← Фикх общий

Фикх общий · id 96232

الإيضاح في مناسك الحج والعمرة

النووي

Полный текст (519 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واجتماع الكلمة وتوثيق العهد على التعاون في البر، والتساند في الخير، وعلى الإِخاء في الله والاعتزاز بقوة الله وعلى العمل دائماً بما فيه عزة الإِسلام وقوة المسلمين، إن العهود والمبايعات التي، يجريها الناس فيما بينهم في شئونهم العامة والخاصة يوثقونها، ويؤكدون العزم على إنفاذها والعمل بها، بأن يصافح بعضهم بعضاً، ويقبض كل منهم بيمناه على يد صاحبه: دلالة على الوفاء والتناصر وعلى التعاون في أمان وإخلاص. وقد نبه الإِسلام جميع المسلمين الذين يحجون إلى بيت الله الكريم أن يجددوا في كل عام مبايعتهم لله، وأن يتعاهدوا في اجتماعاتهم في مكة على العمل لخيرهم وصلاحهم ولنصرة دين الله ولا شك أن من المتعذر أن يجري في توثيق تلك المبايعة العامة وذلك العهد النحامل على ما توثق به المبايعات والمعاهدات بين الأفراد والجماعات الصغيرة من مصافحة بعضهم بعضاً، وقبض كل منهم يده على يد صاحبه فجعلت مصافحة الحجر الأسود بدلاً من تلك المصافحات العامة وصار ذلك رمزاً لتوثيق ذلك العهد وتلك المبايعة. وفي رَمَله واضطباعه في الطواف: ما يحصل له من ترتب الثواب لتأسِّيه بنبيه محمد ﷺ والاقتداء به، وما يستفيده جسمه من النشاط بهذه الحركة التعبدية. فمنافع الحج على ما يغلب عليها من المظاهر الروحية فإنها منافع اجتماعية ونفسية وتجارية وأخوية، ففيها يحصل التعارف والتعاون بين أفراد المسلمين المتباعدين في شتى الأقطار، فإن اجتماعهم واختلاط بعضهم ببعض فرصة كبيرة لإيجاد التعارف والتعاون وتبادل المنافع بين أكبر عدد ممكن من المسلمين. فليست هناك فرصة تتاح للمسلم يجتمع بإخوان له من المسلمين جاءوا من أقاصي الأرض كفرصة الحج. ففي هذه الفرصة يعرف المسلم العربي أخاه المسلم التركي والجاوي والصيني والهندي والبربري وهلمّ جراً.

стр. 37

وفي رحاب البيت قبلة الجميع تكون النفوس أكثر استعداداً لاستشعار معاني الأخوة والتعاون فيصبحون بهذا الاجتماع وبهذا التعارف إخوة متآلفي القلوب متحدي الكلمة، متضامنين حساً ومعنىً متمسكين بحبل الله. فما أجمل هذا الموسم الروحاني وما أعظم ذلك العيد الرباني يلتقي فيه زعماء المسلمين وساستهم، ويتبادلون فيه أسباب الإِصلاح، فيعرف كل منهم ما في بلاد أخيه من التجارة والصناعة والزراعة والفوائد المستحسنة فيقتبس بعضهم من بعض هذه المنافع ويتبادلون تلك المصالح ويرسمون فيه الخطط الرشيدة والوسائل الحكيمة لتكون كلمة الله هي العليا وطريقة المسلمين هي المثلى، وليكون المؤمنون جماعة واحدة في مشارق الأرض ومغاربها، تعمل تحت راية القرآن لتأييد السلام والعدالة في العالم، فالحج مؤتمر إسلامي جليل ومجتمع للقادة حافل في مهبط وحي السماء على أساس من النور الإِلهي والهدي المحمدي، وإلى هذا يشير شيخنا العلامة السيد علوي عباس مالكي، ﵏ ورحمنا معهم آمين. إني أرى الحج في الإِسلام مؤتمراً ... المسلمون على التحقيق أعضاه دستوره شرعة الإسلام يرسمها ... هَدْي النبي وعين الحق ترعاه العدل منهجه والحلم حجته ... تجردوا فيه لا مُلك ولا جاه فهم جنود الهدى فيه نشيدهمُو ... لبيك لبيك أنت الله ربَّاه منزل النور والتنزيل مَأرِزه ... فالدين يأرِز للأوطان مأواه فالحج درس عظيم شيق عظمت ... أسرار تشريعه تجلو مزاياه مهذب لنفوسٍ طالما ركنت ... إلى حضيض الهوى تقفو خطاياه وهذا قليل من كثير من منافع الحج وأسراره وحكمه، ونجهل منها الكثير وربما كان ما نجهله ونتمتع به أكثر مما نعرفه مما نوّه به علماء الإِسلام

стр. 38

وأشادوا به في مؤلفاتهم رحمهم الله تعالى فقد قال الله : ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] فأطلق المنافع ونكرها وأبهمها ودلّ هذا التعبير البليغ على كثرتها وتنوعها وتجددها في كل زمان، وأنها أكثر من أن يأتي عليها الإحصاء والاستقصاء، والله أعلم وأحكم. الباب الثالث في الحج وهو معظم الكتاب (١) وفي آخره بيان أركان الحج (٢) وواجباته (٣) وسننه وآدابه (٤) مختصرة. الباب الرابع في العمرة (٥). الباب الخامس في المقام بمكة وطواف الوداع وفيه جمل مستكثرات مما يتعلق بمكة والحرم والكعبة والمسجد وأحكامها. الباب السادس في زيارة قبر رسول الله ﷺ وما يتعلق بالمدينة. الباب السابع فيما يجب على مَنْ ترك في حجه مأموراً به أو ارتكب محظوراً وفيه نفائس كثيرة.

стр. 39

الباب الثامن في حَج الصبي والعبد (١) ومن في معناهما وبعده. فصل في آداب رجوعه من سفره (٢). وفصل في الولاية على الحجيج وبيان ما يجوز لمتوليه فعله وما لا يجوز وما يجب عليه وما لا يجب وفيه نفائس كثيرة (٣). وفصل في أذكار تستحب في كل وقت ختمت الكتالب بها (٤) وبالله التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل. ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة (٥) وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان" (٦). وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حج (٧) هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه (٨) كيوم ولدته أمه".

стр. 40

قال العلماء: الرَّفَثُ اسْمٌ لكُل لَغْو (١) وَخنى وَفُجُورِ وَمُجُونٍ بَغْير حَق (٢)، والْفِسْقُ الخُروجُ عَنْ طَاعَةِ الله تَعَالَى (٣). وثَبَتَ في الصَحيحَيْنِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "العُمْرَةُ إِلى العُمْرَة كَفارَةٌ لمَا بَيْنَهُمَا والحَجُّ المبرورِ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلا الجَنَّةِ" (٤). والأَصَحُّ أن المَبُرورَ هُوَ الذي لاَ يُخالطُهُ مَأثم (٥).

стр. 41

وقيل: هُوَ الْمَقْبُولُ وَمِنْ عَلاَمَاتِ القَبُول (١) أنْ يرجِعَ خَيْراً مِمّا كان ولا يعاود المعاصي (٢) والدَلائل على فَضْلِ الحَجّ (٣) كثيرة مشهورة في الصَّحيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (٤) وَفِيمَا أشَرْنَا إِليه كِفَايةٌ فنشْرَعُ الآنَ في أبواب الكتابِ وَمَقَاصِده مُسْتَعِيناً بالله تعالى مُسْتَمِداً منه التوفيق والهدَاية وَالصِيانة وَالرِّعَاية.

стр. 42

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الباب الأول في آداب سفره وفيه مسائل الأولى: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُشَاورَ مَنْ يثِقُ (١) بدينه وَخِبرتهِ وعِلمه في حَجّه في هَذا الْوَقْت (٢) وَيجبُ عَلَى مَنْ يُشيرُهُ أنْ يَبْذُلَ لَهُ النَّصيحَةَ ويَتَخَلى عَن الْهَوَى وَحُظُوظ النّفْس وَمَا يَتَوَهَّمه نافِعاً في أمُور الدُنيا (٣) فَإِنَّ المستشَارَ مُؤْتَمَن (٤) والدِّين النصيحَة (٥).

стр. 43

الثانيَة (١): إذَا عَزَمَ عَلَى الْحَج (٢) فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَخِيرَ اللهَ تَعَالَى (٣) وَهَذِهِ الاسْتِخَارَة لا تَعُودُ إِلَى نَفْس الْحَج فَإِنهُ خَيْر لاَ شَك فِيهِ وَإنمَا تَعُودُ إلى وَقْتِهِ (٤) فَمَنْ أَرَادَ الاسْتِخَارَةَ يُصَلي رَكْعَتَيْن (٥) مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَة ثُم يقُولُ (٦): اللَّهُمَّ إِنّي أسْتَخيرُكَ (٧) بعِلمكَ (٨) وَأسْتَقْدِرُكَ (٩) بقُدْرَتِكَ (١٠) وَأَسْألكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيم فَإنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلاَ أعْلَمُ وَأنْتَ عَلامُ الْغُيُوب، اللهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ ذَهَابي إلى الحَج (١١) في هَذَا العَام خَيْرٌ لي في ديني ودنياي وَمَعَاشي وَعَاقِبة

стр. 44

أمْري وعَاجله وَآجله (١) فَاقْدُره لي وَيَسرْهُ لي ثَُم بَارِكْ لي فيه، اللَّهُمَ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنهُ شَر لي (٢) في ديني وَدُنْيَايَ وَمَعَاشِي وَعَاقِبةِ أَمْري وعَاجِله وَآجله فَاصْرِفْهُ عَني وَاصْرِفْني عَنْهُ وَاقْدرْ لي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ (٣) ثُمَّ رَضنِي بِهِ (٤). ويُسْتَحَب أَنْ يقْرأَ في هَذ الصَلاَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ في الرَّكْعَةِ الأوْلَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١] (٥) وَفِي الثانِيةِ: ﴿قُل هُوَ اَللهُ أَحَد (١)﴾ (٦) بَعْدَ الاسْتِخَارَة لما يَنْشَرِحُ إِلَيْهِ صَدْرُة (٧).

стр. 45

الثالِثَةُ: إِذا اسْتَقَرَّ عَزْمه (١) بَدَأَ بالتوْبَةِ (٢) مِنْ جَمِيعِ المَعَاصِي وَالمَكْرُوهَاتِ وَيَخْرُجُ مِنْ مَظَالم الخَلْقِ (٣) وَيقْضِي ما أَمْكَنَهُ مِنْ دُيُونِهِ (٤) وَيَرُدُّ الْوَدَائع (٥)

стр. 46

وَيَسْتَحِلُّ (١) كلّ مَنْ بَيْنَهُ وَبينهُ مُعَامَلَةٌ في شَيْء أَوْ مُصَاحَبةٌ. وَيَكْتُبُ وَصيتهُ (٢) وَيُشْهِدُ عَلَيْه بِهَا (٣) وَيُوَكلُ مَنْ يقْضِي عَنْهُ (٤) مَا لَمْ يَتَمَكنْ مِنْ قَضَائه مِنْ دُيُونهِ وَيَتْرُكُ لأهْله وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (٥) نَفَقَتَهُم (٦) إلى حين رجوعِهِ (٧) فلو كَانَ عَلَيْه دَيْنٌ حَالّ وهُوَ مُوسرٌ (٨) فَلصَاحب (٩) الدَّيْن مَنْعُه منَ الْخُرُوج (١٠)

стр. 47

وَحَبْسُهُ (١) وَإِنْ كَانَ مُعْسراً لَمْ يَمْلُكْ مُطَالَبَتَهُ (٢) وَلَهُ السَّفَرُ بغَيْرِ رِضَاه (٣) وَكَذَا إنْ كَانَ الديْنُ مُؤَجلاً فَلَهُ السفَرُ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَلَكِنْ يُسْتَحَب أَنْ لا يَخْرُجَ حَتى يُوكلَ مَنْ يقْضِي عَنْهُ عِنْدَ حُلُولهِ (٤) وَاللَّهُ أعْلَمُ. الرَّابِعَةُ: يَجْتَهِدُ في إرْضَاء وَالِدَيْهِ وَمَنْ يَتَوَجهُ عَلَيْهِ بِرُّه (٥) وَطَاعَتُهُ وإنْ كَانَتْ زَوْجَةَ اسْتَرْضَتْ (٦) زَوْجَهَا وَأَقارِبهَا وَيُسْتَحَب للزوْجِ أنْ يَحُج بها (٧) فإنْ مَنَعَهُ أحدُ الْوَالِدَيْن (٨) نَظَرَ فَإنْ مَنَعَهُ مِنْ حَج الإِسْلاَمِ (٩) لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى مَنْعِهِ (١٠) بَلْ لَهُ الإِحْرَامُ به وإنْ كَرِه الْوَالِدُ لأنَّهُ صَارَ عَاصياً بِمَنْعِهِ وَإِذَا أحْرَمَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِدِ تَحْلِيلُهُ وإن منعه من حج التطوع لم يجز له الإِحرام فإن أحرم فللوالد تحليله عَلَى الأَصَحِّ.

стр. 48

وَأَمَّا الزوْجَةُ (١) فَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ حَج التطَوُع فَإِنْ أحْرمَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلَهُ تَحْليلُهَا وَلَهُ أيْضاً مَنْعُهَا مِنْ حَج الإسْلاَمِ عَلَى الأَظهَرِ (٢) لأَنَ حَقهُ عَلَى الفَوْر وَالحَج عَلَى التَّرَاخِي وَإِنْ أحْرَمَتْ فَلَهُ تَحْلِيلُهَا عَلَى الأَظْهَرِ. وإنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةَ حبَسَهَا للْعِدَّة (٣) وَليسَ لَهُ التَّحْلِيلُ (٤) إلا أنْ تكُونَ رَجْعيهَ فَيُرَاجِعُهَا ثمَ يُحَللُهَا (٥) وَحَيْثُ قُلْنَا يُحَللُهَا فمعناه يأمُرُها بِذَبْح شاةٍ فَتَنْوِي هي بها التَّحَلُّلَ وتُقَصرُ مِنْ رأسها ثَلاَثَ شَعَرَات فصَاعِداً وإِنْ امَتَنْعَتْ مِنْ التَّحَلُّلِ فَلِلزوجِ وَطْؤهَا وَالإثْمُ عليها (٦) لِتَقْصيرِها. الخَامِسَة: ليحْرصْ عَلَى أنْ تكُونَ نَفَقَتُه حَلاَلاً خَالِصَةً مِنَ الشُّبْهَةِ فإنْ خَالَفَ وحَجَّ بما فيه شُبْهَة أوْ بِمَال مَغْصُوب صَحَ حَجه في ظَاهرِ الحُكْمِ لكنَّهُ لَيْس حَجاً مَبْرُوراً (٧) وَيَبْعُدُ قَبُولُهُ. هذا مَذْهَبُ الشَّافِعِي وَمَالك وأبي حَنيفَةَ

стр. 49

رَحِمَهُمُ اللهُ وَجَمَاهير الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَف وَالخَلَفِ، وَقَال أحمد بن حَنْبَل لا يُجْزيه الحَجُ بِمَالٍ حَرَامٍ (١). السَّادِسَةُ: يُسْتَحَب أنْ يَسْتكثِرَ مِنْ الزادِ وَالنَّفَقَةِ (٢) لِيُواسِيَ مِنْهُ الْمُحْتَاجِين وَلْيَكُنْ طَيباَ لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا (٣) الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَالمُرَادُ بالطيبِ هُنَا (٤) الْجَيد (٥) وِبالْخَبيثِ الرَديء ويَكُونُ طَيبَ النَّفْس بِمَا يُنفقُهُ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى القَبول. السَّابعةُ: يُسْتَحَب تَرْكُهُ المُمَاحَكَة (٦) فيمَا يَشْتَرِيه لأسْبَابِ حَجه وكَذَا كل

стр. 50

شَيْء يَتَقَرّبُ به إلَى الله تَعَالَى كَذَا قَالَهُ الإِمَامُ الجَليلُ أبُو الشَّعْثَاء جَابرُ بنُ زَيد التابِعِي وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاء. الثامِنَةُ: يُسْتَحَب أنْ لا يُشَارِكَهُ غَيْرُهُ في الزَّادِ والرَّاحِلَة (١) وَالنفَقَةِ لأَنَّ تَرْكَ المُشَارَكَة أَسْلَمُ لَهُ فَإِنَّهُ يَمْتَنعُ بِسَبَبِهَا مِنَ التصَرُفِ في وُجُوهِ الْخَيْرِ والبرّ والصَّدَقَةِ وَلَوْ أذِنَ لَهُ شَريكُهُ لم يُوثَقْ باسْتِمْرارِ رِضَاه فإنْ شارَكه جَازَ (٢) وَيُسْتَحَبُّ أن يقْتصرَ على دُونِ حَقهِ (٣). وأما اجْتِمَاعُ الرفقَةِ عَلَى طَعَامِ يَجْمَعُونَهُ يَوْماً يومَاً فَحَسَن (٤) ولا بأسَ بأكْل بعْضهم أكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ إذا وَثق بأنّ أصْحَابه لاَ يَكْرَهُونَ ذلك (٥) فإنْ لم يَثِقْ فَلاَ يَزِدْ (٦) عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ وَلَيْسَ هَذا مِنْ بابِ الرِّبَا في شَيْءِ (٧) فَقَدْ صَحَّتْ الأحَادِيثُ في خَلْطِ الصَّحَابةِ ﵃ زَادَهُم.

стр. 51

التاسِعَةُ: يُسْتَحَبُّ أنْ يُحْصلَ مَرْكُوباً قَوِياً (١) وَطِيئاً (٢) والرُّكُوبُ (٣) في الحَج (٤) أفْضَلُ مِنَ المَشْي عَلَى المَذْهب الصحِيْحِ وَقَدْ ثَبَتَ في الأَحَادِيثِ الصَّحيْحَةِ أَن رَسُولَ الله ﷺ حَج رَاكباً (٥). وَكَانَتْ رَاحِلَتُهُ زَامِلتهُ (٦) وَيُسْتَحَب الحَجُّ عَلَى الرَّحْلِ (٧) وَالقَتبِ دُوْنَ

стр. 52

الْمَحَامِلِ وَالهَوَادج لِما ذَكَرْناهُ مِنْ الحَديثِ الصحيح (١)، ولأَنَّهُ أشْبَهُ بالتواضُع، ولاَ يَلِيقُ بالْحَاج غَيْرُ التواضُع في جَمِيعِ هَيْئَاتِهِ وَأحْوَالِهِ في جَمِيعِ سَفَرِهِ وَسَوَاء فيما ذَكَرْنَاهُ الْمَرْكُوبُ الذي يَشْتَرِيه (٢) أوْ يَسْتأجرُهُ. وَيَنْبَغِي (٣) إذا اكْتَرَى أنْ يُظْهِرَ للجَمَّالِ جَمِيعَ مَا يُرِيدُ حَمْلَهُ مِنْ قَليل أوْ كَثِير وَيَسْتَرْضِيهِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ يَشُق عَلَيْهِ الرَحْلُ لِعُذْر كَضَعْفِ أوْ عِلَّةِ في بَدَنِهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ فلا بأسَ بالمَحْملِ بَلْ هُوَ في هَذَا الْحَال مُسْتَحَب وإنْ كَانَ يَشُق عَلَيْهِ الرَحْلُ وَالْقَتَبُ لرياسَتِهِ وارْتِفَاعِ مَنْزِلَتِهِ أوْ نَسَبِهِ أوْ عَمَلِهِ أوْ شَرَفِهِ أوْ جَاهِهِ أوْ ثَرْوَتِهِ أوْ مُرُوءَتِهِ أوْ نَحْوَ ذلك مِنْ مَقَاصِدِ أهْلِ الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ ذلكَ عُذْراً في تَرْكِ السُنةِ في اخْتِيَارِ الرَّحْلِ وَالْقَتَبِ فَانَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَيْرٌ من هذا الجَاهِلِ بِمِقْدَار نَفْسِهِ (٤) واللهُ أَعْلَمُ.

стр. 53

وَيُكْرَهُ رُكُوبُ الجَلالَة وَهِيَ النَّاقَةُ أو البَعِيرُ (١) الذِي يَأْكُلُ العَذِرَةَ (٢) لِلْحَدِيْثِ الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَر ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ الْجَلاَلَةِ مِنَ الإِبلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا. العَاشِرَةُ: إِذَا أرَادَ الحَجَّ أنْ يَتَعَلَمَ كَيفيتهُ (٣) وَهَذَا فَرْضُ عَيْنٍ (٤) إذْ لاَ تَصحُّ العبادةُ ممَنْ لا يَعرفُها (٥) وَيُسْتَحَب أنْ يَسْتَصْحِبَ مَعَهُ كِتَاباً (٦) وَاضِحاً في المَنَاسِكِ جَامِعاً لِمَقاصِدِهَا وأنْ يُدِيمَ مُطَالَعَته وَيُكَررُها في جَميعِ طَريقِهِ لتَصِيرَ

стр. 54

مُحَققَةً عِنْدَهُ وَمَنْ أَخَلَّ بِهذا خِفْنَا عَلَيْهِ أنْ يَرْجِعَ بِغَيْر حَج لإخْلاَلهِ بشَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ أوْ رُكْنٍ مِنْ أركَانِهِ أوْ نَحْو ذَلِكَ وَرُبَّما قَلدَ كَثير مِنَ النَاس بَعْضَ عَوَام مكة وَتَوَهَمَ أَنهُمْ يَعْرِفُونَ الْمَنَاسِكَ فَاغْتَرَّ بِهِمْ وذلكَ خَطَأ فاحشٌ. الحادية عشرة: يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ لَه رَفِيْقاً (١) مُوَافِقاً رَاغِباً في الخَيْرِ كَارِهاً للشَّرِّ إنْ نَسِيَ ذَكَّرَه (٢) وإنْ ذَكَرَ أعَانَهُ (٣) وإنْ تَيَسَّرَ معَ هَذَا كَوْنُهُ مِنَ العُلمَاءِ فَلْيَتَمَسَّكْ به فإنه يُعِينُهُ عَلَى مَبَار الْحَج وَمَكَارمِ الأَخْلاَقِ وَيَمْنَعُهُ بِعِلْمِهِ وعَمَله مِنْ سُوءِ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْمُسَافِرِ مِنْ مَسَاوىء الأخلاَقِ والضجَرِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أنْ يَكُونَ مِنَ الأَجَانِبِ لاَ مِنَ الأَصْدِقَاءِ وَالأَقَارِب وهذَا فيهِ نَظَر بَلْ الاخْتِيارُ أن الْقَرِيبَ أوْ الصدِيقَ المَوثُوق بهِ أَوْلَى (٤) فَإِنَّهُ أَعْوَنُ له على مُهِمَّاتِهِ

стр. 55

وَأشْفَقُ عليهِ في أمُورِهِ (١) ثُمَّ يَنْبَغِي (٢) له أنْ يَحْرِصَ على رِضَا رفيقِهِ في جَميعِ طَريقِهِ وَيَحْتَمِلُ كُل وَاحِدِ صَاحِبه وَيَرَى لصاحبه عَلَيْهِ فَضْلاً وَحُرْمَةً وَلاَ يَرَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَيَصْبِرُ عَلَى مَا وَقَعَ منه فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ مِنْ جَفَاءِ وَنَحْوهِ فَإِنْ حَصَلَ بَيْنَهُمَا خِصَامٌ دَائمٌ وَتنكَّدَتْ حَالتهُمَا وَعَجَزَ عَنْ إصْلاَحِ الحَالِ اسْتُحِبّ لَهُمَا تَعْجِيلُ الْمُفَارَقَةِ (٣) ليَسْتَقِرَّ أمْرُهُمَا وَيَسْلَم حَجهُمَا مِنْ مُبْعِدَاتِهِ عَنْ الْقَبُولِ وَتَنْشَرِحَ نُفُوسُهُمَا لِمَنَاسِكِهِمَا وَيَذْهَبَ عَنْهُمَا الحِقْدُ (٤) وَسُوءُ الظَنِّ والكَلاَمُ في الْعِرضِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النقَائِصِ الَّتي يَتَعَرّضان لَهَا. الثانِيةَ عشرة: يُسْتَحَبُّ أَنْ تكونَ يَدُهُ فَارغَةً مِنْ مَالِ التِّجَارَة ذاهباً وَرَاجعاً فَإن ذَلِكَ يَشْغَلُ القَلْبَ، فَإنْ اتَّجَرَ لَمْ يُوَثِّرْ ذَلِكَ في صِحَةِ حَجِّهِ (٥) وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَصْحِيحُ الإِخْلاصِ في حَجهِ وَأَنْ يُريدَ به وَجْهَ اللهِ تَعَالَى. قَالَ اللهُ تَعَالَى:

стр. 56

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وَثَبَتَ في الْحَديث المُجْمَعِ عَلَى صِحَّتِهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهَ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنيات" ويَنْبَغِي لِمَنْ حَج حَجةَ الإِسْلاَمِ وَأَرَادَ الْحَج أن يحج مُتبَرعاً مُتَمَحضاً لِلْعِبَادةِ فَلَوْ حَج مُكْرياً جِمالَهُ أوْ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ جَازَ لَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ. وَلَوْ حَج عَنْ غَيْرِهِ كَانَ أعْظَمَ لأجْرِهِ (١) وَلَوْ حَج عَنْهُ بأُجْرَةِ فَقَدْ تَرَكَ الأَفْضَلَ لَكِنْ لاَ مَانع مِنْهُ وَهُوَ مِنْ أطْيَبِ الْمَكَاسِبِ فَإِنهُ يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ هَذِهِ الْعِبَادَةُ العَظيمَةُ ويحصلُ لَهُ حُضُورُ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ الشَريفة فَيَسْألُ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ. الثالثة عشرة: يُسْتَحَب أنْ يَكُونَ سَفَرُهُ يَوْمَ الْخَمِيس فَقَدْ ثَبَتَ في الصَحيحَيْنِ عَنْ كَعْب بن مَالك ﵁ قَال: (قَلَّمَا خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ في سَفَر إلا يَوْمَ الخَمِيس فَإنْ فَاتَهُ فَيَوم الاثنين (٢) إذ فيه هَاجَرَ رَسُولُ الله ﷺ

стр. 57

مِنْ مَكَّةَ) ويُسْتَحب أنْ يكُون باكراً لحديث صخْر الغَامدي ﵁ أن النبِي ﷺ قَالَ: "اللهُمَّ بَارِكْ لأُمتي في بُكُورِهَا" وَكَانَ إذَا بَعَثَ جَيْشاً أوْ سَرِية بَعَثَهُمْ مِنْ أول النهار وَكَانَ صَخْرٌ تَاجراً فَكَانَ يَبْعَثُ بتِجَارَته أول النهَارِ فَأَثْرَى وكَثُرَ مَالُهُ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ والترْمذِي (١) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. الرَّابِعَةِ عَشرة: يُسْتَحَبُّ إذَا أرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَنْزلهِ أنْ يُصَليَ ركْعَتَيْن (٢) يقْرأ في الأولَى بَعْدَ الْفَاتِحَة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وفي الثَّانِية ﴿قُل هُوَ

стр. 58

اللَّهُ أَحَد﴾. فَفِي الحَدِيث عَن النَبِي ﷺ : "مَا خَلَّف أحَد عِنْدَ أَهْلِهِ أفْضَلَ مِنْ رِكْعَتَيْنِ يَرْكَعُهُمَا عِنْدَهُمْ حينَ يُرِيدُ السَّفَرَ". ويُسْتَحَب أنْ يقْرَأ بَعْدَ سَلاَمه آيةَ الكُرْسي ولإيلاَف قُرَيْش فَقَدْ جَاءَ فيهِمَا آثَارٌ للسلَف مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ بَرَكَةِ الْقُرْآنِ في كُل شَيْء وكُل وَقْت. ومِنَ الآثَارَ: (أَنَّ مَنْ قَرَأَ آيةَ الْكُرْسي (١) عِنْدَ خُرُوجه مِنْ مَنْزلهِ لَمْ يُصبْهُ شَيْء يكْرَهُهُ حَتى يَرْجعَ مِنْ مَنْسَكه) عَنْ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ يَدْعُو بِحُضُور قَلْب وإخْلاَص بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ أُمُور الدُنْيَا والآخِرَة وَيَسْألُ اللَّهَ الإِعَانَةَ والتَّوْفِيقَ في سَفَره وغَيْرِهِ مِنْ أمُوره فَإذَا نَهَض (٢) مِنْ جُلُوسه قَالَ مَا رَوَيْنَا مِنْ حديث أنس ﵁: "اللَهم إلَيْكَ تَوَجهْتُ وبكَ اعْتَصَمْتُ اللَّهُم اكْفني مَا أَهَمَني وَمَا لَمْ أَهْتَمَّ به اللَّهُمَّ زَودْني التقْوَى وَاغْفِرْ لي ذَنْبي (٣)

стр. 59

اللهم إني أعوذ بِك مِنْ أنْ أضلّ أو أُضَل، أو أزِل أو أزَلّ، أو أَظلِم أو أُظلَم، أو أجهل أو يُجْهَلَ عَلَيّ، توكلتُ على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله". الخَامسة عشرة: يُسْتَحَب أَنْ يُوَدع (١) أهْلَهُ وجيرَانَهُ وأصْدقَاءَهُ وأَنْ يُودِّعُوهُ وَيقُولُ كُل واحد مِنْهُمْ لصَاحبِهِ: أَسْتَوْدع اللَّهَ دِينكَ وَأَمَانتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ زَوَّدَكَ اللَّهُ التقْوَى وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُ كُنْتَ (٢).

стр. 60

السادسة عشرة: السُّنةُ إذَا أرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ بيتِهِ أنْ تقُولَ مَا صَحَّ أن رَسُولَ اللَّهَ ﷺ كَانَ يقُولُ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ: "اللَهُمَّ إنَّي أعُوذُ بِكَ مِنْ أضِلَّ أوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَ أَوْ أُزلَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عليّ"، وعن أنس أنَ النَبيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا خَرَجَ الرَجلُ مِنْ بيته فَقَالَ: بِسْم الله تَوَكَلْتُ عَلَى الله لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله يقالُ لَهُ: هُدِيتَ وكفيتَ ووُقيت" ويُسْتَحَب هَذَا الدُّعَاءُ لكُلِّ خَارج مِنْ بَيْتِهِ ويُسْتَحَب له أنْ يَتَصدَّقَ بِشَيْء عِنْدَ خُرُوجه، وَكَذاَ بَيْنَ يَدَيْ كُل حَاجَة يُريدُهَا. السابعة عشرة: إذَا خَرَجَ وَأَرَادَ الرُّكُوبَ (١) اسْتُحِبَّ أَنْ يقُولَ: بِسْمِ الله، وَإذَا اسْتَوَى على دَابته قال: الحَمْدُ لله سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لنا هَذَا وما كُنَّا لَهُ مُقْرنينَ (٢) وإِنَّا إلى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (٣) ثُمَ يقُولُ: الحَمْدُ لله ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلاَثَ مَرَّات ثُمَّ يقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَ إنِّي ظَلَمْتُ نفْسِي فاغْفِرْ لي فَإِنّه لا يَغْفِرُ الذُنُوبَ إِلاَ أنْتَ. لِلْحَدِيث الصَّحيح في ذَلِكَ. وَيُسْتَحَب أن يَضُمَّ إليه: اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ في سَفَرِنَا هذا البرَّ والتقْوَى ومِنَ الْعَمَلِ مَا تُحِب وَتَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرِنَا واطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللهُمَّ أَنْتَ الصاحِبُ في

стр. 61

السفَر والخَلِيفَةُ في الأَهْلِ وَالمَالِ، اللَّهُم إنَا نَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَر وَكَآبةِ المُنْقَلَبِ (١) وَسُوء المَنْظَرِ في الأَهْلِ وَالمَالِ والْوَلَدِ، لِلْحدِيثِ الصَّحيح في ذلك. الثامنة عشرة: يُسْتَحَب إِكْثَارُ السَّيْرِ في اللَّيْلِ لِحَدِيثِ أَنسٍ (٢) أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُم بالدُّلْجَة (٣) فَإِن الأَرْضَ تُطْوَى باللَيْلِ" (٤). وَيُسْتَحَبُّ أنْ يرِيحَ دَابتَهُ بالنُّزُولِ عَنْهَا غُدْوَةً (٥) وَعَشِيةً وَعِنْدَ كُلِّ عَقَبة

стр. 62

وَيَتَجَنَّبَ النَّوْمَ (١) على ظَهْرِها وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيها فَوْقَ طَاقَتِها (٢) وَأَنْ يُجيعَهَا (٣) من غَيْرِ ضَرُورَةِ فَإنْ حَمَّلَهَا الجَمَّالُ فَوْقَ طَاقَتِهَا لَزِمَ المُسْتَأْجرَ الامتنَاعُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ بَأسَ بالإِرْتِدافِ عَلَى الدابةِ إذَا أَطَاقَتْهُ (٤) فقَدْ صَحَّتْ الأَحَاديثُ المَشْهُورَةُ في ذلك ولا يَمْكُثُ على ظَهْرِ الدابة إِذَا كَانَ واقفاً لشُغْل يَطُولُ زَمَنُهُ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَنْزِلَ إلى الأَرْضِ فإِذا أَرادَ السَّيْرَ رَكِبَ إِلاّ أنْ يَكُون لَهُ عُذْرٌ مَقْصُودٌ في تَرْكِ النزُولِ (٥) والحديثُ مَشْهُورٌ في النَّهْيِ عن اتخاذِ ظُهُورِ الدَّوَابِ مَنَابِرَ. وَفِي الصحيحيْنِ أَنَّ رَسُول الله ﷺ خَطَبَ على راحِلته وَهَذَا للحَاجَة كما ذَكَرْنَاهُ.

стр. 63

التَّاسِعَةَ عَشرة: أنْ يَتَجَنَّبَ الشَّبَعَ المُفْرِط (١) وَالزينَةَ والتَّرَفُّه (٢) والتَّبَسُّطَ في ألْوَانِ الأَطْعِمَةِ (٣) فَإِنَ الحَاجَ أشْعَثُ أغْبَرُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِلَ الرِّفْقَ وَحُسْنَ الْخُلقِ مع الْغُلاَم والجَمّالِ والرَفِيقِ وَالسَّائِلِ وَغَيْرهم وَيَتَجَنَّب الْمُخَاصَمَةَ وَالْمُخَاشَنَةَ وَمُزَاحَمَةَ النَاسِ فِي الطَّرِيقِ وَمَوارِدِ المَاءِ إِذا أمْكَنَهُ ذَلِكَ وَيَصُونُ لِسَانَهُ مِنَ الشَّتْمِ وَالْغَيْبَةِ وَلَعْنَة الدَوَاب (٤) وَجَمِيعِ الأَلْفَاظِ الْقَبيحَةِ. وَلْيُلاَحِظْ قَوْلَهُ ﷺ : "مَنْ حَج فَلَمْ يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُه" وَيَرْفُقُ بالسَّائِلِ وَالضعِيفِ ولا يَنْهَرُ أحَداً مِنْهُمْ وَلاَ يُوَبخُهُ عَلَى خُرُوجهِ بلا زَادَ ولاَ رَاحِلَة بَلْ يُوَاسِيهِ بشَيء مِمَّا تَيَسَّرَ فَإنْ لم يَفْعَلْ رَدَّهُ رَدَّا جَمِيلاً وَدَعَا لَهُ بالمَعُونَةِ (٥). العِشْرُون: كَرِهَ رَسُولُ الله ﷺ الوحْدَةَ في السَّفَرِ، وَقَالَ: "الرَّاكِبُ (٦)

стр. 64

الوَاحِدُ شَيْطَانٌ، وَالاثْنَان شَيْطَانَان، وَالثَّلاَثَةُ رَكْبٌ" فَيَنْبَغِي أنْ يَسيرَ مَعَ النَّاسِ وَلاَ يَنْفَرِدُ بَطِريق ولا يَرْكَبُ بنياتَ (١) الطَّريقِ فإنَّهُ يخافُ عليه الآفاتُ بسبَبِ ذَلِكَ وإِذَا تَرَافَقَ ثَلاَثَةٌ أوْ أكْثَرُ فَيَنْبَغِي أنْ يُؤَمِّرُوا على أَنْفُسِهِمْ أَفْضَلَهُمْ وَأَجْوَدهمْ (٢) رَأياً ثُمَّ ليُطيعوهُ، لحَدِيثِ أبي هُرَيْرَة ﵁ أن رَسُولَ الله ﷺ قال: "إذا كانُوا ثَلاَثَةً فَلْيُؤَمِّرُوا أحَدهمْ" رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَن. الْحَادِيَةُ والعِشْرُون: يُكْرَهُ أنْ يَسْتَصْحِبَ كَلْباً أو جَرَساً لحديث أمِّ الْمُؤْمِنين أم حَبيبةَ ﵂ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "إنّ العِيرَ التي فيها الجَرَسُ لا تَصْحَبُهَا الْمَلاَئِكَةُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بإسْنَادٍ حَسَنٍ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله تعالى عنه أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لاَ تَصْحَبُ الْمَلاَئِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْب أو جَرَسٌ". حَدِيثٍ صَحيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي الحديث في سُنن أبي دَاوُدَ وَغَيْرُهُ أنْ النَبيَّ ﷺ قالَ: "الْجَرَسُ مِزمَارُ الشَّيْطَانِ" قَالَ الشَّيْخُ أبُو عَمْرو بن الصَّلاَح رَحِمَهُ الله تعالى: فَإنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِك مِنْ جِهَةِ غيْرِه ولم يَستْطعْ إزَالتهُ فَلْيقُلْ: اللَهُمَّ إِنَي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا فَعَلَهُ هَؤُلاَءِ فَلاَ تَحْرِمَني ثَمَرَةَ صُحْبةِ ملائِكَتِكَ (٣) وَبَرَكَتَهُم.

стр. 65

الثَّانِيَةُ والعِشْرُون: السُّنةُ إِذا عَلاَ شَرَفاً مِنَ الأَرْض كَبَّرَ وإذا هَبَطَ وادياً وَنَحْوه سَبَّحَ (١) وَتكْرَهُ المُبَالغَة بِرَفْعِ الصَّوْت في هذَا التكْبيرِ وَالتَّسْبيح (٢) لِلْحَدِيثِ الصَحِيحِ فِي النَّهْي عَنْهُ (٣). الثالِثَةُ والعِشْرُون: يُسْتَحَبُّ إذا أشْرَفَ عَلَى قَرْية أو مَنْزلٍ يقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أسْألُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ أهْلهَا وَخَيْرَ ما فيها وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّها وَشَر أهْلِهَا وَشَر مَا فِيهَا (٤). الرابِعَةُ والعِشْرُون: السُّنَّة إذَا نَزَلَ مَنْزلاً أنْ يقُولَ ما رَوَاهُ مُسْلم في صَحِيحهِ عَنْ خَولَةَ بِنْت حَكِيمٍ ﵂ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "مَنْ نزل مَنْزلاً ثُمَّ قال: أعُوذُ بكلمات الله التاماتِ مِنْ شَرَ ما خَلَقَ لم

стр. 66

يَضُرهُ شَيْءٌ حتى يَرْتحل مِنْ مَنْزلهِ ذلك"، وَيُسْتَحَبُّ أنْ يُسَبحَ في حال حَطِّه الرَّحْلَ (١) لَما رَوَيْنَاهُ عَنْ أنَس ﵁ قالَ: كُنا إذَا نَزلْنَا سَبحْنَا حتى نَحُط الرحَالَ (٢) وَيُكْرَهُ النُّزُولُ في قارِعَة الطَرِيقِ (٣) لحديث أبي هُرَيْرَةَ: "لاَ تُعَرسُوا عَلَى الطَّريق فَإنَّهَا مَأوَى الْهَوَام باللَّيْل". الخَامسَةُ والعِشرون: السُّنة إذا جَنَّ (٤) عليه اللَّيلُ أنْ يقُولَ ما رَوَيْنَاهُ في سُنَن أبي دَاوُدَ وَغَيْرِه عن ابن عُمَرَ ﵄ قَال: كان رَسُولُ الله ﷺ إذا سَافَرَ فَأقْبَلَ الليْلُ قَالَ: "يَا أرْضُ ربي وَرَبكِ اللهُ أعُوذُ بالله مِنْ شَرّكِ (٥) وَشَرِّ ما فيكِ (٦) وَشَرِّ ما خُلِقَ فيك (٧) وَشَرِّ ما يَدِب عَلَيْكِ (٨)، أعُوذُ بالله مِنْ أَسَدٍ

стр. 67

وَأَسْودَ، والْحَية والعَقْرب ومِنْ سَاكنِ الْبَلَدِ ومِنْ وَالدٍ وَمَا وَلَدَ". قُلْتُ: الْمُرَادُ بالأَسْوَدِ الشَخْصُ. قَال أَهْلُ اللُّغَة: كل شَخْص يقالُ له أَسْوَدُ قال الإِمَامُ أبو سُلَيْمان الخَطَابي: سَاكِن الْبَلَد هُم الْجنُ، وَالْبَلَدُ الأَرْضُ التي هي مأوَى الْحَيَوَان وإنْ لم يكن فيها بناء قالَ: ويُحْتَمَلُ أنَ الْمُرَادَ بالْوَالِدِ إِبْلِيسُ وَمَا وَلَد الشَّيَاطِين (١). السَّادسة والعشرون: إذَا خَافَ قَوْماً أَو شَخْصاً آدمِيَّاً أَوْ غَيْرَهُ قال مَا رَوَيْنَاه بالإِسناد الصَحيح في سنن أَبي داوُدَ والنَّسائي وَغَيْرِهما عن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِي ﵁ أن النَبِي ﷺ كَان إذا خافَ قَوْماً قَالَ: "اللَهُمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهم ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهم" (٢) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ دُعاء الْكَرْبِ هُنَا وفي كُلِّ مَوْطِن وَهُوَ مَا ثَبَتَ في صَحِيحَيْ البُخَارِي وَمُسْلِم عن ابنِ عَبَّاس ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كانَ يقُولُ عند الْكَرْبِ: لاَ إِلهَ إِلاَ اللهُ العَظِيمُ الحليمُ، لا إِلَهَ إلا الله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم، لا إِلهَ إلاَ الله رَبُّ السَمَوَات وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ". وفي كتاب التِّرْمذيِّ عَنْ أَنس بن مَالكٍ ﵁ أَنَّ النَّبي ﷺ كان إذا كَرَبَهُ أَمْر قَال: "يا حَي يَا قَيُّوم بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ" قال الْحَاكِمُ: إِسْنَادُهُ صحيح. السابعة والعشرون: في أُمُور يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمُسَافِرُ جاءت فيها أحاديثٌ وآثَار قَدْ جَمَعْتُهَا في كِتَابِ الأَذْكَار بِشَوَاهِدَ واضحة أذْكُرُ منها هُنَا أطْرَافاً

стр. 68

مُخْتَصَرَةً منها: إذَا اسْتَصْعَبَتْ دَابتُهُ قيلَ: يقْرَأ في أذُنَيْهَا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ [يُرْجَعُونَ]﴾ (١). وَإِذَا انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ نَادَى يا عبادَ اللهِ احْبِسُوا مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاَثاً (٢) وَيُسْتَحَبُّ الْحُدَاءُ (٣) للسُّرْعَةِ في السَّيْر وَتَنْشِيط الدَّوابِّ والنُفُوس وَتَرْوِيحِها وَتَسْهِيلِ السَّيْرِ وفيه أحاديثُ صحيحةٌ كثيرةٌ فإِذا رَكِبَ سَفِينَةً قَال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود: ٤١] (٤) ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآيةَ (٥). الثامنة والعشرون: يُسْتَحَب الإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاء في جَميع سَفَرِهِ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْه وَأَحبَّائه وَوُلاَة الْمُسْلِمين وَسَائر الْمُسلمين بِمُهمَّات أَمُور الآخرة

стр. 69

وَالدُّنْيَا للْحَديث (١) الصَّحيح في سُنَن أبي دَاوُدَ وَالتِّرمذي وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ عَنِ النَبى ﷺ قالَ: "ثَلاَثُ دَعَوَات مُسْتَجَابَات لاَ شَك (٢) فيهِن: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ (٣) وَدَعْوَةُ الْمُسَافر وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ (٤) على وَلَدِهِ" وَلَيْسَ في روَايه أبي دَاوُدَ عَلَى وَلَده. التاسعة والعشرون: يُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُداوَمَةُ عَلَى الطَّهَارَةِ (٥) والنَّوْمُ عَلَى

стр. 70

الطهَارَةِ (١) وَمِمَا يَتَأكَّدُ الأمْرُ به الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَلاة في أَوْقَاتِها (٢) الْمَشْرُوعَة وَلَهُ أنْ يقْصُرَ وَيَجْمَعَ (٣) وَلَهُ تَرْكُ الْجَمْعِ وَالْقَصْرِ (٤) وَلَهُ فِعلُ أحَدِهِمَا وَتَرْكُ الآخرِ (٥) لَكن الأَفضَلُ أنْ تقْصُرَ وَأنْ لاَ يَجْمَعَ للخروج مِنْ خِلاَف الْعُلَمَاء في ذَلِكَ فانَ أبَا حَنيفَةَ وَغَيْرَه رَحِمَهُم الله تَعَالَى قَالُوا: الْقَصْرُ وَاجب (٦) وَالْجَمْعُ حَرَامٌ إِلا في عَرَفَاتِ وَالْمُزْدَلِفَةِ، وإذا أراد القصر فلا بد من نية القصر (٧) عند الإِحرام بالصلاة. وإنما يجوز الْقَصْرُ في الطهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشاء كُل وَاحِدَة رَكْعَتَانِ وَلَوْ فَاتَتْهُ مَقْصُورَة فَقَضَاهَا في السَّفَر (٨) فَالأَوْلَى أنْ يقْضِيَها تَامَّة فَإنْ قَصرَهَا جَازَ عَلَى الأَصَحِّ وَإذَا أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ (٩) في وقْت

стр. 71

أحَدِهِمَا وَبينَ الْمَغْرب والْعِشَاء في وَقْتِ أحَدهما فَإن شَاءَ قَدَّمَ الثَّانِيةَ إِلَى الأوْلَى وَإِنْ شَاءَ أخرَ الأولَى إِلى وَقْتِ الثانِيَةِ لَكِن الأَفْضَلُ إِنْ كان نَازِلاً في وَقْتِ الأُولَى أنْ يقَدِّمَ الثَّانِيةَ وإنْ كان سَائراً في وَقْتِ الأوْلَى أَخرَهَا (١) فَإِنْ أرَادَ الْجَمْع في وَقْت الأُوْلَى فَلَهُ ثَلاَثَةُ شُرُوط: أَنْ يَبْدَأ بالأُوْلَى وأَنْ يَنْوِيَ الْجَمْعَ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهَا (٢) والأَفْضَلُ أنْ تكونَ النيةُ عِنْدَ الإِحرَامِ بها وأَنْ لا يُفَرِّقَ بَيْنَ الصَلاَتين بِصَلاَة سُنَة ولا غيْرها فَإِنْ فُقد أحَدُ هَذِهِ الشُّرُوط بَطَلَ الْجَمعُ وَوَجَبَ أن يُصَلِّي الثانِيةَ في وَقْتِهَا وَلَوْ فَرَقَ بينَ الصَلاَتَين بِنَحْو الكَلِمَتَيْن أو الثلاَث لم يَضُر وإنْ فَرقَ بالتَّيَمُّم (٣) بأن تَيَمَّمَ للأولَى ثُم سَلمَ مِنْهَا ثُمَّ تَيَمَّمَ للثانِيةِ وَشَرعَ فيهَا مِنْ غَيْر تأخير جَازَ على المَذْهب الصَّحيح وإنْ أرَادَ الجَمْع في وَقْت الثانِية وَجَبَ عَلَيْه أنْ يَنْوِيَ تأخيرَ الأُوْلَى إِلَى الثَّانِيةِ للْجَمْع وَتكونُ هَذه النية بَعْدَ دُخُول وَقْت الأولَى وَلَهُ تأخيرُ هذِهِ النية ما دام مِنْ وَقْتِ الأُولَى ما يَسَعُهَا فإنْ لم يَنْو تأخيرَهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ أثم (٤) وصَارَتْ قَضَاءً وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهَا في الْقَصْر وَيُسْتَحَب أنْ يَبْدَأ بالأولَى وأن لاَ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فَإنْ خَالَفَ وَبَدأ بالثانِية أوْ فَرقَ جَازَ على الأَصَحِّ بِخَلاف مَا سَبَقَ مِنَ الجَمْع في وَقْت الأُوْلَى.

стр. 72

فصل إِذَا جَمَعَ في وَقْت الأُولَى أَذَّنَ لَهَا (١) ثُمَّ أقَامَ لكُل وَاحِدَة مِنْهُمَا وَعلى قَوْلٍ لاَ يُؤَذنُ، وإنْ جَمَعَ في وَقْت الثانِية فَكَذَلِكَ على الأَصَح وَعَلَى قَوْلٍ لاَ يُؤَذّنُ وعلى قَوْلٍ إنْ رجا حُضُورَ جَمَاعَة أذَّنَ وَإِلاَ فَلاَ. فصل وَيُسْتَحَب صَلاَةُ الْجَمَاعَة في السَّفَر وَلَكِنْ لاَ تَتأكَّدُ كَتَأكُدِهَا في الْحَضَر (٢). فصل وَتُسَنُّ السُنَنُ الرَاتِبةُ مَعَ الْفَرَائِضِ في السفَرِ كما تُسَنُ في الْحَضَرِ فَمَنْ جَمَعَ بينَ الظهْرِ وَالْعَصْرِ صلى أوَلاً سُنةَ الظهْرِ التي قَبْلَهَا ثُمَّ صَلَّى الظهْرَ ثم العصر ثُم سُنةَ الظهر التي بَعْدَهَا ثُمَّ سُنةَ الْعَصْر (٣).

стр. 73

فصل لِلْمُسَافر إلى مَسَافَة تَبْلُغُ مَرْحَلَتَيْن فَصَاعِداً (١) أن يَمْسَحَ عَلى خُفَّيْه ثَلاَثَةَ أيام وَلَيَالِيهِنَّ (٢) ابْتدَاؤهَا مِنْ حينِ يُحْدثُ (٣) بَعْدَ لُبْسه ولا يَجُوزُ المَسْحُ إلاَّ على خُف سَاتر لمحَل الفرض مِنْ رِجْلَيْه ويُشْتَرَطُ سَتْرُهُمَا مِنْ أسْفَل (٤) ومِنَ الْجَوَانِبِ الأَرْبَع وَلاَ يُشْتَرَطُ سَتْرُهُمَا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ وَلاَ يَضُرُ إذا حَصَلَ السَتْرُ الْمَشْرُوطُ لَوْ كَانَ يُرَى كَعْبَاهُ من فَوْقه. ولا يَجُوزُ الْمَسْحُ إِلاَّ أنْ يَلْبَسَهُ على طَهَارَة كاملَة وَلَهُ أنْ يُصَلِّي بالمَسْحِ الوَاحد ما شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ والنَّوافل (٥) مَا لم تَنْقَضِ الْمُدَّةُ ولا يَجُوزُ الْمَسْحُ في غُسْل الجَنَابةِ ولا غَيْره مِنَ الأَغْسَالِ الْوَاجِبَةِ والمَسْنُونَة فَإنْ أَجْنَبَ (٦) أو

стр. 74

حَاضَت الْمَرأةُ في أثْنَاء الْمُدة وَجَبَ نَزْعُهُ واسْتئنَافُ اللبْس على طَهَارَة فَلَوْ غَسَلَ رجْلَيْه. في الْخُف ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ وصَحَتْ صَلاَتُهُ لَكِنْ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ حَتَّى يَسْتَأنف اللبْس عَلَى طَهَارَة. وَصِفَةُ الْمَسْح الْمُخْتَار أن يَمْسَحَ أعْلاَهُ وأسْفَلَه (١) خُطُوطاً فإن اقْتَصَرَ على جزْءٍ يَسير مِنْ أعْلاهُ أجْزأهُ (٢) وإنْ اقْتَصَرَ على أسْفَله أوْ حَرْفه (٣) لَمْ يُجْزه على الأصَح وَسَوَاءٌ مَسَحَهُ بيَده أو بعُود أوْ بخرْقَة (٤) أو غَيْر ذلكَ فَكُلهُ جائزٌ ولو قَطَّر الْمَاء عليه أو وضَعَ يَدَهُ عليه ولم يُمرَّها أوْ غَسَله أجْزَأه عَلَى الأَصَح لكن يُكْرَهُ الغُسْلُ وإذا انْقَضَتْ الْمُدَةُ أو ظَهَرَ شَيْءٌ مِن رجْلِهِ (٥) في مَحَل الْفَرْضِ خَلَعَ الْخُفَّيْنِ ثُمَّ يَنْظُرُ فإن كان مُحْدثاً اسْتَأنَفَ الْوُضوءَ وإنْ كان على طَهَارَةِ الْغُسْلِ فلا شيءَ عليه فَيَسْتأنِفَ اللبْسَ على تلكَ الطهَارَةِ إن شَاءَ وإن كانَ عَلَى طَهَارَة مَسْح فَيَنْبَغِي (٦) أنْ يَسْتأنف الْوُضوء فَإن اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِ

стр. 75

الْقَدَمَيْن أجْزَأهُ عَلَى الأصَح والأَفْضَلُ أنْ يَسْتَأنِفَ الْوُضوءَ (١) وإنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الفصل في مَسْح الْخُف لأنهُ ممَا يَحْتَاجُ إليه الْمُسَافِر لتَوْفِير ماءِ الطهَارَةِ وَتَخْفيف أمْرها وَمَسَائلُ الباب كَثِيرَة لكن قد أشَرْتُ إلى مقاصِدها والله أعْلَمُ. فَصْل يجوزُ التنفلُ في السَفَر طَويلاً كان أوْ قَصيراً (٢) على الرَّاحلة (٣) ومَاشياً إلى أي جِهة تَوَجَّهَ. وَيَسْتَقْبِلُ الْمَاشي القِبْلَةَ عِنْدَ الإِْحْرام وَالرُكُوع والسُّجُود (٤) وَلاَ يَشْتَرِطُ اسْتِقبالها في غَيْر هذه الْمَواضِعِ لكن يُشْتَرَطُ أن لاَ يَسْتَقْبل غيرَ جهةِ مَقْصِدِهِ إلا إلى الْقِبْلَة ويُشْتَرَطُ أنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ على الأَرْضِ وَالرَّاكِبُ الْمُتَمَكِّنُ (٥) مِنْ تَوجيهِ الدابةِ إلى الْقِبْلَة يَلْزَمُهُ الاسْتِقْبال عندَ الإِحْرَام بالصَلاَة لا غير فإنْ لم يَتَمَكَّنْ (٦) بأنْ كانت دابتُهُ مَقْطُورَةً أو صَعْبةً (٧) لم يُشْتَرَطْ الاسْتِقْبال في شيءٍ إلاَّ أنْ يَكُونَ في هَوْدج يَتَمَكَنُ فيه من اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَيُشْتَرَطَ
следующие страницы →