← Книги сунны

Книги сунны · id 9621

أخبار مكة - الأزرقي - ت ملحس

الأزرقي

Полный текст (721 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فأنثنى عنه وفِي أوداجه … حارج (١) امسك منه بالكظم نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ فِي بَلْدَتِهِ … لَمْ يَزَلْ ذَاكَ عَهْدَ إِبْرَاهِيمْ نَعْبُدُ اللَّهَ وفِينَا شِيمَةٌ … صِلَةُ (٢) الْقُرْبَى وإِيفَاءُ الذِّمَمْ إِنَّ لِلْبَيْتِ لَرَبًّا مَانِعًا … مَنْ يُرِدْهُ بِأَثَامٍ يُصْطَلَمْ يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ ﵇. ولَمَّا أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ تَهَيَّأَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وهَيَّأَ فِيلَهُ وعَبَّأَ جَيْشَهُ وكَانَ اسْمُ الْفِيلِ مَحْمُودًا (٣) وأَبْرَهَةُ مُجْمِعٌ لِهَدْمِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ الِانْصِرَافِ إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمَّا وَجَّهُوا الْفِيلَ إِلَى مَكَّةَ أَقْبَلَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِ الْفِيلِ فالتفم أُذُنَهُ فَقَالَ: ابْرُكْ مَحْمُود (٤) وارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْتَ فَإِنَّكَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ، ثُمَّ أَرْسَلَ أُذُنَهُ فَبَرَكَ الْفِيلُ وخَرَجَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ يَشْتَدُّ حَتَّى أَصْعَدَ (٥) فِي الْجَبَلِ وضَرَبُوا الْفِيلَ لَيَقُومَ فَأَبَى فَضَرَبُوا رَأْسَهُ بِالطَّبَرْزِينِ فَأَبَى فَأَدْخَلُوا مَحَاجِنَ لَهُمْ فِي مَرَاقِّهِ فَبَزَغُوهُ (٦) بِهَا لَيَقُومَ فَأَبَى فَوَجَّهُوهُ (٧) رَاجِعًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَامَ يُهَرْوِلُ، ووَجَّهُوهُ إِلَى الشَّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ووَجَّهُوهُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فَوَجَّهُوهُ إِلَى مَكَّةَ فَبَرَكَ، وأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِنَ الْبَحْرِ أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ والْبِلْسَانِ، مَعَ كُلِّ طَيْرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يَحْمِلُهَا، حَجَرٌ (٨) فِي مِنْقَارِهِ وحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ أَمْثَالُ الْحِمَّصِ والْعَدَسِ لَا تُصِيبُ (٩) أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا هَلَكَ، ولَيْسَ كُلَّهُمْ أَصَابَتْ وخَرَجُوا هَارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ الَّتِي مِنْهَا

стр. 142

جَاءُوا وَيَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْلِ بْنِ حَبِيبٍ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ (١) نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ حِينَ رَأَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ نِقْمَتِهِ: أَيْنَ الْمَفَرُّ والْإِلَهُ الطَّالِبُ … والْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبِ وقَالَ نُفَيْلٌ أَيْضًا حِينَ وَلَّوْا وعَايَنُوا مَا نَزَلَ بِهِمْ: ألَا حُيِّيتِ عَنَّا يَا رُدَيْنَا … نَعِمْنَاكُمْ مَعَ الْإِصْبَاحِ عَيْنَا (٢) رُدَيْنَةُ لَوْ رَأَيْتِ ولَنْ تريه (٣) … لدا جَنْبِ الْمُحَصَّبِ مَا رَأَيْنَا إِذًا لَعَذَرْتِنِي وحَمِدْتِ أَمْرِي … ولَمْ تَأْسَيْ عَلَى مَا فَاتَ بَيْنَا حَمِدْتُ اللَّهَ إِذْ عَايَنْتُ (٤) طَيْرًا … وخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا وكُلُّ الْقَوْمِ يَسْأَلُ عَنْ نُفَيْلٍ … كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا فَخَرَجُوا يَتَسَاقَطُونَ بِكُلِّ طَرِيقٍ ويَهْلِكُونَ بِكُلِّ مَهْلِكٍ (٥) عَلَى كُلِّ مَنْهَلٍ، وأُصِيبَ أَبْرَهَةُ فِي جَسَدِهِ وخَرَجُوا بِهِ مَعَهُمْ تَسْقُطُ (٦) أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً كُلَّمَا سَقَطَتْ مِنْهُ أُنْمُلَةٌ اتَّبَعَتْهَا (٧) مِنْهُ مِدَّةٌ تَمُثُّ (٨) قَيْحًا ودَمًا حَتَّى قَدِمُوا بِهِ صَنْعَاءَ وهُوَ مِثْلُ فَرْخِ الطَّائِرِ فَمَا مَاتَ (٩) حَتَّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ فِيمَا يَزْعُمُونَ. وأَقَامَ بِمَكَّةَ فِلَالٌ مِنَ الْجَيْشِ وعُسَفَاءُ (١٠) وبَعْضُ مَنْ ضَمَّهُ الْعَسْكَرُ، فَكَانُوا بِمَكَّةَ

стр. 143

يَعْتَمِلُونَ ويَرْعَوْنَ لِأَهْلِ مَكَّةَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عتبة ابن الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّ أَوَّلَ مَا رُؤِيَتِ (١) الْحَصْبَةُ والْجُدَرِيُّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ ذَلِكَ الْعَامَ. وأَنَّهُ أَوَّلُ مَا رُؤِيَ (٢) بِهَا مِنْ مَرَايِرِ الشَّجَرِ الْحَرْمَلِ والْحَنْظَلُ والْعُشْرُ (٣) مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ، قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وقَالَ (٤) بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ إِنَّهُ أَوَّلُ مَا كَانَتْ بِمَكَّةَ حَمَامُ الْيَمَامِ، حَمَامُ (٥) مَكَّةَ الْحَرَمِيَّةِ ذَلِكَ الزَّمَانَ، يُقَالُ: إِنَّهَا مِنْ نَسْلِ الطَّيْرِ الَّتِي رَمَتْ أَصْحَابَ الْفِيلِ حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ مِنْ جُدَّةَ، ولَمَّا هَلَكَ أَبْرَهَةُ، مَلَكَ الْحَبَشَةَ ابْنُهُ (٦) يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ وبِهِ كَانَ يُكْنَى. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ يَكْسُومَ أَخُوهُ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ، وهُوَ الَّذِي قَتَلَتْهُ الْفُرْسُ حِينَ جَاءَهُمْ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ، وكَانَ آخِرَ مُلُوكِ الْحَبَشَةِ وكَانُوا أَرْبَعَةً فَجَمِيعُ مَا مَلَكُوا أَرْضَ الْيَمَنِ مِنْ حِينِ دَخَلُوهَا إِلَى أَنْ قُتِلُوا ثَلَاثِينَ سَنَةً (٧) ولَمَّا رَدَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ مَكَّةَ الْحَبَشَةَ وأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ النِّقْمَةِ أَعْظَمَتِ الْعَرَبُ قُرَيْشًا وقَالُوا: أَهْلُ اللَّهِ قَاتَلَ عَنْهُمْ وكَفَاهُمْ مئونة عَدُوِّهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ الْأَشْعَارَ يَذْكُرُونَ (٨) فِيهَا مَا صَنَعَ (٩) اللَّهُ بِالْحَبَشَةِ ومَا دَفَعَ عَنْ قُرَيْشٍ مِنْ كَيْدِهِمْ ويَذْكُرُونَ الْأَشْرَمَ والْفِيلَ ومَسَاقَهُ إِلَى الْحَرَمِ، ومَا أَرَادَ مِنْ هَدْمِ الْبَيْتِ واسْتِحْلَالِ حُرْمَتِهِ. • قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ

стр. 144

زُرَارَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: رَأَيْتُ قَائِدَ الْفِيلِ وسَائِسَهُ (١) بمكة أَعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمَانِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا قُتِلَتِ الْحَبَشُ وَرَجَعَ الْمَلِكُ إِلَى حِمْيَرَ سُرَّتْ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْعَرَبِ لِرُجُوعِ الْمُلْكِ فِيهَا وهَلَاكِ الْحَبَشَةِ، فَخَرَجَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ جَمِيعُهَا لِتَهْنِئَةِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ، فَخَرَجَ وَفْدُ قُرَيْشٍ، ووَفْدُ ثَقِيفٍ، وعَجُزُ هَوَازِنَ وهُمْ نَصْرٌ وجُشَمُ وسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ ومَعَهُمْ وَفْدُ عَدْوَانَ وفَهْمٍ (٢) ابْنَيْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ فِيهِمْ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّبٍ، ووَفْدُ غَطَفَانَ، ووَفْدُ تَمِيمٍ، وأَسَدٍ، ووَفْدُ (٣) قَبَائِلِ قُضَاعَةَ والْأَزْدِ فَأَجَازَهُمْ وأَكْرَمَهُمْ وفَضَّلَ قُرَيْشًا عَلَيْهِمْ فِي الْجَائِزَةِ لِمَكَانِهِمْ فِي الْحَرَمِ وجِوَارِهِمْ بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى. • قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكْرِ بْنِ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ الرَّبَعِيُّ مَوْلَى قَيْسِ (٤) بْنِ ثَعْلَبَةَ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا ظَفِرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ بِالْحَبَشَةِ وذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ بسنتين أَتَاهُ وُفُودُ الْعَرَبِ وأَشْرَافُهَا وشُعَرَاؤُهَا لِتُهَنِّئَهُ وتَمْدَحَهُ وتَذْكُرَ مَا كَانَ مِنْ بَلَائِهِ وطَلَبِهِ بِثَأْرِ قَوْمِهِ، فَأَتَاهُ وَفْدُ قُرَيْشٍ وفِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وأُمَيَّةُ ابن عَبْدِ شَمْسٍ، وخُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ فِي نَاسٍ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ مِنْ (٥) أَهْلِ مَكَّةَ فَأَتَوْهُ بِصَنْعَاءَ وهُوَ فِي قَصْرٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ غُمْدَانُ، وهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِرُ أَبُو الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ: لَا تَطْلُبِ (٦) الثَّأْرَ إِلَّا كَابْنِ ذِي يَزَنٍ … خَيَّمَ فِي الْبَحْرِ لِلْأَعْدَاءِ أَحْوَالَا (٧)

стр. 145

أَتَى هِرَقْلًا (١) وقَدْ شَالَتْ نَعَامَتُهُمْ (٢) … فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ النَّصْرَ (٣) الَّذِي سَالَا ثُمَّ انْتَحَى نَحْوَ كِسْرَى بَعْدَ عَاشِرَةٍ … مِنَ السِّنِينَ يُهِينُ النَّفْسَ والْمَالَا حَتَّى أَتَى بِبَنِي الْأَحْرَارِ يَقْدُمُهُمْ (٤) … تَخَالُهُمْ فَوْقَ مَتْنِ الْأَرْضِ أَجْبَالَا بِيضٌ مَرَازِبَةٌ غُلْبٌ أَسَاوِرَةٌ … أُسْدٌ يُرَبِّينَ فِي الْغَيْضَاتِ أَشْبَالَا لِلَّهِ دَرُّهُمُ مِنْ فِتْيَةٍ صُبُرٍ (٥) … مَا إِنْ رَأَيْتُ لَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْثَالَا لَا يَضْجَرُونَ وإِنْ حُزَّتْ (٦) مَغَافِرُهُمْ … ولَا نَرَى مِنْهُمُ فِي الطَّعْنِ مَيَّالَا (٧) أَرْسَلْتَ أُسْدًا عَلَى سُودِ الْكِلَابِ فَقَدْ … أَضْحَى شَرِيدُهُمُ فِي النَّاسِ فَلَّالَا فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْكَ التَّاجُ مُرْتَفِعًا … فِي رَأْسِ غُمْدَانَ دَارًا مِنْكَ مِحْلَالَا تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قُعْبَانَ مِنْ لَبَنٍ … شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا (٨) بَعْدُ أَبْوَالَا فالتطّ بالمسك إِذَا شَالَتْ نَعَامَتُهُمْ … وأَسْبِلِ الْيَوْمَ فِي بُرْدَيْكَ إِسْبَالَا فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُمْ فَإِذَا … الْمَلِكُ مُتَضَمِّخٌ بِالْعَنْبَرِ يَلْصُفُ (٩) ووَمِيضُ (١٠) الْمِسْكِ مِنْ مَفْرِقِهِ إِلَى قَدَمِهِ (١١) وسَيْفُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ يَسَارِهِ الْمُلُوكُ وأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ فَدَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَاسْتَأْذَنَ فِي الْكَلَامِ فَقَالَ لَهُ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ: إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ فَقَدْ أَذِنَّا لَكَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَحِلًّا رَفِيعًا،

стр. 146

صَعْبًا، مَنِيعًا، شَامِخًا، بَاذِخًا، وأَنْبَتَكَ مَنْبَتًا طَابَتْ أَرُومَتُهُ، وعَزَّتْ جرثومته، وثَبَتَ أَصْلُهُ، وبَسَقَ فَرْعُهُ، فِي أَكْرَمِ مَعْدِنٍ، وأَطْيَبِ مَوْطِنٍ، وأَنْتَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ رَأْسُ الْعَرَبِ، ورَبِيعُهَا الَّذِي تُخْصَبُ بِهِ، وأَنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ رَأْسُ الْعَرَبِ الَّذِي لَهُ تَنْقَادُ (١) وعَمُودُهَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعِمَادُ، ومَعْقِلُهَا الَّذِي تَلْجَأُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ، سَلَفُكَ خَيْرُ سَلَفٍ، وأَنْتَ لَنَا مِنْهُمْ خَيْرُ خَلَفٍ (٢) فَلَنْ يَخْمَدْ (٣) ذِكْرُ مَنْ أَنْتَ سَلَفُهُ، ولَنْ يَهْلِكَ مَنْ أَنْتَ خَلَفُهُ (٤) أَيُّهَا الْمَلِكُ نَحْنُ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وسَدَنَةُ بَيْتِهِ أَشْخَصَنَا إِلَيْكَ الَّذِي أَبْهَجَنَا لِكَشْفِكَ الْكَرْبَ الَّذِي فَدَحَنَا فَنَحْنُ وَفْدُ التَّهْنِئَةِ لَا وَفْدُ الْمُرْزِئَةِ (٥)، قَالَ: وأَيُّهُمْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. قَالَ: ابْنُ أُخْتِنَا! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ادْنُ، فَأَدْنَاهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وعَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: مَرْحَبًا وأَهْلًا ونَاقَةً ورَحْلًا، ومُسْتَنَاخًا سَهْلًا، ومَلِكًا رِبَحْلًا (٦) يُعْطِي عَطَاءً جَزْلًا، قَدْ سَمِعَ الْمَلِكُ مَقَالَتَكُمْ، وَعَرَفَ قَرَابَتَكُمْ، وَقَبِلَ وسِيلَتَكُمْ فَأَنْتُمْ أَهْلُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، ولَكُمُ الْكَرَامَةُ مَا أَقَمْتُمْ، والْحِبَاءُ إِذَا ظَعَنْتُمْ؛ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: انْهَضُوا إِلَى دَارِ الضِّيَافَةِ والْوُفُودِ، فَأَقَامُوا شَهْرًا لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ ولَا يَأْذَنُ لَهُمْ فِي الِانْصِرَافِ، قَالَ وأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْأَنْزَالَ ثُمَّ انْتَبَهَ لَهُمُ انْتِبَاهَةً (٧) فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فأدناه وأخلا مَجْلِسَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ إِنِّي مُفَوِّضٌ إِلَيْكَ مِنْ سِرِّ عِلْمِي أَمْرًا لَوْ غَيْرُكَ يَكُونُ لَمْ أَبُحْ بِهِ لَهُ، ولَكِنِّي وَجَدْتُكَ مَعْدِنَهُ فَأَطْلَعْتُكَ طَلْعَهُ (٨)

стр. 147

ولْيَكُنْ عِنْدَكَ مَطْوِيًّا حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ بَالِغٌ فِيهِ أَمْرَهُ، إِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ، والْعِلْمِ الْمَخْزُونِ، الَّذِي اخْتَرْنَاهُ (١) لِأَنْفُسِنَا واحْتَجَنَّاهُ دُونَ غَيْرِنَا، خَبَرًا (٢) جَسِيمًا، وخَطَرًا عَظِيمًا فِيهِ شَرَفٌ لِلْحَيَاةِ، وفَضِيلَةٌ لِلنَّاسِ (٣) عَامَّةً ولِرَهْطِكَ كَافَّةً (٤) ولَكَ خَاصَّةً، قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ مِثْلُكَ سَرَّ، وبَرَّ فَمَا هُوَ فِدَاكَ أَهْلُ الْوَبَرِ والْمَدَرِ زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ، قَالَ: فَإِذَا وُلِدَ بِتِهَامَةَ غُلَامٌ بِهِ عَلَامَةٌ، كَانَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ، ولَكُمْ بِهِ الزِّعَامَةُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ لَهُ (٥) عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ لَقَدْ أَتَيْتَ بِخَبَرٍ مَا آبَ بِمِثْلِهِ وَافِدُ قَوْمٍ، ولَولَا هَيْبَةُ الْمَلِكِ وإِعْظَامُهُ وإِجْلَالُهُ لَسَأَلْتُهُ مِنْ سَارَّةِ آبَائِي مَا أَزْدَادُ بِهِ سُرُورًا، فَإِنْ رَأَى الْمَلِكُ أَنْ يُخْبِرَنِي بِإِفْصَاحٍ فَقَدْ أَوْضَحَ لِي بَعْضَ الْإِيضَاحِ، قَالَ: هَذَا حِينُهُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ أَوْ قَدْ وُلِدَ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ، يَمُوتُ أَبُوهُ وأُمُّهُ ويَكْفُلُهُ جَدُّهُ وعَمُّهُ، وقَدْ ولدناه (٦) مِرَارًا واللَّهُ بَاعِثُهُ جِهَارًا، وجَاعِلٌ لَهُ مِنَّا أَنْصَارًا، يُعِزُّ بِهِمْ أَوْلِيَاءَهُ، ويُذِلَّ بِهِمْ أَعْدَاءَهُ، ويَضْرِبُ بِهِمُ النَّاسَ عِنْ عَرَضٍ، ويَسْتَبِيحُ بِهِمْ كَرَائِمَ الْأَرْضِ، يعبد الرحمن، ويدخر (٧) الشَّيْطَانَ، ويَكْسِرُ الْأَوْثَانَ ويُخْمِدُ النِّيرَانَ، قَوْلُهُ فَصْلٌ (٨)، وحُكْمُهُ عَدْلٌ، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ ويَفْعَلُهُ، ويَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ويُبْطِلُهُ، قَالَ: فَخَرَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَاجِدًا فَقَالَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، ثَلَجَ صَدْرُكَ، وعَلَا كَعْبُكَ، فَهَلْ احست (٩) مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ

стр. 148

كَانَ لِي ابْنٌ وكُنْتُ بِهِ مُعْجَبًا وعَلَيْهِ رَفِيقًا فَزَوَّجْتُهُ كَرِيمَةٌ مِنْ كَرَائِمِ قَوْمِهِ، آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ فَجَاءَتْ بِغُلَامٍ سَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، مَاتَ أَبُوهُ وأُمُّهُ وكَفَلْتُهُ أَنَا وعَمُّهُ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ، وفِيهِ كلما ذكرت من علامة، قَالَ لَهُ: والْبَيْتِ ذِي الْحُجُبِ. والْعَلَامَاتِ عَلَى النُّصُبِ، إِنَّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَجَدُّهُ غَيْرَ الْكَذِبِ، وإِنَّ (١) الَّذِي قُلْتَ، لَكَمَا قُلْتُ فَاحْتَفِظْ بِابْنِكَ واحْذَرْ عَلَيْهِ مِنَ (٢) الْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ لَهُ أَعْدَاءٌ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلًا، فَاطْوِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ دُونَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ مَعَكَ، فَإِنِّي لَسْتُ آمَنُ أَنْ تَدْخُلَهُمُ النَّفَاسَةُ، مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ الرئاسة فَيَبْتَغُونَ (٣) لَكَ الْغَوَايِلَ، وَيَنْصِبُونَ لَكَ الحبائل، وهُمْ فَاعِلُونَ أَوْ أَبْنَاؤُهُمْ ولَولَا أَنَّ الْمَوْتَ مُجْتَاحِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ لَسِرْتُ بِخَيْلِي ورَجِلِي، حَتَّى أَصِيرَ بِيَثْرِبَ (٤) دَارِ مَمْلَكَتِهِ (٥)، فَإِنِّي (٦) أَجِدُ فِي الْكِتَابِ النَّاطِقِ، والْعِلْمِ السَّابِقِ، أَنَّ بِيَثْرِبَ (٧) اسْتِحْكَامَ أَمْرِهِ، وأَهْلَ نَصْرِهِ، ومَوْضِعَ قَبْرِهِ، ولَولَا أَنِّي أَقِيهِ الْآفَاتِ، وأَحْذَرُ عَلَيْهِ الْعَاهَاتِ، لَأَوْطَأْتُ أَسْنَانَ الْعَرَبِ كَعْبَهُ، ولَأَعْلَيْتُ عَلَى حَدَاثَةِ (٨) سِنِّهِ ذِكْرَهُ، ولَكِنِّي صَارِفٌ ذَلِكَ إِلَيْكَ، عَنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ بِمَنْ مَعَكَ، ثُمَّ أَمَرَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِمِائَةٍ (٩) مِنَ الْإِبِلِ وعَشَرَةِ أَعْبُدٍ، وعَشْرِ إِمَاءٍ، وعَشَرَةِ أَرْطَالِ ذَهَبٍ، وعَشَرَةِ أَرْطَالِ فِضَّةٍ وكِرْشٍ (١٠) مملوة عنبرا

стр. 149

وأَمَرَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِعَشَرَةِ أَضْعَافِ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ لَهُ (١): ايْتِنِي بخبره، ومَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ، فَمَاتَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ، وكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَغْبِطْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ بِجَزِيلِ عَطَاءِ الْمَلِكِ فَإِنَّهُ إِلَى نَفَادٍ، ولَكِنْ لِيَغْبِطْنِي بِمَا يَبْقَى لِي ولِعَقِبِي شَرَفُهُ وذِكْرُهُ وفَخْرُهُ فَإِذَا قِيلَ لَهُ: ومَا ذَاكَ؟ يَقُولُ: سَتَعْلَمُنَّ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. وفِي ذَلِكَ يَقُولُ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ: جَلَبْنَا النُّصْحَ نَحْقِبُهَا الْمَطَايَا … إِلَى أَكْوَارِ أَجْمَالٍ ونُوقِ مُغَلْغَلَةٍ مَرَاتِعُهَا تَعَالَى … إِلَى صَنْعَاءَ مِنْ فَجٍّ عَمِيقِ تَؤُمُّ بِنَا ابْنَ ذِي يَزَنَ وتَفْرِي … ذَوَاتُ بُطُونِهَا أُمَّ الطَّرِيقِ ونَرْعَى (٢) مِنْ مَخَايِلِهَا بُرُوقًا … مُوَاقِفَةَ الْوَمِيضِ إِلَى بُرُوقِ ولَمَّا وَافَقَتْ (٣) صَنْعَاءَ صَارَتْ … بِدَارِ الْمُلْكِ والْحَسَبِ الْعَرِيقِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْفِيلَ ومَا صَنَعَ بِأَصْحَابِهِ فَقَالَ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾ إِلَى آخِرِهَا ولَوْ لَمْ يَنْطِقِ الْقُرْآنُ به لَكَانَ فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاطِئَةِ والْأَشْعَارِ الْمُتَظَاهِرَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ والْإِسْلَامِ حُجَّةٌ وبَيَانٌ لِشُهْرَتِهِ ومَا كَانَتِ الْعَرَبُ تُؤَرِّخُ بِهِ، فَكَانُوا يُؤَرِّخُونَ فِي كُتُبِهِمْ ودُيُونِهِمْ مِنْ سَنَةِ الْفِيلِ، وفِيهَا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ تَزَلْ قُرَيْشٌ والْعَرَبُ بِمَكَّةَ جَمِيعًا تُؤَرِّخُ بِعَامِ الْفِيلِ، ثُمَّ أَرَّخَتْ بِعَامِ الْفِجَارِ، ثُمَّ أَرَّخَتْ بِبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ فَلَمْ تَزَلْ تُؤَرِّخُ بِهِ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَأَرَّخَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَامِ الْهِجْرَةِ، ولَقَدْ بَلَغَ مِنْ شُهْرَةِ أَمْرِ الْفِيلِ وصُنْعِ اللَّهِ بِأَصْحَابِهِ واسْتِفَاضَةِ ذَلِكَ فِيهِمْ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَلَى حَدَاثَةِ سِنِّهَا: لَقَدْ رَأَيْتُ قَائِدَ الْفِيلِ وسَائِسَهُ أَعْمَيَيْنِ بِبَطْنِ مَكَّةَ يَسْتَطْعِمَانِ وقَدْ ذَكَرَ (٤) غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَحْدَاثِ قُرَيْشٍ أَنَّهُ رَآهُمَا أَعْمَيَيْنِ.

стр. 150

مَا جَاءَ فِي شَوَاهِدِ الشِّعْرِ فِي ذَلِكَ قَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ الْغَنَوِيُّ وهُوَ جَاهِلِيٌّ (١): تَرْعَى مَذَانِبَ وسْمِيٍّ أَطَاعَ لَهَا … بِالْجِزْعِ (٢) حَيْثُ عَصَى أَصْحَابَهُ الْفِيلُ وقَالَ صَيْفِيُّ بْنُ عَامِرٍ، وهُوَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ الْخَزْرَجِيُّ وهُوَ جاهلي يعنى قريشا: قُومُوا فَصَلُّوا رَبَّكُمْ وتَعَوَّذُوا (٣) … بِأَرْكَانِ هَذَا الْبَيْتِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ (٤) فَعِنْدَكُمُ مِنْهُ بَلَاءٌ ومَصْدَقٌ … غَدَاةَ أَبِي يَكْسُومَ هَادِي (٥) الْكَتَائِبِ فَلَمَّا أَجَازُوا بَطْنَ نَعْمَانَ (٦) رَدَّهُمْ … جُنُودُ الْمَلِيكِ (٧) بَيْنَ سَافٍ وحَاصِبِ فَوَلَّوْا سِرَاعًا نَادِمِينَ ولَمْ يَؤُبْ … إِلَى أَهْلِهِ بِالْجَيْشِ (٨) غَيْرُ عَصَائِبِ وقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ: ومِنْ صُنْعِهِ يَوْمَ فِيلِ الحبو … ش إِذْ كُلُّ مَا بَعَثُوهُ رَزَمْ

стр. 151

مَحَاجِنُهُم تَحْتَ أَقْرَابِهِ … وقَدْ كَلَمُوا أَنْفَهُ بِالْخَزَمْ (١) وقَدْ جَعَلُوا سَوْطَهُ مِغْوَلًا … إِذَا يَمَّمُوهُ قَفَاهُ كَلَمْ فَأَرْسَلَ مِنْ فَوْقِهِمْ حَاصِبًا … يَلُفُّهُمُ (٢) مِثْلَ لَفِّ الْقَزَمْ (٣) يَحُثُّ عَلَى الطَّيْرِ أَجْنَادَهُمْ (٤) … وقَدْ ثَأَجُوا كَثُؤَاجِ الْغَنَمْ وقَالَ أَبُو الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ وهُوَ جَاهِلِيٌّ: إِنَّ آيَاتِ رَبِّنَا بَيِّنَاتٌ … مَا يُمَارِي فِيهِنَّ (٥) إِلَّا كَفُورُ حبس الفيل بالمعمس حَتَّى … ظَلَّ يَحْبُو كَأَنَّهُ مَعْقُورُ وَاضِعًا (٦) حَلْقَةَ الْجِرَانِ كَمَا … قَطَرَ صَخْرٌ مِنْ كَبْكَبٍ مَحْدُورُ وقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو (٧) بْنِ مَخْزُومٍ: أَنْتَ حَبَسْتَ الْفِيلَ بِالْمُغَمَّسْ … حَبَسْتَهُ كَأَنَّهُ مُكَرْدَسْ مِنْ بَعْدَ مَا هُمْ بِشَرِّ مَحْبَسْ (٨) … بِمَحْبَسٍ ترهق فيه الانفس وَقْتٌ بثاث (٩) رَبَّنَا ألَم تَدْنَسْ … يَا وَاهِبَ الْحَيِّ الْجَمِيعِ الْأَحْمَسْ ومَا لَهُمْ (١٠) مِنْ طَارِقٍ ومَنْفَسْ … وجَارُهُ مِثْلُ الْجَوَارِي الْكُنَّسْ أَنْتَ لَنَا فِي كُلِّ أَمْرٍ مُضَرِّسْ … وفِي هَنَاتٍ أَخَذَتْ بِالْأَنْفُسْ

стр. 152

وقَالَ ابْنُ أُذَيْنَةَ الثقفي: لَعَمْرُكَ مَا لِلْفَتَى مِنْ مَفَرٍّ … مَعَ الْمَوْتِ يَلْحَقُهُ والْكِبَرْ لَعَمْرُكَ مَا لِلْفَتَى عَصْرَةٌ … لَعَمْرُكَ مَا إِنْ لَهُ مِنْ وَزَرْ أَبْعَدَ قَبَائِلَ مِنْ حِمْيَرٍ … أَتَوْا ذَاتَ صُبْحٍ بِذَاتِ الْعِبَرْ بِأَلْفٍ أُلُوفٍ وحَرَّابَةٍ … كَمِثْلِ السَّمَاءِ قُبَيْلَ الْمَطَرْ يَصُمُّ صُرَاخُهُمُ (١) الْمُقْرِبَاتِ … يُنَفُّونَ مَنْ قَاتَلُوا بِالذَّفَرْ (٢) سُعَالَى مِثْلُ عَدِيدِ التُّرَابِ … تَيَبَّسَ مِنْهَا رِطَابُ الشَّجَرْ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ بِنَاءِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ • حَدَّثَني أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خَيْثَمٍ الْقَارِيُّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ: يَا خَالِ حَدَّثَنِي عَنْ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ قَبْلَ أَنْ بَنَتْهَا (٣) قُرَيْشٌ قَالَ: كَانَتْ بِرَضْمٍ يَابِسٍ لَيْسَ بِمَدَرٍ تَنْزُوهُ الْعَنَاقُ وتُوضَعُ الْكِسْوَةُ عَلَى الْجَدْرِ ثُمَّ تُدَلَّى، ثُمَّ إِنَّ سَفِينَةً لِلرُّومِ أَقْبَلَتْ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِالشُّعَيْبَةِ (٤) وهِيَ (٥) يَوْمَئِذٍ سَاحِلُ مَكَّةَ قَبْلَ جُدَّةَ فَانْكَسَرَتْ فَسَمِعَتْ بِهَا قُرَيْشٌ فَرَكِبُوا إِلَيْهَا وأَخَذُوا خَشَبَهَا ورُومِيًّا كَانَ فِيهَا (٦) يُقَالُ لَهُ بَاقُومُ (٧) نَجَّارًا بَنَّاءً، فَلَمَّا قَدِمُوا بِهِ

стр. 153

مَكَّةَ قَالُوا: لَوْ بَنَيْنَا بَيْتَ رَبِّنَا فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ ونَقَلُوا الْحِجَارَةَ من (١) الضَّوَاحِي فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُهَا مَعَهُمْ إِذِ انْكَشَفَتْ نمرته (٢) فَنُودِيَ يَا مُحَمَّدُ عَوْرَتَكَ فَذَلِكَ أَوَّلُ مَا نُودِيَ واللَّهُ أَعْلَمُ، فَمَا رُؤِيَتْ لَهُ عَوْرَةٌ بَعْدَهَا، فَلَمَّا جَمَعُوا الْحِجَارَةَ وهَمُّوا بِنَقْضِهَا، خَرَجَتْ لَهُمْ حَيَّةٌ سَوْدَاءُ الظَّهْرِ، بَيْضَاءُ الْبَطْنِ لَهَا رَأْسٌ مِثْلُ رَأْسِ الْجَدْيِ تَمْنَعُهُمْ كُلَّمَا أَرَادُوا هَدْمَهَا، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اعْتَزَلُوا عِنْدَ الْمَقَامِ وهُوَ يَوْمَئِذٍ فِي مَكَانِهِ الْيَوْمَ ثُمَّ قَالُوا: رَبَّنَا أَرَدْنَا عِمَارَةَ بَيْتِكَ فَرَأَوْا طَائِرًا أَسْوَدُ ظَهْرُهُ، أَبْيَضُ بَطْنُهُ، أَصْفَرَ الرِّجْلَيْنِ أَخَذَهَا فَجَرَّهَا حَتَّى أَدْخَلَهَا أَجْيَاد ثُمَّ هَدَمُوهَا وبَنَوْهَا (٣) عِشْرِينَ ذِرَاعًا طُولَهَا، قَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: فَاسْتَقْصَرَتْ قُرَيْشٌ لِقِصَرِ الْخَشَبِ فَتَرَكُوا مِنْهَا فِي الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ وشِبْرًا. • قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَلَسَ عُمَرُ ابن الْخَطَّابِ ﵁ فِي الْحِجْرِ وأَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ قَدِيمٍ فَسَأَلَهُ عَنْ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا تَقَوَّتْ فِي بِنَائِهَا فَعَجَزُوا واسْتَقْصَرُوا فَبَنَوْا وتَرَكُوا بَعْضَهَا فِي الْحِجْرِ فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ. • قَالَ (٤): حَدَّثَنِي مَهْدِيُّ بْنُ أَبِي الْمَهْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الصَّنْعَانِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحُلُمَ أَجْمَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ فَطَارَتْ شَرَارَةٌ (٥) مِنْ مجمرتها فِي ثِيَابِ الْكَعْبَةِ فَاحْتَرَقَتْ (٦) فَوَهَا الْبَيْتُ لِلْحَرِيقِ الَّذِي أَصَابَهُ فَتَشَاغَلَتْ قُرَيْشٌ فِي هَدْمِ الْكَعْبَةِ فَهَابُوا هَدْمَهَا فَقَالَ لَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أتُرِيدُونَ بِهَدْمِهَا الْإِصْلَاحَ أَمِ الْإِسَاءَةَ؟ قَالُوا:

стр. 154

بَلْ نُرِيدُ الْإِصْلَاحَ قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُهْلِكُ الْمُصْلِحِينَ، قَالُوا: مَنِ الَّذِي يَعْلُوهَا (١) فَيَهْدِمُهَا؟ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَنَا أَعْلُوهَا فَأَهْدِمُهَا فَارْتَقَى الْوَلِيدُ عَلَى جَدْرِ (٢) الْبَيْتِ ومَعَهُ الْفَأْسُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ، ثُمَّ هَدَمَ فَلَمَّا رَأَتْ (٣) قُرَيْشٌ مَا هَدَمَ مِنْهَا ولَمْ يَأْتِهِمْ مَا يَخَافُونَ مِنَ الْعَذَابِ هَدَمُوا مَعَهُ حَتَّى إِذَا بَنَوْا فَبَلَغُوا مَوْضِعَ الرُّكْنِ اخْتَصَمَتْ قُرَيْشٌ فِي الرُّكْنِ أَيُّ الْقَبَائِلِ تَلِي رَفْعَهُ حَتَّى كَادَ (٤) يُشْتَجَرُ بَيْنَهُمْ فَقَالُوا: تَعَالَوْا نُحَكِّمْ أَوَّلَ مَنْ يَطْلُعُ عَلَيْنَا مِنْ هَذِهِ السِّكَّةِ فَاصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ فَطَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهُوَ غُلَامٌ عَلَيْهِ وِشَاحَا نَمِرَةٍ فَحَكَّمُوهُ فَأَمَرَ بِالرُّكْنِ فَوُضِعَ فِي ثَوْبٍ ثُمَّ أَمَرَ سَيِّدَ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَأَعْطَاهُ نَاحِيَةَ الثَّوْبِ ثُمَّ ارْتَقَى وأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْفَعُوهُ إِلَيْهِ فَرَفَعُوهُ إِلَيْهِ وكَانَ هُوَ الَّذِي وَضَعَهُ. • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ ابن خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَلَسَ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِيهِمْ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى ومَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَتَذَاكَرُوا بُنْيَانَ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ ومَا هَاجَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وذَكَرُوا كَيْفَ كَانَ بِنَاؤُهَا قَبْلَ ذَلِكَ قَالُوا: كَانَتِ الْكَعْبَةُ مَبْنِيَّةً بِرَضْمٍ يَابِسٍ لَيْسَ بِمَدَرٍ وكَانَ بَابُهَا بِالْأَرْضِ ولَمْ يَكُنْ لَهَا سَقْفٌ وإِنَّمَا تُدَلَّى الْكِسْوَةُ عَلَى الْجَدْرِ مِنْ خَارِجٍ وتُرْبَطُ مِنْ اعلا الْجَدْرِ مِنْ بَطْنِهَا وكَانَ فِي بَطْنِ الْكَعْبَةِ عَنْ يَمِينِ مَنْ دَخَلَهَا جُبٌّ يَكُونُ فِيهِ مَا يُهْدَى إِلَى الْكَعْبَةِ مِنْ مَالٍ وحِلْيَةٍ كَهَيْئَةِ الْخِزَانَةِ وكَانَ يَكُونُ عَلَى ذَلِكَ الْجُبِّ حَيَّةٌ تَحْرُسُهُ بَعَثَهَا اللَّهُ مُنْذُ زَمَنِ جُرْهُمٍ وذَلِكَ أَنَّهُ عَدَا عَلَى ذَلِكَ الْجُبِّ قَوْمٌ مِنْ جُرْهُمٍ فَسَرَقُوا مَالَهَا وحِلْيَتَهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَبَعَثَ اللَّهُ تِلْكَ الْحَيَّةَ فَحَرَسَتِ الْكَعْبَةَ ومَا فِيهَا خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَنَتْ قُرَيْشٌ

стр. 155

الْكَعْبَةَ (١) وكَانَ قَرْنَا الْكَبْشِ الَّذِي ذَبَحَهُ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ مُعَلَّقَيْنِ فِي بطنها بالجدر تلقا مَنْ دَخَلَهَا، يُخْلَقَانِ ويُطَيَّبَانِ إِذَا طُيِّبَ الْبَيْتُ فَكَانَ فِيهَا مَعَالِيقُ مِنْ حِلْيَةٍ كَانَتْ تُهْدَى إِلَى الْكَعْبَةِ (٢) فَكَانَتْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا ثُمَّ إِنَّ امْرَأَةً ذَهَبَتْ تُجَمِّرُ الْكَعْبَةَ فَطَارَتْ مِنْ مَجْمَرَتِهَا شَرَارَةٌ (٣) فَاحْتَرَقَتْ (٤) كِسْوَتُهَا وكَانَتِ الْكِسْوَةُ عَلَيْهَا رُكَامًا بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ فَلَمَّا احْتَرَقَتِ (٥) الْكَعْبَةُ تَوَهَّنَتْ جُدْرَانُهَا (٦) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وتَصَدَّعَتْ وكَانَتِ الْخِرَفُ الْأَرْبَعَةُ عَلَيْهِمْ (٧) مُظَلِّلَةً وَالسُّيُولُ مُتَوَاتِرَةً، وَلِمَكَّةَ سُيُولٌ عَوَارِمُ فَجَاءَ سَيْلٌ عَظِيمٌ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ (٨) فَدَخَلَ الْكَعْبَةَ وصَدَعَ جُدْرَانَهَا (٩) وأَخَافَهُمْ فَفَزِعَتْ مِنْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ فَزَعًا شَدِيدًا وهَابُوا هَدْمَهَا وخَشُوا إِنْ مَسُّوهَا أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ قَالَ: فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ يَتَنَاظَرُونَ (١٠) وَيَتَشَاوَرُونَ إِذْ أَقْبَلَتْ سَفِينَةٌ لِلرُّومِ (١١) حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِالشُّعَيْبَةِ وهِيَ يَوْمَئِذٍ سَاحِلُ مَكَّةَ قَبْلَ جُدَّةَ انْكَسَرَتْ فَسَمِعَتْ بِهَا قُرَيْشٌ فَرَكِبُوا إِلَيْهَا فَاشْتَرَوْا خَشَبَهَا وأَذِنُوا لِأَهْلِهَا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فَيَبِيعُونَ مَا مَعَهُمْ مِنْ مَتَاعِهِمْ عَلَى أَنْ لَا يَعْشُرُوهُمْ. قَالَ: وكَانُوا يَعْشُرُونَ مَنْ دَخَلَهَا مِنْ تُجَّارِ الرُّومِ كَمَا كَانَتِ الرُّومُ تَعْشُرُ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ بِلَادَهَا، فَكَانَ فِي السَّفِينَةِ رُومِيٌّ نَجَّارٌ بَنَّاءٌ يُسَمَّى باقوم فلما قَدِمُوا بِالْخَشَبِ مَكَّةَ قَالُوا: لَوْ بَنَيْنَا بَيْتَ رَبِّنَا فَأَجْمَعُوا لِذَلِكَ وتَعَاوَنُوا عَلَيْهِ

стр. 156

وتَرَافَدُوا فِي النَّفَقَةِ ورَبَّعُوا قَبَائِلَ قُرَيْشٍ أَرْبَاعًا ثُمَّ اقْتَرَعُوا عِنْدَ هُبَلَ فِي بطن الْكَعْبَةِ عَلَى جَوَانِبِهَا فَطَار قَدَحُ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وبَنِي زُهْرَةَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فِيهِ الْبَابُ وهُوَ الشَّرْقِيُّ وقَدَحُ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وبَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَلَى الشِّقِّ الَّذِي يَلِي الْحَجَرَ وهُوَ الشِّقُّ الشَّامِيُّ وطَارَ قَدَحُ بَنِي سَهْمٍ (١) وبَنِي جُمَحَ وبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ وهُوَ الشِّقُّ الْغَرْبِيُّ وطَارَ قَدَحُ بَنِي تيم (٢) وبَنِي مَخْزُومٍ وقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ ضُمُّوا مَعَهُمْ عَلَى الشِّقِّ الْيَمَانِيِّ الَّذِي يَلِي الصَّفَا وأَجْيَاد، فَنَقَلُوا الْحِجَارَةَ ورَسُولُ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ عَلَى رَقَبَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ يَنْقُلُهَا إِذِ انْكَشَفَتْ نَمِرَةٌ كَانَتْ عَلَيْهِ فَنُودِيَ يَا مُحَمَّدُ عَوْرَتَكَ وذَلِكَ أَوَّلُ مَا نُودِيَ واللَّهُ أَعْلَمُ فَمَا رُؤِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَوْرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ ولَبَجَ (٣) رسول الله مِنَ الْفَزَعِ حِينَ نُودِيَ، فَأَخَذَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: لَوْ جَعَلْتَ بَعْضَ نَمِرَتِكَ عَلَى عَاتِقِكَ تَقِيكَ الْحِجَارَةَ، قَالَ: مَا أَصَابَنِي هَذَا (٤) إِلَّا مِنَ التَّعَرِّي، فَشَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِزَارَهُ وجَعَلَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ وكَانُوا يَنْقُلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ تَبَرُّرًا وتَبَرُّكًا بِالْكَعْبَةِ (٥). فَلَمَّا اجْتَمَعَ لَهُمْ مَا يُرِيدُونَ مِنَ الْحِجَارَةِ والْخَشَبِ ومَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ عدوا على هدمها فخرجت الْحَيَّةُ الَّتِي كَانَتْ فِي بَطْنِهَا تَحْرُسُهَا (٦) سَوْدَاءُ الظَّهْرِ، بَيْضَاءُ الْبَطْنِ، رَأْسُهَا مِثْلُ رَأْسِ الْجَدْيِ، تَمْنَعُهُمْ كُلَّمَا أَرَادُوا هَدْمَهَا، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اعْتَزَلُوا عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ وهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ فَقَالَ لَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: يا قوم ألَسْتُمْ تُرِيدُونَ بِهَدْمِهَا الْإِصْلَاحَ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُهْلِكُ

стр. 157

الْمُصْلِحِينَ ولَكِنْ لَا تُدْخِلُوا فِي عِمَارَةَ بَيْتِ رَبِّكُمْ إِلَّا مِنْ طَيِّبِ اموالكم ولَا تُدْخِلُوا فِيهِ مَالًا مِنْ رِبًا، ولَا مَالًا مِنْ مَيْسِرٍ، ولَا مَهْرَ بَغِيٍّ، وجَنِّبُوهُ الْخَبِيثَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا فَفَعَلُوا ثُمَّ وَقَفُوا عِنْدَ الْمَقَامِ فَقَامُوا يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ويَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لَكَ فِي هَدْمِهَا رِضًا فَأَتِمَّهُ واشْغَلْ عَنَّا هَذَا الثُّعْبَانَ فَأَقْبَلَ طَائِرٌ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الْعُقَابِ ظَهْرُهُ أَسْوَدُ، وبَطْنُهُ أَبْيَضُ، ورِجْلَاهُ صَفْرَاوَانِ والْحَيَّةُ عَلَى جَدْرِ الْبَيْتِ فَاغِرَةٌ فَاهَا (١) فَأَخَذَ بِرَأْسِهَا ثُمَّ طَارَ بِهَا حَتَّى أَدْخَلَهَا أَجْيَاد الصَّغِيرَ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّا لنرجوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ رَضِيَ عَمَلَكُمْ وقَبِلَ نَفَقَتَكُمْ فَاهْدِمُوهُ، فَهَابَتْ قُرَيْشٌ هَدْمَهُ وَقَالُوا: مَنْ يَبْدَأُ فَيَهْدِمُهُ؟ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فِي هَدْمِهِ، أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَإِنْ أَصَابَنِي أَمْرٌ كَانَ قَدْ دَنَا أَجَلِي وإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ لَمْ يَرْزَأْنِي (٢) فَعَلَا الْبَيْتَ وفِي يَدِهِ عَتَلَةٌ يَهْدِمُ (٣) بِهَا فَتَزَعْزَعَ مِنْ تَحْتِ رِجْلِهِ حَجَرٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَمْ تُرَعْ؟ (٤) إِنَّمَا أَرَدْنَا الْإِصْلَاحَ وجَعَلَ يَهْدِمُهُ حَجَرًا حَجَرًا بِالْعَتَلَةِ فَهَدَمَ يَوْمَهُ ذَلِكَ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَنْزِلَ (٥) بِهِ الْعَذَابُ إِذَا أَمْسَى. فَلَمَّا أَمْسَى، لَمْ تَرَ (٦) بَأْسًا فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ (٧) غَادِيًا عَلَى عَمَلِهِ فَهَدَمَتْ قُرَيْشٌ مَعَهُ حَتَّى بَلَغُوا الْأَسَاسَ الْأَوَّلَ الَّذِي (٨) رَفَعَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ وإِسْمَاعِيلُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ فَأَبْصَرُوا حِجَارَةً كَأَنَّهَا الْإِبِلُ الخلف (٩) لَا يُطِيقُ الْحَجَرَ مِنْهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا، يُحَرَّكُ (١٠) الْحَجَرُ مِنْهَا

стр. 158

فَتَرْتَجُّ (١) جَوَانِبُهَا، قَدْ تَشَبَّكَ (٢) بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَأَدْخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَتَلَتَهُ بَيْنَ الْحَجَرَيْنِ فَانْفَلَقَتْ مِنْهُ فَلْقَةٌ عَظِيمَةٌ فَأَخَذَهَا أَبُو وَهْبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ فَنَزَتْ (٣) مِنْ يَدِهِ حَتَّى عَادَتْ فِي مَكَانِهَا وطَارَتْ مِنْ تَحْتِهَا بَرْقَةٌ كَادَتْ أَنْ تَخْطَفَ أَبْصَارَهُمْ ورَجَفَتْ مَكَّةُ بِأَسْرِهَا؛ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَمْسَكُوا عَنْ أَنْ يَنْظُرُوا مَا تَحْتَ ذَلِكَ فَلَمَّا جَمَعُوا (٤) مَا أَخْرَجُوا مِنَ النَّفَقَةِ قَلَّتِ النَّفَقَةُ عَنْ أَنْ تَبْلُغَ لَهُمْ عِمَارَةَ الْبَيْتِ كُلِّهِ فَتَشَاوَرُوا فِي ذَلِكَ فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَقْصُرُوا عَنِ الْقَوَاعِدِ ويَحْجُرُوا مَا يَقْدِرُونَ (٥) عَلَيْهِ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ ويَتْرُكُوا بَقِيَّتَهُ فِي الْحِجْرِ عَلَيْهِ جِدَارٌ مُدَارٍ يَطُوفُ النَّاسُ مِنْ وَرَائِهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ وبَنَوْا فِي بَطْنِ الْكَعْبَةِ أَسَاسًا يَبْنُونَ عَلَيْهِ مِنْ شِقِّ الْحِجْرِ وتَرَكُوا مِنْ وَرَائِهِ مِنْ فِنَاءِ (٦) الْبَيْتِ فِي الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ وشِبْرًا فَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ فِي بِنَائِهَا قَالُوا: ارْفَعُوا بَابَهَا مِنَ الْأَرْضِ واكْبِسُوهَا حَتَّى لَا تَدْخُلَهَا السُّيُولُ ولَا ترقا إِلَّا بِسُلَّمٍ ولَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مَنْ أَرَدْتُمْ إِنْ كَرِهْتُمْ أَحَدًا دَفَعْتُمُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وبَنَوْهَا بِسَافٍ مِنْ حِجَارَةٍ، وسَافٍ مِنْ خَشَبٍ بَيْنَ الْحِجَارَةِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَوْضِعِ الرُّكْنِ فَاخْتَلَفُوا فِي وَضْعِهِ وكَثُرَ الْكَلَامُ فِيهِ وتَنَافَسُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ وزُهْرَةَ: هُوَ فِي الشِّقِّ الَّذِي وَقَعَ لَنَا وقَالَتْ تَيْمٌ ومَخْزُومٌ: هُوَ فِي الشِّقِّ الَّذِي وَقَعَ لَنَا (٧) وقَالَتْ سَائِرُ الْقَبَائِلِ: لَمْ يَكُنِ الرُّكْنُ مِمَّا اسْتَهَمْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ: يَا قَوْمِ إِنَّمَا ارادنا الْبِرَّ، ولَمْ نُرِدِ الشَّرَّ فَلَا تَحَاسَدُوا، ولَا تَنَافَسُوا فَإِنَّكُمْ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ تَشَتَّت أُمُورُكُمْ، وطَمِعَ فِيكُمْ غَيْرُكُمْ ولَكِنْ حَكِّمُوا بَيْنَكُمْ أَوَّلَ مَنْ يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ

стр. 159

مِنْ هَذَا الْفَجِّ، قَالُوا: رَضِينَا وسَلَّمْنَا، فَطَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقالوا: هذا الْأَمِينُ قَدْ رَضِينَا بِهِ، فَحَكَّمُوهُ، فَبَسَطَ رِدَاءَهُ ثُمَّ وَضَعَ فِيهِ الرُّكْنَ فَدَعَا مِنْ كُلِّ رُبْعٍ رَجُلًا فَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الثَّوْبِ فَكَانَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وكَانَ فِي الرُّبُعِ الثَّانِي أَبُو زَمْعَةَ بْنُ الْأَسْوَدِ، وكَانَ أَسَنَّ الْقَوْمِ، وفِي الرُّبُعِ الثَّالِثِ الْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ، وفِي الرُّبُعِ الرَّابِعِ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَرَفَعَ الْقَوْمُ الرُّكْنَ وقَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْجَدْرِ ثُمَّ وَضَعَهُ بِيَدِهِ فَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ لِيُنَاوِلَ النَّبِيَّ ﷺ حَجَرًا لِيَشُدَّ بِهِ الرُّكْنَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: لا. ل الْعَبَّاسُ النَّبِيَّ ﷺ حَجَرًا فَشَدَّ بِهِ الرُّكْنَ فَغَضِبَ النَّجْدِيُّ حَيْثُ نُحِّيَ فَقَالَ النَّجْدِيُّ: وَا عَجَبَاهُ لِقَوْمٍ أَهْلِ شَرَفٍ وعُقُولٍ وسِنٍّ وأَمْوَالٍ عَمَدُوا إِلَى أَصْغَرِهِمْ سِنًّا، وأَقَلِّهِمْ مَالًا فَرَأَسُوهُ عَلَيْهِمْ فِي مَكْرَمَتِهِمْ وحَوْزِهِمْ كَأَنَّهُمْ خَدَمٌ لَهُ أَمَا واللَّهِ لَيَفُوتَنَّهُمْ سَبْقًا ولَيَقْسِمَنَّ عَلَيْهِمْ حُظُوظًا وجُدُودًا ويُقَالُ: إِنَّهُ إِبْلِيسُ، فَبَنَوْا حَتَّى رَفَعُوا أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وشِبْرًا ثُمَّ كَبَسُوهَا (١) ووَضَعُوا بَابَهَا مُرْتَفِعًا عَلَى هَذَا الذَّرْعِ ورَفَعُوهَا (٢) بِمِدْمَاكِ خَشَبٍ ومِدْمَاكِ حِجَارَةٍ حَتَّى بَلَغُوا السَّقْفَ (٣). فَقَالَ لَهُمْ بَاقُومُ الرُّومِيُّ: أتُحِبُّونَ أَنْ تَجْعَلُوا سَقْفَهَا مُكَبَّسًا أَوْ مُسَطَّحًا؟ فَقَالُوا: بَلِ ابْنِ بَيْتَ رَبِّنَا مُسَطَّحًا. قَالَ: فَبَنَوْهُ مُسَطَّحًا وجَعَلُوا فِيهِ سِتَّ دَعَائِمَ فِي صَفَّيْنِ فِي (٤) كُلِّ صَفٍّ ثَلَاثُ دَعَائِمَ مِنَ الشِّقِّ الشَّامِيِّ الَّذِي يَلِي الْحَجَرَ إِلَى الشِّقِّ الْيَمَانِيِّ وجَعَلُوا ارْتِفَاعَهَا مِنْ خَارِجِهَا مِنَ الْأَرْضِ إِلَى أَعْلَاهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ تِسْعَةَ أَذْرُعٍ فَزَادَتْ قُرَيْشٌ فِي ارْتِفَاعِهَا فِي السَّمَاءِ تِسْعَةَ أَذْرُعٍ أُخَرَ وبَنَوْهَا مِنْ أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلِهَا بِمِدْمَاكٍ مِنْ حِجَارَةٍ ومِدْمَاكٍ مِنْ خَشَبٍ وكَانَ الْخَشَبُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِدْمَاكًا والْحِجَارَةُ سِتَّةَ عَشَرَ مِدْمَاكًا وجَعَلُوا مِيزَابَهَا يَسْكُبُ فِي الْحِجْرِ وجَعَلُوا دَرَجَةً

стр. 160

مِنْ خَشَبٍ فِي بَطْنِهَا فِي الرُّكْنِ الشَّامِيِّ يُصْعَدُ مِنْهَا إِلَى ظَهْرِهَا، وزَوَّقُوا سقفها وجُدْرَانَهَا مِنْ بَطْنِهَا ودَعَائِمِهَا وجَعَلُوا فِي دَعَائِمِهَا (١) صُوَرَ الْأَنْبِيَاءِ، وصُوَرَ (٢) الشَّجَرِ، وَصُوَرَ (٣) الْمَلَائِكَةِ فَكَانَ فِيهَا صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ شَيْخٍ يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ، وصُورَةُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وأُمِّهِ، وصُورَةُ الْمَلَائِكَةِ ﵈ أَجْمَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ الْفَضْلَ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَجَاءَ بِمَاءِ زَمْزَمَ (٤) ثُمَّ أَمَرَ بِثَوْبٍ وأَمَرَ بِطَمْسِ تِلْكَ الصُّوَرِ، فَطُمِسَتْ. قَالَ: ووَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى صُورَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وأُمِّهِ ﵉ وقَالَ: امْحُوا جَمِيعَ الصُّوَرِ إِلَّا مَا تَحْتَ يَدَيَّ فَرَفَعَ يَدَيْهِ عَنْ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وأُمِّهِ (٥) ونَظَرَ إِلَى صُورَةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ:

стр. 161

قَاتَلَهُمُ اللَّهُ جَعَلُوهُ يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ مَا (١) لِإِبْرَاهِيمَ ولِلْأَزْلَامِ، وجَعَلُوا لها بَابًا وَاحِدًا فَكَانَ يُغْلَقُ ويُفْتَحُ، وكَانُوا قَدْ أَخْرَجُوا مَا كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنْ حِلْيَةٍ ومَالٍ وقَرْنَيِ الْكَبْشِ وجَعَلُوهُ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ وأَخْرَجُوا هُبَلَ وكَانَ عَلَى الْجُبِّ الَّذِي فِيهِ نَصَبَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ هُنَالِكَ ونَصَبَ عِنْدَ الْمَقَامِ حَتَّى فَرَغُوا مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ فَرَدُّوا ذَلِكَ الْمَالَ فِي الْجُبِّ وعَلَّقُوا فِيهِ الْحِلْيَةَ وقَرْنَيِ الْكَبْشِ ورَدُّوا الْجُبَّ فِي مَكَانِهِ

стр. 162

فِيمَا يَلِي الشِّقَّ الشَّامِيَّ ونَصَبُوا هُبَلَ عَلَى الْجُبِّ كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وجعلوا لَهُ سُلَّمًا يُصْعَدُ عَلَيْهِ (١) إِلَى بَطْنِهَا وكَسَوْهَا حِينَ فَرَغُوا مِنْ بِنَائِهَا حِبَرَاتٍ يمانية. • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ (٢) ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى قَالَ: كَانَتْ فِي الْكَعْبَةِ حَلَقٌ أَمْثَالُ لُجُمِ الْبَهْمِ يُدْخِلُ الْخَائِفُ فِيهَا يَدَهُ فَلَا يُرِيبُهُ أَحَدٌ فَجَاءَ خَائِفٌ لِيُدْخِلَ يَدَهُ فَاجْتَبَذَهُ (٣) رَجُلٌ فَشُلَّتْ يَدُهُ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ وإِنَّهُ لَأَشَلُّ. • وحَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الشَّامِيُّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ وأَنَا أَسْمَعُ أَدْرَكْتَ فِي الْبَيْتِ تِمْثَالَ مَرْيَمَ وعِيسَى قَالَ: نَعَمْ أَدْرَكْتُ فِيهَا تِمْثَالَ مَرْيَمَ مُزَوَّقًا فِي حِجْرِهَا عِيسَى ابْنُهَا قَاعِدًا مُزَوَّقًا. قَالَ: وكَانَتْ فِي الْبَيْتِ أَعْمِدَةُ سِتِّ سواري وصفها كَمَا نَقَطْتُ فِي هَذَا التَّرْبِيعِ قَالَ: وكَانَ تِمْثَالُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ (٤) ومَرْيَمَ ﵉ فِي الْعَمُودِ الَّذِي يَلِي الْبَابَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَتَى هَلَكَ؟ قَالَ: فِي الْحَرِيقِ فِي عَصْرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وقُلْتُ: أعَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كان؟ قال: لَا أَدْرِي وإِنِّي لَأَظُنُّهُ قَدْ كَانَ (٥) عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال له سليمان:

стр. 163

أفَرَأَيْتَ تَمَاثِيلَ صُوَرٍ كَانَتْ فِي الْبَيْتِ، مَنْ طَمَسَهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي غَيْرَ أَنِّي أَدْرَكْتُ مِنْ تِلْكِ الصُّوَرِ اثْنَتَيْنِ دَرْسَهُمَا وأَرَاهُمَا والطَّمْسُ عَلَيْهِمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ثُمَّ عَاوَدْتُ عَطَاءً بَعْدَ حِينٍ فَخَطَّ لِي سِتَّ سواري كَمَا خَطَطْتُ ثُمَّ قَالَ: تِمْثَالُ عِيسَى وأُمِّهِ ﵉ فِي الْوُسْطَى مِنَ اللَّاتِي تَلِينَ (١) الْبَابَ الَّذِي يَلِينَا إِذَا دَخَلْنَا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الَّذِي خَطَّ هَذَا التَّرْبِيعَ ونَقَطَ هَذَا النَّقْطَ. • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ فِي بَطْنِ الْكَعْبَةِ قَبْلَ أَنْ تُهْدَمَ تِمْثَالَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وأُمِّهِ. • وحَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ الْحَجَبَةِ عَنْ مُسَافِعِ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا شَيْبَةُ امْحُ كُلَّ صُورَةٍ فِيهِ إِلَّا مَا تَحْتَ يَدِي قَالَ: فَرَفَعَ يَدَهُ عَنْ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وأُمِّهِ. • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الشَّعْثَاءِ يَقُولُ: إِنَّمَا يُكْرَهُ مَا فِيهِ الرُّوحُ، قَالَ عَمْرٌو: أَنْ يُصْنَعَ التِّمْثَالُ عَلَى مَا فِيهِ الرُّوحُ فَأَمَّا الشَّجَرُ ومَا لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ فَلَا. • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الصُّوَرِ وأَمَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ زَمَنَ (٢) الْفَتْحِ أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ فَيَمْحُوَ مَا فِيهِ مِنْ صُورَةٍ ولَمْ يَدْخُلْهُ حَتَّى مُحِيَ. • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ (٣) عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلِ الْكَعْبَةَ حَتَّى أَمَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْ يَطْمِسَ عَلَى كُلِّ صُورَةٍ فِيهَا،. • حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عِيَاضِ ابن جُعْدُبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وفِيهَا صُوَرُ (٤)

стр. 164

الْمَلَائِكَةِ وغَيْرِهَا فَرَأَى صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ جَعَلُوهُ شَيْخًا يستقسم بِالْأَزْلَامِ، ثُمَّ رَأَى صُورَةَ مَرْيَمَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وقَالَ: امْحُوا مَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ إِلَّا صُورَةَ مَرْيَمَ. • أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ وغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ قَدْ جَعَلَتْ فِي الْكَعْبَةِ صُوَرًا فِيهَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ومَرْيَمُ ﵉. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَقِرٍ: إِنَّ امْرَأَةً مِنْ غَسَّانَ حَجَّتْ فِي حَاجِّ الْعَرَبِ فَلَمَّا رَأَتْ صُورَةَ مَرْيَمَ فِي الْكَعْبَةِ قَالَتْ: بِأَبِي وأُمِّي إِنَّكِ لَعَرَبِيَّةٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَمْحُوا (١) تِلْكَ الصُّوَرَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ صُورَةِ عِيسَى ومَرْيَمَ. • حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ ابن الزُّبَيْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ (٢) بِمِحْجَنٍ فِي يَدِهِ فَلَمَّا قَضَى طَوَافَهُ دعى عثمان بن طَلْحَةَ فَأَخَذَ مِنْهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ فَفُتِحَتْ لَهُ فَدَخَلَهَا فَوَجَدَ فِيهَا حَمَامَةً مِنْ عِيدَانٍ فطرحها. • حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البيت فَإِذَا فِيهِ صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ ﵉ وأَحْسِبُهُ قَالَ: والْكَبْشِ أَوْ رَأْسِ الْكَبْشِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْحُوهَا قَالَ: فَمَا دَخَلَ حَتَّى مُحِيَتْ قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ رَأَى الْأَزْلَامَ قَدْ صُوِّرَتْ فِي يَدِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ لَقَدْ أَبَى أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِالْأَزْلَامِ. • حَدَّثَنِي جَدِّي وإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ

стр. 165

ابْنِ خَيْثَمٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا حَيْثُ هُدِمَتِ الْكَعْبَةُ فَكَانَ يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ فَوَضَعَ عَلَى ظَهْرِهِ إِزَارَهُ يَتَّقِي بِهِ فَلُبِجَ بِهِ فَأَخَذَهُ الْعَبَّاسُ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اني نهيت أن أتعرا. • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: اسْمُ الَّذِي بَنَى الْكَعْبَةَ بَاقُومُ وكَانَ رُومِيًّا كَانَ فِي سَفِينَةٍ أَصَابَتْهَا رِيحٌ فَحَجَبَتْهَا (١) يَقُولُ حَبَسَتْهَا فَخَرَجَتْ إِلَيْهَا قُرَيْشٌ بِجُدَّةَ فَأَخَذُوا السَّفِينَةَ وخَشَبَهَا وقَالُوا: ابْنِهِ لَنَا بُنْيَانَ الشَّامِ. • حَدَّثَنِي جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَبْنُوا الْكَعْبَةَ خَرَجَتْ حَيَّةٌ فَحَالَتْ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ بِنَائِهِمْ وكَانَتْ تُشْرِفُ عَلَى الْجِدَارِ قَالَ: فَقَالُوا: إِنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ نُتَمِّمَهُ فَسَيَكْفِيكُمُوهَا ثُمَّ قَالَ عَمْرٌو: فَسَمِعْتُ ابْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: فَجَاءَ طَيْرٌ أَبْيَضُ فَأَخَذَ بِأَنْيَابِهَا (٢) فَذَهَبَ بِهَا نحو الحجون. • وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ الْوَلِيدِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ حُبَابٍ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلَافَتِهِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ - يَعْنِي - ابْنَ الزُّبَيْرِ - سَمِعَ من عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهَا، قَالَ الْحَارِثُ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا، قَالَ: سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ان قومك استقصروا فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ ولَولَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ أَعَدْتُ فِيهَ مَا تَرَكُوهُ مِنْهُ فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمَّ لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ (٣) أَذْرُعٍ وزَادَ الْوَلِيدُ فِي الْحَدِيثِ وجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ بِالْأَرْضِ بَابًا

стр. 166

شَرْقِيًّا، وبَابًا غَرْبِيًّا وهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟ قَالَتْ: قلت: لَا. قَالَ: تَعَزُّزًا لِئَلَّا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ أَرَادُوا، فَكَانُوا إِذَا كَرِهُوا أَنْ يَدْخُلَهَا الرَّجُلُ، يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ يَدْفَعُونَهُ فَيَسْقُطُ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَنَكَتَ بِعَصَاهُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: إِنِّي وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ ومَا تَحَمَّلَ. • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: ألم تر أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوْا الْبَيْتَ اسْتَقْصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ألا تَرُدُّهَا عَلَى قواعده؟ قال: لولَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ (١) عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَرَاهُ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. • أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ يَقُولُ: كَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ فِي السَّمَاءِ تِسْعَةَ (٢) أَذْرُعٍ فَاسْتَقْصَرُوا طُولَهَا وكَرِهُوا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ سَقْفٍ، وأَرَادُوا الزِّيَادَةَ فِيهَا فَبَنَوْهَا وزَادُوا فِي طُولِهَا تِسْعَةَ (٣) أَذْرُعٍ، وتَرَكُوا فِي الْحِجْرِ مِنْ عَرْضِهَا سِتَّةَ (٤) أَذْرُعٍ وعَظْمَ ذِرَاعٍ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ. • أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الْوَاقِدِيِّ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ شِبْلٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: كَانَ بَابُ الْكَعْبَةِ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ وجُرْهُمٍ بِالْأَرْضِ حَتَّى بَنَتْهَا قُرَيْشٌ، قَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ارْفَعُوا بَابَ الْكَعْبَةِ حَتَّى لَا يُدْخَلَ عَلَيْكُمْ إِلَّا بِسُلَّمٍ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَنْ أَرَدْتُمْ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ مِمَّنْ تَكْرَهُونَ رَمَيْتُمْ بِهِ فَيَسْقُطُ

стр. 167

فَكَانَ نَكَالًا لِمَنْ رَآهُ فَفَعَلَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ ورَدَمُوا الرَّدْمَ الْأَعْلَى وصَرَفُوا السيل عَنِ الْكَعْبَةِ وكَسَوْهَا الْوَصَائِلَ. • وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ مَوْدُودٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أنا وضعت الرُّكْنَ بِيَدِي يَوْمَ اخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ فِي وَضْعِهِ. • حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الْوَاقِدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ ابْنِ أَبِي تَجْرَأَةَ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: أَنَا أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يضع الركن بيده فَقُلْتُ: لِمَنِ الثَّوْبُ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ الْحَجَرُ؟ قَالَتْ: لِلْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ويُقَالُ: حُمِلَ الْحَجَرُ فِي كِسَاءٍ طَارُونِيٍّ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ . • وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: الَّذِي أَخَذَ الْحَجَرَ الَّذِي انْفَلَقَ مِنْ غَمْزِ الْعَتَلَةِ مِنْ أَسَاسِ الْكَعْبَةِ فَنَزَا مِنْ يَدِهِ فَرَجَعَ مَكَانَهُ أَبُو وَهْبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عائد بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ. • حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ ابن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: الَّذِي أَخَذَ الْحَجَرَ فَنَزَا مِنْ يَدِهِ عَامِرُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَبُو وَهْبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عائد. • حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وهُوَ خَلِيفَةٌ، نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ جَعْدَةُ بْنُ هُبَيْرٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، والْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ فَتَذَاكَرُوا أَحَادِيثَ الْعَرَبِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي نَزَا الْحَجَرُ مِنْ يَدِهِ حِينَ حَفَرَ أَسَاسَ الْبَيْتِ حَتَّى عَادَ مَكَانَهُ؟ قَالُوا: مَنْ أَعْلَمُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا، قَالَ: عَلَيَّ ذَلِكَ، لَيْسَ كُلُّ الْعِلْمِ وعَيْنَاهُ ولَا حَفِظْنَاهُ (١) لَقَدْ عَلِمْنَا أُمُورًا فَنَسِينَاهَا، قَالُوا جَمِيعًا: هُوَ أَبُو وَهْبِ

стр. 168

ابن عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: كَذَلِكَ كُنْتُ أَسْمَعُ مِنْ (١) أَبِي وكَانَ حَاضِرًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، قَالَ: فَمَنْ قَالَ حِينَ اخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ فِي بُنْيَانِ مُقَدَّمِ الْبَيْتِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا تَنَافَسُوا ولَا تَبَاغَضُوا فَيَطْمَعَ فِيكُمْ غَيْرُكُمْ ولكن جزءوا الْبَيْتَ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ ثُمَّ رَبِّعُوا الْقَبَائِلَ فَلْتَكُنْ أَرْبَاعًا؟ قَالُوا: إِنَّهُ (٢) أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: هَكَذَا كُنْتُ أَسْمَعُ أَبِي يَقُولُ. قَالَ: فَمَنِ الْقَائِلُ حِينَ اخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ فِي وَضْعِ الرُّكْنِ حَكِّمُوا (٣) بَيْنَكُمْ أَوَّلَ مَنْ يَطْلُعُ مِنْ هَذَا الْبَابِ؟ قَالَ: أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَنِ النَّفْرُ الَّذِينَ رَفَعُوا الثَّوْبَ حِينَ (٤) وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: جَدُّكَ عُتْبَةُ ابن رَبِيعَةَ أَحَدُهُمْ، قَالَ: كَذَلِكَ كُنْتُ أَسْمَعُ أَبِي يَقُولُ. قَالَ: فَمَنْ كَانَ مِنَ الرُّبُعِ الثَّانِي؟ قَالُوا: أَبُو زَمْعَةَ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: كَذَلِكَ (٥) كُنْتُ أَسْمَعُ أَبِي يَقُولُ، قَالَ: فَمَنْ كَانَ فِي الرُّبُعِ الثَّالِثِ؟ قَالُوا: أَبُو حُذَيْفَةَ ابن الْمُغِيرَةِ، قَالَ: كَذَلِكَ (٦) كُنْتُ أَسْمَعُ أَبِي يَقُولُ، قَالَ: فَمَنْ كَانَ فِي الرُّبُعِ الرَّابِعِ؟ قَالُوا: أَبُو قَيْسِ بْنُ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، قَالَ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ قَدْ أَخَذْتُهَا عَلَيْكُمْ الْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ، قَالَ: فَمَنْ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا تُدْخِلُوا فِي عِمَارَةِ بَيْتِ رَبِّكُمْ إِلَّا طَيِّبًا مِنْ كَسْبِكُمْ؟ قَالُوا: أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: هَذِهِ أُخْرَى قَدْ أَخَذْتُهَا عَلَيْكُمْ الْقَائِلُ هَذَا والْمُتَكَلِّمُ بِهِ أَبُو أُحَيْحَةَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِي قَالَ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمَ. • حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابن مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَتِ الْكَعْبَةُ

стр. 169

فِي الْجَاهِلِيَّةِ هَدَمَتْهَا قُرَيْشٌ لِتَبْنِيَهَا فَكُشِفَ عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا مِنَ الاساس فَإِذَا حَجَرٌ فِيهِ مَكْتُوبٌ: أَنَا يَعْفُرُ بْنُ عَبْدِ قِرَا أَقْرَأُ عَلَى رَبِّي السَّلَامَ مِنْ رَأْسِ ثلاثة آلاف سنة. بَابُ مَا جَاءَ فِي فَتْحِ الْكَعْبَةِ ومَتَى كَانُوا يَفْتَحُونَهَا، ودُخُولِهِمْ إِيَّاهَا، وأَوَّلِ مَنْ خَلَعَ النَّعْلَ والْخُفَّ عِنْدَ دُخُولِهَا • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْهُذَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ قُرَيْشًا يَفْتَحُونَ الْبَيْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ والْخَمِيسِ وكَانَ حُجَّابُهُ يَجْلِسُونَ عِنْدَ بَابِهِ فَيَرْتَقِي الرَّجُلُ إِذَا كَانُوا لَا يُرِيدُونَ دُخُولَهُ فَيُدْفَعُ ويُطْرَحُ ورُبَّمَا عَطِبَ وكَانُوا لَا يَدْخُلُونَ الْكَعْبَةَ بِحِذَاءٍ يُعْظِمُونَ ذَلِكَ وَيَضَعُونَ نِعَالَهُمْ تَحْتَ الدَّرَجَةِ. • أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالُوا: لَمَّا فَرَغَتْ قُرَيْشٌ مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ خَلَعَ الْخُفَّ والنَّعْلَ فَلَمْ يَدْخُلْهَا بِهِمَا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ إِعْظَامًا لها فجرا ذَلِكَ سُنَّةً. • حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ فَاخِتَةَ ابْنَةَ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وهِيَ أُمُّ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ دَخَلَتِ الْكَعْبَةَ وهِيَ حَامِلٌ فَأَدْرَكَهَا الْمَخَاضُ فِيهَا فَوَلَدَتْ حَكِيمًا فِي الْكَعْبَةِ فَحُمِلَتْ فِي نِطْعٍ وأُخِذَ مَا تَحْتَ مَثْبِرِهَا (١) فَغُسِلَ عِنْدَ حَوْضِ زَمْزَمَ وأُخِذَتْ ثِيَابُهَا الَّتِي وَلَدَتْ فِيهَا فَجُعِلَتْ لَقًا - وَاللَّقَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَطُوفُ أَحَدٌ بِالْبَيْتِ إِلَّا عُرْيَانًا - إِلَّا الْحُمْسَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وعَلَيْهِمُ الثِّيَابُ وكَانَ مَنْ طَافَ مِنْ غَيْرِ الْحُمْسِ فِي ثِيَابِهِ فَإِذَا طَافَ الرَّجُلُ أَوِ الْمَرْأَةُ وفَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ جَاءَ بِثِيَابِهِ الَّتِي طَافَ فِيهَا فَطَرَحَهَا حَوْلَ

стр. 170

الْبَيْتِ فَلَا (١) يَمَسُّهَا أَحَدٌ ولَا يُحَرِّكُهَا حَتَّى تَبْلَى مِنْ وطئ الاقدام ومن الشَّمْسِ والرِّيَاحِ والْمَطَرِ وقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَذْكُرُ اللَّقَا: كَفَى حَزَنًا كَرَّى عَلَيْهِ كَأَنَّهُ … لَقًى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ يَقُولُ لَا يُمَسُّ،. • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ (٢) قَالَ: سَأَلْنَا عَلِيًّا ﵇ بِأَيِّ شَيْءٍ بَعَثَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فِي حَجَّتِهِ سَنَةَ تِسْعٍ؟ قَالَ: بِأَرْبَعٍ، لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، ولَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، ولَا يَجْتَمِعُ مُسْلِمٌ ومُشْرِكٌ فِي الْحَرَمِ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا، ومَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ،. • قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ووَجَدْتُ (٣) فِي كِتَابٍ قَدِيمٍ فِيمَا سُمِعَ مِنَ أَبِي الْوَلِيدِ: ومَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ ومَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ (٤) أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. • حَدَّثَنَا جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الصَّنْعَانِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً إِلَّا الْحُمْسَ، قُرَيْشٌ وأَحْلَافُهَا - والْأَحْمَسِيُّ الْمُشَدِّدُ فِي دِينِهِ فِي بَعْضِ كَلَامِ الْعَرَبِ - فَمَنْ جَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَضَعَ ثِيَابَهُ وطَافَ فِي ثَوْبٍ أَحْمَسِيٍّ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِيرُهُ مِنَ الْحُمْسِ ثَوْبًا فَإِنَّهُ يُلْقِي ثِيَابَهُ ويَطُوفُ عُرْيَانًا وإِنْ طَافَ فِي ثِيَابِهِ أَلْقَاهَا إِذَا قَضَى طَوَافَهُ يحرمها فيجعلها عندها فَلِذَلِكَ قَالَ ﵎: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. . • حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الصَّنْعَانِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: السملة (٥) مِنَ الزِّينَةِ. • حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ

стр. 171

ابن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي داود (١) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ فَتَبْلُوا (٢) حَتَّى يَأْتِيَ، ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ يَقُولُ (٣) لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْحَرِيرِ ولَا بِالدِّيبَاجِ ولَكِنَّهُ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُ أَحَدُهُمْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا ويَدَعُ ثِيَابَهُ وَرَاءَ الْمَسْجِدِ فَيَجِدُهَا ثُمَّ إِنْ (٤) طَافَ وهِيَ عَلَيْهِ ضُرِبَ وانْتُزِعَتْ مِنْهُ فِي ذَلِكَ نَزَلَتْ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أَمَرَنا بِها﴾ قَالَ: كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لما أن هْلَكَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أَهْلَكَ مِنْ (٥) أَبْرَهَةَ الْحَبَشِيِّ صَاحِبِ الْفِيلِ وسَلَّطَ عَلَيْهِ الطَّيْرَ الْأَبَابِيلَ عَظَّمَتْ جَمِيعُ الْعَرَبِ قُرَيْشًا وأَهْلَ مَكَّةَ وقَالُوا: أَهْلُ اللَّهِ قَاتَلَ (٦) عَنْهُمْ وكَفَاهُمْ مئونة عَدُوِّهِمْ فَازْدَادُوا فِي تَعْظِيمِ الْحَرَمِ والْمَشَاعِرِ الْحَرَامِ والشَّهْرِ الْحَرَامِ ووَقَّرُوهَا ورَأَوْا أَنَّ دِينَهُمْ خَيْرُ الْأَدْيَانِ وأَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وقَالَتْ قُرَيْشٌ وأَهْلُ مَكَّةَ: نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ وبَنُو إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ ووُلَاةُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وسُكَّانُ (٧) حَرَمِهِ وقُطَّانُهُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ مِثْلُ حَقِّنَا ولَا مِثْلُ مَنْزِلَتِنَا ولَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ (٨) لِأَحَدٍ مِثْلَ مَا تَعْرِفُ لَنَا فَابْتَدَعُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَحْدَاثًا فِي دِينِهِمْ أَدَارُوهَا بَيْنَهُمْ فَقَالُوا: لَا تعظمون شيئا من الحل كَمَا تُعَظِّمُونَ الْحَرَمَ فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اسْتَخَفَّتِ الْعَرَبُ بِحَرَمِكُمْ وَقَالُوا:

стр. 172

قَدْ عَظَّمُوا مِنَ الْحِلِّ مِثْلَ مَا (١) عَظَّمُوا مِنَ الْحَرَمِ فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ عَلَى عرفه، والْإِفَاضَةَ (٢) مِنْهَا وهم يَعْرِفُونَ ويُقِرُّونَ أَنَّهَا مِنَ الْمَشَاعِرِ والْحَجِّ (٣) ودِينِ إِبْرَاهِيمَ، ويُقِرُّونَ لِسَائِرِ الْعَرَبِ أَنْ يَقِفُوا عَلَيْهَا، وأَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ الْحُمْسُ أَهْلُ الْحَرَمِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ ولَا نُعَظِّمَ غَيْرَهُ، ثُمَّ جَعَلُوا لِمَنْ وُلِدُوا مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ مِنْ سُكَّانِ الْحِلِّ والْحَرَمِ مِثْلَ الَّذِي لَهُمْ بِوِلَادَتِهِمْ إِيَّاهُمْ يَحِلُّ لَهُمْ مَا يَحِلُّ لَهُمْ، ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، وكَانَتْ خُزَاعَةُ وكِنَانَةُ قَدْ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ ابْتَدَعُوا فِي ذَلِكَ أُمُورًا لَمْ تَكُنْ، حَتَّى قَالُوا (٤) لَا يَنْبَغِي لِلْحُمْسِ أَنْ يَأْقِطُوا (٥) الاقط ولا يسلئوا السَّمْنَ وهُمْ حُرُمٌ ولَا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ شَعْرٍ ولَا يَسْتَظِلُّوا إِنِ (٦) اسْتَظَلُّوا إِلَّا فِي بُيُوتِ الْأَدَمِ مَا كَانُوا حُرُمًا ثُمَّ رَفَعُوا فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْحِلِّ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامٍ جَاءُوا بِهِ مَعَهُمْ مِنَ الْحِلِّ فِي الْحَرَمِ إِذَا كَانُوا (٧) حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا، ولَا يَأْكُلُونَ فِي الْحَرَمِ إِلَّا مِنْ طَعَامِ دهل الْحَرَمِ إِمَّا قِرَاءً وإِمَّا شِرَا، وكَانُوا مِمَّا سَنُّوا بِهِ أَنَّهُ إِذَا حَجَّ الصَّرُورَةُ مِنْ غَيْرِ الْحُمْسِ - والْحُمْسُ أَهْلُ مَكَّةَ قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ وخُزَاعَةُ ومَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ مِمَّنْ وُلِدُوا مِنْ حُلَفَائِهِمْ وإِنْ كَانَ مِنْ سَاكِنِي الْحِلِّ (والْأَحْمَسِيُّ الْمُشَدِّدُ فِي دِينِهِ) - فَإِذَا حَجَّ الصَّرُورَةُ مِنْ غَيْرِ الْحُمْسِ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِلَّا عُرْيَانًا الصَّرُورَةُ أَوَّلُ مَا يَطُوفُ إِلَّا أَنْ يَطُوفَ فِي ثَوْبٍ أَحْمَسِيٍّ إِمَّا إِعَارَةً وإِمَّا إِجَارَةً، يَقِفُ أَحَدُهُمْ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَيَقُولُ: مَنْ يُعِيرُ مَصُونًا؟ مَنْ يُعِيرُ

стр. 173

ثَوْبًا؟ فَإِنْ أَعَارَهُ أَحْمَسِيٌّ ثَوْبًا أَوْ أَكْرَاهُ طَافَ بِهِ، وإِنْ لَمْ يُعِرْهُ أَلْقَى ثيابه بِبَابِ الْمَسْجِدِ مِنْ خَارِجٍ ثُمَّ دَخَلَ الطَّوَافَ وهُوَ عُرْيَانٌ، يَبْدَأُ بِإِسَافٍ فَيَسْتَلِمُهُ، ثُمَّ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ، ثُمَّ يَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ ويَطُوفُ ويَجْعَلُ الْكَعْبَةَ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِذَا خَتَمَ طَوَافَهُ سَبْعًا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ اسْتَلَمَ نَائِلَةَ فَيَخْتِمُ بِهَا طَوَافَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَجِدُ ثِيَابَهُ كَمَا تَرَكَهَا لَمْ تُمَسَّ (١) فَيَأْخُذُهَا فَيَلْبَسُهَا ولَا يَعُودُ إِلَى الطَّوَافِ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا، ولَمْ يَكُنْ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ إِلَّا الصَّرُورَةُ مِنْ غَيْرِ الْحُمْسِ، فَأَمَّا الْحُمْسُ فَكَانَتْ تَطُوفُ فِي ثِيَابِهَا فَإِنْ تَكَرَّمَ مُتَكَرِّمٌ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ الْحُمْسِ ولَمْ يَجِدْ ثِيَابَ أَحْمَسِيٍّ يَطُوفُ فِيهَا ومَعَهُ فَضْلُ ثِيَابٍ يَلْبَسُهَا غَيْرُ ثِيَابِهِ الَّتِي عَلَيْهِ، فَطَافَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مِنَ الْحِلِّ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ نَزَعَ ثِيَابَهُ ثُمَّ جَعَلَهَا لَقًا يَطْرَحُهَا بَيْنَ، إِسَافٍ ونَائِلَةَ، فَلَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ ولَا يَنْتَفِعُ بِهَا حَتَّى تَبْلَى مِنْ وطئ الْأَقْدَامِ ومِنَ الشَّمْسِ والرِّيَاحِ والْمَطَرِ، وقَالَ الشَّاعِرُ يذكر ذلك اللقا: كَفَى حَزَنًا كَرَّى عَلَيْهِ كَأَنَّهُ … لَقًا بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ يَقُولُ لَا يُمَسُّ: (٢) فَصَارَ هَذَا كُلُّهُ سُنَّةً فِيهِمْ، وذَلِكَ مِنْ صُنْعِ إِبْلِيسَ وتَزْيِينِهِ لَهُمْ مَا يُلَبِّسُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَغْيِيرِ الْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ يَوْمًا وكَانَ لَهَا جَمَالٌ وهَيْئَةٌ، فَطَلَبَتْ ثِيَابًا عَارِيَةً فَلَمْ تَجِدْ مَنْ يُعِيرُهَا، فَلَمْ تَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ تَطُوفَ عُرْيَانَةً فَنَزَعَتْ، ثِيَابَهَا بِبَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَتِ الْمَسْجِدَ عُرْيَانَةً فوضعت يديها عَلَى فَرْجِهَا وجَعَلَتْ تَقُولُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ … ومَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ قَالَ: فَجَعَلَ فِتْيَانُ مَكَّةَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وكَانَ لَهَا حَدِيثٌ طَوِيلٌ، وقَدْ تَزَوَّجَتْ فِي قُرَيْشٍ، قَالَ: وجَاءَتِ امْرَأَةٌ أَيْضًا تَطُوفُ عُرْيَانَةً وكَانَ لَهَا جَمَالٌ، فَرَآهَا رَجُلٌ فَأَعْجَبَتْهُ، فَدَخَلَ الطَّوَافَ وطَافَ فِي جَنْبِهَا لِأَنْ يَمَسَّهَا فَأَدْنَى عَضُدَهُ مِنْ

стр. 174

عَضُدِهَا، فَالْتَزَقَتْ عَضُدُهُ بعضدها فَخَرَجَا مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ نَاحِيَةِ بَنِي سَهْمٍ هَارِبَيْنِ عَلَى وُجُوهِهِمَا فَزِعَيْنِ لِمَا أَصَابَهُمَا مِنَ الْعُقُوبَةِ، فَلَقِيَهُمَا شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَهُمَا عَنْ شَأْنِهِمَا، فَأَخْبَرَاهُ بِقَضِيَّتِهِمَا، فَأَفْتَاهُمَا أَنْ يَعُودَا، فَرَجَعَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهُمَا فِيهِ مَا أَصَابَهُمَا، فَيَدْعُوَانِ ويُخْلِصَانِ (١) أَنْ لَا يَعُودَا، فَرَجَعَا إِلَى مَكَانِهِمَا فَدَعَوُا اللَّهَ سُبْحَانَهُ وأَخْلَصَا إِلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَا فَافْتَرَقَتْ أَعْضَادُهُمَا فَذَهَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَاحِيَةٍ. حَجُّ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وإِنْسَاءُ الشُّهُورِ ومَوَاسِمُهُمْ ومَا جَاءَ فِي ذَلِكَ • حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَاني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ عَلَى دِينَيْنِ، حِلَّةٍ وحُمْسٍ، فَالْحُمْسُ (٢) قُرَيْشٌ وكُلُّ مَنْ وَلَدَتْ مِنَ الْعَرَبِ وكِنَانَةُ وخُزَاعَةُ والْأَوْسُ والْخَزْرَجُ وجُشَمُ وبَنُو رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وأَزْدُ شَنُوءَةَ، وجُذَمُ، وزُبَيْدٌ، وبَنُو ذَكْوَانَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وعَمْرُو اللَّاتِ، وثَقِيفٌ، وغَطَفَانُ (٣) والْغَوْثُ، وعَدْوَانُ، وعِلَافٌ، (٤) وقُضَاعَةُ، وكَانَتْ (٥) قُرَيْشٌ إِذَا أَنْكَحُوا عَرَبِيًّا امْرَأَةً مِنْهُمُ اشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَلَدَتْ لَهُ فَهُوَ أَحْمَسِيٌّ عَلَى دِينِهِمْ، وزَوَّجَ الْأَدْرَمُ تَيْمُ بْنُ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ ابْنَهُ (٦)

стр. 175

مَجْدًا ابْنَةَ تَيْمٍ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَلَى أَنَّ وَلَدَهُ مِنْهَا أَحْمَسِيٌّ عَلَى سُنَّةِ قُرَيْشٍ وفِيهَا يَقُولُ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ جَعْفَرٍ الْكِلَابِيُّ: سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأَسْقَى … نُمَيْرًا والْقَبَائِلَ مِنْ هِلَالِ وذَكَرُوا أَنَّ مَنْصُورَ بْنَ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ (١) بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ (٢) تَزَوَّجَ سَلْمَى بِنْتَ ضُبَيْعَةَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَعْصُرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ (٣)، فَوَلَدَتْ لَهُ هَوَازِنَ، فَمَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَنَذَرَتْ سَلْمَى لَئِنْ بَرَأَ لَتَحْمِسَنَّهُ، فَلَمَّا بَرَأَ حَمَسَتْهُ (٤)، فَلَمْ تَكُنْ نِسَاؤُهُمْ يَنْسِجْنَ ولَا يَغْزِلْنَ الشَّعْرَ ولَا يسلئين السَّمْنَ إِذَا أَحْرَمُوا، قَالَ: وكَانَتِ الْحُمْسُ إِذَا أَحْرَمُوا الا يأتقطوا الاقط، ولَا يَأْكُلُوا السَّمْنَ (٥) ولَا يَسْلَئُونَهُ، ولَا يَمْخُضُونَ اللَّبَنَ، ولَا يَأْكُلُونَ الزُّبْدَ، ولَا يَلْبَسُونَ الْوَبَرَ، ولَا الشَّعْرَ، ولَا يَسْتَظِلُّونَ بِهِ مَا دَامُوا حُرُمًا، ولَا يَغْزِلُونَ الْوَبَرَ، ولَا الشَّعْرَ ولَا يَنْسِجْنَهُ، وإِنَّمَا يَسْتَظِلُّونَ بِالْأَدَمِ ولَا يَأْكُلُونَ شَيْئًا مِنْ نَبَاتِ الْحَرَمِ، وكَانُوا (٦) يُعَظِّمُونَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ ولَا يَخْفِرُونَ فِيهَا الذِّمَّةَ ولَا يَظْلِمُونَ فِيهَا، ويَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وعَلَيْهِمْ ثِيَابُهُمْ، وكَانُوا إِذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وأَوَّلَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ - يَعْنِي أَهْلَ الْبُيُوتِ والْقُرَى - نَقَبَ نَقْبًا فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ، فَمِنْهُ يَدْخُلُ ومِنْهُ يَخْرُجُ، ولَا يَدْخُلُ من بَابَهُ، وكَانَتِ الْحُمْسُ تَقُولُ: لَا تُعَظِّمُوا شَيْئًا مِنَ الْحِلِّ ولَا تُجَاوِزُوا الْحَرَمَ فِي الْحَجِّ فَلَا يَهَابُ النَّاسُ حَرَمَكُمْ ويَرَوْنَ مَا تُعَظِّمُونَ مِنَ الْحِلِّ كَالْحَرَمِ فَقَصَّرُوا عَنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ والْمَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ وهُوَ مِنَ الْحِلِّ، فَلَمْ يَكُونُوا يَقِفُونَ (٧) بِهِ ولَا يُفِيضُونَ مِنْهُ، وجَعَلُوا مَوْقِفَهُمْ فِي طَرَفِ الْحَرَمِ مِنْ نَمِرَةَ بِمَفْضَى (٨) الْمَأْزِمَيْنِ

стр. 176

يَقِفُونَ بِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ ويَظَلُّونَ بِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي الْأَرَاكِ مِنْ نَمِرَةَ ويفيضون مِنْهُ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، فَإِذَا عَمَّمَتِ الشَّمْسُ رُءُوسَ الْجِبَالِ، دَفَعُوا وَكَانُوا (١) يَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ لَا نَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ ونَحْنُ، الْحُمْسُ، فَتَحَمَّسَتْ قُرَيْشٌ ومَنْ وَلَدَتْ فَتَحَمَّسَتْ مَعَهُمْ هَذِهِ الْقَبَائِلُ، فَسُمِّيَتِ (٢) الْحُمْسَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْحُمْسُ حُمْسًا لِلتَّشْدِيدِ فِي دِينِهِمْ، فَالْأَحْمَسِيُّ (٣) فِي لُغَتِهِمُ الْمُشَدِّدُ فِي دِينِهِ، وكَانَتِ الْحُمْسُ مِنْ دِينِهِمْ إِذَا أَحْرَمُوا أَنْ لَا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنَ الْبُيُوتِ ولَا يَسْتَظِلُّوا (٤) تَحْتَ سَقْفِ بَيْتٍ، يَنْقُبُ أَحَدُهُمْ نَقْبًا فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ، فَمِنْهُ يَدْخُلُ إِلَى حُجْرَتِهِ ومِنْهُ يَخْرُجُ ولَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِهِ، ولَا يَجُوزُ تَحْتَ أُسْكُفَّةِ بَابِهِ ولَا عَارِضَتِهِ، فَإِذَا أَرَادُوا بَعْضَ أَطْعِمَتِهِمْ وَمَتَاعِهِمْ، تَسَوَّرُوا مِنْ ظَهْرِ (٥) بُيُوتِهِمْ وأَدْبَارِهَا حَتَّى يَظْهَرُوا عَلَى السُّطُوحِ ثُمَّ يَنْزِلُونَ فِي حُجْرَتِهِمْ ويُحَرِّمُونَ أَنْ يَمُرُّوا (٦) تَحْتَ عَتَبَةِ الْبَابِ، وكَانُوا كَذَلِكَ (٧) حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَأَحْرَمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَدَخَلَ بَيْتَهُ وكَانَ (٨) مَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَوَقَفَ الْأَنْصَارِيُّ بِالْبَابِ فَقَالَ (٩) لَهُ: ألَا تَدْخُلُ؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنِّي أَحْمَسِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وأَنَا أَحْمَسِيٌّ دِينِي ودِينُكَ سَوَاءٌ، فَدَخَلَ الْأَنْصَارِيُّ مَعَ (١٠) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا رَآهُ دَخَلَ مِنْ بَابِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ولكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اِتَّقى وأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها﴾، وكَانَتِ الْحِلَّةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَوَّلُ مَا يطوف

стр. 177

الرَّجُلُ والْمَرْأَةُ فِي أَوَّلِ حَجَّةٍ يَحُجُّهَا عُرَاةً، وكَانَتْ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وعك، مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَكَانُوا إِذَا طَافَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ عُرْيَانَةً، تَضَعُ إِحْدَى يَدَيْهَا عَلَى قُبُلِهَا والْأُخْرَى عَلَى دُبُرِهَا ثُمَّ تَقُولُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ … ومَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَانَتْ قَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وغَيْرِهِمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً الرِّجَالُ بِالنَّهَارِ والنِّسَاءُ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا بَلَغَ أَحَدُهُمْ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ لِلْحُمْسِ: مَنْ يُعِيرُ مَصُونًا؟ مَنْ يُعِيرُ مَعُوزًا؟ فَإِنْ أَعَارَهُ أَحْمَسِيٌّ ثَوْبَهُ طَافَ بِهِ (١) وإِلَّا أَلْقَى ثِيَابَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَ لِلطَّوَافِ، فَطَافَ (٢) بِالْبَيْتِ سَبْعًا عُرْيَانًا، وكَانُوا يَقُولُونَ لَا نَطُوفُ فِي الثِّيَابِ الَّتِي قَارَفْنَا (٣) فِيهَا الذُّنُوبَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى ثِيَابِهِ فَيَجِدُهَا لَمْ تُحَرَّكْ، وكَانَ بَعْضُ نِسَائِهِمْ تَتَّخِذُ (٤) سُيُورًا فَتُعَلِّقُهَا فِي حَقْوَتِهَا وتَسْتَتِرُ بِهَا، وهُوَ يَوْمَ تَقُولُ فِيه قول العامرية (٥): الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ … فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ الا ان يَتَكَرَّمَ مِنْهُمْ مُتَكَرِّمٌ فَيَطُوفَ فِي ثِيَابِهِ، فَإِنْ طَافَ فِيهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهَا أَبَدًا ولَا يَنْتَفِعَ بِهَا ويَطْرَحَهَا لَقًا - واللَّقَا هَذِهِ الثِّيَابُ الَّتِي يَطُوفُونَ فِيهَا يَرْمُونَ بِهَا بَابَ الْمَسْجِدِ فَلَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ حَتَّى تُبْلِيَهَا الشَّمْسُ والْأَمْطَارُ والرِّيَاحُ ووَطْءُ الْأَقْدَامِ - وفِيهِ يَقُولُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الاسدي: كَفَى حَزَنًا كَرَّى عَلَيْهِ كَأَنَّهُ … لَقًا بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَنْسَأَ الشُّهُورَ مِنْ مُضَرَ، مَالِكُ بْنُ كِنَانَةَ، وذَلِكَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ كِنَانَةَ نَكَحَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَوْرٍ الْكِنْدِيِّ وهُوَ يَوْمَئِذٍ فِي كِنْدَةَ،

стр. 178

وكَانَتِ النَّسَاءَةُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي كِنْدَةَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُلُوكَ الْعَرَبِ من رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَكَانَتْ كِنْدَةُ مِنْ أَرْدَافِ الْمَقَاوِلِ فَنَسَأَ ثَعْلَبَةُ بْنُ مَالِكٍ ثُمَّ نَسَأَ بَعْدَهُ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ وهُوَ الْقَلَمَّسُ، ثُمَّ نَسَأَ بَعْدَهُ سَرِيرُ بْنُ الْقَلَمَّسِ، ثُمَّ كَانَتِ النَّسَاءَةُ فِي بَنِي فُقَيْمٍ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ، وكَانَ آخِرَ مَنْ نَسَأَ مِنْهُمْ أَبُو ثُمَامَةَ جُنَادَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ فُقَيْمٍ، وهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا لَهُ جَارٌ فَأَخِّرُوا عَنْهُ فَخَفَقَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ ثُمَّ قَالَ: ايها الْجِلْفُ الْجَافِي قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عِزَّكَ بِالْإِسْلَامِ، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ (١) قَدْ نَسَأَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ والَّذِي يَنْسَأُ لَهُمْ إِذَا أَرَادُوا أَنْ لَا يُحِلُّو الْمُحَرَّمَ قَامَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ يَوْمَ الصَّدْرِ فَقَالَ: أَيُّهَا (٢) النَّاسُ لَا تُحِلُّوا حُرُمَاتِكُمْ، وعَظِّمُوا شَعَائِرَكُمْ فَإِنِّي أُجَابُ (٣) ولَا أُعَابُ، ولَا يُعَابُ (٤) لِقَوْلٍ قُلْتُهُ (٥) فَهُنَالِكَ يُحَرِّمُونَ الْمُحَرَّمَ ذَلِكَ الْعَامَ، وكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ صَفَر الأول، وصفر، صَفَرَ الْآخَرَ (٦)، فَيَقُولُونَ صَفَرَانِ وشَهْرَا رَبِيعٍ وجُمَادَيَانِ (٧) ورَجَبٌ وشَعْبَانُ وشَهْرُ رَمَضَانَ وشَوَّالٌ وذُو الْقَعْدَةِ وذُو الْحِجَّةِ، فَكَانَ يُنْسَأُ الْإِنْسَاءُ (٨) سَنَةً ويُتْرَكُ سَنَةً، لِيُحِلُّوا الشُّهُورَ الْمُحَرَّمَةَ ويُحَرِّمُوا الشُّهُورَ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُحَرَّمَةٍ، وكَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ إِبْلِيسَ أَلْقَاهُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ فَرَأَوْهُ حَسَنًا، فَإِذَا كَانَتِ السَّنَةُ الَّتِي يَنْسَأُ فِيهَا، يَقُومُ فَيَخْطُبُ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ ويَجْتَمِعُ (٩) النَّاسُ إِلَيْهِ يَوْمَ الصَّدْرِ

стр. 179

فَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ أَنْسَأْتُ الْعَامَ صَفَرَ الْأَوَّلَ - يَعْنِي الْمُحَرَّمَ - (١) فَيَطْرَحُونَهُ مِنَ الشُّهُورِ ولَا يَعْتَدُّونَ بِهِ، ويَبْتَدِئُونَ الْعِدَّةَ فَيَقُولُونَ: لِصَفَرٍ وشَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ صَفَرَيْنِ (٢) ويَقُولُونَ لِشَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ ولِجُمَادَى الْأُولَى، شَهْرَيْ رَبِيعٍ، ويَقُولُونَ لِجُمَادَى الْآخِرَةِ ولِرَجَبٍ جُمَادَيَيْنِ، ويَقُولُونَ لِشَعْبَانَ، رَجَب، ولِشَهْرِ رَمَضَانَ (٣) شَعْبَانَ، ويَقُولُونَ لِشَوَّالٍ شَهْرَ رَمَضَانَ، ولِذِي الْقَعْدَةِ شوال، ولِذِي الْحِجَّةِ ذَا الْقَعْدَةِ (٤)، ولِصَفَرٍ الْأَوَّلِ وهُوَ الْمُحَرَّمُ، الشَّهْرُ الَّذِي أَنْسَأَهُ ذَا الْحِجَّةِ (٥)، فَيَحُجُّونَ تِلْكَ السَّنَةَ فِي الْمُحَرَّمِ، ويَبْطُلُ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ شَهْرًا يُنْسِئُهُ ثُمَّ يَخْطُبُهُمْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ أَيْضًا (٦) فَيَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ لَا تُحِلُّوا حُرُمَاتِكُمْ، وعَظِّمُوا شَعَائِرَكُمْ، فَإِنِّي أُجَابُ ولَا أُعَابُ، ولَا يُعَابُ لِقَوْلٍ قُلْتُهُ (٧)، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ أَحْلَلْتُ دِمَاءَ الْمُحِلِّينَ طَيِّئٍ وَخَثْعَمٍ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وإِنَّمَا أَحَلَّ دِمَاءَهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْدُونَ عَلَى النَّاسِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مِنْ بَيْنِ الْعَرَبِ فَيُعرُّونَهُمْ (٨) يَطْلُبُونَ بِثَأْرِهِمْ ولَا يَقِفُونَ عَنْ حُرُمَاتِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ كَمَا يَفْعَلُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، فَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ مِنَ الْحِلَّةِ والْحُمْسِ، لَا يَعْدُونَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ عَلَى أَحَدٍ ولَوْ لَقِيَ أَحَدُهُمْ قَاتِلَ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ، ولَا يَسْتَاقُونَ مَالًا، إِعْظَامًا لِلشُّهُورِ الْحُرُمِ، إِلَّا خَثْعَمَ وَطَيِّئَ فانهم كانوا يَعْدُونَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَهُنَالِكَ يُحَرِّمُونَ مِنْ (٩) تِلْكَ السَّنَةِ الْمُحَرَّمَ وهُوَ صَفَرٌ الْأَوَّلُ ثُمَّ يَعُدُّونَ الشُّهُورَ عَلَى عِدَّتِهِمُ الَّتِي عَدُّوهَا فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ فَيَحُجُّونَ

стр. 180

فِي كُلِّ شَهْرٍ حَجَّتَيْنِ، ثُمَّ يُنْسَأُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، فَيُنْسَأُ صَفَرٌ الْأَوَّلُ فِي عِدَّتِهِمْ هَذِهِ وهُوَ صَفَرٌ الْآخَرُ فِي الْعِدَّةِ الثَّانِيَةِ (١) حَتَّى تَكُونَ حَجَّتُهُمْ فِي صَفَرٍ أَيْضًا حَجَّتَيْنِ (٢)، وكَذَلِكَ الشُّهُورُ كُلُّهَا حَتَّى يَسْتَدِيرَ الْحَجُّ فِي كُلِّ أَرْبَعٍ وعِشْرِينَ سَنَةً إِلَى الْمُحَرَّمِ الَّذِي ابْتَدَءُوا مِنْهُ الْإِنْسَاءَ، يَحُجُّونَ فِي الشُّهُورِ كُلِّهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ حَجَّتَيْنِ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً ويُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ﴾ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ فلما كَانَ عَامُ فَتْحِ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ (٣) ابن أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى مَكَّةَ ومَضَى إِلَى حُنَيْنٍ فَغَزَا هَوَازِنَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا مَضَى إِلَى الطَّائِفِ ثُمَّ رَجَعَ عَنِ الطَّائِفِ إِلَى الْجِعْرَانَةِ (٤) فَقَسَمَ بِهَا غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا مُعْتَمِرًا، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ مِنْ لَيْلَتِهِ ومَضَى إِلَى الْجِعْرَانَةِ فَأَصْبَحَ بِهَا كَبَائِتٍ، فَأَنْشَأَ الْخُرُوجَ مِنْهَا رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَهَبَطَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ فِي (٥) بَطْنِ سَرِفَ (٦) حَتَّى لَقِيَ طَرِيقَ الْمَدِينَةِ مِنْ سَرِفَ، ولَمْ يُؤْذَنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَجِّ تِلْكَ السَّنَةِ، وذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ وَقَعَ (٧) تِلْكَ السَّنَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، ولَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ عَتَّابًا عَلَى الْحَجِّ تِلْكَ السَّنَةَ، سَنَةَ ثَمَانٍ، ولَا أَمَرَهُ (٨) فِيهِ بِشَيْءٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْحَجُّ، حَجَّ الْمُسْلِمُونَ والْمُشْرِكُونَ
следующие страницы →