيت لو فعل الظلم والكذب كيف كان حال الدلائل التي دلت على أن الله لا يظلم ولا يكذب؟ فقال: هذا محال، فقالا له: كيف يكون المحال مقدورا لله تعالى؟ ولم أحلت وقوع ذلك منه مع كونه

стр. 65

مقدورا له؟ فقال (١): لأنه لا يقع إلا عن آفة تدخل عليه، ومحال دخول الآفات على الله تعالى، فقالا له: ومحال أيضا أن يكون قادرا على ما لا يقع منه (٢) إلا عن آفة تدخل عليه، فبهت فقال لهم بشر بن المعتمر: كل ما أنتم فيه تخليط، فقالوا (٣) له: فما تقول أنت؟ أتقول بأن الله قادر على أن يعذب الطفل الذي لا ذنب له أم لا يقدر عليه؟ فقال أقول: بأنه (٤) قادر على ذلك، فقالوا له: أرأيت لو فعل ما قدر عليه من تعذيب الطفل، لا عن ذنب، ما كانت حال الدلائل التي دلت على أنه لا يظلم؟ فقال: لو عذب المطفل ظالما له في تعذيبه لكان الطفل بالغا عاقلا عاصيا مستحقا للعذاب (٥) الذي أصابه، وكانت الدلائل بحالها في دلالتها على عدل الله تعالى، فقالوا: سخفت عينك كيف يكون عادلا بفعل ما هو ظلم؟ فقال لهم المردار (٦): إنكم أكثرتم على أستاذي بشر منكرا (٧) عظيما (٨)، وقد يغلط الأستاذ، فقال له بشر: كيف (٩) تقول أنت؟ قال: أقول: إن الله (١٠) [و ٢٥ ب] قادر على الظلم والكذب، ولو فعل ذلك لكان إلها ظالما (١١) كاذبا، فقالوا (١٢) له: هل كان مستحقا للعبادة أم لا؟ فإن استحقها فالعبادة شكر المعبود، والظالم يستحق الذم لا الشكر، وإن لم يستحق العبادة، فكيف يكون من لا يستحقها إلها؟ فقال لهم: إلا أنا نقول إنه قادر على أن يظلم ويكذب، ولو ظلم وكذب كان صادقا عادلا، فقال له (١٣) الإسكافي (١٤): كيف ينقلب الظلم عدلا، والكذب صدقا؟ فقالوا له: كيف تقول أنت في هذا؟ فقال: أقول: لو فعل هذا (١٥)

стр. 66

الجور والكذب ما كان العقل موجودا وما كان ذلك واقعا لمجنون (١) أو منقوص (٢). فقال له جعفر بن حرب: إنك تقول: إن الله يقدر على ظلم المجانين، ولا يقدر على ظلم (٣) العقلاء. فافترق يومئذ القوم على انقطاع كل واحد منهم (٤) وعجزه عن الانفصال عما ألزم على مذهبه، فلما انتهت نوبة الاعتزال (٥) إلى الجبائي (٦) وابنه (٧) أمسكا عن الجواب في هذه المسألة. وذكر بعض أصحاب أبي هاشم (٨) هذه المسألة في كتابه فقال: من قال (٩): هل يصح وقوع ما يقدر الله عليه من الظلم والكذب؟ قلنا له: لا (١٠) يصح وقوع ذلك منه ما كان قادرا عليه، لأن القدرة على المحال محال. فإن قال: أفيجوز وقوعه منه؟ قلنا: لا يجوز وقوعه منه لعلمه بقبحه وغناه عنه، فإن قال: أخبرونا لو وقع مقدوره من الظلم والكذب، كيف يكون حاله في نفسه؟ هل كان يدل وقوع الظلم والكذب منه على جهله أو حاجته؟ قلنا: ذلك محال، لأنا قد علمناه، عالما غنيا، فإن قال [و ٢٦ أ]، لو وقع منه الظلم والكذب، هل يجوز أن يقال: أن ذلك لا يدل على جهله أو (١١) حاجته؟ قلنا: لا يقال ذلك، لأنا قد علمنا دلالة الظلم على جهل فاعله أو حاجته. فإن قال: فإنكم (١٢) لا تجيبون على سؤال من سألكم، والكذب (١٣) منه على جهل فاعله أو حاجته (١٤) بإثبات ولا نفي، قلنا كذلك نقول.

стр. 67

فهؤلاء دعاة قدرية عصرنا، وقد أقروا وعجز أسلافهم عن الجواب في هذه المسألة، ولو وفقوا للصواب فيها لرجعوا (١) إلى قول أصحابنا فإن (٢) الله تعالى (٣) قادر على كل مقدور، ولو وقع كل مقدور له منه، لم يكن ظلما منه، وأحالوا قدرته على كذب يصير به كاذبا، كما أحاله (٤) أصحابنا، ولتخلصوا (٥) عن الإلزام من الوجوه التي حكيناها. واعتذر الجبائي في امتناعه عن الجواب في هذه المسألة بنعم أو بلا، فذكر مثل هذا السؤال في النبي (٦)، فقال: أخبرونا عن قولكم في النبي لو فعل ظلما أو (٧) كذب (٨)، كيف (٩) يكون حاله؟ وزعم أن الجواب في ذلك غير ممكن (١٠)، وهذا ظن منه. وجواب أصحابنا فيه أن النبي ﷺ كان معصوما عن الكذب والظلم، ولم يكن قادرا عليهما، ولا يجوز (١١) أن يقع منه ما لا يقدر عليه. والمعتزلة كلهم غير النظام والأسواري قد وصفوا الله تعالى بالقدرة على الظلم والكذب، ثم عجزوا عن إظهار حكمه أن لو فعل مقدوره منهما. قال القاضي أبو بكر (١٢) ﵁: فقد بينت لك (١٣) أحوال (١٤) هذه الطائفة الركيكة، إذا هزلوا تساخفوا (١٥) وتهتكوا، وإذا جدوا تحيروا وتخاذلوا، ثم أنشأت البرامكة (١٦) طامة عظيمة بأن كلفوا الأخباث (١٧) أيضا ترجمة كتبهم، طبا [و ٢٦ ب]، وطبيعة (١٨) بالعربية فتولى ذلك يهودي أو نصراني أو

стр. 68

ملحد لا رأس مال له في الإسلام، فمزج ما نقل من الطب بألفاظ وعقائد تتعلق بالإلحاد، وتعارض الشريعة، في فروعها وأصولها ليتوهم من ترحمت له أن (١) أهذه الأمم الفاضلة التي تولت هذه العوم الغريبة (٢)، كانت على هذه (٣) النحل، فطمحت نفوسهم إلى معرفة تفاصيلها، فاجتمعوا، وجمعوا آراءهم، كما كانت أغراضهم، ولم يقدموا قاضيا في البلاد إلا أن يكون على هذه العقيدة، ولا أميرا ولا كاتبا، إلا وهو فيها، ولا ينظم في سلك الخاصة إلا من كان قائما بها، ولا يتوسع في العطاء إلا لأمثالهم (٤): وقد فتن الناس في دينهم...وخلى (٥) ابن برم شرا طويلا فكادوا على الملك (٦) في سعيهم...وأعدوا على الدين داء دخيلا (٧) وعم الباطل، وظهرت الزندقة، وثارت البدع، وتوجهت المطالبة على البرامكة (٨) الذين كانوا يعضدون (٩) القضاة والأمراء والعمال، والقائلين بذلك، فلما لم يمكن مطالبتهم بهذه المعاني عند الخلافة لتعذر الطريق إلى ذلك، من إقامة البينة، وتحصيل الشهادة، على وصف العدالة، وعدم (١٠) إمكانه تدرع الناس إلى المطالبة من جهة الدولة، والحريم، وكانت الملة على الذهاب، فإنهم كانوا قد بثوا (١١) الدعاة في آفاق الأرض على وجه يطول شرحه،

стр. 69

فتدارك الله الملة بأن سخر الملك لهدمهم فتقطعوا أيادي سبأ، وتفرقوا شذر مذر (١)، وقد ملأوا الأرض من الباطل، واستخلفوا شياطين الإنسان على إضلال الخلق، من فيلسوف وأديب، حتى لم يبق بيت إلا وفيه من كتب الأباطيل، ما بين ناظر فيها حتى يعلم المراد منها، أو (٢) مختار ما يصلح منها، وتارك ما سواه، أو راد (٣) عليه، لئلا يعتلق (٤) [و ٢٧ أ] بموحد فيختل (٥) عقده، أو يتزلزل، واستمر ما أورثوه من تركتهم، وأرثوا (٦) من نارهم، وصار (٧) باطلهم (٨) ينمى نمو الخضاب في اليد، ليتحقق الوعد الصادق في فساد الزمان، وذهاب الأديان. عاصمة: ولم يتعرض (٩) لحماية الدين إلا آحاد اختارهم الله له، ونصبهم للذب عنه، فأولهم أبو الحسن الأشعري (١٠) وعارضه ابن ورقاء أمير البصرة، فقام به، وجرت بينهما حروب جدال مذكورة، وتواتر بعده الأصحاب في الأحقاب، على الأعقاب، فحفظ الله دينه، على من أراد هدايته، فلم يبق وجه من البيان إلا أوضحوه، ولا سبيل من الأدلة إلا نهجوها، وانتدب أبو الحسن (١١)

стр. 70

إلى كتاب الله فشرحه، في خمسمائة مجلد وسماه بالمختزن (١) فمنه أخذ الناس كتبهم، ومنهم أخذ عبد الجبار الهمذاني (٢) كتابه في تفسير القرآن الذي سماه بالمحيط (٣) في مائة سفر، قرأته (٤) في خزانة المدرسة النظامية بمدينة السلام، وانتدب له الصاحب بن عباد (٥)، فبذل فيه عشرة آلاف دينار للخازن في دار الخلافة، وألقى النار في الخوانة، واحترقت (٦) الكتب وكانت تلك نسخة واحدة لم يكن غيرها (٧)، ففقدت من أيدي الناس، إلا أني رأيت الأستاذ الزاهد الإمام أبا بكر بن فورك (٨) يحكي عنه، فلا أدري وقع على بعضه أم أخذه من أفواه الرجال (٩)، فعليكم بكتب القوم، فهي الشفاء من الداء العياء. وكانت هذه الطائفة الثائرة، في هذه الدولة الغوية (١٠) المسماة بالبرمكية، قد سعت في كيد الإسلام، كما بينا، واصطنعت من ذكرنا، وتكاثرت، فربت في حجرها طوائف كابن المقفع (١١)،

стр. 71

وابن الراوندي (١)، والجاحظ المعتزلي (٢)، وكثير من أمثالهم قد استسنوا (٣) في البشر (٤) أنه لا [و ٢٧ ب] مدرك إلا العقول، وأنها تغني عن الرسل، ولا مدرك في عقد، أو قول، أو عمل، إلا والعقل مستقل به وقسموه لمدارك أربعة (٥): المدرك الأول: معرفة الموجودات كالسماء وما اشتملت عليه (٦) من أفلاك دائرات، وكواكب نيرات، والأرض وما كان فيها من معدن ونبات، وعدوا (٧) مركبات، وبسائط مفردات، وهي الماء والهواء والتراب والنار، والمعادن واجتماعها مزاجا، وافتراقها تعددا وازدواجا، على الجملة في كلها، وعلى التفصيل في النظر في الإنسان وتركيبه، وما يختلف عليه من أحواله، والمطر (٨) وما يرتبط به (٩).

стр. 72

المدرك الثاني: سموه ما وراء الطبيعة، وهو النظر في الصانع ما هو؟ وما هو عليه؟ وكيف نشأت الموجودات عنه، وترتبت منه؟. المدرك الثالث: النظر في المصالح العامة التي تقوم بالقانون الإنساني في خلقه وخلقه، مما يتعلق بصفاته، وتكرماته (١) ودناءاته، وشهواته (٢)، وسهواته (٣)، وساقوا (٤) ذلك كله على تدبير في نظر سموه سياسة وأدب (٥) النفس وغير ذلك، ومهدوا قبل ذلك كله، طريقا إلى تحصيل (٦) هذه المدارك بالعقول سموه المنطق، مهدوا (٧) فيه بزعمهم، أنواع الأدلة، وشروط النظر، مستوفى بتفهيم المفردات منه، ثم وجه التركيب عليه وقسموه ثمانية أقسام (٨). وكانت هذه أمورا (٩) تكلمت فيها الأوائل (١٠) عند دروس الشرائع وفترات الرسل، وتمكن الشيطان من الخلق في مزج الباطل بالحق، فأرسل فيهم جنود الضلالات، بهذه المقالات. وعندما بعث الله محمدا صلى الله عليه [و ٢٨ أ] وسلم، على دروس (١١) من الملل، وانطماس من السبل، وفترة من الرسل، فأظهر (١٢) الآيات، وظهرت له (١٣) ألف من المعجزات حسبما أمليناها (١٤) في كتاب "أنوار الفجر من مجالس الذكر" فانقذ الله به الخلائق من الهلكة؛ وأعلى به من الإسلام الكلمة، وأكمل

стр. 73

به علينا النعمة، ثم استأثر به، وما زالت الحال تنقص، حسبما وعد (١) به، حتى آلت الحال إلى ما آلت إليه ولا بد من نفوذ تمام الوعد الحق (٢)، كما نفذ ابتداؤه فصار عند الخلق بهذه المعاني. قاصمة لم تبق لهم قائمة: ومن أغرب ما دسوه إلينا على لحم الخنزير، وأنه يناسب لحم بني آدم، فصار لذلك (٣) أعدل اللحوم. عاصمة: قال القاضي أبو بكر (٤) ﵁: يا لله ولذهاب ا (٥) العقول! إلى ذهاب الأديان! يترجم اليهودي والنصراني والملحد عن رجل يسمى جالينوس (٦) لا ندري (٧) من هو، ولا على أي ملة كان، إلا ما حكوا عنه من أنفسهم، أو (٨) ترجموه (٩) باختيارهم، فيجعل أصلا، ما ترجموه، في [ ... ] والعمل، وهبك (١٠) أنا سمعنا ذلك من رأس الأطباء، يقال لهم: بم (١١) علمتم (١٢) أن لحم الخنزير، أعدل اللحوم؟ بشعره إذ (١٣) مسخ، أو بلونه إذا سلخ، أو بطعمه إذا طبخ، أم بشحمه إذا سنخ (١٤)؟ وأي مناسبة بينه وبين الإنسان؟ إلا من جهة الحيوانية، وذلك يشترك فيه معه (١٥) الثور والقرد (١٦)، هذا على رجلين، وذلك على أربع، وأنت ترى لحم ذوات الأربع

стр. 74

كيف تختلف (١) مراتبها، ويتباين (٢) بعضها عن بعض في طبائعها، وكذلك ما يمشي على بطنه من الحيوان (٣)، تختلف مرتبتهم، وتتباين أكثر، من تباين ذوات الأربع، وتبعد عن ذوات الأربع أبعادا عظيمة، وأن لحوم ذوات الأربع عندهم لتتباين (٤) في طبائعها ومنافعها ومضارها، على أنها (٥) ذوات أوبار [و ٢٨ ب]، وأشعار، فماذا (٦) يقرب (٧) الخنزير ممن (٨) يمشي على رجلين (٩)؟ هل هو (١٠) إلا إرادة منهم لا حياء دينهم، وعضد (١١) لنحلتهم؟ وهلا قالوا: إن لحم القرد أشبه بلحم الإنسان لحدة ذهنه، وعظيم فهمه؟ وإن كل حيوان (١٢) نسج (١٣) بطبعه إلا الآدمي والقرد، أو لست تراه يصرف أنامله تصرف الإنسان؟ وهل الأخلاق عندهم إلا آثار الخلقة؟ والحركات إلا أمارات الطبيعة؟ فأين هم؟ عن هذا معرضون، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وبصر (١٤) هذه الطائفة العمياء من أصحابنا، ومن (١٥) أهل جلدتنا، فإنهم عن هذا غافلون. مزيد بيان: إن الباري في مخلوقاته يفعل ما يريد، ويغاير في مخلوقاته بين الأجناس، والأنواع، خلق الحيوان على أنواع، كما خلق النبات على أنواع (١٦) صارت بغيرها (١٧) أجناسا، فمن الحيوان ماش على رجلين، ومنهم على أربع، ومنهم على بطنه، والأصل ماء، أو ليقل (١٨) قائلهم ما شاء، فيلزمه (١٩) ذلك قرط

стр. 75

أذن، وطوق جيد، ووشاح خصر (١)، وخدم (٢) قدم، وسوار ساعد، وقد جعل تعالى كل الحيوان بلسان واحد، وجعل للحية لسانين، وكذلك كل حيوان، إذا قطعت له رجل اندرج (٣) على الأخرى إلا النعام، وجميع الحيوان له كرش ورئة إلا الفرس، وكذلك الحوت ليست له (٤) رئة، وجميع حوت الماء له لسان، وحوت البحر له لسانان، وجميع بني آدم (٥) (ركبهم في أرجلهم والبهائم ركبها في أيديها، وقالوا: إن جميع بهائم الوحش كفوفها في أرجلها، إلا ابن آدم) (٦) والقرد، فإنها في الأيدي، وجميع الحيوان إذا نام أغلق (٧) عينيه إلا الأرنب، ومن أغرب ما قالوا عن الذئب أنه يغلق عينه الواحدة ينام بها، ويفتح الأخرى، يحترس (٨) بها، فإذا مضى نصف الليل داول بينهما، وقالوا: إن الأسد يفترس كل شيء [و ٢٩ أ]، إلا المرأة الحاثض إذا رميت إليه أعرض عنها، والنطف يختلف (٩) بقاؤها في الأرحام مع اتحاد (١٠) الحيوانية والتوليد، فأقله شهران وأكثره للفيل سبع سنين، إلى أشياء غريبة، هم نقلوها وما عقلوها، ولا ردوا إلى المشيئة والآثار أمرها، ولا جواب لهم عنها. قال القاضي أبو بكر ﵁: وقد جاء الله كما قدمنا بطائفة عاصمة (١١)، تجردت لهم وانتدبت بتسخير الله، وتأييده، للرد عليهم، ممن (١٢) قدمنا ذكره من أعيان الأيمة، إلا أنهم لم يكلموهم بلغتهم، ولا ردوا عليهم بطريقتهم، وإنما ردوا عليهم وعلى إخوانهم المبتدعة، بما ذكره الله في كتابه، وعلمه لنا على لسان رسوله، فلما لم يفهموا تلك الأغراض، بما استولى على قلوبهم من صدإ الباطل، طفقوا يهزأون من تلك العبارات، ويطعنون في تلك الدلالات، وينسبون قائلها إلى الجهالات، ويضحكون مع أقرانهم في الخلوات، فانتدب للرد عليهم بلغتهم، ومكافحتهم بسلاحهم، والنقض
следующие страницы →