وتقدم ولا يتمسح من الخلاء بيمينه. وذلك لغير ضرورة كقطع شماله. وحاجة كجرحها (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) أي نزيل النجو وهو الغائط بها. ولأحمد عن جابر إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا.
فدل على أنه لا بد في طهارة المحل من ثلاثة. أو ما يقوم مقامها. قال شيخ الإسلام عليه تكميل المأمور به وإن أنقى بدونه. وعلامة الإنقاء أن لا يبقى في المحل شيء لا يزيله إلا الماء (أو أن نستنجي برجيع أو عظم) والرجيع العذرة والروث سمي رجيعًا لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. ولأحمد عنه نهانا أن نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم. ولمسلم والترمذي (لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن) وقال العمل عليه عند أهل العلم.
(وعن أبي هريرة "نهى رسول الله – ﷺ أن يستنجى بعظم أو روث، وقال أنهما لا يطهران" صححه الدارقطني) وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب إسناده جيد.
وقال شيخ الإسلام. الاستنجاء بالرجيع لا يجوز بحال إما لنجاسته. وإما لكونه علفًا لدواب إخواننا من الجن. وقد تنازع العلماء فيما إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار أو استجمر بمنهي عنه كالروث والرمة واليمين هل يجزئه؟ والصحيح أنه إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار فعليه تكميل المأمور به، وأما إذا
стр. 37
استجمر بالعظم واليمين فإنه قد يجزئه فإنه قد حصل المقصود بذلك. وإن كان عاصيًا. والإعادة لا فائدة فيها. ولكن يؤمر بتنظيف العظم مما لوثه به اهـ والجمهور أنهما لا يطهران ولعله لم يثبت عنده الخبر.
(وعنه مرفوعًا من استجمر فليوتر) أي يقطع على وتر (متفق عليه) زاد أحمد "من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" أي أن القطع على وتر سنة فيما زاد على ثلاث جمعًا بين النصوص ولا تحديد في الماء بل يستنجي به حتى يرى أنه أنقى المحل.
(واتفقا) أي البخاري ومسلم (على) إخراج أحاديث (استنجائه) – ﷺ (بالماء من حديث أنس) ولفظه "كان يدخل الخلاء. فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء" (و) كذلك على إخراج (غيره) كحديث عائشة وميمونة ويأتي. ولأبي داود والنسائي من حديث أبي هريرة وجرير والترمذي وصححه عن عائشة أنها قالت مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحيهم. وأن رسول الله – ﷺ فعله وتقدم حكاية الإجماع على جواز الاجتزاء بالاستجمار.
ولا يكره الاقتصار عليه لكن الماء أفضل من الحجر إجماعًا لأن الماء يزيل عين النجاسة. والجمهور على أن الجمع بينهما أفضل. وروى أحمد والبزار بسند ضعيف أن رسول الله – ﷺ سأل أهل قباء لما نزلت (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) فقالوا إنا
стр. 38
نتبع الحجارة الماء. وأصله في سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة وصححه ابن خزيمة أنهم كانوا يستنجون بالماء ولكن ليس فيه أنهم كانوا يجمعون بينهما.
باب السواك
وسنن الفطرة. السواك يذكر ويؤنث وجمعه سوك ويهمز من التساوك وهو التمايل أو التسوك وهو التردد. لأن السواك يتردد في الفم أو من ساك الشيء إذا دلكه. وفي الاصطلاح استعمال عود أو نحوه في الأسنان ليذهب نحو صفرة ورائحة. وأول من استاك الخليل ﵊.
(عن عائشة) –﵂ (أن النبي – ﷺ قال السواك مطهرة) بفتح الميم وكسرها أي منظف (للفم) والمطهرة كل آلة يتطهر بها شبه السواك بها لأنه ينظف الأسنان وسائر الفم والطهارة النظافة (مرضاة للرب) أي يرضي الرب ﵎ وفي فضله أكثر من مائة حديث واتفقوا على أنه سنة مؤكدة لحث الشارع عليه وترغيبه فيه. وقال داود بوجوبه. وقال النووي سنة وليس بواجب في حال من الأحوال بإجماع من يعتد به في الإجماع.
(وعن أبي هريرة) –﵁ (قال قال رسول الله ﷺ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) أي لولا خشيته ﷺ المشقة أي الثقل على أمته لأمرهم باستعمال
стр. 39
السواك عند كل وضوء أمر إيجاب فإنه – ﷺ ترك الأمر به لأجل المشقة لا أمر الندب فإنه قد ثبت بلا مرية وأجمع عليه (رواهما أحمد) وغيره بأسانيد صحيحة (والبخاري تعليقًا) والمعلق هو ما يسقط من أول إسناده راو فأكثر.
والحديث دليل على تعيين وقته عند كل وضوء وهو حال المضمضة فهو من المطهرات. وعند عدم السواك يجزئ بأي شيء يزيل التغير حكاه الموفق والنووي وغيرهما. وروى البيهقي، والحافظ في المختارة "يجزئ من السواك الأصابع" ولأحمد عن علي في صفة الوضوء "فادخل بعض أصابعه في فيه" فيصيب من السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء.
(وفي الصحيحين) عن أبي هريرة –﵁ بلفظ (عند كل صلاة) وفي معناه عدة أحاديث عن جماعة من أصحاب النبي – ﷺ ولأبي نعيم بسند جيد (لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إلي من أن أصلي سبعين ركعة بلا سواك) ولأنا مأمورون في كل حالة من أحوال التقرب إلى الله أن نكون في حال كمال ونظافة إظهارًا لشرف العبادة.
(وفيهما) أي وفي الصحيحين أيضًا (عن حذيفة "كان ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) والشوص الدلك من شاصه يشوصه وماصه يموصه إذا دلكه. وفي حديث أبي موسى الأشعري "وطرف السواك على لسانه وهو يقول أع أع والسواك
стр. 40
في فيه كأنه يتهوع" أي من أجل المبالغة. ولأحمد عن عائشة كان لا يرقد ليلاً ولا نهارًا فيستيقظ إلا تسوك. ولمسلم وغيره نحوه من وجوه تدل على تأكد استحبابه عند القيام من النوم لأنه مقتض لتغير الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة والسواك ينظفه.
(ولمسلم عن عائشة كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك) فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات وشدة الاهتمام به وتكراره ويتأكد عند قراءة القرآن لحديث علي "أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك" رواه ابن ماجه. ويتأكد عند تغير رائحة الفم مطلقًا فإنه مشروع لتطييب الفم وإزالة رائحته. حكاه الوزير وغيره اتفاقًا وله فوائد جمة.
(وعن عامر بن ربيعة) بن كعب بن مالك أحد السابقين مات سنة سبع وثلاثين (قال رأيت رسول الله – ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم رواه الخمسة) وحسنه الترمذي والحافظ وعلقه البخاري وله شواهد. وعن عائشة، قالت قال رسول الله – ﷺ (من خير خصال الصائم السواك) رواه ابن ماجه وفيه ضعف.
فدل هذان الحديثان وغيرهما على استحباب السواك
للصائم من غير تقييد بوقت وأنه من خير خصال الصائم
من غير فرق بين ما قبل الزوال وما بعده. وما روي عن علي
стр. 41
استاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي ضعيف. ولا يعارض به ما تواتر من الأحاديث المطلقة. قال الشيخ والزركشي وغيرهما.
وهو قول أكثر العلماء. وأكثر الأحاديث الواردة فيه تدل على استحبابه للصائم بعد الزوال كما يستحب قبله والإطلاق في سائرها يدل عليه. ولم يثبت في كراهته شيء قال شيخنا وعدم كراهته أصح القولين. وخلوف فم الصائم ليس في محل السواك إنما هو من المعدة ومرضاة الرب أطيب من ريح المسك. قال الشيخ والقياس يقول بموجبه.
والسواك نوع من التطهير المشروع لأجل الرب سبحانه لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا شك فيه ولأجله شرع السواك. قال الحافظ والحق أنه يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره وهو مذهب جمهور الأئمة.
(وعن أبي هريرة) –﵁ (قال قال رسول الله ﷺ خمس من الفطرة) أي هذه الخمس إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات واشرفها صورة وقال البيضاوي هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع (الاستحداد)، وفي رواية لمسلم "حلق العانة" سمي استحدادًا لاستعمال الحديدة فيه وهي الموسى. والعانة الشعر فوق ذكر الرجل وحول فرج المرأة وهو سنة بالاتفاق ويكون بالحلق والقص والنتف والنورة.
стр. 42
(والختان) وهو قطع جميع الجلدة التي تغطي الحشفة حتى ينكشف جميع الحشفة. والجمهور أنه زمن صغر أفضل لأنه أسرع برءًا ولينشأ على أكمل الأحوال. والختان في المرأة قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج. ولقوله "اخفضي ولا تنهكي فإنه أبهى للوجه وأحضى عند الزوج". والمقصود من ختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة. ومن المرأة تعديل شهوتها وهو مكرمة لها.
وأما وجوبه فقال شيخ الإسلام عليه أن يختتن إذا لم يخف ضرر الختان فإن ذلك مشروع مؤكد للمسلمين باتفاق الأئمة وهو واجب عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه وقال ابن المنذر ليس في وجوب الختان خبر يرجع إليه والمتيقن السنة (وقص الشارب) وهو ما سال على الفم من الشعر جمعه شوارب.
وللترمذي وصححه من لم يأخذ شاربه فليس منا. وقصه سنة بالإجماع (ونتف الإبط) بكسر الهمزة وسكون الباء باطن المنكب جمعه آباط. ونتف الشعر ينتفه نتفًا نزعه أي فيسن نتف شعر إبطه إجماعًا ويحصل أيضًا بالحلق والنورة (وتقليم الأظفار متفق عليه) تقليم تفعيل من القلم وهو القطع والأظفار جمع ظفر وتقليمها سنة مجمع عليه.
ولمسلم عشر من الفطرة. وذكر إعفاء اللحية. والسواك واستنشاق الماء. وغسل البراجم. وهي عقد الأصابع وانتقاص الماء يعني الاستنجاء. قال شيخنا فيه مشروعية هذه المذكورات
стр. 43
إلا الختان ففيه قول أنه للوجوب وذكرت مع السواك بجامع أن كلاً منها فيه نقاء ونظافة وتحسين كالسواك وبعضها فيه كمال للطهارة.
(ولهما عن ابن عمر مرفوعًا: «احفوا الشوارب») أي بالغوا في قصها واستقصوا في أخذها؛ وحفها أولى من قصها عند الجمهور وما ورد بلفظ القص لا ينافي الإحفاء؛ لأن الإحفاء معين للمراد (وأعفوا اللحى) بكسر اللام وضمها واحدتها لحية بكسر اللام اسم للشعر النابت على الخدين والذقن، وفي الصحيحين أيضًا: «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب»، وفي رواية: «أوفوا اللحى» أي اتركوها وافية. قال شيخ الإسلام وغيره يحرم حلقها للأحاديث الصحيحة ولم يبحه أحد. وحكى ابن حزم الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض.
(وعنه نهى) أي النبي ﷺ (عن القزع) وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه مأخوذ من قزع السحاب وهو تقطعه. والقزعة الخصلة من الشعر تترك على رأس الصبي. وهذا الحديث متفق عليه وزاد أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح. قال: «احلقوه كله» أي كل رأس الصبي: «أو دعوه كله» قال ابن القيم. والزع أربعة أنواع أن يحلق من رأسه مواضع من ههنا ومن ههنا، وأ، يحلق وسطه ويترك جوانبه. وأن يحلق جوانبه ويترك وسطه، وأن يحلق مقدمه ويترك مؤخره فهذا كله من القزع.
стр. 44
(وعن أبي هريرة مرفوعًا "أن اليهود والنصارى لا يصبغون) يعني الشيب (فخالفوهم) وهذا أيضًا متفق عليه والعلة في شرعية الصباغ وتغيير الشيب هي مخالفة أهل الكتاب فيتأكد استحبابه لذلك.
وقد كان – ﷺ يبالغ في مخالفة أهل الكتاب ويأمر بها ومن فوائده تنظيف الشعر وهذه السنة قد اشتغل السلف بها وبه قال جماعة من العلماء وفي صحيح مسلم اختضب أبو بكر بالحناء والكتم (١)، واختضب عمر بالحناء بحتًا، ولهما عن أنس بالحناء والكتم. وعن ابن عمر وأبي رمثة أنه اختضب – ﷺ وللترمذي وصححه عن أبي ذر أن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم.
(ولمسلم عن جابر في شعر أبي قحافة) والد أبي بكر الصديق وكان جيء به إلى النبي – ﷺ وكأن رأسه ثغامة (قال غيروه بشيء وجنبوه السواد) ولأحمد عن أنس لحيته ورأسه كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله – ﷺ غيروهما وجنبوهما السواد. فدلت هذه الأحاديث على مشروعية تغيير الشيب وعلى تحريم الخضاب بالسواد. وعن ابن عباس قال قال رسول
стр. 45
الله ﷺ يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يرحون رائحة الجنة رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم والحافظ.
وللطبراني عنه "من مثل بالشعر ليس له عند الله خلاق" قال الزمخشري صيره مثلة بأن نتفه أو حلقه من الخدود أو غيره بسواد قال النووي والصحيح بل الصواب أنه حرام وذكر ابن القيم أن الذي نهى عنه النبي ﷺ من تغيير بغير الشيب نتفه وتغييره بالسواد والذي أذن فيه هو صبغه وتغييره السواد كالحنا والصفرة وهو الذي عمله الصحابة ومن رخص فيه ففي ثبوته عنهم نظر. ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله ﷺ وسنته أحق بالاتباع. ولو خالفها من خالفها.
باب فروض الوضوء وصفته
الفروض جمع فرض والفرض في الأصل الحز والقطع أو التقدير. لأن الفروض مقدرات. وفي الشرع ما أثيب فاعله وعوقب تاركه. والوضوء بالضم فعل المتوضئ. وهو إمرار الماء على الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة من الوضاءة وهي النظافة سمي بذلك لأنه ينظف المتوضيء ويحسنه وصفة الوضوء كيفيته مصدر وصفه يصفه وصفًا وصفة: نعته بما فيه لما ذكر الماء الذي تحصل به الطهارة وأردفه بالاستنجاء أتبعه بالوضوء لأن مشروعية الاستنجاء قبله لا نزاع فيها وإنما قدم السواك على
стр. 46
الوضوء. للإتيان به في أوله عند المضمضة ثم أعقب ذلك بسائر مقاصد الطهارة.
والوضوء من أعظم شرائط الصلاة والدليل على وجوبه وشرطيته الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فالآية المذكورة.
وأما السنة فمنها ما في الصحيحين "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ولمسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور". وغيرهما وأما الإجماع، فقال ابن رشد لم ينقل في ذلك خلاف. واتفق المسلمون على شرطيته. وورد في فضله أحاديث كثيرة منها قوله "لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" وقوله: "من توضأ كما أمره الله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
(قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ قال ابن مسعود إذا سمعت الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فاصغ سمعك لجوابها فهو إما خير تؤمر به أو شر تنهى عنه ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ يعني وأنتم على غير طهر ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ بالماء والغسل في الأصل من غسل الشيء سال وغسله يغسله غسلاً طهره بالماء وأزال الوسخ ونحوه عنه بإجراء الماء عليه وقدم الوجوه جمع وجه وهو في الأصل من المواجهة فشرع غسله الذي نظافته ووضاءته عنوان على نظافة القلب. وشرع بعده غسل اليدين لأنهما أحق الأعضاء بالنظافة والنزاهة بعده فقال: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ جمع مرفق موصل الذراع في العضد.
والأيدي جمع يد وإلى تستعمل بمعنى مع كقوله ﴿ولا تأكلوا
стр. 47
أموالهم إلى أموالكم﴾ أي مع أموالكم. وفعله ﵊ يبينه. وعن جابر: "أدار الماء على مرفقيه" رواه الدارقطني. ولمسلم "غسل يده حتى أشرع في العضد". وذكروا أن المغيا لا يدخل في الغاية إلا في ثلاث.
غسل اليدين إلى المرفقين. والرجلين إلى الكعبين. والتكبير المقيد ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ الباء للإلصاق أي إلصاق الفعل بالمفعول فكأنه قال الصقوا المسح برؤوسكم يعني بالماء فشرع الله سبحانه مسح جميع الرأس وأقامه مقام الغسل تخفيفًا.
﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ أي مع الكعبين فإلى بمعنى مع كما تقدم. والأحاديث في صفة الوضوء. ولمسلم حتى أشرع في الساق. والكعبان هما العظمان الناتئان من جانبي القدم. وهما مجمع مفصل الساق والقدم. قال النووي. وهذا بإجماع الناس خلافًا للشيعة. وأرجل بالنصب أعاد الأمر إلى الغسل. وعلى القراءة بالخفض لا يخالف ما تواتر عن النبي – ﷺ من غسل الرجلين.
قال شيخ الإسلام فإن المسح جنس تحته نوعان. الإسالة وغير الإسالة كما تقول العرب تمسحت للصلاة. فما كان بالإسالة فهو غسل. وعن عمرو "ثم غسل رجليه" كما أمره الله وتواتر عنه – ﷺ أنه قال ويل للأعقاب من النار قال الشيخ والله أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين. وهذا هو الغسل وذكر المسح على الرجلين تنبيهًا على قلة الصب على الرجل فإن السرف يعتاد فيها كثيرًا اهـ.
стр. 48
وهذه الأعضاء هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يريد فعله. وبها يعصى الله ويتقى. وهي أسرع ما يتحرك من البدن للمخالفة. ورتب غسلها على ترتيب سرعة حركتها في المخالفة. أو لشرفها. وتنبيهًا بغسل ظاهرها على تطهير باطنها. وأخبر – ﷺ أنه كلما غسل عضوًا منها حط عنه كل خطيئة أصابها بذلك العضو. وفي آخر الآية ﴿ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾. وهل هذه الآية مؤسسة للحكم أو مقررة للحكم الثابت. روى ابن ماجه من طريق رشدين أن جبرائيل علم النبي – ﷺ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي. وقال ابن المنذر معلوم عند جميع أهل السير أنه لم يصل قط إلا بوضوء.
ولأحمد قال "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي".
وقال شيخ الإسلام الوضوء من خصائص هذه الأمة. كما جاءت به الأحاديث الصحيحة "أنهم يبعثون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء" وأنه يعرفهم بهذه السيماء. فدل على أنه لا يشاركهم فيها غيرهم. وما رواه ابن ماجه لا يحتج به وليس له عند أهل الكتاب خبر عن أحد من الأنبياء أنه يتوضأ وضوء المسلمين.
(وعن عمر بن الخطاب) بن نفيل بن عبد العزى العدوي أمير المؤمنين الخليفة الثاني أفضل الصحابة بعد الصديق
–﵄ ولي بعده عشر سنين ونصفًا وفتحت في أيامه ممالك كسرى وقيصر، أستشهد في ذي الحجة سنة ثلاث
стр. 49
وعشرين (قال سمعت رسول الله – ﷺ يقول "إنما الأعمال بالنيات) أي إنما المنوي بحسب ما نواه العامل ونوى الشيء ينويه نواء ونية قصده وعزم عليه. والألف واللام للاستغراق وأكده بقوله (وإنما لكل امرئ ما نوى متفق عليه) وعن علي لا عمل لمن لا نية له.
فالنية سر العبودية وروحها. قال الله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾، ومعلوم أن إخلاص النية للمعبود أصل النية. والعمل الذي لم ينو ليس بعبادة. ولا مأمورًا به فلا يكون فاعله متقربًا إلى الله. وهذا لا يقبل نزاعًا وكيف يؤدي وظائف العبودية من لم يخطر بباله التمييز بين العبادات والعادات. ولا بين مراتب تلك الوظائف هذا أمر ممتنع عادة وعقلاً وشرعًا كما قاله الشيخ وغيره فلا يصح الوضوء ولو مستحبًا إلا بالنية. وكذا سائر العبادات. وفي حديث عثمان. أن الوضوء طاعة من الطاعات وعمل من الأعمال أي فلا بد فيه من النية.
(وعن أبي هريرة قال قال رسول الله – ﷺ "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" رواه أحمد وغيره) فرواه أبو داود وابن ماجه والترمذي عن سعيد بن زيد (بسند ضعيف) وله شواهد لا تخلو من مقال. قال الحافظ مجموعها يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً وقال ابن أبي شيبة ثبت لنا أن النبي ﷺ قاله. وقال بعض أهل العلم. لا وضوء حقيقة في نفسه، فهو نص فيها أنها
стр. 50
ركن أو شرط. ولو صلحت للاحتجاج لم يصح وضوء تاركها عمدًا. بخلاف الساهي فإن وضوءه صحيح وعن أحمد سنة وفاقًا، وقال أرجو أن يجزئه الوضوء لأنه ليس في التسمية حديث أحكم به. قال ابن سيد الناس. روي في بعض الروايات لا وضوء كاملاً. وإن صح فيحمل على تأكد الاستحباب ونفي الكمال بدونها. قال شيخ الإسلام ولا تشترط في الأصح. والمراد من ذكره هنا أن التسمية مشروعة في الوضوء ولا نزاع في ذلك.
(وعنه أن رسول الله – ﷺ قال إذا استيقظ أحدكم من نومه) أي انتبه منه (فلا يغمس يده في الإناء) أخرج البرك والحياض. قال شيخ الإسلام أي الإناء الذي للماء المعتاد لإدخال اليد وهو الصغير (حتى يغسلها ثلاثًا) فدل الحديث على المنع من إدخال اليد إلى إناء الوضوء عند الاستيقاظ حتى يغسلها ثلاثًا ويتأكد من نوم الليل لقوله (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده متفق عليه). وقال النووي وغيره ليس مخصوصًا بالقيام من النوم. بل المعتبر الشك في نجاسة اليد فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها سواء كان قام من نوم ليل أو نهار أو شك.
(ولهما عن عثمان) بن عفان الأموي القرشي ثالث الخلفاء الراشدين هاجر إلى الحبشة مرتين وتزوج ابنتي رسول
الله ﷺ استخلف سنة أربع وعشرين واستشهد سنة خمس
وثلاثين وله اثنتان وثمانون (أنه دعا بوضوء) أي بماء يتوضأ به
стр. 51
(فغسل كفيه ثلاث مرات) وهو سنة باتفاق أهل العلم (ثم تمضمض) أي حرك الماء في فمه ثم إن شاء مجه (واستنشق) أي أوصل الماء إلى أنفه ثم جذبه بريح الأنف إلى داخله ليزول ما فيه (واستنثر) أي طرح الماء من أنفه بنفسه بعد الاستنشاق مع وضع إصبع يساره على أنفه. يمضمض ثلاثًا ويستنشق ويستنثر ثلاثًا. يجمع بينهما بثلاث غرفات كما في حديث علي، "تمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات" متفق عليه.
ولهما من حديث عبد الله بن زيد "توضأ فمضمض واستنشق ثلاثًا بكف واحد" يأخذ غرفة فيجعل بعضها في فمه وبعضها في أنفه ثم ثانية وثالثة هكذا كل ذلك من كف واحد.
وفيها دليل على وجوب المضمضة والاستنشاق والبداءة بهما، وكل من وصف وضوءه – ﷺ لم ينقل أنه ترك المضمضة والاستنشاق وهما في حكم الظاهر. وفي الصحيحين "من توضأ فليستنشق" وقال "استنشقوا مرتين بالغتين أو ثلاثًا" وللترمذي وصححه "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" قال أحمد وأنا أذهب إليه لأمر النبي – ﷺ وعنه سنة وفاقًا لمالك والشافعي.
وحكى ابن المنذر أنه لا خلاف في أن تاركهما لا يعيد.
(ثم غسل وجهه ثلاث مرات) ولا نزاع في أن الثلاث سنة وإن المرة واجبة (ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث
مرات) وفيه بيان لما أجمل في الآية من قوله ﴿وأيديكم
إلى المرافق﴾ (ثم اليسرى مثل ذلك) أي ثم غسل يده اليسرى
стр. 52
مثل غسل اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات. وللطبراني عنه "غسل يديه إلى المرفقين حتى مسح أطراف العضدين". وللبزار من حديث وائل "حتى جاوز المرافق" ولمسلم والطبراني، وغيرهما نحوه. وخبر حتى أشرع في العضدين وحتى أشرع في الساقين إنما يدل ونحوه على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء.
وفي الحديث مشروعية تقديم اليمين على الشمال. ولهما عن عائشة مرفوعًا "كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله" وللخمسة عن أبي هريرة "إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم" وأجمعوا على سنيته فمن تركه تم وضوءه وفاته الفضل. قال الموفق وغيره لا نعلم في عدم وجوبه خلافًا (ثم مسح برأسه) وهذا موافق للآية للإتيان بالباء للإلصاق قال شيخ الإسلام اتفق الأئمة على أن السنة مسح جميع الرأس كله كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة. والذين نقلوا وضوءه – ﷺ لم ينقل أحد منهم أنه اقتصر على مسح بعضه. وقياس مسح الرأس على مسح الوجه واليدين في التيمم في وجوب الاستيعاب والفعل. والباء والأمر في الموضعين سواء. ومسحه مرة يكفي بالاتفاق. ولا يستحب ثلاثًا.
وقال ابن القيم الصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس هكذا جاء عنه صريحًا. ولم يصح عنه خلافه ألبتة. وقال أبو داود أحاديث
عثمان الصحاح تدل على أن مسح الرأس مرة وقال غير واحد
стр. 53
أجمع الناس قبل الشافعي على عدم التكرار. وحكي عنه مرة واختاره البغوي والبيهقي وغيرهما (ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات ثم اليسرى مثل ذلك) أي إلى الكعبين ثلاث مرات.
(ثم قال) يعني عثمان –﵁ (رأيت رسول الله – ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا) أي توضأ وضوءًا مثل وضوئي هذا ثم قال. "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" وروى صفة وضوئه – ﷺ على نحو من هذه الصفة جماعة من الصحابة ﵃. وغسل هذه الأعضاء فرض بإجماع المسلمين.
وحكى النووي وغيره الإجماع على أن الواجب غسل الأعضاء مرة مرة. وعلى أن الثنتين والثلاث سنة. وفي الصحيح وغيره عن ابن عباس ﵁ "توضأ مرة مرة، وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وعن عبد الله بن زيد مرتين مرتين وعن غير واحد نحوه وبعض الأعضاء ثلاثًا وبعضها بخلاف ذلك.
(وعن عبد الله بن زيد) بن عاصم الأنصاري المازني النجاري قاتل مسيلمة هو ووحشي استشهد سنة ثلاث وستين، في صفة وضوء رسول الله ﷺ قال (ومسح ﷺ رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة)، وفسر الإقبال باليدين والإدبار بهما وكونه مرة واحدة بقوله (بدأ بمقدم رأسه) أي: وضع كفيه وأصابعه عند جبهته وأمرهما على رأسه (حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما
стр. 54
إلى المكان الذي بدأ منه متفق عليه).
فإن الفاء في "أقبل" والواو في "أدبر" لا يقتضيان الترتيب، فالتقدير أدبر وأقبل كما في صحيح البخاري "فأدبر به، وأقبل" لأن ذهابه إلى جهة القفاء إدبار ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال.
وقد يحمل الاختلاف في الروايات على تعدد الحالات. ولأبي داود عن المقدام "وضع كفيه على مقدم رأسه فأمرهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه". وله من حديث علي في صفة الوضوء "ومسح برأسه واحدة"، وقال الترمذي وقد روي من غير وجه عن النبي – ﷺ أنه مسح برأسه مرة واحدة. والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.
(ولمسلم عنه) أي عن عبد الله بن زيد في صفة وضوئه ﷺ قال (ومسح رأسه بماء غير فضل يديه) فأخذ ماء جديد للرأس لا بد منه. وهو مقتضى الأحاديث بل دل على أن كل عضو يجدد له ماء. ولا يغسل بفضل العضو قبله. ولقوله في حديث عبد الله بن زيد "ثم أدخل يده أي في الإناء فاستخرجها".
(ولأبي داود عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل السهمي القرشي أسلم قبل أبيه وكان أبوه أكبر منه بثلاث عشرة سنة توفي سنة ثلاث وأربعين. في صفة وضوء النبي – ﷺ وهو كالأحاديث السابقة في وصفه قال (ثم مسح برأسه وأدخل
стр. 55
إصبعيه السباحتين) أي مسبحة اليد اليمنى واليسرى وسميت سباحة لأنه يشار بها عند التسبيح (في أذنيه) يعني: في صماخي أذنيه (ومسح بإبهاميه) تثنية إبهام. أي مسح بإبهامي يديه (ظاهر اذنيه) اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، "وبالسباحتين باطنهما".
وللترمذي وصححه عن ابن عباس ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما. فدل الحديثان على شرعية مسح الظاهر بالإبهامين والباطن بالسباحتين قال ابن القيم ولم يثبت أنه أخذ لهما ماء جديدًا. وقال الحافظ المحفوظ أنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه والأذنان من الرأس في غير ما حديث. واختار شيخ الإسلام وغيره أنهما يمسحان بمائه وهو مذهب الجمهور.
(وعن جابر في صفة الحج) أي حج النبي – ﷺ وهو حديث طويل جليل من حين خروجه من المدينة إلى أن قضى حجه – ﷺ . ويأتي إن شاء الله تعالى ومنه قال (ابدءوا بما بدأ الله به" رواه النسائي) هكذا (بلفظ الأمر وهو عند مسلم بلفظ الخبر) أي: بلفظ نبدأ أو أبدأ وذلك لما دنا من الصفا.
فأفاد الحديث أن الذي بدأ الله به ذكرًا نبتدئ به فعلاً فإن كلامه تعالى وتقدس كلام حكيم لا يبدأ ذكرًا إلا بما يستحق البداءة به فعلاً فإنه مقتضى البلاغة وهو وإن كان في الصفا والمروة فهو دليل على البداءة في الوضوء بما بدأ الله به. والعرب
стр. 56
تبدأ بالأهم فالأهم، فإن آية الوضوء داخلة تحت الأمر بقوله (ابدؤا بما بدأ الله به). وترتيبه الأعضاء الأربعة وإدخاله الممسوح بين المغسولات، وهي جنس واحد دال على الترتيب.
والآية سيقت لبيان الواجب.
والنبي – ﷺ رتب الوضوء كذلك. وقال "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" فيجب غسل الوجه ثم ما بعده على الترتيب. قال شيخ الإسلام ولم يتوضأ – ﷺ قط إلا مرتبًا. ولا مرة واحدة في عمره. كما لم يصل إلا مرتبًا. وهو قول جماهير العلماء. وما روي عن الحنفية مستدلين بحديث ابن عباس أنه "مسح رأسه بفضل وضوئه" لا يعرف له طريق صحيح يتم الاستدلال به.
(وله) أي لمسلم (من حديث عمر في رجل) توضأ و (ترك موضع ظفر على قدمه) فابصره النبي – ﷺ فـ (قال إرجع فأحسن وضوءك) ولأحمد وأبي داود عن أنس نحوه. وعن بعض أزواج النبي – ﷺ أنه "رأى رجلاً يصلي، وفي بعض قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة".
فهذا الخبر يدل على الوجوب. والنبي – ﷺ لم يتوضأ إلا متواليًا ومن معنى الآية أن يتوضأ متواليًا وهو مذهب مالك.
ورواية عن أحمد لكن في سند الحديث مقال. وما رواه مسلم لا يدل على وجوب الإعادة لأنه لم يأمر فيه بسوى الإحسان. فلا
стр. 57
يدل على وجوب الموالاة وهو مذهب أبي حنيفة. قال شيخ الإسلام وهو أشبه بأصول الشريعة. ونصوص أحمد. وقال لو فرق لعذر لم يضره وقال النووي وغيره التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر بإجماع المسلمين. ودل الحديث على أن من ترك جزءًا يسيرًا مما يجب تطهيره لا تصح طهارته، وهذا متفق عليه. وكذا التيمم عند الجمهور وإن تركه جاهلاً.
(وعن عثمان أنه – ﷺ كان يخلل لحيته في الوضوء) رواه الخمسة ولأبي داود عن أنس نحوه. وتخليل اللحية تفريقها وإسالة الماء بينها وأصله من إدخال الشيء في خلال الشيء فيأخذ كفًا من ماء يضعه من تحتها بأصابعه مشتبكة أو من جانبيها ويعركها. قال ابن القيم، وكان – ﷺ يخلل لحيته ولم يكن يواظب على ذلك.
(وعن لقيط) بن عامر بن صبرة صحابي مشهور وهو أبو رزين العقيلي (مرفوعًا) إلى النبي – ﷺ قال (أسبغ الوضوء) والإسباغ الإتمام والإنقاء واستكمال الأعضاء أي عمم الأعضاء واستوعبها ولا تترك شيئًا من فرائض الوضوء وسننه. ولأحمد وغيره إسباغ الوضوء شطر الإيمان (وخلل بين الأصابع) رواه الخمسة و (صححهما الترمذي) ولهما شواهد منها ما في السنن من حديث ابن عباس "إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك" حسنه البخاري.
ولا خلاف في سنيته، وهو في الرجلين آكد لأنها ألصق من
стр. 58
اليدين. وفي السنن أنه – ﷺ إذا توضأ دلك أصابع رجليه. قال ابن القيم وكان – ﷺ يخلل الأصابع. ولم يكن يواظب على ذلك إنما يفعله أحيانًا. ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه.
(وعن عمر عن النبي – ﷺ قال ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء) أي: يبلغه ويكمله فيوصله مواضعه على الوجه المسنون (ثم يقول) يعني بعد إتمام الوضوء وقيل يستحب متوجهًا إلى القبلة. ولأحمد وأبي داود "ثم يرفع نظره إلى السماء" فيقول (أشهد أن لا إله إلا الله) أي أقطع وأجزم أن لا معبود بحق إلا الله (وحده لا شريك له) تأكيدان للإثبات والنفي (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) أي وأقطع أن محمدًا عبد ورسوله. قدم عبده لأنه أحب الأسماء وأشرفها لديه تعالى. قال وسميتك عبدي المتوكل – ﷺ (إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" رواه أحمد ومسلم) وأبو داود. والنسائي. وابن ماجه.
وزاد الترمذي "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" جمع بينهما إلمامًا بقوله (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) ولما كانت التوبة طهارة الباطن من أدران الذنوب والوضوء طهارة الظاهر عن الأحداث المانعة عن التقرب إلى الله تعالى ناسب الجمع بينهما غاية المناسبة. وهذه الزيادة رواها البزار والطبراني وغيرهما.
стр. 59
باب المسح على الخفين
أي باب أدلة مشروعية المسح على الخفين وغيرهما من الحوائل. والمسح لغة إمرار اليد على الشيء. وشرعًا إصابة البلة لخف مخصوص في زمن مخصوص والخفين تثنية خف واحد الخفاف التي تلبس على الرجل سمي به لخفته وهو شرعًا الساتر للكعبين من جلود ونحوها أعقب الوضوء به لأنه بدل عن غسل ما تحته. وهو رخصة .. وهي ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح. وهو أحاديث المسح.
قال أحمد ليس في قلبي من المسح شيء. فيه أربعون حديثًا عن النبي – ﷺ وقال الحسن حدثني سبعون من أصحاب النبي – ﷺ أنه مسح على الخفين. وقال ابن المبارك ليس في المسح على الخفين بين الصحابة اختلاف. وصرح جمع من الحفاظ بأنه ثبت بالتواتر. واتفق عليه أهل السنة والجماعة. قال شيخ الإسلام السنة مبينة لآية المائدة. وحمل قراءة الخفض عليه.
(عن جرير بن عبد الله) البجلي الصحابي الجليل. روي أنه –﵊ قال من أهل البيت توفي سنة إحدى وخمسين (قال رأيت رسول الله – ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه) قال إبراهيم فكان يعجبهم هذا الحديث لأن
إسلام جرير كان بعد نزول المائدة (متفق عليه) زاد أبو داود.
ما أسلمت إلا بعد المائدة. وهذا الحديث نص واضح في جواز
стр. 60
المسح على الخفين قال بعض أهل العلم المراد به الخف الكامل يعني غير ممزق.
وقال شيخ الإسلام. أجاز المسح على الخفين مطلقًا.
والتحديد لا بد له من دليل. فدخل المفتوق. والمخرق وغيرهما بل علق المسح بمسمى الخف من غير تحديد. فمن فرق بين خف وخف فقد فرق فرقًا لا أصل له.
(ولهما عن المغيرة بن شعبة "توضأ) أي أخذ رسول الله ﷺ في الوضوء (فأهويت) أي مددت يدي أو قصدت الهوي من قيام (لأنزع خفيه) لعله ظن أنه لم يحصل شرط المسح (فقال دعهما) أي الخفين (فإني أدخلتهما طاهرتين) حال من الخفين. أي أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان.
وهذا يدل على اشتراط الطهارة في اللبس لتعليله عدم النزع بإدخالهما طاهرتين.
وهو مقتض أن إدخالهما غير طاهرتين يقتضي النزع. وهو مذهب الجمهور. ويأتي حديث صفوان "إذا نحن أدخلناهما على طهر". قال النووي إن لبس محدثًا لم يجزئه المسح إجماعًا. بل إن لبس على طهارة. فإذا أحدث حدثًا أصغر جاز له بعد ذلك المسح عليهما. قال المغيرة (فمسح عليهما) يعني على الخفين.
وذكر البزار. أنه روي عن المغيرة من ستين طريقًا. وفيه الدلالة الواضحة على جواز المسح على الخفين إذا توضأ وضوءًا كاملاً ثم أدخلهما. قال الشيخ فله المسح عليهما بلا نزاع.
стр. 61
(وعنه) أنه – ﷺ (توضأ ومسح على الجوربين) وأحدهما جورب والجمع جوارب أعجمي معرب يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير جلد (والنعلين) أي الملبوسين فوق الجوربين. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. و (صححه الترمذي) وتكلم فيه بعضهم وله شواهد. وقال ابن المنذر يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي – ﷺ ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة. ولأنهما في معنى الخف لأنه ساتر لمحل الفرض. وإذا كانا منعلين فلا نزاع في جوازه. أما النعلان والخفان المقطوعان وكلما يلبس تحت الكعب من مداس وجمجم وغيرهما فلا يجوز المسح عليهما. قال شيخ الإسلام باتفاق المسلمين.
(وعن عمرو بن أمية) بن خويلد الضمري صحابي مشهور له أحاديث وشجاعة مات قبل الستين قال (رأيته) يعني رسول الله – ﷺ (يمسح على عمامته وخفيه) رواه البخاري) والعمامة ما يلف على الرأس جمعها عمائم سواء كانت محنكة أو ذات ذوآبة ولمسلم عن المغيرة "ومسح بناصيته وعلى العمامة والخفين". وللترمذي وصححه عنه ومسح على الخفين والعمامة.
والمسح على العمامة أخرجه غير واحد من طرق قوية متصلة الأسانيد. وقال عمر من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله. وهو قول أبي بكر وغيره من الصحابة. ولم يعرف لهم
стр. 62
مخالف ولفظ مسلم "بناصيته وعلى العمامة" لا يوجب الجمع بينهما. لأنه لو وجب لما اكتفى بالعمامة عن الباقي.
(ولأحمد عن بلال) بن رباح الحبشي المؤذن اشتراه أبو بكر لما عذبه المشركون وأعتقه فلزم النبي – ﷺ وأذن له وشهد المشاهد كلها مات بالشام سنة العشرين (رأيته) يعني رسول الله – ﷺ (يمسح على الموقين) تثنية موق فارسي معرب من موزة وهو الجرموق. وهما ضرب من الخفاف قاله ابن سيدة وغيره.
وأخرج المسح عليهما أبو داود وغيره وجواز المسح عليهما مذهب جمهور العلماء. وقال أبو حامد قول كافة العلماء ومن تدبر ألفاظ الشريعة وأعطى القياس حقه علم أن الرخصة في هذا الباب واسعة. وإن ذلك من محاسن الشريعة. ومن الحنيفية السمحة (والخمار) وفي رواية عنه "امسحوا على الخفين والخمار" متفق عليه. والخمار جمعه خمر. وكل ما ستر شيئًا فهو خماره. والخمار العمامة لأنها تخمر الرأس أي تغطيه.
والخمار النصيف. وفي رواية لسعيد بن منصور عنه "على النصيف" والنصيف هو الخمار. وما تغطي به المرأة رأسها ولمشقة نزعه كالعمامة فقد يعطي حكمها. وذكر ابن المنذر أن أم سلمة كانت تمسح على خمارها. قال شيخ الإسلام في خمر النساء من الرخصة التي تشبه أصول الشريعة. وتوافق الآثار الثابتة عن رسول الله – ﷺ فإن خافت من البرد ونحوه مسحت على خمارها فإن أم سلمة كانت تمسح على خمارها. وينبغي أن
стр. 63
تمسح مع هذا بعض شعرها. وأما إذا لم يكن بها حاجة إلى ذلك ففيه نزاع بين العلماء.
(ولأبي داود عن جابر مرفوعًا) في قصة صاحب الشجة (قال ويعصب) من عصب الشيء لواه وشده (على جرحه خرقة) أي يشد على الشق على بعض جسده خرقة. وهي القطعة من الثوب (ثم يمسح عليها) أي على العصابة. ولابن ماجه عن علي قال انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله – ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر". ومسح ابن عمر على العصابة وأجمع الأئمة عليه إلا في أحد قولي الشافعي. وقال البيهقي هو قول الفقهاء من التابعين ومن بعدهم.
قال شيخ الإسلام مسح الجبيرة يقوم مقام غسل العضو لأن مسحه على حائل فأجزأ من غير تيمم كمسح الخف بل أولى. والحاصل أنه إن قدر على غسل الجرح من غير ضرر وجب. وإن خاف ضررًا مسح على الجرح مباشرة. فإن خاف ضررًا من وصول البلل إليه من المسح، فإنه يجعل عليه جبيرة. ثم يمسح على الجبيرة مسحة واحدة.
(وعن علي) بن أبي طالب –﵁ هو ابن عم رسول الله – ﷺ وزوج ابنته فاطمة –﵂ وأول من أسلم من الصبيان والخليفة الرابع ومناقبه مشهورة استشهد سنة أربعين (قال: قال رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر
стр. 64
ويوم وليلة للمقيم) يعني في المسح على الخفين (رواه مسلم) وأصحاب السنن وغيرهم وللترمذي وغيره ونحوه وصححه وابتداء المدة من الحدث بعد اللبس على الصحيح لأنه الموجب للوضوء.
وعن صفوان بن عسال قال "أمرنا رسول الله – ﷺ أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناها على طهر ثلاثًا إذا سافرنا. ويومًا وليلة إذا أقمنا. ولا نخلعهما من غائط ولا بول. ولا نخلعهما إلا من جنابة" رواه أحمد وغيره وصححه الترمذي وغيره. وقال البخاري هو أحسن حديث في هذا الباب. وقال الترمذي هو قول العلماء من أصحاب النبي – ﷺ والتابعين، ومن بعدهم من الفقهاء. وقال أحمد هو من أجود حديث في المسح لأنه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها النبي – ﷺ .
وله عن عوف بن مالك أن رسول الله ﷺ "أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام للمسافر ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة" وقال الطحاوي ليس لأحد أن يترك الآثار المتواترة في التوقيت إلى مثل حديث ابن عمارة. وفي حديث صفوان زيادة اختصاص الوضوء دون الغسل، وهو إجماع. وفيه دلالة على الندبية وليس بواجب إجماعًا وقال ابن المنذر وغيره المسح أفضل لهذا الخبر وغيره. ولأجل من طعن في المسح من أهل البدع والخوارج والروافض. وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه وقال شيخ الإسلام وغيره الأفضل في حق كل أحد ما هو الموافق لحال قدمه. فالأفضل للابس الخف أن يمسح
стр. 65
عليه ولا ينزع خفيه اقتداء بالنبي – ﷺ وأصحابه. والأفضل لمن قدماه مكشوفتان غسلهما ولا يتحرى لبس الخف ليمسح وهذا أعدل الأقوال.
(وعنه لو كان الدين بالرأي (١) أي لو كان بمجرد استحسان العقل من غير نظر إلى الاتباع والاقتداء (لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه) أي لكان ما تحته أحق بالمسح من الذي هو أعلاه لأنه الذي يباشر المشي ويقع على ما ينبغي إزالته ولكن الأصل في العبادات التشريع (وقد رأيت رسول الله – ﷺ يمسح على ظاهر خفيه رواه أبو داود) ورواه أحمد وغيره. وقال الحافظ إسناده صحيح. وعن المغيرة مرفوعًا "رأيته يمسح على ظهور الخفين" صححه الترمذي وغيره. وقال البخاري هو أصح من حديث رجاء بن حيوة أنه مسح أعلى الخف وأسفله فإنه ليس بصحيح. وكذا قال أبو زرعة. وكان أحمد يضعفه.
وقال ابن القيم لم يصح عنه – ﷺ مسح أسفلهما وإنما جاء في حديث منقطع. والأحاديث الصحيحة على خلافه. وقال الوزير أجمعوا على أن المسح يختص بما حاذى ظاهر الخف.
ويسن أن يمسح بأصابع يديه على ظهور قدميه اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى ويفرج أصابعه. وكيف ما مسح أجزأ
стр. 66
إذ لم يرد في كيفية المسح ولا الكمية حديث يعتمد عليه. فحيث فعل ما يسمى مسحًا على الخف لغة أجزأ. وأجمعوا على أن المسح عليه مرة واحدة مجزئ وأنه لا يسن تكراره.
باب نواقض الوضوء
النواقض جمع ناقض. والنقض في الأصل حل المبرم، فالنقض في الأجسام إبطال تركيبها، وفي المعاني إخراجها عن إفادة ما هو المطلوب منها. كنقض الوضوء بما عينه الشارع مبطلاً. ونواقض الوضوء هي العلل المؤثرة في إخراج الوضوء عما هو المطلوب منه.
(قال تعالى: أو جاء أحد منكم من الغائط) عبر به عن حاجة الإنسان. ولا نزاع في أنه يجب منه الوضوء. قال ابن القيم وألحقت الأمة أنواع الحدث الأصغر على اختلافها في نقضها على الغائط.
(وعن صفوان بن عسال) المرادي صحابي مشهور سكن الكوفة روى عنه أكثر من ثلاثين نفسًا وتوفي سنة ثمانين (في) توقيت (المسح) على الخفين وتقدم قال (ولكن) أي لا ننزع خفافنا (من غائط وبول ونوم) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والشافعي وغيرهم و (صححه الترمذي) وابن خزيمة فالغائط.
стр. 67
ناقض للوضوء بالكتاب والسنة والإجماع. وأما البول فناقض أيضًا. وتقدم عن جرير أنه – ﷺ بال فتوضأ فهو ناقض بالسنة المستفيضة والإجماع وللقياس على الغائط، وأما النوم الناقض على ما صرح به أهل التحقيق، فهو المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك. ويأتي تمام الكلام فيه.
(وعن علي في المذي) ولفظه قال كنت رجلاً مذاء فأمرت المقداد أن يسأل رسول الله – ﷺ فـ (قال "فيه الوضوء" متفق عليه)، وهو دليل على أن المذي ينقض الوضوء. وهو إجماع. وفي رواية "يغسل ذكره ويتوضأ" والحكمة فيه إذا غسله تقلص فبطل خروج المذي وخروج المني والودي ينقض من باب أولى.
ويأتي أمره ﵊ فاطمة بنت أبي حبيش بالوضوء عند كل صلاة وكانت تستحاض فلا تطهر. وكذا أم حبيبة وهو دليل إلى أن دم الاستحاضة حدث من جملة الأحداث ناقض للوضوء. وهو قول عامة أهل العلم.
(وعن أبي هريرة قال قال رسول الله – ﷺ "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث) أي من السبيلين وتفسير أبي هريرة بقوله فساء أو ضراط تنبيه بالأخف على الأغلظ. والنقض بالريح معلوم بالسنة المستفيضة والإجماع. والمراد نفي قبول وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة (حتى يتوضأ) وهو معنى الصحة لترتيب الآثار عليه (متفق عليه) وفيهما "فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا".
стр. 68
(وعن علي مرفوعًا "العين) يعني جنس العين (وكاء السه) أي الدبر. والوكاء ما يربط به الخريطة ونحوها. كنى بالعين عن اليقظة لأن النائم لا عين له تبصر. أي اليقظة وكاء الدبر حافظة ما فيه عن الخروج لأنه ما دام مستيقظًا يحس بما يخرج منه فيمسك ما في بطنه ما لم تنم عيناه ومتى نام زالت قوته الماسكة (فمن نام فليتوضأ" رواه الثلاثة) وفيه ضعف.
وحسنه المنذري وغيره. ولأبي داود من حديث معاوية "فإذا نامت العينان استطلق الوكاء" أي انحل وفيه ضعف أيضًا.
وفيهما مع ما تقدم دليل على النقض بالنوم لكونه مظنة للحدث والمظنة أقيمت مقام الحقيقة كما أعطيت الوسائل والذرائع حكم الغايات.
(وعن أنس قال كان أصحاب رسول الله – ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم) من باب ضرب أي تميل من النوم (ثم يصلون ولا يتوضؤن" رواه أبو داود) وصححه الدارقطني (ولمسلم "ينامون) وللترمذي "يوقظون للصلاة" وفيه. وحتى إني لأسمع لأحدهم غطيطًا. فيقومون فيصلون ولا يتوضؤن" وللبخاري عن ابن عباس "حتى رقد الناس واستيقظوا". ولهما "نام القوم ثم استيقظوا" ويقيد نومهم بعدم الاستغراق لجلالة قدرهم. والجزم بأنهم لا يجهلون ما ينقض الوضوء.
وقال شيخ الإسلام إن ظن بقاء ظهره. وقال النوم اليسير
стр. 69
من المتمكن بمقعدته لا ينقض الوضوء عند جماهير العلماء الأئمة الأربعة وغيرهم لأن النوم ليس بحدث ولكنه مظنة للحدث.
وقال ابن رشد ومن ذهب مذهب الجمع حمل الأحاديث الموجبه للوضوء من النوم على الكثير. والمسقطة للوضوء على القليل وهو مذهب الجمهور وهو أولى وقال الوزير اجمعوا على أن نوم المضطجع والمستند والمتكيء ينقض الوضوء. وقال الزركشي لا بد في النوم الناقض من الغلبة على العقل. والأمر بالوضوء للنائم تنبيه على ما هو أوكد منه كالجنون. والإغماء. والسكر. والنقض بها إجماع أهل العلم.
(وعن أبي الدرداء) عويمر بن عامر الخزرجي الأنصاري مشهور بكنيته أحد الحكماء والعلماء مات سنة اثنتين وثلاثين (أن النبي ﷺ "قاء فتوضأ" رواه الترمذي) وأحمد وأبو داود وغيرهم قال ابن مندة بإسناد صحيح وفي سنده اختلاف قال البيهقي وغيره لا تقوم به حجة. وقد استدل به من قال إن القيء من نواقض الوضوء. وعن عائشة قالت قال رسول
الله ﷺ من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ رواه ابن ماجه. وضعفه أحمد وغيره وصوب الحفاظ إرساله. وذهبت الحنفية إلى النقض بالقيء. وذهب مالك والشافعي والجمهور من السلف إلى أن القيء لا ينقض. قال البغوي وهو قول أكثر الصحابة والتابعين وهو أحد القولين لأحمد لعدم ثبوت الدليل في النقض به. والأصل عدم النقض
стр. 70
فلا يخرج عنه إلا بدليل قوي.
قال شيخ الإسلام الظاهر أنه لا يجب الوضوء من خروج النجاسات من غير السبيلين. فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح. بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب لعموم البلوى بذلك. لكن استحباب الوضوء من القيء ونحوه متوجه ظاهر وأما الرعاف والدم الخارج فالمشهور عن أحمد ومذهب أبي حنيفة أنه ينقض إذا كان كثيرًا. قال الخطابي وهو قول أكثر الفقهاء. وأما اليسير فلا ينقض عند جماهير العلماء. لما روي عن ابن عمر أنه عصر بثرة فخرج دم فصلى ولم يتوضأ. وابن أبي أوفى عصر دملاً. وابن عباس قال اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك. قال الموفق وغيره. ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعًا.
(وعن أنس أنه – ﷺ "احتجم وصلى ولم يتوضأ" رواه الدارقطني ولينه) ففيه ابن مقاتل ضعيف وهو مقرر للأصل وهو عدم النقض ولمفهوم قوله "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" صححه الترمذي. قال شيخ الإسلام وغيره لم يثبت عن النبي ﷺ الوضوء من الدم الخارج. ومذهب مالك والشافعي وغيرهما أنه لا ينقض ولو كثر لكن يستحب الوضوء منه. وعن جابر في اللذين يحرسان في غزوة ذات الرقاع فرمي أحدهما بسهم فنزعه ثم بآخر ثم بالثالث وركع وسجد ودمه يجري رواه أبو داود وقال الحسن ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم.
стр. 71
(وعن بسرة بنت صفوان) بن نوفل القرشية الأسدية كانت من المبايعات (أن رسول الله – ﷺ قال من مس ذكره) أي لمسه بيده من غير حائل (فليتوضأ رواه الخمسة وصححه الترمذي) وابن معين وغيرهما وقال البخاري هو أصح شيء في هذا الباب. وعن أم حبيبة معناه صححه أحمد واحتج بقوله "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس بينهما سترة فليتوضأ" ولأن مس الذكر مذكر بالوطء. وهو في مظنة الانتشار غالبًا، فأقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة كما أقيم النوم مقام الحدث وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين. والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد.
(وعن طلق بن علي) اليمامي الحنفي السحيمي مشهور له صحبة ووفادة ورواية (قال رجل مسست ذكري أو قال الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء فقال النبي – ﷺ لا) أي لا وضوء عليه (إنما هو) يعني الذكر (بضعة) بفتح الموحدة أي قطعة لحم، فلا يبطل الوضوء بمسه كما لا يبطل بمس سائر الأعضاء (منك) كاليد والرجل ونحوهما وقد علم أنه لا وضوء من مس البضعة منه (رواه الخمسة وصححه ابن حبان).
بكسر الحاء الحافظ أبو حاتم محمد ابن حبان بن أحمد البستي صاحب المسند الصحيح وغيره توفي سنة أربع
وخمسين وثلاثمائة وقد ناهز الثمانين. وقال الحافظ بن المديني. وعمرو بن الفلاس هو أصح وأحسن من حديث بسرة. وقال
стр. 72
الطحاوي إسناده مستقيم غير مضطرب بخلاف حديث بسرة. وصححه أيضًا ابن خزيمة وغيره.
وقال الترمذي هو أحسن شيء روي في هذا الباب وهو دليل على ما هو الأصل من عدم نقض الوضوء من مس الذكر. وهو قول غير واحد من الصحابة والتابعين ومذهب أبي حنيفة. والرواية الثانية عن أحمد. وأما مالك –﵀ فقال يندب الوضوء منه. وقال شيخ الإسلام الأظهر أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح. بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب. لكن الاستحباب متوجه ظاهر.
وقال ابن القيم دليل الأمر دال على الاستحباب. ودليل الرخصة دال على عدم الوجوب فإن مس الذكر مذكر بالوطء وهو في مظنة الانتشار غالبًا. والانتشار الصادر عن المس في مظنة خروج المذي ولا يشعر به. فأقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة لخفائها وكثرة وجودها. كما أقيم النوم مقام الحدث ومسه يوجب انتشار حرارة الشهوة والوضوء يطفئها.
(وعن عائشة أن النبي – ﷺ قبل بعض نسائه) قال عروة من هي إلا أنت فضحكت (ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ رواه الخمسة) وضعفه البخاري وغيره. وصححه ابن عبد البر وجماعة. وله طرق يشد بعضها بعضًا. وللنسائي عنها حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله. وفي الصحيحين "إذا سجد غمزني
стр. 73
فقبضت رجلي" ولمسلم "وضعت يدي على باطن قدميه وهما منصوبتان" وغير ذلك مما يدل على أن اللمس غير موجب للنقض ويؤيده بقاء الأصل وقال الشيخ لا خلاف أنه لم ينقل عنه – ﷺ أنه توضأ من المس ولا أمر بذلك مع أن الناس لا يزال أحدهم يلمس امرأته بشهوة وبغير شهوة. ولم ينقل عنه مسلم أنه أمر بالوضوء من ذلك والقرآن لا يدل على ذلك. بل المراد بالملامسة الجماع وهو مقتضي أسلوب الآية وبه فسرها النبي – ﷺ وحبر الأمة.
وقال الأظهر أنه لا يجب الوضوء من مس النساء فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح. بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب. لكن الاستحباب متوجه ظاهر. فيستحب أن يتوضأ من مس النساء بشهوة. وعلله غير واحد بأنه مظنة لخروج المني والمذي فأقيم مقامه كالنوم. قال شيخنا ومنهم من توسط وقال إن كان بشهوة وإلا فلا. وبه تجتمع الأدلة.
تتمة:
أورد بعض المصنفين هنا حديث من غسل ميتًا فليغتسل. ومن حمله فليتوضأ. وقال أحمد وغيره لا يصح في
هذا الباب شيء. فأما الوضوء من أجل حمله فلا قائل به وأما الوضوء من تغسيل الميت فقال أبو هريرة وابن عمر وابن
عباس أقل ما فيه الوضوء. قال الموفق ولم يعلم لهم مخالف من
стр. 74
الصحابة فكان إجماعًا. ولأن الغاسل لا يسلم غالبًا من مس عورته وقال شيخ الإسلام استحبابه متوجه ظاهر وكلام أحمد يدل على أنه مستحب غير واجب وعند أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم لا ينقض الوضوء لأنه لم يرد بالنقض به نص صحيح. ولا هو في معنى المنصوص عليه.
(وعن جابر بن سمرة) بن جنادة السوائي صحابي ابن صحابي نزل الكوفة وتوفي بها سنة أربع وسبعين (أن رجلاً سأل النبي – ﷺ أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم توضؤا من لحوم الإبل رواه مسلم) أي من أكل لحومها وهو المادة الحمراء الرخوة التي تؤكل وخص لما فيه من القوة دون بقية الأجزاء قال الشيخ سواء كان نيئًا أو مطبوخًا لأن الأمر بالوضوء يقتضي ذلك.
وفي السنن من حديث البراء توضؤا من لحوم الإبل. قال ابن خزيمة لم أر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه وقال أحمد فيه حديثان صحيحان حديث جابر وحديث البراء ولهما شواهد من وجوه ولأن فيها من القوة الشيطانية ما أشار إليه النبي – ﷺ من قوله "إنها جن خلقت من جن" فأكل لحمها يورث قوة شيطانية تزول بما أمر الله به من الوضوء من لحمها. وقال النووي وغيره ذهب الأكثر إلى أنه لا ينقض.
وذهب أحمد ابن المنذر وابن خزيمة والبيهقي وأصحاب
стр. 75
الحديث إلى النقض به مطلقًا. وهذا المذهب أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على خلافه. فلعلهم لم يسمعوا هذه النصوص أو لم يعرفوا العلة اهـ وكان أحمد يعجب ممن يدع حديث لحوم الإبل مع صحته التي لا شك فيها. والتحقيق أن يخرج على مذاهبهم. فإن المذهب لا يكون خلاف ما فيه نص صريح صحيح أو إجماع كما صرحوا به.
(وله عن أبي هريرة مرفوعًا "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا") من نحو ريح وقراقر مترددة من شأنها أن تخرج (فأشكل عليه) أي التبس وأبهم عليه (أخرج منه شيء) أي أحدث (أم لا) أي أو لم يخرج منه شيء (فلا يخرجن من المسجد) إذا كان فيه لإعادة الوضوء (حتى يسمع صوتًا) للخارج يعني الحدث (أو يجد ريحًا) له. قال النووي وغيره أي حتى يعلم وجود أحدهما. ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين. ولهما عن عبد الله بن زيد نحوه.
وهذا الحديث أصل من أصول الدين. وقاعدة من قواعده. وهي أن الأشياء يحكم ببقائه على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك. ولا يضر الشك الطارئ عليها. ومن ذلك أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة.
ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة أو خارجها وهو مذهب جماهير السلف والخلف. وإن تيقن الحدث وشك
في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. قال الشيخ وإن