← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 2136–2171 · переход к 2141.

стр. 2136

غير محق فالمراد باليمين في حديث أبي أمامة اليمين الفاجرة ولذلك قرن بين الحديثين. (لقي الله وهو عليه غضبان) فيه إثبات الغضب لله كما هو مذهب أهل السنة. وفي إثبات غضب الله عليه، وإيجاب النار له، وتحريم الجنة، إذا لم يتب ويتخلص من الحق الذي أخذه بالباطل، أعظم وعيد، وأدل دليل على أنه من الكبائر. وفيه أن اليمين الفاجرة في الحكم الظاهر، كيمين البر، لخبر الذي قال: لا يتورع من شيء؛ ليس لك إلا ذلك. (وللبخاري عن أبي هريرة) ﵁ "ورجل حلف على يمين كاذبة" (بعد العصر) ليقتطع بها مال امرئ مسلم يعني فهو من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، وهذا وعيد شديد، وخص ما بعد العصر لشرفه، بسبب اجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار فيه، فدل الحديث على عظم إثم من حلف فيه كاذبًا ليقطتع مال امرئ مسلم بيمينه، وأنه كبيرة من كبائر الذنوب. (وعن جابر) ﵁ (قال) يعني رسول الله ﷺ «من حلف على منبري هذا» وكان ثلاث درجات ثم زيد إلى سبع (بيمين آثمة) أي كاذبة يستحل بها مال مسلم (تبوأ مقعده من النار) وهذا وعيد شديد، لمن استحل مال امرئ مسلم

стр. 2137

بيمينه يجري على ظاهره، أبلغ في الزجر (رواه أبو داود) ورواه أحمد، وصححه ابن حبان، ورواه النسائي بلفظ "من حلف على منبري هذا بيمين كاذبة، يستحل بها مال امرئ مسلم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً" وهذا أعظم وعيد. والحديث دليل على عظم إثم من حلف على منبره ﷺ كاذبًا ولأبي داود من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال لرجل حلفه "إحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ما له عندي شيء يعني المدعي وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظيم إثم حلف الكاذب عند منبره، واستدل به بعضهم على جواز التغليظ على الحالف، بزمان معين كبعد العصر ويوم الجمعة، ونحو ذلك أو بمكان معين كالحرم والمسجد، ومنبره ﷺ وبالتغليظ في لفظ اليمين، وهو مذهب جمهور العلماء. وقد ورد عن جماعة من الصحابة طلب التغليظ على خصومهم في الأيمان، بالحلف بين الركن والمقام، وعلى منبره ﷺ وورد عن بعضهم الامتناع عن الإجابة إلى ذلك، وروي عن بعض الصحابة التحليف على المصحف وذكر ابن القيم من فوائد اليمين تخويف المدعي عليه سواء عاقبة الحلف الكاذب، فيحمله ذلك على الإقرار بالحق، ومنها القضاء عليه بنكوله عنها، ومنها انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال، وتخليص كل من الخصمين من ملازمة الآخر، ولكنها لا تسقط

стр. 2138

الحق، ولا تبرئ الذمة باطنًا ولا ظاهرًا، فلو أقام بينة سمعت وحكم بها، ومنها إثبات الحق بها، إذا ردت على المدعي، أو أقام شاهدًا واحدًا ومنها تعجيل عقوبة الكاذب، المنكر لما عليه من الحق، فإن اليمين الغموس تدع الديار بلاقع، فيتشفى بذلك المظلوم، عوضًا عن ظلمه بإضاعة حقه. (ولابن ماجه عن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا: من حلف بالله فليصدق) فيما يحلف عليه، وتقدم عظم الوعيد على الكاذب (ومن حلف له بالله فليرض) تعظيمًا لله، حيث حلف باسمه تعالى أو صفة من صفاته، وتقدم قوله ﷺ للذي قال إنه لا يبالي قال: "ليس لك إلا ذلك" أي إلا يمينه (ومن لم يرض فليس من الله) وعيد لمن لم يرض، ففيه الاكتفاء بمجرد الحلف بالله كما تقدم، أو صفة من صفاته، من دون تغليظ بزمان أو مكان، ولعل ما تقدم من التغليظ بزمان أو مكان، أو بزيادة قول الحالف مع يمينه: العظيم الذي لا إله إلا هو: فيما له وقع فالله أعلم. (وعن أبي موسى) الأشعري ﵁ (أن رجلين اختصما في دابة) لعلها لم تكن في يد أحدهما ولا ثم قرينة و (ليس لواحد منهما بينة) ليحكم له ببينة ولعله ما ثم قرينة تقوي جانب أحدهما (فقضى بها رسول الله ﷺ بينهما نصفين) وقيل يشبه أن تكون في أيديهما معًا فقضى بها بينهما لاستوائهما

стр. 2139

(رواه أبو داود) ورواه النسائي وجود إسناده، فإذا لم تكن العين بيد أحدهما، ولا ثم ظاهر يعمل به ولا بينة لأحدهما فهي بينهما نصفين، وقال بعضهم: تحالفا وتناصفاها، وإن نكل أحدهما فهي للآخر، وإن وجد أمر ظاهر لأحدهما عمل به فيحلف ويأخذها فلو تنازع الزوجان في قماش البيت فما يصلح لرجل فله، وما يصلح لامرأة فلها وما يصلح لهما فلهما. (وللدارقطني) وضعفه ورواه البيهقي، ولم يضعف إسناده وأخرج نحوه عن الشافعي والحديث (عن جابر) ﵁ (أن رجلين اختصما في ناقة) وما رواه البيهقي عن الشافعي في دابة (فقال كل واحد منهما) أي المتخاصمين (نتجت) أي وضعت (هذه الناقة عندي؛ وأقاما بينة) أي أقام كل من الخصمين بينة على أن هذه الناقة نتجت عنده (فقضى بها رسول الله ﷺ للذي هي في يده) فدل على أن اليد مرجحة للشهادة الموافقة لها، فإذا تداعيا عينًا هي بيد أحدهما، وأقام كل منهما بينة أنها له قضي بها لمن هي بيده، وإن تداعيا عينًا هي بيد أحدهما ولا بينة، فهي لمن هي بيده بيمينه، وإن كانت بيديهما تحالفا وتناصفاها.

стр. 2140

باب الشهادات واحدتها شهادة مشتقة، من المشاهدة، لأن الشاهد يخبر عما شاهده، وهي الإخبار بما علمه، وقال بعضهم: بلفظ أشهد أو شهدت، وكثير من الفقهاء وهو رواية عن أحمد وغيره أنه لا يشترط لفظ أشهد، قال ابن القيم: الإخبار شهادة محضة في أصح الأقوال، وهو قول الجمهور، فإنه لا يشترط في صحة الشهادة لفظ أشهد، بل متى قال الشاهد رأيت كيت وكيت، أو سمعت ونحو ذلك كانت شهادة منه، وليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ موضع واحد يدل على اشتراط لفظ الشهادة ولا عن رجل واحد من الصحابة، ولا قياس، ولا استنباط يقتضيه، بل الأدلة المتضافرة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة ولغة العرب تنفي ذلك، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وظاهر كلام أحمد. وذكر الأدلة ثم قال: قال شيخنا: لفظ الشهادة لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ولا أقوال أحد من الصحابة، ولا يتوقف إطلاق لفظ الشهادة لغة على ذلك، وقال: إقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة، بدليل الأمة السوداء في الرضاع اهـ. والشهادة سبب موجب للحق، وحيث امتنع آداؤها، امتنع كتابتها وظاهر كلام الشيخ وغيره يحرم كتمانها ويقدح فيها ولو كان بيد إنسان شيء لا يستحقه، ولا يصل إلى مستحقه، إلا بشهادة لزمه أداؤها وتعين، ولو كان الشهود أكثر من نصاب

стр. 2141

الشهادة، وطلب أحدهم وجب عليه أداؤها في أصح قولي العلماء، وأما إذا كان المطلوب لا يتم نصاب الشهادة إلا به فقد تعينت عليه إجماعًا والأصل في الشهادة الكتاب والسنة والإجماع، وكذا الاعتبار لدعاء الحاجة إليها، لحصول التجاحد بين الناس، فوجب الرجوع إليها. (قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ أي للتحمل، فعليهم الإجابة، ومذهب الجمهور أنه فرض كفاية، وفي الأداء إذا دعي للأداء فعليه الإجابة عينًا، إذا تعينت عليه، فإن الشاهد حقيقة فيمن تحمل، وقال ابن القيم: نعم التحمل والأداء فهي حق يأثم بتركه، قال الشيخ: يجب على من طلبت منه الشهادة أداؤها، بل إذا امتنع الجماعة من الشهادة أثموا كلهم، باتفاق العلماء، وقدح ذلك في دينهم وعدالتهم. قال ابن القيم: وقياس المذهب أن الشاهد إذا كتم الشهادة بالحق ضمنه، لأنه أمكنه تخليص حق صاحبه فلم يفعل، فلزمه الضمان، كما لو أمكنه تخليصه من هلكة فلم يفعل، وطرد هذا: الحاكم إذا تبين له الحق فلم يحكم لصاحبه به، فإنه يضمنه، لأنه أتلفه عليه، بترك الحكم الواجب عليه ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أي الحق ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ أي إلى محل الحق ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ﴾ أي أعدل ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ لأنه أمر به وإتباع أمره أعدل من تركه ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ لأن الكتابة تذكر الشهود (وأدنى) أحرى وأقرب ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ تشكوا في الشهادة

стр. 2142

والمراد: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلاً هو أعدل عند الله، وأثبت للشاهد إذا وضع خطه، ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا، وهو أقرب إلى عدم الريبة، بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه، فيفصل بينكم بلا ريبة، واستثنى تعالى فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ لانتفاء المحذور في ترك الكتابة. (وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ أي أشهدوا على حقكم، سواء كان فيه أجل أو لم يكن، والجمهور أنه على الندب والإرشاد، لا على الوجوب لقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ قال: ﴿وَلَا يُضَارَّ﴾ أصله يضارر، فأدغمت إحدى الرائين في الأخرى، ونصبت لحق التضعيف لاجتماع الساكنين، أي ولا يضار ﴿كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قيل معناه: لا يضار الكاتب فيأبى أن يكتب، ولا الشهيد فيأبى أن يشهد، أو يزيد الكاتب أو ينقص، أو يحرف ما أملي عليه، أو الشهيد بما لم يستشهد عليه، أو يكتمها. وقيل: لا يضر بهما، بأن يدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان إنا على حاجة، فيقول إنكما قد أمرتما أن تجيبا فليس له أن يضارهما ثم قال: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ أي ما نهيتكم عنه ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

стр. 2143

وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ أي إذا دعيتم إلى إقامتها، فلا تخفوها ولا تغلوها، بل أظهروها قال ابن عباس شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمان الشهادة كذلك ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ أي فاجر قلبه، وفيها من الوعيد الشديد، حتى قيل: ما أوعد الله على شيء كإيعاده على كتمان الشهادة قال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وأراد به مسخ القلب، نعوذ بالله من ذلك، وخص القلب لأنه موضع العلم بها. فدلت الآية على أن أداء الشهادة فرض عين على من تحملها متى دعي إليها إن قدر بلا ضرر يلحقه في بدنه أو عرضه أو ماله أو أهله، لما تقدم من قوله ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بيان الشهادة وكتمانها ﴿عَلِيمٌ﴾ فلا يخفى عليه خافية، وإذا غلب على ظن الشاهد أنه يمتحن فيدعى إلى القول المخالف للكتاب والسنة، أو إلى محرم، فلا يسوغ له أداء الشهادة اتفاقًا اللهم إلا أن يظهر قولاً يريد به مصلحة عظيمة. (وقال) تعالى: ﴿كُونُوا﴾ أي أيها الذين آمنوا ﴿قَوَّامِينَ﴾ أي قائمين لله ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل، فلا تعدلوا عنه يقينًا ولا شمالاً ولا تأخذكم في الله لومة لائم، ولا يصرفكم عنه صارف ﴿شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي قولوا الحق ولو على أنفسكم ولو ضرره عليك، فإن الله يجعل لمن أطاعه مخرجًا من كل أمر يضيق عليه، ثم قال: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فلا تراع

стр. 2144

أحدًا في الشهادة، قريبًا كان أو بعيدًا، بل أدها ابتغاء وجه الله، عادلة خالية من التحريف. (وقال) تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ﴾ أي كونوا قوامين لله بالصدق قوالين به، لا لأجل الناس، ولا للسمعة وكونوا ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل لا بالجور، وقال ﷺ في نحلة بشير لابنه النعمان "لا تشهدني على جور" فتقبل شهادة الأب على ابنه، والابن على أبيه ويأتي، ولهم إذا انتفت التهمة ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي لا يحملنكم ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ أي بغض قوم، وعداوة بينكم وبينهم، وخصومات وغير ذلك ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي على ترك العدل فيهم لعداوتهم، بل يجب العدل في كل أحد ثم قال: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وسيجزي كل عامل على عمله. (وقال) تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ ضد الباطل ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي بقلوبهم ما شهدت به ألسنتهم فعموم الآية يدل على أنه لا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه، والعلم إما برؤية أو سماع من مشهود عليه كعتق وطلاق وعقد، أو سماع باستفاضة فيما يتعذر علمه بدونها، كنسب وموت وملك وطلاق ونكاح ووقف ونحو ذلك؛ قال الشيخ: تصح الشهادة بالمجهول، ويقضي له بالمتيقن، وللمجهول في مواضع كثيرة أما حيث يقع الحق مجهولاً فلا ريب فيها، كما لو شهد بالوصية

стр. 2145

بمجهول، أو لمجهول، أو شهد باللقطة أو اللقيط، والمجهول نوعان: مبهم كأحد هذين ومطلق كثوب وعبد. قال: ويشهد بالاستفاضة، ولو عن واحد تسكن نفسه إليه، قال: ويتوجه أن الشهادة بالدين لا تقبل إلا مفسرة للسبب، ولو شهد شاهدان أن زيدًا يستحق من ميراث مورثة قدرًا معينًا، أو من وقف كذا وكذا جزءًا معينًا، أو أنه يستحق منه نصيب فلان ونحو ذلك، وفكل هذا لا تقبل فيه الشهادة إلا مع بيان السبب، لأن الانتقال في الميراث والوقف حكم شرعي، يدرك باليقين تارة، وبالاجتهاد أخرى، فلا تقبل حتى يتبين سبب الانتقال اهـ. ومن شهد بنكاح أو غيره من العقود فلا بد من ذكر شروطه، لاختلاف الناس في بعض الشروط، وإن شهد برضاع أو سرقة أو شرب مسكر أو قذف فإنه يصفه، ويصف الزنا بذكر الزمان والمكان والمزني بها، ويذكر ما يعتبر للحكم، ويختلف الحكم به في كل ما يشهد به فيه. (وقال) تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ البهت والكذب ولأحمد مرفوعًا " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله" فهي كبيرة من كبائر الذنوب، ولما يأتي (وعن زيد بن خالد) الجهني ﵁ (مرفوعًا: ألا أخبركم بخير الشهداء) جمع شهيد، ويجمع على شهود، أي ألا أخبركم بأكمل الشهداء في رتبة

стр. 2146

الشهادة وأكثرهم ثوابًا عند الله (الذي يأتي بشهادته) يخبر بها (قبل أن يسألها) وفي رواية "قبل أن يستشهد " (رواه مسلم) فإذا كان عند شخص شهادة بحق، لا يعلمها صاحب الحق، فيأتي إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها، فيخلف ورثة فيأتي إليهم، فيخبرهم بأن عنده لهم شهادة. وقيل: المراد بها شهادة الحسبة، وهي ما لا تتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضًا ويدخل فيها ما يتعلق بحق الله، أو ما فيه شائبة منه، كالوقف والوصية العامة وغير ذلك، أو أن يأتي بالشهادة قبل أن يسألها، مبالغة في الإجابة فيكون في ذلك كالجواد يعطي قبل أن يسأل. قال الشيخ: والطلب العرفي أو الحالي في طلب الشهادة كاللفظي علم المشهود له أولا، وهو ظاهر الخبر، "يشهدون ولا يستشهدون" محمول على شهادة الزور، وإذا أدى الآدمي شهادة قبل الطلب، قام بالواجب، وكان أفضل، كمن عنده أمانة أداها عند الحاجة. (ولهما عن عمران بن حصين) ﵁ (مرفوعًا: خير أمتي) وأفضلهم وأقلهم شرًا (قرني) لفضيلتهم في العلم والإيمان، والأعمال الصالحة (ثم الذين يلونهم) لفضيلتهم في ذلك، وهم دون القرن الأول (ثم الذين يلونهم لأنهم دون القرن الثاني. وفي رواية: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة، والمشهود أن القرون المفضلة ثلاثة، وإن كان الثالث قد كثرت فيه البدع، لكن العلماء متوافرون، والإسلام ظاهر (ثم

стр. 2147

إن بعدهم قومًا) أي بعد الثلاثة أو الأربعة (يشهدون ولا يستشهدون) لاستخفافهم أمر الشهادة وعدم تحريمهم للصدق، لقلة دينهم، وضعف أماناتهم، وقد وقع اليوم في ذلك الكثيره (ويخونون ولا يؤتمنون) فدل على أن الخيانة قد تغلب على كثير منهم أو أكثرهم كما يشهد له الواقع. (وللبخاري من حديث ابن مسعود) "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم" (تسبق شهادة أحدهم يمينه) استخفاف بالأيمان وبالشهادة (ويمينه شهادته) لضعف دينهم، وقلة مبالاتهم بالشهادة واليمين وتسرعهم إلى ذلك، وقد خف أمر الله عندهم، وأمر الشهادة واليمين وقل خوفهم من الله، ومبالاتهم بالشهادة واليمين، وإذا كان وقع في الصدر الأول، فما بالك بالناس اليوم، ولم يبق من الإسلام إلا اسمه؟ فالله المستعان. (وعن أبي بكرة مرفوعًا: ألا وقول الزور) الفجور والكذب والبهت (ألا وشهادة الزور) كررها لما فيها من قطع حقوق المسلمين، والضرر الحاصل بها عليهم (فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت، متفق عليه) وقد وقع ما خافه على أمته ﷺ فلا يبالي الأكثر اليوم من قول الزور، وشهادة الزور، والكذب والفجور. (وعن عبد الله بن عمرو) ﵄ (مرفوعًا: لا

стр. 2148

تجوز) أي لا تعتبر ولا تقبل (شهادة خائن ولا خائنة) قال أبو عبيدة تكون في حقوق الله، كما تكون في حقوق الناس، من دون اختصاص، فإذا كان خائنًا فليست له تقوى ترده عن ارتكاب محظورات الدين، التي منها الكذب، فليس عدلاً تجوز شهادته (ولا ذي غمر) بكسر فسكون الحقد والعداوة (على أخيه) أي المسلم المشهود عليه، وكذا الكافر لا يجوز أن يشهد ذو حقد عليه، إذا كانت العداوة بسبب غير الدين، فإن ذا الحقد مظنة عدم صدق خبره، لمحبته إنزال الضرر بمن يحقد عليه، وتقبل شهادة المسلم على الكافر إذا انتفى الحقد. فدل لحديث على أنه لا تقبل شهادة عدوه على عدوه، وهو مذهب الجمهور، ولخبر "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين" لأنه موضع تهمة، وقد أجمع الجمهور على تأثيرها في الأحكام الشرعية. وقال ابن القيم: منعت الشريعة من قبول شهادة العدو على عدوه، لئلا يتحذ ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه، بالشهادة الباطلة، وقال الشيخ: الواجب في العدو أو الصديق ونحوهما أنه إن علم عنه العدالة الحقيقية تقبل، ويتوجه هذا في الأب ونحوه قال: (ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت) وهو الذي ينفق عليه أهل البيت، وأجازها لغير من هو تابع لهم، فالخادم المنقطع إلى الخدمة، لاتقبل شهادته، للتهمة بجلب النفع إلى نفسه، أشبه العبد. وقد حكى الإجماع على عدم قبول شهادة العبد لسيده،

стр. 2149

وكذا الأجير لمستأجره، والوصي للميت، والوكيل لموكله، قال الشيخ في قوم آجروا شيئًا: لا تقبل شهادة أحدهم على المستأجر، لأتهم وكلاء أو ولاة (رواه أحمد) ورجاله ثقات، ورواه أبو داود، وفي رواية لأبي داود " ولا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه " وللترمذي وغيره بسند ضعيف من حديث عائشة " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر لأخيه، ولا ظنين ولا قرابة " واعتمد الشافعي خبرًا ضعيفًا، إلا أن له طرقًا يتقوى بعضها ببعض " لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين " وللبيهقي " ذي الظنة والحنة ". فدلت هذه الأحاديث ونحوها على منع شهادة العدو على عدوه، لأن العداوة تورث التهمة، وتخالف الصداقة، فإن شهادة الصديق لصديقه بالزور، نفع غيره بمضرة نفسه، بالتشفي من غيره، بخلاف عداوة الدين لأنها لا تخل بالشهادة، وهذا مذهب جمهور العلماء، وأنها لا تقبل شهادة ظنين أي متهم، فدل على أنها ترد بالتهمة، وقال ابن رشد: اتفقوا على أنها لا تقبل شهادة الأب لابنه، والابن لأبيه، وكذا الأم لابنها، وابنها لها، وقال ابن القيم: القريب لقريبه لا تقبل مع التهمة، وتقبل بدونها، هذا الصحيح. وقال أيضًا: الصحيح أنها تقبل شهادة الابن لأبيه، والأب لابنه فيما لا تهمة فيه، نص عليه أحمد، والتهمة وحدها توجب

стр. 2150

المنع، سواء كان قريبًا أو أجنبيًا، فشهادة القريب لا ترد بالقرابة، وإنما ترد بتهمتها، ولا ريب في دخولهم في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ كدخول الأجانب، وتناوله للجميع بتناول واحد، هذا مما لا يمكن دفعه، ولم يسثن الله ولا رسوله من ذلك لا أبًا ولا أخًا ولا قرابة، ولا أجمع المسلمون على استثناء أحد من هؤلاء، وإنما التهمة هي الوصف المؤثر في الحكم، فيجب تعليق الحكم به وجودًا وعدمًا. مما يدل على أن احتمال التهمة بين الوالد ووالده لا يمنع قبول الشهادة، أن شهادة الوارث لمورثه جائزة، وشهادة الإبنين على أبيهما بطلاق ضرتهما، فشهادة الوالد لولده وعكسه بحيث لا تهمة هناك أولى بالقبول، وهذا هو القول الذي ندين الله به، وقال عمر: تجوز شهادة الوالد لولده والولد لوالده، والأخ لأخيه، إذا كانوا عدولاً، وإنما منع المتهم في قرابته أو ولائه، أي وإن كان عدلاً في الرواية، فإن الشهادة إلزام لمعين يتوقع منه العداوة، وحق المنفعة والتهمة الموجبة للرد، فاحتيط لها بالعدد والذكورية، وردت بالقرابة والعداوة، وتطرق التهم. ومن كان معروفًا من القرابة ونحوهم بمتانة الدين، البالغة إلى حد لا يؤثر معها محبة القرابة ونحوهم، فقد زالت عنه مظنة التهمة، ومن لم يكن كذلك فالواجب عدم قبول شهادته، لأنها مظنة للتهمة، قال ابن رشد: اتفقوا على إسقاط التهمة في

стр. 2151

شهادة الأخ لأخيه، ما لم يدفع بذلك عن نفسه عارًا، كما قال مالك، وما لم يكن منقطعًا إلى أخيه يناله ببره أو صلته، ولأبي داود " ولا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية " لما فيهم من عدم العلم بإتيان الشهادة على وجهها، والمراد- والله أعلم- من لم تعرف عدالته، وإلا فقد قبل في الهلال بدويًا. وقال الشيخ: تقبل شهادة البدوي على القروي في الوصية في السفر، وهو أقوى من قول من قبل مطلقًا، أو منع مطلقًا، وقال: وإذا كان قاطنًا مع المدعيين في القرية، قبلت شهادته، لزوال هذا المعنى اهـ. وقد أجاز تعالى شهادة الكفار على المسلمين في السفر على الوصية للحاجة، واختار شيخ الإسلام قبول شهادة بعضهم على بعض، ومعلوم أن حاجة قبول شهادة بعضهم على بعض أعظم، ولو لم تقبل لأدى إلى ضياع حقوقهم، والكافر قد يكون عدلاً بين قومه، صادق اللهجة عندهم، فلا يمنعه كفره من قبول شهادته عليهم، إذا ارتضوه. (وقال عمر) ﵁ (إن الناس كانوا يؤخذون بالوحي) لعله في الأغلب (على عهد النبي ﷺ ) ينزل عليه الوحي في ذلك (وإن الوحي قد انقطع) بوفاته ﷺ (وإنما نأخذكم الآن) أي بعد النبوة (بما ظهر لنا من أعمالكم) أي وما خفي من سرائركم فإلى الله. فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته

стр. 2152

شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نؤمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة (رواه البخاري). وفيه دليل على قبول شهادة من لم يظهر منه ريبة، نظرًا إلى ظاهر الحال، وأنه يكفي في التعديل ما يظهر من حال المعدل، من الاستقامة من غير كشف عن حقيقة سريرته، لأن ذلك متعذر إلا بالوحي، وقد انقطع، وهذا وإن كان قول صاحب، فعمر خطب به وأقره من سمعه، فكان قول جماهير الصحابة، ولجريانه على قواعد الشرع، وظاهره لا يقبل المجهول، وشهد رجل عند عمر فقال: لست أعرفك، إئت بمن يعرفك، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه. قال بأي شيء؟ قال بالعدالة. والفضل قال: هو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فعاملك بالدينار والدرهم الذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا. قال: فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: لست تعرفه. ثم قال للرجل: إئت بمن يعرفك اهـ. وما يجرح به الشاهد وغيره مما يقدح في عدالته ودينه، فإنه يشهد به عليه، إذا علمه بالاستفاضة، ويكون ذلك قدحًا شرعيًا فيه، كما صرحوا بأنه يجرح بما سمعه أو رآه أو استفاض عنه، وقال شيخ الإسلام: وما أعلم في هذا نزاعًا بين الناس.

стр. 2153

فصل في عدد الشهود لاختلاف الشهود باختلاف المشهود به، وعدها بعضهم سبعة تعلم بالاستقراء. (قال تعالى: لولا) أي هلا ﴿جَاءُوا عَلَيْهِ﴾ أي على ما قالوه ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ يشهدون على صحة ما جاؤا به ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ أي أربعة يشهدون على ما زعموه ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي في حكم الله كاذبون فاجرون فدلت الآية الكريمة على اعتبار أربعة شهداء يشهدون على وقوع الفعل، واعتبر العلماء صفة الفعل وزمانه ومكانه وغير ذلك، وتقدم في حد الزنا. قال ابن رشد وغيره: اتفق المسلمون على أنه لا يثبت الزنا بأقل من أربعة عدول ذكور اهـ، لأنه مأمور فيه بالستر ولهذا غلظ فيه النصاب، فإنه ليس هناك حق يضيع، وإنما حد وعقوبة، والعقوبات تدرأ بالشبهات، بخلاف حقوق الله، وحقوق عباده التي تضيع إذا لم يقبل فيها قول الصادقين. وقال ابن القيم: اشتراط الأربعة بالنص والإجماع، وأما اللواط فقالت طائفة: هو مقيس عليه في نصاب الشهادة، كما هو مقيس عليه في الحد، وقالت طائفة هو داخل في حد الزنا، لأنه وطء في فرج محرم، وقالت طائفة: بل هو أولى بالحد من الزنا فإنه وطء في فرج لا يستباح بحال، والداعي إليه قوي، فهو أولى بوجوب الحد فنصابه نصاب حد الزنا، قال:

стр. 2154

وبالجملة فلا خلاف بين من أوجب عليه حد الزنا أو الرجم بكل حال، أنه لا بد فيه من أربعة شهداء أو إقرار، اهـ ويكفي على من أتى بهيمة رجلان، لأنه موجبه التعزيز، ومن عرف بغنى وأدعى الفقر ليأخذ من الزكاة لم يقبل إلا بثلاثة لخبر "حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى" وتقدم. (وقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أي أشهدوا من رجالكم يعني المسلمين المكلفين، وهو قول جمهور أهل العلم، واستثنى بعضهم العبيد، وقال أنس بن مالك: ما علمت أحدًا رد شهادة العبيد، وحكاه أحمد إجماعًا قديمًا وقال ابن القيم: قبول شهادة العبد هو موجب الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وصحيح القياس، وأصول الشرع، وليس مع من ردها كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. فلا ريب في دخول العبد في هذا الخطاب، فهو عدل بنص القرآن وقد عدله الله ورسوله في قوله: "يحمل هذا الدين من كل خلف عدو له" والعبد من حملة العلم، فهو عدل بنص الكتاب والسنة، وأجمع الناس على أنه مقبول الشهادة على رسول الله ﷺ إذا روى عنه الحديث، فكيف يقبل عليه، ولا يقبل على الناس. (فإن لم يكونا رجلين) أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين

стр. 2155

﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ أي فليشهد رجل وامرأتان، وأجمع المسلمون على أنه يقبل في المال وما يقصد به المال رجل وامرأتان، قال ابن القيم: إنما جعلت المرأة على النصف من الرجل لحكمة أشار إليها، وهي أنها ضعيفة العقل، قليلة الضبط لما تحفظه، وقد فضل الله الرجال عليهن في العقول والفهم والحفظ والتمييز، فلا تقوم المرأة في ذلك مقام الرجل، وفي منع قبولها بالكلية إضاعة لكثير من الحقوق، فكان من أحسن الأمور أن ضم إليها في قبول الشهادة نظيرتها، لتذكرها إذا نسيت فتقوم شهادة امرأتين مقام شهادة الرجل ويقع من العلم أو الظن بشهادتهما ما يقع بشهادة الرجل. وقال: قد جعل الله المرأة على النصف من الرجل في عدة أحكام (أحدها) هذا. و (الثاني) في الميراث و (الثالث) في الدية و (الرابع) في العقيقة و (الخامس) في العتق وقال: تنازعوا في العتق والوكالة في المال والإيصاء إليه فيه، ودعوى قتل الكافر، لاستحقاق سلبه، ودعوى الأسير الإسلام السابق لمنع رقه، وجناية الخطأ، والعمد التي لا قود فيها، والنكاح والرجعة هل يقبل فيها رجل وامرأتان؟ أم لا بد من رجلين على قولين، وهما روايتان عن أحمد، فالأول قول أبي حنيفة، والثاني قول مالك والشافعي. قال: وقد استقرت الشريعة على أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، فالمرأتان في الشهادة كالرجل الواحد، بل هذا

стр. 2156

أولى، فإن حضور النساء عند الرجعة أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق بالديون، وكذلك حضورهن عند الوصية وقت الموت، فإذا سوغ فيها فهنا أولى، يوضحه أنه قد شرع في الوصية شهادة آخرين من غير المسلمين عند الحاجة، فلأن يجوز شهادة رجل وامرأتين بطريق الأولى والأحرى، بخلاف الديون، قال: "أليس شهادتها بنصف شهادة الرجل" فأطلق ولم يقيد. وقال للمدعي: "شاهداك أو يمينه" وقد عرف أنه لو أتى برجل وامرأتين حكم له، ولو لم يأت المدعي بحجة حلف المدعى عليه، وأن المقصود بالشهادة ثبوت المشهود به، وأنه حق، فإذا عقلت المرأة وحفظت، وكانت ممن يوثق بدينها، فإن المقصود حاصل بخبرها، ولهذا تقبل شهادتها وحدها في مواضع. قال شيخنا: ولو قيل يحكم بشهادة امرأة ويمين الطالب لكان متوجهًا، فالطرق التي يحكم بها الحاكم أوسع من الطرق التي أرشد الله صاحب الحق إلى أن يحفظ حقه بها، وقال: وهذا أصل عظيم يجب أن يعرف، غلط كثير من الناس فيه ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ يعني ممن كان مرضيًا في ديانته وأمانته. فدلت الآية على اشتراط العدالة في الشهود، تقيد بها كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط، ثم قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ قال ابن القيم: أي إن ضلت، وذلك لضعف العقل، قال الشيخ: فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار

стр. 2157

إحداهما الأخرى إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط، فما كان فيه من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة لم تكن فيه على نصف الرجل، قال ابن القيم: وفيه دليل على أن الشاهد إذا نسي شهادته فذكره بها غيره لم يرجع إلى قوله حتى يذكرها، وليس له أن يقلده. (وقال) تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي صاحبي عدل من المسلمين في المقال، وهو الصدق والبيان الذي هو ضد الكذب والكتمان كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ وتقدم ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ﴾ أيها الشهود عند الحاجة ﴿لِلهِ﴾ خالصة لوجهه ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فدلت الآية على أنه يقبل في الرجعة اثنان عدلان، وتقدم أن العدل بحسبه في كل زمان ومكان، قال الشيخ: وشهادة الفاسق مردودة بنص القرآن، واتفاق المسلمين، وقد يجيز بعضهم الأمثل فالأمثل في الفساق عند الضرورة إذا لم يوجد عدول. (وقال) تعالى ﴿اثْنَانِ﴾ أي ليشهد ذكران، لفظ خبر ومعناه الأمر ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وصفهما بأن يكونا عدلين أهل أمانة وعقل ﴿مِنْكُمْ﴾ أي من المسلمين. فدلت الآية: أنه يقبل في الوصية عدلان، واتفقوا أنه لا

стр. 2158

يقبل في الحدود والقصاص إلا رجلان عدلان، وأن جميع الحقوق ما عدا الزنى بشاهدين عدلين ذكرين، وأما الزنى فلعظم أمره اجتمع على ستره الشرع والقدر، فلم يقبل فيه إلا أربعة، ينتفى معها الاحتمال. (أو آخران) أي أو ليشهد مع عدم عدم حضور المسلمين يشهدون على وصية مسلم رجلان (من غيركم، الآية) أي من غير دينكم وملتكم، فيعم أهل الكتابين وغيرهم، وذلك فيما ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ والجمهور أنها ثابتة غير منسوخة، وعمل بها الصحابة وفقهاء الحديث، وبين تعالى جواز شهادة الآخرين فقال: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي سافرتم ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وهذا شرطان لجواز شهادة الذميين عند فقد المؤمنين، أن يكون ذلك في سفر وأن يكون في وصية. والجمهور أن يكونا شاهدين، فإن لم يكن معهما وصي اجتمع فيهما الوصفان، الوصاية والشهادة، كما في قصة تميم الداري وعدي بن بداء، أوصى إليهما رجل من المسلمين ومعه جام من فضة، يريد به الملك، فباعاه، ولما أسلم تميم تأثم ورد نصيبه، وأمرهم النبي ﷺ أن يستحلفوا ابن بداء، فنزلت هذه الآية، وهو حكم مستقل بنفسه، لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، بل حكم خاص، بشهادة خاصة، في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، وقال

стр. 2159

الشيخ: قول أحمد أقبل أهل الذمة إذا كانوا في سفر ليس فيه غيرهم، هذه ضرورة، يقتضي هذا التعليل قبولها في كل ضرورة، حضرًا وسفرًا، وصية وغيرها، كما تقبل شهادة النساء في الحدود إذا اجتمعن في العرس والحمام اهـ. فإذا قامت قرينة الريبة حلف هذا الشاهد لقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قيل صلاة العصر، والمقصود صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم، قال ابن االقيم: فإن الله حكم بأنه إن اطلع على أن الشاهدين والوصيين ظلما وغدرا، أن يحلف اثنان من الورثة على استحقاقها، ويقضي لهم، فإن لوث الظلم والغدر أثرا في وصايتهماوشهادتهما، قال تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي ظهرت لكم منهما ريبة أنهما خانا أو غلا فيحلفان بالله ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي بأيماننا ﴿ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي ولو كان المشهود عليه قريبًا لنا ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ﴾ تعظيمًا لأمرها ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾. ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي فإن تحقق أنهما خانا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي لقولنا أنهما خانا أثبت، وهذا تحليف للورثة ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: أن يأتوا بها على وجهها ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي أقرب إلى أن يخافوا رد اليمين بعد يمينهم على المدعين، فيحلفوا على خيانتهم

стр. 2160

فينفضحوا ويغرموا ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أن تحلفوا أيمانًا كاذبة ﴿وَاسْمَعُوا﴾ الموعظة ﴿وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. وذكر ابن القيم أن التحليف ثلاثة أقسام، تحليف المدعي، وتحليف المدعى عليه، وتحليف الشاهد، وتحليف المدعي في صور القسامة، وهي نوعان، قسامة في الدماء أن يبدأ بأيمان المدعي، وقسامة مع اللوث في الأموال، قال الشيخ: لما ادعى ورثة السهمي الجام المفضض، فأنكر الوصيان الشاهدان، وذكر المشتري أنه اشتراه منهما، صار لوثًا، فإذا حلف الأولياء بأن الجام كان لصاحبهم صدقًا، لكن هنا ردت اليمين على المدعي بعدما حلف المدعي عليه، وفي كلا الموضعين يعطي المدعي بدعواه مع يمينه، وإن كان المطلوب حالفًا أو باذلاً للحلف. قال ابن القيم: والحكم باللوث في الأموال أقوى منه في الدماء، وهو علامة ظاهرة لصدق المدعي، وقد أعتبرها الشارع في اللقطة والنسب، واستحقاق السلب، قال: والثانية إذا ردت عليه اليمين، والثالثة إذا شهد شاهد واحد، والرابعة في مسألة تداعي الزوجين والصانعين، والخامسة تحليفه مع شاهديه، وذكر أثارًا ثم قال: وهذا القول ليس ببعيد من قواعد الشرع، ولاسيما مع احتمال التهمة، وقال أحمد: فعله علي والصحابة قال ابن القيم: وهذا يقوى مع وجود التهمة، وأما بدونها فلا وجه له.

стр. 2161

وإذا كان للحاكم أن يفرق الشهود إذا ارتاب بهم، كما صرح به الفقهاء، بأن الحاكم إذا ارتاب بالشهود فرقهم وسألهم كيف تحملوا الشهادة، وأين تحملوها، وإذا ارتاب بالدعوى، سأل المدعي عن سبب الحق، وأين كان، ونظر في الحال هل تقتضي صحة ذلك، وكذا إذا ارتاب بمن القول قوله، والمدعي عليه، وجب عليه أن يستكشف الحال، ويسأل عن القرائن التي تدل على صورة الحال. قال: ومنه لو ادعى عليه شهادة فأنكرها، فهل يحلف وتصح الدعوى بذلك؟ قال شيخنا: لو قيل إنه تصح الدعوى بالشهادة لتوجه، لأن الشهادة سبب موجب للحق، فإذا ادعى على رجل أنه شاهد له بحق، وسأل يمينه كان له ذلك، وإذا نكل عن اليمين لزمه ما ادعى بشهادته، إن قيل إن كتمان الشهادة موجب للضمان لما تلف، وما هو ببعيد، لكن لو ادعت الطلاق على زوجها، فقال: لا يحلف بدعواها، فإذا أقامت على ذلك شاهد واحدًا لم تحلف مع شاهدها، ولم يثبت الطلاق على زوجها، لا نعلم فيه نزاعًا بين الأئمة الاربعة، وهل يحلف لها زوجها فيه قولان أحدهما يحلف، وهو مذهب الشافعي ومالك، وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد. وإن نكل فهل يقضي عليه؟ فيه روايتان عن مالك "إحداهما" يطلق عليه بالشاهد والنكول، وهذا في غاية القوة، وهو مقتضى الأثر والقياس "والثانية" يحبس وقال الشيخ: من

стр. 2162

قبلت شهادته للضرورة استحلف، وقاسه على الكافر في الوصية والمرأة في الرضاع. (وتقدم) في باب حد القذف (أربعة) كما في الآية، وفي قصة هلال "البينة" أي ائت بأربعة شهود، يشهدون على أن شريك بن سحماء زنا بامرأتك، وفي لفظ "أربعة وإلا حد في ظهرك" أي: حدًا لقذفه بالزنا، وشهد أربع شهادات بالله، قامت مقام البينة أربعة شهود، فدل على وجوب أربعة يشهدون، وأنه إن نقص العدد حدوًا حد القذف، كما فعله الخليفة الراشد عمر ﵁. (وقوله) أي وتقدم قوله (شاهداك أو يمينه) في باب آداب القاضي، وذلك أنه كان بين الأشعث وبين رجل خصومة في بئر فقال ﷺ للأشعث "شاهداك" لأن خصمه أنكر دعواه، ولما لم يكن للأشعث بينة، قال: "ليس لك إلا ذلك" أي ليس لك إلا يمينه، فدل على صحة البينة بشاهدين، وثبوت القضاء بهما وتقدم ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وإذا لم يكن للمدعي بينة فيمين المدعى عليه، وهذا قول أهل العلم من الصحابة والتابعين، إلاما ذكر في العبيد، وتقدم قبول شهادتهم. (وعن ابن عباس) ﵄ (قال: قضي النبي ﷺ بيمين وشاهد، رواه مسلم) ولأبي داود والترمذي نحوه

стр. 2163

وصححه، وقال أبو حاتم: وهو صحيح، وقد أخرج الحديث عن أكثر من عشرين من الصحابة، فدلت على أنه يثبت القضاء بشاهد ويمين، وهو مذهب الجماهير من الصحابة والتابعين وغيرهم، وهو مذهب فقهاء المدينة قال الشافعي: وعمدتهم هذه الأحاديث، واليمين وإن كان حاصلها تأكيد الدعوى، لكن يعظم شأنها فإنها إشهاد لله تعالى أن الحقيقة كما يقول. ولو كان الأمر على خلاف الدعوى لكان مفتريًا على الله أنه يعلم صدقه، فلما كانت بهذه المنزلة هابه المؤمن بإيمانه، وعظمه شأن الله عنده، أن يحلف به كاذبًا، وهابه الفاجر لما يراه من تعجيل عقوبة الله لمن حلف يمينًا فاجرة، فلما كان بهذا الشأن، صلحت للهجوم على الحكم، كشهادة الشاهد، قال الخطابي: وهذا خاص بالأموال، ولا يخرج والله أعلم من الحكم بالشاهد واليمين إلا الحد والقصاص، للإجماع أنهما لا يثبتان بذلك، ولا تثبت دية، ويثبت بها المال في السرقة دون القطع، وقال ابن القيم: الذي يحكم فيه بالشاهد واليمين المال، وما يقصد به المال، كالبيع والشراء وتوابعهما، من اشتراط صفة في المبيع، أو نقد غير نقد البلد، والإجارة والجعالة والمساقاة والمزارعة والمضاربة والشركة والهبة. قال: والحكم بالشاهد واليمين حكم بكتاب الله فإن الله أمر بالحكم بالحق، والرسول ﷺ وأصحابه حكموا به، ولا

стр. 2164

يحكمون بباطل، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ وهو مما حكم به فهو عدل مأمور به من الله ولا بد، ولا يعارض واليمين على المدعى عليه" فإن المراد به إذا لم يكن مع المدعي إلا مجرد الدعوى، فإنه لا يقضى له بمجرد الدعوى، فأما إذا ترجح جانبه بشاهد أو لوث أو غيره لم يقض له بمجرد دعواه، بل بالشاهد المجتمع من ترجيح جانبه ومن اليمين، قال: ومن شرطها تقدم الشهادة عليها، فيشهد الشاهد أولاً، ثم يحلف صاحب اليمين، وقال: الحكم بهما تقوية، فلو رجع الشاهد كان الضمان عليه. وقال: إذا عدمت امرأتان قامت اليمين مقامهما والشاهد واليمنى سكت عنه القرآن، وفسرته السنة، وقال: قد ذهب طائفة من قضاة السلف العادلين إلى الحكم بشهادة الواحد إذا ظهر صدقه من غير يمين، فإذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد، جاز له الحكم بشهادته، وإن رأى تقويته باليمين فعل، وإلا فليس ذلك بشرط، والنبي ﷺ لما حكم بالشاهد واليمين لم يشترط اليمين بل قوى بها شهادة الشاهد. وأجاز شريح وزرارة شهادة شاهد واحد علما صدقة وعدل النبي ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين، وقبل شهادة الأعرابي وحده على هلال رمضان، وأجاز شهادة الشاهد الواحد في قصة السلب، ولا استحلفه، وهو الصواب، ولا معارض لهذه السنة، ولا مسوغ لتركها، قال: فالبينة تطلق على الشاهد

стр. 2165

الواحد، وهو أحد الوجوه في هذه المسألة، وهو الصواب، وقال: الحكم بشهادة امرأتين ويمين المدعي، في الأموال وحقوقها، وهو مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وحكاه شيخنا، واختار. وظاهر القرآن والسنة يدل على صحة هذا القول، فإن الله أقام المرأتين مقام الرجل، والنبي ﷺ قال في الحديث الصحيح «أليس شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل» ولا في القرآن ولا في السنة، ولا في الإجماع ما يمنع من ذلك، بل القياس الصحيح يقتضيه لأن ذكر البينة اسم لما يبين الحق، وهو أعم من أن يكون برجال أو نساء، أو نكول أو يمين أو أمارات ظاهرة، والحكم بشهادة امرأتين فقط من غير يمين، في إحدى الروايتين عن أحمد فيما لا يطلع عليه الرجال، وبشهادة واحدة، وهي أشهر والرجل فيه كالمرأة، ولم يذكروا يمينًا والفرق بين هذا وبين الشاهد واليمين، حيث اعتبرت، أن المغلب في هذا هو الإخبار عن الأمور الغائبة، التي لا يطلع عليها الرجال، فاكتفي بشهادة النساء، وبالشاهد واليمين في الشهادة على أمور ظاهرة، يطلع عليها الرجال في الغالب، فإذا انفرد الشاهد الواحد احتيج إلى تقويته باليمين. (وتقدم في الرضاع) يعني حديث عقبة بن الحارث، وهو في الصحيح، أن أمة سوداء قالت: قد أرضعتكما، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «كيف وقد زعمت ذلك» أي أن قد

стр. 2166

أرضعتكما قال الزهري: قد مضت السنة أنها تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن، وقال الوزير: اتفقوا على أنه تقبل شهادتهن فيما لا يطلع عليه الرجال، كالولادة والرضاع والبكارة وعيوب النساء، وما يخفى على الرجال غالبًا وقال ابن رشد: لا خلاف في هذا إلا في الرضاع فإن ابا حنيفة قال مع الرجال، لأنه عنده من حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال والنساء والحديث حجة عليه. وقال ابن القيم: يجوز القضاء بشهادة النساء منفردات في غير الحدود والقصاص، عند جماعة من السلف والخلف، وذكر أنه أرجح الأقوال، وقال: ما كان لا يخاف فيه الضلال في العادة تقبل شهادتين فيه منفردات، إنما هو أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها، من غير توقف على عقل كالولادة والرضاع والاستهلال والبكارة والثيوبة، والحيض وعيوب النساء تحت الثياب ونحو ذلك، فإن مثل هذا لا ينسى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى كمال عقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها من الإقرار بالدين وغيره، فإن هذا له معان معقولة، ويطول العهد بها في الجملة، قال: والرجل فيه كالمرأة ولم يذكروا ههنا يمينًا. وظاهر نص أحمد أنه لا يفتقر إلى اليمين، والفرق بينه وبين الشاهد واليمين، حيث اعتبرت اليمين هناك، أن المغلب في هذا الباب هو الإخبار عن الأمور الغائبة، التي لا يطلع عليها

стр. 2167

الرجال، فاكتفي بشهادة النساء، وفي باب الشاهد واليمين، الشهادة على أمور ظاهرة، يطلع عليها الرجال في الغالبن فإذا انفرد بها الشاهد الواحد احتيج إلى تقويته باليمين. باب الإقرار وهو الاعتراف بالحق، مأخوذ من المقر وهو المكان، كأن المقر يجعل الحق في موضعه، وقالوا: إنه إخبار عما هو ثابت في نفس الأمر من حق الغير على المقر، وقال الشيخ: التحقيق أن يقال: إن المخبر، إن أخبر بما على نفسه فهو مقر، وإن أخبر بما على غيره لنفسه فهو مدع، وإن أخبر بما على غيره لغيره، فإن كان مؤتمنًا عليه، فهو مخبر، وإلا فهو شاهد، فالقاضي والوكيل، والكاتب والوصي، والمأذون له، كل هؤلاء ما أدوه مؤتمنون فيه، فإخبارهم بعد العزل ليس إقرارًا وإنما هو خبر محض، وقد دل الكتاب والسنة وأجمع العلماء على صحة الإقرار في الجملة، ويصح من مكلف مختار، غير محجور عليه، ويلزم قبول الحكم به بلا خلاف. (قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ أي: لمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنن به، ولينصرنه (إلى قوله: قالوا ﴿أَقْرَرْنَا﴾ أي بالإيمان به ونصرته وذلك أنه قال) ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي قبلتم على ذلك عهدي وميثاقي

стр. 2168

(قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا) أي على أنفسكم ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ عليكم فدل عموم الآية على صحة الإقرار وثبوت المقريه. (وقال) تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي ومن أهل المدينة أو الأعراب آخرون اعترفوا أي أقروا بذنوبهم ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو إقرارهم بذنوبهم وتوبتهم ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ أي بعمل آخر سيء، وذلك أن الله لما ذكر حال المتخلفين عن الغزو رغبة وشكًا، ثنى بالمتأخرين كسلاً وميلاً إلى الراحة مع إيمانهم وتصديقهم، فأخبر أنهم أقروا بذنوبهم، واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال صالحة خلطوا هذه بهذه، فهم تحت عفو الله، والاعتراف إقرار، فعموم الآية يدل على صحة الإقرار، فإن الاعتراف إقرار منهم. (وقال) تعالى: ﴿شُهَدَاءَ لِلهِ﴾ أمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسم، وهو العدل، شهداء لله على من كانت له الشهادة ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ بالإقرار ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ فأقيموها لله، فيجب أن يقول المرء الحق، ولو عاد ضرره عليه، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا ثم قال: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي فلا يحملنكم الهوى والعصيبة على ترك العدل في أموركم، بل الزموا العدل على كل حال، في كل أحد.

стр. 2169

(وقال) ﵎ لما أخذ (مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) أي أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالاً وقالاً، فالشهادة تكون بالقول تارة وبالحال تارة ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي لئلا تقولوا يوم القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ أي عن هذا الميثاق والإقرار بالتوحيد غافلين، حتى قيل هو الفطرة التي فطروا عليها. (ورجم رسول الله ﷺ ماعزًا) بإقراره على نفسه بالزنا والحديث متفق عليه، وتقدم في باب حد الزنا، (و) رجم (الغامدية) بإقرارها على نفسها بالزنا، وتقدم أيضًا في باب حد الزنا، فدلت الأحاديث وكذا الآيات على صحة الإقرار، وثبوت الأخذ به. (وقتل) رسول الله ﷺ (اليهودي) الذي رض رأس الجارية وأقر، قتله بإقراره، ورجم الذين زنيا، بعدما أتوا بالتوراة، فأمر بهم (بإقرارهم) وتقدم ذكر ذلك في مواضعه، وتقدم أن من أقر على نفسه أخذ بما أقر به، وعلى غيره فإما أن يكون إقراره شهادة، أو إخبارًا على ما تقدم. ومن أقر في مرضه بشيء فكإقراره في صحته، إلا في إقراره بالمال لوارثه، وهو قول أكثر أهل العلم، وذكر ابن القيم من الحيل الباطلة إذا أراد أن يخص بعض ورثته ببعض الميراث أن

стр. 2170

يقول كنت وهبت له كذا وكذا في صحتي، أو يقر له بدين فيتقدم به، وهذا باطل والإقرار في مرض الموت لا يصح، للتهمة عند الجمهور، بل مالك يرده للأجنبي إذا ظهرت التهمة، وقوله هو الصحيح، وأما إقراره أنه وهبه إياه في الصحة، فلا يقبل أيضًا، كما لا يقبل إقراره له بالدين، وأيضا هذا المريض لا يملك إنشاء عقد التبرع المذكور فلا يملك الإقرار به، لاتحاد المعنى الموجب لبطلان الإنشاء، فإنه بعينه قائم مقام الإقرار اهـ. وإن أقر لزوجته بالصداق فلها مهر المثل بالزوجية، ولو أقر أنه أبانها في صحته، لم يسقط إرثها، وإن أقر لوارث فصار عند الموت أجنبيًا لم يلزم ولغير وارث فصار عند الموت وارثًا صح، وإن أقر بنسب صغير مجهول النسب ثبت نسبه وإن ادعى على شخص فصدقه صح. وإن وصل بإقراره ما يسقطه كان مقرًا مدعيًا للقضاء، فلا يقبل إلا ببينة، فإن لم تكن بينة حلف المدعي أنه لم يقض ولم يبرئ واستحق، قال الوزير: هذا قول جماهير الفقهاء. (وعن أبي ذر) ﵁ (مرفوعًا: قل الحق) والحق من أسماء الله تعالى، والحق ضد الباطل، والحق الواجب والثابت (ولو كان مرًا) وقل الحق ولو على نفسك فلا تأخذك في الله لومة لائم، ولا يصرفك عن الحق صارف فحث على

стр. 2171

قول الحق ولو مع مرارته (صححه ابن حبان) وتقدم قوله ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ وقالو ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ الآية، وأدلة وجوب الإقرار بما يجب على الشخص لغيره كثيرة، من مال أو غيره، وتقدم بعض تفاصيل من مسائل الإقرار، وبسطها كتب الفقه، والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.