← Фикх общий

Фикх общий · id 96232

الإيضاح في مناسك الحج والعمرة

النووي

Полный текст (519 стр.). Показаны 491–519 · переход к 496.

стр. 491

أحَدُهُمَا كَضَمَان حَرَمِ مَكةَ وأصَحهُمَا أخذ سَلَبِ الصائِدِ وَقَاطعِ الشَّجَرِ (١). وَالمُرَادُ بالسَّلَبِ مَا يَسْلُبُ الْقَتِيلُ مِنَ الْكُفَّارِ (٢) ثُم هُوَ للسالِبِ عَلَى الأَصَحّ وَقِيلَ لفُقَرَاءِ الْمَدِينةِ وَقِيلَ لَبَيْتِ الْمَالِ. فَصْل وَيَحْرُمُ صَيْدُ وَجِّ (٣) وهو وَاد بالطَّائِفِ لَكِنْ لاَ ضَمَانَ فِيهِ. وأَمَّا النَّقِيعُ

стр. 492

بالنُّونِ (١) وَهُوَ الْمَوْضِعُ الذي حماهُ رسُولُ الله ﷺ لإبِلِ الصَّدقةِ فَلَيْسَ بحَرَمٍ وَلاَ يَحْرُمُ صَيْدُهُ ولكن لا يُتْلفُ شَجَرُهُ وَحَشِيشُهُ فَإِنْ أتْلَفهُمَا أحَدٌ فَالأصَحُّ أَنهُ يَلْزَمُهُ القيمةُ وَمَصْرِفُهَا مَصْرِفُ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْجِزْيةِ (٢) والله أعلم. فَصْلٌ فِيمَا إذَا فَعَلَ الْمُحْرِمُ مَحْظُورَيْنِ أوْ أكْثَرَ هَلْ يَتَدَاخَلُ ؟ هذَا الْبَابُ واسع لَكِنْ مُخْتَصَرُهُ أن الْمَحْظُورَ قِسْمَانِ: اسْتِهْلاَك كَالْحَلْقِ وَاسْتِمْتَاع. كالطِيبِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ النَّوْعُ كالْحَلْقِ واللبْسِ تَعَدَّدَتِ الْفِدْيةُ (٣) وَكَذَا إتْلاَفُ الصُّيُودِ تتعَددُ الْفِدْيةُ فِيهِ (٤) وَكَذَا إتْلاَفُ الصّيْدِ مَعَ الْحَلْقِ (٥) أوِ اللّبْسِ، لكِنْ لَوْ لَبِس ثَوْباً مُطَيَّباً (٦) لم تتعددِ الْفِدْية (٧) عَلَى الأَصَحّ وَلَوْ حَلَقَ شَعْرَ جَمِيعِ

стр. 493

رَأسِهِ وَشَعْرَ بَدَنِهِ مُتَوَاصِلاً فَعَلَيْهِ فِدْيةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ فديتانِ (١) وَلَوْ حلقَ رأسَهُ فِي مَكَانَيْنِ أوْ في مَكَان في زَمَانَيْنِ مُتَفَرقَيْنِ فَعَلَيْهِ فِدْيَتَانِ (٢) وَلَوْ تَطَيبَ (٣) بِأَنْوَاع مِنَ الطّيبِ أوْ لَبِسِ أنْوَاعاً كَالْقميصِ وَالعَمامة والسَّراوِيل والْخُفّ أوْ نَوْعاً واحِداً مَرة بَعْدَ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ ذلِكَ في مَكَان وَاحِد عَلَى التوَالِي فَعَلَيْهِ فِدْيةٌ وَاحِدَة وإنْ كَانَ في مَكَانَيْنِ أوْ فِي مكان وتخلَّلَ زَمَان فَعَلَيْهِ فِدْيَتَانِ سَوَاءٌ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا تكْفِيرٌ عَنِ الأَولِ أمْ لاَ (٤) هذا هُوَ الأَصَحُّ، وَفي قَوْل إذا لم يتخَلل تكفيرٌ كفاهُ فِدْية واحِدةٌ.

стр. 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 495

فَصْلٌ في الإِحْصَارِ إذَا أحْصَرَ الْعَدُوّ الْمُحْرِمَ عَنِ المضي في الحج (١) مِنْ كُلّ الطُّرُقِ فَلَهُ التحَلُل سواء كانَ وَقْت التحَلُّلِ وَاسعاً أوْ ضَيقاً. ثُمَّ إن كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعَاً

стр. 496

فالأَفْضَلُ أنْ لاَ يُعَجّلَ التحلُّلَ فَرُبّمَا زَالَ الإحْصَارُ فَأتَمَّ الحجَ وَإنْ كان الوَقْتُ ضَيْقاً فَالأَفْضَلُ أنْ يُعَجلَ التحَللَ لِئَلاَّ يَفُوتَ الْحَج. وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ بِالْعُمْرة التحَلُّلُ إذَا أحْصِرَ كَالْحَجّ وَلَوْ مُنِعُوا وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْمُضِيّ إلاَّ بِبَذْلِ مَالٍ فَلَهُمُ التَحَلُّلُ (١) وَلاَ يَبْذُلُونَ الْمَالَ وإنْ قَل، بَلْ يُكْرَهُ الْبَذْلُ (٢) إنْ كَانَ الطالِبُ كَافِراً

стр. 497

لأنَّ فيه صَغاراً عَلَى الإِسْلاَمِ، وَإِنْ احْتَاجُوا إلى قتال فَلَهُمْ التحَللُ وَلاَ يَلْزَمُهُمُ الْقِتَالُ سَوَاء كَانَ الْعَدُوّ مُسْلِمِينَ أوْ كُفارا قَلِيلاً أوْ كَثِيراً، لكِنْ إنْ كَانَ في الْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ فالأَوْلَى أنْ يقاتِلُوا الْكُفارَ، وَإنْ كَانَ فِيهِمْ ضَعْفٌ فالأَوْلَى أنْ يَتَحَلّلوا وَمَتَى قَاتَلُوا فَلَهُمْ لُبْسُ الدُّرُوعِ وَالْمَغَافِرِ وَعَلَيْهِمُ الْفِدْيةُ كَمَنْ لَبِسَ لِحَرّ أوْ بَرْدٍ وَسَوَاء في جَوَازِ التحَللِ أحَاطُوا بِهِمْ مِنْ الْجَوَانِبِ أوْ مَنَعُوهُمْ مِنَ الذهّابِ دُونَ الرُجُوعِ، ثُم إنَّهُ يلزم الْمُتَحَللَ بِالإِحْصار ذَبْحُ شَاة (١) يُفَرّقُهَا حَيْثُ أُحصِرَ وَلاَ يَعْدِلُ عَنِ الشَّاةِ إلى بَدَلِهَا إنْ وَجَدهَا، فَإِنْ لَمْ يجِدْهَا فَالأَصَحُّ أَنهُ يَأتِي ببَدَلِهَا وَهُوَ إخْرَاجُ طَعَام بِقِيمَتِها فإنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلّ مُدّ يَوْماً (٢) وَاعْلَمْ أنَّ التحَلُّلَ يَحْصُلُ بِثَلاَثَةِ أشْيَاءَ: ذَبْحٍ وَنِيَّةِ التحَللِ بِذَبْحِهَا وَالْحَلْقِ (٣) إذا قُلْنَا بِالأَصَح أنهُ نُسُكٌ وَلاَ يَحْصُلُ إلاَّ بِاجْتِمَاع هذِهِ الثلاَثَةِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الشَّاةَ وَكَانَ يُطْعِمُ بَدَلَهَا تَوَقَّفَ التحَللُ عَلَيْهِ كَتَوقفِهِ عَلَى الذَّبْح وَكَذَا إنْ كَانَ يَصُومُ (٤) عَلَى الأَصَح، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الشَّاةِ وَبَدَلِهَا ثَبَتَت الشَّاة أوْ بَدَلُهَا في ذِمَّتِهِ وَجَازَ لَهُ التَّحَللُ في الْحَالِ بِالنّيةِ والْحَلْقِ عَلَى الأَصَحّ وَفِي قَوْل: لاَ يَتَحَلَّلُ حَتَّى يأتِي بِالشَّاةِ أوْ بَدَلِهَا.

стр. 498

(فَرْعٌ): لَيْسَ لِلْمُحْرِمِ التَّحَلُّلُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَبْرَأ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِماً بِحَج أَوْ عُمْرَةٍ (١)، فَإِذَا بَرِىءَ فَإِنْ كَانَ مُحْرِماً بِعُمْرَة أتَمَّهَا وَإِنْ كَانَ بِحَج أْتَمهُ، وإنْ كَانَ قَدْ فَاتَهُ تَحَللَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضاءُ، هَذَا إذَا لَمْ يَشْتَرِط التَّحَللَ بِالْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ شَرَطَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ (٢) أَنهُ إذَا مَرِضَ تَحَللَ أوْ شَرطَ التَّحَلّلَ لِغَرَضٍ آخَر (٣) كَضَلالٍ عَنِ الطَّرِيقَ أوْ ضَيَاعِ النّفَقَةِ أوْ الْخَطَأِ في الْعَدَدِ أو نَحْوِ ذَلِكَ فَالصَّحِيحُ أنهُ يَصِحُ شَرْطُهُ وَلَهُ التَّحَلُّلُ، وإذَا تَحَللَ إن كانَ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِالْهَدْي لزمَهُ الهدْيُ وَإِنْ كَانَ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِلاَ هَدْيٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْهَدْيُ وَإِنْ أطْلَقَ لَمْ يَلْزَمْهُ أيْضاً على الأصَحّ وَلَوْ شَرَطَ أنْ يقْلِبَ حَجهُ عُمْرَةً عِنْدَ المَرَضِ (٤) جَازَ (٥) ولَوْ قَالَ: إِذَا مرضْتُ صِرْتُ حَلاَلاً صَارَ حَلاَلاً بِنَفْسِ الْمَرَضِ عَلَى الأَصَحّ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى. (فرعٌ): الحصرُ الخاصُّ الذي يتَّفقُ لواحدٍ أَوْ شِرْذِمَةٍ من الرُّفقةِ ينظرُ فِيهِ، فإنْ لمْ يكُنْ المحرمُ معذوراً كمنْ حُبِسَ في دينٍ يتمكنُ من أدائِهِ لمْ يَجُزْ لهُ التحلُّلُ بَلْ عليهِ أن يُؤديَ الدَّيْنَ ويمضِي في حَجّهِ، فإنْ فَاتَهُ الْحَجُّ في

стр. 499

الحبسِ لزمهُ الْمَسِير إلَى مَكَّةَ وَيَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ (١) وَيَلْزَمُهُ القضاءُ كما تقدَّمَ، وإنْ كَانَ معذوراً كَمَنْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ ظُلْماً أوْ بدَيْنٍ لا يَتَمَكَنُ مِنْ أدائِهِ جازَ لَهُ التحلُّلُ.

стр. 500

(فرع): إذَا تحللَ المحْصَرُ إنْ كانَ نُسُكُهُ تَطوعاَ فلا قضاءَ عليهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ تَطَوُّعاَ نُظِرَ إنْ لَمْ يكُنْ مستقراً كَحجةِ الإسلام في السنةِ الأولى مِنْ سنِي الإِمكانِ فلا حَج عليهِ إلا أنْ يجتمعَ فيه شروطُ الاستطاعةِ بعدَ ذلِكَ، وإنْ كان مستقراً كحجةِ الإِسلامِ فِيْمَا بعد السنةِ الأولَى وكالقضاء والنَّذْرِ فَهُوَ باقٍ في ذِمتِهِ، وَسَوَاء في هذَا كُلهِ الحَصْرُ العامُّ والْخَاصُّ عَلَى الأَصَحِّ وقِيلَ يجِبُ القضاءُ في الْخَاص. (فرعٌ): لَوْ صُدَّ عَنْ طريق وَهُنَاكَ طَرِيقٌ آخرُ يتمكَّنُ مِنْ سلوكِهِ بأنْ يَجِدَ شَرَائِطَ الاسْتِطاعةِ فيهِ لزمَهُ سلوكُهُ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ التحلُّلُ سواء طالَ ذلكَ الطريقُ أمْ قَصُرَ، وسواءٌ رَجَا الإدراكَ أمْ خَافَ الْفَوَاتَ أمْ تَيقنَهُ، فَإنْ أُحْصِرَ في ذِي الحجةِ وَهُوَ بالشَّامِ أو بالعراقِ مثلاً فيجبُ الْمُضِي والتحللُ بِعَملِ عُمْرَةِ، فَإِنْ سَلَكَ الطرِيقَ الثاني فَفَاتَهُ الْحَج نُظِرَ إنْ كَانَ الطرِيقانِ سواءَ لزِمهُ القضاءُ لأنه فَوات مَحْض وإنْ كانَ في الطَّرِيقِ الثاني سببٌ حَصَلَ الفواتُ بِهِ كطول أو خشُونَة أوْ غَيرِهِمَا لَمْ يجبِ الْقَضَاءُ عَلَى الأَصَح لأنَّهُ مُحْصرٌ ولعدمِ تَقْصِيرِهِ.

стр. 501

(فرعٌ): لاَ فَرْقَ في جَواز التَّحَللِ بالإِحْصَارِ بَيْنَ أَنْ يَتفِقَ ذلك قَبْلَ الْوُقُوفِ أوْ بَعْدَهُ وَلاَ بَيْنَ الإِحْصَارِ عَنِ الْبَيْتِ فَقَطْ أوْ عَنِ الوُقُوفِ أوْ عَنْهُمَا، فَإِذَا تَحَللَ بِالإِحْصَارِ الْوَاقع بَعْدَ الوقوفِ فَلاَ قضاءَ عَلَيْهِ عَلَى المذهبِ الصّحِيحِ كَمَا قَبْلَ الْوُقُوفِ وَالله أعْلَمُ.

стр. 502

الباب الثامن فِي حَجّ الصَّبِيّ وَالْعَبْدِ وَالْمَرأةِ (١) وَمَنْ في مَعْنَاهُم (٢) اعْلَمْ أَنّ الصَّبِيَّ (٣) لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَج وَلكِنْ يَصِحُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي آخِرِ الْبَابِ الأَوَّلِ ثُمَّ إِنْ كَانَ مُمَيِّزاً أحْرَمَ بَإِذْنِ وَلِيهِ فَإِنْ أحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الأَصَح (٤)، وَلَوْ أحْرَمَ عَنْهُ (٥) وَلِيُّهُ صَحَّ عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيزاً أحْرَمَ عَنْهُ وَليهُ (٦) سواء كَانَ الْوَلي حَلاَلاَ أوْ مُحْرِماً وَسَوَاءٌ كَانَ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أمْ لاَ وَلاَ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الصَّبِيّ (٧) وَمُوَاجَهَتُهُ بِالإِحْرَامِ على الأصَحّ، وَالْمَجْنُونُ

стр. 503

كَالصَّبِي الذي لاَ يُمَيّزُ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيهُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لاَ يَجُوزُ إحْرَامُ غَيْرِهِ عَنْهُ (١) كَالْمَرِيضِ، وَأَمَّا الْوَلي الّذِي يُحْرِمُ عَنْ الصَّبِيّ أو يَأذَنُ لَهُ فَالأَبُ يَتَوَلَّى ذَلِكَ (٢) وَكَذَا الْجَدُّ عِنْدَ عَدَمِ الأَبِ (٣) وَلاَ يَتَوَلاَّهُ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَالوَصِي والْقَيّمُ كَالأَبِ عَلَى الصَّحِيحِ وَلاَ يَتَوَلاَّهُ الأَخُ وَالْعَم (٤) وَالأُمّ (٥) عَلَى الأصَح إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيةٌ وَلاَ ولاَية مِنَ الْحَاكِمِ. فَصْلٌ متى صارَ الصَّبِيُّ مُحَرِماً فَعَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَفَعَلَ بِهِ الْوَلي مَا عَجَزَ عَنْهُ، فَإنْ قَدَرَ عَلَى الطَّوَافِ عَلَّمَهُ فَطَافَ وإلاّ طِيفَ بِهِ (٦) كَمَا سَبقَ، وَالسَّعْيُ

стр. 504

كالطَّوَافِ (١)، وَيُصَلي عَنْهُ وَليهُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيزاً فَإنْ كانَ مُمَيزاً صَلاَّهُمَا بِنَفْسِهِ وَقِيلَ يُصَلِيهِمَا الْوَلي أيْضاً عَنْهُ وَيُشْتَرَطُ إحْضَارُهُ عَرَفَاتٍ وَيُحْضِرُهُ أيْضاً الْمُزْدَلِفَةَ وَالْمَوَاقِفَ والمبيتَ بِمنىً ويناولُهُ الأحجارَ فَيَرْميهَا إنْ قَدَرَ وَإلاَّ فَيَرْمِي عَنْهُ مِنْ لاَ رَمْيَ عَلَيْهِ وَيُستَحَب أنْ يضَعَهَا في يدِهِ أوَّلاً ثُمَّ يأْخُذُهَا فَيَرْمِيهَا. فَصْلٌ الزائِدُ مِنْ نَفقةِ الصَّبِي بِسَبَبِ السَّفَرِ يَجِبُ في مَالِ الوَلي عَلَى الأَصَحّ (٢) وَقِيلَ في مَالِ الصَّبِي. فَصْلٌ يُمْنَعُ الصَّبِي الْمُحْرِمُ (٣) مِنْ مَحْظُورَاتِ الإْحْرَامِ، فَإنْ تَطَيّبَ أوْ لَبِسَ نَاسِياً فَلاَ فِدْيةَ وَإِنْ كَانَ عَامِداً وَجَبَتْ الْفِدْيةُ على الأَصَح سَوَاءٌ كانَ بِحَيْثُ يَلْتَذُّ بِالطيبِ وَاللبَاسِ أمْ لاَ وإنْ حَلَقَ الشَّعْرَ أوْ قَلَّمَ الظفْرَ أوْ أتْلَفَ صَيْداً وَجَبَتْ الْفِدْيةُ عَمْداً كَانَ أوْ سَهْواً، وَمَتَى وَجَبَت الفِدْية فَهِيَ في مَالِ الوَلي عَلَى الأصَح إن كانَ أحْرَمَ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ أحْرَمَ بِنَفْسِهِ وَصَحَّحْنَاهُ (٤) ففِي مَالِ الصَّبِي.

стр. 505

فَصل إذا جامعَ الصَّبِي أوْ جُومِعَتِ الصَّبيةُ إِنْ كَانَ نَاسِياً أوْ مُكْرَهاً لَمْ يَفْسُدْ حَجهُ، وَإِنْ كَانَ عَامِداً (١) فَسَدَ عَلَى الأَصَحّ وَوَجَبَ قَضَاؤُهُ عَلَى الأَصَحّ، وَيُجْزِئُهُ الْقَضَاءُ في حالِ الصبَا عَلَى الأصَحّ فَلَوْ شَرَعَ في الْقَضَاءِ فَبَلَغ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَات وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الإٍسْلاَمِ (٢) وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ (٣) وَإِذا فَسَدَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَهَلْ هِيَ في مَالِ الْوَالِيّ أو في مَالِ الصَّبِيّ؟ فيهِ الخِلاَفُ السَّابِقُ. فَصْل حُكْمُ الْمَجْنُونِ حُكْمُ الصَّبِي الَّذي لاَ يُمَيّزُ في جميعِ مَا ذَكَرْنَاة (٤).

стр. 506

فَصْل إذَا بَلَغَ الصبي فِي أثناءِ الْحَجّ نُظِرَ إنْ بَلَغَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الوُقُوفِ أوْ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَبَعْدَ مُفَارَقَةِ عَرَفَات وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ حجّة الإٍسْلاَمِ، وَإِنْ بَلَغَ في حَالِ الْوُقُوفِ أوْ بَعْدَهُ فَعَادَ وَوَقَفَ في الْوَقْتِ أجْزأهُ عَنْ حجَّةِ الإٍسْلاَمِ (١) لكِنْ يَجِبُ إِعَادَةُ السَّعْيِ إنْ كَانَ سَعَى عَقيبَ طَوَافِ القُدُومِ قَبْلَ الْبُلُوغ وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيح والطَّوافُ في الْعُمْرَةِ كَالْوُقُوفِ في الْحَجّ إذَا بَلَغَ قَبْله (٢) أجْزَأهُ عَنْ عُمْرَةِ الإٍسْلَامِ، وَعِتْقُ الْعَبْدِ فِي أثْنَاء الْحَج أو الْعُمْرَةِ كَبُلُوغِ الصبي (٣) فِي أثْنَائِهِمَا. فَصْلٌ إِحْرَامُ العبدِ صحيحٌ بِإِذْنِ سَيدِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ (٤)، فإِنْ أحْرَمَ بِإِذْنِهِ (٥) لَمْ يكُنْ

стр. 507

لَهُ تَحْلِيلُهُ سَواءٌ بقِيَ نُسُكُهُ صَحِيحا أوْ أفْسَدَهُ وَلَوْ بَاعَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي تحلِيلُهُ وَلَهُ الخِيَارُ إنْ جَهِلَ إحْرَامَهُ، فَإِذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَالأَوْلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ في إتْمَامِ نُسُكِهِ فإنَّ حَلَّلَهُ جَازَ (١)، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ في الإٍحْرَامِ فَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يُحْرِمْ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ في الْعُمْرة فَأحْرَمَ بالحجّ كَانَ لَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلَوْ أذِنَ لَهُ في الْحَجّ فأحْرَمَ بالعُمْرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلَوْ أذِنَ لَهُ في الْحَجِّ أوِ التَّمَتّعِ فَقَرَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُه (٢)، وَلَوْ أذِنَ لَهُ فِي الإٍْحْرَامِ في ذِي الْقِعْلَه فَأَحْرَمَ في شَوَّال فَلَهُ تَحْلِيلُهُ قَبْلَ دُخُولِ ذِي الْقِعْدَةِ ولا يجُوزُ بَعْدَ دُخُولهِ. وَلَوْ أَفْسَدَ العبد الحج لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ويُجْزِئُهُ قضاؤهُ فِي حَالِ الرِّقّ عَلَى الأَصَحّ وَلاَ يَلْزَمُ أنْ يأذَنَ لَهُ في الْقَضَاءِ سَوَاءٌ كَانَ إحْرَامُهُ الأوَّلُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَكُلُّ دَم لَزِمَهُ بِمَحْظُور أوْ تَمَتّع أوْ قِرَان أوْ فوات أو إحصار لا يجب منه شيء على السيد سواء كان أحرم بإذنه أو بِغيرِ إذْنِهِ وَوَاجِبُه الصَّوْمُ، وَللسَّيْدِ

стр. 508

مَنْعُهُ (١) إلاَّ صَوْمَ التَّمتعِ وَالقِرَانِ (٢) إذَا أذِنَ فِيهِ وَحَيْثُ جُوزَ للسيّدِ تَحْلِيلُهُ أرَدْنَا أَنهُ يأمره بالتحَلُل لاَ أنَ السَّيّدَ يستقل بِمَا يَحْصُلُ بهِ التحَللُ وَإِذَا جَازَ للسَّيدِ تحليلُهُ جازَ لَهُ هُوَ التحللُ (٣) وتَحَللُهُ يحصلُ بنيةِ التَّحَلُّلِ مَعَ الْحَلْقِ إذَا قُلْنَا إنَّهُ نُسُك وَأمُّ الْوَلَد وَالمُدَبَّرُ والمعَلق عِتْقُهُ والْمُكَاتَبُ وَمَنْ بَعْضُهُ حُر (٤) لَهُمْ حُكْمُ الْعَبْدِ (٥)، والأمةُ المزوَّجةُ لاَ يَجُوزُ لَهَا الإٍْحْرَامُ إلاَّ بِإِذن الزَّوجِ والسيِّدِ جَمِيعاً وَلَوْ مَنَعَهُ الوَالِدُ أو الزوجُ أو صاحبُ الدَّيِن فَقَدْ تقدم بيانُهُ في أوَّلِ الكتابِ في المسئلة الثالثة والرَّابعة (٦).

стр. 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 510

فَصْلٌ في آدابِ رُجُوعِهِ مِنْ سَفَرِ حَجّهِ اعلم أن مُعْظَمَ الآدَابِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ الأَولِ في سَفَرِهِ مَشْرُوعَة في رُجُوعِهِ مِنْ سَفَرِهِ وَيُزَادُ هُنَا آداب: أحدها: السُّنَّةُ أنْ يقَولَ مَا ثَبَتَ في الحديثِ عن ابنِ عُمَر ﵄ أنَّ رسُول الله ﷺ كانَ إذَا قَفَل (١) مِنْ حَج أوْ عُمْرَةٍ كَبرَ عَلَى كُل شَرَفٍ (٢) ثَلاَثَ تكْبِيرَاتٍ ثُمّ يقَولُ: "لاَ إلهَ إلاّ الله وَحدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملكُ وَلَهُ الحمدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قدير، آئبون (٣) تائبونَ عابدونَ ساجدونَ لِرَبنَا حَامِدُونَ، صدَقَ الله وَعْدَه (٤) وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَه". رَوَاهُ البخاريُ ومسلم في صَحيحَيْهِمَا، وَفِي صحيحِ مسلمٍ عن أنسٍ ﵁ قَالَ: أقْبَلْنَا مع رسولِ الله ﷺ حَتى إذَا كُنا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ قَالَ: "آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ" فَلَمْ يَزَلْ يقَولُ ذَلِكَ حَتى قَدِمْنَا المدينةَ.

стр. 511

الثاني: يُسْتَحَبّ إذَا قَرُبَ مِنْ وَطَنِهِ أنْ يَبْعَثَ قُدَّامَهُ مَنْ يُخْبِرُ أهْلَه (١) كَيْ لاَ يقْدَم عَلَيْهِم بَغْتَة فَهَذَا هُوَ السُّنّةُ. الثالث: إذَا أشْرَفَ عَلَى بَلَدهِ فَحَسَن أنْ يقُولَ: اللَّهُم إنّي أسْألُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ أهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا واسْتُحِبَّ أنْ تقُولَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لنا بِهَا قَرَاراً (٢) وَرِزْقاً حَسَناً، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا جَنَاها (٣) وأعِذْنَا مِنْ وَبَالها وَحَبِّبْنَا إلَى أهْلِهَا وَحَبّبْ صَالِحِي أهْلِهَا إلَيْنَا، فَقَدْ رَوَيْنَا هذَا في الْحديثِ وَقَدْ أوْضَحْتُهُ في كِتَابِ الأَذْكَارِ (٤). الرابع: إذَا قَدمَ فَلاَ يَطْرُق أهْلَهُ في الليْلِ (٥) بَلْ يَدْخُلُ الْبَلْدَه غُدْوَةَ وَإِلاّ فَفِي آخِرِ النَّهَارِ.

стр. 512

الخامس: إذا وَصَلَ مَنْزِلَهُ فالسُّنَّةُ أنْ يَبْتَدِىءَ بِالمَسْجِدِ فَيُصَلّي فِيهِ ركعتين (١)، وإذَا دَخَلَ مَنزِلَهُ صَلَّى أيْضاً رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا وَشَكَرَ الله تعالَى. السادس: يُسْتَحَب لِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَى الْقَادِمِ مِنَ الْحجّ أنْ يقُولَ: قَبِلَ الله حَجَّكَ وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَأخْلَفَ نَفَقَتَكَ. رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَر ﵄ عَنِ النبِي ﷺ وَعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ للْحَاج وَلمِنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ". قَالَ الحاكمُ: وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم. السابع: يُسْتَحَب أنْ يقُولَ: إذَا دَخَلَ بيتَهُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الأَذْكَارِ عَنِ ابنِ عباس ﵄ قَالَ: كان النبي ﷺ إذَا رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ فَدَخَلَ عَلَى أهْلِهِ قَال تَوْباً تَوْباً (٢) لربنا أَوْباً لاَ يغادرُ حَوْباً. قُلْتُ: تَوْباً تَوْباً، سؤال التوبةِ أيْ نَسْألُك تَوبة كَامِلَة (٣) وَلاَ يُغَادِرُ حَوْباً أيْ لاَ يَتْرُكُ إثْماً.

стр. 513

الثامن: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَعْدَ رُجُوعِهِ خَيْراً مِمَّا كَانَ فَهَذا مِنْ عَلاَمَاتِ قبولِ الْحَج وأنْ يَكُونَ خَيْرُهُ آخِذاً (١) في ازْديادِ. فَصْلٌ ذكر أقضى القضاةِ الماورديُّ في الأحكامِ السلطانيةِ باباً في الولايةِ على الحجيجِ أنَا أذكرُ إِن شاءَ الله تعالى مقاصِدَهُ قَالَ: وِلايةُ الحج على ضربين: أحدهما: يكون على تسيير الحج، والثاني: على إقامة الحج. أمَّا الضربُ الأولُ فَهُوَ وِلاية سِيَاسَةٍ وَتَدْبِيرٍ، وشرطُ المتولي أن يكونَ مُطَاعاً ذَا رَأْيِ وَشَجَاعَةٍ وِهدَايةٍ وَالذي عَلَيْهِ في هذ الولايةِ عشرةُ أشياءَ: أحدها: جمعُ الناسِ في مسيرهِمِ ونزولِهِم حَتى لا يتفرّقُوا فيخافُ عَلَيْهِم. الثاني: ترتيبُهُمْ في السَّيْرِ والنُّزُولِ وإعطاءِ كُل طَائفةِ مِنْهُمْ مَقاداً (٢) حتى يَعْرِفَ كُلّ فِرْقَةٍ مَقادَهُ إذَا سَارَ وَإِذَا نَزَلَ وَلاَ يَتَنَازَعُوا وَلاَ يَضِلوا عَنْهُ. الثالث: يرفقُ بهم في السَّيرِ ويسيرُ سيرَ أضْعفِهِمْ (٣).

стр. 514

الرابع: يسلكُ بهمْ أوْضَحَ الطُّرقِ وأخْصَبَهَا. الخامس: يَرْتَادُ لهْم المياهَ والمراعيَ إذا عجزُوا عَنْهَا. قلت السادس: يَحْرُسُهُمْ إِذَا نَزَلُوا وَيَحُوطُهُمْ إذَا رَحَلُوا حَتى لا يتخطفهم متلصص. السابع: يكف عنهمْ مَنْ يَصُدُّهُمْ عَنِ الْمَسيرِ (١) بقتالٍ إنْ قدرَ عَلَيْهِ أَوْ بذلِ مالٍ إِنْ أجَابَ الحَجِيجُ إلَيْهِ وَلاَ يَحِل لَهُ أن يَجْبُرَ أحَداَ عَلَى بَذْلِ الخِفارةِ (٢) إنْ امْتَنَعَ مِنْهَا لأنّ بَذْلَ المالِ في الخفارَةِ لا يَجِب (٣). الثامن: يصلحُ بينَ المتنازعينَ ولا يتعرضُ لِلْحُكْمِ بينَهُمْ، إلا أنْ يَكُونَ قَدْ فُوّضَ إلَيْهِ الحُكْمُ وَهُوَ جَامع لِشَرائِطِهِ فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فإنْ دَخَلُوا بلَداً جازَ لَهُ وَلحَاكِم البلدِ الحُكْمُ بينهمْ، وَلَوْ تَنازَعَ واحدٌ من الحجيجِ وَوَاحِد مِنَ البلدِ لَمْ يحكمْ بينهمْ إلا حَاكِمُ البلدِ.

стр. 515

التاسع: أنْ يؤدّبَ جَانِيهِمْ وَلاَ يجاوزُ التعزيرَ إلى الحدّ إِلاّ أنْ يكُونَ قَدْ أذِنَ لَهُ في الحدّ فَيَسْتَوفِيهِ إذا كانَ مِنْ أهْلِ الاجْتِهَادِ فيهِ، فإذا دخَلَ بلداً فِيهِ مَنْ يَتَوَلَى إقامَةَ الْحُدُودِ عَلَى أهْلِهِ فإنْ كَانَ الَّذِي مِنَ الحجيجٍ أتَى بالجنايةِ قبل دُخُولهِ البَلَدَ فَوَالِي الْحَج أوْلَى بإقامةِ الحَد عَلَيْهِ وَإِنْ كَان بَعْدَ دخولهِ الْبَلَدَ فَوَالِي الْبَلَدِ أوْلَى بِهِ (١). العاشر: أنْ يُراعِيَ اتّسَاعَ الْوَقتِ حَتَّى يَأمَنَ الْفَوَاتَ وَلاَ يَلْحَقُهُمْ ضيقٌ فِي الحَثّ عَلَى السيْر. فَإذَا وَصَلَ الميقاتَ أمْهَلهُمْ للإحْرَامِ ولإقامةِ سُنتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْت وَاسِعاً دَخَلَ بِهمْ مَكّةَ وَخَرَجَ مَعَ أهْلِهَا إلَى مِنى ثُمَّ عَرَفَاتٍ، وَإٍن كَانَ ضَيقاً عَدَلَ إلَى عَرَفَاتٍ مَخَافَةً مِنَ الْفَوَاتِ، فَإِذَا وَصَلَ الحجيجُ مَكةَ فمَنْ لَمْ يكُنْ عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ زالتْ وِلاَيةُ وَالِي الحَجِيجِ عَنْهُ، وَمَنْ كَانَ عَلَى عَزْمِ الْعَودِ فَهُو تَحْتَ وِلاَيَتِهِ وَمُلْتَزِمٌ أحْكَامَ طَاعَتِهِ (٢). وإذَا قَضَى النّاسُ حَجَّهُمْ أمْهَلَهُمْ الأَيَّامَ الّتِي جَرَتْ العادةُ بِهَا لإنجازِ حَوَائجِهِمْ وَلاَ يُعَجلُ عَلَيْهِمْ فِي الْخُرُوجِ فَيَضرُّ بِهِمْ، فَإذَا رَجَعُوا سَارَ بِهِمْ إلَى مَدِينةِ رسول الله ﷺ لزيارةِ قَبْرِهِ ﷺ رِعَايةً لحُرْمَتِهِ وَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يكُنْ مِنْ فُرُوضِ الْحج فَهُوَ مِنْ مندوباتِ الشَّرعِ الْمُسْتَحَبّةِ وَعَادَاتِ الْحَجِيجِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، ثُم يكونُ في عَوْده ملتزماً فيهم من الحقوق ما كان ملتزماً في ذهابه حتى يصل البلد الذي سارَ بِهِمْ مِنْهُ فتنْقَطعُ وِلاَيتُهُ بِالْعَوْدِ إلَيْهِ.

стр. 516

الضربُ الثاني: أن تكونَ الْوِلاَيةُ عَلَى إِقَامَةِ الحج فَهُوَ فيهِ بِمنزلةِ الإٍمامِ في إقَامَةِ الصَّلاَةِ، فَمِنْ شُرُوطِ هذهِ الْوِلاَيةِ مَعَ الشرُوطِ الْمُعْتبَرةِ في أئِمّةِ الصلواتِ أن يَكونَ عَالِماً بِمَنَاسِكِ الْحج وأحْكَامِهِ وَمَوَاقِيتِهِ وأيامِهِ وَتكُونُ مُدَّةُ وِلاَيتِهِ سَبْعَةَ أيَّامِ أوَّلُهَا مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ في الْيَوْمِ السَّابع مِنْ ذِي الْحِجةِ وَآخِرُهَا الْيَوْمُ الثالِثُ مِن أيامِ التشْرِيقِ وَهُوَ فيمَا قَبْلَهَا وَبَعْدَها أحَدُ الرَّعَايَا وَلَيْسَ مِنْ الْوُلاَةِ، ثُم إنْ كَانَ مُطْلَقَ الوِلاَيةِ على الحجّ فَلَهُ إِقَامَتُهُ كُلَّ سَنَةِ مَا لَمْ يُعْزَلْ عَنْهُ، وإنْ عقدَتْ خَاصَّةَ عَلَى عَام واحد لَمْ يَتَعَدَّ إِلى غَيْرِهِ إِلاّ بِولاية، والذي يَخْتَصُ بِولايتِهِ ويكونُ نَظَرُهُ عَليه مَقْصُوراً خَمْسَةُ أحْكام مُتفَقٌ عَلَيْهَا وسادِسٌ مختلفٌ فيهِ. أحدُها: إعلامُ الناس بِوَقْتِ إِحْرَامِهِمْ والخروجِ إِلَى مشاعرِهِمْ ليكونُوا تابعينَ لَهُ مُقْتَدِينَ بأفعالِهِ. الثاني: ترتيب المناسِكِ على ما استَقَر عَلَيْه الشَرْعُ فَلاَ يقدمُ مُؤخَّراً وَلاَ يُؤخرُ مُقَدَّماً سَواءٌ كانَ الترتيبُ مستَحباً أوْ وَاجِباً لأَنهُ متبوعٌ. الثالثُ: تَقْدِير المواقيتِ بمقامِهِ فيها ومسيرِهِ عنها كَمَا تُقَدرُ صَلاَةُ المأمومِ بِصَلاَةِ الإمامِ. الرابعُ: اتباعُهُ في الأذْكَارِ المشروعَةِ والتأمينِ على دعائِهِ. الخامس: إمَامَهُمْ في الصَّلَوَاتِ التي شرِعت خُطَبُ الْحَجّ فِيهَا وجمع الحجِيجِ وهي أَرْبَعُ خُطَبِ سَبَقَ بيانُهَا: الأولَى بَعْدَ صَلاَةِ الظهْرِ يومَ السَّابع مِنْ ذِي الحجةِ وهي أَولُ شُرُوعِهِ في مَنَاسِكِهِ بَعْدَ الإٍحْرَامِ فَيَفْتَتِحُهَا بِالتَّلْبِيةِ إنْ كَانَ مُحْرِماَ وبالتكْبِيرِ إنْ كَانَ حَلاَلاً وَلَيْسَ لَهُ أنْ يَنفر النَّفْرَ الأَولَ بِمنى ليلةَ الثالثِ مِنْ أيامِ التشْرِيقِ وَيَنْفُر النَّفْر الثاني مِن غَدِ بَعْدَ الرَّمْي لأنّهُ مَتْبُوع فَلاَ يَنْفُر إلا

стр. 517

بَعْدَ كَمَال الْمَناسِكِ، فإِذا حَصَلَ النفر الثاني انقضَتْ وِلاَيَتُهُ، وأَما الْحكم السادسُ الْمُخْتَلفُ فِيهِ فَثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ: أحدها: إذا فَعَلَ بَعْضُ الحجيجِ ما يقتضِي تعزيراً أو حَداً فإنْ كانَ لاَ يَتَعَلَّقُ بِالحجّ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُهُ وَلاَ حَدُّهُ، وإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّق بالحجِّ فَلَهُ تعزيرُهُ وَهَلْ لَهُ حَدّه؟ فيه وَجْهَانِ. الثاني: لا يجوزُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْحَجِيجِ فِيْمَا يتنازعُون فيهِ مِمَّا لاَ يَتَعَلقُ بالحجِّ، وفِي الْمُتَعَلِّقِ بالحجّ كالزَّوْجَيْنِ إذَا تنازَعَا في إيجابِ الكفَّارَةِ بِالْوَطْءِ ومؤنةِ المرأةِ في القضاء وَجْهَانِ. الثالث: أنْ يفعَلَ بَعْضُهُمْ مَا يقْتَضِي فِدْيةً فَلَهُ اْنْ يَعْرِفَ وَجُوبَها وَيَأمُرُهُ بإِخْرَاجِهَا وَهَلْ لَهُ إلْزامُهُ، فيهِ الْوَجْهَانِ. واعلمْ أنَّهُ لَيْسَ لأمِيرِ الْحجّ أن ينكر عليهم ما يسوغ فعله إلاّ أن يخاف اقتداء الناس بفاعله وليس له أنْ يَحْمِلَ النّاسَ عَلَى مَذْهبِهِ وَلَوْ أقامَ الناسُ المَناسِك وَهُوَ حَلاَل غَيْرُ مُحْرِمِ كُرِهَ ذَلِكَ وَصَحَ الْحَج، وَلَوْ قَصَدَ النّاسُ التَّقَدُّمَ عَلَى الأَمِيرِ أوْ التأخُّرَ كرهَ ذلِكَ وَلَمْ يحرمْ هذا آخر كلام الماوردي رحمه الله تعالى. فَصْلٌ نَختم به الكتاب وإن لم يكنْ له اختصاص بالمناسك تستحب المحافظة على دعاء الكرب وهو ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرضِ رب العرشِ الكريم.

стр. 518

وفي رواية لمسلم أن النبي ﷺ كان إذَا حَزَبَهُ أمْر قَالَ ذَلِكَ. وفي الصحيحين عن أنس ﵁ كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ : "اللهم آتنا في الدنيا حسنة (١) وفي الآخرة حسنة وقِنَا عذابَ النارِ". وفي الحديثِ الصحيح عن أبي موسى الأشْعريّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا حولَ ولا قوةً إلا بالله كَنْز من كُنُوزِ الجنةِ". وفي الصحيحين وهو آخرُ حديثٍ في صحيحِ البخارِي أن رسول الله ﷺ قال: "كلمتان خفيفتان عَلَى اللّسانِ ثقيلتانِ في المِيزانِ (٢): سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" فهذا آخرُ الكتاب والحمدُ لله أوَّلاً وآخراً وصلاتُهُ وَسَلامُهُ عَلَى سَيدِنَا مُحمّدِ خَيْرِ خَلْقِهِ وَعَلَى سَائِر النبيينَ والمرسلينَ أجمعين. والله أسأل خاتمةَ الخيرِ لِي ولسائرِ أحبابِي وسَائرِ المسلمين وحسبي الله ونعم الوكيلُ ولا حولَ ولا قُوّةَ إلاّ بالله العلِيّ العظيم. قال الشيخ الإٍمامُ مُحيي الدينِ: صنفتُ هذَا الكتابَ وفرغتُ من تصنيفِهِ في صبيحةِ يوم الجمعة العاشِرِ مِنْ رجب الفردِ (٣) سنة سبع وستين وستمائة رَحِمَهُ الله تعالى ورضِيَ عَنْهُ وأثابه الجنة برحمتهِ وجمعنا به في دارِ كرامَتِهِ بمَنّهِ وَكَرَمِهِ إِنَّهُ عَلَى كُلّ شيءِ قَدير والحمد لله رب العالمينَ.

стр. 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .