← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96229

علوم الحديث ومصطلحه

صبحي الصالح

Полный текст (433 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فمن الصور المقبولة في الإجازة لدى الجمهور، دونما تردد (١). إجازة كتاب معين أو كتب معينة لشخص معين أو أشخاص معينين، كأن يقول الشيخ: أجزت لك أو لكم أو لفلان (مع ذكر اسمه ومميزاته) رواية " صحيح مسلم " أو " سنن أبي داود أو " الكتب الستة " أو ما اشتملت عليه مُدَوَّنَاتِي، وهي كذا وكذا. ويتوسع كثيرون فيقبلون كذلك إجازة شخص معين، أو أشخاص معينين بشيء مُبْهَمٍ غير معين، كأن يقول الشيخ: أجزت لك أو لكم أو لفلان جميع مسموعاتي أو مروياتي أو ما شابه ذلك من العبارات الغامضة. فقبول هذه الصورة قائم على ضرب من الاتساع في تفهم معنى الإجازة. أما الإجازة بمجهول لمجهول ففاسدة اتفاقًا. وأما الإجازات العامة كأن يقول الشيخ: أجزت برواية كذا «النَّاسَ» أو «المُسْلِمِينَ» أو «المَوْجُودِينَ» أو «أَهْلَ عَصْرِي» أو «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ» أو «مَنْ شَاءَ» أو «شَاءَ فُلاَنٌ» فالتحقيق أنها غير جائزة، وإن قال بعضهم بجوازها. والأصل في الإجازة أن ينطق الشيخ بلفظها الصريح شفاهًا أمام تلميذه، فإن أجازه كتابة من غير نطق لم تصح عند المُتَشَدِّدِينَ. غير أن الأرجح مساواة الكتابة للنطق في هذا الموضوع. والإجازة حتى في صورها المقبولة ليست في قوة القراءة فضلاً على السماع،

стр. 107

فهي تأتي بعدها في الدرجة الثالثة بين درجات تحمل الحديث (١). رَابِعًا: المُنَاوَلَةُ: يريدون بالمناولة أن يعطي الشيخ تلميذه كتابًا أو حديثًا مكتوبًا ليقوم بأدائه وروايته عنه. وهي على صور متعددة تتفاوت قوة وضعفًا. فأعلى صورها وأقواها أن يناول الشيخ تليمذه الكتاب أو الحديث المكتوب ويقول له: قد ملكتك إياه وأجزتك بروايته فخذه عني (٢). وَتُسَمَّى هذه الصورة «مُنَاوَلَةٌ مَعَ الإِجَازَةِ» وقد غَالَى بعضهم في شأنها فجعلها «أرفع من السماع، لأن الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه وأثبت، لما يدخل من الوهم على السامع والمستمع» لكن الإمام النووي يفصل في هذه القضية بقوله: «وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُنْحَطَّةٌ عَنْ السَّمَاعِ وَالقِرَاءَةِ» (٣). ويقارب «المُنَاوَلَةَ مَعَ الإِجَازَةِ» أن يقول الشيخ لتلميذه: «خُذْ هَذَا الكِتَابَ فَانْسُخْهُ وَرَاجِعْهُ ثُمَّ رُدَّهُ إِلَيَّ». ودون هاتين الصورتين أن يأتي التلميذ شيخه بكتاب من سماع شيخه، فيأخذه منه ويتأمله ثم يقول له: «ارْوِ هَذَا عَنِّي». ودون هذه الصور بلا ريب أن يأتي التليمذ شيخه بكتاب يلتمس منه أن يناوله إياه فيجيبه الشيخ إلى رغبته دون أن ينظر في الكتاب أو يراجعه أو يقابله. خَامِسًا: المُكَاتَبَةُ: هي أن يكتب الشيخ بخطه أو يُكَلِّفَ غيره بأن يكتب عنه بعض حديثه

стр. 108

لشخص حاضر بين يديه يلتقي العلم عليه، أو لشخص غائب عنه ترسل الكتابة إليه (١). وقوة الثقة بها لا يتطرق إليها شك بالنسبة إلى الحاضر المكتوب له لأنه يرى بنفسه خط الشيخ أو خط كاتبه بحضور الشيخ وإقراره. وأما بالنسبة إلى الغائب المكتوب له، فإن الثقة بالمكاتبة لا تضعف خلافًا لما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، لأن أمانة الرسول كافية في إقناع المرسل إليه بأن المكتوب من خط الشيخ أو خط الكاتب عن الشيخ (٢) وفي هذه الحال يشترط أن يكون الكاتب والرسول ثقتين عدلين. وقد تشدد بعضهم فاشترط في «المُكَاتَبَةِ» أن تكون مقرونة بـ «الإِجَازَةِ» وهو تشدد لا مسوغ له، لأن أكابر الرُوَّاةِ أخذوا بالمكاتبة وحدها غير مقرونة، فهذا البخاري يروي في كتاب (الأيمان والنذور) أنه كتب إلى محمد بن بشار وروى حديثه (٣). وهذا مسلم يقول في " صحيحه ": [عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ:] «كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلاَمِي نَافِعٍ، أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ ... » (٤) الخ ... الحديث. ولا ريب أن المكاتبة مع الإجازة أقوى من المكاتبة وحدها، بل يذهب بعضهم إلى ترجيح المكاتبة المقرونة بالإجازة حتى على السماع نفسه (٥).

стр. 109

ومن التوسع الذي يستحسن تجنبه أن يقول المُؤَدِّي عن طريق المكاتبة: سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي، إطلاقًا، لما في هذه الألفاظ من إيهام السماع، أما إذا قَيَّدَهَا بلفظ المكاتبة فلا حرج عليه. ومن الدقة في تعبيره أن يقول: حَدَّثَنِي فُلاَنٌ أَوْ أَخْبَرَنِي كِتَابَةً بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ فُلاَنٍ الذِي حَمَلَهُ إِلَيَّ رَسُولُهُ أَوْ رَسُولِي فُلاَنٌ، فِي مَجْلِسِهِ أَوْ فِي مَجْلِسٍ سِوَاهُ، بِكَذَا وَكَذَا (١). سَادِسًا: الإِعْلاَمُ: يراد بالإعلام اكتفاء الشيخ بإخبار تلميذه بأن هذا الكتاب أو هذا الحديث من مروياته أو من سماعه من فلان، من غير أن يُصَرِّحَ بإجازته له في أدائه (٢). والأكثرون على جواز هذه الصورة من صور التَحَمُّلِ ما دامت الثقة بالشيخ متوفرة، لأن هذه الثقة تمنعه من أن «يُعْلِمَ» تليمذه بما ليس من مروياته، وكأنه بمجرد إعلامه إياه بما صح سماعه يومئ إلى رضاه عن تحمله له وأدائه: فالإجازة بالرواية مفهومة ضِمْنًا وإن لم يذكرها الشيخ صراحة، ولذلك منع كثير من المُحَدِّثِينَ الرواية بالإعلام إن صَرَّحَ الشَّيْخُ لتلميذه بعدم سماحه له بالرواية عنه قائلاً له: «هذه سماعي أو هذه مروياتي، ولكني أمنعك من روايتها عني، أو لا أبيحها لك، أو لا أجيزها لك، أو لكن لا تُؤَدِّهَا عني» واستدلوا على هذا المنع بأن رواية كهذه بكون أشبه شيء «بالشهادة على الشهادة»، فإن الشاهد الثاني لا تصح شهادته إلا إذا أذن له الشاهد الأول بأن يشهد على شهادته (٣)،

стр. 110

لكن القاضي عياضًا لا يُصَحِّحُ هذا القياس، ولا يرى وَجْهًا للمُشابهة بين الشهادة على الشهادة وبين الإعلام على هذا النحو «لأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ مَعَ الإِذْنِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَالْحَدِيثُ عَنِ السَّمَاعِ وَالْقِرَاءَةِ لاَ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِذْنٍ بِاتِّفَاقٍ، وَأَيْضًا فَالشَّهَادَةُ تَفْتَرِقُ مِنَ الرِّوَايَةِ فِي أَكْثَرِ الوُجُوهِ» (١). واستدلالُ القاضي عياض صريح في تسويغه الرواية بالاعلام ولو كان التلميذ ممنوعًا من شيخه من الأداء عنه. ويرى بعض الظاهرية (٢) أنَّ نَهْيَ الشيخ تلميذه عن رواية ما أعلمه به مُسَاوٍ لِنَهْيِهِ إِيَّاهُ عن رواية ما سمعه منه سَمَاعًا حَقِيقِيًّا (٣). سَابِعًا: الوَصِيَّةُ: الوصية صورة نادرة من صور التحمل يراد بها تصريح الشيخ عند سفره أو على فراش موته بأنه يوصي لفلان بكتاب مُعَيَّنٍ كان يرويه (٤). وقد أباح بعض السلف للشخص المُوصَى لَهُ رواية ذلك الكتاب عن الموصى، لأنهم رأوا في هذه الوصية شبهًا من الإعلام وضربًا من المناولة، فكان الشيخ بوصيته هذه قد ناول تلميذه شيئًا مُعَيَّنًا وأعلمه بأنه من مروياته، غير أنَّ ألفاظه لم تكن واضحة في ذلك (٥).

стр. 111

وَالمُسَوِّغُونَ للرواية بالوصية نعترفون - مع ذلك - بأن من أضعف صور التحمل، فهي دون المناولة والإعلام رغم شبهها بهما من بعض الوجوه. وابن الصلاح لا يرى وجهًا للمشابهة بين الوصية من جانب، وبين المناولة والإعلام من جانب آخر، ويشدد النكير على القائلين بهذه المشابهة فيقول: «وقد احتج بعضهم لذلك، فشبهه بقسم الإعلام وقسم المناولة. ولا يصح ذلك فإن لقول من جَوَّزَ الرواية بمجرد الإعلام والمناولة مستندًا ذكرناه، لا يتقرر مثله ولا قريب منه هنا» (١). وعلى المُوصَى لَهُ عند أداء روايته أن يلتزم عبارة المُوصِي، فلا يزيد عليها ولا ينقص منها، لأن الوصية بالعلم كالوصية بالمال يجب أن تكون معروفة المعالم معينة المقدار، فلا بد أن يكون الشيء المُوصَى به واضحًا أنه كتاب أو كتب أو أنه حديث أو أحاديث أو مسموعات أو مرويات ن وفقًا للتعبير الذي تلفظ به الشيخ المُوصِي. ثَامِنًا: الوِجَادَةُ: الوِجَادَةُ - بكسر الواو - مصدر مولد غير مسموع من العرب اصطلح المُحَدِّثُونَ على إطلاقه على أخذ العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة (٢)، وذلك إذا وجد الشخص حديثًا بخط شيخ كان قد لقيه فألف خطه وعرفه ووثق به، أو لم يلقه ولكنه استيقن من أن هذا المخطوط صحيح النسبة إليه، وكذلك إذا وجد بعض الأحاديث في كتب مشهورة لمؤلفين

стр. 112

مشهورين. فللشخص الذي تقع يده على شيء من هذا أن يرويه عن الشيخ على سبيل الحكاية، فيورد إسناد الحديث كما وجده ويقول: وجدت بخط فلان، أو بخط يغلب على ظني أنه خط فلان، أو في الصحيح المشهور، ويسوق الحديث مثلما كان يصنع عبد الله بن أحمد بن حنبل، فإنه كان كثيرًا ما يقول: «وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ ... » الخ السند والمتن (١). ولا يجوز أن يقول الراوي عند أدائه: عن فلان، أو حدثنا أو أخبرنا فلان أو سمعت منه، أو وجدت بخطه و «شَاكٌّ فِي ذَلِكَ» فهذا كله تدليس قبيح إذا كان بحيث يوهم سماعه (٢)، وله أن يقول: «قَالَ فُلاَنٌ، أَوْ بَلَغَنِي أَنَّ فُلاَنًا قَالَ، أَوْ كَتَبَ الشَّيْخُ بِخَطِّهِ، أَوْ أَمَرَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ»، ومن هنا نُقَدِّرُ مدى الخطأ الذي يقع فيه كثير من كُتَّابِنَا وَمُؤَرِّخِينَا المعاصرين حين يقولون في كتبهم أو في أحاديثهم العادية: حَدَّثَنَا الطبري أو ابن حجر أو الحافظ العراقي مثلاً (٣). وَالوِجَادَةُ - حين تُفْهَمُ على وجهها الصحيح - لا يجوز الشك بقيمتها صورة من صور التحمل، فجميع ما ننقله اليوم من كتب الحديث الصحيحة ضرب من «الوِجَادَةِ» لأن حُفَّاظَ الحديث عن طريق التلقين والسماع أصبحوا نادرين جِدًّا في حياتنا الإسلامية بعد أن انتشرت الطباعة وأضحى الرجوع إلى أمهات كتب الحديث سهلاً ميسورًا. وقد سبق أن جزم ابن الصلاح بأن مذهب وجوب العمل بالوجادة «هُوَ الَّذِي لاَ يَتَّجِهُ غَيْرُهُ فِي الأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ،

стр. 113

فَإِنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى الرِّوَايَةِ لانْسَدَّ بَابُ الْعَمَلِ بِالمَنْقُولِ، لِتَعَذُّرِ شَرْطِ الرِّوَايَةِ فِيهَا» (١). وقد استدل العماد بن كثير (٢) للعمل بالوجادة بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إِلَيْكُمْ إِيمَانًا؟ قَالُوا: الْمَلاَئِكَةُ قَالَ: «وَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ»؟ وَذَكَرُوا الأَنْبِيَاءَ فَقَالَ: «وَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ؟ قَالُوا: فَنَحْنُ؟ قَالَ: «وَكَيْفَ لاَ تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟». قَالُوا: فَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَأْتُونَ بَعْدَكُمْ يَجِدُونَ صُحُفًا يُؤْمِنُونَ بِهَا» (٣). فيؤخذ منه مدح من عمل بالكتب المتقدمة بمجرد الوجادة. وقد استحسن البُلْقِينِي هذا الاستنباط (٤). ولم يكن الأمر محوجًا إلى هذا كله، فوجوب العمل بالوجادة لا يتوقف عليه، لأن مناط وجوبه إنما هو البلاغ، وثقه المكلف بأن ما وصل إليه علمه صحت نسبته إلى رسول اللهِ ﷺ (٥). والحق أن تشدد السلف في بعض صور تحمل الحديث وأدائه، كالوجادة والوصية والإعلام، كان له ما يُسَوِّغُهُ في حياتهم وظروفهم، فقد كان الحديث شغلهم الشاغل، وكانوا أشد منا حاجة إلى حفظه وروايته، لضعف وسائل التدوين والكتابة لديهم، ونحن نجد لزامًا علينا أن ننشط في حفظ الحديث

стр. 114

والتدقيق في طرق تحمله وروايته، ولكن تيسر الطباعة يقوم عنا بعبء كبير من أعباء حفظ الحديث وصيانته. صُوَرُ الأَدَاءِ: ------------- إن جميع الصور الثمان التي اصطلح عليها المُحَدِّثُونَ لبيان طريقة التحمل تصلح لتصوير حالات الأداء، والأداء هو رواية الحديث للتلميذ، والمؤدي إلى من دونه كان متحملاً حديث من هو فوقه، فالشخص الواحد يكون في الوقت نفسه متحملاً ومؤديًا، باعتبار الشيخ مَرَّةً والتلميذ مَرَّةً أخرى: كأن يكون أبو بكر متحملاً حديثًا عن رسول الله ﷺ ، فيكون أبو بكر تلميذًا، والرسول ﵇ شَيْخًا. فإذا أدى أبو بكر إلى عَلِيٍّ مثلاً ما تَحَمَّلَهُ، صار أبو بكر شيخًا مُؤَدِّيًا، وَعَلِيٌّ تلميذًا مُتَحَمِّلاً. لهذا الاعتبار كان لاَ بُدَّ أن ينظر إلى الأداء على أنه امتداد للتحمل، فللشخص الذي كان أهلاً للتحمل بإحدى الصور الثمان أن يؤدي ما تحمله بواحدة من هذه الصور إذا لم يكن فيه صفة تمنع أهليته للأداء أو تضعفها.

стр. 115

البَابُ الثَّانِي: التَّصْنِيفُ فِي عُلُومِ الحَدِيثِ:

стр. 116

الفَصْلُ الأَوَّلُ: عِلْمُ الحَدِيثِ رِوَايَةً وَدِرَايَةً: ندرس في «الحَدِيثِ» عِلْمَيْنِ رَئِيسِيَيْنِ: أحدهما علم الحديث رواية، والآخر علم الحديث دراية. فعل الحديث رواية يقوم على النقل المُحَرَّرِ الدقيق لكل ما أضيف من ذلك إلى الصحابة والتابعين، على الرأي المختار (١). وعلم الحديث دراية، مجموعة من المباحث والمسائل يعرف بها حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد (٢). فالراوي هو الذي ينقل الحديث بإسناده، سواء أكان رجلاً أم امرأة (٣). والمروي أعم من أن يكون مضافًا إلى النبي ﷺ أو إلى غيره من الصحابة والتابعين.

стр. 117

أما أحوال الراوي المبحوث عنها (من حيث القبول والرد) فهي معرفة حاله تَحَمُّلاً وَأَدَاءً، وَجَرْحًا وَتَعْدِيلاً، ومعرفة موطنه وأسرته، ومولده ووفاته. وأما أحوال المروي فهي ما يتعلق بشروط الرواية عند التحمل والأداء، وبالأسانيد من اتصال أو انقطاع أو إعضال أو ما شابه ذلك مما سنراه في الفصول المقبلة. وإذا قلنا في وصف الراوي أو المروي: «إِنَّهُمَا مَقْبُولاَنِ أَوْ مَرْدُودَانِ» فلسنا نريد بقبولهما العمل بهما، وَبِرَدِّهِمَا عدم جواز العمل بهما، وإنما نقبلهما أو نَرُدَّهُمَا من جهة النقل، فقبولنا الراوي اعتبارنا له وأخذنا بمرويه، وَرَدُّنَا له إسقاطنا اعتباره وإغفالنا مرويه، وقبولنا للمروي اعتقادنا ثبوته، وَرَدُّنَا له شكنا فيه روفضنا صحته. ويطلق العلماء على علم الحديث دراية اسم «عِلْمَ أُصُولِ الحَدِيثِ» (١). وإن دراستنا التحليلية - في علم الحديث دراية - هي التي تعنينا في كتابنا هذا، فهي من متن الحديث بمنزلة التفسير للقرآن، أو الأحكام من الوقائع. ولقد كانت - على كثرتها - مستقلة في موضوعها وغايتها ومنهجها. حتى إذا شاع التدوين وكثر التصنيف اتجه كل عالم إلى ناحية،

стр. 118

فكثرت العلوم المتعلقة بهذه الدراسة التحليلية، وانطوت جميعًا تحت اسم واحد هو «عُلُومُ الحَدِيثِ». ونحن فيما يلي نذكر عبارة موجزة عن أهم تلك العلوم. ١ - عِلْمُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ: من تلك العلوم «عِلْمُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ» وهو علم يبحث عن الرُوَّاةِ من حيث ما ورد في شأنهم مما يشينهم أو يُزَكِّيهِمْ بألفاظ مخصوصة. وهو ثمرة هذا العلم والمرقاة الكبيرة منه (١). وقد تكلم في هذا العلم كثيرون منذ عهد الصحابة إلى المتأخرين من المشتغلين بعلوم الحديث. فمن الصحابة ابن عباس (٩٦ هـ) وأنس بن مالك (٩٣ هـ). ومن التابعين الشعبي (١٠٤ هـ) وابن سيرين (١١٠ هـ). وفي آخر عصر التابعين: الأعمش (١٤٨ هـ) وشُعبة (١٦٠ هـ) ومالك (١٧٩ هـ). ويلي هؤلاء طبقة منها ابن المبارك (١٨١ هـ) وابن عيينة (١٩٧ هـ) وعبد الرحمن بن مهدي (١٩٨ هـ). ويبلغ هذا العلم الذروة عند يحيى بن معين (٢٣٣ هـ) وابن حنبل (٢٤١ هـ). ومن الكتب الجامعة في الجرح والتعديل " طبقات ابن سعد " الزهري البصري (٢٣٠ هـ) ويقع في ١٥ مجلدًا. وقد اختصره السيوطي (٩١١ هـ) تحت

стр. 119

عنوان " [إنجاز] الوعد، المنتقى من طبقات ابن سعد ". وللبخاري (٢٥٦ هـ) تواريخ ثلاثة فيها تعديل وتجريح (١)، ولعلي بن المديني (٢٣٤ هـ) تاريخ يقع في عشرة أجزاء، ولابن حبان (٣٥٤ هـ) كتاب في أوهام أصحاب التواريخ، في عشرة أجزاء. وللعماد بن كثير (٧٧٤ هـ) كتاب " التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل ". وقد اتجه بعض العلماء إلى التأليف في رجال مخصوصين تعديلاً وتجريحًا. فألف في الثقات فقط كل من العِجْلِي (٣٦١ هـ) وزين الدين قاسم (٣٨٩ هـ)، وألف في الضعفاء والمتروكين كل من البخاري والنسائي وابن الجوزي، وفي المدلسين فقط ألف الإمام الحسين بن علي الكرابيسي صاحب الشافعي، ثم النسائي، ثم الدارقطني، ثم السيوطي. وقد صَنَّفَ محمد بن طاهر المقدسي في رجال البخاري ومسلم فقط، وَصَنَّفَ الحافظ الذهبي كتابه " الكاشف " في رجال الكتب الستة. ٢ - عِلْمُ رِجَالِ الحَدِيثِ: وهو علم يعرف به رُوَاةُ الحديث من حيث إنهم رُوَاةٌ للحديث (٢). وأول من عرف عنه الاشتغال بهذا العلم البخاري (٢٥٦ هـ) وفي " طبقات ابن سعد " (٢٣٠ هـ) الكثير من ذلك.

стр. 120

وفي القرن الهجري السابع جمع عز الدين بن الأثير (٦٣٠ هـ) " أسد الغابة في أسماء الصحابة "، بيد أنه خلط بهم من ليس صحابيًا. وجاء بعده ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) بكتابه " الإصابة في تمييز الصحابة " وقد اختصره تلميذه السيوطي (٩١١ هـ) في كتاب سماه " عين الإصابة ". ٣ - عِلْمُ مُخْتَلَفِ الحَدِيثِ: وهو علم يبحث عن الأحاديث التي ظاهرها التناقض من حيث إمكان الجمع بينها، إما بتقييد مطلقها، أو بتخصيص عَامِّهَا، أو حملها على تعدد الحادثة أو غير ذلك. ويطلق عليه علم تلفيق الحديث (١). قال النووي في " التقريب ": «هَذَا فَنٌّ مَنْ أَهَمِّ الأَنْوَاعِ، وَيُضْطَرُّ إِلَى مَعْرِفَتِهِ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الطَّوَائِفِ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِي حَدِيثَانِ مُتَضَادَّانِ فِي المَعْنَى ظَاهِرًا فَيُوَفِّقَ بَيْنَهُمَا أَوْ يُرَجِّحَ أَحَدَهُمَا، وَإِنِّمَا يُكْمِلُ لَهُ الأَئِمَّةُ الجَامِعُونَ بَيْنَ الحَدِيثِ، وَالفِقْهِ، وَالأُصُولِيُّونَ الغَوَّاصُونَ عَلَىَ المَعَانِي، وَصَنَّفَ فِيهِ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يَقْصِدْ ﵀ اسْتِيفَاءَهُ، بَلْ ذَكَرَ جُمْلَةً يُنَبِِّهُ بِهَا عَلَى طَرِيقِهِ» (٢). ومثال ذلك قوله ﵇: «لاَ عَدْوَى» وقوله في حديث آخر: «فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ» وكلاهما حديث صحيح، فيجمع بينهما بـ «أَنَّ هَذِهِ الأَمْرَاضَ لاَ تُعْدِي بِطَبْعِهَا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مُخَالَطَةَ المَرِيضِ [بِهَا] لِلصَّحِيحِ

стр. 121

سَبَبًا لإِعْدَائِهِ مَرَضَهُ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِهِ، كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الأَسْبَابِ» (١). وقد ألف في مختلف الحديث الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ) وابن قتيبة (٢٧٦ هـ) وأبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي (٣٠٧ هـ) وابن الجوزي (٥٩٧ هـ). ٤ - عِلْمُ عِلَلِ الحَدِيثِ: هو علم يبحث عن الأسباب الخفية الغامضة من حيث إنها تقدح في صحة الحديث كوصل منقطع، ورفع موقوف، وإدخال حديث في حديث وما شابه ذلك (٢). وعند الكلام عن (المُعَلَّلِ) من أقسام الحديث الضعيف، سنشير إلى أهم العلل التي توهن الحديث ولو كان في ظاهره سليمًا من كل علة. وَمِمَّنْ كتب في هذا العلم ابن المديني (٢٣٤ هـ) والإمام مسلم (٢٦١ هـ) وابن أبي حاتم (٣٢٧ هـ) وعلي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (٣٧٥ هـ) ومحمد بن عبد الله الحاكم (٤٠٥ هـ) وابن الجوزي (٥٩٧ هـ). ٥ - عِلْمُ غَرِيبِ الحَدِيثِ: يبحث عن بيان ما خفي على كثير من الناس معرفته من حديث رسول الله

стр. 122

- ﷺ بعد أن تَطَرَّقَ الفَسَادُ إلى اللسان العربي (١). أول من ألف كتابًا في هذا العلم أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري (٢١٠ هـ) ولكن كتابه كان صغيرًا مُوجَزًا، وقد جمع أبو الحسن النضر بن شُميل المازني (٢٠٤ هـ) كتابًا أكبر منه، ثم صنف أبو عُبيد القاسم بن سَلاَّمٍ (٢٢٣ هـ) كتابًا أفنى فيه عمره، وابن قتيبة (٢٧٦ هـ) ثم الزمخشري (٥٣٨ هـ) كتابه " الفائق في غريب الحديث "، ثم مجد الدين المعروف بابن الأثير (٦٠٦ هـ) كتاب " النهاية في غريب الحديث والأثر " وقد ذَيَّلَ الأرموي كتاب " النهاية " هذا، واختصره السيوطي (٩١١ هـ) في كتابه " الدر النثير تلخيص نهاية ابن الأثير ". ٦ - عِلْمُ نَاسِخِ الحَدِيثِ وَمَنْسُوخُهُ: وهو علم يبحث عن الأحاديث المتعارضة التي لا يمكن التوفيق بينها من حيث الحكم على بعضها بأنه ناسخ، وعلى بعضها بأنه منسوخ. فما ثبت تقدمه يقال له منسوخ وما ثبت تأخره يقال له ناسخ (٢). والناسخ قد يعرف من رسول الله ﷺ كقوله: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَكُلُوا مِنْهَا مَا بَدَا لَكُمْ» رواه " مسلم " عن بريدة (٣). وَقَدْ يُعْرَفُ الناسخ بالتأريخ

стр. 123

وعلم السيرة، كما في حديث «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» وذلك في شأن جعفر بن أبي طالب، قبل الفتح، وقول ابن عباس «احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ»، وإنما أسلم ابن عباس مع أبيه زمن الفتح. وقد أَلَّفَ في «ناسخ الحديث ومنسوخه» أحمد بن إسحاق الديناري (٣١٨ هـ) ومحمد بن بحر الأصبهاني (٣٢٢ هـ) وهبة الله بن سلامة (٤١٠ هـ) ومحمد بن موسى الحازمي (٥٨٤ هـ) (١) وابن الجوزي (٥٩٧ هـ).

стр. 124

الفَصْلُ الثَّانِي: كِتَابَةُ الحَدِيثِ رِوَايَةً وَمَرَاتِبُهَا: [أ]- مَرَاتِبُ هَذِهِ الكُتُبُ: لقد صُنِّفَتْ في الحديث كُتُبٌ كثيرة وصل إلينا بعضها، ولم يصل بعضها الآخر، ولا يزال عدد كبير منها مخطوطًا في المكاتب العالمية، وسيعيش لها الجهابذة من العلماء لينفضوا عنها الغبار وَيُحْيُوا بها التراث الإسلامي العظيم. وكان ينبغي أن تكون كتب الحديث بهذه الكثرة، لأن مجمعة الأحاديث النبوية يتعذر إحصاؤها وضبطها في كتاب يجمعها مهما يكن هذا الكتاب ضخمًا عظيمًا، فالإمام أحمد بن حنبل انتخب " مسنده " وحده من ٧٥٠.٠٠٠ (خمسين ألف وسبع مائة ألف) (١) مع أن أحاديث هذا " المسند " لا تبلغ الأربعين ألفًا (٢). وقد حاول السيوطي في كتابه " جمع الجوامع " أن يستوعب الأحاديث

стр. 125

النَّبَوِيَّةِ بأسرها، وفقًا لما أداه إليه اجتهاده واطلاعه، فجمع منها مائة ألف حديث ومات قبل أن يتم تصنيفه. وجدير بالذكر أنه كان يقول: «أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنَ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، القَوْلِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ مِائَتَا أَلْفَ حَدِيثٍ وَنَيِّفٍ» (١). إن هذا المقدار العظيم من الأحاديث التي جمعت من كتب شتى أُلِّفَتْ في أعصر مختلفة لا يمكن أن ينظر إلى مصادره كلها نظرة متساوية، وبعبارة أخرى: لا يمكن أن تكون مصادر الحديث - على اختلافها - ذات طبقة واحدة، ومرتبة واحدة، ولذلك اصطلح العلماء على تقسيم كتب الحديث بالنسبة إلى الصحة والحسن والضعف إلى طبقات (٢): الطبقة الأولى: تنحصر في " صحيحي البخاري ومسلم " و" موطأ مالك بن أنس "، وفيها من أقسام الحديث: المتواتر، والصحيح الآحادي، والحسن. الطبقة الثانية: وفيها " جامع الترمذي "، و" سنن أبي داود "، و" مسند أحمد بن حنبل "، و" مُجْتَبَى " النسائي، وهي كتب لم تبلغ مبلغ " الصحيحين " و" الموطأ "، ولكن مُصَنِّفِيهَا لم يرضوا فيها بالتساهل فيما اشترطوه على أنفسهم، وتلقاها مَنْ بَعْدَهُمْ بالقبول، ومنها استمدت أكثر العلوم والأحكام وإن كانت لا تخلو من الضعيف.

стр. 126

والمحدثون يعتمدون على هاتين الطبقتين بوجه خاص، ويستنبطون منهما أصول العقيدة والشريعة. الطبقة الثالثة: وهي الكتب التي يكثر فيها أنواع الضعيف من شاذ ومنكر ومضطرب، مع استتار حال رجالها وعدم تداول ما شذت به أو انفردت: كـ " مسند ابن أبي شيبة "، و" مسند الطيالسي "، و" مسند عبد بن حُمَيْدٍ "، و" مصنف عبد الرزاق "، وكتب البيهقي والطبراني والطحاوي، وهذه الطبقة لا يستطيع الاعتماد عليها والاستمداد منها إلا جهابذة المحدثين، الذين أفنوا حياتهم في استكمال هذا العلم وتتبع جزئياته. الطبقة الرابعة: مصنفات هزيلة جمعت في العصور المتأخرة من أفواه القُصَّاصِ وَالوُعَّاظِ والمتصوفة والمؤرخين غير العدول وأصحاب البدع والأهواء كما في تصانيف ابْنِ مَرْدَوَيْهْ وابن شاهين وأبي الشيخ. ومن الواضح أن هذه الطبقة الأخيرة لا يعول عليها أحد من الذين لهم إلمام بالحديث النبوي، لأنها مصدر الأهواء والبدع. [ب]- التَّعْرِيفُ بِأَهَمِّ كُتُبِ الرِّوَايَةِ وَالمَسَانِيدِ: تعدد أنواع كتب الحديث، كما تعددت طبقاتها، فكان منها كتب الصحاح والجوامع والمسانيد، والمعاجم، والمستدركات، والمستخرجات والأجزاء. آ - أما كتب الصحاح فهي تشمل " الكتب الستة " للبخاري ومسلم وأبي

стр. 127

داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، إلا أن العلماء اختلفوا في ابن ماجه، فجعلوا الكتاب السادس " موطأ الإمام مالك "، كما قال رُزَيْنٌ وابن الأثير، أو " مسند الدارمي " كما قال ابن حجر العسقلاني (١). وعلى ذلك فإن من الواضح أن عبارة " الكتب الخمسة " تصدق على كتب الأئمة الذين ذكروا قبل ابن ماجه، فإذا قرأنا في ذيل بعض الأحاديث مثل هذه العبارة: «رَوَاهُ الخَمْسَةُ» فمعنى ذلك أن البخاري ومسلمًا وأبا داود والترمذي والنسائي قد اتفقوا جميعًا على رواية هذا الحديث. وعبارة «الصَّحِيحَيْنِ» تطلق على كتابي البخاري (٢) ومسلم (٣)، ويقال في الحديث الذي رَوَيَاهُ «رَوَاهُ الشَّيْخَانِ» أو «مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ».

стр. 128

وإنما سميت " الكتب الستة " بالصحاح على سبيل التغليب، وإلا فإن كتب " السنن الأربعة " للترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه هي دون " الصحيحين " منزلة، وأقل منهما دقة وضبطًا (١). ولكل من أصحاب " الكتب الستة " ميزة يعرف بها، فمن أراد التفقه فعليه بـ " صحيح البخاري "، ومن أراد قلة التعليقات فعليه بـ " صحيح مسلم " (٢)، ومن رغب في زيادة معلوماته في فن التحديث فعليه بـ " جامع الترمذي "، ومن قصد إلى حصر أحاديث الأحكام فبغيته لدى أبي داود (٣) في " سننه "، ومن كان يعنيه حسن التبويب في الفقه فابن ماجه (٤) يُلَبِّي رغبته، أما النسائي (٥) فقد توافرت له أكثر هذه المزايا.

стр. 129

و " صحيح البخاري " أرجح من " صحيح مسلم "، لأن الإمام البخاري اشترط في إخراجه الحديث شرطين أحدهما معاصرة الراوي لشيخه، والثاني ثبوت سماعه، بينما اكتفى مسلم بمجرد شرط المعاصرة (١). وقد ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه " فتح الباري " أن عِدَّةَ أحاديث البخاري بِالمُكَرَّرِ وبما فيه من التعليقات والمتابعات واختلاف الروايات (٩٠٨٢)، فيها من المتون الموصولة بلا تكرار (٢٦٠٢) ومن المتون المُعَلَّقَةِ المَرْفُوعَةِ (١٥٩) ولم يتناول ابن حجر بالعَدَّ والاستقصاء ما في " البخاري " من الموقوف على الصحابة والمقطوع على التابعين (٢). أما عِدَّةَ ما في " صحيح مسلم " بلا تكرار فيبلغ نحو أربعة آلاف حديث (٣). والبخاري قد وضع بنفسه عناوين " صحيحه " فَبَوَّبَهُ بطريقة خاصة تدل على سَعَةِ علمه وفقهه، وهو غالبًا يفتتح الباب بالآيات القرآنية، فيستنبط من ذلك رأيه الفقهي في الأبواب المختلفة. أما مسلم فإنه رَتَّبَ أحاديثه بطريقة خاصة، فجعل كل طائفة من الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد متلاحقة متتابعة من غير أن يُفْرِدَهَا بعنوان لها بنفسه، ولقد بَوَّبَ له " صحيحه " ووضع له

стр. 130

عناوينه الإمام النووي، فأصبح الانتفاع به أيسر. ولمسلم في " صحيحه " مزايا منها سهولة تناوله، لأنه جعل لكل حديث مَوْضِعًا واحدًا يليق به جمع فيه طرقه التي ارتضاها وأورد فيه أسانيده المتعددة، بخلاف البخاري فإنه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة. ومسلم يُمَيِّزُ بين «حَدَّثَنَا» و «أَخْبَرَنَا» فكان يرى أن «حَدَّثَنَا» لا يجوز إطلاقه إلا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، و «أَخْبَرَنَا» لما قُرِئَ على الشيخ (١). وهذا مذهب أكثر أصحاب الحديث، ولا سيما الشافعي وأصحابه وجمهور أهل العلم بالمشرق. ثم إن مسلمًا يُعْنَى في " صحيحه " بضبط ألفاظ الرواة، كقوله: «حَدَّثَنَا فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ وَاللَّفْظُ لِفُلاَنٍ قَالَ أَوْ قَالاَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ» (٢). وإذا كان بين الرواة اختلاف في حرف من متن الحديث أو صفة الراوي أو نسبه أو نحو ذلك فإنه حريص على التنبيه عليه ولو لم يتغير به المعنى (٣) وهذا إن دَلَّ على شيء فعلى ضبطه وأمانته. وفي كل من " الصحيحين " نجد الإشارة إلى «حَدَّثَنَا» بهذه العبارة «ثَنَا» وإلى «أَخْبَرَنَا» بهذه العبارة «أَنَا» وهما اصطلاحان يُرَادُ بهما الاختصار. ويكثر في " صحيح مسلم " خاصة حرف حاء (ح) يرمز إلى التحول من إسناد إلى إسناد،

стр. 131

وذلك إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، فعلى القارئ إذا انتهى إليها أن يقول (ح) ثم يستمر في قراءة ما بعدها (١). والبخاري ومسلم لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث فلقد فاتهما عدد قليل من الأحاديث اعترفا بصحتها مع أنها لم تَرِدْ في كتابيهما، وإنما وردت في كتب " السنن الأربعة " أو سواهما من الكتب المشهود لها بالصحة (٢). أما " موطأ الإمام مالك " (٣) فإنه يلي " الصحيحين " في الرتبة، على الرأي القائل بأنه سادس " الكتب الستة "، ولم يعد في الكتب الصحاح على رأي الذين يجعلون الأصل السادس " سنن ابن ماجه "، وتعليل ذلك لديهم أن فيه كثيرًا من المراسيل من ناحية، وكثيرًا من الآراء الفقهية من ناحية ثانية، فهو إلى كتب الفقه أقرب (٤). ب - والجوامع من كتب الحديث تشتمل على جميع أبواب الحديث التي اصطلحوا على أنها ثمانية: باب العقائد، باب الأحكام، باب الرقاق، باب آداب الطعام والشراب، باب التفسير والتاريخ والسير، باب السفر والقيام والقعود (ويُسَمَّى باب الشمائل أيضًا)، باب الفتن، وأخيرًا باب المناقب والمثالب (٥). فالكتاب المشتمل على هذه الأبواب الثمانية يُسَمَّى جامعًا:

стр. 132

كـ " جامع البخاري " و " جامع الترمذي ". ج - المسانيد: جمع مسند، وهو ما تذكر فيه الأحاديث على أسماء الصحابة حسب السوابق الإسلامية (١)، أو تبعًا للأنساب (٢). ومنها " مسند أبي داود الطيالسي المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٠٤، وهو كما ذكرنا سابقًا أول من ألف في المسانيد، ومنها " مسند بقي بن مخلد " المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٩٦ (٣)، ويسمى " مسنده " أيضًا " مُصَنَّفًا " لأنه صنف فيه حديث كل صاحب على أبواب الفقه. وأوفى تلك المسانيد وأوسعها " مسند الإمام أحمد بن حنبل " (٤) وفي هذا المسند (٥) أحاديث صحيحة كثيرة لم تخرج في " الكتب الستة ". وقد قال الإمام أحمد في " مسنده " هذا: «هَذَا الكِتَابُ جَمَعْتُهُ وَانْتَقَيْتُهُ مِنْ أََكْثَرِ مِنْ سَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا فَمَا اخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَارْجِعُوا إِلَيْهِ فَإِنْ كَانَ

стр. 133

فِيهِ وَإِلاَّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ» (١). وقد عقب الحافظ الذهبي على ذلك بقوله: «هَذَا القَوْلُ مِنْهُ عَلَى غَالِبِ الأَمْرِ وَإِلاَّ فَلَنَا أَحَادِيثَ قَوِيَّةٌ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَ" السُّنَنِ " وَالأَجْزَاءِ مَا هِيَ فِي " المُسْنَدِ "» وسنرى في بحث «الموضوع وأسباب الوضع»، أن للحافظ ابن حجر رسالة سماها " القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد " رَدَّ فيها أقوال الزاعمين أن في " المسند " موضوعات، وقد فصل ابن تيمية في هذه القضية فصلاً حكيمًا إذ نفى في كتابه " التوسل والوسيلة " وجود الموضوع في " مسند الإمام أحمد إن كان المراد بالموضوع ما في سنده كَذَّابٌ، «أما إذا كان المراد ما لم يقله النبي ﷺ ، لغلط راويه وسوء حفظه، ففي " المسند " و " السنن " من ذلك كثير». د - والمعاجم جمع معجم، وهو ما تذكر فيه الأحاديث على أسماء الشيوخ، أو البلدان، أو القبائل، مرتبة على حروف المعجم (٢). وأشهر المعاجم " معجم الطبراني الكبير "، و " المتوسط "، و " الصغير ". هـ - والمستدركات جمع مستدرك، وهو ما استدرك فيه ما فات المؤلف في كتابه على شرطه. وأشهرها " مستدرك الحاكم النيسابوري على الصحيحين "، وقد لَخَّصَهُ الذهبي (٣). غير أن الحاكم ألزم الشيخين بإخراج أحاديث لا تلزمهما لضعف رُوَاتِهَا عندهما (٤). على أن الضرر في " مستدرك الحاكم " أنه

стр. 134

كان يظن ما ليس بصحيح صحيحًا، لأنه يحاول تخريج بعض الأحاديث على شرط الشيخين، وإن كان في كثير من استدراكاته مقال (١). و والمستخرجات، وموضوع المستخرج - كما قال العراقي: «أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْكِتَابِ فَيُخَرِّجَ أَحَادِيثَهُ بِأَسَانِيدَ لِنَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ صَاحِبِ الكِتَابِ، فَيَجْتَمِعَ مَعَهُ فِي شَيْخِهِ أَوْ مَنْ فَوْقَهُ» (٢). من ذلك " مستخرج أبي بكر الإسماعيلي على البخاري "، و " مستخرج أبي عوانة على مسلم "، و " مستخرج أبي علي الطوسي على الترمذي "، و " مستخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن على سُنن أبي داود ". قال ابن كثير في " مختصر علوم الحديث " في هذا السياق: «وَكُتُبٌ أُخَرُ الْتَزَمَ أَصْحَابُهَا صِحَّتَهَا كَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ البُسْتِيَّ. وَهُمَا خَيْرٌ مِنَ " المُسْتَدْرَكِ " بِكَثِيرٍ وَأَنْظَفُ أَسَانِيدَ وَمُتُونًا» (٣). ز - الأجزاء، والجزء عندهم تأليف الأحاديث المروية عن رجل واحد من الصحابة أو من بعدهم، كجزء أبي بكر، أو الأحاديث المتعلقة بمطلب من المطالب، كـ " جزء قيام الليل " للمروزي، و " جزء صلاة الضحى " للسيوطي، ومنه الفوائد الحديثية كالوحدانيات والثنائيات إلى العشاريات. ومنه كتاب " الوحدان " للإمام مسلم (٤). وكل من علم شروط العمل بالحديث، وكان أهلاً لتحمله وأدائه، جاز له أن ينقل الحديث من الكتب الصحيحة المشهورة، وأن يرويه ويذيع معناه

стр. 135

الفَصْلُ الثَّالِثُ: شُرُوطُ الرَّاوِي وَمَقَايِيسُ المُحَدِّثِينَ: العقل والضبط والعدالة والإسلام شروط لا بد منها لقبول الرواية، فلو فقدها الراوي أو فقد بعضها رُدَّتْ روايته، وَتُرِكَ حَدِيثُهُ. وإلى هذه الشروط الأربعة تَؤُولُ أقوال نُقَّادُ الحديث من قُدَامَى وَمُتَأَخِّرِينَ. غير أن دقة الاصطلاح هي ميزة المتأخرين الذين اطَّلَعُوا على الكثير من آراء الأوائل وَرَجَّحُوا بينها واختاروا أحدها، أما القدامى فكانوا يقنعون من الموضوع بتطبيقه العملي، فتغنيهم الدُّرْبَةُ والممارسة عن وضع المصطلحات والتدقيق في المقاييس. قِيلَ لِشُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ (- ١٦٠ هـ): مَنِ الَّذِي يُتْرَكُ حَدِيثُهُ؟ فَقَالَ: «إِذَا رَوَى عَنِ المَعْرُوفِينَ، مَا لاَ يَعْرِفُهُ الْمَعْرُوفُونَ فَأَكْثَرَ، تُرِكَ حَدِيثُهُ، فَإِذَا اتُّهِمَ بِالحَدِيثِ تُرِكَ حَدِيثُهُ، فَإِذَا أَكْثَرَ الغَلَطَ تُرِكَ حَدِيثُهُ، وَإِذَا رَوَى حَدِيثًا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَلَطٌ تُرِكَ حَدِيثُهُ، وَمَا كَانَ غَيْرَ هَذَا فَأَرْوِ عَنْهُ» (١). ويكاد شعبة بهذا يُصَرِّحُ بشرطين من شروط الراوي الذي يقبل حديثه

стр. 136

وهما الضبط والعدالة، فكثرة الغلط تنافي الضبط، والاتهام في الحديث يعارض العدالة. أما الإسلام والعقل فأمران بديهيان لم يلتزم شُعْبَةُ ذكر لفظهما، إذ كان لا يتصور العدالة من غير إسلام، أو الضبط من غير عقل وتمييز. لكن المتأخرين من نقاد الحديث - حين أخذوا أنفسهم بدقة المصطلحات ووضوح المقاييس - نَبَّهُوا على الشروط جميعًا، فذكروا البديهيات أحيانًا، ولم يضنوا على طالب هذا العلم بالتبويب والتقسيم. وشرط العقل يرادف عند المحدثين مقدرة الراوي على التمييز. فيندرج تحته البالغ تَحَمُّلاً وَأَدَاءً، والصبي المُمَيِّزُ تَحَمُّلاً لاَ أَدَاءً. فقد لُوحِظَ في شرط العقل البلوغ ضِمْنًا، لأن في وسع الصبي أن يتحمل الرواية، ولكنه لا يُؤَدِّيهَا إلا بعد بلوغه (١). وَمِمَّنْ كثرت الرواية عنه من الصحابة، وكان سماعه في الصغير، أنس بن مالك وعبد الله بن عباس وأبو سعيد الخُدري. وَكَانَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ يَذْكُرُ أَنَّهُ عَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ مِنْ دَلْوٍ كَانَ مُعَلَّقًا فِي دَارِهِمْ، وَتُوُفِّيَ [النَّبِيُّ] ﷺ وَلَهُ خَمْسُ سِنِينَ (٢). ولم يتفق المحدثون على مبلغ السن الذي يستحسن التحديث معه (٣)، فقال قوم: الحَدُّ في السماع خمس عشرة سَنَةً، وقال غيرهم: ثلاث عشرة. وقال جمهور العلماء: يصح السماع لمن سِنُّهُ دون ذلك. وبهذا الرأي الأخير أخذ

стр. 137

الخطيب البغدادي وقال: «وَهَذَا هُوَ عِنْدَنَا الصَّوَابُ» (١). والحد في السماع خضع لبعض الاعتبارات الإقليمية، فإذا كان أهل البصرة يكتبون الحديث ويسمعونه لعشر سنين (٢)، فما كان الكوفيون ليتساهلوا في ذلك إلا بعد استكمال أحدهم عشرين سَنَةً، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد (٣). أما أهل الشام فما كانوا يكتبون العلم إلا لثلاثين (٤). ويريدون بضبط الراوي سماعه للرواية كما يجب وفهمه لها فهمًا دقيقًا، وحفظه لها حفظًا كاملاً لا تردد فيه، وثباته على هذا كله من وقت السماع إلى وقت الأداء (٥). فيلاحظ في شرط الضبط قوة الذاكرة ودقة الملاحظة. ويعرف ضبط الراوي بموافقة الثِّقَاتِ المُتْقِنِينَ الضَّابِطِينَ إذا اعتبر حديثه بحديثهم، فإن وافقهم غالبًا - ولو من حيث المعنى - فضابط ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فإن كثرت مخالفته لهم وندرت الموافقة اخْتَلَّ ضَبْطُهُ وَلَمْ يُحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ (٦). والحق أن مخالفة الثقات الضابطين ضرب من الانحراف والشذوذ. ولا ريب في أن الذي يتحمل الروايات الشاذة يتحمل وِزْرًا كَبِيرًا وَشَرًّا كَثِيرًا (٧).

стр. 138

قَالَ شُعْبَةُ: «لاَ يَجِيئُكَ الحَدِيثُ الشَّاذُّ إِلاَّ مِنَ الرَّجُلِ الشَّاذِّ» (١). ولقد قَيَّضََ اللهُ للرواية علماء أعلامًا شَدَّدُوا في أمرها، وكانوا في تشددهم حكماء، فلم ينقلوا إلا الصحيح. والصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع (٢). ومن الطبيعي إذن أن يُحَذِّرَ عبد الله بن المبارك من كتابة الحديث أو سماعه عن غلاط لا يرجع، وَكَذَّابٍ، وصاحب بدعة وهوى يدعو إلى بدعته، ورجل لا يحفظ فَيُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ (٣). ويريدون بعدالة الراوي استقامة التامة في شؤون الدين، وسلامته من الفسق كله، وسلامته من خوارم المروءة (٤). وقد عَرَّفَ الخطيب البغدادي العدل بأنه «مَنْ عُرِفَ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَلُزُومِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَتَوَقِّي مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَتَجَنُّبِ الْفَوَاحِشِ الْمُسْقِطَةِ، وَتَحَرِّي الْحَقِّ وَالْوَاجِبِ فِي أَفْعَالِهِ وَمُعَامَلَتِهِ، وَالتَّوَقِّي فِي لَفْظِهِ [مَا] يَثْلِمُ الدِّينَ وَالْمُرُوءَةَ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَهُ فَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ عَدْلٌ فِي دِينِهِ، وَمَعْرُوفٌ بِالصِّدْقِ فِي حَدِيثِهِ» (٥). وَفَرَّقُوا بين تعديل الراوي وتزكية الشاهد. وإذا كانت التزكية لا تقبل إلا بشهادة رجلين فتعديل الراوي يثبت بِمُعَرِّفٍ وَاحِدٍ، سواء أكان ذكرًا أم أنثى، حُرًّا أَمْ عَبْدًا، شريطة أن يكون في نفسه عَدْلاً مَرْضِيًّا (٦). وهذا

стр. 139

هو اختيار الإمام فخر الدين (١)، والسيف الآمدي (٢). على أن بعض العلماء يُسَوِّي بين الشاهد والراوي، فالتعديل يثبت لكليهما بتعريف شخص واحد (٣). وقد انتصر القاضي أبو بكر (٤) لهذا الرأي. وواضح أن تزكية الشاهد ليست هي عين الشهادة، فلا بد من رجلين في الشهادة على جميع الأقوال، أما تزكية الشاهد فهي التي جرى حولها الخلاف ن هل يكفي لإثباتها شخص واحد أم لاَ بُدَّ من شخصين؟. والمروءة التي ينبغي توافرها في الراوي المعدل كثيرًا ما قيست بالمقاييس الخلقية الإنسانية المشتركة. ويستشهد الخطيب البغدادي على ذلك بقول النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ عَامَلَ النَّاسَ فَلَمْ يَظْلِمْهُمْ، وَحَدَّثَهُمْ فَلَمْ يَكْذِبْهُمْ، وَوَعَدَهُمْ فَلَمْ يُخْلِفْهُمْ، فَهُوَ مَنْ كَمُلَتْ مُرُوءَتُهُ، وَظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ، وَوَجَبَتْ أُخُوَّتُهُ، وَحُرِّمَتْ غَيْبَتُهُ» (٥). وفي ضوء هذه المقاييس، لم يكن بُدٌّ من غض النظر عن بعض العيوب

стр. 140

التي لا يَعْرَى منها إنسان، وسيظل ما يجهله الناس من سيرة كل عالم وكل رَاوٍ أكثر مِمَّا يعرفونه، «لَيْسَ مِنْ شَرِيفٍ وَلاَ عَالِمٍ وَلاَ ذِي سُلْطَانٍ إِلاَّ وَفِيهِ عَيْبٌ، لاَ بُدَّ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ لاَ تُذْكَرُ عُيُوبُهُ» (١). فليكن مقياسًا في تعديل الرواة أن «مَنْ كَانَ فَضْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِهِ وُهِبَ نَقْصُهُ لِفَضْلِهِ» كَمَا قََالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ (٢). وحسن الظن بالراوي حمل بعض العلماء على التساهل في رواية الحديث عن مستور الحال، وهو كل حامل علم معروف بالعناية فيه، فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى يَتَبَيَّنَ جرحه (٣) لقوله ﷺ : «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ» (٤). لكن المحققين من الأصوليين على رَدِّ كل رواية عن مستور الحال دفعًا للمفسدة (٥)، فلا بد من تعديله والكشف عما يمكن من دخائله. وإن كان التوغل في الكشف عن سريرته ليس من عمل المحدثين في شَيْءٍ. ولا ريب أن العدالة شيء زائد على مجرد التظاهر بالدين والورع، لا يعرف إلا بتتبع الأفعال، واختبار التصرفات، لتكوين صورة صادقة عن الراوي.

стр. 141

والبحث عن عدالة المخبر كالبحث عن عدالة الشاهد يتناول ضروبًا من الاستقصاء الدقيق الذي لا يجرح كرامة أحد، بل يُزَكِّي الخبر المروي من خلال تزكية المخبر الراوي: «شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِشَهَادَةٍ، فَقَالَ لَهُ: " لَسْتُ أَعْرِفُكَ، وَلاَ يَضُرُّكَ أَلاَّ أَعْرِفَكَ، ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أنا أَعْرِفُهُ. قَالَ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ: بِالأَمَانَةِ وَالعَدْلِ (*)، قَالَ: فَهُوَ جَارُكَ الأَدْنَى الَّذِي تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَمُدْخَلَهُ وَمُخْرَجَهُ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الْوَرَعِ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَرَفِيقُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: لَسْتَ تَعْرِفُهُ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ "!» (١). ولا غرابة بعد هذا أن يكره المحدثون الرواية عن أهل الأهواء والبدع (٢)، وعن أهل المجون والخلاعة (٣)، على حين تساهلوا في الرواية عن المشاهير من غير أن يسألوا عن سبب عدالتهم: فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من المحدثين أو غيرهم وشاع الثناء عليه بها لا يحتاج إلى تعديل المُزَكِّينَ، كمالك بن أنس، وسفيان بن عُيَيْنَةَ، وسفيان الثوري (٤)، والأوزاعي (٥)،

стр. 142

والشافعي، وأحمد بن حنبل، والليث بن سعد (١)، وشعبة بن الحجاج، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وَعَلِيُّ بن المديني، ويحيى بن مَعِينٍ، وقد سئل ابن حنبل عن إسحاق بن راهويه (٢) فقال: «مِثْلُ إِسْحَاقَ يُسْأَلُ عَنْهُ؟!» وَسُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ، عَنْ أَبَى عُبَيْدٍ، فَقَالَ: «مِثْلِي يُسْأَلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ؟ أَبُو عُبَيْدٍ يُسْأَلُ عَنِ النَّاسِ!» (٣). ومناهج المحدثين في الجرح أشد منها في التعديل: فهم يقبلون التعديل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور (٤)، أما الجرح فيردونه إذا لم يُبَيِّنْ سببه بيانًا شافيًا، لاعتقادهم بأن الناس يختلفون في إسقاط العدالة والحكم بالفسق، وأن «مَذَاهِبُ النُّقَّادِ لِلرِّجَالِ غَامِضَةٌ دَقِيقَةٌ، وَرُبَّمَا سَمِعَ بَعْضُهُمْ فِي الرَّاوِي أَدْنَى مَغْمَزٍ فَتَوَقَّفَ عَنِ الاحْتِجَاجِ بِخَبَرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوجِبًا لِرَدِّ الْحَدِيثِ، وَلاَ مُسْقِطًا لِلْعَدَالَةِ» (٥). من ذلك أنهم تشددوا في رواية مرتكب المباحات، كالتنزه في الطرقات، والأكل في الأسواق، والتبسط في المداعبة والمزاح (٦)، أما اللعب بالشطرنج

стр. 143

ونحوه، واللهو بآلات الطرب، فأمرهما أشد. قَالَ شُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاجِ: «لَقِيتُ نَاجِيَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ فَرَأَيْتُهُ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ فَتَرَكْتُهُ فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ، ثُمَّ كَتَبْتُ عَنْ رَجُلٍ عَنْهُ»، وَقَالَ شُعْبَةُ أَيْضًا: «أَتَيْتُ مَنْزِلَ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو فَسَمِعْتُ فِيهِ صَوْتَ الطُّنْبُورِ، فَرَجَعْتُ. فَهَلاَّ سَأَلْتُ؟ عَسَى أَنْ لاَ يَعْلَمُ هُوَ» (١). والمعروف في كتب الجرح والتعديل أن مُؤَلِّفِيهَا قَلَّمَا يتعرضون لبيان أسباب الجرح، بل يقتصرون على مجرد قولهم: «فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء، وفلان متروك، ونحو ذلك». والناس مع ذلك يُعَوِّلُونَ عليها في رَدِّ حديث الرواة. غير أن التحقيق العلمي الدقيق في موضوع هذه الكتب أثبت أن فائدتها ليست في اعتمادها للحكم بالجرح، بل في إثارة الرِّيبَةِ حول من جَرَّحُوهُ والتوقف في أمره. فلا يقبل حديثه إلا إذا انزاحت هذه الرِّيبَةُ عنه وحصلت الثقة به (٢). وهذه الشدة المتناهية، والورع الزائد، والدقة البالغة، كلها أثر من شعور النقاد بقيمة المَرْوِيِّ، فما هو بالكلام العادي، ولا بالأشعار والخطب والقصص وإنما هو دين لا يؤخذ إلا بالنقل الأمين، والسماع الصحيح. قال محمد بن سيرين: «إِنَّ هَذَا [الْعِلْمَ] دِينٌ، فَانْظُرُوا مِمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينِكُمْ» (٣). ورفع بعضهم حديثًا إلى رسول الله ﷺ بهذا المعنى، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَا ابْنَ عُمَرَ دِينُكَ دِينُكَ، إِنَّمَا هُوَ لَحْمُكَ وَدَمُكَ، فَانْظُرْ عَمَّنْ تَأْخُذُ،

стр. 144

خُذْ عَنِ الَّذِينَ اسْتَقَامُوا، وَلاَ تَأْخُذْ عَنِ الذِينَ مَالُوا» (١). وعلى هدي هذه الوصايا، مضى طلاب الحديث يتخيرون الشيوخ إذا تباينت أوصافهم (٢)، فكانوا يُقَدِّمُونَ السماع من الأمناء، ويكرهون النقل والرواية عن الضعفاء (٣)، وَيُرَجِّحُونَ الأخذ عمن علا إسناده وقرب من النبي ﷺ معتقدين أَنَّ «قُرْبَ الإِسْنَادِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ» (٤)، وحين لا يتيسر لهم الإسناد القريب إلى النبي نفسه يطلبون أقرب الأسانيد إلى الصحابة أو التابعين أو الأئمة الأعلام، واثقين أن العلم في تلك العصور الذهبية كان «غَضًّا طَرِيًّا، وَالارْتِسَامُ بِهِ مَحْبُوبًا شَهِيًّا، وَالدَّوَاعِي إِلَيْهِ أَكْبَرُ، وَالرَّغْبَةُ فِيهِ أَكْثَرُ» (٥). واهتمامهم بالأسانيد العالية لم يكن ينصرف إليها لذاتها، بل لما يترتب عليها من قوة الظن بصحة متونها، فما يقيمون وزنًا لإسناد عَالٍ إذا شَكُّوا في رجاله لأن ضعف رجال الإسناد سَيُؤَدِّي ضرورة إلى ضعف المتن المروي، لذلك فَضَّلُوا النزول عن الثقات على العلو عن غير الثقات (٦) وأنشدوا مع أبي بكر بن الأنباري (٧):

стр. 145

عِلْمُ النُّزُولِ اكْتُبُوهُ فَهُوَ يَنْفَعُكُمْ ... وَتَرْكُكُمْ كَتْبَهُ ضَرْبٌ مِنَ الْعَنَتِ إِنَّ النُّزُولَ إِذَا مَا كَانَ عَنْ ثَبْتٍ ... أَعْلَى لَكُمْ مِنْ عُلُوٍّ غَيْرِ ذِي ثَبَتِ (١). وعرف بعض نقاد الحديث للأسانيد النازلة مزية لم يعرفوها للعالي من الأسانيد، فرأوا «أَنَّ السَّمَاعَ النَّازِلَ أَفْضَلُ، لأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّاوِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ جَرْحِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ وَتَعْدِيلِهِ، وَالاجْتِهَادُ فِي أَحْوَالِ رُوَاةِ النَّازِلِ أَكْثَرُ، وَكَانَ الثَّوَابُ فِيهِ أَوْفَرَ» (٢). وبلغ بالمحدثين حسهم النقدي ذروة لا تسامى حين لاحظوا أن المعاصر حجاب، فكرهوا التحديث عن الأحياء (٣) كأنهم يخشون أثر الحب في حسن الظن وأثر الكره والمنافسة في إساءة الظن بالمروي عنه، فلا تكون أسس الجرح والتعديل سليمة ولا صحيحة. قََالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: ذَاكَرْتُ الشَّافِعِيَّ يَوْمًا بِحَدِيثٍ وَأَنَا غُلاَمٌ، فَقَالَ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهِ؟ فَقُلْتُ: أَنْتَ. فَقَالَ: «مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ كَمَا حَدَّثْتُكَ. وَإِيَّاكَ وَالرِّوَايَةَ عَنِ الأَحْيَاءِ» (٤). وقال ابْنُ عَوْنٍ: «قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: أَلاَ أُحَدِّثُكَ؟» (قَالَ): فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: «أَعَنِ الأَحْيَاءِ تُحَدِّثُنِي أَمْ عَنِ الأَمْوَاتِ؟» قَالَ: «قُلْتُ، لاَ بَلْ عَنِ الأَحْيَاءِ»، قَالَ: «فَلاَ تُحَدِّثْنِي عَنِ الأَحْيَاءِ» (٥).
следующие страницы →