Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
جمع الفقير إلى الله تعالى
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الحنبلي النجدي
رحمه الله تعالى
(١٣١٢ - ١٣٩٢ هـ)
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شرح صدر من اجتباه لمعرفة الأحكام.
وأبدع الإحكام أحمده سبحانه على ما أولاه من جزيل الفضل والإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. الأحد الصمد الملك العلام ذو الجلال والإكرام أبان الحجة وأوضح المحجة ورفع أعلام السنة بالكتاب والسنة ووفيا بالأحكام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد الأنام -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام- ومن سار على منهاجهم واستقام وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فإن أجل ما اشتغل به المشتغلون وأعلى ما شمر إليه العاملون وأشرف ما تنافس فيه المتنافسون هو معرفة الكتاب والسنة فهما النعمة المسداة والرحمة المهداة نصبهما الله لنا أعلى علم للهداية وأوضح محجة للعناية وهما ينبوع الرسالة وأساس الملة والديانة وأعظم العلوم منزلة وأرفعها قدرًا وأقربها فهمًا وأغزرها علمًا وأسهلها عبارة، وأوضحها دليلاً، ومع ذلك سلك الكثير سواهما سبيلاً، وقطعوا أعمارهم فيما لا يتخذ معتمدًا
стр. 3
ولا تأصيلاً، ومن له رغبة فيهما وفي الشرب من معينهما قد تكاثفت عليه العوائق وتداعت عليه الطرائق وتكالف تناول تلك الحقائق فساهمت في تسهيل ما استصعب.
وجمعت مختصرًا لطيفًا انتقيته من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الأحكام الفقهية سهل المنال واضح المنوال وهذا شرح له موجز مقتبس من كلام الأئمة الأعلام.
يوضح معانيه. ويؤيد مبانيه. أردفته بآيات وأخبار. وبإجماع الأئمة الأخيار أو قول جمهور السلف الأطهار وبترجيح شيخ الإسلام وغيره من فحول أماثل الأحبار. يغنيك في وقت قليل عن مطالعة عدة من الأسفار وعلى الله اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي لا إله غيره ولا رب سواه.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ابتدأ بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز فقد بدأ تعالى بها في محكم كتابه وتأسيًا بالنبي ﷺ في مكاتباته ومراسلاته. وعملاً بحديث (كل أمر ذي بال) أي حال وشأن يهتم به شرعًا (لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع)، وفي رواية (أجذم)، وفي رواية (أبتر) والمعنى أنه ناقص البركة. قال الحافظ، وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية، وكذا معظم الرسائل. والاسم مشتق من السمو، وهو العلو، فكأنه علا على معناه وظهر عليه، فصار معناه تحته.
стр. 4
والله أعرف المعارف الجامع لمعاني الأسماء الحسني والصفات العليا، وهو مشتق أي دال على صفة له تعالى. وهي الإلهية وأصله الإله حذفت همزته وأدغمت اللام في اللام فقيل الله. ومعناه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. والرحمن رحمة عامة لجميع المخلوقات. والرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين. اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة.
(الحمد لله) الحمد ثناء والألف واللام لاستغراق جميع المحامد
قال شيخ الإسلام: الحمد ذكر محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، وثنى بالحمدلة بعد البسملة اقتاداء بالقرآن العظيم وبالنبي الكريم وعملاً بحديث (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم) فتستحب البداءة بالحمد لله من كل مصنف ودارس ومدرس، وخطيب وخاطب ومزوج ومتزوج. وبين يدي سائر الأمور المهمة.
(الذي أرسل رسوله) محمدًا ﷺ (بالهدى) أي بالقرآن العظيم الذي أنزله عليه هدى للمتقين. وبما جاء به من الأخبار الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع (ودين الحق) وهو الإسلام والأعمال الصالحة الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة. وقد امتن تعالى عليه وعلى أمته بما أنزل عليه من الكتاب والحكمة في غير موضع من كتابه منها قوله ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾.
стр. 5
وأخبر أن الفرح به خير مما يجمعون، وقال ﷺ "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي"، فهما أصل الأصول وعمدة الملة والطريقة الحقة بل لا طريق إلى الله والجنة إلا بالكتاب والسنة فمن أخذ بهما فاز كل الفوز. وظفر كل الظفر.
أرسله الله تعالى بهما "رحمة للعالمين" كما قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة فهو رحمة له في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنه ورفع الخسف والمسخ والاستئصال. قال ﵊ "إنما أنا رحمة مهداة" هدى به تعالى من الضلالة وبصر به من الغواية. فتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا ووضع به الآصار والأغلال.
(وأشهد) أي أقطع وأجزم (أن لا إله إلا الله) أي لا معبود حق إلا الله (وحده) حال من الاسم الشريف تأكيد لإثبات (لا شريك له) تأكيد للنفي.
قال الحافظ: تأكيد بعد تأكيد. اهتمام بمقام التوحيد ﴿إله الأولين والآخرين﴾ أي مألوههم ومعبودهم المستحق أن يطاع ويتقى. قال تعالى ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾.
(وأشهد أن محمدًا) هو أشرف أسمائه ﷺ اسم مفعول من حمد فهو محمد إذا كان كثير الخصال التي يحمد عليها
стр. 6
فهو الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره من البشر (عبده) أشرف اسم له وصفة أيضًا فإنه: لا أشرف ولا أتم للمؤمن من وصفه بالعبودية لله تعالى. وهو أحب الأسماء إلى الله تعالى وأشرفها لديه. ولذا وصفه به في أشرف المقامات (أنزل على عبده الكتاب) (أسرى بعبده) وإضافته إليه إضافة تشريف. ومعناه المملوك العابد والعبودية الخاصة وصفه (ورسوله) أي مرسله وسفيره بأداء شريعته (الصادق) فيما يبلغه عن الله قال تعالى ﴿والذي جاء بالصدق﴾ وقال: ﴿مصدق لما معكم﴾.
(الأمين) على وحيه وكان يسمى قبل بعثته الأمين وأيده الله بالآيات والدلالات الواضحات القاطعات بصدقه وأمانته ومن كان كذلك فالنعمة به على العباد أكبر وأعظم وأتم وقال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم﴾ أي على هدايتكم ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ ﴿فإن تولوا﴾ أي أعرضوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة الكاملة الشاملة ﴿فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾.
(صلى الله عليه) الصلاة من الله عليه هو الثناء والعناية به وإظهار شرفه وفضله (وعلى آله) أهل بيته وقيل أتباعه وآل الشخص هم من يأوون له ويؤولون إليه ويرجعون إليه ونفسه أولى فطلبت تبعًا له (وأصحابه) جمع صاحب وهم من اجتمع
стр. 7
بالنبي ﷺ مؤمنًا ومات على ذلك (والتابعين) لهم بإحسان إلى يوم الدين.
(وسلم) من السلام بمعنى التحية أو الأمان ضد الخوف أو السلامة من النقائص أو طلب السلامة له من الله أو اسم الله عليه إذا كان اسم الله يذكر على الأعمال توقعًا لاجتماع معاني الخيرات فيه (تسليمًا) مصدر مؤكد (كثيرًا) دائمًا أبدًا والصلاة والسلام عليه – ﷺ مستحبة كل وقت وتتأكد عند ذكر اسمه – ﷺ مستحبة كل وقت وتتأكد عند ذكر اسمه – ﷺ وآله وأصحابه والتابعون تبع له.
ووجه الثناء على الآل والأصحاب والأتباع هو وجه الثناء على النبي – ﷺ بعد الثناء على الله – لأنهم الواسطة في إبلاغ الشرائع إلى العباد فاستحقوا سؤال الثناء عليهم من الله – ولإتيانه بذكرهم في الصلاة فلا يتم الامتثال إلا بذكرهم (إلى يوم الدين) أي مستمرة إلى يوم القيامة.
(أما بعد) أي: بعد ما ذكر من حمد الله والشهادتين والصلاة على رسول الله – ﷺ وآله وأتباعه. وهذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى غيره. ويستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات اقتداء به – ﷺ وهي مبنية على الضم لقطعها عن الإضافة مع نية المضاف إليه.
(فهذا) إشارة إلى ما تصور في الذهن وأقيم مقام المكتوب الموجود، وقد يترك موضعها مبيضًا إلى فراغ الكتاب (مختصر)
стр. 8
أي موجز وهو ما قل لفظه وكثر معناه (يشتمل) أي يحتوي (على أصول الأحكام) مع صغر حجمه لأصالة مبانيه وكثرة معانيه. وأصول جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيره.
والأحكام جمع حكم. وهو خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين والمراد هنا الأحكام الشرعية الفرعية. من عبادات ومعاملات وغيرها. وتنقسم الأحكام إلى خمسة أقسام. واجب. وحرام. ومستحب. ومباح. ومكروه (من الكتاب) يعني القرآن العزيز المنزل تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. (والسنة) المطهرة المتلقاة من أقوال رسول الله – ﷺ وأفعاله وتقريراته. فهما اللذان أمرنا باتباعهما والأخذ بهما. فيهما الهدى والنور. والشفاء لما في الصدور. وفي الاعتناء بهما الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة. من اتبعهما لا يضل، ولا يشقى.
ومن أعرض عنهما فإن له معيشة ضنكًا ويحشر يوم القيامة أعمى كما عمي عنهما. وأرباب النهاية في علو الهمة لا يرضون بدون بعثها في علم الكتاب والسنة. فهما حجة الرب على العباد وعصمة العباد في المعاش والمعاد. والآيات الواردة في الأحكام نحو من خمسمائة آية. والأحاديث التي تدور عليها الشريعة نحو خمسمائة حديث. هذه أصولها. وأما تقاسيمها وتفاصيلها، فنحو من أربعة آلاف حديث ما بين صحيح وحسن محتج به وغالبها في هذا المختصر. وما فيه من ضعيف فلملاءمته لأصول الشرع.
стр. 9
(هذبته) استخلصته من آيات وأحاديث كثيرة (تقريبًا) أدناء وتسهيلاً (لطالبي) أي آخذي (مناهج) أي: مسالك وطرق (الملة) يعني الشريعة واسم لما شرعه الله تعالى على لسان رسوله ليتوصل به إلى جواره. ولا تستعمل إلا في جملة الشريعة دون آحادها (ولوهن) أي: ضعف (القوى) في طلب العلم (وتفرقها) تبددها وتشتتها.
(وضعف الهمم) أي الإرادات جمع همة لسبق القضاء من الله – بأنه "لا يأتي عليكم زمان إلا وما بعده شر منه حتى تلقوا ربكم" ومع ضعف الهمم وكثرة (تشعبها) أي كونها ذات شعب قد أخذ علم الخط والحساب والإملاء والإنشاء شعبة، وعلم العربية وقواعدها شعبة، وعلم التاريخ والتقويم والرياضات شعبة.
وكتب الفقه مع تعدد أجناسها واختلاف أنواعها وكثرة الأقوال فيها شعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة شعبة، والفكر في كلام المصنفين وشيوخهم على اختلافهم، وما أرادوا به شعبة، إلى غير ذلك ومكابدة المعيشة إن لم تكن الأغلب أو الالتفات إلى لين اللباس ورقيق العيش. أو المبارات في جمع المال والمباهات وغير ذلك فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية إن كان لهم همم تسافر إليها وصلوها بقلوب وأذهان قد كلت وأوهاها وأوهن قواها مواصلة السير في سواها.
فلذلك (بالغت) أي اجتهدت نهاية وسعي (في
стр. 10
اختصاره) لئلا تنفر النفوس عنه وتضعف عن حفظه قال علي –﵁: خير الكلام ما قل ودل. ولم يطل فيمل، أي يمل منه ويضجر من طوله والقصد (ليسهل حفظه) عن ظهر قلب فيعم الانتفاع باستظهار نصوص هي أصول الأحكام الفقهية على ترتيب الفقهاء. ولم أذكر من الآية والحديث سوى الشاهد المعمول به.
وما أوردته من الأحاديث:
فإن كان قد رواه البخاري ومسلم أو أحدهما لم أذكر غيرهما من الرواة لاتفاق أهل العلم على صحة ما أخرجاه أو أخرجه أحدهما. أما ما لم يروه واحد منهما ورواه أهل السنن الأربعة أبو داود والترمذي والنسائي. وابن ماجه. وغيرهم كأحمد. ومالك. والشافعي وكابن خزيمة وابن حبان. والحاكم. والبيهقي. وغيرهم. وصححه أحمد. أو البخاري. أو الترمذي. أو شيخ الإسلام. أو ابن القيم. أو الحافظ ابن حجر. أو أمثالهم فاذكر بعض من رواه كالخمسة أحمد وأهل السنن. أوهم أو بلفظ الأربعة. أو الثلاثة وهم ما عدا ابن ماجه، أو اقتصر على أحد مخرجيه تسهيلا.
وقد اقتصر على بعض من صححه. أو تحسين الترمذي، وما رواه أهل السنن وغيرهم. أو بعضهم وصححه أحد الحفاظ. كابن خزيمة. وابن حبان. والحاكم. وأمثالهم. وسكت عنه أبو داود. والمنذري أو صححه. فاقتصر على بعض رواته دون من
стр. 11
صححه وتكلم فيه لاستناده إلى غيره من النصوص. أو الأصول الشرعية لاتفاق أهل العلم أو جمهورهم على جواز الاحتجاج والعمل بما صححه بعض الحفاظ.
وما لم يصححه أحد منهم أذكره وضعفه وإن كان أنه لا يلزم منه أن يدل على الحكم بانفراده لكن أثبته لانضمام غيره إليه وملائمته لأصول الشرع ونقل أهل العلم له وعملهم به أو جمهورهم وهم لا يجمعون إلا على ما له أصل في الكتاب والسنة.
وما ذكرته عن الصحابة –﵃ فهو إما إجماع أو قول الجمهور مع أنه لم يزل أهل العلم يحتجون بفتاويهم وأقوالهم في كل عصر ومصر لا ينكره منكر. وحكى بعض المالكية الإجماع على جواز الاحتجاج بأقوالهم.
وسنوضح إن شاء الله كل مسألة بدليلها وتعليها وإجماع العلماء عليها. أو جمهورهم. وكل مسألة لا بد فيها من حكم ثابت في نفس الأمر أو تفصيل وإن كان لا يمكن أن يعمل في كل مسألة بقول يجمع عليه لكن القول الصحيح عليه دلائل شرعية تبين الحق وتوضحه ومن له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في الشرع. وإذا تبين رجحان قول وصحة مأخذه خرج على قواعد الأئمة الأربعة وصار مذهبًا لهم.
(والله أسأل أن ينفع به) أي: ينفع بكتاب أصول الأحكام
стр. 12
فإنه سبحانه لا يضيع لديه عمل عامل (وأن يجعله خالصًا) ومن شائبة الرياء (لوجهه) جل وعلا وتقدس (وهو) تعالى (حسبنا) أي كافينا ومغنينا. عمن سواه (ونعم الوكيل) الموكل إليه أمورنا ﷻ وتقدست أسماؤه.
стр. 13
كتاب الطهارة
كتاب مصدر كتب يكتب كتبًا خط على القرطاس ما يريد إبلاغه لغيره أو حفظه من النسيان ومدار المادة على الجمع.
والطهارة مصدر طهر يطهر. والاسم الطهر. ومعناها النظافة من الأقذار. وحقيقتها استعمال المطهرين على الصفة المشروعة بدأ بها لأنها مفتاح الصلاة وشرطها الذي لا تصح
إلا به.
باب المياه
الباب لغة المدخل إلى الشيء. واصطلاحًا اسم لجملة من العلم تحته فصول ومسائل غالبًا. والمياه جمع ماء. اسم جنس ساغ جمعه باعتبار ما تنوع إليه. والألف واللام فيه لبيان حقيقة الجنس لا للجنس الشامل قال الله تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء﴾ أي السحاب ﴿ماء﴾ وهو المطر وكل ما علاك فهو سماء ﴿ليطهركم به﴾ من الأحداث والنجاسات وذلك أن المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب رمل تسوخ فيه الأقدام. وكان المشركون سبقوهم إلى ماء بدر.
فأصبح المسلمون على غير ماء. وبعضهم محدث.
стр. 14
وبعضهم جنب. وأصابهم العطش. فأنزل الله مطرًا سال منه الوادي فشربوا واغتسلوا وتوضئوا وسقوا الركاب وملؤا الأسقية ولبد الأرض. وكان دليلاً على نصره تعالى لهم ويأتي قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ وهو الطاهر في ذاته المطهر لغيره فدلت الآية على أن الماء آلة يحصل به التطهير.
وقال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ وهذا عام من جوامع الكلم فسواء كان الماء نازلاً من السماء كماء المطر وذوب الثلج والبرد أو ماء الأنهار والعيون والآبار والبحار. ولو تصاعد ثم قطر ما لم تتغير أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة أو يخرج عن اسم الماء كماء ورد.
(وعن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي –﵁ لازم النبي – ﷺ ولم يكن أحد أكثر حديثًا منه توفي سنة تسع وخمسين، وله ثمان وسبعون (قال: قال رسول الله – ﷺ في البحر) أي في حكم ماء البحر والبحر الماء الكثير أو المالح (هو الطهور ماؤه) بفتح الطاء وشدها صيغة مبالغة أي ماء البحر هو معظم الماء الذي يتطهر به لا يخرج عن الطهورية إلا ما سيأتي من تخصيصه بما إذا تغيرت أحد أوصافه وبه قال جميع العلماء. إلا ما روي عن ابن عمر وابن سرين وابن عبد البر ولا حجة في قول عارض المرفوع والإجماع وتعريفه بالألف واللام لا ينفي طهورية غيره لوقوعه جواب سؤال عن ماء البحر مخصص بالمنطوقات الصحيحة.
стр. 15
(الحل) مصدر حل الشيء ضد حرم ولفظ الدارقطني الحلال (ميتته) أي ما مات فيه حتف أنفه من حيواناته وفيه مشروعية الزيادة في الجواب على سؤال السائل إذا علم أن به حاجة إليه (رواه الخمسة) الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ورواه غيرهم (وصححه البخاري) أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي الشهير الحافظ الكبير إمام هذا الشأن صاحب الصحيح وغيره ولد سنة أربع وتسعين ومائة وتوفي سنة ست وخمسين ومائتين والصحيح ما نقله عدل تام الضبط عن مثله من غير شذوذ ولا علة وصححه أيضًا الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وابن عبد البر وغيرهم وتلقته الأئمة بالقبول وتداوله فقهاء الأمصار.
(وعن أبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري (الخدري) بضم الخاء نسبة إلى بني خدرة حي من الأنصار كان من علماء الصحابة روى كثيرًا وشهد البيعة ومات سنة أربع وسبعين، وله ست وثمانون (قال قال رسول الله – ﷺ الماء طهور لا ينجسه شيء) أي لا ينجس بوقوع شيء فيه سواء كان قليلاً أو كثيرًا ما لم يتغير بنجاسة. وقال الشيخ هو عام في القليل والكثير وفي جميع النجاسات.
والحديث له سبب وهو أنه قيل لرسول الله – ﷺ أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن
стр. 16
فقال: «الماء طهور لا ينجسه شيء» (رواه الثلاثة) أبو داود والترمذي والنسائي، ورواه غيرهم من غير وجه عن النبي – ﷺ (وصححه أحمد) بن حنبل الشيباني ناصر السنة المجمع على إمامته صاحب المسند والتفسير وغيرهما قال شيخ الإسلام كان أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين توفي سنة إحدى وأربعين ومائتين وصححه أيضًا ابن معين وابن حزم والحاكم وشيخ الإسلام وغيرهم والترمذي من حديث ابن عباس.
(زاد ابن ماجه) أبو عبد الله محمد بن يزيد الربعي مولاهم القزويني الحافظ صاحب السنن المتوفى سنة ثلاث وسبعين ومائتين (من حديث أبي أمامة) صدي بن عجلان الباهلي أحد المكثرين من الروايات مات بحمص سنة إحدى وثمانين (إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه) ريح الشيء هو ما يدرك بحاسة الشم. وطعمه حلاوته أو مرارته وما بين ذلك. ولونه ما فصل بينه وبين غيره. وصفته أو هيئته كالبياض والسواد.
وغلب أي قهر أحد هذه الثلاثة صفة الماء التي خلق عليها كما فسره رواية البيهقي الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو طعمه. أو لونه. بنجاسة تحدث فيه وسنده ضعيف أي سند ما روي به الزيادة؛ لأن فيه رشدين بن سعد قال الشافعي روي من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، ولكن هذه الزيادة قد أجمع العلماء على القول بحكمها وقال أحمد ليس فيه حديث ولكن الله حرم الميتة فإذا صارت الميتة في الماء فتغير طعمه أو ريحه فذلك طعم الميتة أو
стр. 17
ريحها فلا يحل له وحقيقة الحديث الضعيف هو ما اختل فيه أحد شروط الصحيح أو الحسن.
(والأصل في ذلك الإجماع) حكاه جماعة منهم ابن المنذر وابن رشد وشيخ الإسلام وقال ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوص عن النبي – ﷺ ولا نعلم مسألة واحدة أجمع عليها أنه لا نص فيها. والإجماع لغة العزم والاتفاق. واصطلاحًا اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر على أمر. قال وهو أحد الأصول الثلاثة. وينبغي للمجتهد أن ينظر إليه أول شيء في كل مسألة فإن وجده لم يحتج إلى النظر في سواه لكونه دليلاً قاطعًا ثابتًا في نفس الأمر لا يقبل نسخًا ولا تأويلاً. وكثير من الفرائض التي لا يسع جهلها إذا قلت أجمع الناس لا تجد أحدًا يقول هذا ليس بإجماع.
(وعن ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب أسلم صغيرًا بمكة وشهد الخندق كان من أوعية العلم وروى عنه خلائق توفي بمكة سنة ثلاث وسبعين (قال: قال رسول الله ﷺ إذا كان الماء قلتين) تثنية قلة وهي اسم لكل ما ارتفع وعلا والمراد هنا الجرة الكبيرة من قلال هجر تسع قربتين أو أكثر وهما خمسمائة رطل عراقي تقريبًا (لم يحمل الخبث) بفتح المعجمة والموحدة أي يدفع النجاسة عن نفسه كما يقال فلان لا يحمل الضيم إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه وأصله أنه سئل ﷺ عن
стр. 18
الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من السباع فقال ذلك (رواه الخمسة) والشافعي وغيرهم وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم وتكلم فيه ابن عبد البر وغيره.
قال شيخ الإسلام وأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج به وأجابوا عن كلام من طعن فيه. ومنطوقه موافق لغيره. وأما مفهومه فلا يلزم منه أن يكون كلما لم يبلغ القلتين ينجس. ولم يذكر هذا التقدير ابتداء وإنما ذكره في جواب من سأله عن مياه الفلاة. والتخصيص إذا كان له سبب لم يبق حجة بالاتفاق والمسئول عنه كثير، ومن شأنه أنه لا يحمل الخبث.
فدل على أن مناط التنجيس هو كون الخبث محمولاً فحيث كان الخبث محمولاً موجودًا في الماء كان نجسًا وحيث كان مستهلكًا غير محمول في الماء كان الماء باقيًا على طهارته فصار حديث القلتين موافقًا لقوله – ﷺ "الماء طهور لا ينجسه شيء" لم يرد أن كلمها لم يبلغ القتلين فإنه يحمل الخبث فإن هذا مخالفة للحس. إذ قد يحمل وقد لا يحمل. ونكتة الجواب أن كونه يحمل أو لا يحمل أمر حسي يعرف بالحس. فإنه إذا كان الخبث موجودًا فيه كان محمولاً. وإن كان مستهلكًا لم يكن محمولاً.
قال والذي دلت عليه السنة وعليه الصحابة وجمهور السلف أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وإن كان يسيرًا. وقال إذا
стр. 19
تغير فإنما حرم لظهور جرم النجاسة فيه بخلاف ما إذا استهلكت. وقال ابن القيم الذي تقتضيه الأصول أن الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس فإنه باق على أصل خلقته وهو طيب فيدخل في قوله: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾.
وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة فاستحالت بحيث لم يظهر لها لون. ولا طعم ولا ريح. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: إذا كان دون القلتين فكثير من أهل العلم أو أكثرهم على أنه طهور داخل في قوله، فلم تجدوا ماء. اهـ
والعدول عنه مع وجود غيره أولى احتياطًا. وخروجًا من الخلاف. وكلاهما مطلوبان.
(وعن أبي هريرة قال قال رسول الله – ﷺ لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم) أي الراكد الذي لا يجري (وهو جنب) قال شيخ الإسلام. لما يفضي إلى إفساده. وإلى الوسواس اهـ.
وطهارته بحالها لما تقدم إلا أنه مكروه وأبلغ من ذلك البول فيه.
وقد ثبت النهي عنه لما فيه من إفساد مياه الناس ومواردهم.
والجنب من جامع أو أنزل (رواه مسلم) بن الحجاج القشيري النيسابوري الحافظ في صحيحه الذي هو ثاني الصحيحين المجمع على صحتهما وقد فاق صحيح البخاري بحسن ترتيبه وسياقه المتوفي سنة إحدى وستين ومائتين.
(وله) أي لمسلم في صحيحه (عن ابن عباس) عبد الله
стр. 20
بن عباس حبر الأمة ولد قبل الهجرة بثلاث سنين دعا له النبي ﷺ بالفقه في الدين توفي بالطائف سنة ثمان وستين (أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة) أم المؤمنين بنت الحارث الهلالية كان اسمها برة فسماها النبي – ﷺ ميمونة تزوجها سنة سبع وتوفيت سنة إحدى وستين، وفي السنن قالت إني كنت جنبًا فقال إن الماء لا يجنب صححه الترمذي.
وحكى الوزير والنووي وغيرهما الإجماع على جواز وضوء الرجل بفضل المرأة وإن خلت بالماء إلا في إحدى الروايتين عن أحمد، وما رواه أهل السنن من النهي عن ذلك لا يقاوم الرخصة في ذلك، وحمل النهي عن وضوء الرجل بفضل المرأة على التنزيه أولى جمعًا بين الأدلة، وأما وضوء المرأة بفضل الرجل فجائز بلا نزاع.
باب الآنية
أي هذا باب يذكر فيه أحاديث في أحكام الآنية. وجلد الميتة والآنية هي الأوعية جمع إناء. لما ذكر الماء وكان سيالاً محتاجًا إلى ظرف ناسب ذكر ظرفه.
(عن حذيفة) بن اليمان بن حسل العبسي صاحب سر رسول الله ﷺ روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين مات سنة خمس وثلاثين (قال قال رسول الله ﷺ لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها) جمع صحفة وهي دون القصعة
стр. 21
(فإنها) أي آنية الذهب والفضة وصحافها (لهم في الدنيا) أي للمشركين في الحياة الدنيا يتمتعون بها فيها. وهذا إخبار عما هم عليه لا بحلها لهم. ولمسلم من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة.
(ولكم في الآخرة) معشر المسلمين تتنعمون بها فيها (متفق عليه) أي اتفق على تخريجه البخاري ومسلم في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة بالإجماع، وما كان فيهما أو في أحدهما جاز الاحتجاج به من دون بحث لأنهما اشترطا الصحة وتلقتها الأمة بالقبول.
قال الشيخ وما فيهما متن يعلم أنه غلط. وهذا الحديث رواه غيرهما أيضًا لكن ما فيهما أو في أحدهما غني عن التقوية بالإضافة إلى ما سواهما.
(ولهما) أي للبخاري ومسلم في صحيحيهما (عن أم سلمة) أم المؤمنين زوج النبي – ﷺ واسمها هند بنت أبي أمية كانت تحت أبي سلمة وتوفي عنها فتزوجها النبي – ﷺ سنة أربع وتوفيت سنة تسع وخمسين ولها أربع وثمانون (قالت قال رسول الله – ﷺ الذي يشرب في إناء الفضة) ولمسلم والذهب (إنما يجرجر) بكسر الجيم الثانية والجرجرة صوت وقوع الماء في الجوف جعل الشرب والجرع جرجرة (في بطنه نار جهنم) بنصب نار أي كأنما يجرع نار جهنم. وجهنم علم على طبقة من طبقات النار أعاذنا الله منها من الجهومة، وهي الغلظ لغلظ أمرها
стр. 22
في العذاب أو لبعد قعرها. والتوعد بالنار يدل على آكدية التحريم.
وإذا كانت الأواني التي تستعمل للأكل والشرب مطلوب لها الأناقة ومع ذلك جاء فيها هذا الوعيد فالتي يتطهر بها أولى وحكى النووي وغيره الإجماع على تحريم الأكل والشرب فيها وجميع أنواع الاستيلاء. وقال الشيخ ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلة اللهو فكذا تحصيلها بنحو شراء أو اتهاب ولو لم يقصد الاستعمال. وحكى اتفاقهم على أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام على الذكر والأنثى وكذا الآلات كلها واستعمالها وحكاه القرطبي: قول الجمهور:
وعلله بعضهم لما فيه من السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء. وقال ابن القيم الصواب أن العلة ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة للعبودية منافاة ظاهرة. ولهذا علل ﵊ بأنها للكفار في الدنيا إذ ليس لهم نصيب في العبودية التي ينالونها بها في الآخرة. فلا يصلح استعمالها لعبيد الله وإنما يستعملها من خرج عن عبوديته ورضي بالدنيا وعاجلها من الآخرة. وقال الشيخ لأنه تشبه بزي المشركين وتنعم بتنعم المشركين والمسرفين اهـ.
وما سوى ذلك من أواني الخشب والحديد يباح اتخاذه واستعماله ولو ثمينًا كالجوهر والزمرد. قال في المبدع وغيره في قول عامة أهل العلم.
стр. 23
(وعن أنس) بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله – ﷺ خدمه عشر سنين ومات سنة ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة (إن قدح النبي – ﷺ انكسر) أي: انشق وفي لفظ "وكان انصبدع" والقدح إناء يروي الرجلين. واسم يجمع الصغار والكبار.
(فاتخذ مكان الشعب) أي: الصدع الذي كان فيه (سلسلة من فضة) بكسر السين القطعة وبالفتح إيصال الشيء بالشيء ينقب من جانبي الشق ويسلسل بخيوط من فضة (رواه البخاري) في صحيحه المشتهر أي: اشتهار الذي هو خير كتاب صنف وأصحه بلا مرية. وذكر أنه رأى القدح بالبصرة وشرب فيه. ولأحمد عن عاصم رأيت عند أنس قدح النبي – ﷺ فيه ضبة فضة، ولا خلاف في جواز الأكل والشرب في المضبب لحاجة. وكذا سائر الاستعمالات. وصوب الشيخ أنه يباح إذا كان التضبيب أقل مما هو فيه، ولم يستعمل. وقال إذا ضبب الإناء تضبيبًا جائزًا استعماله مع وجود غيره بلا خلاف.
(وعن عمران بن حصين) بن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي أسلم عام خيبر وكان من فضلاء الصحابة مات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين (أن النبي – ﷺ وأصحابه توضؤا من مزادة) امرأة (مشركة) أي من راويتها ولا تكون الراوية إلا من
جلدين (متفق عليه) وفيه دلالة ظاهرة على طهارة آنية
стр. 24
المشركين وحديث أبي ثعلبة فاغسلوها. محمول على كراهة الأكل فيها للاستقذار لا للنجاسة. فقد قال تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾. ودعا النبي – ﷺ يهودي إلى خبز شعير وإهالة سنخة رواه أحمد. وغير ذلك من الأدلة على طهارة آنيتهم ولو حرمت رطوباتهم لا استفاض نقله. وفيه دلالة على طهارة جلد الميتة الطاهر في الحياة بالدباغ.
(وعن ابن عباس قال: قال رسول الله – ﷺ إذا دبغ الإهاب) على وزن كتاب اسم للجلد قبل الدبغ وذلك أن جلد الميتة ينجس بموتها فإذا دبغ بقرظ أو غيره مما ينزع فضوله من لحم ودم ونحوهما مما يعفنه (فقد طهر) بضم الهاء وفتحها، (رواه مسلم).
(وعن ميمونة مرفوعًا) يعني إلى النبي – ﷺ أنه (قال يطهره) أي يطهر الإهاب (الماء والقرظ) أي ورق شجر السلم وكذا بكل شيء ينشف فضلاته ويطيبه ويمنع ورود الفساد عليه (رواه أبو داود) سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني الحافظ المشهور المتوفى سنة خمس وسبعين ومائتين في سننه التي أحسن وضعها وعرضها على أحمد فاستجادها. ورواه النسائي
وغيره.
ودباغ الأديم طهوره متواتر عن النبي – ﷺ من طرق عن جماعة من الصحابة دال على طهارة جلد الميتة بالدباغ. وهو
стр. 25
مذهب جماهير العلماء. وحديث ابن عكيم ضعيف وليس فيه ذكر الدباغ. قال الشيخ وأما بعد الدبغ فلم ينه عنه قط.
وما رواه أهل السنن. أيما إهاب دبغ فقد طهر. ضعفه أحمد وغيره. وقال الشيخ الذي عليه الجمهور أن جلود السباع لا تطهر بالدبغ لما روي من وجوه متعددة أنه نهى عن جلود السباع وقال في هذا القول جمع بين الأحاديث.
(وعن أبي واقد الليثي) واسمه الحارث بن عوف الكناني أحد الطلقاء توفي سنة ثمان وستين (أن رسول الله – ﷺ قال ما قطع من البهيمة) أي بهيمة الأنعام ونحوها سميت بهيمة لما في صوتها من الإبهام (وهي حية) أي حال حياتها كألية شاة (فهو ميتة) قال شيخ الإسلام، وهذا متفق عليه بين العلماء (حسنه الترمذي) محمد بن عيسى بن سورة الإمام الحافظ المتوفي سنة سبع وستين ومائتين. وقال العمل عليه عند أهل العلم. ورواه أحمد وأبو داود وغيرهما وابن ماجه من حديث ابن عمر وله شواهد.
واستثني مسك وفأرته بالسنة والإجماع. وقال الشيخ المسك وفأرته بمنزلة البيض والولد والصوف واللبن ليس مما يبان من البهيمة وهي حية اهـ. واستثنى أيضًا الطريدة بين قوم لا يقدرون على ذكاتها فيأخذونها قطعًا. قال الحسن وغيره لا بأس به كان الناس يفعلونه في مغازيهم.
стр. 26
باب الاستنجاء
وآداب التخلي. الاستنجاء والاستطابة والاستجمار. إزالة النجو وهو الخارج من السبيل الذي تطلب إزالته. وعبر بعضهم بقضاء الحاجة وغيره. والباب شامل لذلك كله. وما يلتحق به. ومن كمال شريعته – ﷺ أن علم أمته كل شيء حتى آداب قضاء الحاجة.
(عن أنس قال كان رسول الله – ﷺ إذا دخل الخلاء) وفي الأدب المفرد كان إذا أراد أن يدخل الخلاء بالخاء المعجمة ممدود أي: إذا أراد أن يدخل الخلاء بالخاء المعجمة ممدود أي إذا أراد دخول المكان المعد لقضاء الحاجة. وفي غير الأمكنة المعدة له في أول الشروع عند تشمير الثياب (قال اللهم) أصلها يا الله أدخلوا الميم المشددة عوضًا عن جمع الأسماء وعن حرف النداء (إني أعوذ بك) أي ألوذ والتجئ وأستجير بك (من الخبث) بضم الباب وتسكن جمع خبيث (والخبائث) جمع خبيثة. فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم أو من الشر وأهله (متفق عليه) فدل على مشروعيته هذا الدعاء توقيًا لشرهم.
(ولسعيد بن منصور) بن شعبة الخراساني الحافظ صاحب السنن المشهورة مات سنة سبع وعشرين ومائتين (كان يقول) أي إذا أراد دخول الخلاء (بسم الله) اللهم إلى آخره.
ورواه المعمري بلفظ الأمر. وإسناده على شرط مسلم. وعن علي مرفوعًا ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف
стр. 27
أن يقول بسم الله. رواه الترمذي وقال ليس إسناده بالقوي.
(وعن عائشة) بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين زوج النبي – ﷺ تزوجها بنت ست، سنة عشر من النبوة ودخل بها في السنة الأولى من الهجرة وهي بنت تسع ولم يتزوج بكرًا غيرها.
وكانت فقيهة كثيرة الحديث. وروى عنها جماعة توفيت بالمدينة سنة ثمان وخمسين قالت كان رسول الله – ﷺ (إذا خرج) أي من الخلاء (قال غفرانك) أي أسألك غفرانك.
من الغفر وهو المحو مع الستر، استغفر من تقصيره في شكر الله على إخراج ذلك الخارج منه بعد أن أنعم عليه فأطعمه ثم هضمه ثم سهل خروجه عليه (رواه الخمسة) وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم.
(زاد ابن ماجه) على ما روت عائشة بعد غفرانك (عن أنس الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) من احتباسه.
ورواه النسائي وابن السني عن أبي ذر وحسنه الحافظ. ولا تشترط الصحة للحديث في مثل هذا ولا خلاف في مشروعية هذه الأدعية. وفي الحمد هنا إشعار بأن هذه نعمة جليلة فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها.
(وعن المغيرة بن شعبة) بن أبي عامر الثقفي أحد دهاة العرب أسلم عام الفتح وتوفي بالكوفة عاملاً عليها سنة خمسين
стр. 28
(قال انطلق رسول الله – ﷺ ) يعني لما أراد قضاء الحاجة (حتى توارى عني) أي استتر عني (فقضى حاجته) كنى به عن نفس الحدث كراهية لذكره باسمه الصريح (متفق عليه) وللترمذي وصححه كان إذا ذهب أبعد. ولأبي داود حتى لا يراه أحد. ففيها دلالة على مشروعية التواري عن الأعين عند قضاء الحاجة. ويشهد لذلك أدلة ستر العورة.
(وعن جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي الأنصاري أحد المكثرين مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وله أربع وتسعون (مرفوعًا) إلى النبي – ﷺ أي أنه قال (إذا تغوط الرجلان) أي جاءا الغائط وهو المنخفض من الأرض كنى به عن حاجة الإنسان كراهية لذكره بصريح اسمه (فليتوار) أي يستتر (كل واحد منهما عن صاحبه ولا يتحدثا) حال تغوطهما.
(فإن الله يمقت على ذلك) والمقت أشد البغض (صححه ابن السكن) الحافظ أبو سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن البغدادي المتوفى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وصححه ابن القطان وغيرهما. وضعفه بعض الحفاظ لأنه من رواية عكرمة ابن عمار. وقد احتج به مسلم واستشهد بحديثه البخاري.
ولأحمد وأبي داود وغيرهما نحوه من حديث أبي سعيد ولمسلم عن ابن عمر أن رجلاً مر ورسول الله – ﷺ يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه.
стр. 29
والحديث دال على أن تكلم الاثنين حال التغوط ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه ويتحدثان كأنهما في مجلس مسامرة من الفعل الشنيع الموجب لمقت الله – والتعليل بمقت الله يدل على تأكد حرمة الفعل المعلل ووجوب اجتنابه. وأما تكلم الواحد للضرورة كإنقاذ أعمى أو إرشاد ضال. أو طلب حاجة. للاستنجاء مثلاً فلا بأس بذلك. ويأتي أنه – ﷺ كلم ابن مسعود عندما أتاه بالروثة والحجرين وبال قائمًا فتنحي عنه فقال أدنه فدنا حتى قام عند عقبه.
(وعن أنس قال كان رسول الله – ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه رواه الأربعة) أبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه (وصححه الترمذي) ورد تصحيحه النووي. وقال المنذري الصواب تصحيحه فإن رواته ثقات أثبات. وأخرجه ابن حبان والحاكم وغيرهما وأورد له البيهقي شاهدًا والجوزجاني وفيهما مقال.
والخاتم حلي يجعل للإصبع وقد يركب فيه فص من ياقوت وغيره وكان نقش خاتم رسول الله – ﷺ "محمد رسول الله" متفق عليه. فيضع – ﷺ خاتمه إعظامًا لاسم الله من أن يدخل به الخلاء. ودل الحديث على صيانة ما فيه ذكر الله عن المحلات المستخبثة فلا يدخل بها الخلاء. وليس خاصًا بالخاتم. وإن خاف ضياعه لم يكره. أو غفل عن تنحية ما فيه ذكر الله غيبه في
стр. 30
عمامة ونحوها. وأما المصحف فيحرم دخول الخلاء به من غير حاجة قطعًا.
(وعن أبي هريرة أن رسول الله – ﷺ قال من أتى الغائط فليستتر) وذلك أن الشيطان يحضر تلك الأماكن وقت قضاء الحاجة ويرصدها بالأذى والفساد لخلوها عن الذكر الذي يطرده ولأنه تكشف فيه العورات (رواه الخمسة) وحسنه الحافظ وصححه ابن حبان وغيره. وفي إسناده مقال.
وفيه "فإن لم يجد" أي ما يستره "إلا كثيبًا من رمل" يعني فليجمعه فليستتر به حال قضاء الحاجة. ويستتر ولو بإرخاء ذيله "فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم. من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" ومحله إن لم يكن ثم من ينظره ممن يحرم عليه نظره. وإلا وجب الاستتار للأخبار.
(وعنه) أي عن أبي هريرة –﵁ (قال قال رسول الله – ﷺ استنزهوا) من التنزه وهو البعد. أي أبعدوا واستتروا وتطهروا (من البول) وعن عبادة: «فإذا مسكم منه شيء فاغسلوه» رواه البزار بسند حسن (فإن عامة عذاب القبر منه) أي من البول بسبب ملابسته له وعدم التنزه منه. لأنه يفسد الصلاة وهي عماد الدين.
(رواه الدارقطني) الحافظ أبو الحسن علي بن عمر
ابن أحمد بن مهدي البغدادي صاحب السنن وغيرها توفي سنة
стр. 31
خمس وثمانين وثلاثمائة. ولأحمد وغيره "أكثر عذاب القبر من البول". قال الحافظ وهو صحيح الإسناد وله شواهد (وأصله في الصحيحين) في القبرين يعذبان أحدهما "لا يستنزه" أي لا يستبرئ من البول ولا يتحفظ منه. ولابن عساكر "لا يستبرئ من البول" والاستبراء طلب البراءة باستفراغ ما في المخرج من الخبث ولا يستبعد منه وينبغي له أن يختار المكان الرخو ليأمن من رشاشة. وعند أبي نعيم "لا يتوقي" والكل مفيد نجاسة بول الإنسان ووجوب اجتنابه والتحرز منه وتحريم ملابسته وهو إجماع.
(وعن أبي قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري فارس رسول الله – ﷺ شهد أحدًا وما بعدها وتوفي سنة أربع وخمسين (أن رسول الله – ﷺ قال لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول) مسكت بالشيء أخذت به وأمسكته بيدي إمساكًا قبضته بها وفي رواية "فلا يأخذن أحدكم ذكره بيمينه"، وفي رواية "لا يمسن" تشريفًا وصيانة لها عن الأقذار (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه متفق عليه).
وفيه النهي عن مس الذكر باليمين حالة البول والتمسح بها من الغائط. وكذا من البول كما يأتي، وهذا مجمع عليه، فلا يجوز استعمال اليمين في الأمرين والجمهور على أنه نهي تنزيه، ولا صارف له عن الحرمة. وهذا حيث استنجى بألة كالماء والاستجمار أما لو باشر النجاسة بيده، فحكى النووي الإجماع
стр. 32
على تحريمه. ويذكر فيه خلاف عند المالكية وغيرهم.
(ولهما عن أبي أيوب) خالد بن زيد الأنصاري من أكابر الصحابة شهد بدرًا نزل عليه النبي – ﷺ حال قدومه مات غازيًا سنة خمسين بالروم (أن رسول الله – ﷺ قال إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها) أي: لا تستقبلوا الكعبة بفروجكم عند خروج غائط وبول ولا تستدبروها. وهو ضد الاستقبال (ولكن شرقوا أو غربوا) أي وجهوا إلى المشرق أو المغرب.
وهذا خطاب منه – ﷺ لأهل المدينة ومن جرى مجراهم. وأما من كانت قبلته إلى المشرق أو المغرب، فإنه يتحول إلى الجنوب أو الشمال، وعن أبي هريرة مرفوعًا "إذا جلس أحدكم على حاجة فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها" رواه مسلم. وله عن سلمان نهانا ونحوه عن معقل وغيره. قال الحافظ جاء النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في غير ما حديث صحيح مشهور تغني شهرته عن ذكره لكونه نهيًا مجردًا.
وقال شيخ الإسلام الأحاديث وردت على المنع من استقبالها واستدبارها ببول أو غائط لتضمنه أمرين: أحدهما خروج الخارج المستقذر. والثاني كشف العورة قال ابن القيم ولا فرق بين الفضاء والبنيان لبضعة عشر دليلاً، وهو أصح المذاهب في هذه المسألة وليس مع من فرق ما يقاومها
ألبتة اهـ.
стр. 33
وينبغي لمن نسي أو غلط أن ينحرف ويستغفر الله تعالى قال أبو أيوب فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله – .
(وعن أبي هريرة) ﵁ (قال قال رسول الله ﷺ اتقوا اللاعنين) أي اتقوا الأمرين الجالبين للعن الباعثين الناس عليه، فإنه سبب للعن من فعله فنسب إليهما بصيغة المبالغة أحدهما (الذي يتخلى في طريق الناس) أي سبيلهم الذي يسلكونه. والأمر الثاني قوله (أو في ظلهم) الذي يستظلون به ويعتادون الجلوس فيه أو يتخذونه مقيلاً ومناخًا (رواه مسلم).
وإضافة السبيل والظل إليهم دليل على إرادة الطريق المسلوك والظل المنتفع به. وإلا فقد قضاها – ﷺ تحت حائش نخل وغيره. وروى البيهقي أنه قال (من سل سخيمته على طريق عامر من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) وذلك لما فيه من أذية المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره.
(زاد أبو داود عن معاذ) بن جبل بن عمرو بن أوس الخزرجي الأنصاري كان إليه المنتهى في العلم توفي سنة ثماني عشرة وله ثمان وثلاثون. ولفظه "اتقوا الملاعن الثلاث" (و) ذكر (الموارد) أي المجاري والطرق إلى الماء واحدها مورد.
فإنه إذا بال أو تغوط فيها نجسهم كما إذا فعل ذلك في طريقهم.
стр. 34
(و) زاد (أحمد) عن ابن عباس (أو نقع ماء) والمراد به الماء المجتمع. وفي الصحيحين النهي عن البول في الماء الراكد ويقال المراد مكان الماء الذي يستقي منه وينتفع به.
(وأخرج الطبراني) سليمان بن أحمد الإمام الحجة صاحب المسند الكبير وغيره المتوفي بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين (من حديث ابن عمر النهي عن التخلي "تحت الأشجار المثمرة وفيها ضعف) الأول مرسل لم يسمع أبو سعيد من معاذ. والثاني فيه ابن لهيعة. والراوي عن ابن عباس مبهم.
والثالث فيه فرات بن السائب متروك. لكن قال النووي وغيره اتقاؤها متفق عليه بين أهل العلم، وذلك لما فيه من أذية المسلمين وإلقاؤها كذلك.
(وعن ابن مسعود) عبد الله بن مسعود الهذلي أحد السابقين والفقهاء الربانيين توفي سنة اثنتين وثلاثين وله ستون (قال أتى النبي – ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين ولم أجد ثالثًا فأتيته بروثة) الروث للفرس والبغل والحمار (فأخذهما وألقى الروثة وقال أنه ركس) بكسر الراء وسكون الكاف. أي نجس (رواه البخاري) زاد أحمد ائتني بغيرها. وفيه مشروعية الاستجمار بالأحجار. قال شيخ الإسلام وغيره قد تواترت به السنة.
ودل هذا الحديث وغيره على جواز الاجتزاء به. وأجمع
стр. 35
المسلمون عليه. ولم يخص الحجر إلا لأنه كان الموجود غالبًا لا لأن الاستجمار بغيره لا يجوز. ونهيه عن الرجيع والعظم يدل على أنه لو تعينت الحجارة لنهي عما سواها. قال شيخ الإسلام والصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغير الأحجار.
وقال أمر – ﷺ بالاستجمار بثلاثة أحجار. فمن لم يجد فثلاث حثيات من تراب. قال أبو حامد وغيره هو قول العلماء كافة.
وقال ابن القيم. فلو ذهب معه بخرقة وتنظف بها أكثر من الأحجار أو قطن أو صوف أو خز ونحو ذلك جاز. وليس للشارع غرض في غير التنظيف والإزالة. فما كان أبلغ في ذلك كان مثل الأحجار في الجواز وأولى. قال شيخنا وغيره. كل جامد طاهر ليس بعظم ولا روث ولا محترم فيه خشونة تنق المخرج حكمه حكم الحجر.
(ولمسلم عن سلمان) الفارسي ويقال له سلمان الخير.
مولى رسول الله – ﷺ أصله من فارس سافر لطلب الدين وتنقل حتى انتهى إلى رسول الله – ﷺ فآمن به. وقال (سلمان منا أهل البيت) قيل إنه عاش مائتين وقيل ثلاث مائة وخمسين ومات سنة خمسين (قال نهانا رسول الله – ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) وتقدم في المتفق النهي عن استدبارها وتحريمه مجمع عليه.
(أو أن نستنجي باليمين) أي أن نغسل بها أثر الخارج صيانة لها عن الأقذار. فيصب باليمين ويسنجي بالشمال.
стр. 36
وتقدم ولا يتمسح من الخلاء بيمينه. وذلك لغير ضرورة كقطع شماله. وحاجة كجرحها (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) أي نزيل النجو وهو الغائط بها. ولأحمد عن جابر إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا.
فدل على أنه لا بد في طهارة المحل من ثلاثة. أو ما يقوم مقامها. قال شيخ الإسلام عليه تكميل المأمور به وإن أنقى بدونه. وعلامة الإنقاء أن لا يبقى في المحل شيء لا يزيله إلا الماء (أو أن نستنجي برجيع أو عظم) والرجيع العذرة والروث سمي رجيعًا لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. ولأحمد عنه نهانا أن نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم. ولمسلم والترمذي (لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن) وقال العمل عليه عند أهل العلم.
(وعن أبي هريرة "نهى رسول الله – ﷺ أن يستنجى بعظم أو روث، وقال أنهما لا يطهران" صححه الدارقطني) وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب إسناده جيد.
وقال شيخ الإسلام. الاستنجاء بالرجيع لا يجوز بحال إما لنجاسته. وإما لكونه علفًا لدواب إخواننا من الجن. وقد تنازع العلماء فيما إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار أو استجمر بمنهي عنه كالروث والرمة واليمين هل يجزئه؟ والصحيح أنه إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار فعليه تكميل المأمور به، وأما إذا
стр. 37
استجمر بالعظم واليمين فإنه قد يجزئه فإنه قد حصل المقصود بذلك. وإن كان عاصيًا. والإعادة لا فائدة فيها. ولكن يؤمر بتنظيف العظم مما لوثه به اهـ والجمهور أنهما لا يطهران ولعله لم يثبت عنده الخبر.
(وعنه مرفوعًا من استجمر فليوتر) أي يقطع على وتر (متفق عليه) زاد أحمد "من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" أي أن القطع على وتر سنة فيما زاد على ثلاث جمعًا بين النصوص ولا تحديد في الماء بل يستنجي به حتى يرى أنه أنقى المحل.
(واتفقا) أي البخاري ومسلم (على) إخراج أحاديث (استنجائه) – ﷺ (بالماء من حديث أنس) ولفظه "كان يدخل الخلاء. فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء" (و) كذلك على إخراج (غيره) كحديث عائشة وميمونة ويأتي. ولأبي داود والنسائي من حديث أبي هريرة وجرير والترمذي وصححه عن عائشة أنها قالت مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحيهم. وأن رسول الله – ﷺ فعله وتقدم حكاية الإجماع على جواز الاجتزاء بالاستجمار.
ولا يكره الاقتصار عليه لكن الماء أفضل من الحجر إجماعًا لأن الماء يزيل عين النجاسة. والجمهور على أن الجمع بينهما أفضل. وروى أحمد والبزار بسند ضعيف أن رسول الله – ﷺ سأل أهل قباء لما نزلت (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) فقالوا إنا
стр. 38
نتبع الحجارة الماء. وأصله في سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة وصححه ابن خزيمة أنهم كانوا يستنجون بالماء ولكن ليس فيه أنهم كانوا يجمعون بينهما.
باب السواك
وسنن الفطرة. السواك يذكر ويؤنث وجمعه سوك ويهمز من التساوك وهو التمايل أو التسوك وهو التردد. لأن السواك يتردد في الفم أو من ساك الشيء إذا دلكه. وفي الاصطلاح استعمال عود أو نحوه في الأسنان ليذهب نحو صفرة ورائحة. وأول من استاك الخليل ﵊.
(عن عائشة) –﵂ (أن النبي – ﷺ قال السواك مطهرة) بفتح الميم وكسرها أي منظف (للفم) والمطهرة كل آلة يتطهر بها شبه السواك بها لأنه ينظف الأسنان وسائر الفم والطهارة النظافة (مرضاة للرب) أي يرضي الرب ﵎ وفي فضله أكثر من مائة حديث واتفقوا على أنه سنة مؤكدة لحث الشارع عليه وترغيبه فيه. وقال داود بوجوبه. وقال النووي سنة وليس بواجب في حال من الأحوال بإجماع من يعتد به في الإجماع.
(وعن أبي هريرة) –﵁ (قال قال رسول الله ﷺ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) أي لولا خشيته ﷺ المشقة أي الثقل على أمته لأمرهم باستعمال
стр. 39
السواك عند كل وضوء أمر إيجاب فإنه – ﷺ ترك الأمر به لأجل المشقة لا أمر الندب فإنه قد ثبت بلا مرية وأجمع عليه (رواهما أحمد) وغيره بأسانيد صحيحة (والبخاري تعليقًا) والمعلق هو ما يسقط من أول إسناده راو فأكثر.
والحديث دليل على تعيين وقته عند كل وضوء وهو حال المضمضة فهو من المطهرات. وعند عدم السواك يجزئ بأي شيء يزيل التغير حكاه الموفق والنووي وغيرهما. وروى البيهقي، والحافظ في المختارة "يجزئ من السواك الأصابع" ولأحمد عن علي في صفة الوضوء "فادخل بعض أصابعه في فيه" فيصيب من السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء.
(وفي الصحيحين) عن أبي هريرة –﵁ بلفظ (عند كل صلاة) وفي معناه عدة أحاديث عن جماعة من أصحاب النبي – ﷺ ولأبي نعيم بسند جيد (لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إلي من أن أصلي سبعين ركعة بلا سواك) ولأنا مأمورون في كل حالة من أحوال التقرب إلى الله أن نكون في حال كمال ونظافة إظهارًا لشرف العبادة.
(وفيهما) أي وفي الصحيحين أيضًا (عن حذيفة "كان ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) والشوص الدلك من شاصه يشوصه وماصه يموصه إذا دلكه. وفي حديث أبي موسى الأشعري "وطرف السواك على لسانه وهو يقول أع أع والسواك
стр. 40
في فيه كأنه يتهوع" أي من أجل المبالغة. ولأحمد عن عائشة كان لا يرقد ليلاً ولا نهارًا فيستيقظ إلا تسوك. ولمسلم وغيره نحوه من وجوه تدل على تأكد استحبابه عند القيام من النوم لأنه مقتض لتغير الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة والسواك ينظفه.
(ولمسلم عن عائشة كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك) فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات وشدة الاهتمام به وتكراره ويتأكد عند قراءة القرآن لحديث علي "أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك" رواه ابن ماجه. ويتأكد عند تغير رائحة الفم مطلقًا فإنه مشروع لتطييب الفم وإزالة رائحته. حكاه الوزير وغيره اتفاقًا وله فوائد جمة.
(وعن عامر بن ربيعة) بن كعب بن مالك أحد السابقين مات سنة سبع وثلاثين (قال رأيت رسول الله – ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم رواه الخمسة) وحسنه الترمذي والحافظ وعلقه البخاري وله شواهد. وعن عائشة، قالت قال رسول الله – ﷺ (من خير خصال الصائم السواك) رواه ابن ماجه وفيه ضعف.
فدل هذان الحديثان وغيرهما على استحباب السواك
للصائم من غير تقييد بوقت وأنه من خير خصال الصائم
من غير فرق بين ما قبل الزوال وما بعده. وما روي عن علي
следующие страницы →