مُحَدِّثُ مِصْرَ إِلاَّ ابْنَ لَهِيعَةَ» وَلَكِنَّ هذا الإمام الكبير المُحَدِّثَ لا يلبث أنْ يُرْمَى بالتساهل في نظر الذهبي نفسه فيقول: «يُرْوَى حَدِيثُهُ فِي المُتَابَعَاتِ وَلاَ يُحْتَجُّ بِهِ» (١) ويقول: «وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ باِلمُتْقَنِ» (٢)، ذلك بأنَّ ابن لهيعة - كما يقول الخطيب البغدادي - «وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الأَخْذِ , وَأَيَّ كِتَابٍ جَاؤُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ , فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ المَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ» (٣). قال يَحْيَى بْنَ حَسَّانَ: «جَاءَ قَوْمٌ , وَمَعَهُمْ جُزْءٌ , فَقَالُوا: سَمِعْنَاهُ مِنِ ابْنِ لَهِيعَةَ , فَنَظَرْتُ , فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ , فَجِئْتُ إِلَى ابْنِ لَهِيعَةَ فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي حَدَّثْتَ بِهِ لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ مِنْ حَدِيثِكَ , وَلاَ سَمِعْتَهَا أَنْتَ قَطُّ؟ , فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ؟ يَجِيئُونِي بِكِتَابٍ فَيَقُولُونَ: هَذَا مِنْ حَدِيثِكَ , فَأُحَدِّثُهُمْ بِهِ» (٤).
ولا ريب أنَّ كَثِيرًا من المبالغات تحف أخبار الرحَّالين، وإنْ كان لا بُدَّ أنْ يكون لها في أصلها سندٌ صحيح. فهذا حجاج بن الشاعر يقول: «جَمَعَتْ لِي أُمَّي مِائَة رَغِيفٍ فَجَعَلَتْهَا فِي جِرَابٍ، وَانْحَدَرْتُ إِلَى شَبَابَة بِالمَدَائِنِ، فأقمتُ بِبَابِهِ مِائَة يَوِمٍ، كُلَّ يَوْمٍ أَجِيءُ بِرَغِيفٍ فَأَغْمِسُهُ فِي دِجْلَةَ فَآكُلُهُ، فَلَمَّا نَفِدَتْ خَرَجْتُ» (٥). وهذا أحمد بن الفرات (٦) يخبر بنفسه بأنه «كَتَبَ عَنْ أَلْفٍ
стр. 72
وَسَبْعٍ وَمِائَةَ شَيْخٍ» (١) على حين لم نعرف من أسماء شيوخ الإمام البخاري الذين تَلَقَّى عنهم وأخذ من أفواههم - عند جمع " صحيحه " - إِلاَّ أَلْفًا وزيادة قليلة (٢). وقالوا في أبي عبد الله بن منده (- ٣٩٥ هـ): إنه ختام الرَّاحلين (٣)، لأنه «لَمَّا رَجَعَ مِنَ الرِّحْلَة الطَّوِيلَةِ كَانَتْ كُتُبُهُ عِدَّةَ أَحْمَالٍ حَتَّى قَِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ حِمْلاً» (٤).
وحين صُنِّفَتْ كتب الحديث لم تُغْنِ عن الرحلة في طلب العلم، فلقد كانت الكتب لتيسر التحصيل على المتساهل، أما الذي كان يلتمس شرف العلم وكرامته فلم يكن ليرضى بما يقرؤه في الكتب بل ظلت أشهى أمانيه الرحلة في طلب الحديث.
الرِّحْلَةُ لِلْمُتَاجَرَةِ بِالحَدِيثِ:
ولئن كان هؤلاء الرحَّالون إنما يطلبون الحديث ابتغاء الاتساع في المعرفة، فإنَّ كَثِيرًا غيرهم بدؤوا يطلبونه متاجرةً به: فيعقوب بن إبراهيم بن سعد كان يحفظ الحديث الذي رواه أبو هريرة وفيه ينهى الرسول ﷺ عن الاغتسال
стр. 73
في الماء الدائم إذا أصابته نجاسة، «وكان يعقوب لا يُحَدِّثُ بهذا الحديث إلاَّ بدينار» (١). وأمر أبي نعيم الفضل بن دُكين أغرب من هذا فإنه إمام حافظ ثقة (٢)، ولكنه ضرب الرقم القياسي في الخبرة بالشؤون المالية، فهذا أحد تلاميذه علي بن جعفر بن خالد يقول: «كُنَّا نَخْتَلِفُ إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ الفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ الْقُرَشِيِّ نَكْتُبُ عَنْهُ الحَدِيثَ، فَكَانَ يَأْخُذُ مِنَّا الدَّرَاهِمَ الصِّحَاحَ، فَإِذَا كَانَ مَعَنَا دَرَاهِمُ مَكْسُورَةً يَأْخُذُ عَلَيْهَا صَرْفًا» (٣). ولذلك كان شُعبة بن الحجاج (٤) ينصح بأخذ الحديث من الغَنِيِّ المُوسِرِ لأنه يستغني عن الكذب فيقول لعليٍّ بن عاصم: «عَلَيْكَ بِعُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ فَإِنَّهُ غَنِيُّ لاَ يَكْذِبُ!» فيرُدُّ عليه عليُّ بن عاصم قائلاً: «كَمْ مِنْ غَنِيٍّ يَكْذِبُ!» (٥) ويقول شُعْبَةُ مُؤَكِّداً رَأْيَهُ: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِ الفُقَرَاءِ شَيْئًا» (٦).
ولقد قام العلماء - في مختلف العصور - في وجه هؤلاء المتاجرين بالحديث
стр. 74
يضربون على أيديهم، وينصحون طلبة العلم قائلين: «يَا ابْنَ آدَمَ عِلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا» (١). ويستندون في هذا إلى أنَّ التعليم مَجَّانًا وارد في الكتب السماوية، فعن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: «مَكْتُوبٌ فِي الكُتُبِ: يَا ابْنَ آدَمَ عِلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا» (٢). ولهذا القول أصل صحيح معروف في الكتب السماوية، ففي آخر سفر من أسفار الكتاب المقدس « Deutéronome» : « إِنَّمَا عَلَّمْتُكُمْ بِأَمْرِ رَبِّي» (٣). ويستندون أَحْيَانًا أخرى إلى الحديث النبوي نفسه ليجزموا بحرمة أخذ الأجر على تعليم العلم، ففي " سُنن أبي داود " أنَّ الصحابي الجليل عُبادة بن الصامت ﵁ علَّمَ ناسًا من أهل الصُفَّة الكتاب والقرآن، فأهدى إليه رجل منهم قوسًا رمزًا للشكر وعرفان الجميل، وَإِذَا عُبَادَةُ يَسْتَفْتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي أَمْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، فَيُفْْتِيهِ ﵇ بِلَهْجَةٍ شَدِيدَةٍ جَازِمَةٍ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» (٤). وكان لأمثال هذا الحديث أثر بليغ في نفوس العلماء وَالرُوَّاةِ، فكانوا يعدُّون الهدية رشوة إنْ أهداها طالب الحديث، ويرفضون أنْ يلقوا إليه شيئاً منه إلاَّ إذا عاهدهم ألاَّ يهديهم شَيْئًا.
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ , قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَسْمَعُ مِنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ (- ١٦٧ هـ) فَرَكِبَ بَحْرَ الصِّينِ فَقَدِمَ , فَأَهْدَى إِلَى حَمَّادٍ فَقَالَ لَهُ حَمَّادٌ: " اخْتَرْ , إِنْ شِئْتَ
стр. 75
قَبِلْتُهَا وَلَمْ أُحَدِّثْكَ أَبَدًا , وَإِنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ وَلَمْ أَقْبَلِ الْهَدِيَّةَ , فَقَالَ: لاَ تَقْبَلِ الهَدِيَّةَ وَحَدِّثْنِي , فَرَدَّ الْهَدِيَّةَ وَحَدَّثَهُ» (١). وتتَّخذ هذه الفكرة سبيلاً آخر إلى تقبيح المُتَاجِرِينَ بالحديث في مثل قول الإمام أحمد حِينَ سُئِلَ:
يُكْتَبُ عَمَّنْ يَبِيعُ الحَدِيثَ؟ فَقَدْ أَجَابَ: «لاَ , وَلاَ كَرَامَةَ» (٢)!.
ولعلَّ بائعي الحديث والمتاجرين به - رغم جشعهم الظاهر أَحْيَانًا - لم يكونوا دائمًا من الكَذَّابِينَ أَوْ الوَضَّاعِينَ: ولعلَّ كَثِيرًا منهم كانوا ثقات ضابطين، ولكنه المال يثني أعناق الرجال، وكانت لهؤلاء فلسفتهم الخاصة، فهم قد تَجَشَّمُوا المشاق وركبوا الأهوال ورحلوا في طلب الحديث، «لا يعوقهم فقر، ولا يفت في عزمهم صعوبة الطريق وأخطاره، سواء عليهم الصحراء وَحَرِّهَا، والبحار وأمواجها، إذ تغلغل في نفوسهم اعتقاد أنَّ طلب العلم جهاد، فمن مات في سبيله مات شهيداً» (٣)، بينما كان سائر الآخذين عنهم قابعين في دورهم، آمنين في سربهم، فهم لا يريدون أنْ يكونوا سواء مع هؤلاء. ونحن لا نعدم في كتبنا الأمينة أخباراً تشير إلى الأصول المنهجيَّة التي كان يَتَّبِعُهَا هؤلاء الرُواة في استقصاء الحديث النبوي، وهي أصول كانت تُكَبِّدُهُمْ من العناء الشيء الكثير، وهي لو قورنت بشيء في عصرنا الحديث لكانت أشبه بأساليب الناشرين الذين أصبحت أعمالهم وقفاً على البحث عن كنوز المخطوطات لنشرها
стр. 76
ثم بيعها بأغلى الأثمان. والطريقة التي وصل بها العلماء إلى أحاديث علي بن الجعد (- ٢٣٠ هـ) تُوَضِّحُ لنا الكثير من فلسفة المتاجرين بالحديث في تلك الأيام: «قال أبو الفضل بن طاهر المقدسي: سمعت أبا القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي صاحبنا يقول: دخلت بغداد وسمعتُ ما قدرت عليه من المشايخ، ثم خرجت أريد الموصل، فدخلت صريفين فَبَتَّ في مسجد بها، فدخل أبو محمد الصريفيني وَأَمَّ النَاسَ فتقدَّمتُ إليه وقلتُ له: سمعتَ شيئاً من الحديث؟ فقال: كان أبي يحملني إلى أبي حفص الكتاني وابن حَبَّابَةَ وغيرهما، وعندي أجزاء. قلتُ: أخرجها حتى أنظر فيها، فأخرج إليَّ حزمة منها كتاب عَلِيٍّ بن الجعد بالتمام مع غيره من الأجزاء، فقرأته عليه، ثم كتبت إلى أهل بغداد فرحلوا إليه وأحضره الكبراء من أهل بغداد، فكل من سمعته من الصريفيني فالمِنَّةُ لأبي القاسم الشيرازي فلقد كان من هذا الشأن بمكان» (١).
وتنصرم الأعوام، وتتعاقب الأجيال، وإذا بتلك الرحلات العلمية في طلب الحديث تصبح ضرباً من الرحلات الرياضية يطلب بها بُعْدُ الصِّيتِ، فكان بعض من لا خلاق لهم يرحلون إلى اقصى الأقاليم لا ليحفظوا الأحاديث ويعملوا بما فيها بل لتظهر أسماؤهم في سلسلة الإسناد، ولا سيما فيما لم يكن مشهوراً من الأحاديث. وهذه الرحلات الرياضية - إنْ صحَّ التعبير - كثرت في القرن الهجري الثالث، وانتهى إلى أسوأ النتائج في القرن الهجري الخامس،
стр. 77
حتى ضَجَّ منها العلماء المخلصون بالأمصار، وراحوا يقاومونها بكل ما أُوتُوا مِنْ قُوَّةٍ.
مُقَاوَمَةُ المُتَسَاهِلِينَ بِالحَدِيثِ:
من هؤلاء العلماء أبو بكر أحمد المعروف بالخطيب البغدادي (- ٤٦٣ هـ) فقد أشار إلى هذه الحال المخزية التي وصل إليها الذين يُسَمُّونَ أنفسهم في عهده رُواة الحديث بُهتاناً وزُوراً، فقال في كتابه " الكفاية في علم الرواية " في المقدمة: « ... وَقَدِ اسْتَفْرَغَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا وُسْعَهَا فِي كَتْبِ الأَحَادِيثِ وَالمُثَابَرَةِ عَلَى جَمْعِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَيَنْظُرُوا نَظَرَ السَّلَفِ الْمَاضِينَ فِي حَالِ الرَّاوِي وَالْمَرْوِيِّ، وَتَمْيِيزِ سَبِيلِ الْمَرْذُولِ وَالرَّضِيِّ، وَاسْتِنْبَاطِ مَا فِي السُّنَنِ مِنْ الأَحْكَامِ، وَإِثَارَةِ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا مِنَ الْفِقْهِ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ، بَلْ قَنَعُوا مِنَ الْحَدِيثِ بِاسْمِهِ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى كَتْبِهِ فِي الصُّحُفِ وَرَسْمِهِ، فَهُمْ أَغْمَارٌ، وَحَمَلَةُ أَسْفَارٍ، قَدْ تَحَمَّلُوا الْمَشَاقَّ الشَّدِيدَةَ، وَسَافَرُوا إِلَى الْبِلْدَانِ الْبَعِيدَةِ، وَهَانَ عَلَيْهِمُ الدَّأَبُ وَالكَلاَلُ، وَاسْتَوطَئُوا مَرَاكِبَ الْحِلِّ وَالاِرْتِحَالِ، وَبَذَلُوا الأَنْفُسَ وَالأَمْوَالَ، وَرَكِبُوا الْمَخَاوِفَ وَالأَهْوَالَ، شُعْثَ الرُّؤُوسِ، شُحْبَ الأَلْوَانِ، خُمْصَ الْبُطُونِ، نَوَاحِلُ الأَبْدَانِ، يَقْطَعُونَ أَوْقَاتَهُمْ بِالسَّيْرِ فِي الْبِلاَدِ لِمَا عَلاَ مِنَ الإِسْنَادِ، لاَ يُرِيدُونَ شَيْئًا سِوَاهُ وَلاَ يَبْتَغُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ، يَحْمِلُونَ عَمَّنْ لاَ تَثْبُتُ عَدَالَتُهُ، وَيَسْمَعُونَ مِمَّنْ لاَ تَجُوزُ أَمَانَتُهُ، وَيَرْوُونَ عَمَّنْ لاَ يَعْرِفُونَ صِحَّةَ حَدِيثِهِ، وَلاَ يَتَيَقَّنُ ثُبُوتُ مَسْمُوعِهِ، وَيَحْتَجُّونَ بِمَنْ لاَ يُحْسِنُ قِرَاءَةَ صَحِيفَتِهِ، وَلاَ يَقُومُ بِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِطِ الرِّوَايَةِ، وَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ السَّمَاعِ
стр. 78
وَالإِجَازَةِ، وَلاَ [يُمَيِّزُ] بَيْنَ المُسْنَدِ وَالمُرْسَلِ وَالمَقْطُوعِ وَالمُتَّصِلِ، وَلاَ يَحْفَظُ اسْمَ شَيْخِهِ الَّذِي حَدَّثَهُ حَتَّى يَسْتَثْبِتَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَكْتُبُونَ عَنِ الْفَاسِقِ فِي فِعْلِهِ، الْمَذْمُومِ فِي مَذْهَبِهِ، وَعَنِ الْمُبْتَدِعِ فِي دِينِهِ، الْمَقْطُوعُ عَلَى فَسَادِ اعْتِقَادِهِ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ جَائِزًا، وَالْعَمَلُ بِرِوَايَتِهِ وَاجِبًا، إِذَا كَانَ السَّمَاعُ ثَابِتًا، وَالإِسْنَادُ مُتَقَدِّمًا عَالِيًا ... » إلخ (١).
ولم يكن التظاهر بالورع مُجدياً، ولا الإكثار من التعبد شافعاً لرواة الغرائب والمناكير، فإنَّ لنقاد الحديث حَدْساً داخلياً يشبه الإلهام كان يبعثهم على الحيطة في روايات هؤلاء المغْربين والاحتراس في قبولها، وقد يبلغ بهم الحذر أشُدَّهُ فيفرُّون منها ويرفضون تحمُّلها وأداءها: لم يردوارواية معلَّى بن هلال لفسقه أو قلَّة ضبطه، فهو الزاهد العابد المشهور بالصلاح، الذي كان يُصَلِّي في يومه مائة ركعة، وإنما رَدُّوها لإكثاره من رواية غريب الحديث (٢). ولقد أمسى هؤلاء النُقَّادُ يستحبُّون رواية المشاهير، و «كَانُوا يَكْرَهُونَ - إِذَا اجْتَمَعُوا - أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ أَحْسَنَ حَدِيثِهِ أَوْ أَحْسَنَ مَا عِنْدَهُ» (٣) وما كان «الأحسن» عندهم إلاَّ «الغريب» لأنَّ الغريب غير المألوف يستحسن أكثر من المشهورالمعروف (٤)، ولا سيما في نظر العوامِّ الذين يكبر في عيونهم عادة ما يجهلون.
стр. 79
قيل لشُعبة بن الحجاج: ما لك لا تروي عن عبد الملك بن أبي سليمان وهو حسن الحديث؟ فقال: «مِنْ حُسْنِهَا فَرَرْتُ»! (١).
والفرار من التحديث بالغريب كان أصدق تعبير عن تخوف العلماء من التدليس الذي يقع فيه رُواة الغرائب والمناكير ساهين أو مُتَعَمِّدِينَ، فإنَّ أمثال هؤلاء الرواة أكثر تعرضاً لضروب التدليس من سائر المُحَدِّثِينَ: إذ يركبون الأهوال في طلب الحديث ملتمسين غرابته قبل صحته، باحثين عن ندرته قبل اتصال سنده، ليباهوا به الخاصة ويتعالوا به على العامة، من أجل ذلك استخفَّ النقاد بهم ولم يقيموا لهم وزناً، وطعنوا في عدالتهم وَرَمَوْهُمْ بالكذب مصداقاً لقول الإمام أبي حنيفة: «مَنْ طَلَبَ غَرِيبَ الحَدِيثِ كُذِّبَ» (٢).
وتجريح النُقَّاد للمدلس في الحديث طلباً للغرائب وحرصاً عليها يبدو أمراً طبيعياً، فما أسرع الفضيحة إلى المدلس يكشف بها الستر عن نفسه (٣)! حتى إذا افتضح وعُرِفَ عنه الكذب كان من عقوبته أنْ يردَّ عليه صدقه ولا تذكر محاسنه (٤)، ولا يقبل حديثه بعد ذلك أبداً (٥).
والمدلِّسون في الحديث تباهياً ورئاء الناس كانوا أَحْيَانًا من أوقح من رأتْ
стр. 80
عين أو سمعتْ أذن،، فيحدث أحدهم عن رجل يدَّعي سماعه وهو لم يدركه، ويختلف أسماء أشخاص وأماكن لا يعرف عنها شيئاً، أو يعظَّم المروي عنه بصفات حسان ينسجها له بخياله الحصيب، أو ينسب إليه أعمالاً صالحات ليس لها أصل صحيح، حَدَّثَ عُفَيْرُ بْنُ مَعْدَانَ الْكَلاَعِيُّ , قَالَ: «قَدِمَ عَلَيْنَا عُمَرُ بْنُ مُوسَى حِمْصَ فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ , فَجَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا شَيْخُكُمُ الصَّالِحُ , حَدَّثَنَا شَيْخُكُمُ الصَّالِحُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ , قُلْتُ لَهُ: مَنْ شَيْخُنَا هَذَا الصَّالِحُ؟ سَمِّهِ لَنَا نَعْرِفُهُ , (قَالَ): فَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ , قُلْتُ لَهُ: فِي أَيِّ سَنَةٍ لَقِيتَهُ؟ قَالَ: لَقِيتُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ , قُلْتُ: فَأَيْنَ لَقِيتَهُ؟ قَالَ: لَقِيتُهُ فِي غَزَاةِ أَرْمِينِيَّةَ , (قَالَ): فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا شَيْخُ، وَلاَ تَكْذِبْ، مَاتَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَقِيتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَأَزِيدُكَ أُخْرَى إَنَّهُ لَمْ يَغْزُ أَرْمِينِيَّةَ قَطُّ، كَانَ يَغْزُو الرُّومَ» (١).
وواضح من هذه القصة أنَّ جهل الرُواة بتاريخ وفاة المروي عنه كان دليلاً قاطعاً على وقوع الكذب والتدليس (٢). ولذلك اشترط نُقَّادُ الحديث معرفة
стр. 81
الرجال وتاريخهم وطبقاتهم والعناية بمواليدهم ووفياتهم، وقال سُفيان الثوري (- ٦١ هـ) موضِّحاً سبب الاشتغال بهذا كله: «لَمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الْكَذِبَ اسْتَعْمَلْنَا لَهُمُ التَّارِيخَ» (١)، بل استعمل نُقَّادُ الحديث التحديد الجغرافي أَيْضًا لفضح الكذَّابين وكشف أساليبهم في الوضع أو التدليس، فلا يذكر ثقاتهم إسناداً فيه رجال رحلوا وأكثروا الترحل وطوفوا بالأقاليم إلاَّ قيدوا أسماء هؤلاء الرجال باسم البلد الذي حدَّثُوا فيه (٢).
ومهما يكن من الرحلة في الحديث متاجرة به وتكسُّباً، أو طلباً للشهرة وافتخاراً، فإنَّ الورعين الذين كانوا يحدِّثُون احتسابا لوجه الله هم الذين ملأوا الأرض علماً بِسُنَّةِ رسول الله ﷺ ، ولقد كانوا في كل زمان ومكان أكثر من أنْ يخفوا، وأجل آثاراً من أنْ يهملوا، وأقوى نفوساً من أنْ يسدل عليهم التاريخ ستار النسيان. وحسبنا - للاستدلال على دقة المُحَدِّثِينَ في قبول الروايات - أنهم صَرَّحُوا «بِأَنَّ الْكَاذِبَ فِي غَيْرِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
стр. 82
تُرَدُّ رِوَايَتُهُ» (١)، وأنَّ «السَّفَهَ يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ وَيُوجِبُ رَدَّ الرِّوَايَةِ» (٢). فكل من يجري على لسانه شيء من الكلام البذيء أو العبارات المبتذلة ينفر منه المحدثون ويتركون الرواية عنه. رَوَوْا عن الإمام البخاري أنه رَدَّ حديث النضر بن مطرف، لأنَّ يحيى بن سعيد القطان (- ١١٣ هـ) ترك الرواية عنه. أما يحيى فقد بيَّن سبب إهماله حديث النضر بقوله: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنْ لَمْ أُحَدِّثْكُمْ فَأُمِّي زَانِيَةٌ» (*) , قَالَ يَحْيَى: «تَرَكْتُ حَدِيثَهُ لِهَذَا» (٣).
ويشبه هذا ما رَوَوْا عن شعبة بن الحجاج أنه قال: «لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى رَجُلاً يَقْدَمُ مِنْ مَكَّةَ فَأَسْأَلُهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ , حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ فَسَمِعْتُ مِنْهُ , فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَافْتَرَى عَلَيْهِ , فَقُلْتُ: تَفْتَرِي عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ غَاظَنِي , (قَالَ): قُلْتُ: يَغِيظُكَ فَتَفْتَرِي عَلَيْهِ؟! فَآلَيْتُ أَلاَّ أُحَدِّثَ عَنْهُ». فَكَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ: «فِي صَدْرِي عَنْهُ أَرْبَعُمِائَةٍ , لاَ وَاللَّهِ لاَ حَدَّثْتُكُمْ عَنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا» (٤).
فالافتراء على إنسان ولو غاظ الراوي سفه يسقط العدالة، لأنَّ هؤلاء الرُواة كانوا يتميَّزون بمكارم الأخلاق، ولهم آداب خاصة ومناهج في التربية والتعليم ينفردون بها من بين سائر العلماء من قُدَامَى وَمُحْدَثِينَ، في الشرق والغرب (٥).
стр. 83
الفَصْلُ الرَّابِعُ: دَوْرُ الحَدِيثِ وَأَلْقَابِ المُحَدِّثِينَ:
في القرن الهجري السادس امتازت الحياة الإسلامية بظاهرة. جديدة أضعفت بعض الشيء الرحلة في طلب الحديث: فحتى أوائل هذا القرن لم تكن في المجتمع الإسلامي مدارس خاصة لتلقِّي الحديث، فكان الطلبة يضطرُّون إلى الارتحال والتجوال , وإنما كانت المدارس التي تتعمق في الفقه ومذاهبه وآرائه والمجتهدين فيه تؤسس في كل مكان، لتزوِّد جهاز الدولة بالقُضاة والمتشرِّعين.
ولقد أنشئت أول دار للحديث في القرن الهجرى السادس تحقيقاً لرغبة نور الدين محمود بن أبي سعيد زنكي (- ٥٦٩ هـ) الذي خَلَّدَ اسمه بإنشاء المدرسة النورية في دمشق. وكان ابن عساكر صاحب " تاريخ دمشق " من شيوخ هذه المدرسة (١).
стр. 84
وبعد عشرات السنين، قامت في القاهرة دار للحديث بأمر الملك الأيُّوبي الكامل ناصر الدين، وقد تم تأسيسها سَنَةَ ٦٢٢ هـ، وكان أول أستاذ فيها أبا الخطاب بن دحية (١).
وبعد أربع سنوات من تأسيس المدرسة الكاملية، نشأت ني دمشق المدرسة الأشرفية سنة ٦٢٦ هـ، فكان أول شيوخها أبا عمرو بن الصلاح (٢). وَدَرَّسَ في هذه الدار أَيْضًا الإمام النووي (٣).
ولقد قامت في دمشق دُورٌ أخرى للحديث، ولكنها لم تكن ذات شأن عظيم (٤). وهذه الدُورُ جميعاً لم تطل حياتها، لأنها لم تك كمدارس الفقه والأحكام وسيلة إلى المناصب والقضاء، والحظوة عند الخلفاء، ثم هي - فوق ذلك - لم تك تشفي غلة الورعين من طلاب الحديث. الذين ظلوا يُؤْثِرُونَ الرحلة والطواف بالأقاليم.
стр. 85
أَلْقَابُ المُحَدِّثِينَ:
وكما أطلق العلماء على الرحالين في طلب الحديث ألقاباً مختلفة، تبعاً لنشاطهم في الرحلة والتجوال، أطلقوا على الدارسين في بلدهم أو في الأقاليم المجاورة له ألقاباً «رسميَّة» كانوا يستحسنون إلحاقها باسمائهم عند ترجمتهم لتعرف طبقاتهم ودرجاتهم وطرق تحمُّلهم للحديث وأدائه.
وأشهر الألقاب التي نَبَّهُوا على التمييز بينها ثلاثة: المُسْنِدُ وَالمُحَدِّثُ وَالحَافِظُ. فَالمُسْنِدُ هو من يروي الحديث بإسناده، سواء أكان عنده علم به أم ليس له إلاَّ مُجَرَّدَ روايته (١).
وَالمُحَدِّثُ أرفع منه بحيث عَرَفَ الأسانيد والعِلَلَ، وأسماء الرجال، والعالي والنازل، وحَفِظَ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون، وسمع " الكتب الستة " و " مسند أحمد بن حنبل و " سُنَنَ البيهقي " و " معجم الطبراني "، وَضَمَّ إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية (٢).
أما الحافظ فهو أعلاهم درجةً وأرفعهم مقاماً: فمن صفاته أنْ يكون عارفاً
стр. 86
بسُنن رسول الله ﷺ ، بصيراً بطرقها، مُمَيِّزاً لأسانيدها، يحفظ منها ما أجمع أهل المعرفة على صِحَّتِهِ، وما اختلفوا فيه للاجتهاد في حال نقلته، يعرف فرق ما بين قولهم: فلان حُجَّةٌ، وفلان ثقة، ومقبول، ووسط، ولا بأس به، وصَدُوقٌ، وصالحٌ، وشيخ، وليِّنٌ، وضعيف، ومتروك، وذاهب الحديث، وَيُمَيِّزُ الروايات بتغاير العبارات: نحو عن فلان، وأن فلاناً؛ ويعرف اختلاف الحكم في ذلك بين أنْ يكون المُسَمَّى صحابياً أو تابعياً، والحكم في قول الراوى: قال فلان، وعن فلان، وأنَّ ذلك مقبول من المُدَلِّسِن َدون إثبات
السماع على اليقين، ويعرف اللفظة في الحديث تكون وَهْماً وما عداها صحيحاً، وَيُمَيِّزُ الألفاظ التي أدرجت في المتون فصارت بعضها لاتصالها بها، ويكون قد أنعم النظر في حال الرُواة بمعاناة علم الحديث دون ما سواه، لانه علم لا يعلق إلا بمن وقف نفسه عليه، ولم يَضُمَّ غيره من العلوم إليه» (١). ولعل أهم صفات الحافظ - كما يستنبط من أقوال العلماء وتعاريفهم - أنَّه يتوسَّع في أسماء الرجال حتى يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه طبقة بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه عن كل طبقة أكثر مِمَّا يجهله (٢). ويعتقد كثير من نُقَّاِد الحديث أنَّ الذين يجوز تسميتهم «بالحُفَّاظ»، قليلون في كل زمان ومكان وبما «يتعذَّر وجودهم» (٣)، لما يشترط لهم من نادر الصفات وسعة العلم. وحسبك أنَّ الوصف بالحفظ على الاطلاق ينصرف
стр. 87
إلى أهل الحديث خاصة، فلا يقول قارئ القرآن: لقني فلان الحافظ، ولا يقول النحوي: علمني فلان الحافظ (١).
وذهب الناس يغلون في الحفاظ كل مذهب، فقد عدت كنب الإمام أحمد في اليوم الذى مات فيه، فبلغت اثني عشر حملاً، ما على ظهر كتاب منها «حَدَّثَ فُلاَنٌ» ولا في بطنه «أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ»، وكل ذلك كان يحفظه من ظهر قلبه (٢). قال: يحيى بن معين (٣): «كَتَبْتُ بِيَدِي هَذِهِ سِتُّ مِائَةُ أَلْفَ حَدِيثٍ» (٤) ولا عجب في ذلك، فقد ترك يحيى أكثر من مائة قمطر وأربعة عشر قمطراً مملوءة كتباً (٥) وَأَمْرُ بن عُقدة (٦) ليس أقل عجباً، لأنَّ الأخبار تصوره حافظاً أربع مائة ألف حديث أملاها من حفظه على إخوة أربعة، ولا يبعد أنْ يكون حافظاً غيرها. قال عبد الله القادسي - وهو أحد هؤلاء الأربعة -: «أقمتُ مع إخوتي بالكوفة عِدَّةَ سنين فكتب عن ابن عُقْدَةَ، فلما أردنا الانصراف وَدَّعُنَاهُ، فقال ابن عُقْدَةَ: قد اكتفيتم بما سمعتم، أقلُّ شيخ سمعت منه، عندي عنه مائة ألف حديث. (قال): فقلت: أيها الشيخ، نحن إخوة أربعة، قد كتب كل
стр. 88
واحد منا عنك مائة ألف حديث!» (١).
وحين ينسب إلى أحد هؤلاء الحفاظ عدد عظيم من الأحاديث كتبه بيده أو أملاه على تلاميذه، فهو يحفظه غالباً من ظهر قلبه. قال أَبُو زُرْعَةَ (٢): «مَا فِي بَيْتِي سَوَادٌ عَلَى بَيَاضٍ إِلاَّ وَأَحْفَظُهُ» (٣) وقال الشعبي: " ما كتبتُ سواداً في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته» (٤)
ومن الحفاظ من كان يستعين على حفظ الحديث بكتابته، فإذا أتقن حفظه محاه أو دعا بمقراض فقرضه خوفاً من أنْ يَتَّكِلَ القلب عليه، منهم سفيان الثوري (٥)، وعاصم بن ضمرة (٦)، وخالد الحذاء (٧) وقد شاع على ألسنة الناس: بئس المستودع العلم القراطيس! (٨).
وكان في العلماء من يميل إلى تحديد العدد المحفوظ من الحديث الذى يستحق
стр. 89
جامعه أنْ يُسَمَّى «حَافِظًا». فقال الحاكم (١) في " المدخل ": «كَانَ الوَاحِدُ مِنَ الحُفَّاظِ يَحْفَظُ خَمْسَ مِائَةَ أَلْفَ حَدِيثٍ» (٢). ورأى غيره أنَّ الحَدَّ الأدنى ينبغي أَلاَّ يَقِلَّ عن عشرين ألفًا، وَلَكِنَّ فتح الدين بن سيد الناس (٣) يلاحظ أنَّ هذه القضية نِسْبِيَّةٌ، وأنَّ لكل زمن اصطلاحًا وتحديدًا، فيقول: «أَمَّا مَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ قَوْلِهِمْ: كُنَّا لاَ نَعُدُّ صَاحِبَ حَدِيثٍ مَنْ لَمْ يَكْتُبْ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ فِي الإِمْلاَءِ، فَذَلِكَ بِحَسَبِ أَزْمِنَتِهِمْ» (٤).
وإذا كان العدد المحفوظ يتردد بين مئات الألوف وعشراتها - وهو فرق عظيم جِدًّا - فإن لهذا التردد تعليلاً واضحًا، فحين تذكر المئات يشمل الحفظ المرفوع إلى النَّبِي ﷺ ، والموقوف على الصحابي، والمقطوع على التابعي. نسب الإمام أحمد إلى أَبِي زُرْعَةَ أنه كان يحفظ سبع مائة ألف، ففسر البيهقي (٥) ذلك بقوله: «أَرَادَ مَا صَحَّ مِنَ الحَدِيثِ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ» (٦). وقد يشمل حِينَئِذٍ الصحيح وغير الصحيح. قال الإمام البخاري:
стр. 90
«أَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفَ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَمِائَتَيْ أَلْفَ حَدِيثٍ غَيْرَ صَحِيحٍ» (١).
وكأنهم - حين يقتصرون على عشرات الألوف - لا يريدون إلا ما صَحَّ من الأحاديث المرفوعة.
والورعون من الحُفَّاظِ ما كانوا ليرضوا عن غلو الناس في شأنهم لو كان لهم الخيرة من أمرهم، فإن واحدهم يكون عنده الحديث فيسوقه الناس بالقرعة حتى يخرجه أو يرويه (٢). ويكتب أحدهم أو يحفظ مئات الألوف فلا يروي إلا عشراتها، أو يحفظ عشرات الألوف فلا يُحَدِّثُ إلا بآحادها، وَهُمْ يشترطون على أنفسهم - فوق هذا كله - التعمق في العلم والفهم والدراية، لا مجرد الإكثار التوسع في الرواية (٣).
رِوَايَةُ الحَدِيثِ بِالحِفْظِ:
ويزداد إكبارنا لهؤلاء الحفاظ إذا عرفنا أن العلماء كانوا - ولا سيما في بادئ الأمر - يَتَشَدَّدُونَ في الرواية باللفظ والنص، ولا يتساهلون حتى بالواو والفاء. فكانوا يرون أن على المُؤَدِّي أن يروي ما تَحَمَّلَهُ باللفظ الذي تَلَقَّاهُ من شيخه دون تغيير ولا حذف ولا زيادة. واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ : «نَضَّرَ اللهُ امْرُءًا سَمِعَ حَدِيثاً فَأَدَّى كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (٤)، وبتعليمه ﵇ الصحابة الحِرْصَ على لفظه النبوي، كما فعل مع البراء بن عازب حين أعاد أمامه قراءة الدعاء الذي عَلَّمَهُ إياه عند أخذ المَضْجَعِ
стр. 91
فأورده كما تعلمه منه، إلا أنه قال: «وَرَسُولِكَ» بَدَلاً مِنْ «وَنَبِيِّكَ» فنبهه ﷺ قائلاً بيده في صدره: «وَنَبِيِّكَ» (١).
ولذلك آثر أكثر اصحابة التشدد في الرواية باللفظ. قِيلَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَا لَكَ لاَ تُحَدِّثُ كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟ فَقَالَ: «مَا بِي أَلاَّ أَكُونَ سَمِعْتُ مِثْلَ مَا سَمِعُوا، أَوْ حَضَرْتُ مِثْلَ مَا حَضَرُوا، وَلَكِنْ لَمْ يُدْرَسِ الأَمْرُ بَعْدُ، وَالنَّاسُ مُتَمَاسِكُونَ، فَأَنَا أَجِدُ مَنْ يَكْفِينِي، وَأَكْرَهُ التَّزَيُّدَ وَالنُّقْصَانَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٢).
وعلى هذا الأساس راح بعض الصحابة يُصَحِّحُ ما يسمعه من الرُوَّاةِ من تغيير اللفظ النبوي بالتقديم والتأخير، أو استبدال كلمة بمرادفها، قَالَ عُبَيْدٌ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ يَقُصُّ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الرَابِضَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيْلَكُمْ، لاَ تَكْذِبُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِنَّمَا قَالَ ﷺ : «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ» (٣)، وسمع ابن عمر أَيْضًا رجلاً يُرَدِّدُ حديث الأركان الخمسة، فَقَدَّمَ بعضًا مخالفًا بذلك الرواية التي سمعها ابن عمر بنفسه من رسول الله ﷺ فقال له: «اجْعَلْ صِيَامَ رَمَضَانَ آخِرَهُنَّ،
стр. 92
كَمَا سَمِعْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١).
وفي عصر التابعين وأتباع التابعين ظَلَّ كثير من الرُوَّاةِ يُؤَدِّ حديث رسول الله بلفظه ونصه، وإن كان آخرون منهم لا يَرَوْنَ بأسًا بالرواية على المعنى، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: «[أَدْرَكْتُ سِتَّةً]، ثَلاَثَةٌ مِنْهُمْ يُشَدِّدُونَ فِي الحُرُوفِ، وَثَلاَثَةٌ يُرَخِّصُونَ فِي المَعَانِي، [وَكَانَ] أَصْحَابَ الحُرُوفِ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، ... » (٢).
ولقد صَوَّرَ الأعمش تَشَدُّدَ الرُوَّاةِ بالحروف، فحمد لهم هذا التَشَدُّدَ وَتَغَنَّى به قائلاً: «كَانَ هَذَا الْعِلْمُ عِنْدَ أَقْوَامٍ كَانَ أَحَدُهُمْ لأَنْ يَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ وَاوًا أَوْ أَلِفًا أَوْ دَالاً، وَإِنَّ أَحَدَهُمُ الْيَوْمَ يَحْلِفُ عَلَى السَّمَكَةِ أَنَّهَا سَمِينَةٌ وَإِنَّهَا لَمَهْزُولَةٌ» (٣).
فَلاَ غَرْوَ إذا حرص هؤلاء الورعون على قول النَّبِي ﷺ : «يَنْتَبِذُ» لا «يَنْبُذُ» (٤)، وَلاَ غَرْوَ إذا أظهروا شكهم بعبارة صريحة، فقال الراوي: «أَسْلَمُ وَغِفَارٌ أَوْ غِفَارٌ وَأَسْلَمُ» (٥) أو «نَمَى خَيْرًا» أو «نَمَّى خَيْرًا» (٦) بالتشديد أو التخفيف. وإن الأمر لأجدر بالحرص والعناية عند الرواة من هذا كله، فبعضهم يَتَحَرَّجُ من تغيير اللحن، ويبقي كلام الراوي صحابيًا كان
стр. 93
أو تابعيًا على حاله، لأن القوم حَدَّثُوهُ هكذا، فلا ضير من استعمال «حَوْثَ» بَدَلاً مِنْ «حَيْثُ» (١) أو «لَغَيْتُ» بَدَلاً مِنْ «لَغَوْتُ» (٢) و «عَوْثَاءُ السَّفَرِ» بَدَلاً مِنْ «وَعْثَائِهِ» (٣). ولذلك رَوَوْا عن ابن سيرين أنه «كَانَ يَلْحَنُ كَمَا يَلْحَنُ الرَّاوِي» (٤). وَفَسَّرَ الإِمَامً ُأَبُو عُبَيْدٍ ظاهرة إبقاء اللحن على حاله بقوله: «لأَهْلِ الحَدِيثِ لُغَةٌ، وَلأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لُغَةٌ، وَلُغَةُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَقْيَسُ، وَلاَ تَجِدُ بُدًّا مِنِ اتِّبَاعِ لُغَةِ [أَهْلِ] الحَدِيثِ لأَجْلِ السَّمَاعِ» (٥).
ثم رأى العلماء أن يُمَيِّزُوا في هذا الموضوع بين لحن يحيل المعنى وآخر لا يحيله فرأوا أنه لاَ بُدَّ من تغيير اللحن الذي يفسد المعنى (٦)، وقالوا بضرورة رَدِّ الحديث إلى الصواب، إذا كان راويه قد خالف موجب الإعراب (٧).
أما الطائفة التي لم تر بأسًا في رواية الحديث بالمعنى، فإنها اشترطت لذلك شروطًا، منها أن يكون الراوي عالمًا بالنحو والصرف وعلوم اللغة عارفًا بمدلولات الألفاظ ومقاصدها، بصيرًا بمدى التفاوت بينها، قادرًا على أن يؤدِّي الحديث أداءً خاليًا من اللحن، لأن رسول الله ﷺ أفصح من نطق بالضاد. فمن الكذب
стр. 94
عليه أن يضع المؤدي في فيه لحنًا يستحيل أن يقع منه. قال الأصمعي: «أَخْشَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ العَرَبِيَّةَ أَنْ يَدْخُلَ فِي قَوْلِهِ: " مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ، فَمَهْمَا رَوَيْتَ عَنْهُ وَلَحَنْتَ فِيهِ كَذَبْتَ عَلَيْهِ» (١).
وإذ كانت علوم العربية متشعبة، والإحاطة بها وبالفوارق الدقيقة بين ألفاظها ومدلولاتها شِبْهَ مستحيلة، منع بعض العلماء غير الصحابة من رواية الحديث بالمعنى، لأن «جِبِلَّتَهُمْ عَرَبِيَّةٌ، وَلُغَتُهُمْ سَلِيقَةٌ». قال القاضي أبو بكر بن العربي (٢): «إِنَّ هَذَا الْخِلاَفَ إنَّمَا يَكُونُ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَمِنْهُمْ، وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ فَلاَ يَجُوزُ لَهُمْ تَبْدِيلُ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى، وَإِنْ اسْتَوْفَى ذَلِكَ الْمَعْنَى؛ فَإِنَّا لَوْ جَوَّزْنَاهُ لِكُلِّ أَحَدٍ لَمَا كُنَّا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ الأَخْذِ بِالْحَدِيثِ؛ إذْ كُلُّ أَحَدٍ إلَى زَمَانِنَا هَذَا قَدْ بَدَّلَ مَا نَقَلَ، وَجَعَلَ الحَرْفَ بَدَلَ الْحَرْفِ فِيمَا [رَوَاهُ]؛ فَيَكُونُ خُرُوجًا مِنْ الإِخْبَارِ بِالْجُمْلَةِ. وَالصَّحَابَةُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ اجْتَمَعَ فِيهِمْ أَمْرَانِ عَظِيمَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْفَصَاحَةُ وَالْبَلاَغَةُ؛ إذْ جِبِلَّتُهُمْ عَرَبِيَّةٌ، وَلُغَتُهُمْ سَلِيقَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ شَاهَدُوا قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ وَفِعْلَهُ، فَأَفَادَتْهُمْ الْمُشَاهَدَةُ عَقْلَ المَعْنَى جُمْلَةً، وَاسْتِيفَاءَ المَقْصَدِ كُلِّهِ؛ وَلَيْسَ مَنْ أَخْبَرَ كَمَنْ عَايَنَ.
أَلاَ تَرَاهُمْ يَقُولُونَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ: " أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا "، وَ " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَذَا "، وَلاَ يَذْكُرُونَ
стр. 95
لَفْظَهُ،؟ وَكَانَ ذَلِكَ خَبَرًا صَحِيحًا وَنَقْلاً لاَزِمًا؛ وَهَذَا لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَرِيبَ فِيهِ مُنْصِفٌ لِبَيَانِهِ» (١).
ووقف الإمام مالك من الرواية بالمعنى موقفًا وسطًا، فأجازها فيما لم يرفع إلى رسول الله، وَتَشَدَّدَ في منعها في الأحاديث المرفوعة، حتى كان ﵁ وَرَعًا مِنْهُ وَاحْتِيَاطًا - يتحفظ من الباء والياء والتاء في حديث رسول الله ﷺ كما روى عنه البيهقي في " مدخله " (٢).
على أن ابن الصلاح لا يرى ضرورة للتشدد في رواية الحديث بالمعنى في المرفوع دون سواه، وإنما يشترط على من يريد الأداء بالمعنى في المرفوع وغيره اكتساب العلم بالعربية والقدرة على التصرف الصحيح فيها على الوجه الذي ذكرناه، فإنه يقول: «ومنعه بعضهم في حديث رسول الله ﷺ وأجازه في غيره والأصح جواز ذلك في الجميع، إذا كان عالمًا بما وصفناه، قاطعًا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين، وكَثِيرًا ما كانوا ينقلون معنى واحدًا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلا لأن مُعَوِّلَهُمْ كان على المعنى دون اللفظ. ثم إن هذا الخلاف لا نراه جاريًا ولا أجراه الناس - فيما نعلم - فيما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أن يُغَيِّرَ لفظ شيء من كتاب مُصَنَّفٍ ويثبت بَدَلَهُ فيه لفظًا آخر بمعناه: فإن الرواية بالمعنى رَخَّصَ فِيهَا مَنْ رَخَّصَ، لما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من
стр. 96
الحرج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ، فليس يملك تغيير تصنيف غيره» (١).
والرواية بالمعنى ينبغي أن تظل مُقَيَّدَةً ببعض العبارات الدَالَّةِ على الحِيطَةِ وَالوَرَعِ، فعلى راوي الحديث إذا شك في لفظ من روايته أن يتبعه بقوله: «أَوْ كَمَا قَالَ»، «أَوْ كَمَا وَرَدَ» (٢).
وأكثر الرُوَّاةِ يحرصون على أن يؤدوا الحديث تَامًّا بجميع ألفاظه، ويرون في ذلك ضربًا من العناية باللفظ النبوي، إلا أن بعض العلماء يتساهلون في اختصار الحديث، فيحذفون بعضه، ويقطعونه، وَيَرْوُونَهُ تَفَارِيقَ في مناسبات مختلفة، كما صنع البخاري في " صحيحه ". وَلَمْ يَرَ الأئمة في صنيع البخاري موضعًا للنقد، لأنهم لاحظوا أنه لا يتساهل في ذلك إلا إذا كان قد أورد الخبر تَامًّا في رواية أخرى. ولذلك لم يُجَوِّزُوا اختصار الحديث إذا لم يرد تَامًّا من طريق أخرى، لئلا يكون ذلك كتمانًا لما يجب تبليغه (٣).
وهذا التساهل في أداء الحديث كان نتيجة طبيعية للتساهل عند تحمله: فمن قبل أن يقدم بعض الأئمة على إباحة الأداء بالمعنى، أو على الإذن باختصار المروي وتقطيعه، تَرَخَّصَ كثير منهم في تحمل الحديث بضروب جديدة من السماع في شيء، ولم يكن ترخصهم هذا - في نظر الجمهور - سيء الأثر ولا شديد الخطر.
стр. 97
أخذت هذه الرحلة في طلب الحديث تضعف شيئًا فشيئًا، وبات الرحالون أنفسهم لا يستطيعون أن يُعَوِّلُوا على المشافهة والتلقي المباشر، فقد يضربون أكباد المطي إلى إمام عظيم حتى إذا أصبحوا تلقاء وجهه قنعوا منه بكتاب يعرضونه عليه، أو بإجازة يخصهم بها، أو بأجزاء حديثية يناولهم إياها مع إذنه لهم بروايتها، وقد يتطوع هذا الإمام نفسه بإعلامهم بمروياته، أو الوصية لهم ببعض مكتوباته، فيتلقفونها تلقفًا ويروونها مطمئنين كما لو كان صاحبها قد أجازهم بها بعبارة صريحة لا لُبْسَ فيها ولا إبهام. بل لقد أمسى المتأخرون لا يجدون حاجة للرحلة ولا لتحمل مشاق مذ أصبح حقًا لهم ولغيرهم أن يَرْوُوا كل ما يجدون من الكتب والمخطوطات سواء أَلَقُوا أصحابها أم لم يَلْقُوهُمْ. وذلك كله يعني أن السماع لم يعد - كما في فجر الإسلام - الصورة الوحيدة لتحمل الحديث وأدائه، وإنما أضحى إحدى الطرق الثمان التي استقرأها نُقَّادُ الحديث.
وبحثنا التالي سيدور حول هذه الطرق الثمان، وبدراستها وتتبع اصطلاحاتها ودقة التمييز بين عباراتها سيجد القارئ نفسه على موعد مع المُحَدِّثِينَ لأول مرة، فليحضر القلب وليرهف السمع، فإن لهؤلاء العلماء لغتهم الخاصة التي إن لم تطرب بإيقاعها الحلو كلغة الشعر والموسيقى، فهي تعجب بمحتواها العميق كلغة فذة في فن النقد والتحليل!.
стр. 98
الفَصْلُ الخَامِسُ: تَحَمُّلُ الحَدِيثِ وَصُوَرُهُ:
أَوَّلاً - السَّمَاعُ:
من المشافهة والسماع المباشر - على طريقة الرعيل الأول من الرُوَّاةِ - انتقل طلاب العلم إلى أخذ الحديث عن طريق القراءة، أو الإجازة، أو المناولة، أو المكاتبة، أو الإعلام، أو الوصية، أو الوجادة. وهذه الصور السبع - مع إضافة السماع إليها - هي صور التحمل الثمان التي تحدد مناهج القوم في التعليم (١).
ولعل من نافلة القول أن نشير مرة أخرى إلى أن السماع أعلى هذه الصور وأرفعها وأقواها. غير أن من الضروري أن ننظر الآن إلى السماع نظرة خاصة من زاوية المُحَدِّثِينَ، ومن خلال تعاريفهم واصطلاحاتهم. عندئذٍ يتبين لنا أن السماع هو أن يسمع المتحمل من لفظ شيخه، سواء أَحَدَّثَهُ الشيخ من كتاب يقرؤه أم من محفوظاته وسواء أَأَمْلَى عليه أم لم يُمْلِ عليه (٢).
стр. 99
ومن المعروف في لسان العرب أن قول الراوي: حَدَّثَنَا فلان أو أخبرنا أو أنبأنا أو ذكر لنا أو قال لنا تفيد معنى التحديث، فهي عند علماء اللغة تساوي قول الراوي: «سَمِعْتُ فُلاَنًا قَالَ: سَمِعْتُ فُلاَنًا». وأوشك كثير من المُحَدِّثِينَ أن يجروا على طريقة علماء اللغة في اصطلاحاتهم، حتى لم يُفَرِّقُوا بين العبارات المذكورة، وراح كل يستخدم إحدى هذه العبارات على سواء، وروي عن كثير من المتقدمين أنهم كانوا «يقولون في غالب حديثهم الذي يَرْوُونَهُ (أَخْبَرَنَا) وَلاَ يَكَادُونَ يَقُولُونَ: (حَدَّثَنَا)» (١). وقال رجل للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، إن عبد الرزاق (٢) ما كان يقول: (حَدَّثَنَا)، كان يقول: (أَخْبَرَنَا)، فقال أحمد بن حنبل: «حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَاحِدٌ» (٣). وقد يكون إيثار هؤلاء المتقدمين (أَخْبَرَنَا) على الألفاظ الأخرى التي تفيد
стр. 100
التحديث لغة بسبب شيوعها وكثرة استعمالها (١). وقد يكون التعبير بـ «أَخْبَرَنَا» أوسع وأشمل من التلفظ بغيرها، فَنُعَيْمٌ بْنُ حَمَّادٍ (٢) يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ (٣) يَقُولُ قَطُّ: (حَدَّثَنَا)، كَأَنَّهُ يَرَى (أَخْبَرَنَا) أَوْسَعَ!» (٤).
وإذ تساوت هذه العبارات جميعًا في إفادة التحديث والسماع، فلا ضير أن يقول القاضي عياض (٥) يقول علماء اللغة، فيرى أن لا خلاف - عندما يكون السماع من لفظ المسمع أو من كتاب - أن يقول السامع: (حَدَّثَنَا) و (أَخْبَرَنَا) و (قَالَ لَنَا) و (ذَكَرَ لَنَا فُلاَنٌ) (٦).
غير أن نُقَّادَ الحديث يفضلون دفع كل لُبْسٍ وإبهام، فيقولون: ينبغي أن يُبَيِّنَ السماع كيف كان، فما سُمِعَ من لفظ المُتَحَدِّثِ قيل فيه (حَدَّثَنَا)، وما قُرِئَ عليه قال الراوي فيه: (قَرَأْتُ) إن كان سمعه بقراءته، ويقول فيما سمعه بقراءة غيره (قُرِئَ وَأَنَا أَسْمَعُ) (٧).
والأكثرون على تقديم لفظ (سَمِعْتُ) على الألفاظ الباقية، إذ لا يكاد
стр. 101
أحد بقولها في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه، فكانت لذلك أرفع من سواها (١). ثم يتلوها قول (حَدَّثَنَا وَحَدَّثَنِي) ثم (أَخْبَرَنَا وَأَخْبَرَنِي) (٢) مع ضرورة التمييز بين حالتي الإفراد والجمع. وفي ذلك يقول عبد الله بن وهب (٣) صاحب الإمام مالك (٤): «إِنَّمَا [هُوَ] أَرْبَعَةٌ: إِذَا قُلْتُ: (حَدَّثَنِي) فَهُوَ مَا سَمِعْتُهُ مِنَ الْعَالِمِ وَحْدِي، وَإِذَا قُلْتُ: (حَدَّثَنَا) فَهُوَ مَا سَمِعْتُهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَإِذَا قُلْتُ: (أَخْبَرَنِي) فَهُوَ مَا قَرَأْتُ عَلَى الْمُحَدِّثِ، وَإِذَا قُلْتُ (أَخْبَرَنَا) فَهُوَ مَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَأَنَا أَسْمَعُ» (٥).
وَيَلِي لَفْظَيْ التَّحْدِيثِ وَالإِخْبَارِ (نَبَّأَنَا وَأَنْبَأَنَا) وهما قليلان في الاستعمال (٦)، والنية هي الفارقة بين جميع هذه الاصطلاحات على الحقيقة (٧) ولذلك تشدد
стр. 102
الرُوَّاةُ مع المدلسين فلم يقبلوا منهم حَدِيثًا حتى يقول قائلهم: (حَدَّثَنِي) أو (سَمِعْتُ) (١). وصيغة الإفراد في التحديث أعلى العبارات في نظر الحافظ ابن كثير (- ٧٧٤ هـ) ففي قول الراوي (حَدَّثَنَا) أو (أَخْبَرنَا) احتمال أن يكون في جمع كثير، وربما لا يكون الشيخ قصده بذلك. ولا يعين قَصْدَ الشيخ له إلا الإفراد (٢).
وقول المُحَدِّثِ: أعلى مَنْزِلَةً من قوله: (حَدَّثَنَا فُلاَنٌ عَنْ فُلاَنٍ) إذ كانت «عَنْ» مُسْتَعْمَلَةً في تدليس ما ليس بسماع (٣). وقد لاحظ بعض الشعراء المتأخرين هذا حين قال:
يَتَأَدَّى إِلَيَّ عَنْكَ مَلِيحٌ ... مِنْ حَدِيثٍ وَبَارِعٌ مِنْ بَيَانِ
بَيْنَ قَوْلِ الفَقِيهِ «حَدَّثَنَا سُفْيَانُ» فَرْقٌ وَبَيْنَ «عَنْ» سُفْيَانِ (٤).
ويجوز أخيرًا في السماع أن يقول الرَّاوِي: (قَالَ لَنَا فُلاَنٌ) أو (قَالَ لِي) أو (ذَكَرَ لِي)، إذ هي في الاتصال مثل (حَدَّثَنَا) وإن كانت أشبه بسماع المذاكرة (٥).
وأضعف هذه العبارات جميعًا أن يقول الرَّاوي (قَالَ) أو (ذَكَرَ) من غير (لِي) لأنها توهم التدليس. وإلى هذا أشار حَمَّادٌ حين قال: «إِنِّي أَكْرَهُ إِذَا كُنْتُ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ أَيُّوبَ (٦) حَدِيثًا أَنْ أَقُولَ: (قَالَ أَيُّوبُ كَذَا وَكَذَا)،
стр. 103
فَيَظُنُّ النَّاسُ أَنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ "» (١). وكانت عبارة شُعبة بن الحجاج (٢) أشد في ذلك وأعنف حين قال: «لأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ: (قَالَ فُلاَنٌ)، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ!» (٣).
ونعود مرة أخرى لِنُؤَكِّدَ أن جميع هذه الألفاظ عند علماء اللسان عبارة عن التحديث، وأنها في الأصل مثل (سَمعت فلانا قال: سمعت فلانا)، وإنما الخلاف فيها بين نُقَّادِ الحديث في استعمالها من جهة العرف والعادة (٤).
ثَانِيًا: القِرَاءَةُ:
لا حاجة بنا إلى تعريف القراءة، فمن الواضح أن حقيقتها المستمدة من لفظها هي قراءة التلميذ على الشيخ حِفْظًا من قلبه أو من كتاب ينظر فيه (٥). وإذ كان التلميذ يعرض بهذا النوع من التَحَمُّلِ قراءته على الشيخ، سميت القراءة عَرْضًا لدى كثير من المُحَدِّثِينَ (٦).
وإذا لم يقرأ التلميذ من حفظه أو من كتاب بين يديه، وإنما سمع غيره يقرأ على الشيخ، فإنه يشترط في شيخه حِينَئِذٍ أن يكون حافظًا لهذا المقروء عليه، أو مُتَمَكِّنًا من مقابلته على أصله الصحيح إن لزم الرجوع إلى هذا الأصل بأيدي تلامذته الآخرين الثقات الضابطين، أو واحد منهم على الأقل (٧). والقراءة
стр. 104
من الكتاب أفضل، لأن العرض به أوثق من الحفظ وآمن. ولذلك يقول الحافظ ابن حجر (١): «يَنْبَغِي تَرْجِيحَ الإِمْسَاكِ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا عَلَى الحِفْظِ لأَنَّهُ خَوَّانٌ» (٢) وغني عن البيان أنه يريد بـ «الإِمْسَاكِ» هنا إمساك الأصل المكتوب.
والرأي المختار أن القراءة دون السماع، فهي تليها في الدرجة الثانية (٣)، لكن بعضهم يذهب إلى مساواتها للسماع (٤)، وهؤلاء لا يرون بَأْسًا أن يقول التلميذ الذي قرأ على الشيخ عندما يريد أن يُؤَدِّي إلى غيره الرواية عنه: سمعت (مُطْلَقًا) من غير تقييدها بقوله: قراءة الشيخ (٥).
ويبالغ بعض المُحَدِّثِينَ في شأن القراءة فَيُقَدِّمَهَا عَلَى السَّمَاعِ (٦).
وعلى الرأي الصحيح المختار أن للتلميذ عند أداء روايته أن يقول إن قرأ بنفسه: «قَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخِ وَهُوَ يَسْمَعُ» وإن كان القارئ سواه: «قُرِئَ
стр. 105
على الشيخ وهو يسمع وأنا كذلك أسمع». وَجَوَّزَ كثير من أهل الحديث أن يقول التلميذ عند الأداء: حدثنا الشيخ قراءة عليه «أَوْ» أخبرنا قراءة عليه «أَوْ» سمعت من الشيخ قراءة عليه يذكر هذا القيد الأخير إلزامًا، لأن عدم ذكره يوهم حصول «السَّمَاعِ» الذي هو أعلى صور التحمل على التحقيق (١). ونحن لم ننس بعد أن «أًخْبَرَنَا» و «حَدَّثَنَا» و «سَمِعْتُ» صيغ اصطلاحية تفيد «السَّمَاعَ» عند الإطلاق.
ثَالِثًا: الإِجَازَةُ:
لاحضنا في «السَّمَاعِ» أن المُتَحَمِّلَ يسمع من لفظ الشيخ، وفي «القِرَاءَةِ» أن التلميذ يعرض على شيخه قراءته، فكلتا الصورتين تشمل على الرواية مع الإسناد المتصل، إما من النطق والمشافهة، وإما من النقل الصحيح. والإجازة لا تشتمل على شيء من هذا، لأنها عبارة عن إذن الشيخ لتلميذه برواية مسموعاته أو مؤلفاته، ولو لم يسمعها منه ولم يقرأها عليه. لذلك يعترض ابن حزم على الإجازة ويراها «بِدْعَةً غَيْرَ جَائِزَةٍ»، ويزيد بعضهم على ذلك فيقول مُتَشَدِّدًا في إنكارها: «مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: " أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي مَا لَمْ تَسْمَعْ "، فَكَأَنَّهُ قَالَ: " أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَكْذِبَ عَلَيَّ "، لأَنَّ الشَّرْعَ لاَ يُبِيحُ رِوَايَةَ مَا لَمْ يَسْمَعْ» (٢).
وهذه مغالاة، فإن بعض صور الإجازة لا يبلغ هذا الحد من ضعف الرواية،
стр. 106
فمن الصور المقبولة في الإجازة لدى الجمهور، دونما تردد (١).
إجازة كتاب معين أو كتب معينة لشخص معين أو أشخاص معينين، كأن يقول الشيخ: أجزت لك أو لكم أو لفلان (مع ذكر اسمه ومميزاته) رواية " صحيح مسلم " أو " سنن أبي داود أو " الكتب الستة " أو ما اشتملت عليه مُدَوَّنَاتِي، وهي كذا وكذا.
ويتوسع كثيرون فيقبلون كذلك إجازة شخص معين، أو أشخاص معينين بشيء مُبْهَمٍ غير معين، كأن يقول الشيخ: أجزت لك أو لكم أو لفلان جميع مسموعاتي أو مروياتي أو ما شابه ذلك من العبارات الغامضة. فقبول هذه الصورة قائم على ضرب من الاتساع في تفهم معنى الإجازة.
أما الإجازة بمجهول لمجهول ففاسدة اتفاقًا. وأما الإجازات العامة كأن يقول الشيخ: أجزت برواية كذا «النَّاسَ» أو «المُسْلِمِينَ» أو «المَوْجُودِينَ» أو «أَهْلَ عَصْرِي» أو «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ» أو «مَنْ شَاءَ» أو «شَاءَ فُلاَنٌ» فالتحقيق أنها غير جائزة، وإن قال بعضهم بجوازها.
والأصل في الإجازة أن ينطق الشيخ بلفظها الصريح شفاهًا أمام تلميذه، فإن أجازه كتابة من غير نطق لم تصح عند المُتَشَدِّدِينَ. غير أن الأرجح مساواة الكتابة للنطق في هذا الموضوع.
والإجازة حتى في صورها المقبولة ليست في قوة القراءة فضلاً على السماع،
стр. 107
فهي تأتي بعدها في الدرجة الثالثة بين درجات تحمل الحديث (١).
رَابِعًا: المُنَاوَلَةُ:
يريدون بالمناولة أن يعطي الشيخ تلميذه كتابًا أو حديثًا مكتوبًا ليقوم بأدائه وروايته عنه. وهي على صور متعددة تتفاوت قوة وضعفًا. فأعلى صورها وأقواها أن يناول الشيخ تليمذه الكتاب أو الحديث المكتوب ويقول له: قد ملكتك إياه وأجزتك بروايته فخذه عني (٢). وَتُسَمَّى هذه الصورة «مُنَاوَلَةٌ مَعَ الإِجَازَةِ» وقد غَالَى بعضهم في شأنها فجعلها «أرفع من السماع، لأن الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه وأثبت، لما يدخل من الوهم على السامع والمستمع» لكن الإمام النووي يفصل في هذه القضية بقوله: «وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُنْحَطَّةٌ عَنْ السَّمَاعِ وَالقِرَاءَةِ» (٣).
ويقارب «المُنَاوَلَةَ مَعَ الإِجَازَةِ» أن يقول الشيخ لتلميذه: «خُذْ هَذَا الكِتَابَ فَانْسُخْهُ وَرَاجِعْهُ ثُمَّ رُدَّهُ إِلَيَّ».
ودون هاتين الصورتين أن يأتي التلميذ شيخه بكتاب من سماع شيخه، فيأخذه منه ويتأمله ثم يقول له: «ارْوِ هَذَا عَنِّي».
ودون هذه الصور بلا ريب أن يأتي التليمذ شيخه بكتاب يلتمس منه أن يناوله إياه فيجيبه الشيخ إلى رغبته دون أن ينظر في الكتاب أو يراجعه أو يقابله.
خَامِسًا: المُكَاتَبَةُ:
هي أن يكتب الشيخ بخطه أو يُكَلِّفَ غيره بأن يكتب عنه بعض حديثه
стр. 108
لشخص حاضر بين يديه يلتقي العلم عليه، أو لشخص غائب عنه ترسل الكتابة إليه (١). وقوة الثقة بها لا يتطرق إليها شك بالنسبة إلى الحاضر المكتوب له لأنه يرى بنفسه خط الشيخ أو خط كاتبه بحضور الشيخ وإقراره. وأما بالنسبة إلى الغائب المكتوب له، فإن الثقة بالمكاتبة لا تضعف خلافًا لما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، لأن أمانة الرسول كافية في إقناع المرسل إليه بأن المكتوب من خط الشيخ أو خط الكاتب عن الشيخ (٢) وفي هذه الحال يشترط أن يكون الكاتب والرسول ثقتين عدلين.
وقد تشدد بعضهم فاشترط في «المُكَاتَبَةِ» أن تكون مقرونة بـ «الإِجَازَةِ» وهو تشدد لا مسوغ له، لأن أكابر الرُوَّاةِ أخذوا بالمكاتبة وحدها غير مقرونة، فهذا البخاري يروي في كتاب (الأيمان والنذور) أنه كتب إلى محمد بن بشار وروى حديثه (٣). وهذا مسلم يقول في " صحيحه ": [عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ:] «كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلاَمِي نَافِعٍ، أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ ... » (٤) الخ ... الحديث.
ولا ريب أن المكاتبة مع الإجازة أقوى من المكاتبة وحدها، بل يذهب بعضهم إلى ترجيح المكاتبة المقرونة بالإجازة حتى على السماع نفسه (٥).
стр. 109
ومن التوسع الذي يستحسن تجنبه أن يقول المُؤَدِّي عن طريق المكاتبة: سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي، إطلاقًا، لما في هذه الألفاظ من إيهام السماع، أما إذا قَيَّدَهَا بلفظ المكاتبة فلا حرج عليه. ومن الدقة في تعبيره أن يقول: حَدَّثَنِي فُلاَنٌ أَوْ أَخْبَرَنِي كِتَابَةً بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ فُلاَنٍ الذِي حَمَلَهُ إِلَيَّ رَسُولُهُ أَوْ رَسُولِي فُلاَنٌ، فِي مَجْلِسِهِ أَوْ فِي مَجْلِسٍ سِوَاهُ، بِكَذَا وَكَذَا (١).
سَادِسًا: الإِعْلاَمُ:
يراد بالإعلام اكتفاء الشيخ بإخبار تلميذه بأن هذا الكتاب أو هذا الحديث من مروياته أو من سماعه من فلان، من غير أن يُصَرِّحَ بإجازته له في أدائه (٢). والأكثرون على جواز هذه الصورة من صور التَحَمُّلِ ما دامت الثقة بالشيخ متوفرة، لأن هذه الثقة تمنعه من أن «يُعْلِمَ» تليمذه بما ليس من مروياته، وكأنه بمجرد إعلامه إياه بما صح سماعه يومئ إلى رضاه عن تحمله له وأدائه: فالإجازة بالرواية مفهومة ضِمْنًا وإن لم يذكرها الشيخ صراحة، ولذلك منع كثير من المُحَدِّثِينَ الرواية بالإعلام إن صَرَّحَ الشَّيْخُ لتلميذه بعدم سماحه له بالرواية عنه قائلاً له: «هذه سماعي أو هذه مروياتي، ولكني أمنعك من روايتها عني، أو لا أبيحها لك، أو لا أجيزها لك، أو لكن لا تُؤَدِّهَا عني» واستدلوا على هذا المنع بأن رواية كهذه بكون أشبه شيء «بالشهادة على الشهادة»، فإن الشاهد الثاني لا تصح شهادته إلا إذا أذن له الشاهد الأول بأن يشهد على شهادته (٣)،
стр. 110
لكن القاضي عياضًا لا يُصَحِّحُ هذا القياس، ولا يرى وَجْهًا للمُشابهة بين الشهادة على الشهادة وبين الإعلام على هذا النحو «لأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ مَعَ الإِذْنِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَالْحَدِيثُ عَنِ السَّمَاعِ وَالْقِرَاءَةِ لاَ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِذْنٍ بِاتِّفَاقٍ، وَأَيْضًا فَالشَّهَادَةُ تَفْتَرِقُ مِنَ الرِّوَايَةِ فِي أَكْثَرِ الوُجُوهِ» (١).
واستدلالُ القاضي عياض صريح في تسويغه الرواية بالاعلام ولو كان التلميذ ممنوعًا من شيخه من الأداء عنه. ويرى بعض الظاهرية (٢) أنَّ نَهْيَ الشيخ تلميذه عن رواية ما أعلمه به مُسَاوٍ لِنَهْيِهِ إِيَّاهُ عن رواية ما سمعه منه سَمَاعًا حَقِيقِيًّا (٣).
سَابِعًا: الوَصِيَّةُ:
الوصية صورة نادرة من صور التحمل يراد بها تصريح الشيخ عند سفره أو على فراش موته بأنه يوصي لفلان بكتاب مُعَيَّنٍ كان يرويه (٤).
وقد أباح بعض السلف للشخص المُوصَى لَهُ رواية ذلك الكتاب عن الموصى، لأنهم رأوا في هذه الوصية شبهًا من الإعلام وضربًا من المناولة، فكان الشيخ بوصيته هذه قد ناول تلميذه شيئًا مُعَيَّنًا وأعلمه بأنه من مروياته، غير أنَّ ألفاظه لم تكن واضحة في ذلك (٥).