← Книги сунны

Книги сунны · id 9621

أخبار مكة - الأزرقي - ت ملحس

الأزرقي

Полный текст (721 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنَا الحجابة مَعَ السِّقَايَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ﵁ فَمَا سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ قَبْلَ تِلْكَ السَّاعَةِ فَتَلَاهَا ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمِفْتَاحَ وقَالَ غَيِّبُوهُ ثُمَّ قَالَ: خُذُوهَا يَا بَنِي أَبِي طَلْحَةَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، واعْمَلُوا فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْ أَيْدِيكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ. فَخَرَجَ عُثْمَانُ ابن طَلْحَةَ إِلَى هِجْرَتِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وأَقَامَ ابْنُ عَمِّهِ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ فَلَمْ يَزَلْ يَحْجُبُ هُوَ ووَلَدُهُ، ووَلَدُ أَخِيهِ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ حَتَّى قَدِمَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ووَلَدُ مُسَافِعِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ مِنَ الْمَدِينَةِ وكَانُوا بِهَا دَهْرًا طَوِيلًا فَلَمَّا قَدِمُوا حَجَبُوا مَعَ بَنِي عَمِّهِمْ فَوَلَدُ أَبِي طَلْحَةَ جَمِيعًا يَحْجُبُونَ، وأَمَّا اللِّوَاءُ فَكَانَ فِي أَيْدِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ كُلِّهِمْ يَلِيهِ مِنْهُمْ ذَوُو السِّنِّ والشَّرَفِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ فَقُتِلَ عَلَيْهِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وأَمَّا السِّقَايَةُ، والرِّفَادَةُ، والْقِيَادَةُ فَلَمْ تَزَلْ لِعَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ يَقُومُ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ فَوَلِيَ بَعْدَهُ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ، والرِّفَادَةَ ووَلِيَ عَبْدُ شَمْسِ ابن عَبْدِ مَنَافٍ الْقِيَادَةَ وكَانَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ يُطْعِمُ النَّاسَ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ بِمَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مِنْ تَرَافُدِ قُرَيْشٍ كَانَ يَشْتَرِي بِمَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ دَقِيقًا ويَأْخُذُ مِنْ كُلِّ ذَبِيحَةٍ مِنْ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ فَخِذَهَا فَيَجْمَعُ (١) ذَلِكَ كُلَّهُ ثُمَّ يُحْزِرُ بِهِ الدَّقِيقَ ويُطْعِمُهُ الْحَاجَّ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ حَتَّى أَصَابَ النَّاسَ فِي سَنَةٍ جَدْبٌ شَدِيدٌ فَخَرَجَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ إِلَى الشَّامِ فَاشْتَرَى بِمَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ مَالِهِ دَقِيقًا، وكَعْكًا فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فِي الْمَوْسِمِ فَهَشَمَ ذَلِكَ الْكَعْكَ ونَحَرَ الْجَزُورَ (٢) وطَبَخَهُ وجَعَلَهُ ثَرِيدًا وأَطْعَمَ النَّاسَ وكَانُوا فِي مَجَاعَةٍ شَدِيدَةٍ حَتَّى أَشْبَعَهُمْ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ هَاشِمًا وكَانَ اسْمُهُ عمرو فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ ابْنُ الزِّبَعْرَى السهمي:

стр. 107

كَانَتْ قُرَيْشٌ بَيْضَةً فَتَفَلَّقَتْ … فَالْمُحُّ (١) خَالِصُهَا لِعَبْدِ مَنَافِ الرَّايِشِينَ ولَيْسَ يُوجَدُ رَايِشٌ … والْقَايِلِينَ هَلُمَّ لِلْأَضْيَافِ وَالْخَالِطِينَ غَنِيَّهُمْ بِفَقِيرِهِمْ … حَتَّى يَعُودَ فَقِيرُهُمْ كَالْكَافِ والضَّارِبِينَ الْكَيْسَ (٢) تَبْرُقُ بَيْضُهُ … والْمَانِعِينَ الْبَيْضَ بِالْأَسْيَافِ عَمْرُو الْعُلَا هَشَمَ الثَّرِيدَ لِمَعْشَرٍ … كَانُوا بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ يَعْنِي بِعَمْرِو الْعُلَا هَاشِمًا فَلَمْ يَزَلْ هَاشِمٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَ وكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَامَ (٣) بِذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ وهُوَ عَلَى ذَلِكَ، وكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَرْسَلَ بِمَالٍ يُعْمَلُ بِهِ الطَّعَامُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ حِينَ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ سَنَةَ تِسْعٍ ثُمَّ عمل فِي حجه النبي ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثُمَّ أَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فِي خِلَافَتِهِ ثُمَّ عُمَرُ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ ثُمَّ الْخُلَفَاءُ هَلُمَّ جَرًّا حَتَّى الْآنَ وهُوَ طَعَامُ الْمَوْسِمِ الَّذِي تُطْعِمُهُ الْخُلَفَاءُ الْيَوْمَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ بِمَكَّةَ وبِمِنًى حَتَّى تَنْقَضِي أَيَّامُ الْمَوْسِمِ. وأَمَّا السِّقَايَةُ فَلَمْ تَزَلْ بِيَدِ عَبْدِ مَنَافٍ فَكَانَ يَسْقِي الْمَاءَ مِنْ بِئْرِ كَر آدم (٤) وبير خم (٥) على الابل فِي المزاد والقرب ثُمَّ يُسْكَبُ ذَلِكَ الْمَاءُ فِي حياض مِنْ أَدَمٍ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَيَرِدُهُ الْحَاجُّ حَتَّى يَتَفَرَّقُوا. فَكَانَ يُسْتَعْذَبُ ذَلِكَ الْمَاءُ وقَدْ كَانَ قُصَيٌّ حَفَرَ بِمَكَّةَ آبَارًا وكَانَ الْمَاءُ بِمَكَّةَ عَزِيزًا إِنَّمَا يَشْرَبُ النَّاسُ مِنْ آبَارٍ خَارِجَةٍ مِنَ الْحَرَمِ فَأَوَّلُ مَنْ حَفَرَ قُصَيٌّ بِمَكَّةَ حَفَرَ بِئْرًا يُقَالُ لَهَا الْعَجُولُ (٦) كَانَ مَوْضِعُهَا فِي دَارِ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ بِالْحَزْوَرَةِ وكَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا

стр. 108

قَدِمَتْ مَكَّةَ يَرِدُونَهَا فَيُسْقَوْنَ مِنْهَا ويَتَرَاجَزُونَ عَلَيْهَا قَالَ قَائِلٌ فيها: أُرْوَى مِنَ الْعَجُولِ ثُمَّتَ أَنْطَلِقْ إِنَّ قُصَيًّا قَدْ وَفَّى وَقَدْ صَدَقْ … بِالشِّبْعِ لِلْحَيِّ وَرِيِّ الْمُغْتَبِقْ (١) وحَفَرَ قُصَيٌّ أَيْضًا بِئْرًا عِنْدَ الرَّدْمِ الْأَعْلَى (٢) عِنْدَ دَارِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ الَّتِي كَانَتْ لِآلِ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ ثُمَّ دَثَرَتْ فَنَثَلَهَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ ابن نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وأَحْيَاهَا. ثُمَّ حَفَرَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بَذَّرَ وقَالَ حِينَ حَفَرَهَا لَأَجْعَلَنَّهَا لِلنَّاسِ بَلَاغًا وهِيَ الْبِيرُ الَّتِي فِي حَقِّ الْمُقَوِّمِ ابن عبد المطلب فِي ظَهْرِ دَارِ الطَّلُوبِ مَوْلَاةِ زُبَيْدَةَ بِالْبَطْحَاءِ فِي أَصْلِ الْمُسْتَنْذَرِ (٣) وهِيَ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا بَعْضُ وَلَدِ هَاشِمٍ: نَحْنُ حَفَرْنَا بَذَّرْ بِجَانِبِ الْمُسْتَنْذَرْ … نَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَكْبَرَ وحَفَرَ هَاشِمٌ أَيْضًا سَجْلَةً (٤) وهِيَ الْبِيرُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا بِئْرُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ دَخَلَتْ فِي دَارِ الْقَوَارِيرِ فَكَانَتْ سَجْلَةً لِهَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَلَمْ تَزَلْ لِوَلَدِهِ حتى وهَبَهَا أَسَدُ بْنُ هَاشِمٍ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ حِينَ حَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ واسْتَغْنَوْا عَنْهَا، ويُقَالُ: وَهَبَهَا لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حِينَ حَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ واسْتَغْنَى عَنْهَا وسَأَلَهُ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ أَنْ يَضَعَ حَوْضًا مِنْ أَدَمٍ إِلَى جَانِبِ زَمْزَمَ يَسْقِي فِيهِ مِنْ مَاءِ بِئْرِهِ فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وكَانَ يَفْعَلُ، فَلَمْ يَزَلْ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ يَسْقِي الْحَاجَّ حَتَّى تُوُفِّيَ فَقَامَ بِأَمْرِ السِّقَايَةِ بَعْدَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى حَفَرَ زَمْزَمَ فَعَفَتْ عَلَى آبَارِ مَكَّةَ كُلِّهَا (٥)، وكَانَ مِنْهَا مَشْرَبُ الْحَاجِّ، قَالَ: وكَانَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِبِلٌ كَثِيرَةٌ فَإِذَا كَانَ الْمَوْسِمُ جَمَعَهَا ثُمَّ

стр. 109

يَسْقِي لَبَنَهَا بِالْعَسَلِ فِي حَوْضٍ مِنْ أَدَمٍ عِنْدَ زَمْزَمَ ويَشْتَرِي الزَّبِيبَ فينبذه بِمَاءِ زَمْزَمَ ويَسْقِيهِ الْحَاجَّ لِأَنْ (١) يَكْسِرَ غِلَظَ مَاءِ زَمْزَمَ وكَانَتْ إِذْ ذَاكَ غَلِيظَةً جِدًّا، وكَانَ النَّاسُ إِذْ ذَاكَ لَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ أَسْقِيَةٌ يَسْقُونَ (٢) فِيهَا الْمَاءَ مِنْ هَذِهِ الْبِيَارَ ثُمَّ يَنْبِذُونَ فِيهَا الْقَبَضَاتِ مِنَ الزَّبِيبِ والتَّمْرِ لِأَنْ يَكْسِرَ عَنْهُمْ غِلَظَ مَاءِ آبَارِ مَكَّةَ وكَانَ الْمَاءُ الْعَذْبُ بِمَكَّةَ عَزِيزًا لَا يُوجَدُ إِلَّا لِإِنْسَانٍ يُسْتَعْذَبُ لَهُ مِنْ بِئْرِ مَيْمُونٍ وخَارِجَ من مَكَّةَ، فَلَبِثَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَسْقِي النَّاسَ حَتَّى تُوُفِّيَ. فَقَامَ بِأَمْرِ السِّقَايَةِ بَعْدَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدِهِ وكَانَ لِلْعَبَّاسِ كَرْمٌ بِالطَّائِفِ وكَانَ يَحْمِلُ زَبِيبَهُ إِلَيْهَا وكَانَ يُدَايِنُ أَهْلَ الطَّائِفِ ويَقْتَضِي (٣) مِنْهُمُ الزَّبِيبَ فَيَنْبِذُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويَسْقِيهِ الْحَاجَّ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ حَتَّى يَنْقَضِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وصَدْرِ الْإِسْلَامِ حَتَّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَبَضَ السِّقَايَةَ مِنَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (٤) والْحِجَابَةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، فَقَامَ الْعَبَّاسُ ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَبَسَطَ يَدَهُ وقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي اجْمَعْ لَنَا (٥) الْحِجَابَةَ والسِّقَايَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُعْطِيكُمْ مَا تُرْزَءُونَ فِيهِ ولَا تُرْزَءُونَ مِنْهُ. فَقَامَ بَيْنَ عِضَادَتَيْ بَابِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ كُلَّ دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ مَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا سِقَايَةَ الْحَاجِّ، وسِدَانَةَ الْكَعْبَةِ فَإِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُهُمَا لِأَهْلِهِمَا عَلَى مَا كَانَتَا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَبَضَهَا الْعَبَّاسُ فَكَانَتْ فِي يَدِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ فَوَلِيَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَكَانَ يَفْعَلُ فِيهَا كَفِعْلِهِ دُونَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ قَدْ كَلَّمَ فِيهَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكَ ولَهَا نَحْنُ أَوْلَى بِهَا مِنْكَ (٦)

стр. 110

فِي الْجَاهِلِيَّةِ والْإِسْلَامِ، قَدْ كَانَ أَبُوكَ تَكَلَّمَ فِيهَا فَأَقَمْتُ الْبَيِّنَةَ و (١) طلحة ابن عُبَيْدِ اللَّهِ، وعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ بْنِ (٢) عَوْفٍ، ومَخْرَمَةُ ابن نَوْفَلٍ، أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَ يَلِيهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَعْدَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وجَدُّكَ أَبُو طَالِبٍ فِي إِبِلِهِ فِي بَادِيَتِهِ بِعُرَنَةَ (٣) وأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعطاها الْعَبَّاسَ يَوْمَ الْفَتْحِ دُونَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَعَرَفَ ذَلِكَ مَنْ حَضَرَ فَكَانَتْ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ أَبِيهِ لَا يُنَازِعُهُ (٤) فِيهَا مُنَازِعٌ، ولَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا مُتَكَلِّمٌ حَتَّى تُوُفِّيَ فَكَانَتْ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ يَفْعَلُ فِيهَا كَفِعْلِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ يَأْتِيَهُ الزَّبِيبُ مِنْ مَالِهِ بِالطَّائِفِ وَيَنْبِذُهُ حَتَّى تُوُفِّيَ وَكَانَتْ بِيَدِ وَلَدِهِ حَتَّى الْآنَ. وأَمَّا الْقِيَادَةُ فَوَلِيَهَا مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، عَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ ثُمَّ وَلِيَهَا مِنْ بَعْدِهِ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ فَقَادَ بِالنَّاسِ يَوْمَ عُكَاظٍ فِي حَرْبِ قُرَيْشٍ وقَيْسِ عَيْلَانَ، وفِي الْفِجَارَيْنِ الْفِجَارِ الْأَوَّلِ والْفِجَارِ الثَّانِي وقَادَ النَّاسَ قَبْلَ ذَلِكَ بِذَاتِ نَكِيفٍ فِي حَرْبِ قُرَيْشٍ وبَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ والْأَحَابِيشُ يَوْمَئِذٍ مَعَ بَنِي بَكْرٍ تَحَالَفُوا (٥) عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: (الْحَبَشِيُّ) عَلَى قُرَيْشٍ فَسُمُّوا (الْأَحَابِيشَ) بِذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَقُودُ قُرَيْشًا بَعْدَ أَبِيهِ حَتَّى كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ فَقَادَ النَّاسَ (٦) عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي الْعِيرِ يَقُودُ النَّاسَ فَلَمَّا أَنْ كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَادَ النَّاسَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وقَادَ النَّاسَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ وكَانَتْ آخِرَ وَقْعَةٍ لِقُرَيْشٍ وحَرْبٍ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وفَتْحِ مَكَّةَ.

стр. 111

مَا جَاءَ فِي انْتِشَارِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وعِبَادَتِهِمُ الْحِجَارَةَ وتَغْيِيرِ الْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ بَنِيَ إِسْمَاعِيلَ وجُرْهُمٍ مِنْ سَاكِنِي مَكَّةَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ مَكَّةُ فَتَفَسَّحُوا فِي الْبِلَادِ والْتَمَسُوا الْمَعَاشَ فَيَزْعُمُونَ أَنَّ أَوَّلَ مَا كَانَتْ عِبَادَةُ الْحِجَارَةِ فِي بَنِي إِسْمَاعِيلَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَظْعَنُ مِنْ مَكَّةَ ظَاعِنٌ مِنْهُمْ إِلَّا احْتَمَلَ مَعَهُ (١) مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ وصَبَابَةً بِمَكَّةَ وبِالْكَعْبَةِ حَيْث مَا حَلُّوا وَضَعُوهُ فَطَافُوا بِهِ كَالطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ حَتَّى سَلَخَ ذَلِكَ بِهِمْ إِلَى أَنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ مَا اسْتَحْسَنُوا مِنَ الْحِجَارَةِ وأَعْجَبَهُمْ مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ خَاصَّةً، حَتَّى خَلَفَتِ الْخُلُوفُ بَعْدَ الْخُلُوفِ ونَسُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ واسْتَبْدَلُوا بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ غَيْرَهُ، فعَبَدُوا الْأَوْثَانَ وصَارُوا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْأُمَمُ من قَبْلَهُمْ مِنَ الضَّلَالَاتِ وانْتَجَسُوا (٢) مَا كَانَ يَعْبُدُ قَوْمُ نُوحٍ مِنْهَا عَلَى إِرْثِ مَا كَانَ بَقِيَ فِيهِمْ مِنْ ذِكْرِهَا وفِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ بَقَايَا مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ يَتَنَسَّكُونَ (٣) بِهَا مِنْ تَعْظِيمِ الْبَيْتِ، والطَّوَافِ بِهِ والْحَجِّ والْعُمْرَةِ، والْوُقُوفِ عَلَى عَرَفَةَ، ومُزْدَلِفَةِ، وهَدْيِ الْبُدْنِ، والْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ، والْعُمْرَةِ مَعَ إِدْخَالِهِمْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وكَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ ونَصَبَ الْأَوْثَانَ، وسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وبَحَرَ الْبَحَيْرَةَ ووَصَلَ الْوَصِيلَةَ، وحَمَى الْحَام عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ. • حَدَّثَنَا جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ (٤) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ

стр. 112

• يَعْنِي أَمْعَاءَهُ - فِي النَّارِ عَلَى رَأْسِهِ فَرْوَةٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : من في النار؟ قَالَ: مَنْ بَيْنِي وبَيْنَكَ مِنَ الْأُمَمِ. وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هو أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ الْبَحَيْرَةَ والسَّائِبَةَ والْوَصِيلَةَ، والْحَامَ، ونَصَبَ الْأَوْثَانَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وغَيَّرَ الْحَنِيفِيَّةَ (١) دِينَ إِبْرَاهِيمَ ﵇. بَابُ مَا جَاءَ فِي أَوَّلِ مَنْ نَصَبَ الْأَصْنَامَ فِي الْكَعْبَةِ والاستقسام بالأزلام • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابن سَالِمٍ الْقَدَّاحُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: إِنَّ الْبِئْرَ الَّتِي كَانَتْ (٢) فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، كَانَتْ عَلَى يَمِينِ مَنْ دَخَلَهَا وكَانَ عُمْقُهَا ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ يُقَالُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ حَفَرَاهَا لِيَكُونَ فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ فَقَدِمَ بِصَنَمٍ يُقَالُ لَهُ: هُبَلُ مِنْ هِيتَ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، وكَانَ هُبَلُ مِنْ أَعْظَمِ أَصْنَامِ قُرَيْشٍ عِنْدَهَا فَنَصَبَهُ عَلَى الْبِئْرِ فِي بَطْنِ الْكَعْبَةِ وأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِهِ عَلَى أَهْلِهِ بَعْدَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وحَلَقَ رَأْسَهُ عِنْدَهُ، وهُبَلُ الَّذِي يَقُولُ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ اعْلُ هُبَلُ - أَيْ أَظْهِرْ دِينَكَ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُ أَعْلَى وأَجَلُّ (٣). وكَانَ اسْمُ الْبِئْرِ الَّتِي (٤) فِي بَطْنِ الْكَعْبَةِ (الْأَخْسَفَ) وكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهَا (الْأَخْشَفَ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ عِنْدَ هُبَلَ فِي الْكَعْبَةِ سَبْعَةُ قِدَاحٍ كُلُّ قَدَحٍ مِنْهَا فِيهِ كِتَابٌ. قَدَحٌ فِيهِ (الْعَقْلُ) إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقْلِ مَنْ يَحْمِلُهُ مِنْهُمْ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ السَّبْعَةِ عَلَيْهِمْ فَإِنْ خَرَجَ

стр. 113

الْعَقْلُ (١) فَعَلَى مَنْ خَرَجَ حَمْلُهُ، وقَدَحٌ فِيهِ (نَعَمْ) لِلْأَمْرِ (٢) إذا أَرَادُوهُ يُضْرَبُ بِهِ فِي الْقِدَاحِ فَإِنْ خَرَجَ قَدَحٌ فِيهِ نَعَمْ عَمِلُوا له، وقَدَحٌ فِيهِ (لَا) فَإِذَا أَرَادُوا الْأَمْرَ ضَرَبُوا بِهِ فِي الْقِدَاحِ فَإِذَا خَرَجَ ذَلِكَ الْقَدَحُ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ، وقَدَحٌ فِيهِ (مِنْكُمْ) وقَدَحٌ فِيهِ (مُلْصَقٌ) وقَدَحٌ فِيهِ (مِنْ غيزكم) وقَدَحٌ فِيهِ (الْمِيَاهُ) (٣) فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِلْمَاءِ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ وفِيهَا ذَلِكَ الْقَدَحُ فَحَيْث ما خَرَجَ بِهِ عَمِلُوا بِهِ وكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْتِنُوا غُلَامًا أَوْ (٤) يُنْكِحُوا مُنْكِحًا (٥) أَوْ يَدْفِنُوا مَيِّتًا أَوْ شَكُّوا فِي نَسَبِ أَحَدِهِمْ (٦) ذَهَبُوا بِهِ إِلَى هُبَلَ وبِمِائَةِ (٧) دِرْهَمٍ وجَزُورٍ فَأَعْطَوْهَا صَاحِبَ الْقِدَاحِ الَّذِي يَضْرِبُ بِهَا ثُمَّ قَرَّبُوا صَاحِبَهُمُ (٨) الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ ثُمَّ قَالُوا: يَا إِلَهَنَا هَذَا فلُانٌ (٩) أَرَدْنَا بِهِ كَذَا وكَذَا فَأَخْرِجِ الْحَقَّ فَيهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ (١٠) مِنْكُمْ كَانَ مِنْهُمْ وَسِيطًا وإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِكُمْ كَانَ حَلِيفًا وإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ (مُلْصَقٌ) كَانَ مُلْصَقًا عَلَى مَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ لَا نَسَبَ لَهُ ولَا حِلْفَ وإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا سِوَى هَذَا مِمَّا يَعْمَلُونَ بِهِ (نَعَمْ) عَمِلُوا بِهِ وإِنْ خَرَجَ (لَا) أَخَّرُوهُ عَامَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ مَرَّةً أُخْرَى يَنْتَهُونَ فِي أَمْرِهِمْ ذَلِكَ إِلَى مَا خَرَجَتْ بِهِ الْقِدَاحُ. وبِذَلِكَ فَعَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِابْنِهِ حِينَ

стр. 114

أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهُ. وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ هُبَلُ مِنْ خَرَزِ (١) العقيق عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ وكَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مَكْسُورَةً فَأَدْرَكَتْهُ قُرَيْشٌ فَجَعَلَتْ لَهُ يَدًا مِنْ ذَهَبٍ (٢) وكانت لَهُ خِزَانَةٌ لِلْقُرْبَانِ، وكَانَتْ لَهُ سَبْعَةُ قِدَاحٍ يُضْرَبُ بِهَا عَلَى الْمَيِّتِ والْعُذْرَةِ والنِّكَاحِ وكَانَ قُرْبَانُهُ مِائَةَ بَعِيرٍ وكَانَ لَهُ حَاجِبٌ وكَانُوا إِذَا جَاءُوا هُبَلَ بِالْقُرْبَانِ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ (٣) وقَالُوا: إِنَّا اخْتَلَفْنَا فَهَبِ السَّرَاحَا ثَلَاثَةً يَا هُبَلُ فِصَاحَا … الْمَيِّتَ والْعُذْرَةَ والنِّكَاحَا والْبُرْءَ فِي (٤) الْمَرْضَى والصِّحَاحَا … إِنْ لَمْ تَقُلْهُ فَمُرِ الْقِدَاحَا بَابُ مَا جَاءَ فِي أَوَّلِ مَنْ نَصَبَ الْأَصْنَامَ (٥) ومَا كَانَ مِنْ كَسْرِهَا • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ ابن سَاجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ جُرْهُمًا لَمَّا طَغَتْ فِي الْحَرَمِ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِامْرَأَةٍ مِنْهُمُ الْكَعْبَةَ فَفَجَرَ بِهَا ويُقَالُ إِنَّمَا قَبَّلَهَا فِيهَا فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ اسْمُ الرَّجُلِ إِسَافُ بْنُ بُغَاءٍ، واسْمُ الْمَرْأَةِ نَائِلَةُ بِنْتُ ذِئْبٍ (٦) فَأُخْرِجَا (٧) مِنَ الْكَعْبَةِ فَنُصِبَ أَحَدُهُمَا عَلَى الصَّفَا والْآخَرُ عَلَى الْمَرْوَةِ، وإِنَّمَا نُصِبَا هُنَالِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمَا النَّاسُ ويَزْدَجِرُوا عَنْ مِثْلِ مَا ارْتَكَبَا لِمَا يَرَوْنَ مِنَ الْحَالِ الَّتِي صَارَا

стр. 115

إِلَيْهَا فَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ يَدْرُسُ ويَتَقَادَمُ حَتَّى صَارَا يُمْسَحَانِ، يتمسح (١) بِهِمَا مَنْ وَقَفَ عَلَى الصَّفَا والْمَرْوَةِ ثُمَّ صَارَا وَثَنَيْنِ يُعْبَدَانِ، فَلَمَّا كَانَ عَمْرُو ابن لُحَيٍّ أَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِمَا والتَّمَسُّحِ بِهِمَا وقَالَ لِلنَّاسِ: إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ يَعْبُدُهُمَا، فَكَانَا كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ فَصَارَتْ إِلَيْهِ الْحِجَابَةُ وأَمْرُ مَكَّةَ فَحَوَّلَهُمَا مِنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا بِلَصْقِ الْكَعْبَةِ وجَعَلَ الْآخَرَ فِي مَوْضِعِ زَمْزَمَ ويُقَالُ: جَعَلَهُمَا جَمِيعًا فِي مَوْضِعِ زَمْزَمَ وكَانَ يَنْحَرُ عِنْدَهُمَا وكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَمُرُّونَ بِإِسَافٍ ونَائِلَةَ ويَتَمَسَّحُونَ بِهِمَا وكَانَ الطَّائِفُ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ يَبْدَأُ بِإِسَافٍ فَيَسْتَلِمُهُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ خَتَمَ بِنَائِلَةَ فَاسْتَلَمَهَا، فَكَانَا كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَكَسَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ مَا كُسِرَ مِنَ الْأَصْنَامِ. • حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَدِينِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ ابن أَبِي يَحْيَى عَنِ ابْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ إِسَافٌ ونَائِلَةُ رَجُلًا وَامْرَأَةً فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ فَأُخْرِجَا مِنْ جَوْفِ الْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِمَا ثِيَابُهُمَا فَجُعِلَ أَحَدُهُمَا بِلَصْقِ الْكَعْبَةِ، والْآخَرُ عِنْدَ زَمْزَمَ وكَانَ يُطْرَحُ بَيْنَهُمَا مَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ، ويُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ كَانَ يُسَمَّى (الْحَطِيمَ) وإِنَّمَا نُصِبَا هُنَالِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمَا النَّاسُ. فَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمَا يَدْرُسُ حَتَّى جُعِلَا وَثَنَيْنِ يُعْبَدَانِ وكَانَتْ ثِيَابُهُمَا كُلَّمَا بَلِيَتْ أَخْلَفُوا لَهُمَا ثِيَابًا ثُمَّ أُخِذَ الَّذِي بِلَصْقِ الْكَعْبَةِ فَجُعِلَ مَعَ الَّذِي عِنْدَ زَمْزَمَ، وكَانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَهُمَا ولَمْ تَكُنْ تَدْنُو مِنْهُمَا امْرَأَةٌ طَامِثٌ فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ بِشْرُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ الْأَسَدِيُّ أَسَدُ خُزَيْمَةَ: عَلَيْهِ الطَّيْرُ مَا يَدْنُونَ مِنْهُ … مَقَامَاتُ الْعَوَارِكِ مِنْ إِسَافِ • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ (٢) يَوْمَ الْفَتْحِ وإِنَّ بِهَا ثَلَاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ

стр. 116

صَنَمًا قَدْ شَدَّهَا (١) إِبْلِيسُ بِالرَّصَاصِ وكَانَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَضِيبٌ فَكَانَ يَقُومُ عَلَيْهَا ويَقُولُ (٢): ﴿جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ﴾ كَانَ زَهُوقًا ثُمَّ يُشِيرُ إِلَيْهَا بِقَضِيبِهِ فَتَتَسَاقَطُ (٣) عَلَى ظُهُورِهَا، وَحَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مكة يوم فَتْحِ وحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا ويَقُولُ: ﴿جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾، ﴿جاءَ الْحَقُّ وما يُبْدِئُ الْباطِلُ وما يُعِيدُ﴾. • حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، مِنْهَا مَا قَدْ شُدَّ بِالرَّصَاصِ فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وهُوَ يَقُولُ: ﴿جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ ويُشِيرُ إِلَيْهَا فَمَا مِنْهَا صَنَمٌ أَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ الا وقع عَلَى دُبُرِهِ، ولَا أَشَارَ إِلَى دُبُرِهِ إِلَّا وَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى وَقَعَتْ كُلُّهَا، وقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَمَرَ بِالْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ كُلِّهَا فَجُمِعَتْ ثُمَّ حُرِقَتْ بِالنَّارِ وكُسِرَتْ وفِي ذَلِكَ يَقُولُ فَضَالَةُ ابن عُمَيْرِ بْنِ الْمُلَوِّحِ اللَّيْثِيُّ فِي ذِكْرِ يَوْمِ الْفَتْحِ: أوَمَا (٤) رَأَيْتَ مُحَمَّدًا وَجُنُودَهُ … بِالْفَتْحِ يَوْمَ تُكَسَّرُ الْأَصْنَامُ لَرَأَيْتَ نُورَ اللَّهِ أَصْبَحَ بَيِّنًا … والشِّرْكَ يَغْشَى وَجْهَهُ الْإِظْلَامُ • حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يُشِيرَ بِالْقَضِيبِ إِلَى الصَّنَمِ فَيَقَعَ لِوَجْهِهِ فَطَافَ

стр. 117

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ (١) بِمِحْجَنِهِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ سَبْعِهِ نَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ ثُمَّ انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَقَامِ وجَاءَهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَضْلَةَ (٢) فَأَخْرَجَ رَاحِلَتَهُ والدِّرْعُ عَلَيْهِ والْمِغْفَرُ وعِمَامَتُهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى زَمْزَمَ فَاطَّلَعَ فِيهَا وقَالَ: لَولا ان تَغْلِبَ بَنُو (٣) عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَنَزَعْتُ مِنْهَا دَلْوًا. فَنَزَعَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ دَلْوًا فَشَرِبَ وأَمَرَ بِهُبَلَ فَكُسِرَ وهُوَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ: يَا أَبَا سُفْيَانَ (٤) قَدْ كُسِرَ هُبَلُ أَمَا إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ مِنْهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي غُرُورٍ حِينَ تَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: دَعْ هذا عنك يا بْنَ الْعَوَّامِ فَقَدْ أَرَى أَنْ (٥) لَوْ كَانَ مَعَ إِلَهِ مُحَمَّدٍ غَيْرُهُ لَكَانَ غَيْرُ ما كان. • حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالُوا (٦): كَانَ إِسَافٌ ونَائِلَةُ رَجُلًا وامْرَأَةً، الرَّجُلُ إِسَافُ بْنُ عَمْرٍو، والْمَرْأَةُ نَائِلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ مِنْ جُرْهُمٍ فَزَنَيَا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ فَاتَّخَذُوهُمَا يَعْبُدُونَهُمَا وَكَانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَهُمَا وَيَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ عِنْدَهُمَا إِذَا نُكِّسُوا، فَلَمَّا كُسِرَتِ الْأَصْنَامُ كَسْرًا فَخَرَجَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ شَمْطَاءُ تَخْمِشُ وَجْهَهَا عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةُ الشَّعْرِ تَدْعُو بِالْوَيْلِ فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ: تِلْكَ نَائِلَةُ قَدْ أَيِسَتْ أَنْ تُعْبَدَ بِبِلَادِكُمْ أَبَدًا. ويُقَالُ: رَنَّ إِبْلِيسُ ثَلَاثَ رَنَّاتٍ رَنَّةً حِينَ لُعِنَ فَتَغَيَّرَتْ صُورَتُهُ عَنْ صُورَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَرَنَّةً حِينَ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا بِمَكَّةَ يُصَلِّي، وَرَنَّةً حِينَ افْتَتَحَ رَسُولُ

стр. 118

الله ﷺ مَكَّةَ فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ ذُرِّيَّتُهُ فَقَالَ إِبْلِيسُ: أيْئِسُوا أَنْ تَرُدُّوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ (١) عَلَى الشِّرْكِ بَعْدَ يَوْمِهِمْ هَذَا أَبَدًا، ولَكِنْ أَفْشُوا فِيهِمُ النَّوْحَ والشِّعْرَ، وذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالَ: نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يوم الفتح بمكة، مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ (٢) فَلَا يَدَعَنَّ فِي بَيْتِهِ صَنَمًا إِلَّا كَسَرَهُ فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَكْسِرُونَ تِلْكَ الْأَصْنَامَ قَالَ: وكَانَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ حِينَ أَسْلَمَ لَا يَسْمَعُ بِصَنَمٍ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ قُرَيْشٍ إِلَّا مَشَى إِلَيْهِ حَتَّى يَكْسِرَهُ، وكان ابو تِجَارَةٍ يَعْمَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ويَبِيعُهَا ولَمْ (٣) يَكُنْ فِي قُرَيْشٍ رَجُلٌ بِمَكَّةَ إِلَّا وفِي بَيْتِهِ صَنَمٌ، وقَالَ الْوَاقِدِيُّ: وحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ عَنْ بَعْضِ آلِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَتْرُكَنَّ فِي بَيْتِهِ صَنَمًا إِلَّا كَسَرَهُ وأَحْرَقَهُ (٤) وثَمَنُهُ حَرَامٌ. قَالَ جُبَيْرٌ: وقَدْ كُنْتُ أَرَى قَبْلَ ذَلِكَ الْأَصْنَامَ يُطَافُ بِهَا بِمَكَّةَ (٥) فَيَشْتَرِيهَا اهل البدو فيخرجون بِهَا إِلَى بُيُوتِهِمْ ومَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا وفِي بَيْتِهِ صَنَمٌ إِذَا دَخَلَ يَمْسَحُهُ، وإِذَا خَرَجَ يَمْسَحُهُ تَبَرُّكًا بِهِ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ (٦) قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ جَعَلَتْ تَضْرِبُ صَنَمًا فِي بَيْتِهَا بِالْقَدُومِ فِلْذَةً فِلْذَةً وهِيَ تَقُولُ: كُنَّا مِنْكَ فِي غُرُورٍ.

стр. 119

باب ما جاء فِي الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الصَّفَا والْمَرْوَةِ ومَنْ نَصَبَهَا ومَا جَاءَ فِي ذَلِكَ • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: نَصَبَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ الْخَلَصَةَ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ (١) فَكَانُوا يُلْبِسُونَهَا الْقَلَائِدَ وَيُهْدُونَ إِلَيْهَا الشَّعِيرَ، والْحِنْطَةَ، ويَصُبُّونَ عَلَيْهَا اللَّبَنَ، ويَذْبَحُونَ لَهَا، ويُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا بَيْضَ النَّعَامِ ونَصَبَ عَلَى الصَّفَا صَنَمًا يُقَالُ لَهُ: نَهِيكٌ مُجَاوِدُ الرِّيحِ (٢) ونَصَبَ عَلَى الْمَرْوَةِ صَنَمًا يُقَالُ لَهُ: مُطْعِمُ الطَّيْرِ (٣). مَا جَاءَ فِي مَنَاةَ وأَوَّلِ مَنْ نَصَبَهَا • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ نَصَبَ (مَنَاةَ)

стр. 120

عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي قُدَيْدًا (١) وهِيَ الَّتِي كَانَتْ لِلْأَزْدِ (٢) وغسان يَحُجُّونَهَا ويُعَظِّمُونَهَا فَإِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وأَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ وفَرَغُوا مِنْ مِنًى لَمْ يَحْلِقُوا إِلَّا عِنْدَ مَنَاةَ وكَانُوا يُهِلُّونَ لَهَا، ومَنْ أَهَلَّ لَهَا لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ لِمَكَانِ الصَّنَمَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا نَهِيكٍ مُجَاوِدِ الرِّيحِ (٣) ومُطْعِمِ الطَّيْرِ فَكَانَ (٤) هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ يُهِلُّونَ بِمَنَاةَ وكَانُوا إِذَا أَهَلُّوا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَمْ يُظِلَّ أَحَدًا مِنْهُمْ سَقْفُ بَيْتٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَجَّتِهِ أَوْ عُمْرَتِهِ، وكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَحْرَمَ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ، وإِنْ كَانَتْ لَهُ فِيهِ حَاجَةٌ تَسَوَّرَ مِنْ ظَهْرِ بَيْتِهِ لِأَنْ لَا يَجُنُّ رِتَاجُ الْبَابِ رَأْسَهُ فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وهُدِمَ (٥) أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ ولَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ولَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى (٦)، قَالَ وكَانَتْ مَنَاةُ لِلْأَوْسِ والْخَزْرَجِ وغَسَّانَ مِنَ الْأَزْدِ ومَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ (٧) مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ وأَهْلِ الشَّامِ وكَانَتْ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ ناحية المشلل (٨) بقديد. • وحَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ ابن السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ قَالَ: كَانَتْ مَنَاةُ صَخْرَةً لِهُذَيْلٍ وكَانَتْ بِقُدَيْدٍ. بَابُ مَا جَاءَ فِي اللَّاتِ والْعُزَّى ومَا جَاءَ فِي بُدُوِّهِمَا كَيْفَ كَانَ • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ

стр. 121

سَاجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا (١) مِمَّنْ مَضَى كَانَ يَقْعُدُ عَلَى صَخْرَةٍ لِثَقِيفٍ (٢) يَبِيعُ السَّمْنَ مِنَ الْحَاجِّ إِذَا مَرُّوا فَيَلُتُّ سَوِيقَهُمْ وكَانَ إِذَا غَنِمَ فَسُمِّيَتْ صَخْرَةَ اللَّاتِ فَمَاتَ، فَلَمَّا فَقْدَهُ النَّاسُ قَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إِنَّ رَبَّكُمْ كَانَ اللَّاتَ فَدَخَلَ فِي جَوْفِ الصَّخْرَةِ، وكَانَ الْعُزَّى ثَلَاثَ شَجَرَاتٍ سَمُرَاتٍ بِنَخْلَةَ (٣) وكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَعَا إِلَى عِبَادَتِهَا عَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ والْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ وقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إِنَّ رَبَّكُمْ يَتَصَيَّفُ بِاللَّاتِ لِبَرْدِ الطَّائِفِ، ويَشْتُو بِالْعُزَّى لِحَرِّ تِهَامَةَ، وكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ شَيْطَانٌ يُعْبَدُ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بَعَثَ بَعْدَ الْفَتْحِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى لِيَقْطَعَهَا فَقَطَعَهَا، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَا رَأَيْتَ فِيهِنَّ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ، قَالَ: مَا قَطَعْتَهُنَّ فَارْجِعْ فَاقْطَعْ، فَرَجَعَ فَقَطَعَ، فَوَجَدَ تَحْتَ أَصْلِهَا امْرَأَةً نَاشِرَةً شَعْرَهَا قَائِمَةً عَلَيْهِنَّ كَأَنَّهَا تَنُوحُ عَلَيْهِنَّ فَرَجَعَ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَذَا وكَذَا قَالَ: صَدَقْتَ. • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ اتَّخَذَ الْعُزَّى بِنَخْلَةَ فَكَانُوا إِذَا فَرَغُوا مِنْ حَجِّهِمْ وطَوَافِهِمْ بِالْكَعْبَةِ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى يَأْتُوا الْعُزَّى فَيَطُوفُونَ بِهَا، ويَحِلُّونَ عِنْدَهَا، ويَعْكُفُونَ عِنْدَهَا يَوْمًا، وكَانَتْ لِخُزَاعَةَ. وكَانَتْ قُرَيْشٌ وبَنُو كِنَانَةَ كُلُّهَا يُعَظِّمُ الْعُزَّى مَعَ خُزَاعَةَ وَجَمِيعِ مُضَرَ وَكَانَ سَدَنَتَهَا الَّذِينَ يَحْجُبُونَهَا بَنُو (٤) شَيْبَانَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ حُلَفَاءَ بَنِي هَاشِمٍ. • وقَالَ عُثْمَانُ: وَأَخْبَرَنَا

стр. 122

مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ قَالَ: كَانَتْ بَنُو نَصْرٍ (١) وجُشَمَ، وسَعْدُ بْنُ بكر وهُمْ عَجُزُ هَوَازِنَ يَعْبُدُونَ الْعُزَّى. قَالَ الْكَلْبِيُّ: وكَانَتِ اللَّاتُ والْعُزَّى ومَنَاةُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَيْطَانَةٌ تُكَلِّمُهُمْ وترايا لِلسَّدَنَةِ - وهُمُ الْحَجَبَةُ - وذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ (٢) إِبْلِيسَ وأَمْرِهِ. • حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِعَشْرِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَبَثَّ السَّرَايَا فِي كُلِّ جِهَةٍ وأَمَرَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَخَرَجَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِي فِي مِائَتَيْنِ قِبَلَ يَلَمْلَمَ، وخَرَجَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي فِي ثَلَاثِمِائَةٍ قِبَلَ عُرَنَةَ (٣) وبَعَثَ خَالِدَ ابن الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى يَهْدِمُهَا فَخَرَجَ خَالِدٌ فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْعُزَّى حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا فَهَدَمَهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقال: أهدمت؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هَلْ رَأَيْتَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ لَمْ تَهْدِمْهَا فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَاهْدِمْهَا فَخَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وهُوَ مُتَغَيِّظٌ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا جَرَّدَ سَيْفَهُ فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا فَجَعَلَ السَّادِنُ (٤) يَصِيحُ بِهَا، قَالَ خَالِدٌ: وأَخَذَنِي اقْشِعْرَارٌ فِي ظَهْرِي فَجَعَلَ يَصِيحُ بِهَا ويَقُولُ: أعزا (٥) شُدِّي شَدَّةً لَا تُكَذِّبِي … أَعُزَّى أَلْقِي الْقِنَاعَ (٦) وشَمِّرِي أَعُزَّى إِنْ لَمْ تَقْتُلِي الْمَرْءَ خَالِدًا … فَبُوئِي بِإِثْمٍ (٧) عَاجِلٍ أَوْ تَنَصَّرِي (٨)

стр. 123

فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالسَّيْفِ إِلَيْهَا وَهُوَ يَقُولُ: يَا عُزَّ (١) كُفْرَانَكِ لَا سُبْحَانَكِ … إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ قَالَ: فَضَرَبَهَا بِالسَّيْفِ فَجَزَلَهَا بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: نَعَمْ تِلْكَ الْعُزَّى قَدْ أَيِسَتْ أَنْ تُعْبَدَ بِبِلَادِكُمْ أَبَدًا. ثُمَّ قَالَ خَالِدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِكَ وأَنْقَذَنَا بِكَ (٢) مِنَ الْهَلَكَةِ لَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَبِي يَأْتِي الْعُزَّى (٣) بِخَيْرِ مَالِهِ مِنَ الْإِبِلِ والْغَنَمِ فَيَذْبَحُهَا لِلْعُزَّى ويُقِيمُ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَيْنَا مَسْرُورًا ونَظَرْتُ إِلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ أَبِي وإِلَى ذَلِكَ الرَّأْيِ الَّذِي كَانَ يُعَاشُ فِي فَضْلِهِ وكَيْفَ خُدِعَ حَتَّى صَارَ يَذْبَحُ لِمَا لَا يَسْمَعُ ولَا يُبْصِرُ ولَا يَضُرُّ ولَا يَنْفَعُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ان هَذَا الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ فَمَنْ يَسَّرَهُ لِلْهُدَى تَيَسَّرَ لَهُ، ومَنْ يَسَّرَهُ لِلضَّلَالَةِ كَانَ فِيهَا، وكَانَ هَدَمَهَا لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وكَانَ سَادِنُهَا أَفْلَحَ ابن النَّضْرِ السُّلَمِيَّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ؛ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو لَهَبٍ يَعُودُهُ وهُوَ حَزِينٌ فَقَالَ لَهُ (٤): مَا لِي أَرَاكَ حَزِينًا؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَضِيعَ الْعُزَّى مِنْ بَعْدِي، قَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: فَلَا تَحْزَنْ فَأَنَا أَقُومُ عَلَيْهَا بَعْدَكَ. فَجَعَلَ أَبُو لَهَبٍ يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيَ: إِنْ تَظْهَرِ الْعُزَّى كُنْتُ قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَهَا يَدًا بِقِيَامِي عَلَيْهَا، وإِنْ يَظْهَرْ مُحَمَّدٌ عَلَى الْعُزَّى ومَا أَرَاهُ يَظْهَرُ فَابْنُ أَخِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾. • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: جَاءَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ايْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ فَإِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا، قَالَ: قُلْ: فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

стр. 124

شَهِدْتُ بِإِذْنِ اللَّهِ أَنَّ مُحَمَّدًا … رَسُولُ الَّذِي (١) فَوْقَ السماوات من عل فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وأَنَا أَشْهَدُ فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: وأَنَّ أَبَا يَحْيَى ويَحْيَى كِلَيْهِمَا (٢) … لَهُ عَمَلٌ فِي دِينِهِ مُتَقَبَّلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وأَنَا أَشْهَدُ. فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: وأَنَّ الَّذِي عَادَ الْيَهُودَ ابْنَ مَرْيَمٍ … رَسُولٌ أَتَى مِنْ عِنْدِ ذِي الْعَرْشِ مُرْسَلُ فقال النبي ﷺ : وأَنَا أَشْهَدُ. فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: وأَنَّ أَخَا الْأَحْقَافِ إِذْ يَعْذِلُونَهُ (٣) … يُجَاهِدُ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ ويَعْدِلُ (٤) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وأَنَا أَشْهَدُ. فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: وأَنَّ الَّتِي (٥) بِالْجِزْعِ (٦) مِنْ بَطْنِ نَخْلَةٍ … ومَنْ دَانَهَا فَلٌّ (٧) عَنِ الْحَقِّ مُعْزَلُ (٨) فقال النبي ﷺ : وأَنَا أَشْهَدُ. قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي الْعُزَّى. وأَمَّا مَنَاةُ فَكَانَتْ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ. مَا جَاءَ فِي ذَاتِ أَنْوَاطٍ • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ

стр. 125

عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ الْبَصْرِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ - وهُوَ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وكَانَتْ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ ومَنْ سِوَاهُمْ (١) مِنَ الْعَرَبِ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ خَضْرَاءُ يُقَالُ لَهَا (ذَاتُ أَنْوَاطٍ) يَأْتُونَهَا كُلَّ سَنَةٍ (٢)، فَيُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا وَيَعْكُفُونَ عِنْدَهَا يَوْمًا (٣) قَالَ: فَرَأَيْنَا يَوْمًا ونَحْنُ نَسِيرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَجَرَةً عَظِيمَةً خَضْرَاءَ فَسَايَرَتْنَا مِنْ جَانِبِ الطَّرِيقِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ لَهُمْ (٤) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ؛ قُلْتُمْ والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ الْآيَةَ إِنَّهَا السُّنَنُ سُنَنُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. • حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحسين عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ شَجَرَةً يُعَظِّمُهَا (٥) أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَذْبَحُونَ لَهَا ويَعْكُفُونَ عِنْدَهَا يَوْمًا، وكَانَ مَنْ (٦) حَجَّ مِنْهُمْ وَضَعَ زَادَهُ عِنْدَهَا ويَدْخُلُ بِغَيْرِ زَادٍ تَعْظِيمًا لَهَا فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ قَالَ لَهُ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: فِيهِمُ الْحَارِثُ ابن مَالِكٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَالَ: (٧) هَكَذَا فَعَلَ قَوْمُ مُوسَى بِمُوسَى ﵇.

стр. 126

مَا جَاءَ فِي كَسْرِ الْأَصْنَامِ (١) • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ ابن عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْهُذَلِيِّ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ بَثَّ السَّرَايَا فَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى وبَعَثَ إِلَى ذِي الْكَفَّيْنِ (٢) صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حممة الطفيل بن عمرو الدَّوْسِيَّ فَجَعَلَ يُحْرِقُهُ بِالنَّارِ وَيَقُولُ: يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لَسْتُ مِنْ عُبَّادِكَا … مِيلَادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلَادِكَا إِنِّي حَشَشْتُ النَّارَ فِي فُؤَادِكَا (٣) وبَعَثَ سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدٍ الْأَشْهَلِيَّ إِلَى مَنَاةَ بِالْمُشَلَّلِ فَهَدَمَهَا. وبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِي إِلَى سُوَاعٍ (٤) صَنَمِ هُذَيْلٍ فَهَدَمَهُ. وكَانَ عَمْرٌو يَقُولُ: انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وعِنْدَهُ السَّادِنُ فَقَالَ: مَا تُرِيدُ؟ قُلْتُ: هَدْمَ سُوَاعٍ. قَالَ: ومَا لَكَ ولَهُ؟ قُلْتُ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: لَا تَقْدِرُ عَلَى هَدْمِهِ، قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: يَمْتَنِعُ قَالَ عَمْرٌو: حَتَّى الْآنَ أَنْتَ فِي الْبَاطِلِ (٥) وَيْحَكَ! وهَلْ يَسْمَعُ (٦) ويُبْصِرُ؟ قَالَ عَمْرٌو: فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَكَسَرْتُهُ وأَمَرْتُ أَصْحَابِي فَهَدَمُوا بَيْتَ خِزَانَتِهِ ولَمْ

стр. 127

يَجِدُوا فِيهِ (١) شَيْئًا ثُمَّ قُلْتُ لِلسَّادِنِ: كَيْفَ رَأَيْتَ؟ قَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ تَعَالَى. مَسِيرُ تُبَّعٍ إِلَى مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: سَارَ تُبَّعٌ الْأَوَّلُ إِلَى الْكَعْبَةِ (٢) وأَرَادَ هَدْمَهَا وتَخْرِيبَهَا وخُزَاعَةُ يَوْمَئِذٍ تَلِي الْبَيْتَ وأَمْرَ مَكَّةَ. فَقَامَتْ خُزَاعَةُ دُونَهُ وقَاتَلَتْ عَنْهُ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى رَجَعَ ثُمَّ تُبَّعٌ آخَرُ فَكَذَلِكَ. وأَمَّا التَّبَابِعَةُ الَّذِينَ أَرَادُوا هَدْمَ الْكَعْبَةِ وتَخْرِيبَهَا ثَلَاثَةٌ وقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ يَسِيرُ فِي الْبِلَادِ فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ عَظَّمَ الْحَرَمَ والْبَيْتَ وأَمَّا التُّبَّعُ (٣) الثَّالِثُ الَّذِي أَرَادَ هَدْمَ الْبَيْتِ فَإِنَّمَا كَانَ فِي أَوَّلِ زَمَانِ قُرَيْشٍ. قَالَ: وكَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِ ومَسِيرِهِ إِلَيْهِ أَنَّ قَوْمًا مِنْ هُذَيْلٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ جَاءُوهُ فَقَالُوا: إِنَّ بِمَكَّةَ بَيْتًا تُعَظِّمُهُ الْعَرَبُ جَمِيعًا، وتَفِدُ إِلَيْهِ، وتَنْحَرُ عِنْدَهُ وتَحُجُّهُ وتَعْتَمِرُهُ، وإِنَّ قُرَيْشًا تَلِيهِ فَقَدْ حَازَتْ شَرَفَهُ وذِكْرَهُ وأَنْتَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَيْتُ وشَرَفُهُ وذِكْرُهُ لَكَ؛ فَلَوْ سِرْتَ إِلَيْهِ وخَرَّبْتَهُ وبَنَيْتَ عِنْدَكَ بَيْتًا ثُمَّ صَرَفْتَ حَاجَّ الْعَرَبِ إِلَيْهِ كُنْتَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ قَالَ: فَأَجْمَعَ الْمَسِيرَ (٤) إِلَيْهِ. • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْمَدِينِيِّ قَالَ: لَمَّا كَانَ تُبَّعٌ بِالدُّفِّ مِنْ جُمْدَانَ بَيْنَ أَمَجَ وعُسْفَانَ (٥) دَفَّتْ بِهِمْ دَوَابُّهُمْ

стр. 128

وأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ (١) عَلَيْهِمْ فَدَعَا أَحْبَارًا كَانُوا مَعَهَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فسألهم فَقَالُوا: هَلْ هَمَمْتَ لِهَذَا الْبَيْتِ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَهْدِمَهُ. قَالُوا: فَانْوِ لَهُ خَيْرًا أَنْ تَكْسُوَهُ، وتَنْحَرَ عِنْدَهُ فَفَعَلَ فَانْجَلَتْ عَنْهُمُ الظُّلْمَةُ وإِنَّمَا سُمِّيَ الدُّفَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: فَسَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالدُّفِّ مِنْ جُمْدَانَ بَيْنَ أَمَجَ وعُسْفَانَ دَفَّتْ بِهِمُ الْأَرْضُ وغَشِيَتْهُمْ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ ورِيحٌ، فَدَعَا أَحْبَارًا كَانُوا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا: هَلْ هَمَمْتَ لِهَذَا الْبَيْتِ بِسُوءٍ؟ (٢) فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ لَهُ الْهُذَلِيُّونَ وبِمَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ فَقَالَتِ (٣) الْأَحْبَارُ: واللَّهِ مَا أَرَادُوا إِلَّا هَلَاكَكَ وهَلَاكَ قَوْمِكَ إِنَّ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ ولَمْ يُرِدْهُ أَحَدٌ (٤) قَطُّ بِسُوءٍ إِلَّا هَلَكَ. قَالَ: فَمَا الْحِيلَةُ؟ قَالُوا: تَنْوِي لَهُ خَيْرًا أَنْ تُعَظِّمَهُ وتَكْسُوَهُ وتَنْحَرَ عِنْدَهُ وتُحْسِنَ إِلَى أَهْلِهِ فَفَعَلَ فَانْجَلَتْ (٥) عَنْهُمُ الظُّلْمَةُ وسَكَنَتِ الرِّيحُ وانْطَلَقَتْ بِهِمْ رِكَابُهُمْ وَدَوَابُّهُمْ، فَأَمَرَ تُبَّعٌ بِالْهُذَلِيِّينَ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ وَصَلَبَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانُوا فَعَلُوا ذَلِكَ حَسَدًا لِقُرَيْشٍ عَلَى وِلَايَتِهِمُ الْبَيْتَ، ثُمَّ سَارَ تُبَّعٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَكَانَتْ (٦) سِلَاحَهُ بِقُعَيْقِعَانَ فَيُقَالُ: فَبِذَلِكَ سُمِّيَ قُعَيْقِعَانَ وَكَانَتْ خَيْلُهُ بِأَجْيَادٍ وَيُقَالُ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ أَجْيَادٌ. أَجْيَادًا. بِجِيَادِ خَيْلِ تُبَّعٍ؛ وكَانَتْ مَطَابِخُهُ فِي الشِّعْبِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: شِعْبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الشِّعْبُ الْمَطَابِخَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ أَيَّامًا يَنْحَرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ بَدَنَةٍ لَا يَرْزَأُ هُوَ ولَا أَحَدٌ مِمَّنْ فِي عَسْكَرِهِ مِنْهَا شَيْئًا يَرِدُهَا النَّاسُ فَيَأْخُذُونَ مِنْهَا حَاجَتَهُمْ، ثُمَّ تَقَعُ الطَّيْرُ فَتَأْكُلُ، ثُمَّ تَنْتَابُهَا السِّبَاعُ إِذَا أَمْسَتْ لَا يُصَدُّ عَنْهَا (٧) شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِنْسَانٌ ولَا طَائِرٌ ولَا

стр. 129

سَبْعٌ، يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ مَقَامَهُ أَجْمَعَ ثُمَّ كَسَا الْبَيْتَ كِسْوَةً كَامِلَةً. كَسَاهُ الْعَصْبَ وجَعَلَ لَهُ بَابًا يُغْلَقُ بِضَبَّةٍ فَارِسِيَّةٍ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ تُبَّعٌ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ كِسْوَةً كَامِلَةً أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوَهَا فَكَسَاهَا الْأَنْطَاعَ، ثُمَّ أُرِيَ أَنْ يَكْسُوَهَا فَكَسَاهَا الْوَصَائِلَ ثِيَابَ حِبَرَةٍ مِنْ عَصْبِ الْيَمَنِ، وجَعَلَ لَهَا بَابًا يُغْلَقُ، ولَمْ يَكُنْ يُغْلَقُ قَبْلَ ذَلِكَ، وقَالَ تُبَّعٌ فِي ذَلِكَ وفِي مَسِيرِهِ شِعْرًا: وكَسَوْنَا الْبَيْتَ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ … مُلَاءً مُعْصَبًا (١) وبُرُودَا وأَقَمْنَا بِهِ مِنَ الشَّهْرِ عَشْرًا … وجَعَلْنَا لِبَابِهِ إِقْلِيدَا وخَرَجْنَا مِنْهُ (٢) نَؤُمُّ سُهَيْلًا … قَدْ رَفَعْنَا (٣) لِوَاءَنَا مَعْقُودَا ذِكْرُ مُبْتَدَإِ حَدِيثِ الْفِيلِ • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ مِنْ حَدِيثِ الْفِيلِ فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ (٤) مَكَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وعَنْ مَنْ لَقِيَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْيَمَنِ وكَانَ جُلُّ الْحَدِيثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ حِمْيَرَ يُقَالُ لَهُ: زُرْعَةُ ذُو نُوَاسٍ (٥) وكَانَ قَدْ تَهَوَّدَ واسْتَجْمَعَتْ مَعَهُ حِمْيَرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وهُمْ مِنْ أَشْلَاءِ (٦) سَبَإٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى دِينِ (٧) النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى أَصْلِ حُكْمِ الْإِنْجِيلِ وبَقَايَا مِنْ دِينِ الْحَوَارِيِّينَ ولَهُمْ رَأْسٌ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَامِرٍ، فَدَعَاهُمْ

стр. 130

ذُو نُوَاسٍ (١) إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَأَبَوْا فَخَيَّرَهُمْ فَاخْتَارُوا الْقَتْلَ فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا وصَنَّفَ لَهُمُ الْقَتْلَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ صَبْرًا، ومِنْهُمْ مَنْ أَوْقَدَ لَهُ النَّارَ فِي الْأُخْدُودِ فَأَلْقَاهُ فِي النَّارِ إِلَّا رَجُلًا مِنْ سَبَإٍ يُقَالُ لَهُ دَوْسُ بْنُ ذِي ثُعْلَبَانَ، فَذَهَبَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ يَرْكُضُ حَتَّى أَعْجَزَهُمْ فِي الرَّمَلِ فَأَتَى قَيْصَرَ فَذَكَرَ لَهُ مَا بَلَغَ مِنْهُمْ واسْتَنْصَرَهُ فَقَالَ لَهُ: بَعُدَتْ بِلَادُكَ عَنَّا (٢) ولَكِنْ سَأَكْتُبُ لَكَ إِلَى مَلِكِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّهُ عَلَى دِينِنَا فَيَنْصُرُكَ فَكَتَبَ لَهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ يَأْمُرُهُ بِنَصْرِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّجَاشِيِّ بَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهُ أَرْيَاطُ وقَالَ: إِنْ دَخَلْتَ الْيَمَنَ فَاقْتُلْ ثُلُثَ رِجَالِهَا، وأَخْرِبْ ثُلُثَ بِلَادِهَا، فَلَمَّا دَخَلُوا أَرْضَ الْيَمَنِ تَنَاوَشُوا شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَرْيَاطُ (٣) وخَرَجَ زُرْعَةُ ذُو نُوَاسٍ عَلَى فَرَسِهِ فَاسْتَعْرَضَ بِهِ الْبَحْرَ حَتَّى لَجَّجَ بِهِ فماتا فِي الْبَحْرِ وكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ فَدَخَلَهَا أَرْيَاطُ فَعَمِلَ مَا أَمَرَهُ (٤) بِهِ النَّجَاشِيُّ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي ذَلِكَ مَثَلًا يَضْرِبُهُ، لَا كَدَوْسٍ ولَا كَأَغْلَاقِ (٥) رَحْلِهِ، وقَالَ ذُو جَدَنٍ فِيمَا أَصَابَ أَهْلَ الْيَمَنِ ومَا نَزَلَ بِهِمْ: دَعِينِي لَا أَبَا لَكِ لَنْ تُطِيقِي … لَحَاكِ اللَّهُ قَدْ أَنْزَفْتِ رِيقِي لدا عَزْفِ الْقِيَانِ إِذَا انْتَشَيْنَا … وإِذْ نُسْقَى مِنَ الْخَمْرِ الرَّحِيقِي وشُرْبُ الْخَمْرِ لَيْسَ عَلَيَّ عَارًا … إِذَا لَمْ يَشْكُنِي فِيهَا رَفِيقِي وغُمْدَانُ الَّذِي نُبِّئْتُ (٦) عَنْهُ … بَنَوْهُ مُسَمَّكًا (٧) فِي رَأْسِ نِيقِ مَصَابِيحُ السَّلِيطِ يَلُحْنَ (٨) فِيهِ … إِذَا يُمْسِي كَتُومَاضِ (٩) الْبُرُوقِ

стр. 131

فَأَصْبَحَ بَعْدَ جُدَّتِهِ رَمَادًا … وغَيَّرَ حُسْنَهُ لَهَبُ الْحَرِيقِ وأَسْلَمَ ذُو نُوَاسٍ مُسْتَمِيتًا (١) … وحَذَّرَ قَوْمَهُ ضَنْكَ الْمَضِيقِ وقَالَ ذُو جَدَنٍ أَيْضًا: (٢) هَوِّنْكُمَا (٣) لَنْ يَرُدَّ الدَّمْعُ مَا فَاتَا (٤) … لَا تَهْلِكِي أَسَفًا فِي إِثْرِ مَنْ مَاتَا أبَعْدَ بَيْنُونَ لَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ … وَبَعْدَ سَلْحَيْنَ يَبْنِي النَّاسُ أَبْيَاتَا (٥) ذِكْرُ الْفِيلِ حِينَ (٦) سَاقَتْهُ الْحَبَشَةُ • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا ظَهَرَتِ الْحَبَشَةُ عَلَى أَرْضِ الْيَمَنِ كَانَ مُلْكُهُمْ إِلَى أَرْيَاطَ وأَبْرَهَةَ، وكَانَ أَرْيَاطُ فَوْقَ أَبْرَهَةَ فَأَقَامَ أَرْيَاطُ بِالْيَمَنِ سَنَتَيْنِ فِي سُلْطَانِهِ لَا يُنَازِعُهُ أَحَدٌ، ثُمَّ نَازَعَهُ أَبْرَهَةُ الْحَبَشِيُّ الْمُلْكَ، وكَانَ فِي جُنْدٍ مِنَ الْحَبَشَةِ فَانْحَازَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْحَبَشَةِ طَائِفَةٌ ثُمَّ سَارَ (٧) أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ فَكَانَ أَرْيَاطُ يَكُونُ بِصَنْعَاءَ ومَخَالِيفِهَا، وكَانَ أَبْرَهَةُ يَكُونُ بِالْجَنَدِ ومَخَالِيفِهَا، فَلَمَّا تَقَارَبَ النَّاسُ ودَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أَرْسَلَ أَبْرَهَةُ إِلَى أَرْيَاطَ إِنَّكَ لَا تَصْنَعُ بِأَنْ تُلْقِيَ الْحَبَشَةَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ فَتُفْنِيَهَا بَيْنَنَا، فَابْرُزْ لِي وأَبْرُزُ لَكَ فَأَيُّنَا مَا (٨) أَصَابَ صَاحِبَهُ انْصَرَفَ إِلَيْهِ جُنْدُهُ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَرْيَاطٌ

стр. 132

قَدْ أَنْصَفْتَ، فَخَرَجَ أَرْيَاطُ وَكَانَ رَجُلًا عَظِيمًا، طَوِيلًا، وَسِيمًا، وفِي يَدِهِ حَرْبَةٌ لَهُ. وخَرَجَ لَهُ أَبْرَهَةُ وكَانَ رَجُلًا قَصِيرًا حَادِرًا، لَحِيمًا، دَحْدَاحًا، وكَانَ ذَا دِينٍ فِي النَّصْرَانِيَّةِ؛ وخَلَّفَ أَبْرَهَةُ عَبْدًا لَهُ يَحْمِي ظَهْرَهُ يُقَالُ لَهُ عَتُودَةُ؛ فَلَمَّا دَنَا أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ رَفَعَ أَرْيَاطُ الْحَرْبَةَ فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ أَبْرَهَةَ يُرِيدُ يَافُوخَهُ فَوَقَعَتِ الْحَرْبَةُ عَلَى جَبْهَةِ أَبْرَهَةَ فَشَرَمَتْ حَاجِبَهُ وَعَيْنَهُ وَأَنْفَهُ وَشَفَتَيْهِ (١) فَبِذَلِكَ سُمِّيَ أَبْرَهَةَ الْأَشْرَمَ، وَحَمَلَ غُلَامُ أَبْرَهَةَ عَتُودَةُ على ارياط هن خَلْفِ أَبْرَهَةَ فَزَرَقَهُ بِالْحَرْبَةِ فَقَتَلَهُ، فَانْصَرَفَ جُنْدُ أَرْيَاطَ إِلَى أَبْرَهَةَ فَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْحَبَشَةُ بِالْيَمَنِ وكَانَ مَا صَنَعَ أَبْرَهَةُ مِنْ قَتْلِهِ أَرْيَاطَ بِغَيْرِ عِلْمِ النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ بِأَرْضِ أُكْسُومٍ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشِ فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وقَالَ: عَدَا عَلَى أَمِيرِي بِغَيْرِ أَمْرِي فَقَتَلَهُ؛ ثُمَّ حَلَفَ النَّجَاشِيُّ لَا يَدَعُ أَبْرَهَةَ حَتَّى يَطَأَ أَرْضَهُ (٢) ويَجُزَّ نَاصِيَتَهُ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبْرَهَةَ حَلَقَ رَأْسَهُ ثُمَّ مَلَأَ جِرَابًا مِنْ تُرَابِ أَرْضِ الْيَمَنِ ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ وكَتَبَ إِلَيْهِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّمَا كَانَ أَرْيَاطُ عَبْدَكَ وأَنَا عَبْدُكَ اخْتَلَفْنَا فِي أَمْرِكَ، وكُلُّنَا طَاعَتُهُ لَكَ إِلَّا إِنِّي كُنْتُ أَقْوَى عَلَى أَمْرِ الْحَبَشَةِ مِنْهُ، وأَضْبَطُ وأَسْوَسُ لَهُمْ مِنْهُ، وقَدْ حَلَقْتُ رَأْسِي كُلَّهُ حِينَ بَلَغَنِي قَسَمُ الْمَلِكِ وبَعَثْتُ بِهِ إِلَيْهِ مَعَ جِرَابٍ مِنْ تُرَابِ أَرْضِي لِيَضَعَهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَيَبِرَّ بِذَلِكَ قَسَمَهُ. فَلَمَّا انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى النَّجَاشِيِّ رَضِيَ عَنْهُ وكَتَبَ لَهُ أَنِ اثْبُتْ بِأَرْضِ الْيَمَنِ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي فَأَقَامَ أَبْرَهَةُ بِالْيَمَنِ؛ وَبَنَى أَبْرَهَةُ عِنْدَ ذَلِكَ (الْقُلَّيْسِ) بِصَنْعَاءَ إِلَى جَنْبِ غُمْدَانَ كَنِيسَةً وأَحْكَمَهَا وسَمَّاهَا الْقُلَّيْسَ وكَتَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ: إِنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ كَنِيسَةً لَمْ يُبْنَ مِثْلُهَا لِمَلِكٍ كَانَ قَبْلَكَ ولَسْتُ بِمُنْتَهٍ حَتَّى أَصْرِفَ حَاجَّ الْعَرَبِ إِلَيْهَا. • قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ مَشْيَخَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ بِصَنْعَاءَ: أَنَّ يُوسُفَ ذَا نُوَاسٍ - وَهُوَ صَاحِبُ الْأُخْدُودِ الَّذِي حَرَقَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِنَجْرَانَ - لَمَّا غَرَقَهُ اللَّهُ

стр. 133

وجَاءَتِ الْحَبَشَةُ إِلَى أَرْضِ الْيَمَنِ فَعَبَرُوا مِنْ دَهْلَكٍ (١) حَتَّى دَخَلُوا صنعاء وحَرَقُوا غُمْدَانَ وكَانَ أَعْظَمَ قَصْرٍ يُعْلَمُ فِي الْأَرْضِ، وغَلَبُوا عَلَى الْيَمَنِ وبَنَى أَبْرَهَةُ الْحَبَشِيُّ الْقُلَّيْسَ لِلنَّجَاشِيِّ وكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ بِصَنْعَاءَ بَيْتًا لَمْ تَبْنِ الْعَرَبُ ولَا الْعَجَمُ مِثْلَهُ. ولَنْ أَنْتَهِيَ حَتَّى أَصْرِفَ حَاجَّ الْعَرَبِ إِلَيْهِ ويَتْرُكُوا الْحَجَّ إِلَى بَيْتِهِمْ. فَبَنَى الْقُلَّيْسَ بِحِجَارَةِ قَصْرِ بِلْقِيسَ الَّذِي بِمَأْرِبٍ - وَبِلْقِيسُ صَاحِبَةُ الصَّرْحِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ وكَانَ سُلَيْمَانُ حِينَ تَزَوَّجَهَا يَنْزِلُ عَلَيْهَا فِيهِ إِذَا جَاءَهَا - فَوَضَعَ الرِّجَالُ نَسَقًا يُنَاوِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا الْحِجَارَةَ والْآلَةَ حَتَّى نُقِلَ مَا كَانَ فِي قَصْرِ بِلْقِيسَ مِمَّا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ رُخَامٍ أَوْ آلَةٍ لِلْبِنَاءِ (٢) وَجَدَّ فِي بِنَائِهِ وإِنَّهُ كَانَ مُرَبَّعًا مُسْتَوِيَ التَّرْبِيعِ وجَعَلَ طُولَهُ فِي السَّمَاءِ سِتِّينَ ذِرَاعًا، وكَبْسَهُ مِنْ دَاخِلِهِ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ فِي السَّمَاءِ، وكَانَ يُصْعَدُ عَلَيْهِ بِدَرَجِ الرُّخَامِ وحَوْلَهُ سُورٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ الْقُلَّيْسِ مِائَتَا ذِرَاعٍ مُطِيفٌ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وجَعَلَ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِحِجَارَةٍ تُسَمِّيهَا أَهْلُ الْيَمَنِ الْجُرُوبَ مَنْقُوشَةٍ مُطَابَقَةٍ لَا يَدْخُلُ بَيْنَ أَطْبَاقِهَا الْإِبْرَةُ، مُطْبَقَةٍ بِهِ وجَعَلَ طُولَ مَا بَنَى بِهِ مِنَ الْجُرُوبِ عِشْرِينَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ ثُمَّ فَصَلَ مَا بَيْنَ حِجَارَةِ الْجُرُوبِ بِحِجَارَةٍ مُثَلَّثَةٍ تُشْبِهُ الشُّرَفَ مُدَاخَلَةً بَعْضُهَا بِبَعْضٍ حَجَرًا أَخْضَرَ، وحَجَرًا أَحْمَرَ، وحَجَرًا أَبْيَضَ، وحَجَرًا أَصْفَرَ، وحَجَرًا أَسْوَدَ؛ وفِيمَا بَيْنَ كُلِّ سَافَيْنِ خَشَبُ سَاسَمٍ مُدَوَّرُ الرَّأْسِ غلظ الخشبة حضن (٣) الرِّجْلِ نَاتِئَةٌ عَلَى الْبِنَاءِ فَكَانَ مُفْصَلًا بِهَذَا الْبِنَاءِ فِي هَذِهِ الصُّفَّةِ، ثُمَّ فُصِلَ بِإِفْرِيزٍ مِنْ رُخَامٍ مَنْقُوشٍ طُولُهُ فِي السَّمَاءِ ذِرَاعَانِ، وكَانَ الرُّخَامُ نَاتِئًا عَلَى الْبِنَاءِ ذِرَاعًا، ثُمَّ فُصِلَ فَوْقَ الرُّخَامِ بِحِجَارَةٍ سُودٍ لَهَا بَرِيقٌ مِنْ حِجَارَةِ نَقَمٍ جَبَلِ صَنْعَاءَ الْمُشْرِفِ عَلَيْهَا، ثُمَّ وُضِعَ فَوْقَهَا حِجَارَةٌ صُفْرٌ لَهَا بَرِيقٌ، ثُمَّ وُضِعَ فَوْقَهَا حِجَارَةٌ بِيضٌ لَهَا بَرِيقٌ، فَكَانَ هَذَا ظَاهِرَ حَائِطِ الْقُلَّيْسِ، وكَانَ عَرْضُ

стр. 134

حَائِطِ الْقُلَّيْسِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ، وذَكَرُوا أَنَّهُمْ لَا يَحْفَظُونَ ذَرْعَ طُولِ القليس ولَا عَرْضَهَ، وكَانَ لَهُ بَابٌ مِنْ نُحَاسٍ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ طُولًا فِي أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا وكَانَ الْمَدْخَلُ مِنْهُ إِلَى بَيْتٍ فِي جَوْفِهِ طُولُهُ ثَمَانُونَ ذِرَاعًا فِي أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا مُعَلَّقِ الْعَمَلِ بِالسَّاجِ الْمَنْقُوشِ ومَسَامِيرِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ. ثُمَّ يُدْخَلُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى إِيوَانٍ طُولُهُ (١) أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ يَسَارِهِ، وعُقُودُهُ مَضْرُوبَةٌ بِالْفُسَيْفِسَاءِ مُشَجَّرَةٌ بَيْنَ أَضْعَافِهَا كَوَاكِبُ الذَّهَبِ ظَاهِرَةٌ ثُمَّ يُدْخَلُ مِنَ الْإِيوَانِ إِلَى قُبَّةٍ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا، جَدْرُهَا بِالْفُسَيْفِسَاءِ وفِيهَا صُلُبٌ مَنْقُوشَةٌ بِالْفُسَيْفِسَاءِ والذَّهَبِ والْفِضَّةِ، وفِيهَا رُخَامَةٌ مِمَّا يَلِي مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِنَ الْبَلَقِ مُرَبَّعَةٌ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فِي عَشْرَةِ أَذْرُعٍ تَغْشَى عَيْنَ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا مِنْ بَطْنِ الْقُبَّةِ تُؤَدِّي ضَوْءَ الشَّمْسِ والْقَمَرِ إِلَى دَاخِلِ الْقُبَّةِ. وكَانَ تَحْتَ الرُّخَامَةِ مِنْبَرٌ مِنْ خَشَبِ اللَّبَخِ - وهُوَ عِنْدَهُمُ الْآبُنُوسُ - مُفَصَّلٌ بِالْعَاجِ الْأَبْيَضِ (٢) ودَرَجُ الْمِنْبَرِ مِنْ خَشَبِ السَّاجِ مُلْبَسَةٌ ذَهَبًا وفِضَّةً، وكَانَ فِي الْقُبَّةِ سَلَاسِلُ فِضَّةٍ وكَانَ فِي الْقُبَّةِ أَوْ فِي الْبَيْتِ خَشَبَةُ سَاجٍ مَنْقُوشَةٌ طُولُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا يُقَالُ لَهَا: كُعَيْبٌ وخَشَبَةٌ مِنْ سَاجٍ نَحْوُهَا فِي الطُّوَلِ يُقَالُ لَهَا: امْرَأَةُ كُعَيْبٍ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وكَانَ يُقَالُ لِكُعَيْبٍ: الْأَحْوَزِيُّ - والْأَحْوَزِيُّ بِلِسَانِهِمُ الْحُرُّ - وكَانَ أَبْرَهَةُ عِنْدَ بِنَاءِ الْقُلَّيْسِ قَدْ اخذ العمال بِالْعَمَلِ أَخْذًا شَدِيدًا وكَانَ آلَى (٣) أَنْ لَا تَطْلُعَ الشَّمْسُ عَلَى عَامِلٍ لَمْ يَضَعْ يَدَهُ فِي عَمَلِهِ فَيُؤْتَى بِهِ إِلَّا قَطَعَ يَدَهُ. قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَعْمَلُ فِيهِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وكَانَتْ لَهُ أُمٌّ عَجُوزٌ فَذَهَبَ بِهَا مَعَهُ لِتَسْتَوْهِبَهُ مِنْ أَبْرَهَةَ، فَأَتَتْهُ وهُوَ بَارِزٌ لِلنَّاسِ (٤) فَذَكَرَتْ لَهُ عِلَّةَ ابْنِهَا واسْتَوْهَبَتْهُ مِنْهُ فَقَالَ: لَا أُكَذِّبُ نَفْسِي ولَا أُفْسِدُ عَلَى عُمَّالِي فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: اضْرِبْ بِمِعْوَلِكَ سَاعِيَ بُهْرٍ، الْيَوْمُ لَكَ، وغَدًا لِغَيْرِكَ، لَيْسَ كُلُّ الدَّهْرِ لَكَ. فَقَالَ: أَدْنُوهَا

стр. 135

فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْمُلْكَ أيَكُونُ لِغَيْرِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وكَانَ أَبْرَهَةُ قَدْ أَجْمَعَ أَنْ يَبْنِيَ الْقُلَّيْسَ حَتَّى يَظْهَرَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَرَى مِنْهُ بَحْرَ عَدَنَ فَقَالَ: لَا أَبْنِي حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا. وأعفا النَّاسَ مِنَ الْعَمَلِ، وتَفْسِيرُ قَوْلِهَا سَاعِي بُهْرٍ تَقُولُ: اضْرِبْ بِمِعْوَلِكَ مَا كَانَ حَدِيدًا، (١) فَانْتَشَرَ خَبَرُ بِنَاءِ أَبْرَهَةَ هَذَا الْبَيْتَ فِي الْعَرَبِ فَدَعَا رَجُلٌ (٢) مِنَ النَّسَاءَةِ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ (٣) فَتَبَيَّنَ مِنْهُمْ فَأَمَرَهُمَا أَنْ يَذْهَبَا إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ الَّذِي بَنَاهُ أَبْرَهَةُ بِصَنْعَاءَ فَيُحْدِثَا فِيهِ فَذَهَبَ بِهِمَا (٤) فَفَعَلَا ذَلِكَ، فَدَخَلَ أَبْرَهَةُ الْبَيْتَ فَرَأَى أَثَرَهُمَا فِيهِ فَقَالَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ فَقِيلَ: رَجُلَانِ مِنَ الْعَرَبِ فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وقَالَ: لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَهْدِمَ بَيْتَهُمُ الَّذِي بِمَكَّةَ. قَالَ: فَسَاقَ الْفِيلَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ لِيَهْدِمَهُ فَكَانَ مِنْ أَمْرِ الْفِيلِ مَا كَانَ. فَلَمْ يَزَلِ الْقُلَّيْسُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى وَلَّى أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْعَبَّاسَ بْنَ الرَّبِيعِ ابن عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيَّ الْيَمَنَ فَذَكَرَ الْعَبَّاسُ مَا فِي الْقُلَّيْسِ مِنَ النَّقْضِ والذَّهَبِ والْفِضَّةِ وعَظَّمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ تُصِيبُ فِيهِ مَالًا كَثِيرًا وكَنْزًا فَتَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى هَدْمِهِ وأَخْذِ مَا فِيهِ فَبَعَثَ إِلَى ابْنٍ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فَاسْتَشَارَهُ فِي هَدْمِهِ وقَالَ: إِنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ قَدْ أَشَارُوا عَلَيَّ أَنْ لَا أَهْدِمَهُ وعَظَّمَ عَلَيَّ أَمْرَ كُعَيْبٍ وذَكَرَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِهِ وأَنَّهُ كَانَ يُكَلِّمُهُمْ ويُخْبِرُهُمْ (٥) بِأَشْيَاءَ مِمَّا يُحِبُّونَ ويَكْرَهُونَ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: كلما بَلَغَكَ بَاطِلٌ وإِنَّمَا كُعَيْبٌ صَنَمٌ مِنْ أَصْنَامِ الْجَاهِلِيَّةِ فُتِنُوا بِهِ فَمُرْ بِالدَّهْلِ - وَهُوَ الطَّبْلُ - وبِمِزْمَارٍ فَلْيَكُونَا قَرِيبًا ثُمَّ أَعْلِهِ الْهَدَّامِينَ، ثُمَّ مُرْهُمْ بِالْهَدْمِ فَإِنَّ الدَّهْلَ والْمِزْمَارَ أَنْشَطُ لَهُمْ، وأَطْيَبُ لِأَنْفُسِهِمْ، وأَنْتَ مُصِيبٌ مِنْ نَقْضِهِ مَالًا عَظِيمًا مَعَ أَنَّكَ تُثَابُ مِنَ الْفَسَقَةِ الَّذِينَ حَرَقُوا غُمْدَانَ وتَكُونُ قَدْ مَحَوْتَ عَنْ

стр. 136

قَوْمِكَ اسْمَ بِنَاءِ الْحَبَشِ وقَطَعْتَ ذِكْرَهُمْ وكَانَ بِصَنْعَاءَ يَهُودِيٌّ عَالِمٌ. قَالَ: فجاء قَبْلَ ذَلِكَ إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الرَّبِيعِ يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ مَلِكًا يَهْدِمُ الْقُلَّيْسَ يَلِي الْيَمَنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَ لَهُ قَوْلُ الْيَهُودِيِّ ومَشُورَةُ بن وهب ابن مُنَبِّهٍ أَجْمَعَ عَلَى هَدْمِهِ .. قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: فَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ قَالَ: شَهِدْتُ الْعَبَّاسَ وهُوَ يَهْدِمُهُ فَأَصَابَ مِنْهُ مَالًا عَظِيمًا ثُمَّ رَأَيْتُهُ دَعَا بِالسَّلَاسِلِ فَعَلَّقَهَا فِي كُعَيْبٍ والْخَشَبَةِ الَّتِي مَعَهُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ فَلَمْ يَقْرَبْهَا أَحَدٌ مَخَافَةً لِمَا كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَقُولُونَ فِيهَا فَدَعَا بِالْوَرْدِيَيْنِ - وهِيَ الْعَجَلُ - فَأَعْلَقَ فِيهَا السَّلَاسِلَ ثُمَّ جَبَذَهَا الثِّيرَانُ وجَبَذَهَا النَّاسُ مَعَهَا (١) حَتَّى أَبْرَزُوهَا مِنَ السُّوَرِ فَلَمَّا أَنْ لَمْ يَرَ النَّاسُ شَيْئًا مِمَّا كَانُوا يَخَافُونَ مِنْ مَضَرَّتِهَا وَثَبَ (٢) رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ كَانَ تَاجِرًا بِصَنْعَاءَ فَاشْتَرَى الْخَشَبَةَ وقَطَعَهَا لِدَارٍ لَهُ فَلَمْ يَلْبَثِ الْعِرَاقِيُّ أَنْ جَذِمَ فَقَالَ رُعَاعُ النَّاسِ هَذَا لِشِرَائِهِ كُعَيْبًا. قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ أَهْلَ صَنْعَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ يَطُوفُونَ بِالْقُلَّيْسِ فَيَلْقُطُونَ مِنْهُ قِطَعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: فَلَمَّا تَحَدَّثَتِ الْعَرَبُ بِكِتَابِ أَبْرَهَةَ بِذَلِكَ إِلَى النَّجَاشِيِّ غَضِبَ رَجُلٌ مِنَ النَّسَاءَةِ أَحَدُ بَنِي فُقَيْمٍ مِنْ بَنِي مَالِكِ ابن كِنَانَةَ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْقُلَّيْسَ فَقَعَدَ فِيهَا - أَيْ أَحْدَثَ فِيهَا - ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى لَحِقَ بِأَرْضِهِ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبْرَهَةُ فَقَالَ: مَنْ صَنَعَ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: صَنَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِي تَحُجُّ الْعَرَبُ إِلَيْهِ بِمَكَّةَ لَمَّا سَمِعَ بِقَوْلِكَ أَصْرِفُ إِلَيْهَا حَاجَّ الْعَرَبِ. فَغَضِبَ فَجَاءَهَا فَقَعَدَ فِيهَا أَيْ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ، فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ أَبْرَهَةُ وحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إِلَى الْبَيْتِ حَتَّى يَهْدِمَهُ. ثُمَّ أَمَرَ الْحَبَشَةَ فَتَهَيَّأَتْ وَتَجَهَّزَتْ ثُمَّ سَارَ وَخَرَجَ بِالْفِيلِ مَعَهُ فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ الْعَرَبُ فَأَعْظَمُوهُ وقَطَعُوا بِهِ ورَأَوْا أَنَّ جِهَادَهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ حِينَ سَمِعُوا أَنَّهُ يُرِيدُ هَدْمَ الْكَعْبَةَ - بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ - فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ الْيَمَنِ وَمُلُوكِهِمْ يقال

стр. 137

لَهُ: ذُو نَفْرٍ. فَدَعَا قَوْمَهُ ومَنْ أَجَابَهُ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ إِلَى حَرْبِ أَبْرَهَةَ والى (١) مُجَاهَدَتِهِ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ (٢) ومَا يُرِيدُ مِنْ هَدْمِهِ وإِخْرَاجِهِ. فَأَجَابَهُ مَنْ أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ، فَقَاتَلَهُ فَهُزِمَ ذُو نَفْرٍ فَأُتِيَ بِهِ أَسِيرًا فَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ قَالَ لَهُ ذُو نَفْرٍ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا تَقْتُلْنِي فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَقَامِي مَعَكَ خَيْرًا لَكَ مِنْ قَتْلِي. فَتَرَكَهُ مِنَ الْقَتْلِ وحَبَسَهُ عِنْدَهُ فِي وَثَاقٍ. وكَانَ أَبْرَهَةُ رَجُلًا حَلِيمًا وَرِعًا ذَا دِينٍ (٣) فِي النَّصْرَانِيَّةِ، ومَضَى أَبْرَهَةُ عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ يُرِيدُ مَا خَرَجَ إِلَيْهِ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ خَثْعَمٍ عَرَضَ لَهُ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ فِي قَبَائِلِ خَثْعَمٍ شَهْرَانَ ونَاهِسٍ (٤) ومَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ فَقَاتَلَهُ فَهَزَمَهُ أَبْرَهَةُ وأُخِذَ لَهُ نُفَيْلٌ أَسِيرًا فَأَتَى بِهِ فَقَالَ لَهُ نُفَيْلٌ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا تَقْتُلْنِي فَإِنِّي دَلِيلُكَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ وهَاتَانِ يَدَايَ عَلَى قَبَائِلِ خَثْعَمٍ شَهْرَانَ ونَاهِسٍ بِالسَّمْعِ والطَّاعَةِ (٥) فَأَعْفَاهُ وخَلَّى سَبِيلَهُ (٦) وخَرَجَ (٧) بِهِ مَعَهُ يَدُلُّهُ حَتَّى إِذَا مَرَّ بِالطَّائِفِ خَرَجَ إِلَيْهِ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّبٍ فِي رِجَالِ ثَقِيفٍ فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّمَا نَحْنُ عَبِيدُكَ سَامِعُونَ لَكَ مُطِيعُونَ ولَيْسَ لَكَ عِنْدَنَا خِلَافٌ ولَيْسَ بَيْتُنَا هَذَا بِالْبَيْتِ الَّذِي تُرِيدُ - يَعْنُونَ اللَّاتَ - إِنَّمَا تُرِيدُ الْبَيْتَ الذي بِمَكَّةَ ونَحْنُ نَبْعَثُ مَعَكَ مَنْ يَدُلُّكَ عَلَيْهِ فَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ وبَعَثُوا مَعَهُ أَبَا رِغَالٍ يَدُلُّهُ عَلَى مَكَّةَ، فَخَرَجَ أَبْرَهَةُ وَمَعَهُ أَبُو رِغَالٍ حَتَّى أَنْزَلَهُمْ بِالْمُغَمَّسِ (٨) فَلَمَّا أَنْزَلَهُ بِهِ مَاتَ أَبُو رِغَالٍ هُنَالِكَ فَرَجَمَتِ الْعَرَبُ قَبْرَهُ فَهُوَ قَبْرُهُ الَّذِي يُرْجَمُ بِالْمُغَمَّسِ وهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفِيِّ:

стр. 138

إِذَا مَاتَ الْفَرَزْدَقُ فَارْجُمُوهُ … كَمَا تَرْمُونَ قَبْرَ أَبِي رِغَالِ فَلَمَّا نَزَلَ أَبْرَهَةُ الْمُغَمَّسَ بَعَثَ رَجُلًا مِنَ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهُ: الْأَسْوَدُ بْنُ مَفْصُودٍ (١) عَلَى خَيْلٍ لَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَّةَ فَسَاقَ إِلَيْهِ أَمْوَالَ أَهْلِ تِهَامَةَ مِنْ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ فَأَصَابَ فِيهَا مِائَتَيْ بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ وهُوَ يَوْمَئِذٍ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وسَيِّدُهَا فَهَمَّتْ قُرَيْشٌ وخُزَاعَةُ وكِنَانَةُ وهُذَيْلٌ ومَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ بِقِتَالِهِ ثُمَّ عَرَفُوا أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ فَتَرَكُوا ذَلِكَ؛ وبَعَثَ أَبْرَهَةُ حِنَاطَةَ الْحِمْيَرِيَّ إِلَى مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ: سَلْ عَنْ سَيِّدِ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ وشَرِيفِهِمْ ثُمَّ قُلْ لَهُمْ: إِنَّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَكُمْ إِنِّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكُمْ إِنَّمَا جِئْتُ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ فَإِنْ لَمْ تَعْرِضُوا لِي بِقِتَالٍ فَلَا حَاجَةَ لِي بِدِمَائِكُمْ فَإِنْ هُوَ لَمْ يُرِدْ حَرْبِي فَأْتِنِي بِهِ. فَلَمَّا دَخَلَ حِنَاطَةُ مَكَّةَ سَأَلَ عَنْ سَيِّدِ قُرَيْشٍ وشَرِيفِهَا فَقِيلَ لَهُ: عَبْدُ الْمُطَّلِبِ. فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ بِمَا قَالَ أَبْرَهَةُ. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: واللَّهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ ومَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ (٢) طَاقَةٍ، هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ وبَيْتُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ ﵇ أَوْ كَمَا قَالَ: فَإِنْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ (٣) فَهُوَ بَيْتُهُ وحَرَمُهُ وإِنْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فَو اللَّهِ مَا عِنْدَنَا دَفْعٌ عَنْهُ (٤). فَقَالَ لَهُ حِنَاطَةُ: فَانْطَلِقْ مَعِي (٥) إِلَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِكَ. فَانْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ومَعَهُ بَعْضُ بَنِيهِ (٦) حَتَّى أَتَى الْعَسْكَرَ فَسَأَلَ عَنْ ذِي نَفْرٍ وكَانَ لَهُ صَدِيقًا حَتَّى دَخَلَ (٧) عَلَيْهِ وهُوَ فِي مَحْبَسِهِ فَقَالَ: يَا ذَا نَفْرٍ، هَلْ عِنْدَكَ مِنْ غَنَاءٍ فِيمَا نَزَلَ بِنَا؟ قَالَ ذُو نَفْرٍ: ومَا غَنَاءُ رَجُلٍ أَسِيرٍ فِي يَدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ بُكْرَةً أَوْ عَشِيَّةً، مَا عِنْدِي

стр. 139

غَنَاءٌ فِي شَيْءٍ مِمَّا نَزَلَ بِكَ إِلَّا أَنَّ أُنَيْسًا (١) سَائِسَ الْفِيلِ صَدِيقٌ لِي فَسَأُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُوصِيهِ بِكَ وأُعْظِمُ عَلَيْهِ حَقَّكَ وأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَكَ عَلَى الْمَلِكِ وتُكَلِّمَهُ (٢) فِيمَا بَدَا لَكَ ويَشْفَعَ لَكَ عِنْدَهُ بِخَيْرٍ إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: حَسْبِي، فَبَعَثَ ذُو نَفْرٍ إِلَى أُنَيْسٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ سَيِّدُ قُرَيْشٍ وصَاحِبُ عِيرِ (٣) مَكَّةَ يُطْعِمُ النَّاسَ بِالسَّهْلِ وَالْجَبَلِ وَالْوُحُوشَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ وَقَدْ أَصَابَ الْمَلِكُ لَهُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ فَاسْتَأْذِنْ لَهُ (٤) عَلَيْهِ وانْفَعْهُ عِنْدَهُ بِمَا اسْتَطَعْتَ فَقَالَ: أَفْعَلُ فَكَلَّمَ أُنَيْسٌ أَبْرَهَةَ فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ بِبَابِكَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ وهُوَ صَاحِبُ عِيرِ (٥) مَكَّةَ (٦) وهُوَ يُطْعِمُ النَّاسَ بِالسَّهْلِ والْجَبَلِ وَالْوُحُوشَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ فَأْذَنْ لَهُ عَلَيْكَ فَلْيُكَلِّمْكَ فِي حَاجَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ أَبْرَهَةُ، وكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَوْسَمَ النَّاسِ وأَعْظَمَهُمْ وأَجْمَلَهُمْ (٧) فَلَمَّا رَآهُ أَبْرَهَةُ أَجَلَّهُ وأَكْرَمَهُ عَنْ أَنْ يُجْلِسَهُ تَحْتَهُ وكَرِهَ أَنْ تَرَاهُ الْحَبَشَةُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ فَنَزَلَ أَبْرَهَةُ عَنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ عَلَى بِسَاطِهِ وأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَيْهِ إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ لَهُ التَّرْجُمَانُ: إِنَّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَكَ: مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ الْمَلِكُ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا لِي فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ أَبْرَهَةُ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: قَدْ كُنْتَ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ ثُمَّ قَدْ زَهِدْتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتَنِي، تُكَلِّمُنِي فِي مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَبْتُهَا لَكَ وتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُكَ ودِينُ آبَائِكَ وقَدْ جِئْتُ لِهَدْمِهِ لَا تُكَلِّمُنِي فِيهِ، قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنِّي أَنَا رَبُّ إِبِلِي وإِنَّ لِلْبَيْتِ رَبًّا سَيَمْنَعُهُ (٨) قَالَ: مَا كَانَ لِيَمْتَنِعَ مِنِّي قَالَ:

стр. 140

أَنْتَ وذَاكَ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وقَدْ كَانَ فِيمَا يَزْعُمُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قد ذَهَبَ مَعَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى أَبْرَهَةَ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِ حِنَاطَةَ الْحِمْيَرِيَّ يَعْمَرُ بْنُ نُفَاثَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الدِّيلِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ. وهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ بَنِي بَكْرٍ وخُوَيْلِدُ بْنُ وَاثِلَةَ الْهُذَلِيُّ وهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ هُذَيْلٍ فَعَرَضُوا عَلَى أَبْرَهَةَ ثُلُثَ أَمْوَالِ تِهَامَةَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ. ولَا يَهْدِمَ الْبَيْتَ فَأَبَى عَلَيْهِمْ. واللَّهُ أَعْلَمُ أكَانَ ذَلِكَ أَمْ لَا. وقَدْ كَانَ ابرهة رَدَّ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الابل التي كان أَصَابَ فَلَمَّا انْصَرَفُوا عَنْهُ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ وأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ والتَّحَرُّزِ فِي شَعَفِ الْجِبَالِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنْ (١) مَعَرَّةِ الْجَيْشِ (٢) ثُمَّ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ. وقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ ويَسْتَنْصِرُونَهُ عَلَى أَبْرَهَةَ وجُنْدِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وهُوَ آخِذٌ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ: يَا رَبِّ إِنَّ الْمَرْءَ يَمْنَعُ … رَحْلَهُ فَامْنَعْ حَلَالَكْ لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ … ومِحَالُهُمْ عَدْوًا مِحَالَكْ إِنْ كُنْتَ تَارِكَهُمْ وق … بلتنا فَأْمُرْ مَا بَدَا لَكْ ولَئِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّهُ … أَمْرٌ يُتِمُّ بِهِ فِعَالَكْ (٣) ثُمَّ أَرْسَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَلْقَةَ بَابِ الْكَعْبَةِ وانْطَلَقَ هُوَ ومَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى شَعَفِ الْجِبَالِ فَتَحَرَّزُوا فِيهَا يَنْتَظِرُونَ مَا أَبْرَهَةُ فَاعِلٌ بِمَكَّةَ إِذَا دَخَلَهَا وقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَيْضًا: قُلْتُ والْأَشْرَمُ تَرْدِي خَيْلُهُ … إِنَّ ذَا الْأَشْرَمَ غَرَّ بِالْحَرَمْ كَادَهُ تُبَّعُ فِيمَا جَنَّدَتْ … حِمْيَرٌ والْحَيُّ مِنْ آلِ قِدَمْ

стр. 141

فأنثنى عنه وفِي أوداجه … حارج (١) امسك منه بالكظم نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ فِي بَلْدَتِهِ … لَمْ يَزَلْ ذَاكَ عَهْدَ إِبْرَاهِيمْ نَعْبُدُ اللَّهَ وفِينَا شِيمَةٌ … صِلَةُ (٢) الْقُرْبَى وإِيفَاءُ الذِّمَمْ إِنَّ لِلْبَيْتِ لَرَبًّا مَانِعًا … مَنْ يُرِدْهُ بِأَثَامٍ يُصْطَلَمْ يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ ﵇. ولَمَّا أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ تَهَيَّأَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وهَيَّأَ فِيلَهُ وعَبَّأَ جَيْشَهُ وكَانَ اسْمُ الْفِيلِ مَحْمُودًا (٣) وأَبْرَهَةُ مُجْمِعٌ لِهَدْمِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ الِانْصِرَافِ إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمَّا وَجَّهُوا الْفِيلَ إِلَى مَكَّةَ أَقْبَلَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِ الْفِيلِ فالتفم أُذُنَهُ فَقَالَ: ابْرُكْ مَحْمُود (٤) وارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْتَ فَإِنَّكَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ، ثُمَّ أَرْسَلَ أُذُنَهُ فَبَرَكَ الْفِيلُ وخَرَجَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ يَشْتَدُّ حَتَّى أَصْعَدَ (٥) فِي الْجَبَلِ وضَرَبُوا الْفِيلَ لَيَقُومَ فَأَبَى فَضَرَبُوا رَأْسَهُ بِالطَّبَرْزِينِ فَأَبَى فَأَدْخَلُوا مَحَاجِنَ لَهُمْ فِي مَرَاقِّهِ فَبَزَغُوهُ (٦) بِهَا لَيَقُومَ فَأَبَى فَوَجَّهُوهُ (٧) رَاجِعًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَامَ يُهَرْوِلُ، ووَجَّهُوهُ إِلَى الشَّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ووَجَّهُوهُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فَوَجَّهُوهُ إِلَى مَكَّةَ فَبَرَكَ، وأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِنَ الْبَحْرِ أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ والْبِلْسَانِ، مَعَ كُلِّ طَيْرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يَحْمِلُهَا، حَجَرٌ (٨) فِي مِنْقَارِهِ وحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ أَمْثَالُ الْحِمَّصِ والْعَدَسِ لَا تُصِيبُ (٩) أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا هَلَكَ، ولَيْسَ كُلَّهُمْ أَصَابَتْ وخَرَجُوا هَارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ الَّتِي مِنْهَا

стр. 142

جَاءُوا وَيَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْلِ بْنِ حَبِيبٍ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ (١) نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ حِينَ رَأَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ نِقْمَتِهِ: أَيْنَ الْمَفَرُّ والْإِلَهُ الطَّالِبُ … والْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبِ وقَالَ نُفَيْلٌ أَيْضًا حِينَ وَلَّوْا وعَايَنُوا مَا نَزَلَ بِهِمْ: ألَا حُيِّيتِ عَنَّا يَا رُدَيْنَا … نَعِمْنَاكُمْ مَعَ الْإِصْبَاحِ عَيْنَا (٢) رُدَيْنَةُ لَوْ رَأَيْتِ ولَنْ تريه (٣) … لدا جَنْبِ الْمُحَصَّبِ مَا رَأَيْنَا إِذًا لَعَذَرْتِنِي وحَمِدْتِ أَمْرِي … ولَمْ تَأْسَيْ عَلَى مَا فَاتَ بَيْنَا حَمِدْتُ اللَّهَ إِذْ عَايَنْتُ (٤) طَيْرًا … وخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا وكُلُّ الْقَوْمِ يَسْأَلُ عَنْ نُفَيْلٍ … كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا فَخَرَجُوا يَتَسَاقَطُونَ بِكُلِّ طَرِيقٍ ويَهْلِكُونَ بِكُلِّ مَهْلِكٍ (٥) عَلَى كُلِّ مَنْهَلٍ، وأُصِيبَ أَبْرَهَةُ فِي جَسَدِهِ وخَرَجُوا بِهِ مَعَهُمْ تَسْقُطُ (٦) أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً كُلَّمَا سَقَطَتْ مِنْهُ أُنْمُلَةٌ اتَّبَعَتْهَا (٧) مِنْهُ مِدَّةٌ تَمُثُّ (٨) قَيْحًا ودَمًا حَتَّى قَدِمُوا بِهِ صَنْعَاءَ وهُوَ مِثْلُ فَرْخِ الطَّائِرِ فَمَا مَاتَ (٩) حَتَّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ فِيمَا يَزْعُمُونَ. وأَقَامَ بِمَكَّةَ فِلَالٌ مِنَ الْجَيْشِ وعُسَفَاءُ (١٠) وبَعْضُ مَنْ ضَمَّهُ الْعَسْكَرُ، فَكَانُوا بِمَكَّةَ

стр. 143

يَعْتَمِلُونَ ويَرْعَوْنَ لِأَهْلِ مَكَّةَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عتبة ابن الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّ أَوَّلَ مَا رُؤِيَتِ (١) الْحَصْبَةُ والْجُدَرِيُّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ ذَلِكَ الْعَامَ. وأَنَّهُ أَوَّلُ مَا رُؤِيَ (٢) بِهَا مِنْ مَرَايِرِ الشَّجَرِ الْحَرْمَلِ والْحَنْظَلُ والْعُشْرُ (٣) مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ، قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وقَالَ (٤) بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ إِنَّهُ أَوَّلُ مَا كَانَتْ بِمَكَّةَ حَمَامُ الْيَمَامِ، حَمَامُ (٥) مَكَّةَ الْحَرَمِيَّةِ ذَلِكَ الزَّمَانَ، يُقَالُ: إِنَّهَا مِنْ نَسْلِ الطَّيْرِ الَّتِي رَمَتْ أَصْحَابَ الْفِيلِ حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ مِنْ جُدَّةَ، ولَمَّا هَلَكَ أَبْرَهَةُ، مَلَكَ الْحَبَشَةَ ابْنُهُ (٦) يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ وبِهِ كَانَ يُكْنَى. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ يَكْسُومَ أَخُوهُ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ، وهُوَ الَّذِي قَتَلَتْهُ الْفُرْسُ حِينَ جَاءَهُمْ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ، وكَانَ آخِرَ مُلُوكِ الْحَبَشَةِ وكَانُوا أَرْبَعَةً فَجَمِيعُ مَا مَلَكُوا أَرْضَ الْيَمَنِ مِنْ حِينِ دَخَلُوهَا إِلَى أَنْ قُتِلُوا ثَلَاثِينَ سَنَةً (٧) ولَمَّا رَدَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ مَكَّةَ الْحَبَشَةَ وأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ النِّقْمَةِ أَعْظَمَتِ الْعَرَبُ قُرَيْشًا وقَالُوا: أَهْلُ اللَّهِ قَاتَلَ عَنْهُمْ وكَفَاهُمْ مئونة عَدُوِّهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ الْأَشْعَارَ يَذْكُرُونَ (٨) فِيهَا مَا صَنَعَ (٩) اللَّهُ بِالْحَبَشَةِ ومَا دَفَعَ عَنْ قُرَيْشٍ مِنْ كَيْدِهِمْ ويَذْكُرُونَ الْأَشْرَمَ والْفِيلَ ومَسَاقَهُ إِلَى الْحَرَمِ، ومَا أَرَادَ مِنْ هَدْمِ الْبَيْتِ واسْتِحْلَالِ حُرْمَتِهِ. • قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ

стр. 144

زُرَارَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: رَأَيْتُ قَائِدَ الْفِيلِ وسَائِسَهُ (١) بمكة أَعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمَانِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا قُتِلَتِ الْحَبَشُ وَرَجَعَ الْمَلِكُ إِلَى حِمْيَرَ سُرَّتْ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْعَرَبِ لِرُجُوعِ الْمُلْكِ فِيهَا وهَلَاكِ الْحَبَشَةِ، فَخَرَجَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ جَمِيعُهَا لِتَهْنِئَةِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ، فَخَرَجَ وَفْدُ قُرَيْشٍ، ووَفْدُ ثَقِيفٍ، وعَجُزُ هَوَازِنَ وهُمْ نَصْرٌ وجُشَمُ وسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ ومَعَهُمْ وَفْدُ عَدْوَانَ وفَهْمٍ (٢) ابْنَيْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ فِيهِمْ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّبٍ، ووَفْدُ غَطَفَانَ، ووَفْدُ تَمِيمٍ، وأَسَدٍ، ووَفْدُ (٣) قَبَائِلِ قُضَاعَةَ والْأَزْدِ فَأَجَازَهُمْ وأَكْرَمَهُمْ وفَضَّلَ قُرَيْشًا عَلَيْهِمْ فِي الْجَائِزَةِ لِمَكَانِهِمْ فِي الْحَرَمِ وجِوَارِهِمْ بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى. • قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكْرِ بْنِ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ الرَّبَعِيُّ مَوْلَى قَيْسِ (٤) بْنِ ثَعْلَبَةَ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا ظَفِرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ بِالْحَبَشَةِ وذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ بسنتين أَتَاهُ وُفُودُ الْعَرَبِ وأَشْرَافُهَا وشُعَرَاؤُهَا لِتُهَنِّئَهُ وتَمْدَحَهُ وتَذْكُرَ مَا كَانَ مِنْ بَلَائِهِ وطَلَبِهِ بِثَأْرِ قَوْمِهِ، فَأَتَاهُ وَفْدُ قُرَيْشٍ وفِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وأُمَيَّةُ ابن عَبْدِ شَمْسٍ، وخُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ فِي نَاسٍ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ مِنْ (٥) أَهْلِ مَكَّةَ فَأَتَوْهُ بِصَنْعَاءَ وهُوَ فِي قَصْرٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ غُمْدَانُ، وهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِرُ أَبُو الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ: لَا تَطْلُبِ (٦) الثَّأْرَ إِلَّا كَابْنِ ذِي يَزَنٍ … خَيَّمَ فِي الْبَحْرِ لِلْأَعْدَاءِ أَحْوَالَا (٧)

стр. 145

أَتَى هِرَقْلًا (١) وقَدْ شَالَتْ نَعَامَتُهُمْ (٢) … فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ النَّصْرَ (٣) الَّذِي سَالَا ثُمَّ انْتَحَى نَحْوَ كِسْرَى بَعْدَ عَاشِرَةٍ … مِنَ السِّنِينَ يُهِينُ النَّفْسَ والْمَالَا حَتَّى أَتَى بِبَنِي الْأَحْرَارِ يَقْدُمُهُمْ (٤) … تَخَالُهُمْ فَوْقَ مَتْنِ الْأَرْضِ أَجْبَالَا بِيضٌ مَرَازِبَةٌ غُلْبٌ أَسَاوِرَةٌ … أُسْدٌ يُرَبِّينَ فِي الْغَيْضَاتِ أَشْبَالَا لِلَّهِ دَرُّهُمُ مِنْ فِتْيَةٍ صُبُرٍ (٥) … مَا إِنْ رَأَيْتُ لَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْثَالَا لَا يَضْجَرُونَ وإِنْ حُزَّتْ (٦) مَغَافِرُهُمْ … ولَا نَرَى مِنْهُمُ فِي الطَّعْنِ مَيَّالَا (٧) أَرْسَلْتَ أُسْدًا عَلَى سُودِ الْكِلَابِ فَقَدْ … أَضْحَى شَرِيدُهُمُ فِي النَّاسِ فَلَّالَا فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْكَ التَّاجُ مُرْتَفِعًا … فِي رَأْسِ غُمْدَانَ دَارًا مِنْكَ مِحْلَالَا تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قُعْبَانَ مِنْ لَبَنٍ … شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا (٨) بَعْدُ أَبْوَالَا فالتطّ بالمسك إِذَا شَالَتْ نَعَامَتُهُمْ … وأَسْبِلِ الْيَوْمَ فِي بُرْدَيْكَ إِسْبَالَا فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُمْ فَإِذَا … الْمَلِكُ مُتَضَمِّخٌ بِالْعَنْبَرِ يَلْصُفُ (٩) ووَمِيضُ (١٠) الْمِسْكِ مِنْ مَفْرِقِهِ إِلَى قَدَمِهِ (١١) وسَيْفُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ يَسَارِهِ الْمُلُوكُ وأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ فَدَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَاسْتَأْذَنَ فِي الْكَلَامِ فَقَالَ لَهُ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ: إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ فَقَدْ أَذِنَّا لَكَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَحِلًّا رَفِيعًا،
следующие страницы →