← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

عليه أن يسوي بين الخصمين في المجلس اهـ. وإن كانت التسوية بين الخصمين ممكنة، بأن يقعد أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله أو أحدهما في جانب المجلس والآخر في الجانب الآخر جاز، وفيه مشروعية التسوية بين الخصمين لأنهما لما أمرا بالقعود جميعًا على تلك الصفة، كان الاستواء في الموقف لازمًا لهما، وفي قصة على تخصيص بالمساواة بين المسلمين، دون المسلم والكافر. (وعن أم سلمة) ﵂ (مرفوعًا: من ابتلي بالقضاء بين المسلمين، فليعدل بينهم في لفظه) ولحظه ودخولهما عليه (وإشارته) فلا يخص أحدهما دون الآخر (ولا يرفع صوته على أحد الخصمين) ليكون ذريعة إلى انكسار قلب الآخر (رواه الدارقطني) وأبو يعلي (وفيه ضعف) فإن في إسناده عباد بن كثير وهو ضعيف، ويشهد له ما تقدم. وقال ابن القيم: نهى ﷺ عن رفع أحد الخصمين عن الآخر، وعن الإقبال عليه، وعن مشاورته، والقيام له دون خصمه، لئلا يكون ذريعة إلى انكسار قلب الآخر، وضعفه عن القيام بحجته، وثقل لسانه بها، ولا يتنكر للخصوم، لما في التنكر لهم من إضعاف نفوسهم، وكسر قلوبهم، وإخراس ألسنتهم عن التكلم بحججهم، خشية معرة التنكر، ولا سيما لأحدهم دون الآخر، فإن ذلك الداء العضال.

стр. 2102

(وعن علي) بن أبي طالب ﵁ (مرفوعًا: إذا جلس إليك الخصمان) أي للحكم بينهما وفي لفظ "إذا تقاضي إليك رجلان" (فلا تقض بينهما) إذا سمعت من أحدهما (حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء) وفي لفظ "فسوف تدري كيف تقضي) رواه أحمد وأبو داود و (حسنه الترمذي) وصححه الحاكم، وله طرق عن البزار وغيره. وفيه دليل على أنه يحرم على الحاكم أن يحكم قبل سماع حجة كل واحد من الخصمين، واستفصال ما لديه، وإحاطته بجميعه، لجواز أن يكون مع خصمه حجة يدفع بها بينة، فإن قضى قبل السماع من أحد الخصمين كان حكمه باطلاً، فلا يلزم قبوله بل يتوجه عليه نقضه، ويعيده على وجه الصحة، أو يعيده حاكم آخر، وفيه دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب، وذلك لأنه إذا منع أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران، حتى يسمع كلام الآخر، فقد دل على أنه في الغائب الذي لم يحضر ولم يسمع قوله أولى بالمنع، وإن امتنع أحد الخصمين عن الإجابة لخصمة جاز القضاء عليه، لتمرده، ولكن بعد التثبت المسوغ للحكم كما في الغائب. (وعن أم سلمة) ﵂ (أن النبي ﷺ قال: إنما أنا بشر) أي مشارك، للبشر في أصل الخلقة، ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختص بها ﷺ (وإنكم تختصمون إلي) فكل يدلي بحجته

стр. 2103

(ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض) أي أفطن للحجة، وأعرف بها من غيره، أو أبلغ في إيراد الكلام، وأحسن كما في رواية (فأقضي له بنحو مما أسمع) أي من الدعوى والإجابة والبينة أو اليمين، وقد تكون باطلة في نفس الأمر (فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا) أي قضيت له بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستحقه، فلا يأخذه (فإنما أقطع له قطعة من النار) أي فهو عليه حرام، يئول به إلى النار (متفق عليه). وذلك بحيث تكون حجته باطلة في نفس الأمر فيقتطع من مال أخيه قطعة من النار، باعتبار ما يئول إليه، وهذا تمثيل منه ﷺ يفهم منه شدة التعذيب على ما يتعاطاه بكذبه وفجوره في دعواه على أخيه المسلم، واقتطاع ماله بذلك، وفي الحديث دليل على عظم إثم من خاصم في باطل، حتى استحق به في الظاهر شيئًا هو في الباطن حرام عليه، وأن من احتال الأمر باطل بوجه من وجوه الحيل، حتى يصير حقًا في الظاهر ويحكم له به، أنه لا يحل له تناول في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم له به. وفيه دليل أيضًا مع ما تقدم على أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم، بل يؤجر على اجتهاده كما في الصحيح "وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" قال الحافظ وفيه أن من ادعى مالاً ولم يكن له بينة فحلف المدعى عليه، وحكم الحاكم ببراءة

стр. 2104

الحالف أنه لا يبرأ في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم، وحكى الشافعي الإجماع على أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام، ويعلم من الحديث أيضًا كما قال ابن القيم أن ما علمه الحاكم في زمن ولايته ومكانها، وما علمه في غيرها، لا يحكم به، وهل هو إلا محل التهمة. ولو فتح هذا الباب – ولا سيما لقضاة الزمان – لوجد كل قاض له عدو: السبيل إلى قتل عدوه ورجمه وتفسيقه، والتفريق بينه وبين امرأته، ولا سيما إذا كانت العداوة خفية، لا يمكن عدوه إثباتها وحتى ولو كان الحق هو حكم الحاكم بعلمه لوجب منع قضاة الزمان من ذلك، وقد ثبت عن أبي بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس ومعاوية المنع من ذلك، ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف. (ولمسلم) والترمذي وصححه (أنه) يعني رسول الله ﷺ (قال: للحضرمي) وهو ربيعة بن عيدان (ألك بينة؟) وذلك أنه كان بينه وبين رجل من كندة يقال له امرؤ القيس بن عابس الشاعر الصحابي، خصومة في أرض، قال الحضرمي: غلبني على أرض كانت لأبي، وقال الكندي: هي أرضي في يدي، أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ للحضرمي: «ألك بينة على دعواك على ما في يده؟» (قال: لا، قال: فلك يمينه) قال: الرجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، قال: "ليس لك إلا ذلك" ففيه أنه لا يجب للغريم

стр. 2105

على غريمه اليمين المردودة، ولا يلزمه التكفيل، ولا يحل الحكم عليه بالملازمة ولا بالحبس، وفيه: فانطلق ليحلف، فقال: «لئن حلف على ماله ليأكله ظلمًأ ليلقين الله وهو عنه معرض». وأما التهمة فلأبي داود أنه ﷺ حبس في تهمة، طلبًا لإظهار الحق بالاعتراف، قال ابن القيم: والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك، فإنهم متفقون على أن المدعي إذا طلب المدعي عليه الذي يسوغ إحضاره، وجب على الحاكم إحضاره إلى مجلس الحكم، حتى يفصل بينهما، وقد يكون مشغولاً عن تعجيل الفصل، فيكون المطلوب محبوسًا من حين يطلب إلى أن يفصل بينه وبين خصمه، وهذا حبس بدون التهمة، ففيه التهمة أولى، فإن الحبس الشرعي ليس هو الحبس في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد أو كان بتوكيل الخصم، أو وكيله عليه وملازمته له. قال: فإذا جاز حبس المجهول، فحبس المتهم بالفجور والسرقة وقطع الطريق والقتل ونحو ذلك أولى، قال الشيخ: وما علمت أحدًا من الأئمة يقول إن المدعي عليه يحبس وذكر كثيرًا من الدعاوي ثم قال: في جميع هذه الدعاوي يحلف، ويخلى سبيله بلا حبس ولا غيره، ومن زعم أنه مذهب لأحد من الأئمة وأنه على إطلاقه وعمومه هو الشرع، فقد غلط غلطًا فاحشًا مخالفًا للنصوص وإجماع الأمة وبمثل هذا الغلط تجرأ

стр. 2106

الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم، ومصلحة الأمة، وتعدوا حدود الله، والشرع لم يسوغ تكذيب صادق، ولا إبطال إمارة، وعلامة شاهدة بالحق. (ولهما قال) يعني رسول الله ﷺ فيما رواه الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال: «شاهداك» فالأشعث هو المدعي فعليه البينة (أو يمينه) لأن خصمه أنكر دعواه، وتقدم "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" قال: (ليس لك إلا ذلك) فقلت إذا يحلف ولا يبالي، فقال: "من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم، وهو فيها فاجر لقي الله وهو علي غضبان". وتقدم أن ابن عمر باع غلامًا بثمانمائة درهم بالبراءة، فقال الذي ابتاعه، به داء لم يسم، فقضى عثمان باليمين على ابن عمر، فأبى فحكم عليه بالنكول، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة، وهو المشهور عن أحمد؛ واستلف المقداد سبعة آلاف درهم، وأتاه بأربعة، فقال عثمان: سبعة، فقال المقداد لعمر: ليحلف أنها كما يقول، وليأخذها فقال عمر: أنصفك وكان شريح إذا قضي باليمين على رجل فردها على الطالب، فلم يحلف لم يعطه شيئًا ولم يستحلف الآخر، وعبد الله بن عتبة إذا قضي على رجل باليمين فردها على المدعي، فأبى لم يجعل له شيئًا، وقال أبو عبيد: رد اليمين له أصل في الكتاب والسنة، قال تعالى ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وفي القسامة ردها على المدعي

стр. 2107

عليه فهذا هو الأصل في رد اليمين، قال ابن القيم: وهذا مذهب الشافعي ومالك وصوبه الإمام أحمد. وقال شيخ الإسلام: ليس المنقول عن الصحابة في النكول ورد اليمين بمختلف بل هذا له موضع، وهذا له موضع، فكل موضع أمكن المدعي معرفته والعلم به، فرد المدعي عليه اليمين فإنه إن حلف استحق، وإن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعي عليه، وهذا كحكومة عثمان والمقداد فإن المدعي هنا يمكنه معرفة ذلك والعلم به، فإذا لم يحلف لم يحكم له إلا ببينة أو إقرار، وأما إن كان المدعي لا يعلم ذلك، والمدعى عليه هو المتفرد بمعرفته، فإنه إذا نكل عن اليمين حكم عليه بالنكول، ولم ترد على المدعي كابن عمر. (وكتب عمر) بن الخطاب أمير المؤمنين ثاني الخلفاء الراشدين المحدث الملهم كتابه المشهور الذي قال فيه أبو إسحاق: هو أجل كتاب، فإنه بين آداب القضاة، وصفة الحكم وكيفية الاجتهاد، واستنباط القياس، وقال الشيخ: رسالة عمر المشهورة في القضاء إلى أبي موسى، تداولها الفقهاء، وبنوا عليها، واعتمدوا على ما فيها من الفقه وأصول الفقه، وكلامه من أجمع الكلام وأكمله، فإنه محدث ملهم، كل كلمة من كلامه تجمع علمًا كثيرًا. وقال ابن القيم: هذا كتاب جليل، تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه، وروي

стр. 2108

أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وقال ﷺ «إن يكن في أمتي محدثون فعمر». وقال حذيفة: هو أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين الله، وأعرفنا بالله، والله لهو أبين من طريق الساعين، وقال ابن مسعود: لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان، ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح عليهم، وقال الشعبي: من سره أن يأخذ بالوثيقة في القضاء، فليأخذ بقول عمر، وقال ابن المسيب: لا أعلم أحدًا بعد رسول الله ﷺ أعلم من عمر، وهذا كتابه (إلى أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري، وكان ﷺ استعمله على بعض اليمن. قال عمر ﵁: أما بعد فـ (إن القضاء فريضة محكمة) أحكمها الله في كتابه (وسنة متبعة) سنها رسول الله ﷺ وقد قال ﷺ «العلم ثلاثة، آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة» (فافهم إذا أدلي إليك) أي أدلى إليك الخصوم، وتنبه لما يقولونه، وافهم نفس الواقع، مما توصل به من الكلام الذي تحكم به بين الخصوم، واستنبط حقيقته بالقرائن والأمارات والعلامات، وافهم أحوال الناس وميز بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل، وافهم حكم الله الذي تحكم به فيه، وعلى لسان رسوله ﷺ وطابق بين هذا وهذا. وأعط الواقع حكمه من الواجب، ولا تجعل الواجب

стр. 2109

مخالفًا للواقع بل توصل بمعرفة الواقع، والتفقه فيه إلى معرفة حكمة الله ورسوله، كما توصل نبي الله سليمان إلى معرفة عين الأم بشق الولد ونحو ذلك، ولم يزل الحذاق يستخرجون الحقوق بالأمارات، والفراسة، والفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الحق والباطل؛ والمحق والمبطل ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الله ، قال ﵁ (فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له) إلى قلبك لتفهمه. وقال ابن القيم: مراد عمر تحريض على تنفيذ الحق إذا فهمه الحاكم، ولا ينفع تكلمه به إن لم يكن له قوة تنفيذه، فهو تحريض منه على العلم بالحق، والقوة على تنفيذه قال عمر (آس الناس في مجلسك) وقضى رسول الله ﷺ أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم، قال عمر (و) آس الناس (في وجهك) وعليه أن يعدل بينهم في لفظه وإشارته (و) آس بينهم في (قضائك) وقد أمر الله بالحكم بالقسط وهو العدل، وبالحق، ومتى عدل الحاكم بين الخصمين فهو عنوان عدله، ومتى خص أحد الخصمين بمجلس أو قيام أو بشاشة أو نحو ذلك، كان عنوان ظلمه وجوره. (حتى لا يطمع شريف في حيفك) أي في ميلك معه لشرفه، والحيف الجور والظلم (ولا ييأس ضعيف من عدلك) حيث إنه لا يميل بك الهوى، فتجور عليه في الحكم (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) البينة هي لكل ما يبين الحق

стр. 2110

ويدل عليه، ويأتي مرفوعًا. قال ابن القيم: فإن الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به، من البينات التي هي أدلة عليه وشواهد له، ولا يرد حقًا قد ظهر دليله، ولا يقف ظهوره على أمر معين لا فائدة في تخصيصه به، مع مساواة غيره في ظهور الحق، أو رجحانه عليه ترجيحًا لا يمكن جحده ودفعه كترجيح شاهد الحال على مجرد اليد، في صورة من على رأسه عمامة، وبيده عمامة وآخر خلفه مكشوف الرأس يعدو أثره، ولا عادة له بكشف رأسه. وذكر النكول واليمين والشاهد الواحد، وفي الزنا بالحبل، وفي الخمر بالرائحة والقيء، وفي السرقة بوجود المسروق، وأن البينة في كلام الله، وكلام رسوله وكلام الصحابة أعم منها في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين، أو الشاهد واليمين وأن الحاكم يحكم بالحجة التي ترجح الحق إذا لم يعارضها مثلها، وأن يعلم ما يقع، ثم يحكم فيه بما يجب. قال: والحكم قسمان، إثبات وإلزام، وكلاهما له طرق متعددة، أحدها الحكم باليد المجردة، التي لا تفتقر إلى يمين والإنكار المجرد، وباليد مع يمين صاحبها، إذا سئل إحلافه، وبالنكول وحده، أو به مع رد اليمين، أو بشاهد وامرأتين، أو بشهادة امرأتين ويمين المدعي، أو امرأتين فقط، وبثلاثة واربعة وبالصبيان المميزين، والفساق والكفار في صور، وبالإقرار وبالتواتر وبالإستفاضة، وبأخبار الآحاد، والخط، وبالعلامات الظاهرة،

стр. 2111

والقرعة والقافة وذكر نحو خمسة وعشرين طريقًا. قال عمر ﵁ (والصلح جائز بين المسلمين) وليس بحكم لازم يقضي به، إن لم يرض به الخصم وقوله: بين المسلمين: خرج مخرج الغالب (إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالاً) وهذا لفظ حديث مرفوع تقدم صححه الترمذي وغيره، وندب تعالى عن الصلح في غير موضع من كتابه، وقال عمر: ردوا الخصوم حتى يطصلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن، وقال: ردوا الخصوم، ولعلهم أن يصطلحوا فإنه آثر للصدق، وأقل للخيانة، وقال: ردوا الخصوم إذا كان بينهم قرابة، فإن فصل القضاء يورث بينهم الشنآن. وأخبر ﷺ أن الصلح أفضل من درجة الصائم القائم، قال ابن القيم: والحقوق نوعان حق لله لا مدخل للصلح فيه، كالحدود والزكاة والكفارات ونحوها، وإنما الصلح بين العبدوربه في إقامتها، لا في إهمالها، وحقوق الآدميين هي التي تقبل الصلح، والإسقاط والمعاوضة عليها، والصلح العادل هو الذي أمر الله به ورسوله كما قال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ والصلح الجائر، هو: الظلم بعينه قال وكثير من الظلمة والمصلحين يصلح بين القادر الظالم، والخصم الضعيف المظلوم بما يرضى به القادر الظالم، ويصلح بين الغريمين على دون الطفيف على حق أحدهما، والصلح الذي يحل الحرام ويحرم

стр. 2112

الحلال كالصلح الذي يتضمن تحريم بضع حلال، وإحلال بضع حرام، أو إرقاق حر أو نقل نسب أو ولاء عن محل إلى محل أو أكل ربا أو إسقاط واجب، أو تعطيل حد وما أشبه ذلك. والصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى الله ورضى الخصمين يكون المصلح عالمًا بالوقائع، عارفًا بالواجب، قاصدًا للعدل، كما أصلح النبي ﷺ بين كعب وغريمه وأرشد الخصمين اللذين كانوا بينهم مواريث، بأن يتوخيا الحق بحسب الإمكان ونحو ذلك قال ﵁: (ومن ادعى حقًا غائبًا) فاضرب له أمدًا ينتهي إليه (أو ادعى (بينة) غائبة (فاضرب له أمدًا ينتهي إليه) فإن المدعي قد تكون له حجة أو بينة غائبة فلو عجل عليه بالحكم بطل حقه. فإذا سأل أمدًا تحضر فيه حجته أجيب إليه، ويكون الأمد بحسب الحاجة (فإن بينه أعطيته بحقه وإن أعجزه ذلك) أي ما ادعاه من الحق، ومضى الأمد (استحللت عليه القضية، فإن ذلك أبلغ في العذر وأجلي للعمى) فإن ظهر عناده ومدافعته للحاكم لم يضرب له أمدًا، بل يفصل الحكومة فإن ضرب هذا الأمد إنما كان لتمام العدل، فإذا كان فيه إبطال للعدل لم يجب إليه الخصم، قال: (ولا يمنعك قضاء قضيته في اليوم) أي القريب لا فيما بعد (فراجعت فيه رأيك) معتقدك (فهديت فيه

стр. 2113

لرشدك) والرشد الاستقامة على طريق الحق، ضد الغي (أن تراجع فيه الحق) يعني الصواب من الشرع. (فإن الحق قديم) سابق على الباطل (لا يبطله شيء) من الآراء وغيرها، فإذا اجتهدت في حكومة ثم وقعت لك مرة أخرى فلا يمنعك الاجتهاد الأول من إعادته (ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل) فإن الحق أولى بالإيثار، لأنه قديم سابق، ولو كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني، والثاني هو الحق فهو أسبق من الاجتهاد الأول، لأنه قديم سابق على ما سواه، ولا يبطله وقوع الاجتهاد الأول على خلافه، بل الرجوع إليه أولى من التمادي على الاجتهاد الأول. وعمر ﵁ قضى في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وأخويها لأبيها وأمها وأخويها لأمها، فأشرك عمر بين الإخوة، فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا، فقال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا اليوم فأخذ ﵁ في كلا الاجتهادين بما ظهر له أنه الحق، ولم يمنعه القضاء الأول، من الرجوع إلى الثاني، ولم ينقض الأول بالثاني، قال ابن القيم: فجرى أئمة الإسلام على هذين الأصلين. قال ﵁ (والمسلمون عدول بعضهم على بعض) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عدلاً

стр. 2114

خيارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فالمسلمون عدول، بعضهم على بعض بالإجماع إلا من قام به مانع الشهادة، كما قال أمير المؤمنين (إلا مجربًا عليه شهادة زور) فلا يوثق بعد ذلك بشهادته، وقالت عائشة: ما جر على أحد كذبًا فرجع إليه، حتى يعرف منه توبة، وقال ﷺ «لا تزال قدمًا شاهد الزور حتى يقذف به في النار» وهي من الكبائر. (أو مجلودًا في حد) فلا تقبل شهادته، وهذا لا نزاع فيه، لأن الله تعالى نهى عن قبول شهادته قال: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ فتقبل عند الجمهور، قال عمر: (أو ظنينًا) أي متهمًا والشهادة ترد بالتهمة (في ولاء) كشهادة السيد لعتيقه بمال، أو شهادة العتيق لسيده إذا كان في عياله، أو منقطعًا إليه يناله نفعه، ولا ترد بالولاء قال: (أو قرابة) كشهادة القريب لقريبه، فلا تقبل مع التهمة. وتقبل بدونها، لعموم الآيات، وعدم الاستثناء في الآيات والأخبار، وخبر "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ظنين في ولاء، أو قرابة ولا مجلود" قال ابن القيم: وهو الصحيح حيث لا تهمة فالتهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريبًا أو أجنبيًا ولا ريب أن تهمة الإنسان في صديقه وعشيرته، ومن تعنيه مودته ومحبته، أعطم من تهمته في أبيه وابنه، والواقع شاهد بذلك، وكثير من الناس يحابي صديقه وعشيرته وذا وده

стр. 2115

أعظم مما يحابي أباه وابنه وقال عمر: تجوز شهادة الوالد لولده والولد لوالده، والأخ لأخيه إذا كانوا عدولاً لم يقل الله حين قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ إلا والدًا وولدًا وأخًا، قال ابن القيم: هذا لفظه، وليس في ذلك عنه روايتان، بل إنما منع من شهادة المتهم في قرابته وولائه، وقال إسحاق بن راهويه، لم تزل قضاة الإسلام على هذا اهـ. فالتهمة هي الوصف المؤثر في الحكم، فيجب تعليق الحكم به وجودًا وعدمًا ولا تأثير لخصوص القرابة ولا عمومها، بل توجد القرابة حيث لا تهمة، وتوجد التهمة حيث لا قرابة والشارع إنما علق قبول الشهادة بالعدالة، وكون الشاهد مرضيًا وعلق عدم قبولها بالفسق. قال ﵁ (فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر) وقال في خطبته: من أظهر لنا خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه عليه، ومن أظهر لنا شرًا ظننا به شرًا وأبغضناه عليه، وقال: إن الوحي قد انقطع ولا نؤاخذكم إلا بما ظهر لنا، ومراده من ظهر لنا من علانيته خير قبلنا شهادته، ووكلنا سريرته، إلى الله، وقال: لا نقبل إلا العدول فأحكام الدنيا على الظواهر والسرائر تبع لها. قال: (وستر عليهم الحدود) أي وستر على المسلمين المحارم، وهي حدود الله، والحد يراد به الذنب، ويراده به العقوبات قال: (إلا بالبينات) الأدلة والشواهد، فقد صح عنه الحد في الزنا، بالحبل قال: (والأيمان) والمراد بها أيمان الزوج في اللعان، وأيمان

стр. 2116

أولياء القتيل في القسامة قال ابن القيم: وهي قائمة مقام البينة قال: (ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك) كرر الفهم لمسيس الحاجة إليه قال إياس بن معاوية: إنما القضاء فهم، وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ وهو الذي اختص به إياس وشريح وأمثالهما، مع مشاركتهما لأهل عصرهما في العلم. والمراد الفهم في الواقع، والاستدلال بالأمارات وشواهد الحال، قال ابن القيم: وهو الذي فات كثيرًا من الحكام، فأضاعوا كثيرًا من الحقوق، ثم قال: (مما ورد عليك) من القضايا وفي رواية " الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك" (مما ليس في قرآن ولا سنة) وفي لفظ "في كتاب ولا سنة) حثه على الأصل الثالث للأحكام وهو القياس وهو أن يلحق ما لم يعلم حكمه من الكتاب والسنة بما علم حكمه، لمشابهة بينهما في السبب الذي من أجله شرع الحكم فقال ﵁ (ثم قايس الأمور عند ذلك) وقال لشريح: اجتهد رأيك، وفي خبر معاذ: اجتهد رأي ولا آلوا. وقال المزني: الفقهاء من عصر رسول الله ﷺ إلى يومنا وهلم جرًا استعلموا المقاييس في الفقه، وفي جميع الأحكام في أمر دينهم، قال: وأجمعوا أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس، لأنه التشبيه بالأمور، والتمثيل عليها، قال الشيخ: القياس الصحيح هو الذي وردت به الشريعة وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين،

стр. 2117

فالأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس. وهو العدل الذي بعث الله به محمدًا ﷺ وهو الميزان الذي أنزل به الكتاب، وهو أن يكون الجامع هو العلة التي لأجلها شرع الحكم في الأصل. وقال ابن القيم: الأقيسة المستعملة في الاستدلال ثلاثة، قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه، وقد وردت في القرآن، فمن قياس العلة (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) وقياس الدلالة هو الجمع بين الأصل والفرع، بدليل العلة وملزومها ومنه ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ الآية، وقياس الشبه حكاه عن المبطلين، وقال أحمد: القياس: الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فإذا أشبهه في حال، وخالفه في حال، فأردت أن تقيس عليه فقد أخطأت. قال: (واعرف الأمثال) أي الأشباه والنظراء من القضايا الواردة عليك، وفي لفظ "ثم أعرف الأشباه والأمثال، فقس الأمور عند ذلك" أي على ما ورد في الكتاب والسنة، والأحكام الشرعية مشتملة على التسوية بين المتماثلين، وإلحاق النظير بالنظير، واعتبار الشيء بمثله، والله تعالى قد فطر عباده عليه، وعلى العقل والميزان، ومن قياس الشبه ما وقع في القرآن من الأمثال فإنها تشبيه شيء بشيء، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر واعتبار أحدهما بالآخر، وهي كثيرة، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾

стр. 2118

والرسول ﷺ ضرب الأمثال في كثير من الأحكام التي سئل عنها، ولا مراء في أنس النفس بضرب الأمثال. قال: (ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله) مما أمر به، وفي لفظ "وأعمد على أقربها إلى الله" أي إلى شرع الله وحكمه "والله يحب المقسطين" ويحب العدل، ويكره الظلم والجور، ثم قال: (وأشبهها بالحق) أي ثم أعمد في قضاياك إلى أشبهها بالحق ضد الباطل (وإياك) والغضب (والقلق) الانزعاج، ويروى بالغين المعجمة (والضجر) وعدم الصبر على تنفيذ الحق، فحذره عما يحول بينه وبين معرفة الحق، فالغضب غول العقل، يغتاله كما يغتاله الخمر، وتقدم النهي عنه، وهو نوع من القلق، فهو يغلق على صاحبه حسن التصور. (والتأذي بالناس) أي وإياك والتأذي بالناس، وفي لفظ "والتأذي بالخصوم " أمره أولاً بالمساواة بين الخصوم، ثم حضه على الصبر، وفيه الأجر الجزيل قال: وإياك (والتنكر من الخصوم) لما في التنكر لهم من إضعاف نفوسهم وكسر قلوبهم، وإخراس ألسنتهم، ولا سيما لأحدهم دون الآخر كما تقدم (فإن القضاء في مواطن الحق) حظه على تنفيذ الحق، والصبر عليه لأنه (مما يوجب الله به الأجر) الجزيل كما في الحديث "ورجل قضى بالحق" إلخ (ويحسن به الذكر) فيوصف بالعدل، ويثنى عليه، حثه على الصبر أولاً لما في التحلي به، والاحتساب والجهاد في إقامة الحق وتنفيذه، وإلزام من هو عليه، من الأجر

стр. 2119

الجزيل عند الله، وحسن الذكر، ولسان الصدق. (فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه) قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ فمن فعل ذلك (كفاه الله ما بينه وبين الناس) وفي الحديث "من أرضى الله بسخط الناس، ﵁ وأرضى عنه الناس" والمخلص في العمل قد يجعل الله له ثواب إخلاصه: المحبة والمهابة في قلوب الناس، مع ما يدخره له في الآخرة (ومن تزين بما ليس فيه، شانة الله) أي بين الناس، لأنه شان باطنه عند الله، فعامله بنقيض قصده. (فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصًا) له وموافقًا شرعه وقال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أخلصه وأصوبه، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة (فما ظنك بثواب عند الله) يجزيك به على عملك إذا كان خالصًا وذلك الثواب يكون (في عاجل رزقه) إما للقلب وإما للبدن أولهما فإن الله تعالى يجزيك من خير الدنيا (و) كذا (خزائن رحمته) يكون مدخرًا لك في الآخرة، وليس ما يحصل في الدنيا جزاء توفيه بل يكمل له أجره في الآخرة، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ فمن أخلص لله في أعماله في القضاء بين الناس أو غيره، نال الثواب الجزيل في الدنيا والآخرة.

стр. 2120

(وعن ابن عمر) ﵄ وغيره (قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي) وهو من يعطي الذي يعينه على الباطل، وإن كان على حق مجمع عليه جاز (والمرتشي) الآخذ الرشوة في الحكم، وهو من حديث أبي هريرة فاستحقا اللعن جميعًا، لتوصل الراشي بماله إلى الباطل، والمرتشي للحكم بغير الحق (رواه الخمسة، وصححه الترمذي) وابن حبان وغيرهما، وزاد أحمد "والرائش" وهو الذي يمشي بينهما يعني السفير بين الدافع والآخذ وإن لم يأخذ على سفارته أجرًا فإن أخذ فهو أبلغ. والرشوة حرام بإجماع المسلمين، سواء كانت للقاضي، أو للعامل على الصدقة، أو لغيرهما، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقال الشيخ: أجمع المسلمون على أن الحاكم ليس له أن يقبل الرشوة، وما يأخذه القضاة من الأموال أربعة أقسام، رشوة وهي حرام بالإجماع، وهدية فإن كان لا يهدي إليه إلا بعد الولاية فإن كانت ممن لا خصومة بينه وبين أحد عنده جازت وكرهت، وإن كانت ممن بينه وبين أحد خصومة عنده، فهي حرام على الحاكم والمهدي، وأما الأجرة فإن كان للحاكم جراية من بيت المال ورزق حرمت بالاتفاق، لأنه إنما أجري له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم، وإن كان لا جراية له فقيل بالجواز لأنه إنما يعطى لكونه يعمل عملاً لا لأجل كونه حاكمًا ولا

стр. 2121

يستحق لأجل كونه حاكمًا بالاتفاق، فأجرة العمل أجرة مثله. ومن ادعى أن بعض الحكام أخذ منه شيئًا فقال الشيخ: إن كان الرجل معروفًا بالصدق، فله على الحاكم اليمين، وإن كان غيره من الصادقين قد قال مثل قوله، فينبغي عزل الحاكم، وإن كان الحاكم معروفًا بالأمانة، والرجل فاجر، لم يلتفت إلى قوله، وإن كان كل منهما متهمًا، فله تحليفه، ولا يعزر. (وعن جابر) ﵁ (مرفوعًا: كيف تقدس أمة) أي كيف تطهر أمة (لا يؤخذ من شريفهم) أي لا يؤخذ الحق من شريف تلك الأمة وكريمهم وفي لفظ: " من شديدهم" (لضعيفهم) الذي تستضعفه تلك الأمة وتتجبر عليه لضعفه وفقره (رواه ابن حبان) وابن خزيمة وابن ماجه، وله شواهد كثيرة، والمراد أنها لا تطهر أمة من الذنوب، لا ينتصف لضعيفها من قويها فيما يلزم من الحق له، فإنه يجب نصر الضعيف حتى يأخذ حقه من القوي، وفي الحديث: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا". (وعن عمرو بن مرة) ﵁ (مرفوعًا: من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين) سلطانًا كان أو أميرًا أو قاضيًا أو غيرهم ممن ولي (فاحتجب عن حاجتهم) وفقيرهم وفي حديث معاذ عند أحمد "فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة" (احتجب الله دون حاجته) يوم القيامة (رواه أبو داود) ورواه الترمذي ولفظه.

стр. 2122

"ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة، وإلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" والحديث وما في معناه دليل على أنه يجب على من ولي من أمور المسلمين قضاء أو غيره أن لا يحتجب عنهم، وأن يسهل الحجاب ليصل إليه ذو الحاجة من فقير وغيره. (وكتب ﷺ إلى كسرى) عظيم فارس "سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله فإني أنا رسول الله (و) كتب إلى (قيصر) عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الله، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، "ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا، وبينكم، أن لا نعبد إلا الله إلخ (و) كتب إلى (النجاشي) ملك الحبشة وهو غير أصحمة. (و) كتب (إلى ملوك الأطراف) فكتب إلى المقوقس ملك الإسكندرية، وإلى المنذر بن ساوي العبدي، ملك البحرين، وإلى جيفر الجلندري، وعمار صاحبي عمان، وإلى هوذة بن علي صاحب اليمامة، وغيرهم. (و) كتب إلى (ولاته وسعاته وغيرهم) مما يطول عدهم وتقوم بها الحجة، ولم يكن يشافه رسولاً بكتابه، ولا جرى هذا

стр. 2123

في مدة حياته، بل يدفع الكتاب مختومًا، ويأمر بدفعه إلى المكتوب إليه، وهذا معلوم بالضرورة لأهل العلم بسيره وأيامه، وفي الصحيح "ما حق امرئ، مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" ولو لم يجز الاعتماد على الخط، لم يكن لكتابة وصيته فائدة، فدلت كتبه ﷺ المستفيضة وكتب الخلفاء والأمراء والقضاة والعمال وغيرهم بعضهم إلى بعض على قبول كتاب القاضي إلى القاضي، لدعاء الحاجة إليه، وأجمعت عليه الأمة في الجملة. وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب، فإنه لو لم يعمل بما فيها تعطلت الشريعة حتى قال الشيخ: الأمراء الذين يستدينون ما يحتاجون إليه، ويكتب الأمير خطه لصاحبه، أو يقيده وكيله أو نائبه في دفتره، أو يقرض دراهم وكل ذلك بغير حجج ولا إشهاد، ثم يموت فكل ما وجد بخط الأمير أو أقر به كاتبه أو وكيله في ذلك، فيجب العمل بذلك لأن خطه كلفظه، وإقرار وكيله فيما وكل فيه مقبول، فلا تحتاج أصحاب لحقوق إلى بينة، لأن في ذلك ظلمًا للأموات، وخروجًا عن العدل المعروف. وقال الوزير: اتفقوا على أن كتاب القاضي إلى القاضي من مصر إلى مصر، في الحقوق التي هي المال أو ما كان المقصود منه المال، جائز مقبول واتفقوا على أنه في الحدود والقصاص، والنكاح والطلاق والخلع غير مقبول، إلا مالكًا، وقال الشيخ:

стр. 2124

يقبل في الحدود والقصاص، وهو مذهب مالك وأبي ثور والشافعي، أيضًا في القصاص، والمحكوم إذا كان عينًا في بلد الحاكم فإنه يسلمه إلى المدعي ولا حاجة إلى كتاب، وأما إن كان دينًا أو عينًا في بلد أخرى، فهنا يقف على الكتاب. وإذا كان المحكوم غائبًا فينبغي أن يكاتب الحاكم بما ثبت عندهن من شهادة الشهود، حتى يكون الحكم في بلد التسليم، ولو أوجب لكان متوجهًا وقال: وإخبار الحاكم أنه ثبت عنده بمنزلة إخباره أنه حكم به، أما إن قال: شهد عندي فلان أو أقر عندي فلان، فهو بمنزلة الشاهد سواء، فإنه في الأول تضمن قوله: ثبت عندي الدعوة والشهادة والعدالة أو الإقرار، وهذا من خصائص الحكم، بخلاف شهد عندي، أو أقر عندي، فإنما يقتضي الدعوى اهـ. ويقبل كتاب القاضي فيما حكم به لينفذه المكتوب إليه، وإن كان كل منهما في بلد واحد، لا فيما ثبت عنده ليحكم به إلا أن يكون بينهما مسافة قصر، فأكثر، ويجوز إلى قاض معين وإلى من يصل إليه من قضاة المسلمين من غير تعيين، واشترط بعضهم الإشهاد عليه، وقال ابن القيم وغيره: لم يزل الخلفاء والقضاة وغيرهم يعتمدون كتب بعضهم إلى بعض، ولا يشهدون حاملها على ما فيها، ولا يقرأونه عليه، هذا عمل الناس من زمن نبيهم إلى الآن قال: والقصد حصول العلم

стр. 2125

بنسبة الخط إلى كاتبه، فإذا عرف وتيقن، كان كنسبة اللفظ إليه. وقد جعل الله في خط كل كاتب ما يتميز به عن خط غيره، كتمييز صورته وصوته، والناس يشهدون شهادة لا يستريبون فيها أن هذا فيه خط فلان، وقال: ومن عرف خطه بإقراره أو إنشاء أو عقد أو شهادة عمل به كالميت، فإن حضر وأنكر مضمونه فكاعترافه بالضرب، وإنكار مضمونه، وقال الشيخ: العمل بالخط مذهب قوي، بل هو قول جمهور السلف اهـ، ويلزم الحاكم أن يكتب للمدعي عليه إذا ثبتت براءته محضرًا بذلك، إن تضرر بتركه، وللمحكوم عليه أن يطالب الحاكم عليه بتسمية البينة ليتمكن من القدح فيها بالاتفاق. باب القسمة من قسمت الشيء إذا جعلته أقسامًا والقسم بالكسر النصيب. والقسمة نوعان قسمة تراض وهي قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر أو رد عوض، وقسمة إجبار، وهي ما لا ضرر فيه، ولا رد عوض، والأصل في القسمة الكتاب والسنة والإجماع والحاجة داعية إلى القسمة في المشترك، لدفع ضرر الشركة قال تعالى ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ أي قومك (أن الماء قسمة بينهم)

стр. 2126

أي يوم للناقة، ويوم لهم (كل شرب) نصيب (محتضر) يحضره من كانت نوبته، قال الشيخ: وإذا كان بينهما أشجار فيها الثمرة وأغنام فيها اللبن والصوف، فهو كاقتسام الماء الحادث والمنافع الحادثة وجماع ذلك انقسام المعدوم لكن لو نقص الحادث المعتاد فللآخر الفسخ. وقال الوزير: اتفقوا على جواز القسمة فيما لا ضرر فيه، فما أمكن قسمه بالأجزاء كبئر واسعة، يمكن أن يجعل نصفها لواحد، ونصفها للآخر ويجعل بينهما حاجز في أعلاها، أو يكون البناء كبيرًا يمكن أن يجعل لكل منهما نصفه، أو يكون في أحد جانبي الأرض بئر يساوي مائة مثلاً وفي الجانب الآخر مثلها فهو من قسمة الإجبار، إذا طلب شريكه القسمة أجبر عليها، وكذا كل ما لا ضرر في قسمه، ولا رد عوض، كالدور والبساتين والأرض الواسعة، والدكاكين، والمكيل والموزون من جنس واحد، وهي إفراز لا بيع. (وقال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ يعني قسمة المواريث ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ ممن لا يرث ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أمر ندب أو وجوب، أو منسوخ بالميراث والوصية فعموم الآية يدل على مشروعية القسمة (وقسم ﷺ ) بعض (خيبر) على الغزاة، ووقف نصفها رواه أبو داود وغيره، فدل على جواز قسمة الأرضين، والوقف على جهة واحدة أو جهات لا تقسم عينه اتفاقًا لكن تجوز بالمهايات بلا مناقلة.

стр. 2127

(وقسم) ﷺ (الغنائم) يوم خيبر، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، وجاء أنه لم يسهم لخيل الرجل أكثر من اثنتين فيكون له خمسة واحد له، وأربعة لفرسيه، فما أمكن فيه التعديل بالأجزاء كالمكيلات والموزونات غير المختلفة، أو بالقيم إن اختلفت أو بالرد إن اقتضته القسمة، أجبر الممتنع عليه، قال ابن القيم: وتجوز قسمة الدين في الذمم ويختص كل بما قبضه، سواء كان في ذمة أو ذمم وهو أولى من قسمة المنافع بالمهايات، ولا يهدم ذلك قاعدة من قواعد الشريعة، ولا خالف نص كتاب ولا سنة، ولا قول صاحب، ولا قياسًا شهد له الشرع باعتبار، وليس في أصول الشريعة ما يمنعه. (وتقدم) في باب الشفعة (قوله: الشفعة فيما لم يقسم) من العقار وغيره، "فإذا وقعت الحدود" أي حصلت قسمة الحدود في المبيع، واتضحت بالقسمة مواضعها "فلا شفعة" الحديث متفق عليه، وفيه دليل على مشروعية القسمة إذا لم يحصل على أحدهما ضرر، لما يأتي (و) تقدم في باب الصلح (خبر: لا ضرر ولا ضرار) فيحرم على أي صفة كان من قسمة أو غيرها ومشروعية القسمة لإزالة الضرر الحاصل بالشركة، وحصول النفع للشريكين، لأن نصيب كل واحد منهما إذا تميز كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره. ومشروعيتها فيما لا ضرر في قسمته، وهو قسمة الإجبار،

стр. 2128

وأما قسمة التراضي فلا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر أو رد عوض من أحدهما على الآخر إلا برضى الشركاء كلهم وذلك كالدور الصغار، والحمام والطاحون الصغيرين، والأرض التي لا تتعدل بالأجزاء ولا بالقيمة، وهذه في حكم البيع، لا يجبر من امتنع منها، والضرر المانع نقص قيمة المقسوم بالقسمة، لأن نقص قيمته ضرر، وهو منتف شرعًا وسواء انتفعوا به مقسومًا أولا، فإذا وجد الضرر بالقسمة، لم يجبر الممتنع. وتجوز القسمة برضاهم، ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بينهم بأنفسهم، قال ابن القيم: ويجوز الاكتفاء بواحد، لقصة عبد الله بن رواحة، وتجب عليه إجابتهم لقطع النزاع، وأجرته على قدر الأملاك، فإذا اقتسموا واقترعوا لزمت القسمة، وكيفما اقترعوا جاز، وإن خير أحدهم الآخر لزمت برضاهم وتفرقهم ويواصل بين أنصباء الشخص لدفع الضرر. باب الدعاوي والبينات الدعاوي جمع دعوى، وهي اسم مصدر من ادعى شيئًا إذا زعم أنه له، حقًا كان أو باطلاً واطصلاحًا إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو ذمته، والمدعي هو من إذا سكت ترك، والمدعي عليه هو من إذا سكت لم يترك والبينات جمع بينة، وهي الحجة الواضحة، سميت الحجة بينة

стр. 2129

لوضوح الحق وظهوره بها، وتكون بشاهد فأكثر، وتارة بشاهد ويمين الطالب، وتارة بامرأة فأكثر، وتارة بشاهد الحال، وتارة بعلامات يصفها المدعي، وتارة يختص بها أحدهما، وتارة شبهًا بينًا وتارة قرائن ظاهرة، وتارة بنكول وغير ذلك، فإن البينة في الشرع اسم لما يبين الحق ويظهره، وقد نصب تعالى عليه علامات وأمارات تدل عليه وتبينه. قال ابن القيم: فمن أهدر الأمارات والعلامات بالكلية، فقد عطل كثيرًا من الأحكام وضيع كثيرًا من الحقوق، وعلى المدعي أن يظهر ما يبين صحة دعواه، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حكم له به، ويرجع باليد العرفية، إذا استويا والحسية أو عدمها، وإذا كانت العين بيد أحدهما فمن شاهد الحال معه كان ذلك لوثًا، فيحكم له بيمينه (قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ يتمنون ويشتهون مهما طلبوا من جميع أصناف الملاذ في الجنة، فعموم الآية يؤخذ منه جواز دعوى من له شيء بيد غيره، فإن الدعوى لغة هي الطلب، ولا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف، قال الشيخ، ولا تقبل بما يناقض إقراره إلا أن يذكر شبهة تجري بها العادة. (وقال) تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي بالمعروف، وكلما يعرفه الشرع، قال ابن القيم: وقد أوجبت الشريعة الرجوع إلى العرف عند الاختلاف في الدعاوي، وذكر أن مذهب أهل المدينة من أسد المذاهب وأصحها فيها، وهي عندهم على ثلاث

стр. 2130

مراتب الأولى: دعوى يشهد لها العرف بأنها مشبهة، أي تشبه أن تكون حقًا، مثل أن يدعي سلعة معينة بيد رجل أو غريب وديعة أو مسافر أنه أودع أحد رفقته، والمدعي على بعض أهل الأسواق المنتصبين للبيع أنه باعه منه واشترى، وما أشبه ذلك، فهذه تسمع، وله أن يقيم البينة على مطابقتها، أو يستحلف المدعى عليه. والثانية أن يدعي على رجل عينا في ذمته، أو على رجل معروف بكثرة المال، أنه اقترض منه، أو على رجل أنه باعه بثمن في ذمته، ونحو ذلك فهذه تسمع، ولمدعيها أن يقيم البينة على مطابقتها، قالوا: ولا يملك استحلاف المدعى عليه على نفيها إلا بإثبات خلطة بينه وبينه، والثالثة: أن يكون رجل حائزًا الدار، متصرفًا فيها السنين العديدة، وينسبها إلى نفسه، وإنسان حاضر يراه، ويشاهد أفعاله فيها، ولا يعارضه ولا مانع من مطالبته، ولا بينه وبينه قرابة، ولا شركة في ميراث، وما أشبه ذلك مما يتسامح فيه القرابات ثم جاء يدعيها لنفسه. فدعواه غير مسموعة أصلاً فضلا عن بينته، لأن كل دعوى يكذبها العرف، وتنفيها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ وأوجبت الشريعة الرجوع إلى العرف عند الاختلاف في الدعاوي، كالنقد وغيره، كالدار بيد حائزها المدة الطويلة، وليس ذلك خلاف العادات، فإن الناس لا يسكتون على ما يجري هذا

стр. 2131

المجرى من غير عذر، وكوصي على طفل وفي يده شيء انتقل إليه من أبيه، إذا ادعى على صاحب اليد دعوى يكذبه فيها الحس، فلا تسمع دعواه بل ولا يحلف له. وقالوا: ومن كانت دعواه ينفيها العرف، فإن الظن أسبق إليه في عدواه بالبطلان، كبقال يدعي على خليفة وأمير ما لا يليق بمثله شراؤه، أو يدعي رجل معروف بالفجر وأذى الناس على مشهور بالديانة والصلاح أنه سرق متاعه، أو تعرض لأهله بكلام قبيح أو فعل، فلا تسمع ويعزر المدعي بذلك، ونحو ذلك، من الدعاوي، التي يشهد الناس بفطرهم وعقولهم أنها من أعظم الباطل. (وعن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا: لو يعطى الناس بدعواهم) أي لا يقبل قول، أحد فيما يدعيه، وهذا نص واضح في أنه لا يعطى أحد بمجرد دعواه، ولو جاز ذلك (لادعى رجال دماء قوم وأموالهم) لما ركب في طباع غالب البشر إلا من حماه الله- من الطمع في حق الغير، مهما وجد إليه سبيلاً فقرر الشارع ما يحفظ على خلقه ما أعطاهم من نعمة، وبين ﷺ الحجة المانعة فقال: (ولكن اليمين على المدعي عليه، متفق عليه) وفي رواية لهما أنه ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه، فإذا ساغت الدعوى، ولا بينة للمدعي على ما ادعاه، حلف المدعي عليه وبرئ لضعف جانب المدعي،

стр. 2132

والحجة القوية مع المدعي عليه، لأن الأصل فراغ ذمته مما ادعى عليه به فاكتفى منه باليمن. (وعنه) أي عن ابن عباس ﵄ (مرفوعًا) البينة على المدعي واليمين على من أنكر) أي ما ادعي به عليه، رواه البيهقي وغيره و (صححه الحافظ) ولابن حبان نحوه من حديث ابن عمر، وللترمذي من حديث عمرو بن شعيب، وفي هذه الأحاديث دليل واضح أنه لا يقبل قول أحد فيما يدعيه لمجرد دعواه بل يحتاج إلى البينة أو تصديق المدعي عليه، فإذا تداعيا عينًا هي بيد أحدهما فهي لمن هي بيده مع يمينه في الجملة إذا سئل إحلافه ولم تكذبها القرائن الظاهرة. قال ابن القيم: والأيدي ثلاث يد يعلم أنها مبطلة ظالمة، فلا يلتفت إليها، ويد يعلم أنها محقة عادلة فلا تسمع الدعوى عليها، ويد يحتمل أن تكون محقة، وأن تكون مبطلة فهي التي تسمع الدعوى عليها، ويحكم بها عند عدم ما هو أقوى منها، فالشارع لا يعتبر يدًا شهد العرف والحس أنها مبطلة، ولا يهدر يدًا شهد العرف بكونها محقة، واليد المحتملة يحكم فيها بأقرب الأشياء. وهو الأقوى فالأقوى اهـ. فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك، وهذا مذهب سلف الأمة، وثبت عن النبي ﷺ أنه طلب البينة من المدعي، واليمين من المنكر، في حكومات معينة كثيرة، وعموم حديث "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر".

стр. 2133

قال ابن القيم: لم يقل بعمومه أحد من علماء الأمة إلا طائفة من فقهاء الكوفة، وأما سائر علماء الأمة فتارة يحلفون المدعى عليه، كما جاءت بذلك السنة، والأصل عندهم أن اليمين مشروعة في أقوى الجانبين وأجابوا عن ذلك الحديث تارة بالتضعيف، وتارة بأنه عام، وأحاديثهم خاصة، وتارة بأن أحاديثهم أصح وأكثر، فالعمل بها عند التعارض أولى اهـ. والحكمة والله أعلم في جعل اليمين على المدعى عليه هو قوله "لو يعطى الناس بدعواهم" الحديث. وقال بعضهم: الحكمة في ذلك أن جانب المدعي ضعيف، لأنه يقول بخلاف الظاهر، فكلف الحجة القوية، وهي البينة، لأنها لا تجلب لنفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضررًا فيقوى بها ضعف المدعي، وأما جانب المدعى عليه فهو قوي لأن الأصل فراغ ذمته، فاكتفي فيه باليمين، وهي حجة ضعيفة، لأن الحالف يجلب لنفسه النفع، ويدفع عنها الضرر، فكان في ذلك غاية الحكمة، وإن كان للمدعي بينة أقامها ولا يحلف معها، اكتفاء بها، وإن كانت بينته بشهادة وارتاب الحاكم فيها، فقال ابن القيم: ليس ببعيد، قد شرع تحليفهما من غير ملتنا. وقال ابن عباس فيمن شهدت بالرضاع، قال الشيخ: هذان الموضعان قبل فيهما الكافر والمرأة للضرورة فقياسه أن من قبلت شهادته للضرورة استحلف وقال ابن القيم: إذا

стр. 2134

كان للحاكم أن يفرق الشهود إذا ارتاب بهم، فأولى أن يحلفهم إذا ارتاب بهم. (وعن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين) أي سألهم أن يحلفوا (فأسرعوا) كل منهم يريد أن يحلف ليستحق (فأمر أن يسهم بينهم) أي يقرع بينهم (أيهم يحلف) على ما ادعاه أي فمن خرجت له القرعة حلف وأخذ ما ادعى (رواه البخاري) ولأبي داود، أن رجلين اختصما في متاع ليس لواحد منهما بينة. فقال النبي ﷺ «استهما على اليمين» وروي عن علي نحوه في نعل ادعاها اثنان، وأقام كل منهما بينة فقضى أن يحلف أحدهما أنه ما باعه ولا وهبه، وأنه نعله فإن تشاحا أيهما يحلف أقرع بينهما فأيهما قرع حلف وأخذ. فدلت هذه الأخبار على أن الخصمين إذا استويا في الدعوى ولا بينة لواحد منهما، وليست في يده، أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف واستحق، وذلك أن ترجيح أحد الخصمين بلا مرجح لا يسوغ، فلم يبق إلا المصير إلى ما فيه التسوية بين الخصمين وهو القرعة، وهذا نوع من التسوية المأمور بها بين الخصوم. وعند جمهور أهل المدينة، وقول الشافعي وأحمد أنه إذا أقام كل واحد منهما بينة، قضي بها للداخل، وهو الذي بيده العين ولغت بينة الخارج، وإن ادعى أنه اشترى من زيد شيئًا وادعى الآخر كذلك، وأقامة بينة، صحح أسبق التصرفين إن

стр. 2135

علم التأريخ، وإلا تساقطتا وقال الشيخ: الأصوب أنهما لم يتعارضا فإنه من الممكن أن يقع العقدان لكن يكون بمنزلة لو زوج وليان وجهل السابق، فإما أن يقرع أو يبطل العقدان بحكم أو بغير حكم. (وعن أبي أمامة) الباهلي ﵁ (مرفوعًا: من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه) وفي لفظ "حق امرئ مسلم بيمينه" (فقد أوجب الله له النار) بما اقتطعه من مال أخيه المسلم (وحرم عليه الجنة) وهذا وعيد شديد وأحاديث الوعيد تجري على ظاهرها (فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرا) أي ما اقتطع بيمينه (قال: وإن كان قضيبا من أراك) شجر معروف (رواه مسلم) فدل الحديث على عظم ذنب من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه وشدة الوعيد على ذلك، وسواء حلف ليأخذ حقًا لغيره، أو يسقط عن نفسه حقًا لغيره، والتعبير بحق المسلم يدخل فيه ما ليس بمال، وذكر المسلم خرج مخرج الغالب وإلا فالذمي مثله، في هذا الحكم. (ولهما عن الأشعث) بن قيس بن معدي كرب الكندي، رئيس وفد كندة سنة عشر، وكان مطاوعًا في قومه في الجاهلية والإسلام، مات سنة اثنتين وأربعين، روى هذا الخبر (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال: (من حلف على يمين يقتطع بها) أي يأخذ بها (مال امرئ مسلم) وتقدم في رواية مسلم من حديث أبي أمامة "حق امرئ مسلم" (وهو فيها فاجر) أي متعمد عالم أنه

стр. 2136

غير محق فالمراد باليمين في حديث أبي أمامة اليمين الفاجرة ولذلك قرن بين الحديثين. (لقي الله وهو عليه غضبان) فيه إثبات الغضب لله كما هو مذهب أهل السنة. وفي إثبات غضب الله عليه، وإيجاب النار له، وتحريم الجنة، إذا لم يتب ويتخلص من الحق الذي أخذه بالباطل، أعظم وعيد، وأدل دليل على أنه من الكبائر. وفيه أن اليمين الفاجرة في الحكم الظاهر، كيمين البر، لخبر الذي قال: لا يتورع من شيء؛ ليس لك إلا ذلك. (وللبخاري عن أبي هريرة) ﵁ "ورجل حلف على يمين كاذبة" (بعد العصر) ليقتطع بها مال امرئ مسلم يعني فهو من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، وهذا وعيد شديد، وخص ما بعد العصر لشرفه، بسبب اجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار فيه، فدل الحديث على عظم إثم من حلف فيه كاذبًا ليقطتع مال امرئ مسلم بيمينه، وأنه كبيرة من كبائر الذنوب. (وعن جابر) ﵁ (قال) يعني رسول الله ﷺ «من حلف على منبري هذا» وكان ثلاث درجات ثم زيد إلى سبع (بيمين آثمة) أي كاذبة يستحل بها مال مسلم (تبوأ مقعده من النار) وهذا وعيد شديد، لمن استحل مال امرئ مسلم

стр. 2137

بيمينه يجري على ظاهره، أبلغ في الزجر (رواه أبو داود) ورواه أحمد، وصححه ابن حبان، ورواه النسائي بلفظ "من حلف على منبري هذا بيمين كاذبة، يستحل بها مال امرئ مسلم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً" وهذا أعظم وعيد. والحديث دليل على عظم إثم من حلف على منبره ﷺ كاذبًا ولأبي داود من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال لرجل حلفه "إحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ما له عندي شيء يعني المدعي وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظيم إثم حلف الكاذب عند منبره، واستدل به بعضهم على جواز التغليظ على الحالف، بزمان معين كبعد العصر ويوم الجمعة، ونحو ذلك أو بمكان معين كالحرم والمسجد، ومنبره ﷺ وبالتغليظ في لفظ اليمين، وهو مذهب جمهور العلماء. وقد ورد عن جماعة من الصحابة طلب التغليظ على خصومهم في الأيمان، بالحلف بين الركن والمقام، وعلى منبره ﷺ وورد عن بعضهم الامتناع عن الإجابة إلى ذلك، وروي عن بعض الصحابة التحليف على المصحف وذكر ابن القيم من فوائد اليمين تخويف المدعي عليه سواء عاقبة الحلف الكاذب، فيحمله ذلك على الإقرار بالحق، ومنها القضاء عليه بنكوله عنها، ومنها انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال، وتخليص كل من الخصمين من ملازمة الآخر، ولكنها لا تسقط

стр. 2138

الحق، ولا تبرئ الذمة باطنًا ولا ظاهرًا، فلو أقام بينة سمعت وحكم بها، ومنها إثبات الحق بها، إذا ردت على المدعي، أو أقام شاهدًا واحدًا ومنها تعجيل عقوبة الكاذب، المنكر لما عليه من الحق، فإن اليمين الغموس تدع الديار بلاقع، فيتشفى بذلك المظلوم، عوضًا عن ظلمه بإضاعة حقه. (ولابن ماجه عن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا: من حلف بالله فليصدق) فيما يحلف عليه، وتقدم عظم الوعيد على الكاذب (ومن حلف له بالله فليرض) تعظيمًا لله، حيث حلف باسمه تعالى أو صفة من صفاته، وتقدم قوله ﷺ للذي قال إنه لا يبالي قال: "ليس لك إلا ذلك" أي إلا يمينه (ومن لم يرض فليس من الله) وعيد لمن لم يرض، ففيه الاكتفاء بمجرد الحلف بالله كما تقدم، أو صفة من صفاته، من دون تغليظ بزمان أو مكان، ولعل ما تقدم من التغليظ بزمان أو مكان، أو بزيادة قول الحالف مع يمينه: العظيم الذي لا إله إلا هو: فيما له وقع فالله أعلم. (وعن أبي موسى) الأشعري ﵁ (أن رجلين اختصما في دابة) لعلها لم تكن في يد أحدهما ولا ثم قرينة و (ليس لواحد منهما بينة) ليحكم له ببينة ولعله ما ثم قرينة تقوي جانب أحدهما (فقضى بها رسول الله ﷺ بينهما نصفين) وقيل يشبه أن تكون في أيديهما معًا فقضى بها بينهما لاستوائهما

стр. 2139

(رواه أبو داود) ورواه النسائي وجود إسناده، فإذا لم تكن العين بيد أحدهما، ولا ثم ظاهر يعمل به ولا بينة لأحدهما فهي بينهما نصفين، وقال بعضهم: تحالفا وتناصفاها، وإن نكل أحدهما فهي للآخر، وإن وجد أمر ظاهر لأحدهما عمل به فيحلف ويأخذها فلو تنازع الزوجان في قماش البيت فما يصلح لرجل فله، وما يصلح لامرأة فلها وما يصلح لهما فلهما. (وللدارقطني) وضعفه ورواه البيهقي، ولم يضعف إسناده وأخرج نحوه عن الشافعي والحديث (عن جابر) ﵁ (أن رجلين اختصما في ناقة) وما رواه البيهقي عن الشافعي في دابة (فقال كل واحد منهما) أي المتخاصمين (نتجت) أي وضعت (هذه الناقة عندي؛ وأقاما بينة) أي أقام كل من الخصمين بينة على أن هذه الناقة نتجت عنده (فقضى بها رسول الله ﷺ للذي هي في يده) فدل على أن اليد مرجحة للشهادة الموافقة لها، فإذا تداعيا عينًا هي بيد أحدهما، وأقام كل منهما بينة أنها له قضي بها لمن هي بيده، وإن تداعيا عينًا هي بيد أحدهما ولا بينة، فهي لمن هي بيده بيمينه، وإن كانت بيديهما تحالفا وتناصفاها.

стр. 2140

باب الشهادات واحدتها شهادة مشتقة، من المشاهدة، لأن الشاهد يخبر عما شاهده، وهي الإخبار بما علمه، وقال بعضهم: بلفظ أشهد أو شهدت، وكثير من الفقهاء وهو رواية عن أحمد وغيره أنه لا يشترط لفظ أشهد، قال ابن القيم: الإخبار شهادة محضة في أصح الأقوال، وهو قول الجمهور، فإنه لا يشترط في صحة الشهادة لفظ أشهد، بل متى قال الشاهد رأيت كيت وكيت، أو سمعت ونحو ذلك كانت شهادة منه، وليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ موضع واحد يدل على اشتراط لفظ الشهادة ولا عن رجل واحد من الصحابة، ولا قياس، ولا استنباط يقتضيه، بل الأدلة المتضافرة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة ولغة العرب تنفي ذلك، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وظاهر كلام أحمد. وذكر الأدلة ثم قال: قال شيخنا: لفظ الشهادة لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ولا أقوال أحد من الصحابة، ولا يتوقف إطلاق لفظ الشهادة لغة على ذلك، وقال: إقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة، بدليل الأمة السوداء في الرضاع اهـ. والشهادة سبب موجب للحق، وحيث امتنع آداؤها، امتنع كتابتها وظاهر كلام الشيخ وغيره يحرم كتمانها ويقدح فيها ولو كان بيد إنسان شيء لا يستحقه، ولا يصل إلى مستحقه، إلا بشهادة لزمه أداؤها وتعين، ولو كان الشهود أكثر من نصاب
следующие страницы →