Полный текст (721 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ذكر ذرع المقام
• قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وذَرْعُ الْمَقَامِ ذِرَاعٌ والْمَقَامُ مُرَبَّعٌ سَعَةُ أَعْلَاهُ أَرْبَعَ عَشَرَ إِصْبَعًا في اربع عشرة إِصْبَعًا ومِنْ أَسْفَلِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وفِي طَرَفَيْهِ مِنْ أَعْلَاهُ وأَسْفَلِهِ طَوْقَا ذَهَبٍ ومَا بَيْنَ الطَّوْقَيْنِ مِنَ الْحَجَرِ مِنَ الْمَقَامِ بَارِزٌ بِلَا ذَهَبٍ عَلَيْهِ طُولُهُ مِنْ نَوَاحِيهِ كُلِّهَا تِسْعُ أَصَابِعَ وعَرْضُهُ عَشْرُ أَصَابِعَ عَرْضًا فِي عَشْرِ أَصَابِعَ طُولًا وذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِ هَذَا الذَّهَبُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ مِنْ عَمَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ، وعَرْضُ حَجَرِ الْمَقَامِ مِنْ نَوَاحِيهِ إِحْدَى وعِشْرُونَ إِصْبَعًا، ووَسَطُهُ مُرَبَّعٌ والْقَدَمَانِ دَاخِلَتَانِ فِي الْحَجَرِ سَبْعَ أَصَابِعَ وَدُخُولُهُمَا مُنْحَرِفَتَانِ، وَبَيْنَ الْقَدَمَيْنِ مِنَ الْحَجَرِ إِصْبَعَانِ وَوَسَطُهُ قَدِ اسْتَدَقَّ مِنَ التَّمَسُّحِ بِهِ والْمَقَامُ فِي حَوْضٍ مِنْ سَاجٍ مُرَبَّعٍ حَوْلَهُ رَصَاصٌ (١) مُلَبَّسٌ بِهِ (٢) وعَلَى الْحَوْضِ صَفَائِحُ رَصَاصٍ مُلَبَّسٍ بِهَا ومِنَ الْمَقَامِ فِي الْحَوْضِ إِصْبَعَانِ، وعَلَى الْمَقَامِ صَنْدُوقُ سَاجٍ مُسْقَفٌ ومِنْ وَرَاءِ الْمَقَامِ مِلْبَنُ سَاجٍ فِي الْأَرْضِ فِي طَرَفَيْهِ سِلْسِلَتَانِ تَدْخُلَانِ فِي أَسْفَلِ الصُّنْدُوقِ وَيُقْفَلُ فِيهِمَا بِقِفْلَانِ (٣).
• حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبعِيُّ مَوْلَى أَبِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ:
حَدَّثَنِي على بن جَهْمِ بْنِ بَدْرٍ الشامِيُّ قَالَ: (٤) حَدَّثَنِي ابْنُ مُسْهِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيِّ قَالَ: أَوْصَى مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالثُّلُثِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ لِطُلَّابِ الْأَدَبِ وقَالَ: إِنَّهَا صِنَاعَةٌ مَجْفُوٌّ (٥) أَهْلُهَا (٦). стр. 422
بَابُ مَا جَاءَ فِي إِخْرَاجِ جِبْرِيلَ زَمْزَمَ لِأُمِّ إِسْمَاعِيلَ ﵉
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ (١) بْنُ عَبَّاسٍ:
أَنَّهُ حِينَ كَانَ بَيْنَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وبَيْنَ سَارَةَ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ (٢) مَا كَانَ أَقْبَلَ (٣) إِبْرَاهِيمُ نَبِيُّ اللَّهِ بِأُمِّ إِسْمَاعِيلَ وإِسْمَاعِيلُ وهُوَ صَغِيرٌ تُرْضِعُهُ (٤) حَتَّى قَدِمَ بِهِمَا مَكَّةَ ومَعَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ تَشْرَبُ مِنْهُ وتُدِرُّ عَلَى ابْنِهَا ولَيْسَ مَعَهَا زَادٌ يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَعَمَدَ بِهِمَا إِلَى دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ - يُشِيرُ لَنَا بَيْنَ الْبِيرِ وبَيْنَ الصُّفَّةِ - يَقُولُ: فَوَضَعَهُمَا تَحْتَهَا ثُمَّ تَوَجَّهَ ابراهيم خَارِجًا عَلَى دَابَّتِهِ واتَّبَعَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ أَثَرَهُ حَتَّى وَافَى إِبْرَاهِيمُ بِكُدَا (٥) يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ: إِلَى مَنْ تَتْرُكُهَا ووَلَدَهَا؟ قَالَ: إِلَى اللَّهِ فَقَالَتْ: قَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ ، فَرَجَعَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تَحْمِلُ ابْنَهَا حَتَّى قَعَدَتْ (٦) تَحْتَ الدَّوْحَةِ ووَضَعَتِ ابْنَهَا إِلَى جَنْبِهَا وعَلَّقَتْ شَنَّتَهَا تَشْرَبُ مِنْهَا وتُرْضِعُ ابْنِهَا حَتَّى فَنِيَ مَاءُ شَنَّتِهَا فَانْقَطَعَ دَرُّهَا فَجَاعَ ابْنُهَا فَاشْتَدَّ جُوعُهُ حَتَّى نَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ يَتَشَحَّطُ فَخَشِيَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ أَنْ (٧) يَمُوتَ فَأَحْزَنَهَا ذَلِكَ، يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ: لَو تَغَيَّبْتُ عَنْهُ حَتَّى يَمُوتَ ولَا أَرَى стр. 423
مَوْتَهُ (١) يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَعَمَدَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ إِلَى الصَّفَا حِينَ رَأَتْهُ مُشْرِفًا تَسْتَوْضِحُ عَلَيْهِ - أَيْ تَرَى أَحَدًا بِالْوَادِي - ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى الْمَرْوَةِ فَقَالَتْ:
لَوْ مَشَيْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ تَعَلَّلْتُ حَتَّى يَمُوتَ الصَّبِيُّ ولَا أَرَاهُ.
يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَشَتْ (٢) بَيْنَهُمَا أُمُّ إِسْمَاعِيلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَ ولَا تُجِيزُ بِبَطْنِ (٣) الْوَادِي فِي ذَلِكَ إِلَّا رَمَلًا يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ رَجَعَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ إِلَى ابْنِهَا فَوَجَدَتْهُ يَنْشَعُ كَمَا تَرَكَتْهُ فَأَحْزَنَهَا فَعَادَتْ إِلَى الصَّفَا تَعَلَّلُ حَتَّى يَمُوتَ ولَا تَرَاهُ، فَمَشَتْ بَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ كَمَا مَشَتْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَتَّى كَانَ مَشْيُهَا بَيْنَهُمَا (٤) سَبْعَ مَرَّاتٍ يَقُولُ: (٥) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : فَلِذَلِكَ طَافَ النَّاسُ بَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ، قَالَ: فَرَجَعَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُطَالِعُ ابْنَهَا فَوَجَدَتْهُ كَمَا تَرَكَتْهُ يَنْشَعُ فَسَمِعَتْ صَوْتًا فَرَأَتْ عَلَيْهَا ولَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ غَيْرَهَا فَقَالَتْ قَدْ أَسْمَعُ صَوْتَكَ فَأَغِثْنِي إِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ، فَخَرَجَ لَهَا جِبْرِيلُ ﵇ فَاتَّبَعَتْهُ حَتَّى ضَرَبَ بِرِجْلِهِ مَكَانَ الْبِئْرِ فَظَهَرَ مَاءٌ فَوْقَ الْأَرْضِ حَيْثُ فَحَصَ جِبْرِيلُ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : فَحَاضَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ بِتُرَابٍ تَرُدُّهُ خَشْيَةَ أَنْ يَفُوتَهَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ بِشَنَّتِهَا، يَقُولُ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : (٦) ولَوْ تَرَكَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ عَيْنًا مَعِينًا يَجْرِي. يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَجَاءَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ بِشَنَّتِهَا فَاسْتَقَتْ وشَرِبَتْ فَدَرَّتْ عَلَى ابْنِهَا، فَبَيْنَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ مَرَّ رَكْبٌ مِنْ جُرْهُمٍ قَافِلِينَ مِنَ الشَّامِ فِي الطَّرِيقِ السُّفْلَى فَرَأَى الرَّكْبُ الطَّيْرَ عَلَى الْمَاءِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا كَانَ بِهَذَا الْوَادِي مِنْ مَاءٍ ولَا أَنِيسٍ، يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَرْسَلُوا جَرِيَّيْنِ لَهُمْ حَتَّى أَتَيَا أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، فَكَلَّمَاهَا ثُمَّ رَجَعَا إِلَى رَكْبِهِمَا فَأَخْبَرَاهُمْ بِمَكَانِهَا فَرَجَعَ الرَّكْبُ كُلُّهُمْ حَتَّى стр. 424
حَيَّوْهَا فَرَدَّتْ عَلَيْهِمْ وقَالُوا: لِمَنْ هَذَا الْمَاءُ؟ قَالَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ: هُوَ لِي، قالوا:
أتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَسْكُنَ مَعَكِ عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : أَلْفَى (١) ذَلِكَ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ وقَدْ أَحَبَّتِ الْأُنْسَ (٢) فَنَزَلُوا وبَعَثُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَقَدِمُوا وسَكَنُوا تَحْتَ الدَّوْحِ واعْتَرَشُوا عَلَيْهَا الْعَرْشَ فَكَانَتْ مَعَهُمْ هِيَ وابْنُهَا، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَانَتْ جُرْهُمُ تَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَمَكَثَتْ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَمْكُثَ فَلَمَّا اسْتَخْفَتْ جُرْهُمُ بِالْحَرَمِ وتَهَاوَنَتْ بِحُرْمَةِ الْبَيْتِ وأَكَلُوا مَالَ الْكَعْبَةِ الَّذِي يُهْدَى لَهَا سِرًّا وعَلَانِيَةً وارْتَكَبُوا مَعَ ذَلِكَ أُمُورًا عِظَامًا نَضَبَ مَاءُ زَمْزَمَ وانْقَطَعَ فَلَمْ يَزَلْ مَوْضِعُهُ يُدْرَسُ ويَتَقَادَمُ وتَمُرُّ عَلَيْهِ السُّيُولُ عَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ حَتَّى غَبِيَ مَكَانُهُ وقَدْ كَانَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضِ بْنِ عَمْرِو الْجُرْهُمِيُّ قَدْ وعظ جرهما فِي ارْتِكَابِهِمُ الظُّلْمَ فِي الْحَرَمِ واسْتِخْفَافِهِمْ بِأَمْرِ الْبَيْتِ وخَوْفِهِمُ النِّقَمَ وقَالَ لَهُمْ: إِنَّ مَكَّةَ بَلَدٌ لَا تُقِرُّ ظَالِمًا فَاللَّهَ اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمْ مَنْ يُخْرِجُكُمْ مِنْهَا خُرُوجَ ذُلٍّ وصَغَارٍ فَتَتَمَنَّوْا أَنْ تُتْرَكُوا (٣) تَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ فَلَا تقدروا (٤) عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا لَمْ يزدجروا ولم يعون (٥) وَعْظَهُ عَمَدَ (٦) إِلَى غَزَالَيْنِ كَانَا فِي الْكَعْبَةِ مِنْ ذَهَبٍ وأَسْيَافٍ (٧) قَلَعِيَّةٍ كَانَتْ أَيْضًا فِي الْكَعْبَةِ فَحَفَرَ لِذَلِكَ كُلِّهِ بِلَيْلٍ فِي مَوْضِعِ زَمْزَمَ ودَفَنَهُ سِرًّا مِنْهُمْ حِينَ خَافَهُمْ عَلَيْهِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ خُزَاعَةَ فَأَخْرَجَتْهُمْ مِنَ الْحَرَمِ ووَلِيَتْ عَلَيْهِمُ الْكَعْبَةَ والْحُكْمَ بِمَكَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَلِيَهُ، ومَوْضِعَ زَمْزَمَ فِي ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ لِتَقَادُمِ الزَّمَانِ حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَخَصَّهُ بِهِ مِنْ بَيْنِ قُرَيْشٍ. стр. 425
مَا جَاءَ فِي حَفْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ زَمْزَمَ
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَهْدِيُّ بْنُ أَبِي الْمَهْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الصَّنْعَانِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَوَّلُ مَا ذُكِرَ مِنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ جَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجَتْ فَارَّةً مِنْ أَصْحَابِ الْفِيلِ وهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ فَقَالَ: واللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ حَرَمِ اللَّهِ أَبْتَغِي الْعِزَّ فِي غَيْرِهِ قَالَ: فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَيْتِ وأَجْلَتْ عَنْهُ قُرَيْشٌ فَقَالَ:
لا هُمَّ إِنَّ الْمَرْءَ يَمْنَعُ … رَحْلَهُ فَامْنَعْ رِحَالَكْ
لَا يَغْلِبَنَّ (١) صَلِيبُهُمْ … وضَلَالُهُمْ عَدْوًا مَحَالَكْ
قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ ثَابِتًا فِي الْحَرَمِ حَتَّى أَهْلَكَ اللَّهُ الْفِيلَ وأَصْحَابَهُ فَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ وقَدْ عَظُمَ فِيهَا (٢) لِصَبْرِهِ وتَعْظِيمِهِ مَحَارِمَ اللَّهِ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ذَلِكَ وقَدْ وُلِدَ لَهُ أَكْبَرُ بَنِيهِ فَأَدْرَكَ وهُوَ (٣) الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأُتِيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمَ خبئة الشَّيْخِ الْأَعْظَمِ فَاسْتَيْقَظَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لِي، فَأُتِيَ فِي الْمَنَامِ مَرَّةً أُخْرَى فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمَ (٤) بَيْنَ الْفَرْثِ والدَّمِ عِنْدَ نَقْرَةِ (٥) الْغُرَابِ فِي قَرْيَةِ النَّمْلِ مُسْتَقْبِلَةً (٦) الْأَنْصَابَ الْحُمْرَ فَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَمَشَى حَتَّى جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَنْظُرُ مَا سُمِّيَ لَهُ مِنْ الآيات فَنُحِرَتْ بَقَرَةٌ بِالْحَزْوَرَةِ فَانْفَلَتَتْ مِنْ جَازِرِهَا بِحُشَاشَةِ نَفْسِهَا حَتَّى غَلَبَهَا الْمَوْتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَجُزِرَتْ تلك البقرة فِي مَكَانَهَا حَتَّى احْتُمِلَ لَحْمُهَا فَأَقْبَلَ غُرَابٌ يَهْوِي حَتَّى وَقَعَ فِي الْفَرْثِ стр. 426
فَبَحَثَ عَنْ (١) قَرْيَةِ النَّمْلِ فَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَحَفَرَ هُنَالِكَ فَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ فَقَالَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: مَا هَذَا الصَّنِيعُ؟ إِنَّا لَمْ نَكُنْ نُزِنُّكَ بِالْجَهْلِ (٢) لِمَ تَحْفِرُ فِي مَسْجِدِنَا؟ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنِّي لَحَافِرٌ هَذَا الْبِئْرَ ومُجَاهِدٌ مَنْ صَدَّنِي عَنْهَا فَطَفِقَ هُوَ وابْنُهُ الْحَارِثُ ولَيْسَ لَهُ وَلَدٌ يَوْمَئِذٍ غَيْرَهُ فَسَفِهَ عَلَيْهِمَا يَوْمَئِذٍ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَنَازَعُوهُمَا وقَاتَلُوهُمَا وتَنَاهَى عَنْهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ عِتْقِ نَسَبِهِ (٣) وصِدْقِهِ واجتهاده فِي دينهم يَوْمَئِذٍ، حَتَّى إِذَا أَمْكَنَ الْحَفْرُ واشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَذَى نَذَرَ إِنْ وفِّيَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ أَنْ يَنْحَرَ أَحَدَهُمْ ثُمَّ حَفَرَ حَتَّى أَدْرَكَ سُيُوفًا دُفِنَتْ فِي زَمْزَمَ حِينَ دُفِنَتْ فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ السُّيُوفَ قَالُوا: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَجْزِنَا مِمَّا وَجَدْتَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: هَذِهِ (٤) السُّيُوفُ لَبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَحَفَرَ حَتَّى أُنْبِطَ الْمَاءُ فِي الْقَرَارِ ثُمَّ بَحَّرَهَا حَتَّى لَا يَنْزِفَ ثُمَّ بَنَى عَلَيْهَا حَوْضًا فَطَفِقَ هُوَ وابْنُهُ يَنْزِعَانِ فَيَمْلَآنِ ذَلِكَ الْحَوْضَ فَيَشْرَبُ بِهِ الْحَاجُّ فَيَكْسِرُهُ نَاسٌ مِنْ حَسَدَةِ قُرَيْشٍ بِاللَّيْلِ فَيُصْلِحُهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حِينَ يُصْبِحُ فَلَمَّا أَكْثَرُوا فَسَادَهُ دَعَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَبَّهُ فَأُرِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ ولَكِنْ هِيَ لِلشَّارِبِ حِلٌّ وبَلٌّ ثُمَّ كَفَيْتُهُمْ، فَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ - يَعْنِي حِينَ اخْتَلَفَتْ (٥) قُرَيْشٌ فِي الْمَسْجِدِ - فَنَادَى بِالَّذِي أُرِيَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَكُنْ يُفْسِدُ حَوْضَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشِ الارمي فِي جَسَدِهِ بِدَاءٍ حَتَّى تَرَكُوا حَوْضَهُ وَسِقَايَتَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ النِّسَاءَ فَوُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ رَهْطٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ (٦) لَكَ نَحْرَ أَحَدِهِمْ وإِنِّي أَقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَأَصِبْ بِذَلِكَ مَنْ شِئْتَ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وكَانَ أَحَبَّ وَلَدِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: اللَّهُمَّ (٧) أهُوَ أَحَبُّ؟ إِلَيْكَ أَمْ مِائَةٌ مِنَ стр. 427
الْإِبِلِ؟ ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الْمِائَةِ مِنَ الْإِبِلِ فَكَانَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الْمِائَةِ مِنَ الابل فنحرها عبد المطلب.
• حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أُرِيَ فِي مَنَامِهِ أَنْ يَحْفِرَ زَمْزَمَ فِي مَوْضِعِهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ فَحَفَرَهَا بَيْنَ إِسَافٍ ونَائِلَةَ الْوَثَنِّينَ اللَّذَيْنِ كَانَا (١) بِمَكَّةَ فَلَمَّا اسْتَقَامَ حَفْرُهَا وشَرِبَ أَهْلُ مَكَّةَ والْحَاجُّ مِنْهَا عَفَّتْ عَلَى الْآبَارِ الَّتِي كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَهَا لِمَكَانِهَا مِنَ الْبَيْتِ والْمَسْجِدِ وفَضْلِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنَ الْمِيَاهِ، ولِأَنَّهَا بِئْرُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ضَرَبَ فِيهِ جِبْرِيلُ بِرِجْلِهِ فَهَزَمَهُ ونَبَعَ الْمَاءُ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وكَانَ سَبَبُ حَفْرِهَا أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ بَيْنَا هُوَ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ فَأَمَرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ فِي مَنَامِهِ وهُوَ دَفِينٌ بَيْنَ صَنَمَيْ قُرَيْشٍ إِسَافٍ ونَائِلَةَ عِنْدَ مَنْحَرِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ اليافعي (٢) أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يُحَدِّثُ حَدِيثَ زَمْزَمَ حِينَ أُمِرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِحَفْرِهَا قَالَ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنِّي لَنَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ احْفِرْ طَيْبَةَ قَالَ (٣): قلت: ومَا طَيْبَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي فَرَجَعْتُ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ بَرَّةَ؟ قَالَ: قُلْتُ: ومَا بَرَّةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ، قَالَ: قُلْتُ ومَا زَمْزَمُ قَالَ: لَا تَنْزِفُ أَبَدًا ولَا تُذَمُّ (٤) تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ. قَالَ: فَلَمَّا أَبَانَ لَهُ شَأْنَهَا ودَلَّ عَلَى مَوْضِعِهَا وعرف انه قَدْ صَدَقَ، غَدَا بِمِعْوَلِهِ ومَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ (٥) غَيْرُهُ، فَحَفَرَ فَلَمَّا بَدَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ الطَّيُّ كَبَّرَ فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ стр. 428
حَاجَتَهُ فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ إِنَّهَا بِئْرُ إِسْمَاعِيلَ وإِنَّ لَنَا فيها حَقًّا فَأَشِرِكْنَا مَعَكَ فِيهَا، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ خُصِصْتُ (١) بِهِ دُونَكُمْ وأُعْطِيتُهُ مِنْ بَيْنِكُمْ. قَالُوا: فَأَنْصِفْنَا فَإِنَّا غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى نُحَاكِمَكَ فِيهَا (٢) قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إِلَيْهِ. قَالُوا: كَاهِنَةَ بَنِي سَعْدِ بْنِ هُذَيْمٍ (٣) قَالَ: نَعَمْ وكَانَتْ بِأَشْرَافِ الشَّامِ فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ومَعَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ورَكِبَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَفَرٌ. قَالَ: والْأَرْضُ إِذْ ذَاكَ مَفَاوِزُ فَخَرَجُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الْمَفَاوِزِ بَيْنَ الْحِجَازِ والشَّامِ فَنِيَ مَاءُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وأَصْحَابِهِ فَظَمِئُوا حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ واسْتَسْقَوْا مِمَّنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ وقَالُوا: إِنَّا فِي مَفَازَةٍ نَخْشَى فِيهَا عَلَى أَنْفُسِنَا مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَا صَنَعَ الْقَوْمُ ومَا يَتَخَوَّفُ عَلَى نَفْسِهِ وأَصْحَابِهِ قَالَ: مَاذا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: مَا رَأْيُنَا إِلَّا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ فَأْمُرْنَا بِمَا شِئْتَ قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِنَفْسِهِ بِمَا بِكُمُ (٤) الْآنَ مِنَ الْقُوَّةِ فَكُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أَصْحَابُهُ فِي حفرته ثم واروه حَتَّى يَكُونَ آخِرُكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ جَمِيعًا، قَالُوا: سَمِعْنَا مَا أَرَدْتَ فَقَامَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَحْفِرُ حُفْرَتَهُ ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ عَطَشًا، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: واللَّهِ إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا لَعَجْزٌ لَا نَبْتَغِي لِأنْفُسِنَا حِيلَةً. فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً بِبَعْضِ الْبِلَادِ ارْتَحِلُوا فَارْتَحَلُوا حَتَّى إِذَا فَرَغُوا ومَنْ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ ومَا هُمْ فَاعِلُونَ تَقَدَّمَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ (٥) انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفِّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ فَكَبَّرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وكَبَّرَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ نَزَلَ فَشَرِبَ وشَرِبُوا واسْتَقَوْا حَتَّى مَلَئُوا أَسْقِيَتَهُمْ، ثُمَّ دَعَا الْقَبَائِلَ الَّتِي مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى الْمَاءِ فَقَدْ سَقَانَا стр. 429
اللَّهُ فَاشْرَبُوا واسْتَقُوا، فَشَرِبُوا واسْتَقَوْا فَقَالَتِ الْقَبَائِلُ الَّتِي نَازَعَتْهُ: قد واللَّهِ قَضَى اللَّهُ لَكَ عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ واللَّهِ لَا نُخَاصِمُكَ فِي زَمْزَمَ أَبَدًا الَّذِي سَقَاكَ هَذَا (١) الْمَاءَ بِهَذِهِ الْفَلَاةِ، هُوَ الَّذِي سَقَاكَ زَمْزَمَ فَارْجِعْ إِلَى سِقَايَتِكَ رَاشِدًا.
فَرَجَعَ ورَجَعُوا مَعَهُ ولَمْ يَمْضُوا إِلَى الْكَاهِنَةِ وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ زَمْزَمَ.
• قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وسَمِعْتُ أَيْضًا مَنْ يُحَدِّثُ فِي أَمْرِ زَمْزَمَ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قِيلَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ: ادْعُ بِالْمَاءِ الرُّوَاءِ غَيْرِ الْكَدِرِ فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: أتَعْلَمُونَ أَنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَحْفِرَ زَمْزَمَ؟ قَالُوا: فَهَلْ بُيِّنَ لَكَ أَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: فَارْجِعْ إِلَى مَضْجَعِكَ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ مَا رَأَيْتَ إِنْ يَكُنْ حَقًّا مِنَ اللَّهِ بُيِّنَ لَكَ، وإِنْ يَكُنْ مِنَ الشَّيْطَانِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْكَ. فَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى مَضْجَعِهِ فَنَامَ فَأُرِيَ فَقِيلَ: احْفِرْ زَمْزَمَ إِنْ حَفَرْتَهَا لَمْ تُذَمَّ وهِيَ تُرَاثُ أَبِيكَ (٢) الْأَعْظَمِ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ:
قَالَ: وأَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: قِيلَ لَهُ: (٣) عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ حَيْثُ يَنْقُرُ الْغُرَابَ غَدًا، قَالَ فَغَدَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ومَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ ولَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرَهُ فَوَجَدَ قَرْيَةَ النَّمْلِ ووَجَدَ الْغُرَابَ يَنْقُرُ عِنْدَهَا بَيْنَ الْوَثَنَيْنِ: إِسَافٍ ونَائِلَةَ: فَجَاءَ بِالْمِعْوَلِ وقَامَ لِيَحْفُرَ حَيْثُ أُمِرَ فَقَامَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ حِينَ رَأَوْا جَدَّهُ فَقَالَتْ: واللَّهِ لَا نَدَعُكَ تَحْفِرُ بَيْنَ وثَنَيْنَا هَذَيْنِ اللَّذَيْنِ نَنْحَرُ عِنْدَهُمَا فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِلْحَارِثِ: دَعْنِي أَحْفِرَ واللَّهِ لَأَمْضِيَنَّ لِمَا أُمِرْتُ بِهِ فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ غَيْرُ نَازِعٍ خَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ الْحَفْرِ وكُفُّوا عَنْهُ فَلَمْ يَحْفِرْ إِلِّا يَسِيرًا حَتَّى بَدَا لَهُ الطَّيُّ طَيُّ الْبِئْرِ فَكَبَّرَ وعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ، فَلَمَّا تَمَادَى بِهِ الْحَفْرُ وَجَدَ فِيهَا غَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ - وهُمَا الْغَزَالَانِ اللذان دفنت جرهم حين خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ - ووَجَدَ فِيه أَسْيَافًا قَلَعِيَّةً وأَدْرَاعًا وسِلَاحًا فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ:
إِنَّ لَنَا مَعَكَ فِي هَذَا شِرْكًا وحَقًّا (٤) قَالَ: لَا، ولَكِنً هَلُمَّ إِلَى أَمْرٍ نِصْفٍ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ، قَالُوا: وكَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: اجْعَلْ لِلْكَعْبَةَ قَد حين، стр. 430
وَلِي قَدَحَيْنِ، ولَكُمْ قَدَحَيْنِ، قَالُوا: أَنْصَفْتَ، فَجَعَلَ قَدَحَيْنِ أَصْفَرَيْنِ للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقَدَحَيْنِ أَبْيَضَيْنِ لِقُرَيْشٍ. ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهَا مَنْ يَضْرِبُ بِهَا عِنْدَ هُبَلَ وقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ:
لا هُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ الْمَحْمُودُ … رَبِّي وَأَنْتَ الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ
مِنْ عِنْدِكَ الطَّارِفُ (١) والتَّلِيدُ … فَأَخْرِجْ لَنَا (٢) الْغَدَاةَ مَا تُرِيدُ
فضرب بالقداح فَخَرَجَ الْأَصْفَرَانِ عَلَى الْغَزَالَيْنِ لِلْكَعْبَةِ وخَرَجَ الْأَسْوَدَانِ عَلَى الْأَسْيَافِ والدُّرُوعِ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وتَخَلَّفَ قَدَحَا قُرَيْشٍ فَضَرَبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْأَسْيَافَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وضَرَبَ فَوْقَهُ أَحَدَ الْغَزَالَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ ذَهَبٍ حُلِّيَتْهُ الْكَعْبَةُ وجَعَلَ الْغَزَالُ الْآخَرُ فِي بَطْنِ الْكَعْبَةِ فِي الْجُبِّ الَّذِي كَانَ فِيهَا يُجْعَلُ فِيهِ مَا يُهْدَى إِلَى الْكَعْبَةِ، وكَانَ هُبَلُ صَنَم قُرَيْشٍ فِي بَطْنِ الْكَعْبَةِ عَلَى الْجُبِّ فَلَمْ يَزَلِ الْغَزَالُ فِي الْكَعْبَةِ حَتَّى أَخَذَهُ النَّفْرُ الَّذِي كَانَ مِنَ (٣) أَمْرِهِمْ مَا كَانَ، وهُوَ مَكْتُوبٌ أَخْذُهُ وقِصَّتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَظَهَرَتْ زَمْزَمُ (٤) فَكَانَتْ سِقَايَةُ الْحَاجِّ فَفِيهَا يَقُولُ مُسَافِرُ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: يَمْدَحُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ:
فأي مناقب الخيرات … لَمْ تَشْدُدْ بِهِ عَضُدَا
ألَم تَسْقِ الْحَجِيجَ وتَنحَرِ … الْمِدْلَابَةُ (٥) الرِّفْدَا
وزَمْزَمُ مِنْ أَرُومَتِهِ … وتَمْلَأُ (٦) عَيْنَ مَنْ حَسَدَا
وكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَدْ نَذَرَ لِلَّهِ عَلَيْهِ حِينَ أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ لَئِنْ حَفَرَهَا وتَمَّ لَهُ أَمْرُهَا (٧) وتَتَامَّ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةُ ذُكُورٍ لَيَذْبَحَنَّ أَحَدَهُمْ لِلَّهِ فَزَادَ стр. 431
اللَّهُ فِي شَرَفِهِ ووَلَدِهِ فَوُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ، الْحَارِثُ وأُمُّهُ مِنْ بَنِي سُوَاءَةَ بْنِ عامر أَخُو (١) هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ، وعَبْدُ اللَّهِ، وأَبُو طَالِبٍ، والزُّبَيْرُ وأُمُّهُمُ (٢) الْمَخْزُومِيَّةُ، والْعَبَّاسُ وضِرَارُ وأُمُّهُمَا النَّمَرِيَّةُ، وأَبُو لَهَبٍ، وأُمُّهُ الْخُزَاعِيَّةُ، والْغَيْدَاقُ وأُمُّهُ الْغَبْشَانِيَّةُ خُزَاعِيَّةٌ، وحَمْزَةُ والْمُقَوِّمُ وأُمُّهُمَا (٣) الزُّهْرِيَّةُ، فَلَمَّا تَتَامَّ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ وعَظُمَ شَرَفُهُ وحَفَرَ زَمْزَمَ وتَمَّ لَهُ سقيها أَقْرَعَ بَيْنَ وَلَدِهِ أَيُّهُمْ يَذْبَحُ فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ إِلَيْهِ لِيَذْبَحَهُ فَقَامَتْ لَهُ اخواله بنو مَخْزُومَ وعُظَمَاءُ قُرَيْشٍ وأَهْلُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ وقَالُوا: واللَّهِ لَا تَذْبَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْعَلْ تَكُنْ سُنَّةً عَلَيْنَا فِي أَوْلَادِنَا وسُنَّةً عَلَيْنَا فِي الْعَرَبِ وقَامَتْ بَنُوهُ مَعَ قُرَيْشٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: إِنَّ بِالْحِجَازِ عَرَّافَةٌ لَهَا تَابِعٌ فَسَلْهَا ثُمَّ أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ إِنْ أَمَرَتْكَ بِذَبْحِهِ ذَبَحْتَهُ وإِنْ أَمَرَتْكَ بِأَمْرٍ لَكَ (٤) فِيهِ فَرَجٌ قَبِلْتَهُ قَالَ: فَانْطَلَقُوا حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَوَجَدُوا الْمَرْأَةَ فِيهَا يُقَالُ لَهَا تخيبر، فَسَأَلُوهَا وقَصَّ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَبَرَهُ فَقَالَتْ: ارْجِعُوا الْيَوْمَ عَنِّي حَتَّى يَأْتِيَنِي تَابِعِي فَأَسْأَلَهُ، فَرَجَعُوا عَنْهَا حَتَّى كَانَ الْغَدُ ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهَا فَقَالَتْ: نَعَمْ قَدْ جَاءَنِي الْخَبَرُ كَمِ الدِّيَةُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ قَالَ: وكَانَتْ كَذَلِكَ قَالَتْ: فَارْجِعُوا إِلَى بِلَادِكُمْ وقَرِّبُوا عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ ثُمَّ اضْرِبُوا (٥) عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ وعَلَى صَاحِبِكُمْ فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا وإِنْ خَرَجَتْ عَلَى صَاحِبِكُمْ فَزِيدُوا مِنَ الْإِبِلِ عَشْرًا ثُمَّ اضْرِبُوا بالقداح (٦) عليها وعَلَى صَاحِبِكُمْ حَتَّى يَرْضَى رَبُّكُمْ فَإِذَا خَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا فَقَدْ رَضِيَ رَبُّكُمْ ونَجَا صَاحِبُكُمْ، قَالَ: فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ فَأَقْرَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وعَلَى عَشْرٍ مِنَ الْإِبِلِ فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ стр. 432
الْمُطَّلِبِ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ زِدْ رَبَّكَ حَتَّى يَرْضَى فَلَمْ يَزَلْ يَزِيدُ عَشْرًا عَشْرًا وَتَخْرُجُ الْقُرْعَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وتَقُولُ قُرَيْشٌ: زِدْ رَبَّكَ حَتَّى يَرْضَى فَفَعَلَ حَتَّى بَلَغَ مِائَةً (١) مِنَ الْإِبِلِ فَخَرَجَتِ الْقِدَاحُ عَلَى الْإِبِلِ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: انْحَرْهَا فَقَدْ رَضِيَ رَبُّكَ وقَرَعَتْ، فَقَالَ: لَمْ أَنْصِفْ إِذًا (٢) رَبِّي حَتَّى تَخْرُجَ الْقُرْعَةُ عَلَى الْإِبِلِ ثَلَاثًا فَأَقْرَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وعَلَى الْمِائَةِ منَ الْإِبِلٍ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ تَخْرُجُ الْقُرْعَةُ عَلَى الْإِبِلِ فَلَمَّا خَرَجَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ نَحَرَ الْإِبِلَ فِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ والشِّعَابِ وعَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ لَمْ يُصَدَّ عَنْهَا إِنْسَانٌ وَلَا طَائِرٌ وَلَا سَبُعٌ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا وتَجَلَّبَتْ لَهَا الْأَعْرَابُ مِنْ حَوْلِ مَكَّةَ وأَغَارَتِ السِّبَاعُ عَلَى بَقَايَا بَقِيَتْ مِنْهَا فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلُ مَا كَانَتِ الدِّيَةُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَثَبَتَتِ الدِّيَةُ عَلَيْهِ، قَالَ (٣): ولَمَّا انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى مَنْزِلِهِ مَرَّ بِوَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ وهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وهُوَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ مَكَّةَ فَزِوَّجَ ابْنَتَهُ آمِنَةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
ذكر فضل زمزم ومَا جَاءَ فِي ذَلِكَ
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن عُثْمَانَ بْنِ خَيْثَمٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّهُ قَالَ فِي زَمْزَمَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ مَضْنُونَةٌ وإِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بَرَّةُ وإِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ شَرَابُ الْأَبْرَارِ وإِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ طَعَامُ طُعْمٍ وشِفَاءُ سُقْمٍ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي عَنِ الزَّنْجِيِّ عَنِ ابْنِ خَيْثَمٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ فَاشْتَكَى، فَجِئْنَاهُ نَعُودُهُ فَإِذَا عِنْدَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ قَالَ: فَقُلْنَا: لَوِ اسْتَعْذَبْتَ فَإِنَّ стр. 433
هَذَا مَاءٌ فِيهِ غِلَظٌ، قَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَشْرَبَ حَتَّى أُخْرِجَ مِنْهَا غَيْرَهُ والَّذِي نفس وَهْبٍ بِيَدِهِ إِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ زَمْزَمَ، لَا تَنْزِفُ ولَا تُذَمُّ وإِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ بَرَّةُ شَرَابُ الْأَبْرَارِ، وإِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ مَضْنُونَةٌ، وإِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ طَعَامُ طُعْمٍ وشِفَاءُ سُقْمٍ، والَّذِي نَفْسُ وَهْبٍ (١) بِيَدِهِ لَا يَعْمِدُ إِلَيْهَا أَحَدٌ فَيَشْرَبُ مِنْهَا حَتَّى يَتَضَلَّعَ إِلَّا نَزَعَتْ مِنْهُ دَاءً وأَحْدَثَتْ لَهُ شِفَاءً.
• حَدَّثَنِي (٢) جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ كَعْبٍ: أَنَّهُ قَالَ لِزَمْزَمَ: إِنَّا لَنَجِدُهَا (٣) مَضْنُونَةٌ ضُنَّ بِهَا لَكُمْ، أَوَّلُ مَنْ سَقَى مَاءَهَا إِسْمَاعِيلُ ﵇ طَعَامُ طُعْمٍ وشِفَاءُ سُقْمٍ.
• حَدَّثَنَا جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ (٤) عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، إِنْ شَرِبْتَهُ تُرِيدُ شِفَاءً شَفَاكَ اللَّهُ، وإِنْ شَرِبْتَهُ لظمإ أَرْوَاكَ اللَّهُ، وإِنْ شَرِبْتَهُ لِجُوعٍ أَشْبَعَكَ اللَّهُ، وهِيَ هَزْمَةُ جِبْرِيلَ بِعَقِبِهِ وسُقْيَا اللَّهِ إِسْمَاعِيلَ ﵇، قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: والْهَزْمَةُ الْغَمْرَةُ بِالْعَقِبِ فِي الْأَرْضِ، وقَالَ:
زَمْزَمُ شُقَّتْ مِنَ الْهَزْمَةِ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ فُرَاتِ الْقَزَّازِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ:
سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: خَيْرُ وَادِيَيْنِ فِي النَّاسِ وَادِي مَكَّةَ ووَادٍ بِالْهِنْدِ الَّذِي هَبَطَ بِهِ آدَمُ ﵇ ومِنْهُ يُؤْتَى بِهَذَا الطِّيبِ الَّذِي يَتَطَيَّبُونَ بِهِ، وشَرُّ وَادِيَيْنِ فِي النَّاسِ وَادٍ بِالْأَحْقَافِ ووَادٍ بِحَضْرَمَوْتَ يُقَالُ لَهُ: بَرَهُوتَ، وخَيْرُ بِئْرٍ فِي النَّاسِ بِئْرُ زَمْزَمَ، وشَرُّ بِئْرٍ فِي النَّاسِ بَلَهُوتَ وإِلَيْهَا تَجْتَمِعُ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ وهِيَ فِي بَرَهُوتَ.
• حَدَّثَنَا جَدِّي عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إِلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَسْتَهْدِيهِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِرَاوِيَتَيْنِ وجَعَلَ عليهما كرا غوطيا. стр. 434
• حَدَّثَنَا جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، إِنْ جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا (١) لَيْلًا فَلَا تُصْبِحَنَّ، وإِنْ جَاءَكَ نَهَارًا فَلَا تَمْسِيَنَّ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ بِمَاءِ زمزم، فاستعانت امرأته أُثَيْلَةَ الْخُزَاعِيَّةِ جَدَّةِ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَأَدْلَجْنَاهُمَا وجواريهما (٢) فلم يصبحا حَتَّى قَرَنَا مَزَادَتَيْنِ وفَرَغَتَا مِنْهُمَا فَجَعَلَهُمَا (٣) فِي كُرَّيْنِ غُوطِيِّينَ ثُمَّ مَلَأَهُمَا وبَعَثَ بِهِمَا (٤) عَلَى بَعِيرٍ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا لَيْلَةً فِي جَوْفِ اللَّيْلِ عِنْدَ زَمْزَمَ جَالِسٌ إِذْ نَفَرٌ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ (٥) لَمْ أَرَ بَيَاضَ ثِيَابِهِمْ لِشَيْءٍ قَطُّ، فَلَمَّا فَرَغُوا صَلُّوا قَرِيبًا مِنِّي فَالْتَفَتَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اذْهَبُوا بِنَا نَشْرَبُ مِنْ شَرَابِ الْأَبْرَارِ، قَالَ: فَقَامُوا ودَخَلُوا زَمْزَمَ فَقُلْتُ: واللَّهِ لَوْ دَخَلْتُ عَلَى الْقَوْمِ فَسَأَلْتُهُمْ، فَقُمْتُ فَدَخَلتُ فَإِذَا لَيْسَ فِيهَا مِنَ الْبَشَرِ أَحَدٌ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ رَبَاحٌ مَوْلًى لِآلِ الْأَخْنَسِ أَنَّهُ قَالَ: أَعْتَقَنِي أَهْلِي فَدَخَلْتُ مِنَ الْبَادِيَةِ إِلَى مَكَّةَ فَأَصَابَنِي بِهَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى كُنْتُ أُكَوِّمُ الْحَصَا ثُمَّ أَضَعُ كَبِدِي عَلَيْهِ، قَالَ: فَقُمْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى زَمْزَمَ فَنَزَعْتُ فَشَرِبْتُ لَبَنًا كَأَنَّهُ لَبَنُ غَنَمٍ مَسْتَوْحِمَةٍ أَنْفَاسًا، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ ابن يَحْيَى عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَيْسِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَمَةَ (٦) عَنِ الْعَبَّاسِ ابن عبد المطلب قال:
تَنَافَسَ النَّاسُ فِي زَمْزَمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى إِنْ كَانَ أَهْلُ الْعِيَالِ يَغْدُونَ بِعِيَالِهِمْ стр. 435
فَيَشْرَبُونَ مِنْهَا فَتَكُونُ صَبُوحًا لَهُمْ وقَدْ كُنَّا نَعُدُّهَا عَوْنًا عَلَى العيال.
• حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سُلَيْمِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَتْ تُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ شُبَاعَةَ - يَعْنِي زَمْزَمَ - ويَزْعُمُ أَنَّهَا نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى الْعِيَالِ.
• وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يحيى عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ.
• وعَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ (١) بْنِ عِمْرَانَ عَنْ خَالِدِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : التَّضَلُّعُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ براءة من النفاق.
• وحَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدٍ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عَلَامَةُ مَا بَيْنَنَا وبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ أَنْ يُدْلُوا دَلْوًا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فيتضلعوا منها، ما استطاع منافق قط يتضلع منها.
• وعَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ حَمَلَ مِنْهَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَاوِيَةً إِلَى الشَّامِ،.
• وعَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ (٢) عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ: أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ يَتَزَوَّدُهُ إِلَى الشَّامِ،.
• وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ بَابَاهُ مَوْلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: جَاءَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ إِلَى (٣) زَمْزَمَ ونَحْنُ نَنْزِعُ عَلَيْهَا فَنَحَّيْنَاهُ عَنْهُا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ ﵁: دَعُوهُ يُفْرِغْهَا فِيهَا واسْتَقَى مِنْهُمَا إِدَاوَةً وقَالَ:
إِنَّهُمَا لَيَتَعَارَفَانِ - يَعْنِي إِيلِيَا وَزَمْزَمَ -.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَاطِبِيِّ عَنْ عَطَاءٍ (٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلُّوا стр. 436
فِي مُصَلَّى الْأَخْيَارِ، واشْرَبُوا مِنْ شَرَابِ الْأَبْرَارِ، قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا مصلى الْأَخْيَارِ؟ قَالَ تَحْتَ الْمِيزَابِ، قِيلَ ومَا شَرَابُ الْأَبْرَارِ؟ قَالَ: مَاءُ (١) زَمْزَمَ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ:
سَمِعْتُ أَنَّهُ يُقَالُ: خَيْرُ مَاءٍ فِي الْأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ وشَرُّ مَاءٍ فِي الْأَرْضِ مَاءُ بَرَهُوتَ -. شِعْبٌ مِنْ شِعَابِ حَضْرَمَوْتَ - وخَيْرُ بِقَاعِ الْأَرْضِ الْمَسَاجِدَ، وشَرُّ بِقَاعِ الارض الْأَسْوَاقَ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ (٢): حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بريدة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ أَنَّ زُبَيْدَ بْنَ الصَّلْتِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ كَعْبًا قَالَ لِزَمْزَمَ: بَرَّةُ َمَضْنُونَةُ ضُنَّ بِهَا لَكُمْ أَوَّلُ مَنْ أُخْرِجَتْ لَهُ إِسْمَاعِيلُ ونَجْدُهَا طَعَامُ طُعْمٍ وشِفَاءُ سُقْمٍ،.
• قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:
وأَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبًا يَقُولُ:
: إِنِّي لَأَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلَ أَنَّ زَمْزَمَ طَعَامُ طُعْمٍ، وشِفَاءُ سُقْمٍ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْكَلْبِيُّ عَنْ عَوْنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ مُلٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ابْنِ أَخِي أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِي عَمِّي أَبُو ذَرٍّ: يَا بْنَ أَخِي فِي حَدِيثِ حَدَّثَ بِهِ عَنْ مَقْدَمِ أَبِي ذَرٍّ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَانَ فِي حَدِيثِهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَتَى كُنْتَ هَاهُنَا؟ قَالَ:
قُلْتُ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ بَيْنَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ومَا لِي طَعَامٌ ولَا شَرَابٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ فَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ وجع وَلَقَدْ تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي فَقَالَ (٣): إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَبَاحٌ عَنِ (٤) الْأَسْوَدِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَهْلِي بِالْبَادِيَةِ فَاتُّبِعْتُ بِمَكَّةَ فَأُعْتِقْتُ فَمَكَثْتُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا أَجِدُ شَيْئًا آكُلُهُ، قَالَ: فَمَكَثْتُ أَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ زَمْزَمَ فَبَرَكْتُ عَلَى رُكْبَتِيَّ مَخَافَةَ أَنْ أَسْتَقِيَ وأَنَا قَائِمٌ стр. 437
فَيَرْفَعُنِي الدَّلْوَ مِنَ الْجَهْدِ، فَجَعَلْتُ أَنْزِعُ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى أَخْرَجْتُ الدَّلْوَ فَشَرِبْتُ فَإِذَا أَنَا بِصَرِيفِ اللَّبَنِ بَيْنَ ثَنَايَايَ فَقُلْتُ: لَعَلِّي نَاعِسٌ فَضَرَبْتُ بِالْمَاءِ عَلَى وَجْهِيَ وانْطَلَقْتُ وأَنَا أَجِدُ قُوَّةَ اللَّبَنِ وشِبَعَهُ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ ابن سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ (١): أَنَّ رَاعِيًا كَانَ يَرْعَى وكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ فَكَانَ إِذَا ظَمِئَ وَجَدَ فِيهَا لَبَنًا وإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَجَدَ فِيهَا ماء.
• حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ التَّضَلُّعَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، وأَنَّ مَاءَهَا يَذْهَبُ بِالصُّدَاعِ وأَنَّ الاطلاع فِيهَا يَجْلُو الْبَصَرَ، وأَنَّهُ سَيَأْتِي عليها زمان يكون أَعْذَبَ مِنَ النِّيلِ والْفُرَاتِ، قَالَ: أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ: وقَدْ رَأَيْنَا ذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وثَمَانِينَ ومِائَتَيْنِ، وذَلِكَ أَنَّهُ أَصَابَ مَكَّةَ أَمْطَارٌ كَثِيرَةٌ فَسَالَ وَادِيهَا بِأَسْيَالٍ عِظَامٍ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وسَبْعِينَ وسَنَةِ ثَمَانِينَ ومِائَتَيْنِ فَكَثُرَ مَاءُ زَمْزَمَ وارْتَفَعَ حَتَّى كَانَ قَارَبَ رَأْسَهَا فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَفَتِهَا الْعُلْيَا إِلَّا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا، ومَا رَأَيْتُهَا قَطُّ كَذَلِكَ ولَا سَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَآهَا كَذَلِكَ، وعَذُبَتْ جِدًّا حَتَّى كَانَ مَاؤُهَا أَعْذَبَ مِنْ مِيَاهِ مَكَّةَ الَّتِي يَشْرَبُهَا أَهْلُهَا، وكُنْتُ أَنَا وكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ نختار الشرب مِنْهَا لِعُذُوبَتِهِ وأَنَّا رَأَيْنَاهُ أَعْذَبَ مِنْ مِيَاهِ الْعُيُونِ ولَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنَ الْمَشَايِخِ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَآهَا بِهَذِهِ الْعُذُوبَةِ، ثُمَّ غَلُظَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ ومَا بَعْدَهَا، وكَانَ الْمَاءُ فِي الْكَثْرَةِ عَلَى حَالِهِ وكُنَّا نُقَدِّرُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي بَطْنِ وَادِي مَكَّةَ لَسَالَ مَاؤُهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ أَرْفَعُ مِنَ الْوَادِي وزَمْزَمَ أَرْفَعُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَتْ فِجَاجُ مَكَّةَ وَشِعَابُهَا فِي هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ وَبُيُوتُهُا الَّتِي فِي هَذِهِ المواضع تتفجر ماء. стр. 438
ذِكْرُ شُرْبِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ (١)
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ أَخْبَرَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبَّاسٍ (٢) عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فِي حَدِيثٍ حَدَّثَ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ثُمَّ أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا بِسَجْلٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَتَوَضَّأَ بِهِ ثُمَّ قَالَ:
انْزِعُوا عَنْ سِقَايَتِكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَولَا أَنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهَا لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ اصحابه أَنْ يُفِيضُوا نَهَارًا وأَفَاضَ فِي نِسَائِهِ لَيْلًا فَطَافَ بِالْبَيْتِ عَلَى نَاقَتِهِ ثُمَّ جَاءَ زَمْزَمَ فَقَالَ: نَاوِلُونِي فَنُوِلَ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ تَمَضْمَضَ فَمَجَّ فِي الدَّلْوِ ثُمَّ أَمَرَ بِمَا فِي الدَّلْوِ فَأُفْرِغَ فِي الْبِئْرِ ثُمَّ قَالَ: لَولَا أَنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهَا لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ.
• قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ طاوسا يَقُولُ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ زَمْزَمَ فَقَالَ: نَاوِلُونِي فَنُوِلَ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ مَضْمَضَ ثُمَّ مَجَّ فِي الدَّلْوِ ثُمَّ أَمَرَ بِمَا فِي الدَّلْوِ فَأُفْرِغَ فِي الْبِئْرِ ثُمَّ قَالَ نَحْوًا مِمَّا قَالَ ابْنُ طاوس فِي النَّزْعِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى السِّقَايَةِ سقاية النبيذ ليشرب فقال الْعَبَّاسُ: إِنَّ هَذَا قَدْ سَاطَنَهُ الْأَيْدِي مُنْذُ الْيَوْمِ وقَدِ انْفَلَّ وفِي الْبَيْتِ شَرَابٌ صَافٍ، فَأَبَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَشْرَبَ إِلَّا مِنْهُ، فَعَادَ عَبَّاسٌ لِذَلِكَ الْقَوْلِ فَأَبَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَشْرَبَ إِلَّا مِنْهُ حَتَّى عَادَ عَبَّاسٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَبَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَشْرَبَ إِلَّا مِنْهُ فَسُقِيَ مِنْهُ قَالَ، فَكَانَ طَاوُسٌ يَقُولُ: الشرب من النَّبِيذِ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ.
• قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وأَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِنَ النَّبِيذِ ومِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وقَالَ: لَولَا أَنْ يَكُونَ سُنَّةً لَنَزَعْتُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رُبَّمَا فَعَلْتُ - أَيْ رُبَّمَا نَزَعْتُ -. стр. 439
• حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ شَيْخًا كَبِيرًا يَفْتِلُ الْغَرْبَ، وكَانَتْ عَلَيْهَا غُرُوبٌ ودِلَاءٌ، فَرَأَيْتُ رِجَالًا مِنْهُمْ بَعْدُ مَا مَعَهُمْ مَوْلًى، فِي الْأَرْضِ يُلْقُونَ أَرْدِيَتِهِمْ فَيَنْزِعُونَ فِي الْقُمَّصِ (١) حَتَّى إِنَّ أَسَافِلَ قُمُصِهِمْ لَمُبْتَلَّةٌ بِالْمَاءِ، فَيَنْزِعُونَ قَبْلَ الْحَجِّ وأَيَّامَ مِنًى وبَعْدَهُ.
• قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وأَخْبَرَنِي حُسَيْنُ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ دواد بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا نَادَى ابْنَ عَبَّاسٍ والنَّاسُ حَوْلَهُ فَقَالَ: سُنَّةٌ تَتَّبِعُونَ بِهَذَا النَّبِيذِ أَمْ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَسَلِ واللَّبَنِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ عَبَّاسًا فَقَالَ: اسْقُونَا فَقَالَ:
إِنَّ هَذَا شَرَابٌ قَدْ مُغِثَ ومُرِثَ أفَلَا نَسْقِيكَ لَبَنًا وعَسَلًا؟ فَقَالَ: اسْقُونَا مِمَّا تَسْقُونَ مِنْهُ النَّاسَ، قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ومَعَهُ أَصْحَابُهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ والْأَنْصَارِ بِعِسَاسِ النَّبِيذِ فَلَمَّا شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ عَجَّلَ قَبْلَ أَنْ يُرْوَى فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ:
أَحْسَنْتُمْ هَكَذَا اصْنَعُوا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرِضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ تَسِيلَ شِعَابُنَا عَلَيْنَا لَبَنًا وعَسَلًا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ عَطَاءٌ: فَلَا يُخْطِئُنِي إِذَا أَفَضَتْ أَنْ أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، قَالَ: وقَدْ كُنْتُ فِيمَا مَضَى أَنْزِعُ مَعَ النَّاسِ الدَّلْوَ الَّتِي أَشْرَبُ مِنْهَا اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فَأَمَّا مُذْ كَبِرْتُ فَلَا أَنْزِعُ، يُنْزَعُ لِي فَأَشْرَبُ وإِنْ لَمْ يَكُنْ لِي ظَمَأٌ اتِّبَاعَ صَنِيعِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، قَالَ: فَأَمَّا النَّبِيذُ فَمَرَّةً أَشْرَبُ مِنْهُ ومَرَّةً لَا أَشْرَبُ مِنْهُ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفَاضَ فِي نِسَائِهِ لَيْلًا وطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ ويُقَبِّلُ طَرَفَ الْمِحْجَنِ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ فَقَالَ: انْزِعُوا فَلَولَا أَنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهَا لَنَزَعْتُ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ ﵁: إِنْ يَفْعَلْ فَرُبَّمَا فَعَلْتُ (٢) فِدَاكَ أَبِي أُمِّي، ثُمَّ أَمَرَ بِدَلْوٍ فَنُزِعَ لَهُ مِنْهَا فَشَرِبَ فَمَضْمَضَ ثُمَّ مَجَّ فِي الدَّلْوِ وأَمَرَ بِهِ فَأُهْرِيقَ فِي زَمْزَمَ ثُمَّ أَتَى السِّقَايَةَ فَقَالَ: اسْقُونِي مِنَ النَّبِيذِ فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا شَرَابٌ قَدْ مُغِثَ وثُفِلَ وخَاضَتْهُ (٣) стр. 440
الْأَيْدِي ووَقَعَ فِيهِ الذُّبَابُ وفِي الْبَيْتِ شَرَابٌ هُوَ أَصْفَى مِنْهُ، قَالَ مِنْهُ فاسقني، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وأَعَادَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ:
مِنْهُ فَاسْقِنِي، فَسَقَاهُ مِنْهُ فَشَرِبَ، قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: هُوَ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ نُزِعَ لَهُ دَلْوٌ مِنْ مَاءِ (١) زَمْزَمَ فَشَرِبَ قَائِمًا.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرٍ بن عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءِ (٢) زَمْزَمَ فَاسْتَنْثِرْ خَارِجًا مِنَ الدَّلْوِ ومَضْمَضَ ثُمَّ مَجَّ فِيهِ، قَالَ مِسْعَرٌ: مِسْكًا أَوْ أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنِي حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ السِّقَايَةَ فَقَالَ اسْقُونِي فَقَالَ عَبَّاسٌ: إِنَّهُمْ قَدْ مُرِثُوهُ وأَفْسَدُوهُ أفَأَسْقِيكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْقُونِي مِنْهُ، فَسَقَوْهُ مِنْهُ ثُمَّ نَزَعُوا لَهُ دَلْوًا فَغَسَلَ فِيهِ وَجْهَهُ وتَمَضْمَضَ فِيهِ فَقَالَ: أَعِيدُوهُ فِيهَا ثُمَّ قَالَ:
إِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ لَولَا أَنْ يُتَّخَذَ سُنَّةً لَأَخَذْتُ بِالرِّشَاءِ والدَّلْوِ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صُفَّةِ زَمْزَمَ، فَأَمَرَ بِدَلْوٍ فَنُزِعَتْ له مِنَ الْبِئْرِ فَوَضَعَهَا عَلَى شَفَةِ الْبِئْرِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ عِرَاقَيِ الدَّلْوِ ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ كَرَعَ فِيهَا فَأَطَالَ ثُمَّ أَطَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ كَرَعَ فِيهَا فَأَطَالَ وهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ كَرَعَ فِيهَا فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ فَأَطَالَ وهُوَ دُونَ الثَّانِي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ قَالَ ﷺ : عَلَامَةُ مَا بَيْنَنَا وبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يَشْرَبُوا مِنْهَا قَطُّ حَتَّى يَتَضَلَّعُوا. стр. 441
مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ لِلْمُغْتَسِلِ فِيهَا وغَيْرِ ذَلِكَ
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْ سَمِعَ عَاصِمَ بْنَ بَهْدَلَةَ يُحَدِّثُ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُوَ يَطُوفُ حَوْلَ زَمْزَمَ يَقُولُ: لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ وَهِيَ لِمُتَوَضِّئٍ وشَارِبٍ حَلٌّ وَبَلٌّ، قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي لِمُغْتَسِلٍ فِيهَا وذَلِكَ أَنَّهُ وَجَدَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، وقَدْ نَزَعَ ثِيَابَهُ وقَامَ يَغْتَسِلُ مِنْ حَوْضِهَا عُرْيَانًا.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هِيَ حَلٌّ وَبَلٌّ - يَعْنِي زَمْزَمَ - فَسُئِلَ سُفْيَانُ مَا حَلٌّ وَبَلٌّ؟ قال:
حل محلل.
• حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ اغْتَسَلَ مِنْ زَمْزَمَ فَوَجِدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا فَقَالَ: لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ - يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ - وهِيَ لِشَارِبٍ ومُتَوَضِّئٍ حل وبل يقول: حل محلل.
إِذْنُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي الْبَيْتُوتَةِ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ،.
• قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:
стр. 442
وأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ أَنْ يَبِيتُوا بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ شُغْلِهِمْ فِيهَا، قُلْتُ: أتَرَى لِآلِ جُبَيْرٍ رُخْصَةً؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ أَرْخَصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، قُلْتُ: - أَيُّ أَهْلِ بَيْتِهِ - رَأَيْتَهُ يَبِيتُ بِمَكَّةَ، قَالَ: لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَبِيتُ بِمَكَّةَ إِلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ فَكَانَ يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى. يَظَلُّ حَتَّى إِذَا كَانَ الرَّمْيُ انْطَلَقَ فَرَمَى ثُمَّ دَخَلَ إِلَى مَكَّةَ فَبَاتَ بِهَا وظَلَّ حَتَّى مَثَلَهَا أَيَّامَ مِنًى كُلَّهَا.
مَا ذُكِرَ مِنْ غَوْرِ الْمَاءِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا زَمْزَمَ
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ: أَنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ الْمِيَاهَ الْعَذْبَةَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وتَغُورُ الْمِيَاهُ غَيْرَ زَمْزَمَ وتُلْقِي الْأَرْضُ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ويَجِيءُ الرَّجُلُ بِالْجِرَابِ فِيهِ الذَّهَبُ والْفِضَّةُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَقْبَلُ هَذَا مِنِّي؟ فَيَقُولُ: لَوْ أَتَيْتَنِي بِهِ أَمْسِ قَبِلْتُهُ.
مَا كَانَ عَلَيْهِ حَوْضُ زَمْزَمَ فِي عَهْدِ ابْنِ عَبَّاسٍ ومَجْلِسِهِ
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ: وإِنَّمَا كَانَتْ سِقَايَتُهُمُ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا، قَالَ: كَانَ لِزَمْزَمَ حَوْضَانِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ، فَحَوْضٌ بَيْنَهَا وبَيْنَ الرُّكْنِ يُشْرَبُ مِنْهُ الْمَاءُ، وحَوْضٌ مِنْ وَرَائِهَا لِلْوُضُوءِ لَهُ سَرْبٌ يَذْهَبُ فِيهِ الْمَاءُ مِنْ بَابِ وُضُوئِهِمُ الْآنَ - يَعْنِي بَابَ الصَّفَا - قَالَ: فَيَصُبُّ النَّازِعُ الْمَاءَ وهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْبِئْرِ فِي هَذَا وفِي هَذَا (١) من قُرْبِهَا مِنَ الْبِئْرِ، قَالَ الْخُزَاعِيُّ: وفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ: стр. 443
كَأَنِّي لَمْ أَقْطُنْ بِمَكَّةَ سَاعَةً … ولَمْ يُلْهِنِي فِيهَا رَبِيبٌ مُنَعَّمُ
ولَمْ أَجْلِسِ الْحَوْضَيْنِ شَرْقِيَّ زَمْزَمٍ … وهَيْهَاتَ أَنِّي مِنْكَ لَا أَيْنَ زَمْزَمُ (١)
قَالَ: ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا شُبَّاكٌ حِينَئِذٍ قَالَ: وأَرَادَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ يَسْقِيَ فِي دَارِ النَّدْوَةِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ (٢) عَبَّاسٍ ﵁، أَنْ لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ فَقَالَ. صَدَقَ فَسَقَى حِينَئِذٍ بِالْمُحَصَّبِ ثُمَّ رَجَعَ فَسَقَى بِمِنًى، قَالَ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ:
كَانَ مَوْضِعُ السِّقَايَةِ الَّتِي لِلنَّبِيذِ بَيْنَ الرُّكْنِ وزَمْزَمَ مِمَّا يَلِي نَاحِيَةَ الصَّفَا فَنَحَّاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى مَوْضِعِهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ الْيَوْمَ. وقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ:
كَانَ مَوْضِعُ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي زَاوِيَةِ زَمْزَمَ الَّتِي تَلِي الصَّفَا والْوَادِي وهُوَ عَلَى يَسَارِ مَنْ دَخَلَ زَمْزَمَ، وكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَ عَلَى مَجْلِسِهِ الْقُبَّةَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وعَلَى مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ عاملا لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ عَمِلَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي خِلَافَتِهِ، وعَمِلَ عَلَى زَمْزَمَ شِبَّاكًا ثُمَّ عَمِلَهُ الْمَهْدِيُّ وعَمِلَ شُبَّاكَيْ زَمْزَمَ أَيْضًا، فَعَمِلَ فِي مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَنِيسَةَ سَاجٍ عَلَى رَفٍّ فِي الرُّكْنِ عَلَى يَسَارِكَ.
• أَخْبَرَنِي جَدِّي قَالَ: أَوَّلُ مَنْ عَمِلَ الْقُبَّةَ الَّتِي عَلَى الصحفة التي بين زمزم وبَيْنَ بَيْتِ الشَّرَابِ، الْمَهْدِيُّ فِي خِلَافَتِهِ عَمِلَهَا لَهُمْ أَبُو بَحْرٍ الْمَجُوسِيُّ النَّجَّارُ كَانَ جَاءَ بِهِ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الْعِرَاقِ (٣)، فَعَمِلَ لَهُ سُقُوفًا فِي دَارِهِ الَّتِي عِنْدَ الْمَرْوَةِ وبَابِ دَارِهِ، سَنَةَ إِحْدَى وسِتِّينَ ومِائَةٍ،.
• قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ: سَمِعْتُ شَيْخًا قَدِيمًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَذْكُرُ أَنَّ الْمَهْدِيَّ ومَنْ كَانَ أشَارَ عَلَيْهِ بِعَمَلِهَا إِنَّمَا تَحَرَّوْا بِهَا مَوْضِعَ الدَّوْحَةِ الَّتِي أَنْزَلَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ وأُمَّهُ هَاجَرَ تَحْتَهَا فَبُنِيَتْ هَذِهِ الْقُبَّةُ فِي مَوْضِعِ الدَّوْحَةِ واللَّهُ أَعْلَمُ. стр. 444
بَابُ ذِكْرِ غَوْرِ (١) زَمْزَمَ ومَا جَاءَ فِي ذلك
• قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: كَانَ ذَرْعُ زَمْزَمَ مِنْ أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلِهَا سِتِّينَ ذِرَاعًا، وفِي قَعْرِهَا ثَلَاثُ عُيُونٍ، عَيْنٌ حِذَاءَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، وعَيْنٌ حِذَاءَ أَبِي قُبَيْسٍ والصَّفَا، وعَيْنٌ حِذَاءَ الْمَرْوَةِ. ثُمَّ كَانَ قَدْ قَلَّ مَاؤُهَا جِدًّا حَتَّى كَانَتْ تُجَمُّ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وعِشْرِينَ وأَرْبَعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنٍ، قَالَ: فُضُرِبَ فِيهَا تِسْعَةَ أَذْرُعٍ سَحًّا فِي الْأَرْضِ فِي تَقْوِيرِ جَوَانِبِهَا ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْأَمْطَارِ والسُّيُولِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ فَكَثُرَ ماءها، وقَدْ كَانَ سَالِمُ بْنُ الْجَرَّاحِ قَدْ ضَرَبَ فِيهَا فِي خِلَافَةِ الرَّشِيدِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَذْرُعًا، وكَانَ قَدْ ضَرَبَ فِيهَا فِي خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ أَيْضًا، وكَانَ عُمَرُ بْنُ مَاهَانَ - وهُوَ عَلَى الْبَرِيدِ والصُّوَافِي - فِي خِلَافَةِ الْأَمِينِ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّشِيدِ قَدْ ضَرَبَ فِيهَا وَكَانَ ماءها قَدْ قَلَّ حَتَّى كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ مشيرٍ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ يَعْمَلُ فِيهَا، فَقَالَ: أَنَا صَلَّيْتُ فِي قَعْرِهَا، فَغَوْرُهَا مِنْ رَأْسِهَا إِلَى الْجَبَلِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، ذَلِكَ كُلُّهُ بُنْيَانٌ ومَا بَقِيَ فَهُوَ جَبَلٌ مَنْقُورٌ وهُوَ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وذَرْعُ حُبُكِ (٢) زَمْزَمَ فِي السَّمَاءِ ذِرَاعَانِ وشِبْرٌ، وذَرْعُ تَدْوِيرِ فَمِ زَمْزَمَ أَحَدَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وسَعَةُ فَمِ زَمْزَمَ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وثُلُثَا ذِرَاعٍ، وعَلَى الْبِئْرِ مِلْبَنُ سَاجٍ مُرَبَّعٌ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ (٣) كُرَةً يُسْتَقَى عَلَيْهَا، وأَوَّلُ مَنْ عَمِلَ الرُّخَامَ عَلَى زَمْزَمَ وعَلَى الشُّبَّاكِ وفَرَشَ أَرْضَهَا بِالرُّخَامِ أَبُو جَعْفَرٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي خِلَافَتِهِ ثُمَّ (٤) عَمِلَهَا الْمَهْدِيُّ فِي خِلَافَتِهِ، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُمَرُ بْنُ فَرَجٍ الرُّخَّجِيُّ فِي خِلَافَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سَنَةَ عِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ، وكَانَتْ مَكْشُوفَةً قَبْلَ (٥) ذَلِكَ إِلَّا قُبَّةً صَغِيرَةً عَلَى مَوْضِعِ الْبِئْرِ стр. 445
وفِي رُكْنِهَا الَّذِي يَلِي الصَّفَا عَلَى يَسَارِكَ كَنِيسَةٌ عَلَى مَوْضِعِ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، غَيَّرَهَا عُمَرُ بْنُ فَرَجٍ فَسَقَفَ زَمْزَمَ كُلَّهَا بِالسَّاجِ الْمُذَهَّبِ مِنْ دَاخِلِهَا وجَعَلَ عَلَيْهَا مِنْ ظَهْرِهَا الْفُسَيْفِسَا وأَشْرَعَ لَهَا جَنَاحًا صَغِيرًا كَمَا يَدُورُ تَرْبِيعُهَا (١) وجَعَلَ فِي الْجَنَاحِ كَمَا يَدُورُ سَلَاسِلَ فِيهَا قَنَادِيلُ يُسْتَصْبَحُ فِيهَا فِي الْمَوْسِمِ وجَعَلَ عَلَى الْقُبَّةِ الَّتِي بَيْنَ زَمْزَمَ وبَيْنَ (٢) بَيْتِ الشَّرَابِ الْفُسَيْفِسَا، وكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ تُزَوَّقُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ عَمِلَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ (٣).
ذكر حد المسجد الْحَرَامِ وفَضْلِهِ وفَضْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ:
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ حَدَّ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنَ الْحَزْوَرَةِ إِلَى الْمَسْعَى.
• وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصي أَنَّهُ قَالَ: أَسَاسُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي وَضَعَهُ إِبْرَاهِيمُ مِنَ الْحَزْوَرَةِ إِلَى الْمَسْعَى إِلَى مَخْرَجِ سَيْلِ أَجْيَادٍ قَالَ: والْمَهْدِيُّ وَضَعَ الْمَسْجِدَ عَلَى الْمَسْعَى،.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ الْمَكِّيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ الْحَرَمُ كُلُّهُ،.
• حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمَسَاجِدِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وُضِعَ أَوَّلًا؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قَالَ: قُلْتُ (٤) стр. 446
ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: اربعون سَنَةً ثُمَّ حَيْثُ عُرِضَتْ لَكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَهُوَ مَسْجِدٌ.
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ (١) حَدَّثَنِي جَدِّي ومَهْدِيُّ بْنُ أَبِي الْمَهْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمَسَاجِدِ وُضِعَ أَوَّلًا؟ قَالَ: جَدِّي فِي حَدِيثِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَرَّةً أَوْ قَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ (٢) قَالَ: قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ حَيْث مَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَإِنَّ الْأَرْضَ كلها طهور.
• وحَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ قَزَعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ:
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ومَسْجِدِي هَذَا والْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
• وحَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فِي إِتْيَانِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَتَجَهَّزْ فَإِذَا تَجَهَّزْتَ فَأَعْلِمْنِي، فَلَمَّا تَجَهَّزَ جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اجْعَلْهَا عُمْرَةً قَالَ: ومَرَّ بِهِ رَجُلَانِ وهُوَ يَعْرِضُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَقَالَ لَهُمَا:
من أين جئتما؟ فقالا: مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ: فَعَلَاهُمَا بِالدِّرَّةِ وقَالَ: أَحَجٌّ كَحَجِّ الْبَيْتِ؟ قَالَا: إِنَّمَا كُنَّا مُجْتَازَيْنِ.
• وأَخْبَرَنَا جَدِّي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ اني أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَاهُنَا أَفْضَلُ فَصَلِّ (٣) فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : والَّذِي نَفْسُ أَبِي стр. 447
الْقَاسِمِ بِيَدِهِ الصَّلَاةُ هَاهُنَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْبُلْدَانِ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ الْمَكِّيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وعِشْرِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ.
• حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ أَبِي الْمَهْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قَالَ: سَأَلَ حَفْصٌ الْحَسَنَ وأَنَا أَسْمَعُ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ قَالَ: هُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ عُبِدَ اللَّهُ فِيهِ فِي الْأَرْضِ، ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾، قَالَ: فَعَدَّهُنَّ الْحَسَنُ وأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِهِ، ﴿مَقامُ إِبْراهِيمَ ومَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ولِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، إِلَى مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ ومَسْجِدِ مُحَمَّدٍ ومَسْجِدِ إِيلِيَا.
• وحَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ:
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وفَضْلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَضْلُ مِائَةِ صَلَاةٍ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ خَلَّادِ ابن عَطَاءٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَضْلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَسْجِدِي هَذَا مِائَةُ صَلَاةٍ، قَالَ خَلَّادٌ: فَلَقِيتُ عَمْرَو ابن شُعَيْبٍ فَقُلْتُ: إِنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ أَخْبَرَنِي أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَضْلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَسْجِدِي مِائَةُ صَلَاةٍ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ:
أَوْهَمَ عَطَاءٌ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وفَضْلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَسْجِدِي كَفَضْلِ مَسْجِدِي عَلَى الْمَسَاجِدِ.
• وَأَخْبَرَنِي مُحْرِزُ (١) بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ ابن رَبَاحٍ وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ стр. 448
النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المساجد الا المسجد الحرام.
• حَدَّثَنِي جَدِّي: قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ قَزَعَةَ قَالَ: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الطُّورِ فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أما عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ومَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ والْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ودَعْ عَنْكَ الطُّورَ فَلَا تَأْتِهِ.
أَوَّلُ منْ أَدَارَ الصُّفُوفَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَدَارَ الصُّفُوفَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ،.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ قِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، تُرْكَزُ حَرْبَةٌ خَلْفَ الْمَقَامَ بِرَبْوَةٍ فَيُصَلِّي الْإِمَامُ خَلْفَ الْحَرْبَةِ والنَّاسُ وَرَاءَهُ فَمَنْ أَرَادَ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ ومَنْ أَرَادَ طَافَ بِالْبَيْتِ (١) ورَكَعَ خَلْفَ الْمَقَامِ، فَلَمَّا وَلِيَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ مَكَّةَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وحَضَرَ شَهْرُ رَمَضَانَ، أَمَرَ خَالِدٌ الْقُرَّاءَ أَنْ يَتَقَدَّمُوا فَيُصَلُّوا خَلْفَ الْمَقَامِ، وأَدَارَ الصُّفُوفَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ ضَاقَ عَلَيْهِمْ أَعْلَى الْمَسْجِدِ فَأَدَارَهُمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ فَقِيلَ لَهُ: تَقْطَعُ الطَّوَافَ لِغَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ قَالَ: فَأَنَا آمُرُهُمْ يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ سَبْعًا فَأَمَرَهُمْ فَفَصَلُوا بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ بِطَوَافِ سَبْعٍ، فَقِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي مُؤَخَّرِ الْكَعْبَةِ وجَوَانِبِهَا مَنْ لَا يَعْلَمُ بِانْقِضَاءِ طَوَافِ الطَّائِفِ مِنْ مُصَلٍّ وغَيْرِهِ فَيَتَهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ، فَأَمَرَ عَبِيدَ الْكَعْبَةِ أَنْ يُكَبِّرُوا حَوْلَ الْكَعْبَةِ يَقُولُونَ:
لْحَمْدُ لِلَّهِ واللَّهُ أَكْبَرُ، فَإِذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ فِي الطَّوَافِ السَّادِسِ سَكَتُوا بَيْنَ стр. 449
التَّكْبِيرَتَيْنِ سَكْتَةً حَتَّى يَتَهَيَّأَ النَّاسُ مِمَّنْ فِي الْحِجْرِ ومِنْ فِي جَوَانِبِ الْمَسْجِدِ مِنْ مُصَلٍّ وغَيْرِهِ فَيَعْرِفُونَ ذَلِكَ بِانْقِطَاعِ التَّكْبِيرِ ويُصَلِّي ويُخَفِّفُ الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى التَّكْبِيرِ حَتَّى يَفْرُغُوا مِنَ السَّبْعِ، ويَقُومُ مُسْمِعٌ فَيُنَادِي الصَّلَاةَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، قَالَ: وكَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ونظراءهم مِنَ الْعُلَمَاءِ يَرَوْنَ ذَلِكَ ولا ينكرونه.
• حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ وسَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: إِذَا قَلَّ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ يُصَلُّوا خَلْفَ الْمَقَامِ أَوْ (١) يَكُونُوا صَفًّا وَاحِدًا حَوْلَ الْكَعْبَةِ قَالَ: بَلْ يَكُونُوا صَفًّا وَاحِدًا حَوْلَ الْكَعْبَةِ قَالَ: وتلى: وتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ (٢).
مَوْضِعُ قُبُورِ عَذَارَى بَنَاتِ إِسْمَاعِيلَ ﵇ في المسجد الحرام
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ:
أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْمُحْدَوْدَبَ قُبُورُ عَذَارَى بَنَاتِ إِسْمَاعِيلَ ﵇ يَعْنِي مِمَّا يَلِي الرُّكْنَ الشَّامِيَّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - قَالَ:
وذَلِكَ المَوْضِعٌ يُسَوَّى مَعَ الْمَسْجِدِ فَلَا يَنْشَبُ أَنْ يَعُودَ محدوبا منذ كان. стр. 450
الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ والنَّاسُ يَمُرُّونَ بين ايدي (١) المصلي
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنِي جَدِّي حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي ودَاعَةَ السَّهْمِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِهِ عَنْ جَدِّهِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي ودَاعَةَ السَّهْمِيِّ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ والنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَهُ شِبْرٌ (٢).
إِنْشَادُ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ الحرام
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا فِي الْمَسْجِدِ يَقُولُ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟ قَالَ: لَا وَجَدْتَ وقَالَ: ألِهَذَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ؟
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ: لَا وَجَدْتَ.
مَا جَاءَ فِي النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: стр. 451
كُنَّا نَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ زَمَانَ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ ابن خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ (١) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أتَكْرَهُ النَّوْمَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: لَا (٢) بَلْ أُحِبُّهُ.
الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ومَا جَاءَ فِي ذَلِكَ
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ: - يَعْنِي يَتَمَسَّحُ بِغَيْرِ اسْتِنْجَاءٍ -.
• حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْمَكِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنِا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءً وطَاوُسًا يَكُونَانِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَرُبَّمَا توضئا وقَالَ: يَفْحَصُ لَهُمَا بَعْضُ جُلَسَائِهِمَا عَنِ الْبَطْحَاءِ فَيَتَوَضَّآ وضوءا سابغا حتى الرِّجْلَيْنِ لَا يَكُونُ مِنْ وُضُوءِ الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَتَمَّ مِنْهُ ثُمَّ تُعَادُ الْبَطْحَاءُ كَمَا كَانَتْ.
ذِكْرُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وجِدْرَانُهُ
وذِكْرُ مَنْ وَسَّعَهُ وعِمَارَتِهِ إِلَى أَنْ صَارَ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ ذِكْرُ عَمَلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وعُثْمَانَ ﵄
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: كَانَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ لَيْسَ عَلَيْهِ جُدُرَاتٌ مُحَاطَةٌ إِنَّمَا كَانَتِ الدُّورُ مُحْدِقَةً بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، غَيْرَ أَنَّ بَيْنَ الدُّورِ أَبْوَابًا يَدْخُلُ مِنْهَا النَّاسُ مِنْ كُلِّ نَوَاحِيهِ стр. 452
فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ فَاشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ دُورًا فَهَدَمَهَا وهَدَمَ على مَنْ قَرُبَ مِنَ الْمَسْجِدِ وأَبَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ وتَمَنَّعَ (١) مِنَ الْبَيْعِ فَوُضِعَتْ أَثْمَانُهَا فِي خِزَانَةِ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَخَذُوهَا بَعْدُ، ثُمَّ أَحَاطَ عَلَيْهِ جِدَارًا قَصِيرًا وقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: إِنَّمَا نَزَلْتُمْ عَلَى الْكَعْبَةِ فَهُوَ فِنَاؤُهُا ولَمْ تَنْزِلِ الْكَعْبَةُ عَلَيْكُمْ (٢)، ثُمَّ كَثُرَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ فَوَسَّعَ الْمَسْجِدَ واشْتَرَى مِنْ قَوْمٍ وأَبَى آخَرُونَ أَنْ يَبِيعُوا، فَهُدِمَ عَلَيْهِمْ فَصَيَّحُوا بِهِ فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: إِنَّمَا جَرَّأَكُمْ عَلَيَّ حِلْمِي عَنْكُمْ فَقَدْ فَعَلَ بِكُمْ عُمَرُ هَذَا فَلَمْ يَصِحْ بِهِ أَحَدٌ فَاحْتَذَيْتُ عَلَى مِثَالِهِ فَصَيَّحْتُمْ بِي ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ إِلَى الْحَبْسِ حَتَّى كَلَّمَهُ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ فَتَرَكَهُمْ (٣).
ذِكْرُ بُنْيَانِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: كَانَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ مُحَاطًا بِجِدَارٍ قَصِيرٍ غَيْرِ مُسْقَفٍ إِنَّمَا يَجْلِسُ النَّاسُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يَتَّبِعُونَ الْأَفْيَاءَ، فَإِذَا قَلَصَ الظِّلُّ قَامَتِ الْمَجَالِسُ.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وهُوَ جَالِسٌ عَلَى ضَفِيرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وهُوَ يَقُولُ لِابْنٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ:
لَقَدْ رَأَيْتُنِي وأَبَاكَ ومَا لَنَا إِلَّا كَذَا وكَذَا وكَانَ أَبُوكَ أَكْبَرَ مِنِّي سِنًّا، قَالَ سُفْيَانُ:
ذكر شيئا فنسيته.
• حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: زَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ واشْتَرَى دُورًا مِنَ النَّاسِ وأَدْخَلَهَا стр. 453
فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ مِمَّا اشْتَرَى بَعْضُ دَارِنَا - يَعْنِي دَارَ الْأَزْرَقِ - قَالَ: وكَانَتِ لَاصِقَةً بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وبَابُهَا شَارِعٌ عَلَى بَابِ بَنِي شَيْبَةَ الْكَبِيرِ عَلَى يَسَارِ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَاشْتَرَى نِصْفَهَا فَأَدْخَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِبَضْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ قَالَ: وكَتَبَ لَنَا إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْعِرَاقِ يَدْفَعُهَا إِلَيْنَا قَالَ: فَرَكِبَ مِنَّا رِجَالٌ فَوَجَدُوا مُصْعَبًا يُقَاتِلُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ فَلَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قُتِلَ مُصْعَبٌ، فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ قَالَ: فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَعِدُنَا ويَدْفَعُنَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَجَّاجُ فَحَاصَرَهُ فَقُتِلَ، ولَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا فَكَلَّمْنَا فِي ذَلِكَ الْحَجَّاجَ بَعْدَ مَقْتَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: أَنَا أُبْرِدُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ هُوَ ظَلَمَكُمْ فَأَنْتُمْ وهُوَ أَعْلَمُ، قَالَ: وكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَدِ انْتَهَى بِالْمَسْجِدِ إِلَى أَنْ أَشْرَعَهُ عَلَى الْوَادِي، مِمَّا يَلِي الصَّفَا ونَاحِيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ والْوَادِي يَوْمَئِذٍ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ، ثُمَّ مَضَى بِهِ مُصْعِدًا مِنْ وَرَاءِ بَيْتِ الشَّرَابِ لَاصِقًا بِهِ وبَيْنَ (١) جَدْرِ بَيْتِ الشَّرَابِ الَّذِي يَلِي الصَّفَا وبَيْنَ جَدْرِ الْمَسْجِدِ إِلَّا قَدْرُ مَا يَمُرُّ الرَّجُلُ وهُوَ مُنْحَرِفٌ ثُمَّ أُصْعِدْ بِهِ عَنْ بَيْتِ الشَّرَابِ مُصْعَدًا بِقَدْرِ سَبْعَةِ (٢) أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ رَدَّهُ فِي الْعَرَاضِ وكَانَتْ زَاوِيَةُ الْمَسْجِدِ الَّتِي تَلِي الْمَسْعَى ونَحْوَ الْوَادِي الزَّاوِيَةَ الشَّرْقِيَّةَ، لَيْسَ بَيْنَهَا وبَيْنَ زَاوِيَةِ بيت الشَّرَابِ الشَّرْقِيَّةِ إِلَّا نَحْوًا مِنْ سَبْعَةِ (٣) أَذْرُعٍ ثُمَّ رَدَّهُ عَرْضًا عَلَى الْمِطْمَارِ (٤) إِلَى بَابِ دَارِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ وهِيَ يَوْمَئِذٍ أَدْخَلُ مِنْهَا الْيَوْمَ (٥) فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ رَدَّ جِدَارَ الْمَسْجِدِ مُنْحَدِرًا عَلَى وَجْهِ دَارِ النَّدْوَةِ وهِيَ يَوْمَئِذٍ دَاخِلَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وبَابُهَا فِي وَسَطِ الصَّحْنِ، أَشَارَ لِي جَدِّي إِلَى مَوْضِعٍ يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَوْضِعِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ مِثْلُ مَا بَيْنَهُ وبَيْنَ الْأَسَاطِينِ الْأُولَى مِنَ الطَّاقِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْيَوْمَ يَكُونُ عَلَى النِّصْفِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأُسْطُوَانَةِ الْحَمْرَاءِ إِلَى مَوْضِعِ الصَّفِّ، الْأَوَّلِ فَضَرَبَ جَدِّي بِرِجْلِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ: كَانَ هَاهُنَا بَابُ دَارِ النَّدْوَةِ.
• وأَخْبَرَنِيهِ دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ стр. 454
الْعَطَّارُ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ وهُوَ أَمِيرٌ عَلَى مَكَّةَ يَخْرُجُ مِنْ باب النَّدْوَةِ وهُوَ يَوْمَئِذٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَأَدْخُلُ الطَّوَافَ وأَطُوفُ سَبْعًا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى أَكْبَرِ شَيْخَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ بِالْبَابِ، ثُمَّ يَمْشِي الْأَطَارِيحَ فَيَمْشِي قَلِيلًا قَلِيلًا ويَتَقْهَقْرُ أَبَدًا حَتَّى يَبْلُغَ الرُّكْنَ فَيَسْتَلِمَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بَابُ دَارِ النَّدْوَةِ فِي مَوْضِعِهِ هَذَا حَتَّى زَادَ أَبُو جَعْفَرٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَخَّرَهُ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، وكَانَ هَذَا بُنْيَانَ ابْنِ الزُّبَيْرِ الَّذِي ذَكَرْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، قَالَ جَدِّي لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِمَّنْ سَأَلْتُ مِنْ مَشْيَخَةِ أَهْلِ مَكَّةَ وأَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ مَنَ يَذْكُرُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ قَدْ سَقَفَهُ فَلَا أَدْرِي أَكُلَّهُ أَمْ بَعْضَهُ، قَالَ: ثُمَّ عَمَّرَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ولَمْ يَزِدْ فِيهِ ولَكِنَّهُ رَفَعَ جُدْرَانَهُ وسَقْفَهُ بِالسَّاجِ وعَمَّرَهُ عِمَارَةً حَسَنَةً.
• حَدَّثَنَا جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ فَرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ عَلَى عَمَلِ الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: فَجَعَلُوا فِي (١) رُءُوسِ الْأَسَاطِينِ خَمْسِينَ مِثْقَالًا مِنْ ذَهَبٍ فِي رَأْسِ كُلِّ أُسْطُوَانَةٍ، حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ زَاذَانَ بْنِ فَرُّوخَ قَالَ: مَسْجِدُ الْكُوفَةِ تِسْعَةُ أَجْرِبَةٍ ومَسْجِدُ مَكَّةَ تِسْعَةُ أَجْرِبَةٍ وشَيْءٌ. قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: قَالَ جَدِّي: وذَلِكَ فِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ (٢).
ذِكْرُ عَمَلِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ
• حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ قَالَ جَدِّي: ثُمَّ عَمَّرَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وكَانَ إِذَا عَمِلَ الْمَسَاجِدَ زَخْرَفَهَا قَالَ: فَنَقَضَ عَمَلَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وعَمِلَهُ عَمَلًا مُحْكَمًا وهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَقَلَ إِلَيْهِ أَسَاطِينَ الرُّخَامِ стр. 455
فعمله يطاق وَاحِدٍ بِأَسَاطِينِ الرُّخَامِ وسَقَفَهُ بِالسَّاجِ الْمُزَخْرَفِ وجَعَلَ عَلَى رُءُوسِ الْأَسَاطِينِ الذَّهَبَ عَلَى صَفَائِحِ الشَّبَهِ مِنَ الصُّفْرِ قَالَ: وأَزَّرَ الْمَسْجِدَ بِالرُّخَامِ مِنْ دَاخِلِهِ، وجَعَلَ فِي وَجْه (١) الطِّيقَانَ فِي أَعْلَاهَا الْفُسَيْفِسَاءَ وهُوَ أَوَّلُ مِنْ عَمِلَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وجَعَلَ لِلْمَسْجِدِ شُرُافَاتٍ وكَانَتْ هَذِهِ عِمَارَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ (٢).
عَمَلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي جَعْفَرٍ
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: لَمْ يُعَمِّرْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنَ الْخُلَفَاءِ ولَمْ يُزَدْ فِيهِ شَيْئًا، حَتَّى كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَزَادَ فِي شِقِّهِ الشَّامِيِّ الَّذِي يَلِي دَارَ الْعَجَلَةِ ودَارَ النَّدْوَةِ فِي أَسْفَلِهِ ولَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فِي أَعْلَاهُ ولَا فِي شِقِّهِ الَّذِي يَلِي الْوَادِيَ، قَالَ: فَاشْتَرَى مِنَ النَّاسِ دُورَهُمُ اللَّاصِقَةَ بِالْمَسْجِدِ مِنْ أَسْفَلِهِ حَتَّى وَضَعَهُ عَلَى مُنْتَهَاهُ الْيَوْمَ قَالَ: فَكَانَتْ زَاوِيَةُ الْمَسْجِدِ الَّتِي تَلِي أَجْيَادَ الْكَبِيرِ عِنْدَ بَابِ بَنِي جُمَحٍ عِنْدَ الْأَحْجَارِ النَّادِرَةِ مِنْ جَدْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ بَيْتِ زَيْتِ قَنَادِيلِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ آخِرِ مُنْتَهَى أَسَاطِينِ الرُّخَامِ مِنْ أَوَّلِ الْأَسَاطِينِ الْمُبَيَّضَةِ، فَذَهَبَ بِهِ فِي الْعَرْضِ (٣) عَلَى الْمِطْمَارِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَنَارَةِ الَّتِي فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ عِنْدَ بَابِ بَنِي سَهْمٍ (٤) وهُوَ مِنْ عَمَلِ أَبِي جَعْفَرٍ، ثُمَّ اصَّعَدْ بِهِ عَلَى الْمِطْمَارِ فِي وَجْهِ دَارِ الْعَجَلَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مُتَزَاوِرٍ عِنْدَ الْبَابِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى دَارِ حُجَيْرِ بْنِ أَبِي إِهَابٍ، بَيْنَ دَارِ الْعَجَلَةِ ودَارِ النَّدْوَةِ، وكَانَ الَّذِي وَلِيَ عِمَارَةَ الْمَسْجِدِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي جَعْفَرٍ، زِيَادَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيَّ وهُوَ أَمِيرٌ عَلَى مَكَّةَ وكَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسَافِعٍ الشَّيْبِيُّ جَدُّ مُسَافِعِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَلَمَّا стр. 456
انْتَهَى بِهِ إِلَى الموضع الْمُتَزَاوِرُ، ذَهَبَ (١) عَبْدُ الْعَزِيزِ يَنْظُرُ (٢) فَإِذَا هُوَ إِنْ مَضَى بِهِ عَلَى الْمِطْمَارِ أَجْحَفَ بِدَارِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ وأَدْخَلَ أَكْثَرَهَا فِي الْمَسْجِدِ، فَكَلَّمَ زِيَادَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي أَنْ يُمِيلَ عَنْهُ الْمِطْمَارَ شَيْئًا فَفَعَلَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُتَزَاوِرِ أَمَالَهُ (٣) فِي الْمَسْجِدِ، أَمَّرَهُ عَلَى دَارِ النَّدْوَةِ فَأَدْخَلَ أَكْثَرَهَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى دَارِ شَيْبَةَ ابن عُثْمَانَ فَأَدْخَلَ مِنْهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي عِنْدَ آخِرِ عَمَلِ الْفُسَيْفِسَاءِ الْيَوْمَ فِي الطَّاقِ الدَّاخِلِ مِنَ الْأَسَاطِينِ الَّتِي تَلِي دَارَ شَيْبَةَ ودَارَ النَّدْوَةِ، فَكَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ زَاوِيَةَ الْمَسْجِدِ وكَانَتْ فِيهِ مَنَارَةٌ مِنْ عَمَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي جَعْفَرٍ، ثُمَّ رَدَّهُ فِي الْعِرَاضِ حَتَّى وَصَلَهُ بِعَمَلِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الَّذِي فِي أَعْلا الْمَسْجِدِ، وإِنَّمَا كَانَ عَمَلُ أَبِي جَعْفَرٍ طَاقًا وَاحِدًا وهُوَ الطَّاقُ الْأَوَّلُ الدَّاخِلُ اللَّاصِقُ بِدَارِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ ودَارِ النَّدْوَةِ ودَارِ الْعَجَلَةِ ودَارِ زُبَيْدَةَ، فَذَلِكَ الطَّاقُ هُوَ عَمَلُ أَبِي جَعْفَرٍ لَمْ يُغَيَّرْ ولَمْ يُحَرَّكْ عَنْ حَالِهِ إِلَى الْيَوْمِ وإِنَّمَا عُمِلَ الْفُسَيْفِسَاءُ فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ وَجْهَ الْمَسْجِدِ وكَانَ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ مِنْ شِقِّ الْوَادِي مِنَ الْأَحْجَارِ الَّتِي وُضِعَتْ عِنْدَ بَيْتِ الزَّيْتِ عِنْدَ أَوَّلِ الْأَسَاطِينِ الْمُبَيَّضَةِ عِنْدَ مُنْتَهَى أَسَاطِينِ الرُّخَامِ فَكَانَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ مُسْتَقِيمًا عَلَى الْمِطْمَارِ حَتَّى يُلْصَقَ بِبَيْتِ الشَّرَابِ عَلَى مَا وَصَفْتُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، وكَانَ عَمَلُ أَبِي جَعْفَرٍ إِيَّاهُ بِأَسَاطِينِ الرُّخَامِ طَاقًا وَاحِدًا وأَزَّرَ الْمَسْجِدَ كَمَا يَدُورُ مِنْ بَطْنِهِ بِالرُّخَامِ وجَعَلَ فِي وَجْهِ الْأَسَاطِينِ الْفُسَيْفِسَاءَ، فَكَانَ هَذَا عَمَلَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ عَلَى مَا وَصَفْتُ وكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى يَدِي زِيَادِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيِّ وكَتَبَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَمُرُّ مِنْهُ سَيْلُ الْمَسْجِدِ وهُوَ سَيْلُ بَابِ بَنِي جُمَحٍ وهُوَ آخِرُ عَمَلِ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ بِالْفُسَيْفِسَاءِ الْأَسْوَدِ فِي فُسَيْفِسَاءَ مُذَهَّبٍ وهُوَ قَائِمٌ إِلَى الْيَوْمِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمّنِ الرَّحِيمِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَرْسَلَهُ ﴿بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ،﴾ ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾) إِلَى قَوْلِهِ ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أَمَرَ عَبْدُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِتَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَعِمَارَتِهِ وَالزِّيَادَةِ فِيهِ نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ واهْتِمَامًا بِأُمُورِهِمْ، وكَانَ الَّذِي زَادَ فِيهِ الضِّعْفَ مِمَّا كَانَ стр. 457
عَلَيْهِ قَبْلُ وأَمَرَ بِبُنْيَانِهِ وتَوْسِعَتِهِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وثَلَاثِينَ ومِائَةٍ وفَرَغَ منه ورُفِعَتِ الْأَيْدِي عَنْهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ ومِائَةٍ بِتَيْسِيرِ أَمْرِ اللَّهِ بِأَمْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ومَعُونَةٍ مِنْهُ لَهُ عَلَيْهِ وكِفَايَةٍ مِنْهُ لَهُ وكَرَامَةٍ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهَا فَأَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا نَوَى مِنْ تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وأَحْسَنَ ثَوَابَهُ عَلَيْهِ فَجَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا والْآخِرَةِ وأَعَزَّ نَصْرَهُ وأَيَّدَهُ.
ذِكْرُ زِيَادَةِ الْمَهْدِيِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْأُولَى
• حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابن الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُقْبَةَ يَقُولُ: حَجَّ الْمَهْدِيُّ سَنَةَ سِتِّينَ ومِائَةٍ فَجَرَّدَ الْكَعْبَةَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهَا مِنَ الثِّيَابِ وأَمَرَ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وأَمَرَ أَنْ يُزَادَ فِي أَعْلَاهُ ويُشْتَرَى مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنَ الدُّورِ وخَلَّفَ تِلْكَ الْأَمْوَالَ، وكَانَ الَّذِي أَمَرَ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِشَامٍ الْأَوْقَصُ الْمَخْزُومِيُّ وهُوَ يَوْمَئِذٍ قَاضِي أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ: فَاشْتَرَى الْأَوْقَصُ الدُّورَ فَمَا كَانَ مِنْهَا صَدَقَةٌ عَزَلَ ثَمَنَهُ واشْتَرَى هُوَ لِأَهْلِ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِ دُورِهِمْ مَسَاكِنَ فِي فِجَاجِ مَكَّةَ عوضا مِنْ صَدَقَاتِهِمْ تَكُونُ لِأَهْلِ الصَّدَقَةِ عَلَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ شُرُوطِ صَدَقَاتِهِمْ (١) قَالَ: فَاشْتَرَى كُلَّ ذِرَاعٍ فِي ذِرَاعٍ مُكَسَّرًا مِمَّا دَخَلَ فِي الْمَسْجِدِ بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ دِينَارًا، ومَا دَخَلَ فِي الْوَادِي بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا قَالَ: فَكَانَ مِمَّا دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْهَدْمِ دَارُ الْأَزْرَقِ وهِيَ يَوْمَئِذٍ لَاصِقَةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى يَمِينِ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ الْكَبِيرِ، فَكَانَ ثَمَنُهَا نَاحِيَةَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَهَا دَخَلَ فِي الْمَسْجِدِ فِي زِيَادَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ حِينَ زَادَ فِيهِ قَالَ: واشْتَرَى لَهُمْ بِثَمَنِهَا مَسَاكِنَ عِوَضًا مِنْ دَارِهِمْ فَهِيَ فِي أَيْدِيهِمْ إِلَى الْيَوْمِ، قَالَ: ودَخَلْتُ أَيْضًا دَارَ خَيْرَةَ بِنْتِ سِبَاعٍ стр. 458
الْخُزَاعِيَّةِ بَلَغَ ثَمَنُهَا ثَلَاثَةً وأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ دُفِعَتْ إِلَيْهَا وكَانَتْ شَارِعَةً على (١) الْمَسْعَى يَوْمَئِذٍ قَبْلَ أَنْ يُؤَخَّرَ الْمَسْعَى، قَالَ: ودَخَلَتْ أَيْضًا دَارٌ لِآلِ (٢) جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: ودَخَلَ أَيْضًا بَعْضُ دَارِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ، فَاشْتَرَى جَمِيعَ مَا كَانَ بَيْنَ الْمَسْعَى والْمَسْجِدِ مِنَ الدُّورِ فَهَدَمَهَا ووَضَعَ الْمَسْجِدَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ شَارِعًا عَلَى الْمَسْعَى وجَعَلَ مَوْضِعَ دَارِ الْقَوَارِيرِ رَحَبَةً فَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى اسْتَقْطَعَهَا جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ فِي خِلَافَةِ الرَّشِيدِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَبَنَاهَا ثُمَّ قَبَضَهَا حَمَّادُ الْبَرْبَرِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ فَبَنَى بَاطِنَهَا بِالْقَوَارِيرِ وَبَنَى ظَاهِرَهَا بِالرُّخَامِ والْفُسَيْفِسَاءِ، وكَانَ الَّذِي زَادَ الْمَهْدِيُّ فِي الْمَسْجِدِ (٣) فِي الزِّيَادَةِ الْأُولَى أَنْ مَضَى بِجَدْرِهِ الَّذِي يَلِي الْوَادِيَ إِذْ كَانَ لَاصِقًا بِبَيْتِ الشَّرَابِ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى حَدِّ بَابِ بَنِي هَاشِمٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: بَابُ الْبَطْحَاءِ عَلَى سُوقِ الْخُلْقَانِ إِلَى حَدِّهِ الَّذِي يَلِي بَابَ بَنِي هَاشِمٍ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَلَمُ الْأَخْضَرُ الَّذِي يَسْعَى مِنْهُ مَنْ أَقْبَلَ مِنَ الْمَرْوَةِ يُرِيدُ الصَّفَا، ومَوْضِعُ ذَلِكَ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ فَكَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ زَاوِيَةَ الْمَسْجِدِ وكَانَتْ فِيهِ مَنَارَةٌ شَارِعَةٌ عَلَى الْوَادِي والْمَسْعَى وكَانَ الْوَادِي لَاصِقًا بِهِمَا يَمُرُّ فِي بَطْنِ الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمَهْدِيُّ الْمَسْجِدَ إِلَى مُنْتَهَاهُ (٤) الْيَوْمَ مِنْ شِقِّ الصَّفَا والْوَادِي ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى مِطْمَارِهِ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى زَاوِيَةِ الْمَسْجِدِ الَّتِي تَلِي الْحِذَاءَيْنِ وبَابِ بَنِي شَيْبَةَ الْكَبِيرِ إِلَى مَوْضِعِ الْمَنَارَةِ الْيَوْمَ ثُمَّ رَدَّ جَدْرَ الْمَسْجِدِ مُنْحَدِرًا حَتَّى لَقِيَ بِهِ جَدْرَ الْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ مِنْ بِنَاءِ (٥) أَبِي جَعْفَرٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَرِيبًا مِنْ بَابِ دَارِ شَيْبَةَ، مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ مُنْحَدِرًا عَنِ الْبَابِ بِأُسْطُوَانَتَيْنِ مِنَ الطَّاقِ اللَّاصِقِ بِجَدْرِ الْمَسْجِدِ إِلَى مُنْتَهَى عَمَلِ الْفُسَيْفِسَاءِ مِنْ ذَلِكَ الطَّاقِ الدَّاخِلِ وذَلِكَ الْفُسَيْفِسَاءِ وَحْدَهُ وجَدْرِ الْمَسْجِدِ مُنْحَدِرًا إِلَى أَسْفَلِ الْمَسْجِدِ، عَمَلُ أَبِي جَعْفَرٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ هَذَا الَّذِي زَادَ الْمَهْدِيُّ فِي الْمَسْجِدِ فِي الزِّيَادَةِ الْأُولَى، وكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا جَعَلَ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الظِّلَالِ طَاقًا وَاحِدًا وهُوَ الطَّاقُ الْأَوَّلُ اللَّاصِقُ بِجَدْرِ الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ стр. 459
فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِأَسَاطِينِ الرُّخَامِ فَنُقِلَتْ فِي السُّفُنِ مِنَ الشَّامِ حَتَّى أُنْزِلَتْ بِجُدَّةَ ثُمَّ جُرَّتْ عَلَى الْعَجَلِ مِنْ جُدَّةَ إِلَى مَكَّةَ، فَجُعِلَتْ أَسَاطِينَ لَمَّا هَنْدَمَ (١) الْمَهْدِيُّ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ وجَعَلَ بَيْنَ يَدَيِ الطَّاقِ الَّذِي كَانَ بَنَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ مِمَّا يَلِي دَارَ النَّدْوَةِ ودَارَ الْعَجَلَةِ وأَسْفَلَ الْمَسْجِدِ إِلَى مَوْضِعِ بَيْتِ الزَّيْتِ عِنْدَ بَابِ بَنِي جُمَحٍ صَفَّيْنِ حَتَّى صَارَتْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ، وهِيَ الطِّيقَانِ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ لَمْ تَغَيَّرْ، قَالَ: ولَمَّا وَضَعَ الْأَسَاطِينَ حَفَرَ لَهَا أَرْبَاضًا (٢) عَلَى كُلِّ صَفٍّ مِنَ الْأَسَاطِينِ جَدْرًا مُسْتَقِيمًا ثُمَّ رَدَّ بَيْنَ الْأَسَاطِينِ (٣) جُدُرَاتٍ أَيْضًا بِالْعَرْضِ حَتَّى صَارَتْ كَالصَّلِيبِ عَلَى مَا أَصِفُ في كتابي هذا.
فَلَمَّا أَنْ قَرَّرَ الْأَرْبَاضَ عَلَى قَرَارِ الْأَرْضِ حَتَّى أُنْبِطُ الْمَاءُ بَنَاهَا بِالنُّورَةِ والرَّمَادِ (٤) والْجِصِّ (٥) حَتَّى إِذَا اسْتَوَى بِالْأَرْبَاضِ (٦) عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَضَعَ فَوْقَهَا الْأَسَاطِينَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، ولَمْ يَكُنْ حَوَّلَ الْمَهْدِيُّ فِي الْهَدْمِ الْأَوَّلِ مِنْ شِقِّ الْوَادِي والصَّفَا شَيْئًا أَقَرَّهُ عَلَى حَالِهِ طَاقًا وَاحِدًا وذَلِكَ لِضِيقِ الْمَسْجِدِ فِي تِلْكَ стр. 460
النَّاحِيَةِ إِنَّمَا كَانَ بَيْنَ جدر الْكَعْبَةِ الْيَمَانِي وبَيْنَ جَدْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِي الْوَادِيَ (١) والصَّفَا تِسْعَةٌ وأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا ونِصْفُ ذِرَاعٍ، فَهَذَهِ زِيَادَةُ الْمَهْدِيِّ الْأُولَى فِي عِمَارَتِهِ إِيَّاهُ، فَالَّذِي فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْأَبْوَابِ مِنْ عَمَلِ أَبِي جَعْفَرٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَسْفَلِ الْمَسْجِدِ بَابُ بَنِي جُمَحٍ وهُوَ ثَلَاثُ طِيقَانٍ ومِنْ تَحْتِهِ يخرج سَيْلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كُلِّهِ ومِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ بَلَاطٌ يَمُرُّ عَلَيْهِ سَيْلُ الْمَسْجِدِ، وفِي دَارِ زُبَيْدَةَ بَابَانِ كَانَا يَخْرُجَانِ إِلَى زُقَاقٍ، كَانَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ والدَّارِ الَّتِي صَارَتْ لِزُبَيْدَةَ؛ وكَانَ ذَلِكَ الزُّقَاقُ طَرِيقًا مَسْلُوكًا مَا سُدَّ إِلَّا حَدِيثًا والْبَابَانِ مُبَوَّبَانِ، ومِنْ عَمَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ أَيْضًا بَابُ بَنِي سَهْمٍ وهُوَ طَاقٌ وَاحِدٌ وبَابُ (٢) عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وبَابَانِ فِي دَارِ الْعَجَلَةِ طَاقًا طَاقًا كَانَا يَخْرُجَانِ إِلَى زُقَاقٍ، كَانَ بَيْنَ دَارِ الْعَجَلَةِ وبَيْنَ جَدْرِ الْمَسْجِدِ وكَانَ طَرِيقًا مَسْلُوكًا يَمُرُّ فِيهِ سَيْلُ السُّوَيْقَةِ وسَيْلُ مَا أَقْبَلَ مِنْ جَبَلِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ، ولَمْ تَزَلْ تِلْكَ الطَّرِيقُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى سَدَّهَا يَقْطِينُ بْنُ مُوسَى حِينَ بَنَى دَارَ الْعَجَلَةِ قَدَّمَ الدَّارَ إِلَى جَدْرِ الْمَسْجِدِ وأَبْطَلَ الطَّرِيقَ وجَعَلَ تَحْتَ الدَّارِ سَرْبًا مُسْتَقِيمًا مُسَقَّفًا يَمُرُّ تَحْتَهُ السَّيْلُ وذَلِكَ السَّرْبُ عَلَى حَالِهِ إِلَى الْيَوْمِ وسُّدَّ أَحَدُ بَابِي الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ فِي ذَلِكَ الزُّقَاقِ وهُوَ الْبَابُ الْأسْفَلُ مِنْهُمَا ومَوْضِعُهُ بَيْنَ فِي جَدْرِ الْمَسْجِدِ وجُعِلَ الْبَابُ الْآخَرُ بَابًا لِدَارِ الْعَجَلَةِ ضَيَّقَهُ وبَوَّبَهُ وهُوَ بَابُ دَارِ الْعَجَلَةِ إِلَى (٣) الْيَوْمِ، ومِمَّا جَعَلَ أَيْضًا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَابَ الَّذِي يُسْلَكُ مِنْهُ إِلَى دَارِ حُجَيْرِ بْنِ أَبِي إِهَابٍ بَيْنَ دَارِ الْعَجَلَةِ ودَارِ الندوة وبَابُ دَارِ النَّدْوَةِ، فَهَذِهِ الْأَبْوَابُ السَّبْعَةُ مِنْ عَمَلِ أَبِي جَعْفَرٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينِ، وأَمَّا الْأَبْوَابُ الَّتِي مِنْ زِيَادَةِ الْمَهْدِيِّ الْأُولَى فَمِنْهَا الْبَابُ الَّذِي فِي دَارِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ وهُوَ طَاقٌ وَاحِدٌ، ومِنْهَا الْبَابُ الْكَبِيرُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ الْخُلَفَاءُ كَانَ يُقَالُ لَهُ: بَابُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ويُعْرَفُ الْيَوْمَ بِبَابِ بَنِي شَيْبَةَ الْكَبِيرِ وهُوَ ثَلَاثُ طِيقَانٍ وفِيهِ أُسْطُوَانَتَانِ следующие страницы →