Полный текст (519 стр.). Показаны 491–519 · переход к 496.
стр. 491
أحَدُهُمَا كَضَمَان حَرَمِ مَكةَ وأصَحهُمَا أخذ سَلَبِ الصائِدِ وَقَاطعِ الشَّجَرِ (١) . وَالمُرَادُ بالسَّلَبِ مَا يَسْلُبُ الْقَتِيلُ مِنَ الْكُفَّارِ (٢) ثُم هُوَ للسالِبِ عَلَى الأَصَحّ وَقِيلَ لفُقَرَاءِ الْمَدِينةِ وَقِيلَ لَبَيْتِ الْمَالِ.
فَصْل
وَيَحْرُمُ صَيْدُ وَجِّ (٣) وهو وَاد بالطَّائِفِ لَكِنْ لاَ ضَمَانَ فِيهِ. وأَمَّا النَّقِيعُ الحواشي
(١) به قال أحمد.(٢) قضية هذا أنه يؤخذ حتى ساتر العورة وهو ما عليه الأكثرون لكن الذي صححه في المجموع وصوبه في الروضة أنه يترك له ساتر العورة للفرق بين الحربي المهدر والمسلم المعصوم، ويجوز سلبه بمجرد إلاصطياد وإن لم يتلف الصيد إلا إذا كانت ثيابه مغصوبة فلم يسلب بلا خلاف كما في المجموع.
قال في الحاشية: ويلحق بها المؤجرة والمستعارة وثياب العبد نعم إن أذن له المالك بالاصطياد أخذت على الأوجه، والدليل على أخذ سلب الصائد وقاطع الشجرة ما رواه مسلم: (أن سعد بن أبي وقاص ﵁ وجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه فسلبه: فلما رجع سعد جاء أهل العبد فكلموه أن يردّ على غلامهم أو عليهم ما أخذه من غلامهم فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفله رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم).
وفي رواية أبي داود: أخذ رجلاً يصيد في حرم المدينة فسلبه ثيابه فجاء مواليه فكلموه فيه فقال: إن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم وقال: "من أخذ أحداً يصيد فيه فليسلبه".(٣) أي وشجره وخلاه كما في المجموع ودليل التحريم ما رواه البيهقي أنه ﷺ قال: "ألا إن صيد وجّ وعضاهه حرام محرم". قال في المجموع: صيد وج حرام عندنا.
قال العبدري: قال العلماء كافة: لا يحرم. اهـ.
أقول: أي نظراً لضعف الحديث قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى في مغنيه: والحديث ضعفه أحمد ذكره أبو بكر الخلال في كتاب العلل والله أعلم.стр. 492
بالنُّونِ (١) وَهُوَ الْمَوْضِعُ الذي حماهُ رسُولُ الله ﷺ لإبِلِ الصَّدقةِ فَلَيْسَ بحَرَمٍ وَلاَ يَحْرُمُ صَيْدُهُ ولكن لا يُتْلفُ شَجَرُهُ وَحَشِيشُهُ فَإِنْ أتْلَفهُمَا أحَدٌ فَالأصَحُّ أَنهُ يَلْزَمُهُ القيمةُ وَمَصْرِفُهَا مَصْرِفُ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْجِزْيةِ (٢) والله أعلم.
فَصْلٌ
فِيمَا إذَا فَعَلَ الْمُحْرِمُ مَحْظُورَيْنِ أوْ أكْثَرَ هَلْ يَتَدَاخَلُ ؟
هذَا الْبَابُ واسع لَكِنْ مُخْتَصَرُهُ أن الْمَحْظُورَ قِسْمَانِ: اسْتِهْلاَك كَالْحَلْقِ وَاسْتِمْتَاع. كالطِيبِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ النَّوْعُ كالْحَلْقِ واللبْسِ تَعَدَّدَتِ الْفِدْيةُ (٣) وَكَذَا إتْلاَفُ الصُّيُودِ تتعَددُ الْفِدْيةُ فِيهِ (٤) وَكَذَا إتْلاَفُ الصّيْدِ مَعَ الْحَلْقِ (٥) أوِ اللّبْسِ، لكِنْ لَوْ لَبِس ثَوْباً مُطَيَّباً (٦) لم تتعددِ الْفِدْية (٧) عَلَى الأَصَحّ وَلَوْ حَلَقَ شَعْرَ جَمِيعِ الحواشي
(١) هو ديار مزينة على نحو عشرين ميلاً من المدينة.(٢) فأربعة أخماسه للمرتزقة والخمس الخامس خمسه للمصالح كالثغور والقضاء، وخمسه لبني هاشم وبني المطلب وخُمْسه لليتامى وخمسه للمساكين، وخمسه لأبناء السبيل.(٣) لأنه لا تداخل مع اختلاف النوع إذ أحدهما ترفه وثانيهما استهلاك وشمل ما لو استند لسبب واحد كشجة احتيج إلى حلق جوانبها وسترها بضماد فيه طيب. اهـ ابن علان تقييدات.(٤) أي اتفاقاً بين الأئمة رحمهم الله تعالى ورحمنا معهم آمين. وما روى عن الإمام أحمد مما يخالف ذلك لم يصح عنه لمخالفته صريح القرآن.(٥) أي لاختلاف النوع وكذا دم كل منها فإنه مختلف كالحلق والقلم فلا تداخل وإن اتحد نوع دمها لاختلاف نوعيهما.(٦) مثله طلاء المحرم رأسه بطين مطيب ساتر، أو باشر بشهوة ثم جامع وإنْ طال الزمان بينهما.(٧) أي لاتحاد الفعل مع تبعية الطيب ونحوه.стр. 493
رَأسِهِ وَشَعْرَ بَدَنِهِ مُتَوَاصِلاً فَعَلَيْهِ فِدْيةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ فديتانِ (١) وَلَوْ حلقَ رأسَهُ فِي مَكَانَيْنِ أوْ في مَكَان في زَمَانَيْنِ مُتَفَرقَيْنِ فَعَلَيْهِ فِدْيَتَانِ (٢) وَلَوْ تَطَيبَ (٣) بِأَنْوَاع مِنَ الطّيبِ أوْ لَبِسِ أنْوَاعاً كَالْقميصِ وَالعَمامة والسَّراوِيل والْخُفّ أوْ نَوْعاً واحِداً مَرة بَعْدَ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ ذلِكَ في مَكَان وَاحِد عَلَى التوَالِي فَعَلَيْهِ فِدْيةٌ وَاحِدَة وإنْ كَانَ في مَكَانَيْنِ أوْ فِي مكان وتخلَّلَ زَمَان فَعَلَيْهِ فِدْيَتَانِ سَوَاءٌ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا تكْفِيرٌ عَنِ الأَولِ أمْ لاَ (٤) هذا هُوَ الأَصَحُّ، وَفي قَوْل إذا لم يتخَلل تكفيرٌ كفاهُ فِدْية واحِدةٌ. الحواشي
(١) اعتباراً بتعدد الزمان والمكان.(٢) محله إن أفاد الثاني غير ما أفاد الأول كأن لبس السراويل في محل ثم القميص في محل آخر، أما إذا لم يفد شيئاً كأن لبس قميصاً بعد قميص وعمامة فوق القبع فلا تتعدد الفدية وإن اختلف الزمان والمكان.(٣) قوله: ولو تطيب إلخ. قال في الحاشية: محل ما ذكر في اتحاد الفدية ما لم يتخلل تكفير، وإلا احتاج المتجدد بعده لفدية أخرى وإنْ اتحد الزمان والمكان ونوى بالكفارة الماضي والمستقبل كما في المجموع.
أقول: ومحل ما ذكر أيضاً غير تكرار الجماع، أما تكرره ثانياً وثالثاً مع قضاء الوطر فتتعدد فيه الفدية ومحله أيضاً إذا لم يفد الثاني شيئاً كأن لبس قميصاً بعد قميص كما تقدم قريباً ومحله أيضاً أنْ لا يقابل بمثله كالصيود فتعدد بلا خلاف كضمان المتلفات كما تقدم في قول المصنف رحمه الله تعالى وكذا إتلاف الصيود تتعدد الفدية فيه والله أعلم.(٤) مذهب الإمام أحمد ﵀ إن فعل المُحْرِم محظورات متعددة من جنس واحد كما لو حلق مرة بعد مرة أو لبس مرة بعد مرة فعليه فدية واحدة ولا تتعدد الفدية بتعدد الأسباب التي هي من نوع واحد سواء كانت في مجلس واحد أو مجالس متفرقة ومحل هذا ما لم يكفر عن الأول قبل الثاني، فلو تطيب مثلاً ثم افتدى ثم تطيب بعد الفدية لزمته فدية أخرى.
وعن الإِمام أيضاً إن كرر ذلك لأسباب مختلفة مثل إن لبس للبرد ثم لبس للحر ثم لبس للمرض فكفارات، وقد رَوَى عنه الأثرم ﵀ فيمن لبس قميصا وجبة وعمامة =стр. 494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وغير ذلك لعلة واحدة قلت له: فإن اعتل فلبس جبة ثم برأ ثم اعتل فلبس جبة؟ قال: هذا الآن عليه كفارتان.
قاله العلامة ابن قدامة في مغنيه ثم قال: وعن الشافعي كقولنا وعنه لا يتداخل، وقال الإمام مالك ﵀: تتداخل كفارة الوطء دون غيره، وقال الإِمام أبو حنيفة ﵀: إن كرره في مجلس واحد فكفارة واحدة وإنْ كان في مجالس فكفارات لأن حكم المجلس الواحد حكم الفعل الواحد بخلاف غيره، ولنا إنما يتداخل إذا كان بعضه عقيب بعض يجب أن يتداخل وإنْ تفرق كالحدود وكفارة الأيمان ولأن الله أوجب في حلق الرأس فدية واحدة ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات، والقول بأنه لا يتداخل غير صحيح فإنه إذا حلق رأسه لا يمكن إلا شيئاً بعد شيء. اهـ من المغني.
وأما إنْ كانت المحظورات من أجناس مختلفة كأن حلق ولبس وتطيب ووطىء فعليه لكل واحد منها فدية سواء فعل ذلك مجتمعاً أو متفرقاً. قال في المغني: وهذا مذهب الشافعي.
مذهب الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى
إن تكرر من المحرم موجب للفدية مِنْ نوعٍ واحد في مجلس واحد فعليه كفارة واحدة وهي فدية الأذى إن كان ذلك لعذر، ودم إنْ كان لغير عذر، وإنْ فعل ذلك في مجالس متعددة تعددت، وقال محمد: لا تتعدد إلا إذا كَفر عن الأول قبل فِعْل الثاني فلو لبس قميصاً وقباء وسراويل وخفين يوماً كاملاً أو أياماً لزمه دم واحد أو فدية واحدة وكذا لو كان ينزعه بالليل ويلبسه بالنهار بنية عدم الترك فإنْ نزعه على عزم الترك ثم لبسه بعد ذلك فعليه دم آخر، وإنْ اختلفت أسباب الفدية كمن تطيب ولبس مخيطاً أو تطيب وغطى رأسه يوماً كاملاً مثلاً تعددت الفدية أو الدم سواء كان ذلك في مجلس أو مجلسين، وقد تقدم أنه لا خلاف في تعدد جزاء الصيد بتعدد الصيد، وما روي عن الإِمام أحمد مما يخالف ذلك لم يصح لمخالفته صريح القرآن والله أعلم.
مذهب الإِمام مالك ﵀
حاصله أن الجماع لا يتعدد الهدي اللازم فيه بتعدده سواء جامع بعد إخراج الهدي عن الأول أو قبله، وأما غير الجماع من محظورات الإِحرام مثل المخيط والتطيب وحلق =стр. 495
فَصْلٌ
في الإِحْصَارِ
إذَا أحْصَرَ الْعَدُوّ الْمُحْرِمَ عَنِ المضي في الحج (١) مِنْ كُلّ الطُّرُقِ فَلَهُ التحَلُل سواء كانَ وَقْت التحَلُّلِ وَاسعاً أوْ ضَيقاً. ثُمَّ إن كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعَاً الحواشي
(١) أي عن إتمام أركانه أو أركان العمرة، ولو عن السعي وحده فخرج ما لو مُنعَ =стр. 496
فالأَفْضَلُ أنْ لاَ يُعَجّلَ التحلُّلَ فَرُبّمَا زَالَ الإحْصَارُ فَأتَمَّ الحجَ وَإنْ كان الوَقْتُ ضَيْقاً فَالأَفْضَلُ أنْ يُعَجلَ التحَللَ لِئَلاَّ يَفُوتَ الْحَج. وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ بِالْعُمْرة التحَلُّلُ إذَا أحْصِرَ كَالْحَجّ وَلَوْ مُنِعُوا وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْمُضِيّ إلاَّ بِبَذْلِ مَالٍ فَلَهُمُ التَحَلُّلُ (١) وَلاَ يَبْذُلُونَ الْمَالَ وإنْ قَل، بَلْ يُكْرَهُ الْبَذْلُ (٢) إنْ كَانَ الطالِبُ كَافِراً الحواشي
(١) حاصل ما في التحلل أنه ينقسم إلى أربعة أقسام:
(أحدها): امتناعه وذلك فيما إذا علم زوال الإِحصار في الحج في مدة يمكن إدراك الحج بعدها وفي العمرة في ثلاثة أيام أو كان ثمة طريق آخر ووجدت الاستطاعة في سلوكه أو حبس المحرم في حق يتمكن من أدائه أو أمنهم الصادون ووثقوا بقولهم، وإن صدوهم عن مكة امتنع التحلل قبل الوقوف بعرفة، وإن صدوهم عن عرفة فقط كان التحلل بعمل عمرة.
(ثانيها): أولوية ترك التحلل وذلك في العمرة مطلقاً وفي الحج إن كان الوقت واسعاًَ ورجى زوال الإحصار.
(ثالثها): عكس الثاني وذلك في الحج إذا كان وقته ضيقاً بحيث يخشى فوات الحج لو صبر.
(رابعها): إباحة التحلل وهو الأصل فيه. اهـ رحم الله قائله آمين.(٢) أي ولا يحرم كالهدية لأن مصلحة تتميم النسك اقتضت المسامحة بذلك مع أن الصغار غير محقق هذا إذا كان الطالب كافراً أما إذا كان مسلماً فلا يكرهстр. 497
لأنَّ فيه صَغاراً عَلَى الإِسْلاَمِ، وَإِنْ احْتَاجُوا إلى قتال فَلَهُمْ التحَللُ وَلاَ يَلْزَمُهُمُ الْقِتَالُ سَوَاء كَانَ الْعَدُوّ مُسْلِمِينَ أوْ كُفارا قَلِيلاً أوْ كَثِيراً، لكِنْ إنْ كَانَ في الْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ فالأَوْلَى أنْ يقاتِلُوا الْكُفارَ، وَإنْ كَانَ فِيهِمْ ضَعْفٌ فالأَوْلَى أنْ يَتَحَلّلوا وَمَتَى قَاتَلُوا فَلَهُمْ لُبْسُ الدُّرُوعِ وَالْمَغَافِرِ وَعَلَيْهِمُ الْفِدْيةُ كَمَنْ لَبِسَ لِحَرّ أوْ بَرْدٍ وَسَوَاء في جَوَازِ التحَللِ أحَاطُوا بِهِمْ مِنْ الْجَوَانِبِ أوْ مَنَعُوهُمْ مِنَ الذهّابِ دُونَ الرُجُوعِ، ثُم إنَّهُ يلزم الْمُتَحَللَ بِالإِحْصار ذَبْحُ شَاة (١) يُفَرّقُهَا حَيْثُ أُحصِرَ وَلاَ يَعْدِلُ عَنِ الشَّاةِ إلى بَدَلِهَا إنْ وَجَدهَا، فَإِنْ لَمْ يجِدْهَا فَالأَصَحُّ أَنهُ يَأتِي ببَدَلِهَا وَهُوَ إخْرَاجُ طَعَام بِقِيمَتِها فإنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلّ مُدّ يَوْماً (٢) وَاعْلَمْ أنَّ التحَلُّلَ يَحْصُلُ بِثَلاَثَةِ أشْيَاءَ: ذَبْحٍ وَنِيَّةِ التحَللِ بِذَبْحِهَا وَالْحَلْقِ (٣) إذا قُلْنَا بِالأَصَح أنهُ نُسُكٌ وَلاَ يَحْصُلُ إلاَّ بِاجْتِمَاع هذِهِ الثلاَثَةِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الشَّاةَ وَكَانَ يُطْعِمُ بَدَلَهَا تَوَقَّفَ التحَللُ عَلَيْهِ كَتَوقفِهِ عَلَى الذَّبْح وَكَذَا إنْ كَانَ يَصُومُ (٤) عَلَى الأَصَح، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الشَّاةِ وَبَدَلِهَا ثَبَتَت الشَّاة أوْ بَدَلُهَا في ذِمَّتِهِ وَجَازَ لَهُ التَّحَللُ في الْحَالِ بِالنّيةِ والْحَلْقِ عَلَى الأَصَحّ وَفِي قَوْل: لاَ يَتَحَلَّلُ حَتَّى يأتِي بِالشَّاةِ أوْ بَدَلِهَا. الحواشي
(١) أي في موضع الإِحصار وله إرسالها إلى الحرم كما في الحاشية وحينئذ فلا يحل إلا بعد علمه بنحرها.(٢) ويجبر المنكسر.(٣) أي ثم الحلق فلا بد من تقديم الذبح عليه لقوله ﷺ في قصة الحديبية: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" ولا بد من مقارنة النية لكل من الذبح والحلق والله أعلم.(٤) قال في الحاشية: المعتمد كما في المجموع وغيره أن التحلل لا يتوقف على الصوم بل له التحلل حالاً بالحلق مع النية لطول زمنه فتعظم المشقة في مصابرة الإحرام لفراغه.стр. 498
(فَرْعٌ): لَيْسَ لِلْمُحْرِمِ التَّحَلُّلُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَبْرَأ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِماً بِحَج أَوْ عُمْرَةٍ (١) ، فَإِذَا بَرِىءَ فَإِنْ كَانَ مُحْرِماً بِعُمْرَة أتَمَّهَا وَإِنْ كَانَ بِحَج أْتَمهُ، وإنْ كَانَ قَدْ فَاتَهُ تَحَللَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضاءُ، هَذَا إذَا لَمْ يَشْتَرِط التَّحَللَ بِالْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ شَرَطَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ (٢) أَنهُ إذَا مَرِضَ تَحَللَ أوْ شَرطَ التَّحَلّلَ لِغَرَضٍ آخَر (٣) كَضَلالٍ عَنِ الطَّرِيقَ أوْ ضَيَاعِ النّفَقَةِ أوْ الْخَطَأِ في الْعَدَدِ أو نَحْوِ ذَلِكَ فَالصَّحِيحُ أنهُ يَصِحُ شَرْطُهُ وَلَهُ التَّحَلُّلُ، وإذَا تَحَللَ إن كانَ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِالْهَدْي لزمَهُ الهدْيُ وَإِنْ كَانَ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِلاَ هَدْيٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْهَدْيُ وَإِنْ أطْلَقَ لَمْ يَلْزَمْهُ أيْضاً على الأصَحّ وَلَوْ شَرَطَ أنْ يقْلِبَ حَجهُ عُمْرَةً عِنْدَ المَرَضِ (٤) جَازَ (٥) ولَوْ قَالَ: إِذَا مرضْتُ صِرْتُ حَلاَلاً صَارَ حَلاَلاً بِنَفْسِ الْمَرَضِ عَلَى الأَصَحّ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى.
(فرعٌ): الحصرُ الخاصُّ الذي يتَّفقُ لواحدٍ أَوْ شِرْذِمَةٍ من الرُّفقةِ ينظرُ فِيهِ، فإنْ لمْ يكُنْ المحرمُ معذوراً كمنْ حُبِسَ في دينٍ يتمكنُ من أدائِهِ لمْ يَجُزْ لهُ التحلُّلُ بَلْ عليهِ أن يُؤديَ الدَّيْنَ ويمضِي في حَجّهِ، فإنْ فَاتَهُ الْحَجُّ في الحواشي
(١) أي أو بهما أو إحراماً مطلقاً أو كإحرام زيد لو قال: إن كان زيد محرماً.(٢) بيَّن به أنّ شرط التحلل بنحو المرض لا يؤثر إلا إنْ اقترن بالإِحرام.(٣) قال في الحاشية: منه الحيض على الأوجه بل هو أشق من كثير من الأعذار. اهـ.(٤) مثله كما قاله العلامة البلقيني رحمه الله تعالى كما في الحاشية: ما لو شرط انقلابه عمرة عند العذر، فإذا وجد إنقلب وفي الحالتين تجزئه تلك العمرة عن عمرة الإِسلام.(٥) قال في عمدة الأبرار كما في التحفة والنهاية زاد فيها: والأوجه لا يلزمه في هذه الحالة الخروج إلى أدنى الحل ولو يسيراً إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء. اهـ ومثله في شرح العباب خلافاً للبلقيني. اهـ.стр. 499
الحبسِ لزمهُ الْمَسِير إلَى مَكَّةَ وَيَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ (١) وَيَلْزَمُهُ القضاءُ كما تقدَّمَ، وإنْ كَانَ معذوراً كَمَنْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ ظُلْماً أوْ بدَيْنٍ لا يَتَمَكَنُ مِنْ أدائِهِ جازَ لَهُ التحلُّلُ. الحواشي
(١) يفهم منه أنها غير مجزئة عن عمرة الإسلام وهو كذلك.
مسائل من مذاهب العلماء في الإِحصار مأخوذة من المجموع
(الأولى): المحرم بالحج له التحلل إذا أحصره عدو بالإجماع ويلزمه دم وهو شاة هذا مذهب الشافعية ومذهب أبي حنيفة وأحمد والجمهور لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وتقرير الآية الكريمة فإن أحصرتم فلكم التحلل وعليكم ما استيسر من الهدي، ومذهب مالك لا دم على المحصر إذا لم يكن ساقه معه قبل الإحصار. أقول: ووافق الجمهور أشهب كما في أضواء البيان وبداية المجتهد ونهاية المقتصد. (الثانية): إذا أحرم بالعمرة وأحصر فله التحلل عند الشافعية والجمهور، ومنعه مالك لأنها تفوت دليل الجمهور ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ الآية ونزلت عام الحديبية حين كان ﷺ وأصحابه محرمين فذبحوا الهدايا وتحللوا، وحديث هذه القصة في الصحيح مشهورة.
(الثالثة): يجوز عند الشافعية التحلل بالإحصار قبل الوقوف وبعده سواء أحصر عن الكعبة فقط أو عن عرفات فقط أو عنهما، وقال أبو حنيفة: لا يتحلل بالإِحصار بعد الوقوف فإنْ أحصر بعد الوقوف عن الكعبة وعرفات تحلل وإنْ أحصر عن إحداهما لم يجز له التحلل. دليل الشافعية: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ الآية ولم يفرق.
(الرابعة): ذبح هدي الإحصار عند الشافعية والحنابلة حيث أحصر سواء كان في الحرم أو غيره، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذبحه إلا في الحرم، قال: ويجوز قبل يوم النحر. وقال الصاحبان: لا يجوز قبله. دليل الشافعية والحنابلة الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ نحر هديه هو وأصحابه بالحديبية وهي خارج الحرم.
(الخامسة): إذا تحلل بالإحصار فإنْ كان حجه فرضاً بقي كما كان قبل هذه السنة، وهذا مجمع عليه، وإن كان تطوعاً لم يجب قضاؤه عند الشافعية، وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة يلزمه قضاء التطوع أيضاً. =стр. 500
(فرع): إذَا تحللَ المحْصَرُ إنْ كانَ نُسُكُهُ تَطوعاَ فلا قضاءَ عليهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ تَطَوُّعاَ نُظِرَ إنْ لَمْ يكُنْ مستقراً كَحجةِ الإسلام في السنةِ الأولى مِنْ سنِي الإِمكانِ فلا حَج عليهِ إلا أنْ يجتمعَ فيه شروطُ الاستطاعةِ بعدَ ذلِكَ، وإنْ كان مستقراً كحجةِ الإِسلامِ فِيْمَا بعد السنةِ الأولَى وكالقضاء والنَّذْرِ فَهُوَ باقٍ في ذِمتِهِ، وَسَوَاء في هذَا كُلهِ الحَصْرُ العامُّ والْخَاصُّ عَلَى الأَصَحِّ وقِيلَ يجِبُ القضاءُ في الْخَاص.
(فرعٌ): لَوْ صُدَّ عَنْ طريق وَهُنَاكَ طَرِيقٌ آخرُ يتمكَّنُ مِنْ سلوكِهِ بأنْ يَجِدَ شَرَائِطَ الاسْتِطاعةِ فيهِ لزمَهُ سلوكُهُ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ التحلُّلُ سواء طالَ ذلكَ الطريقُ أمْ قَصُرَ، وسواءٌ رَجَا الإدراكَ أمْ خَافَ الْفَوَاتَ أمْ تَيقنَهُ، فَإنْ أُحْصِرَ في ذِي الحجةِ وَهُوَ بالشَّامِ أو بالعراقِ مثلاً فيجبُ الْمُضِي والتحللُ بِعَملِ عُمْرَةِ، فَإِنْ سَلَكَ الطرِيقَ الثاني فَفَاتَهُ الْحَج نُظِرَ إنْ كَانَ الطرِيقانِ سواءَ لزِمهُ القضاءُ لأنه فَوات مَحْض وإنْ كانَ في الطَّرِيقِ الثاني سببٌ حَصَلَ الفواتُ بِهِ كطول أو خشُونَة أوْ غَيرِهِمَا لَمْ يجبِ الْقَضَاءُ عَلَى الأَصَح لأنَّهُ مُحْصرٌ ولعدمِ تَقْصِيرِهِ.
الحواشي
(١) = (السادسة): مذهب الشافعية: لا يجوز التحلل بالمرض ونحوه كضلال عن الطريق أو ضياع نفقة من غير شرط وبه قال مالك وأحمد في رواية والدليل حديث عائشة ﵂ قالت: دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقال: يا رسول الله إني أريد الحج وإني شاكية فقال النبي ﷺ : "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني وكانت تحت المقداد" رواه البخاري ومسلم، وقال أبو حنيفة وعطاء والثوري وأبو ثور وداود في الرواية الأخرى: يجوز التحلل بالمرض وبكل عذر يحدث مطابقاً لقوله ﷺ : "من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى" رواه النسائي وأجاب السابقون بأن نفس المرض ونحوه لا يبيح التحلل إلا إذا اشترط لحديث البخاري ومسلم السابق عن عائشة (دخل النبي ﷺ على ضباعة) الحديث فلو كان المرض يبيح التحلل ما احتاجت إلى شرط والله أعلم.стр. 501
(فرعٌ): لاَ فَرْقَ في جَواز التَّحَللِ بالإِحْصَارِ بَيْنَ أَنْ يَتفِقَ ذلك قَبْلَ الْوُقُوفِ أوْ بَعْدَهُ وَلاَ بَيْنَ الإِحْصَارِ عَنِ الْبَيْتِ فَقَطْ أوْ عَنِ الوُقُوفِ أوْ عَنْهُمَا، فَإِذَا تَحَللَ بِالإِحْصَارِ الْوَاقع بَعْدَ الوقوفِ فَلاَ قضاءَ عَلَيْهِ عَلَى المذهبِ الصّحِيحِ كَمَا قَبْلَ الْوُقُوفِ وَالله أعْلَمُ.
стр. 502
الباب الثامن
فِي حَجّ الصَّبِيّ وَالْعَبْدِ وَالْمَرأةِ (١) وَمَنْ في مَعْنَاهُم (٢)
اعْلَمْ أَنّ الصَّبِيَّ (٣) لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَج وَلكِنْ يَصِحُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي آخِرِ الْبَابِ الأَوَّلِ ثُمَّ إِنْ كَانَ مُمَيِّزاً أحْرَمَ بَإِذْنِ وَلِيهِ فَإِنْ أحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الأَصَح (٤) ، وَلَوْ أحْرَمَ عَنْهُ (٥) وَلِيُّهُ صَحَّ عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيزاً أحْرَمَ عَنْهُ وَليهُ (٦) سواء كَانَ الْوَلي حَلاَلاَ أوْ مُحْرِماً وَسَوَاءٌ كَانَ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أمْ لاَ وَلاَ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الصَّبِيّ (٧) وَمُوَاجَهَتُهُ بِالإِحْرَامِ على الأصَحّ، وَالْمَجْنُونُ الحواشي
(١) أي سواء كانت حرة أو أمة لم يذكر المصنف ﵀ من أحكامها هنا إلا وجوب استئذان الزوج أو السيد إنْ كانت مزوجة، وبقية أحكامها قد قدمها أول الكتاب.(٢) أي من الأجزاء والجند المرصدين للحرب.(٣) ومثله الصَّبِية.(٤) فارق الصوم لأنه لا يفتقر إلى مال والحج يفتقر إليه والصبي محجور عليه فيه.(٥) أي عن المميز وليه وقوله صَح: هو المعتمد كما في الحاشية خلافاً لما في شرح مسلم.(٦) صفة إحرام الولي عن الصبي كما في المجموع هي أنْ ينوي جعله محرماً فيصير محرماً بمجرد ذلك.(٧) فلو كان الولي بالميقات والصبي بدمشق مثلاً ونوى عنه الولي صح لكنه يكره لاحتمال ارتكاب الصبي محظوراً لعدم علمه بالإِحرام.стр. 503
كَالصَّبِي الذي لاَ يُمَيّزُ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيهُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لاَ يَجُوزُ إحْرَامُ غَيْرِهِ عَنْهُ (١) كَالْمَرِيضِ، وَأَمَّا الْوَلي الّذِي يُحْرِمُ عَنْ الصَّبِيّ أو يَأذَنُ لَهُ فَالأَبُ يَتَوَلَّى ذَلِكَ (٢) وَكَذَا الْجَدُّ عِنْدَ عَدَمِ الأَبِ (٣) وَلاَ يَتَوَلاَّهُ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَالوَصِي والْقَيّمُ كَالأَبِ عَلَى الصَّحِيحِ وَلاَ يَتَوَلاَّهُ الأَخُ وَالْعَم (٤) وَالأُمّ (٥) عَلَى الأصَح إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيةٌ وَلاَ ولاَية مِنَ الْحَاكِمِ.
فَصْلٌ
متى صارَ الصَّبِيُّ مُحَرِماً فَعَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَفَعَلَ بِهِ الْوَلي مَا عَجَزَ عَنْهُ، فَإنْ قَدَرَ عَلَى الطَّوَافِ عَلَّمَهُ فَطَافَ وإلاّ طِيفَ بِهِ (٦) كَمَا سَبقَ، وَالسَّعْيُ الحواشي
(١) أي لا وليه ولا رفيقه لأنه غير زائل العقل ويرجى برؤه عن قرب فلو خرج في طريق الحج، فأغمى عليه عند الميقات قبل أنْ يحرم لم يصح إحرام وليه ولا رفيقه عنه سواء أذن فيه قبل الإغماء أم لا، وبه قال مالك وأبو يوسف، ومحمد وداود، وقال أبو حنيفة: يصح إحرام رفيقه عنه استحساناً ويصير المغمى عليه محرماً لأنه علم من قصده ذلك ولأنه يشق عليه تفويت الإحرام.(٢) أي بنفسه أو مأذونه ويشترط فيه شروط ولاية المال من العدالة وغيرها فإن انتفى عنه بعضها انتقلت إلى الجد فالحاكم.(٣) أو وجوده لا بصفة الولاية.(٤) أي وسائر العصبة غير مَنْ ذكر من الأب والجد.(٥) اعترض بما في مسلم من أنّ امْرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر. وردّ بأنه ليس في الحديث أنها أحرمت عنه وبتقديره يحتمل كونها وصية أو قيمة، والأجر الحاصل للأم أجر الحمل والنفقة. اهـ حاشية.(٦) أي مع طهر الطائف والمطوف به من الصبي والمجنون وغير المميز إذا كان راكباً اشترط أن يكون الولي أو مأذونه سائقاً أو قائداً في جميع المطاف. وأفهم قوله: (طيف به) وقوله فيما يأتي: (مَن لا رمي عليه) أنه يجوز للولي أن ينيب مَنْ يفعل عنه ما عجز عنه كما بينه في الإحرام عنه بل أولى.стр. 504
كالطَّوَافِ (١) ، وَيُصَلي عَنْهُ وَليهُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيزاً فَإنْ كانَ مُمَيزاً صَلاَّهُمَا بِنَفْسِهِ وَقِيلَ يُصَلِيهِمَا الْوَلي أيْضاً عَنْهُ وَيُشْتَرَطُ إحْضَارُهُ عَرَفَاتٍ وَيُحْضِرُهُ أيْضاً الْمُزْدَلِفَةَ وَالْمَوَاقِفَ والمبيتَ بِمنىً ويناولُهُ الأحجارَ فَيَرْميهَا إنْ قَدَرَ وَإلاَّ فَيَرْمِي عَنْهُ مِنْ لاَ رَمْيَ عَلَيْهِ وَيُستَحَب أنْ يضَعَهَا في يدِهِ أوَّلاً ثُمَّ يأْخُذُهَا فَيَرْمِيهَا.
فَصْلٌ
الزائِدُ مِنْ نَفقةِ الصَّبِي بِسَبَبِ السَّفَرِ يَجِبُ في مَالِ الوَلي عَلَى الأَصَحّ (٢) وَقِيلَ في مَالِ الصَّبِي.
فَصْلٌ
يُمْنَعُ الصَّبِي الْمُحْرِمُ (٣) مِنْ مَحْظُورَاتِ الإْحْرَامِ، فَإنْ تَطَيّبَ أوْ لَبِسَ نَاسِياً فَلاَ فِدْيةَ وَإِنْ كَانَ عَامِداً وَجَبَتْ الْفِدْيةُ على الأَصَح سَوَاءٌ كانَ بِحَيْثُ يَلْتَذُّ بِالطيبِ وَاللبَاسِ أمْ لاَ وإنْ حَلَقَ الشَّعْرَ أوْ قَلَّمَ الظفْرَ أوْ أتْلَفَ صَيْداً وَجَبَتْ الْفِدْيةُ عَمْداً كَانَ أوْ سَهْواً، وَمَتَى وَجَبَت الفِدْية فَهِيَ في مَالِ الوَلي عَلَى الأصَح إن كانَ أحْرَمَ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ أحْرَمَ بِنَفْسِهِ وَصَحَّحْنَاهُ (٤) ففِي مَالِ الصَّبِي. الحواشي
(١) أي يجب فيه إذا كان غير المميز راكباً أن يكون الولي أو مأذونه سائقاً أو قائداً.(٢) لأنه المورط له في ذلك.(٣) أي المميز أما غير المميز فلا فدية عليه ولا على الولي: قال الفقهاء رحمهم الله تعالى: إنما يكون عمد الصبي والمجنون عمداً إن كان لهما نوع تمييز. اهـ.(٤) أي على مقابل الأصح المتقدم في قوله فإن أحرم بغير إذنه لم يصح على الأصح.стр. 505
فَصل
إذا جامعَ الصَّبِي أوْ جُومِعَتِ الصَّبيةُ إِنْ كَانَ نَاسِياً أوْ مُكْرَهاً لَمْ يَفْسُدْ حَجهُ، وَإِنْ كَانَ عَامِداً (١) فَسَدَ عَلَى الأَصَحّ وَوَجَبَ قَضَاؤُهُ عَلَى الأَصَحّ، وَيُجْزِئُهُ الْقَضَاءُ في حالِ الصبَا عَلَى الأصَحّ فَلَوْ شَرَعَ في الْقَضَاءِ فَبَلَغ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَات وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الإٍسْلاَمِ (٢) وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ (٣) وَإِذا فَسَدَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَهَلْ هِيَ في مَالِ الْوَالِيّ أو في مَالِ الصَّبِيّ؟ فيهِ الخِلاَفُ السَّابِقُ.
فَصْل
حُكْمُ الْمَجْنُونِ حُكْمُ الصَّبِي الَّذي لاَ يُمَيّزُ في جميعِ مَا ذَكَرْنَاة (٤) . الحواشي
(١) أي ومميزاً أيضاً كما تقدم التقييد به أما غيره فلا فدية عليه ولا على وليه كما تقدم.(٢) إنما وقع عن حجة الإٍسلام دون القضاء لأن حجة الإسلام لا يتقدم عليها غيرها.(٣) أي ثانياً.(٤) حاصل مذهب الشافعية رحمهم الله تعالى في الصبي غير المميز والمجنون الذي لا يميز أنه إذا فعل كل منهما محظوراً فلا فدية على أحد، وإنْ كان الصبي مميزاً فإن تطيب أو لبس ناسياً فكذلك ومثله الجاهل، وإنْ تعمد وحلق أو قَلّم أو قتل صيداً ولو سهواً فالفدية في مال الولي لأنه المورط في ذلك بالإٍذن له فيه وحيث وجبت على الولي فهي كالواجبة بفعله، فإن اقتضت صوماً أو غيره وفعله أجزأه أو في مال الصبي. فإن كانت مرتبة أخرجت منه أو مخيرة امتنع الفداء عنه بالمال، ويصح الصوم منه ويجزئه، ولو طيّبه أو ألبسه الولي أو غيره، ولو لحاجة الصبي لزمته الفدية، وحكم دم التمتع والقران حكم الفدية بارتكاب محظور، والصحيح أنها في مال الولي لأنه المورط له، ولأنه يجب عليه منع موليه من سائر المحظورات ومحل الخلاف على مرجح العلامة =стр. 506
فَصْل
إذَا بَلَغَ الصبي فِي أثناءِ الْحَجّ نُظِرَ إنْ بَلَغَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الوُقُوفِ أوْ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَبَعْدَ مُفَارَقَةِ عَرَفَات وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ حجّة الإٍسْلاَمِ، وَإِنْ بَلَغَ في حَالِ الْوُقُوفِ أوْ بَعْدَهُ فَعَادَ وَوَقَفَ في الْوَقْتِ أجْزأهُ عَنْ حجَّةِ الإٍسْلاَمِ (١) لكِنْ يَجِبُ إِعَادَةُ السَّعْيِ إنْ كَانَ سَعَى عَقيبَ طَوَافِ القُدُومِ قَبْلَ الْبُلُوغ وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيح والطَّوافُ في الْعُمْرَةِ كَالْوُقُوفِ في الْحَجّ إذَا بَلَغَ قَبْله (٢) أجْزَأهُ عَنْ عُمْرَةِ الإٍسْلَامِ، وَعِتْقُ الْعَبْدِ فِي أثْنَاء الْحَج أو الْعُمْرَةِ كَبُلُوغِ الصبي (٣) فِي أثْنَائِهِمَا.
فَصْلٌ
إِحْرَامُ العبدِ صحيحٌ بِإِذْنِ سَيدِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ (٤) ، فإِنْ أحْرَمَ بِإِذْنِهِ (٥) لَمْ يكُنْ الحواشي
(١) وكذا لو بلغ بعد التحللين كما في الحاشية فعاد لعرفة قبل الفجر أجزأه عن حجة الإسلام ولزمه إعادة الطواف والسعي والحلق ورمي جمرة العقبة لأنه لا زال في أثناء الحج ما بقي عليه بعض أعماله، وهنا بقي عليه مبيت ليالي منى ورمي أيامها، ويؤيده عدم صحة اعتماره حينئذ لقول الفقهاء رحمهم الله تعالى إنه إلى الآن في الحج لم يخرج(٢) أي أو في أثنائه كما دَل له تشبيهه له بالوقوف، وصَرح به في المجموع. اهـ حاشية.(٣) أي وكذا إفاقة المجنون بعد الإٍحرام عنه كما في الحاشية.(٤) أي إذا كان بالغاً وله تحليله كما يصح. إحرام السفيه بغير إذن وليه وله تحليله، أما الصغير المميز فلا يصح إحرامه بغير إذن سيده كالحر المميز بل أولى هذا حكم إحرامه عن نفسه، وأما إحرام سيده عنه فيجوز عن الصغير ولو غير مميز.(٥) محل اعتبار إذن السيد حيث لم تكن منفعة القن مستحقة للغير والا اشترط إذن =стр. 507
لَهُ تَحْلِيلُهُ سَواءٌ بقِيَ نُسُكُهُ صَحِيحا أوْ أفْسَدَهُ وَلَوْ بَاعَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي تحلِيلُهُ وَلَهُ الخِيَارُ إنْ جَهِلَ إحْرَامَهُ، فَإِذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَالأَوْلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ في إتْمَامِ نُسُكِهِ فإنَّ حَلَّلَهُ جَازَ (١) ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ في الإٍحْرَامِ فَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يُحْرِمْ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ في الْعُمْرة فَأحْرَمَ بالحجّ كَانَ لَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلَوْ أذِنَ لَهُ في الْحَجّ فأحْرَمَ بالعُمْرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلَوْ أذِنَ لَهُ في الْحَجِّ أوِ التَّمَتّعِ فَقَرَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُه (٢) ، وَلَوْ أذِنَ لَهُ فِي الإٍْحْرَامِ في ذِي الْقِعْلَه فَأَحْرَمَ في شَوَّال فَلَهُ تَحْلِيلُهُ قَبْلَ دُخُولِ ذِي الْقِعْدَةِ ولا يجُوزُ بَعْدَ دُخُولهِ.
وَلَوْ أَفْسَدَ العبد الحج لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ويُجْزِئُهُ قضاؤهُ فِي حَالِ الرِّقّ عَلَى الأَصَحّ وَلاَ يَلْزَمُ أنْ يأذَنَ لَهُ في الْقَضَاءِ سَوَاءٌ كَانَ إحْرَامُهُ الأوَّلُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَكُلُّ دَم لَزِمَهُ بِمَحْظُور أوْ تَمَتّع أوْ قِرَان أوْ فوات أو إحصار لا يجب منه شيء على السيد سواء كان أحرم بإذنه أو بِغيرِ إذْنِهِ وَوَاجِبُه الصَّوْمُ، وَللسَّيْدِ الحواشي
(١) أي حيث لم يأذن له في الإتمام وإلا لم يملك تحليله بعد وكذا المشتري منه لكن له الخيار، فإنْ لم يأذن له أصلاً وباعه جاز للمشتري تحليله ولا خيار له.(٢) هو المعتمد كما في الحاشية لأن الإٍذن في التمتع إذْن في الحج كما في المجموع.стр. 508
مَنْعُهُ (١) إلاَّ صَوْمَ التَّمتعِ وَالقِرَانِ (٢) إذَا أذِنَ فِيهِ وَحَيْثُ جُوزَ للسيّدِ تَحْلِيلُهُ أرَدْنَا أَنهُ يأمره بالتحَلُل لاَ أنَ السَّيّدَ يستقل بِمَا يَحْصُلُ بهِ التحَللُ وَإِذَا جَازَ للسَّيدِ تحليلُهُ جازَ لَهُ هُوَ التحللُ (٣) وتَحَللُهُ يحصلُ بنيةِ التَّحَلُّلِ مَعَ الْحَلْقِ إذَا قُلْنَا إنَّهُ نُسُك وَأمُّ الْوَلَد وَالمُدَبَّرُ والمعَلق عِتْقُهُ والْمُكَاتَبُ وَمَنْ بَعْضُهُ حُر (٤) لَهُمْ حُكْمُ الْعَبْدِ (٥) ، والأمةُ المزوَّجةُ لاَ يَجُوزُ لَهَا الإٍْحْرَامُ إلاَّ بِإِذن الزَّوجِ والسيِّدِ جَمِيعاً وَلَوْ مَنَعَهُ الوَالِدُ أو الزوجُ أو صاحبُ الدَّيِن فَقَدْ تقدم بيانُهُ في أوَّلِ الكتابِ في المسئلة الثالثة والرَّابعة (٦) . الحواشي
(١) أي من الصوم إنْ كان أمة تحل له مطلقاً أو عبداً أو أمة لا تحل له كمجوسية أو محرم إن ضعفا عن الخدمة أو نالهما به ضرر، لأن حق السيد فوري والكفارة أصالة على التراخي، فلا نظر لكونها قد تجب فوراً لعصيانه بسببها لعروضه فقدم حق السيد لقوته عليه فإنْ انتفى ما ذكر فلا منع له، ولو من صوم تطوع.(٢) مثلهما دم الإحصار كما في الحاشية لإذنه في سببه، وله الذبح عنه بعد موته لحصول اليأس من تكفيره والتمليك بعد الموت ليس بشرط، ولهذا لو تصدق عن ميت جاز لا في حياته لتضمنه تمليكه وهو ممتنع.(٣) قيده في الحاشية تبعاً للإسنوي وغيره رحمهم الله تعالى بما إذا أمره به السيد، وكذا إن منعه من المضي، وإن لم يأمره به كما أخذه الأذرعي من كلام الرافعي ويجب في الصورة الأولى دون الثانية. أقول: قال بعضهم رحمه الله تعالى: وهذا أعني التقييد تبعاً للإسنوي وغيره رده في التحفة بأن الذي دَل عليه كلامهم أن له التحلل مطلقاً قال: بل القياس وجوبه عليه لما فيه من الخروج من المعصية لكن لَما كان شبهة التلبس بالنسك مع شدة لزومه واحتمال أن السيد يأذن له أبيح له البقاء إلى أن يأمره السيد بالتحلل فإنْ أمره به وجب.(٤) أي إن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة أوكانت وأحرم في نوبة السيد. أما إذا أحرم في نوبته ووسعت النسك فله حكم الحر.(٥) أي الخالص.(٦) أي من الباب الأول في آداب السفر. =стр. 509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = مسائل في مذاهب الأئمة رحمهم الله تعالى في حج العبد والصبي والأغلف ومن حج بمال حرام أو ركب دابة مغصوبة مأخوذة من المجموع
(الأولى): أجمع أهل العلم على سقوط فرض الحج عن الصبي، وعن المجنون والمعتوه، وأما صحة حج الصبي فهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وداود وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة في المشهور عنه: لا يصح منه لأنه لو صَح منه لوجب عليه القضاء إذا أفسده، ولأنه عبادة بدنية لا يصح عقدها من الولي للصبي كالصلاة.
واحتج المصححون بحديث جابر الذي رواه ابن ماجه (حججنا معنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم). وبحديث البخاري عن السائب بن زيد ﵁ قال: (حج بي مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين). وبحديث ابن عباس الذي رواه مسلم: (أن امرأة رفعت صبياً في حجة الوداع فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر")، وقياساً على الطهارة والصلاة فإن أبا حنيفة صححهما منه.
(الثانية): أجمعت الأمة على أن العبد لا يلزمه الحج لأن منافعه مستحقة لسيده فليس هو مستطيعاً، ويصح منه الحج بإذن سيده وبغير إذنه عند الشافعية. قال القاضي أبو الطيب رحمه الله تعالى وبه قال الفقهاء كافة وقال داود: لا يصح بغير إذنه. دليل المصححين أنه من أهل العبادة فصح منه الحج كالحر.
(الثالثة): الصبي والعبد إذا أحرما وبلغ الصبي وعُتق العبد قبل فوات الوقوف أجزأهما عن حجة الإسلام عند الشافعية، وبه قال أحمد في العبد، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجزئهما.
(الرابعة): إحرام العبد بغير إذن سيده صحيح عند الشافعية، وبه قال جميع الفقهاء والمشهور عن داود بطلانه، قال في كتاب رحمة الأمة: والأمة كالعبد إلا أن يكون لها زوج فيعتبر إذنه مع الولي، وعن محمد بن الحسن أنه لا يعتبر إذن الزوج.
(الخامسة): يصح حج الأغلف (وهو الذي لم يختتن) عند الشافعية وعند كافة العلماء (وأما) حديث أبي بردة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يحج الأغلف حتى يختتن" فضعيف. قال ابن المنذر في كتاب (الختان) من الإشراف: هذا الحديث لا يثبت، وإسناده مجهول. =стр. 510
فَصْلٌ
في آدابِ رُجُوعِهِ مِنْ سَفَرِ حَجّهِ
اعلم أن مُعْظَمَ الآدَابِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ الأَولِ في سَفَرِهِ مَشْرُوعَة في رُجُوعِهِ مِنْ سَفَرِهِ وَيُزَادُ هُنَا آداب:
أحدها: السُّنَّةُ أنْ يقَولَ مَا ثَبَتَ في الحديثِ عن ابنِ عُمَر ﵄ أنَّ رسُول الله ﷺ كانَ إذَا قَفَل (١) مِنْ حَج أوْ عُمْرَةٍ كَبرَ عَلَى كُل شَرَفٍ (٢) ثَلاَثَ تكْبِيرَاتٍ ثُمّ يقَولُ: "لاَ إلهَ إلاّ الله وَحدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملكُ وَلَهُ الحمدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قدير، آئبون (٣) تائبونَ عابدونَ ساجدونَ لِرَبنَا حَامِدُونَ، صدَقَ الله وَعْدَه (٤) وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَه". رَوَاهُ البخاريُ ومسلم في صَحيحَيْهِمَا، وَفِي صحيحِ مسلمٍ عن أنسٍ ﵁ قَالَ: أقْبَلْنَا مع رسولِ الله ﷺ حَتى إذَا كُنا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ قَالَ: "آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ" فَلَمْ يَزَلْ يقَولُ ذَلِكَ حَتى قَدِمْنَا المدينةَ. الحواشي
(١) أي رجع.(٢) أي مرتفع من الأرض.(٣) آئبون أي راجعون بهمزتين بينهما ألف الثانية منهما مكسورة، ويجوز إبدالها ياءً وأصل آئبون آوبون اسم فاعل من الأوب وهو الرجوع فقلبت الواو همزة معناه راجعون.(٤) أي ما وعد به من إظهار دينه بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] وهذا في الغزو ومناسبته للحج قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].стр. 511
الثاني: يُسْتَحَبّ إذَا قَرُبَ مِنْ وَطَنِهِ أنْ يَبْعَثَ قُدَّامَهُ مَنْ يُخْبِرُ أهْلَه (١) كَيْ لاَ يقْدَم عَلَيْهِم بَغْتَة فَهَذَا هُوَ السُّنّةُ.
الثالث: إذَا أشْرَفَ عَلَى بَلَدهِ فَحَسَن أنْ يقُولَ: اللَّهُم إنّي أسْألُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ أهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا واسْتُحِبَّ أنْ تقُولَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لنا بِهَا قَرَاراً (٢) وَرِزْقاً حَسَناً، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا جَنَاها (٣) وأعِذْنَا مِنْ وَبَالها وَحَبِّبْنَا إلَى أهْلِهَا وَحَبّبْ صَالِحِي أهْلِهَا إلَيْنَا، فَقَدْ رَوَيْنَا هذَا في الْحديثِ وَقَدْ أوْضَحْتُهُ في كِتَابِ الأَذْكَارِ (٤) .
الرابع: إذَا قَدمَ فَلاَ يَطْرُق أهْلَهُ في الليْلِ (٥) بَلْ يَدْخُلُ الْبَلْدَه غُدْوَةَ وَإِلاّ فَفِي آخِرِ النَّهَارِ. الحواشي
(١) ظاهر هذا أن الإرسال خاص بمن له حليلة والله أعلم.(٢) فإن قيل: إنّ طلب القرار إنما ورد في المدينة الشريفة -على ساكنها ﷺ وإخوانه الأنبياء والمرسلين والآل والصحب والأمة أجمعين أفضل الصلاة وأزكى السلام- للحث على سكناها فهو خاصٌّ بها.
أجيب: كما في الحاشية بأن كل أحد لا يتيسر له سكناها. ولئن سلم وروده فيها فلا يقتضي أنه مِنْ خواصها بل يقاس عليها غيرها في ذلك لأن النفوس تنزع إلى أوطانها، فإذا وصلت إليها طلب منها أنْ تسأل الله القرار فيها حذراً من تشتتها إذا انتقلت إلى غيرها والله أعلم.(٣) بفتح الجيم هو ما يجتنى من الثمرة، والمراد منها هنا ما يشمل المعنوية كالحسية.(٤) كتاب الأذكار للمصنف رحمه الله تعالى أحسن كتاب في الأذكار النبوية دنيوية وأخروية ودينية، وكل كتاب يأتي بعده فهو عالة عليه فيجب على كل شخص اقتناؤه ولذا قيل (بعْ الدار واشتر الأذكار) ورحم الله القائل:
ورحم الله النواوي الإمام ... لجمعه أذكار سيد الأنام
فطالعوه يا ذوي الدراية ... فإن فيه الخير والكفاية(٥) مستدرك وإلا فالطروق خاص بالليل. قال في المصباح: كل ما أتى ليلاً فقد =стр. 512
الخامس: إذا وَصَلَ مَنْزِلَهُ فالسُّنَّةُ أنْ يَبْتَدِىءَ بِالمَسْجِدِ فَيُصَلّي فِيهِ ركعتين (١) ، وإذَا دَخَلَ مَنزِلَهُ صَلَّى أيْضاً رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا وَشَكَرَ الله تعالَى.
السادس: يُسْتَحَب لِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَى الْقَادِمِ مِنَ الْحجّ أنْ يقُولَ: قَبِلَ الله حَجَّكَ وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَأخْلَفَ نَفَقَتَكَ. رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَر ﵄ عَنِ النبِي ﷺ وَعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ للْحَاج وَلمِنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ". قَالَ الحاكمُ: وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم.
السابع: يُسْتَحَب أنْ يقُولَ: إذَا دَخَلَ بيتَهُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الأَذْكَارِ عَنِ ابنِ عباس ﵄ قَالَ: كان النبي ﷺ إذَا رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ فَدَخَلَ عَلَى أهْلِهِ قَال تَوْباً تَوْباً (٢) لربنا أَوْباً لاَ يغادرُ حَوْباً. قُلْتُ: تَوْباً تَوْباً، سؤال التوبةِ أيْ نَسْألُك تَوبة كَامِلَة (٣) وَلاَ يُغَادِرُ حَوْباً أيْ لاَ يَتْرُكُ إثْماً. الحواشي
(١) أي للحديث المتفق عليه وهو أنه ﷺ : "كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين".(٢) أي أتوب توباً والتكرار للتأكيد، والتوبة منه ﷺ خضوع لمولاه سبحانه أو تشريع للأمة وقوله: أوْباً أي رجوعاً وقوله (لا يغادر) أي لا يترك وقوله: (حوباً) هو بضم الحاء وفتحها وهو أحسن لمناسبة أوْباً ومن الضم قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا(٢) ﴾ أي ذنباً عظيماً.(٣) أو نتوب إلى ربنا توباً ونرجع إليه رجوعاً لا يترك ذنباً ولا إثماً، وفقنا الله لمرضاته ولمتابعة رسول الله ﷺ آمين.стр. 513
الثامن: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَعْدَ رُجُوعِهِ خَيْراً مِمَّا كَانَ فَهَذا مِنْ عَلاَمَاتِ قبولِ الْحَج وأنْ يَكُونَ خَيْرُهُ آخِذاً (١) في ازْديادِ.
فَصْلٌ
ذكر أقضى القضاةِ الماورديُّ في الأحكامِ السلطانيةِ باباً في الولايةِ على الحجيجِ أنَا أذكرُ إِن شاءَ الله تعالى مقاصِدَهُ قَالَ: وِلايةُ الحج على ضربين: أحدهما: يكون على تسيير الحج، والثاني: على إقامة الحج.
أمَّا الضربُ الأولُ فَهُوَ وِلاية سِيَاسَةٍ وَتَدْبِيرٍ، وشرطُ المتولي أن يكونَ مُطَاعاً ذَا رَأْيِ وَشَجَاعَةٍ وِهدَايةٍ وَالذي عَلَيْهِ في هذ الولايةِ عشرةُ أشياءَ:
أحدها: جمعُ الناسِ في مسيرهِمِ ونزولِهِم حَتى لا يتفرّقُوا فيخافُ عَلَيْهِم.
الثاني: ترتيبُهُمْ في السَّيْرِ والنُّزُولِ وإعطاءِ كُل طَائفةِ مِنْهُمْ مَقاداً (٢) حتى يَعْرِفَ كُلّ فِرْقَةٍ مَقادَهُ إذَا سَارَ وَإِذَا نَزَلَ وَلاَ يَتَنَازَعُوا وَلاَ يَضِلوا عَنْهُ.
الثالث: يرفقُ بهم في السَّيرِ ويسيرُ سيرَ أضْعفِهِمْ (٣) . الحواشي
(١) في بعض النسخ بدل (آخذاً) (مستمراً) في ازدياد.(٢) المقاد في عرف الناس يسمى بالتقطير، وهو جَعْل الإِبل مربوطة بعضها خلف بعض تسير جملة مترتبة كل فرقة من الحجاج لإبلها موضع في المقاد، وظاهر أن هذا فيمن تقطر ركابهم كأهل تهامة، وأما أهل نجد والعراق فإنهم لا يربطون إبلهم بل تسير جملة بعضها في بعض. أقول: كل من الذي يقطر والذي لا يقطر كان في زمان قد مضى وانقضى والآن عصر السرعة طائرات وسيارات زمان عطلت فيه العشار، وحشرت في حدائقه الوحوش وجمعت فيها أصناف الحيوانات. زمان قرب بعيده وسار ونطق حديده، نسأله تعالى حسن الخاتمة آمين.(٣) أي ما لم يعارضه ما هو أهم منه كخوف عطش ونحوه.стр. 514
الرابع: يسلكُ بهمْ أوْضَحَ الطُّرقِ وأخْصَبَهَا.
الخامس: يَرْتَادُ لهْم المياهَ والمراعيَ إذا عجزُوا عَنْهَا.
قلت السادس: يَحْرُسُهُمْ إِذَا نَزَلُوا وَيَحُوطُهُمْ إذَا رَحَلُوا حَتى لا يتخطفهم متلصص.
السابع: يكف عنهمْ مَنْ يَصُدُّهُمْ عَنِ الْمَسيرِ (١) بقتالٍ إنْ قدرَ عَلَيْهِ أَوْ بذلِ مالٍ إِنْ أجَابَ الحَجِيجُ إلَيْهِ وَلاَ يَحِل لَهُ أن يَجْبُرَ أحَداَ عَلَى بَذْلِ الخِفارةِ (٢) إنْ امْتَنَعَ مِنْهَا لأنّ بَذْلَ المالِ في الخفارَةِ لا يَجِب (٣) .
الثامن: يصلحُ بينَ المتنازعينَ ولا يتعرضُ لِلْحُكْمِ بينَهُمْ، إلا أنْ يَكُونَ قَدْ فُوّضَ إلَيْهِ الحُكْمُ وَهُوَ جَامع لِشَرائِطِهِ فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فإنْ دَخَلُوا بلَداً جازَ لَهُ وَلحَاكِم البلدِ الحُكْمُ بينهمْ، وَلَوْ تَنازَعَ واحدٌ من الحجيجِ وَوَاحِد مِنَ البلدِ لَمْ يحكمْ بينهمْ إلا حَاكِمُ البلدِ. الحواشي
(١) لله الحمد والمنة الآن الطرق كلها في أمان الله، ثم في أمان الحكومة السعودية ولا هناك شيء مما كان، نسأله تعالى التوفيق لمرضاته وشكره آمين.(٢) الخفارة: هي المال الذي يدفعه الحاج ليأمن على نفسه فيؤدي نسكه.(٣) قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر ﵀ في كتابه (مفيد الأنام): اللهم إلا أن يخاف عليهم (أي على الحجاج) إنْ لم يبذلوا الخفارة من النهب والسلب أو القتل مع عجزهم عن مدافعة طالب الخفارة فله إذاً إجبار الحجيج على بذلها إلى أنْ قال: وفي سنة إحدى وسبعين وثلثمائة وألف طرح الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود الخفارة التي تؤخذ من الحجاج في زمنه وزمن أمراء مكة السابقين فصارت حسنة من حسناته والله لا يضيع أجر مَنْ أحسَنَ عملاً. اهـ من الكتاب المذكور ص ١٧٧ من الجزء الثاني.
أقول: وما زالت حكومتنا السنية من ذلك العهد وهي تبذل الأموال الطائلة على راحة الحجاج غير طالبة منهم جزاءً ولا شكوراً، وفقها الله تعالى لمرضاته آمين.стр. 515
التاسع: أنْ يؤدّبَ جَانِيهِمْ وَلاَ يجاوزُ التعزيرَ إلى الحدّ إِلاّ أنْ يكُونَ قَدْ أذِنَ لَهُ في الحدّ فَيَسْتَوفِيهِ إذا كانَ مِنْ أهْلِ الاجْتِهَادِ فيهِ، فإذا دخَلَ بلداً فِيهِ مَنْ يَتَوَلَى إقامَةَ الْحُدُودِ عَلَى أهْلِهِ فإنْ كَانَ الَّذِي مِنَ الحجيجٍ أتَى بالجنايةِ قبل دُخُولهِ البَلَدَ فَوَالِي الْحَج أوْلَى بإقامةِ الحَد عَلَيْهِ وَإِنْ كَان بَعْدَ دخولهِ الْبَلَدَ فَوَالِي الْبَلَدِ أوْلَى بِهِ (١) .
العاشر: أنْ يُراعِيَ اتّسَاعَ الْوَقتِ حَتَّى يَأمَنَ الْفَوَاتَ وَلاَ يَلْحَقُهُمْ ضيقٌ فِي الحَثّ عَلَى السيْر. فَإذَا وَصَلَ الميقاتَ أمْهَلهُمْ للإحْرَامِ ولإقامةِ سُنتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْت وَاسِعاً دَخَلَ بِهمْ مَكّةَ وَخَرَجَ مَعَ أهْلِهَا إلَى مِنى ثُمَّ عَرَفَاتٍ، وَإٍن كَانَ ضَيقاً عَدَلَ إلَى عَرَفَاتٍ مَخَافَةً مِنَ الْفَوَاتِ، فَإِذَا وَصَلَ الحجيجُ مَكةَ فمَنْ لَمْ يكُنْ عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ زالتْ وِلاَيةُ وَالِي الحَجِيجِ عَنْهُ، وَمَنْ كَانَ عَلَى عَزْمِ الْعَودِ فَهُو تَحْتَ وِلاَيَتِهِ وَمُلْتَزِمٌ أحْكَامَ طَاعَتِهِ (٢) .
وإذَا قَضَى النّاسُ حَجَّهُمْ أمْهَلَهُمْ الأَيَّامَ الّتِي جَرَتْ العادةُ بِهَا لإنجازِ حَوَائجِهِمْ وَلاَ يُعَجلُ عَلَيْهِمْ فِي الْخُرُوجِ فَيَضرُّ بِهِمْ، فَإذَا رَجَعُوا سَارَ بِهِمْ إلَى مَدِينةِ رسول الله ﷺ لزيارةِ قَبْرِهِ ﷺ رِعَايةً لحُرْمَتِهِ وَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يكُنْ مِنْ فُرُوضِ الْحج فَهُوَ مِنْ مندوباتِ الشَّرعِ الْمُسْتَحَبّةِ وَعَادَاتِ الْحَجِيجِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، ثُم يكونُ في عَوْده ملتزماً فيهم من الحقوق ما كان ملتزماً في ذهابه حتى يصل البلد الذي سارَ بِهِمْ مِنْهُ فتنْقَطعُ وِلاَيتُهُ بِالْعَوْدِ إلَيْهِ. الحواشي
(١) هذا باعتبار السابق أما الآن فإذا وصل الحجاج من أي جهة كانوا حدود المملكة السعودية لا دخل لأحد في الحكم أياً كان، فالحكم لله ثم لجلالة الملك ثم لنوابه. وفق الله حكومتنا وجميع حكام المسلمين لما يحبه ويرضاه آمين.(٢) أي في غير معصية الله تعالى.стр. 516
الضربُ الثاني: أن تكونَ الْوِلاَيةُ عَلَى إِقَامَةِ الحج فَهُوَ فيهِ بِمنزلةِ الإٍمامِ في إقَامَةِ الصَّلاَةِ، فَمِنْ شُرُوطِ هذهِ الْوِلاَيةِ مَعَ الشرُوطِ الْمُعْتبَرةِ في أئِمّةِ الصلواتِ أن يَكونَ عَالِماً بِمَنَاسِكِ الْحج وأحْكَامِهِ وَمَوَاقِيتِهِ وأيامِهِ وَتكُونُ مُدَّةُ وِلاَيتِهِ سَبْعَةَ أيَّامِ أوَّلُهَا مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ في الْيَوْمِ السَّابع مِنْ ذِي الْحِجةِ وَآخِرُهَا الْيَوْمُ الثالِثُ مِن أيامِ التشْرِيقِ وَهُوَ فيمَا قَبْلَهَا وَبَعْدَها أحَدُ الرَّعَايَا وَلَيْسَ مِنْ الْوُلاَةِ، ثُم إنْ كَانَ مُطْلَقَ الوِلاَيةِ على الحجّ فَلَهُ إِقَامَتُهُ كُلَّ سَنَةِ مَا لَمْ يُعْزَلْ عَنْهُ، وإنْ عقدَتْ خَاصَّةَ عَلَى عَام واحد لَمْ يَتَعَدَّ إِلى غَيْرِهِ إِلاّ بِولاية، والذي يَخْتَصُ بِولايتِهِ ويكونُ نَظَرُهُ عَليه مَقْصُوراً خَمْسَةُ أحْكام مُتفَقٌ عَلَيْهَا وسادِسٌ مختلفٌ فيهِ.
أحدُها: إعلامُ الناس بِوَقْتِ إِحْرَامِهِمْ والخروجِ إِلَى مشاعرِهِمْ ليكونُوا تابعينَ لَهُ مُقْتَدِينَ بأفعالِهِ.
الثاني: ترتيب المناسِكِ على ما استَقَر عَلَيْه الشَرْعُ فَلاَ يقدمُ مُؤخَّراً وَلاَ يُؤخرُ مُقَدَّماً سَواءٌ كانَ الترتيبُ مستَحباً أوْ وَاجِباً لأَنهُ متبوعٌ.
الثالثُ: تَقْدِير المواقيتِ بمقامِهِ فيها ومسيرِهِ عنها كَمَا تُقَدرُ صَلاَةُ المأمومِ بِصَلاَةِ الإمامِ.
الرابعُ: اتباعُهُ في الأذْكَارِ المشروعَةِ والتأمينِ على دعائِهِ.
الخامس: إمَامَهُمْ في الصَّلَوَاتِ التي شرِعت خُطَبُ الْحَجّ فِيهَا وجمع الحجِيجِ وهي أَرْبَعُ خُطَبِ سَبَقَ بيانُهَا: الأولَى بَعْدَ صَلاَةِ الظهْرِ يومَ السَّابع مِنْ ذِي الحجةِ وهي أَولُ شُرُوعِهِ في مَنَاسِكِهِ بَعْدَ الإٍحْرَامِ فَيَفْتَتِحُهَا بِالتَّلْبِيةِ إنْ كَانَ مُحْرِماَ وبالتكْبِيرِ إنْ كَانَ حَلاَلاً وَلَيْسَ لَهُ أنْ يَنفر النَّفْرَ الأَولَ بِمنى ليلةَ الثالثِ مِنْ أيامِ التشْرِيقِ وَيَنْفُر النَّفْر الثاني مِن غَدِ بَعْدَ الرَّمْي لأنّهُ مَتْبُوع فَلاَ يَنْفُر إلا
стр. 517
بَعْدَ كَمَال الْمَناسِكِ، فإِذا حَصَلَ النفر الثاني انقضَتْ وِلاَيَتُهُ، وأَما الْحكم السادسُ الْمُخْتَلفُ فِيهِ فَثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ:
أحدها: إذا فَعَلَ بَعْضُ الحجيجِ ما يقتضِي تعزيراً أو حَداً فإنْ كانَ لاَ يَتَعَلَّقُ بِالحجّ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُهُ وَلاَ حَدُّهُ، وإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّق بالحجِّ فَلَهُ تعزيرُهُ وَهَلْ لَهُ حَدّه؟ فيه وَجْهَانِ.
الثاني: لا يجوزُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْحَجِيجِ فِيْمَا يتنازعُون فيهِ مِمَّا لاَ يَتَعَلقُ بالحجِّ، وفِي الْمُتَعَلِّقِ بالحجّ كالزَّوْجَيْنِ إذَا تنازَعَا في إيجابِ الكفَّارَةِ بِالْوَطْءِ ومؤنةِ المرأةِ في القضاء وَجْهَانِ.
الثالث: أنْ يفعَلَ بَعْضُهُمْ مَا يقْتَضِي فِدْيةً فَلَهُ اْنْ يَعْرِفَ وَجُوبَها وَيَأمُرُهُ بإِخْرَاجِهَا وَهَلْ لَهُ إلْزامُهُ، فيهِ الْوَجْهَانِ.
واعلمْ أنَّهُ لَيْسَ لأمِيرِ الْحجّ أن ينكر عليهم ما يسوغ فعله إلاّ أن يخاف اقتداء الناس بفاعله وليس له أنْ يَحْمِلَ النّاسَ عَلَى مَذْهبِهِ وَلَوْ أقامَ الناسُ المَناسِك وَهُوَ حَلاَل غَيْرُ مُحْرِمِ كُرِهَ ذَلِكَ وَصَحَ الْحَج، وَلَوْ قَصَدَ النّاسُ التَّقَدُّمَ عَلَى الأَمِيرِ أوْ التأخُّرَ كرهَ ذلِكَ وَلَمْ يحرمْ هذا آخر كلام الماوردي رحمه الله تعالى.
فَصْلٌ
نَختم به الكتاب وإن لم يكنْ له اختصاص بالمناسك
تستحب المحافظة على دعاء الكرب وهو ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرضِ رب العرشِ الكريم.
стр. 518
وفي رواية لمسلم أن النبي ﷺ كان إذَا حَزَبَهُ أمْر قَالَ ذَلِكَ.
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ : "اللهم آتنا في الدنيا حسنة (١) وفي الآخرة حسنة وقِنَا عذابَ النارِ". وفي الحديثِ الصحيح عن أبي موسى الأشْعريّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا حولَ ولا قوةً إلا بالله كَنْز من كُنُوزِ الجنةِ".
وفي الصحيحين وهو آخرُ حديثٍ في صحيحِ البخارِي أن رسول الله ﷺ قال: "كلمتان خفيفتان عَلَى اللّسانِ ثقيلتانِ في المِيزانِ (٢) : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" فهذا آخرُ الكتاب والحمدُ لله أوَّلاً وآخراً وصلاتُهُ وَسَلامُهُ عَلَى سَيدِنَا مُحمّدِ خَيْرِ خَلْقِهِ وَعَلَى سَائِر النبيينَ والمرسلينَ أجمعين. والله أسأل خاتمةَ الخيرِ لِي ولسائرِ أحبابِي وسَائرِ المسلمين وحسبي الله ونعم الوكيلُ ولا حولَ ولا قُوّةَ إلاّ بالله العلِيّ العظيم.
قال الشيخ الإٍمامُ مُحيي الدينِ: صنفتُ هذَا الكتابَ وفرغتُ من تصنيفِهِ في صبيحةِ يوم الجمعة العاشِرِ مِنْ رجب الفردِ (٣) سنة سبع وستين وستمائة رَحِمَهُ الله تعالى ورضِيَ عَنْهُ وأثابه الجنة برحمتهِ وجمعنا به في دارِ كرامَتِهِ بمَنّهِ وَكَرَمِهِ إِنَّهُ عَلَى كُلّ شيءِ قَدير والحمد لله رب العالمينَ. الحواشي
(١) الحسنة في الدنيا هي كل خير ديني أو ما يجر إليه، وفي الآخرة كل مستلذ أخروي متعلق بالروح والبدن، جعلنا الله وإخواننا المسلمين والمسلمات من أهلها في الدنيا والآخرة آمين.(٢) أي ثقيل ثوابهما.(٣) سمي رجب بالفرد لانفراده عن باقي الأشهر الحرم وهي شهر ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب رابعها والله أعلم. =стр. 519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٤٠١) من هجرة من له مزيد الشرف سيدنا محمد ﷺ وعلى إخوانه النبيين والمرسلين وآل كل وصحب كل وأتباع كل كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
اللهم انفع بكتابي هذا (الإِفصاح) وبكافة كتبي كما نفعت بأصولها آمين. والحمد لله رب العالمين.