Полный текст (519 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الرَّابِعَةَ عَشْرَة: مِنْ جَهَالَةِ الْعَامَّةِ وَبِدَعهم تَقَرُبُهُمْ بِأَكْلِ التَّمْر الصَّيْحَانِي (١) فِي الرَّوْضَةِ الكريمَةِ وَقَطْعِهِمْ شُعُورَهُمْ وَرَمْيِهَا في القِنْدِيل هَذَا مِنَ المُنْكَراتِ الشَّنِيْعَةِ (٢) .
الخَامِسَةَ عَشْرَة: كَرِهَ مَالِكٍ (٣) رَحِمَهُ الله تعالَى لأَهْلِ المدينَةِ كُلَّمَا دَخَلَ أَحَدُهُم الْمَسْجِدَ وَخَرَجَ الْوُقُوفَ بِالْقَبْرِ قَالَ: وَإنَّمَا ذَلِكَ لِلْغُرَبَاءِ قَالَ: وَلاَ بَأْسَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ مِنْ سَفَرٍ أَوْ خَرَجَ إِلَى سَفَر أَنْ يقِفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيّ ﷺ فَيُصلِي عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَلأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. قَالَ الْبَاجِي: فَرّقَ مَالِكُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينةِ وَالْغُرَبَاءِ لأَنَّ الغُرَبَاءَ قَصَدُوا لِذلِكَ وأهْلَ الْمَدِينَةِ مقيمُونَ بِهَا، وَقَدْ قَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وثناً يُعْبَد" (٤) . الحواشي
(١) سبب تسميته بذلك ما أخرجه ابن المؤيد الحموي لكن رُدَّ بأنه موضوع عن جابر ﵁: كنت مع النبي ﷺ يوماً في بعض حيطان المدينة ويد عليّ في يده فمررنا بنخل، فصاح النخل: هذا محمدٌ سيد الأنبياء، وهذا علي سيد الأولياء أبو الأئمة الطاهرين، ثم مررنا بنخل فصاح هذا محمد رسول الله وهذا عليٌّ سيف الله. فالتفت النبي ﷺ لعلي وقال: سَمه الصيحاني. فسمى من حينئذ. اهـ حاشية.(٢) جميع ما ذكر المصنف رحمه الله تعالى من هذه البدع ليس بشيء منها في زماننا والحمد لله نسأله تعالى إماتة الباع وإحياء السنن آمين.(٣) قال السبكي رحمه الله تعالى كما في الحاشية: هو جارٍ على قاعدته رحمه الله تعالى في سد الذرائع أي لأن ذلك يفضي إلى الملل، والمذاهب الثلاثة يقولون باستحباب الإكثار منها لأن الإكثار من الخير خير. اهـ.(٤) قد استجاب الله دعاء نبيه صلوات الله وسلامه عليه فصان قبره الشريف من التقبيل والتمسح به والطواف حوله كما يفعل بقبور غيره، فحفظه وصانه بالجدران المحيطة به ثم بالمقصورة الحديدية وهي الشباك. فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد الآخذ بحجز أمته عن وقوعها في مهاوي الهلكة ومزالق الشرك. ورحم الله العلامة ابن القيم القائل: =стр. 457
السادِسَةَ عَشْرَة: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُلاَحِظَ بِقَلْبِهِ فِي مُدَّة مُقَامِهِ بِالْمَدِيْنَةِ جَلاَلتَهَا وَأنهَا الْبَلْدَةُ الَّتي اخْتَارَهَا الله تَعَالَى لِهِجْرَةِ نبيهِ ﷺ واستيطَانِهِ وَمَدْفَنِهِ وَلْيَسْتَحْضِرْ تَرَدُّدهُ ﷺ فيهَا وَمَشْيَهُ في بِقَاعِهَا.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ الْمُجَاورة بِالْمَدِينة بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدّمِ بالْمُجَاوَرَةِ بِمَكّة فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبي هُرَيْرَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَبَرَ عَلَى لأوَاءِ الْمَدِيْنةِ وَشِدَّتِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيداً أوْ شَفِيعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
الثَّامِنَة عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَ بالمَدِينَةِ مَا أَمْكَنَهُ وأن يتصدق بما أمكنه عَلَى جِيرَانِ رَسُولِ الله ﷺ فإِنْ ذلِكَ مِنْ جُمْلَةِ بِرهِ.
التاسِعَةَ عَشْرَة: لَيْسَ لَهُ أن يَسْتَصْحِبَ شَيْئاً مِنَ الأكر المعمُولة من تُرَاب حَرَامِ الْمَدِينَةِ وَلاَ الأَباريق وَالْكِيزَانِ وَلاَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ تُرَابِهِ وَأَحْجَارِهِ كَما سَبقَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ (١) .
الْعِشْرُونَ: يَحْرُمُ صَيْد حَرَمِ المَدِينة وَأشْجَارِهِ عَلَى الْحَلاَلِ وَالْمُحْرِمِ كَمَا سَبَقَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، وَسَيَأتِي بيانُ ضَمَانِهِ فِي الْبَاب السَّابِعِ إنْ شَاءَ الله الحواشي
(١) أي في المسألة العشرين من الباب الخامس في المقام بمكة وطواف الوداع وهو قوله: (لا يجوز أنْ يأخذ شيئاً من تراب الحرم وأحجاره معه إلى بلاده، ولا إلى غيره من الحل .. ) إلخ. أقول: قد ذكرت هناك في التعليق الدليل على عدم الجواز وعلة ذلك فراجعه.стр. 458
تَعَالَى (١) . وَحَدُّ حَرَمِ المَدِينَةِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنِ النَّبيّ ﷺ قَالَ: "الْمَدِيْنَةُ حَرَم ما بينَ عَيْرَ إلى ثَوْرٍ (٢) .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَم وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عير جَبَل بالْمَدِينة.
وَأَمَّا ثَوْرُ فَلاَ يَعْرِفُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهَا جَبَلاً يقَال لَهُ ثَوْر، إِنَّمَا، ثَوْر، بِمَكَّة (٣) قَالُوا: فنرَى أَنَّ أَصلَ الْحَدِيثِ مَا بَيْنَ عير إِلَى أَحُد.
وَقَالَ الحافِظ أَبُو بكر الحازِمِيُّ في كِتَابِهِ المؤتلف في أسماء الأَمَاكِنِ في الحديثِ حَرَم رسول الله ﷺ مَا بينَ عير إِلى أُحُدٍ قَالَ: هَذ الرّوَايةُ الصَّحِيحَةُ، وَقِيلَ إِلى ثَوْرٍ وليسَ لَهُ مَعْنَى، وَفِي الصّحيحينِ من حديثِ أبي هريرة ﵁ قَالَ: لَوْ رَأيْتُ الظبَاءَ بِالمدينة تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا، وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا الحواشي
(١) بيّن المصنف الضمان في الباب السابع بقوله ﵀: فإن أتلفه ففي ضمانه قولان للشافعي ﵀: الجديد لا يضمن وهو الأصح عند أصحابنا. أقول: وهو مذهب الإِمام أبي حنيفة كما في كتاب (رحمة الأمة) والقديم أنه يضمن وهو المختار، وعلى هذا في ضمانه وجهان أحدهما: كضمان حرم مكة وأصحهما أخذ سلب الصائد وقاطع الشجر.
أقول: وهو مذهب الإِمامين مالك وأحمد كما في كتاب رحمة الأمة والمراد بالسلب ما يسلب القتيل من الكفار ثم هو للسالب على الأصح وقيل لفقراء المدينة وقيل لبيت المال. اهـ بزيادة ما بين القوسين.(٢) قال في الحاشية: هما المرادان بمأزميها في رواية (وإن حرمت ما بين مأزميها). اهـ.(٣) هذا الحصر ممنوع كما في الحاشية فقد قال كثيرٌ من المحققين كالزمخشري وغيره ﵏، ونقله بعضهم عن طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض أن ثوراً اسم جبل صغير خلف أحُد، وبه يعلم أن أحُداً من حرم المدينة. اهـ.стр. 459
بينَ لاَبَتَيْهَا حَرَام"، وَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابةِ في الصّحِيحِ، وَاللاّبَتَانِ الْحرّتَانِ (١) .
الحَادِيةُ والْعِشْرُونَ: إِذَا أَرَادَ السَّفَر مِنَ الْمَدِينةِ وَالرُّجُوعَ إِلَى وَطَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ اسْتُحِب أَنْ يُوَدعَ الْمَسْجِدَ بِرَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ وَيَأَتِي الْقَبْرَ (٢) وُيعيدُ نَحْوَ السَّلاَمِ وَالدُّعَاءِ المذكُور في ابْتِدَاءِ الزّيَارَةِ وَتقُولُ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ هَذَا آخِرَ الْعَهْدِ بِحَرَمِ رَسُولكَ وَيَسرْ لِي الْعَوْدَ إِلَى الْحَرَمَيْنِ سَبِيلاً سَهْلَة وارْزُقْنِي العفو والْعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرة وَرُدنا سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَيَنْصَرِفُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَلاَ يَمْشِي قهقرَى إِلَى خَلْفِهِ.
الثَّانِيَةُ والعِشْرُونَ: فِي أَشْيَاءَ مُهِمّةٍ تتعَلَّقُ بِمَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ . رَوَيْنَا في صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ مَبْنيِاً بِاللَّبِنَ وَسَقْفُه الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بكْر ﵁ شَيئاً (٣) وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ ﵁ الحواشي
(١) الحرة: بفتح الحاء: هي الأرض ذات الحجارة السود كما في الحاشية وقال فيها: وهذا حَد الحرم في العَرْضِ، وما مَرَّ حَدُّه في الطول، وإنما لم يأخذ أصحابنا بقضية أحاديث وردت مِنْ أن حرمَ الطير والوحش والقتال وغيرها إلا الشجر ما بين الحرتين، وحَرَم الشجر بريد في بريد من سائر جوانب المدينة لأنها لم تثبت، وإنْ أخَذَ بذلك مالك ﵀. اهـ.(٢) أي ثم يأتي القبر خلافاً لمن قال: يقدم وداعه ﷺ على توديع المسجد بركعتين. اهـ حاشية.(٣) لقصر مدة خلافته ﵁ التي قضاها أو معظمها في حروب الردة، وتثبيت الإسلام الذي رجع عنه بعد موته ﷺ معظم سكان الجزيرة فأعاده الله على يديه، وثبت الناس عليه فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء. قال أبو هريرة ﵁: (والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عُبدَ الله) كررها ثلاثاً.стр. 460
وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ (١) فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ باللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمَدَهُ خَشَباً، ثُم غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيادة كثيرة (٢) وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ المَنْقُوشة وَالْقَصَّة وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَة مَنْقُوشَة وَسقفَهُ بِالسَّاجِ هذَا لَفْظُ رِوَاية الْبُخَارِي.
وَقَوْلُهُ القَصَّةِ هِيَ بِفَتْحِ القَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلة وهي الْجصُّ.
وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْد أَحَدِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَة (٣) قَالَ: بَنَى الحواشي
(١) جاء في (عمدة الأخبار عن مدينة المختار) عن ابن عمر ﵄ قال: كثر الناس في عهد عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين: لو وسعت في المسجد. فزاد فيه عمر وأدْخل فيه دار العباس فجعل طوله مائة وأربعين ذراعاً وعرضه مائة وعشرين، وبدل أساطينه بأخر من جذوع النخل كما كانت في عهد رسول الله ﷺ ، وسقفه بجريد، وجعل سترة المسجد فوقه ذراعين أو ثلاثة وقد بنى أساسه بالحجارة إلى أنْ بلغ قامة، وجعل له ستة أبواب: بابين عن يمين القبلة وبابين عن يسارها وبابين خلفها. فلما فرغ من زيادته قال: لو انتهى بناؤه إلى الجبانة لكان الكل مسجد رسول الله ﷺ . اهـ.(٢) أي في قبلي المسجد وذلك في العام الرابع من خلافته ﵁ حينما كلمه الناس أنْ يزيد في المسجد وشكوا إليه ضيقه فشاور عثمان أهل الرأي فأشاروا عليه بذلك.(٣) المنظومة أسماؤهم رحمهم الله تعالى في قول بعضهم رحمهم الله تعالى:
ألا كل مَنْ لا يقتدي بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق عاريه
فخذهم عُبَيْد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه
(أحدهم): سعيد بن المسيب القرشي المخزومي المدني إمام التابعين.
(ثانيهم): خارجة بن زيد بن الضحاك الأنصاري النجاري المدني التابعي.
(ثالثهم): عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني التابعي.
(رابعهم): القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التابعي القرشي التيمي. =стр. 461
رَسُولَ الله ﷺ مسْجدَهُ سَبْعِينَ (١) ذِرَاعاً أَوْ يَزِيدُ، قَالَ أَهْلُ السّيَرِ جَعَلَ عُثْمَانُ طُولَ المسجد مَائَةَ وَسِتّينَ ذِرَاعاً وَعَرْضَهُ مَائَة وخَمْسِينَ ذِراعاً وَجَعَلَ أَبْوَابَهُ سِتَّة كَمَا كَانَتْ في زَمَنِ عُمَر ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْوَليدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ (٢) فَجَعَلَ طُولَهُ مَائتيْ الحواشي
(١) أي في ستين ذراعاً هذا بناؤه المرة الأولى وبناه ﷺ كما في الحاشية المرة الثانية وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع وكذا في العرض. اهـ. أقول: ومما يعضد ما في الحاشية قول جعفر بن محمد كما في عمدة الأخبار. قال: بناه رسول الله ﷺ مرتين حين قدم أقل من مائة، فلما فتح الله عليه خيبر بناه وزاد فيه مثله من الدور وضرب الحجرات ما بينه وبين القبلة والشرق إلى الشام، ولم يضربها في غربيه وكانت خارجة من المسجد مدبرة به إلا من المغرب وكانت أبوابها شارعة في المسجد. اهـ.(٢) الأموي رحمه الله تعالى في سنة ٨٨ - ٩١، وقيل ٩٣ هـ، وقام بالعمارة عامله بالمدينة المنورة عمر بن عبد العزيز، وأحدث فيها المنابر والمحراب والشرفات وأدخل في المسجد حجرات أمهات المؤمنين بعد أنْ هدمها وكانت زيادة في الشرق والغرب والشمال من المسجد.стр. 462
ذِرَاعٍ وَعَرْضَهُ في مُقَدَّمِهِ مَائَتَيْ ذراعَ وَفِي مُؤَخرِهِ مَائَةً وَثَمَانِينَ ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْمَهْدِيُّ (١) مَائَة ذِراع مِنَ جِهَةِ الشَّامِ فَقَطْ دُونَ الْجِهَاتِ الثَّلاثِ (٢) . الحواشي
(١) العباسي ﵀ أي سنة ١٦١ - ١٦٥ هـ.(٢) قال بعض المؤرخين رحمهم الله تعالى: بزيادة المهدي هذه صار طول المسجد النبوي(٣٠٠) ذراع، وعرضه مائة وثمانين(١٨٠) ذراعاً، وزخرفه بالفسيفساء، وأدخل عمد الحديد في سواريه، كما فعل الوليد بن عبد الملك الأموي رحم الله الجميع، ثم زاد فيه السلطان الأشرف قايتباي نحو ذراعين وربع ذراع جهة الشرق حينما ظهر ضيق عند بناء القبة الخضراء فخرجوا بالجدار الذراعين والربع فيما حازى ذلك، وهذه الزيادة وقعت منه عندما عَمره بعد حريق عام ٨٨٦ هـ الحريق الثاني للمسجد النبوي وتمت العمارة سنة ٨٩٠ هـ وسبب هذا الحريق أنه حصلت غيوم في السماء شهر رمضان عام ٨٨٦ هـ وبرق البرق وهدر الرعد وسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المنارة الرئيسية فسقط، وكان رئيس المؤذنين شمس الدين بن الخطيب يؤذن فتوفي ﵀ صعقاً، وأصاب ما نزل من الصاعقة سقف المسجد النبوي الأولى عند المنارة فعلقت النار فيه وفي السقف الأسفل وأخذ لهبها يزحف نحو الشمال والغرب وعجز الناس عن إطفائها، وهذه العمارة التي احترقت هي العمارة التي قام بها عدد من الملوك والحكام المسلمين رحم الله الجميع.
أما الحريق الأول للمسجد النبوي فكان في أول شهر رمضان عام ٦٥٤ هـ وكان سببه دخول أحد فراشي المسجد النبوي مخزن الزاوية الغربية الشمالية للمسجد لاستخراج قناديل المسجد وتَرْكه الضوء الذي كان بيده على قفص القناديل مضيئاً فاشتعلت النار =стр. 463
فَإِذَا عَرَفْتَ حَالَ الْمَسْجِدِ فَيَنبغي أنْ تَعْتَنِي بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلاَةِ فِيمَا كَانَ في عَهْدِ الرسول ﷺ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي سبق ذِكْرُهُ صَلاَة فِي مَسْجِدي هَذَا أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاَة فيما سواه من المَسَاجِدِ إنَّما يَتَنَاولُ مَا كَانَ في
الحواشي
(١٠٣٠٢) أمتاراً مربعة ولا زالت حكومتنا السعودية جادة في توسعة المسجد النبوي فقد أزالت مبانٍ كثيرة من جهة الغرب في عهد الملك فيصل والملك خالد ابني الملك عبد العزيز آل سعود بعد تعويض أصحابها بما يرضيهم، وأقامت موضعها قباباً مؤقتة يؤدي فيها المصلون صلاتهم مع الجماعة ريثما يتم اتصال مبناها مع المسجد من هذه الجهة وفق الله حكومتنا السعودية لمرضاته آمين. =стр. 464
زَمَنِهِ ﷺ (١) لكِن إذا صَلى جَمَاعَةً فَالتَّقَدُّمُ إلَى الصَّفّ الأَوَّلِ ثُمَّ مَا يَلِيهِ أفْضَلُ فَلْيُفْطَنْ إلْى مَا نبهْتُ عَلَيْهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْن عَنْ أبي هُرَيْرَة ﵁ عَنْ رسُولِ الله ﷺ قَالَ: "مِنْبري عَلَى حَوْضِي" قَالَ الإِمامُ الْخَطابي: مَعْنَاهُ مَنْ لَزِمَ الْعِبَادَةَ عِنْدَ مِنْبَرِي يُسْقَى مِنَ الْحَوْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَقَدّمَ الْحَدِيثُ الآخَرُ فِي الصحيح: "مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي روْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ".
الثالِثَةُ والعشرون: مِنَ العامّة مَنْ زَعَمَ أنّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: "مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي إبْرَاهِيمَ في عَام واحد ضَمِنْتُ لَهُ الْجَنَّة" وَهَذَا بَاطِلٌ، لَيْسَ هُوَ عَنْ الحواشي
(١) وافق المصنف جمع منهم السبكي وابن عقيل الحنبلي والولي العراقي رحم الله الجميع آمين، واعترضه جمع كالمحب الطبري وغيره ﵏ بأشياء منها أن المضاعفة في مسجد مكة لا تختص بما كان موجوداً في زمنه ﷺ كما في مسلم وبأن الإشارة في قوله: "مسجدي هذا" إنما هي لإخراج غيره من المساجد المنسوبة إليه وبأن الإمام مالكاً رحمه الله تعالى سئل عن ذلك فأجاب بعدم الخصوصية لأنه صلوات الله وسلامه عليه زويت له الأرض وعلم -أي عن الله تعالى- ما يحدث وأخبر به، ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون أن يزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكروا عليهم. اهـ. وأجاب في الحاشية عنها بما حاصله أن (أل) في قوله ﷺ : "وصلاة في المسجد الحرام" الحديث ... أضعف في الدلالة على الحضور واليقين من الإشارة "في مسجد هذا" بدليل ما قيل إنه اسم لجميع الحرم لما شاع في القرآن وغيره من إطلاقه عليه، كما مَرّ ولم يقل في المسجد النبوي وأن قولهم: "إنما هي لإخراج غيره .. " إلخ ممنوع فيحتاج إلى دليل (وأن سكوت الصحابة) يحتمل أنه لما رأوه من المصلحةِ لكثرة الناس حينئذ فوسعوه لخشية تضررهم بالزحمة فأقروا على ذلك، وما روي مرفوعاً مما يقتضي المضاعفة في الزيادات ضعيف. فصَح وسَلم ما قال النووي رحم الله الجميع آمين.
(تنبيه): قال في الحاشية: لا فرق في مضاعفة الصلاة بين فرضها ونفلها خلافاً لبعض المالكية والحنفية.стр. 465
رَسُول الله ﷺ وَلاَ يُعْرَفُ في كِتاب بَلْ وَضَعَهُ الْفَجَرةُ، وَزِيَارَةُ الخليل ﷺ غَيْرُ مُنكَرَةٍ وإِنَّمَا المُنكَرُ مَا رَوَوهُ وَلاَ تَعَلقَ لزِيَارَةِ الْخَلِيلِ بِالْحَج بَلْ تِلْكَ قُرْبَةٌ مستقلة، وَمِثلُ ذلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الْعَامَّةِ إذَا حَج: أقدّسُ حَجّي، وَيَذهْبُ فَيَزُورُ بَيْتَ المقدسِ وَيَرَى ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْحَجّ، هَذا بَاطِلٌ أَيْضاً وَزِيَارَةُ الْقُدسِ مُسْتَحَبّةٌ لكَنَّهَا غيرُ مُتَعَلقَة بِالحَجّ وَالله أعلمُ.
الرابِعَةُ والعشْرُونَ: لَوْ نََذَر الذهابَ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ أوْ إِلَى الْمَسْجدِ الأَقْصَى فَفِيهِ قَوْلاَنِ للشَّافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى أَصَحُّهُمَا أَنهُ يُسْتَحَب (١) لَهُ الذَّهابُ وَلاَ يَجِبُ (٢) ، وَالثَّانِي يَجبُ. فَعَلَى هذا إِذَا أتَاهُ وَجَبَ عليه فِعْلُ عِبَادة فيه إِمَّا صَلاَةٌ وإِمَّا اعتكافٌ هذَا هُوَ الأَصَحُّ وقيل تتعين الصلاة وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ الاعْتِكَافُ وَالمُرَادُ اعْتِكَافُ سَاعَة وَالمُرادُ الصَّلاَةُ رَكْعَتَانِ وَقِيْلَ رَكْعَةٌ والمُرادُ نَافِلَةٌ وقِيلَ تكفِي الْفَرِيضَةُ. الحواشي
(١) أي لأنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها.(٢) أي لأنه مسجد لا يقصد بالنسك كغيره (فإنْ قيل) كيف أوجبتم الاعتكاف فيه بالنذر.
(أجيب): كما في الحاشية: وجب الاعتكاف فيه بالنذر لأنه عبادة مستقلة مختصة بالمسجد فإذا كان له فضل ولها فيه مزيد ثواب فكأنه التزم فضيلة في العبادة الملتزمة والإتيان بخلافه. اهـ. وأما لو نذر الذهاب إلى مسجد مكة أو محل من حرمها وجب قصد ذلك بالنسك لأنه يقصد لذلك كما تقدم في الثاني عشر من المسألة الخامسة والعشرين من الباب الخامس في الأحكام التي يخالف فيها الحرم غيره من البلاد عند قول المصنف ﵀: إذا نذر قصده لزمه الذهاب إليه بحج أو عمرة .. إلخ.стр. 466
الباب السابع
فيما يجب على من ترك من نسكه مأموراً أو ارتكب محرماً (١)
اعْلَمْ أنَّ من لم يترك مأْموراً وَلَمْ يَرْتكبْ مَحَرَّماً فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ أصْلاً.
وَأَمَّا مَنْ تَرَكَ المأْمُورَ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْب لا يَفُوتُ بهِ الحَجُّ، وَضَرْب يَفُوتُ بِهِ. فالذي لا يَفُوتُ بِهِ مَا عَدا الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَهُوَ أَنْوَاع:
أَحَدُهما: مَأْذُون فِيهِ وَهُوَ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ فَإنَّ فِيهِمَا تَرْك وَاجِبٍ (٢) مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَجِبُ فِيهِمَا هَدْي (٣) وَهُوَ الحواشي
(١) قال في الحاشية: هذا الباب يحتاج إلى قاعدة تجمع أطرافه فلنشر إلى مهماتها، فنقول: وجوب الدم إما مرتب لا يجوز العدول عنه إلا مع العجز، وإما مخير يجوز العدول عنه مطلقاً، وكل منهما باعتبار بدله، إما مقدرة أي قدر الشرع بدله شيئاً محدوداً أو معدل أي أمر فيه بالتقويم والعدول إلى غيره، فلا يجتمع ترتيب وتخيير ولا تقدير وتعديل فالحاصل أربعة أقسام. اهـ. والأربعة تأتي في الكتاب إن شاء الله وهي: الترتيب والتقدير، الترتيب والتعديل، التخيير والتعديل، التخيير والتقدير.(٢) هو ترك الميقات في أحد نسكيه كما مَرّ فدمهما دم جبر.(٣) هذا الهدي هو دم الترتيب والتقدير: ومعنى الترتيب أنه لا ينتقل الشخص إلى الثاني إلا بعد العجز عن الأول ومعنى التقدير أنه ينتقل الشخص إلى شيء قَدره الشرع كالصيام للعشرة الأيام هنا وإليه أشار العلامة ابن المقرئ رحمه الله تعالى بقوله: (أربعة =стр. 467
شَاة (١) فَصَاعِدَاً (٢) مِمَّا يُجْزِىءُ فِي الأَضْحِيَةِ وَقَد سَبَقَ بَيَانُه (٣) . فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ لِعَجْزِهِ عَنِ الثمَنِ فِي الحج أوْ لِكَوْنهِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي نَفَقَتِهِ وَمَؤونة سَفَرِهِ أَوْ لِكَوْنهِ لاَ يُبَاعُ إلا بِأَكْثَرِ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (٤) انْتَقَلَ إِلَى الصَّوْم، فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيام في الْحَجّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ. وَوَقْتُ وُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ إِذَا أَحْرَمَ بِالحَجّ (٥) فَإِذَا وَجَبَ جَازَتْ إرَاقَتُه (٦) وَلَمْ يَتَوَقَّتْ بِوَقْت كَسَائِرِ دِمَاءِ الْجُبْرَانَاتِ لكِنّ الأفْضَل إرَاقَتُهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَجُوزُ إِرَاقَتُهُ بَعْدَ الفَرَاغ مِنَ العُمْرَةِ (٧) وَقَبْلَ الإحْرَامِ بِالْحَجّ عَلَى الأَصَح، وَلاَ يَجُوزُ الحواشي
(١) صفتها صفة الأضحية ويقوم مقامها سُبعْ بدنة أو سُبعْ بقرة.(٢) أي فبقرة فواحدة من الإبل وليس مراده فشاتين فأكثر لأن الزائد على واحدة لا يتبع واجباً والكلام فيه قد تقدم.(٣) أي في الباب الأول في الإحرام.(٤) وكذا لو وجد الثمن، وعدم الهدي حالاً فله الانتقال للصوم وإن علم أنه يجده قبل فراغ الصوم كما في المجموع، وفيه ولو كان يرجوه فله الصوم.(٥) وبه قال أبو حنيفة وأحمد وعند مالك: لا يجب حتى يرمي جمرة العقبة.(٦) عند أبي حنيفة ومالك وأحمد لا تجوز إراقته إلا في يوم النحر.(٧) أي لأنه وجب بسببين الاعتمار في أشهر الحج ثم الإتيان بالحج في عام الاعتمار فجاز تقديمه على أحدهما كالزكاة بعد ملك النصاب والله أعلم. =стр. 468
قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنَ العُمْرَةِ عَلَى الأصَحّ.
وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلاَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الإِحْرَامِ بِالْحَجّ (١) وَلاَ يَجُوزُ صَوْمُ شَيْءٍ مِنَ الثلاَثَةِ في يَوْمِ النَّحْرِ وَلاَ في أَيامِ التَشْرِيقِ (٢) ، وَيُسْتَحَب أَنْ يصومَ الثلاَثَةَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ لأَنَّهُ يُسْتَحَب لِلْحَاجّ أنْ لاَ يَصُومَ يَوْمَ عَرَفَةَ (٣) وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُ هذَا إِذَا قَدَّمَ إِحْرَامَهُ بِالْحَجّ عَلَى يَوْمِ السادِسِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ قَالَ أصْحَابُنَا: يُسْتَحَب لِلْمُتَمَتعِ (٤) الذي هُوَ مِنْ أْهْلِ الصَّوْمِ أنْ يُحْرِمَ بِالْحَجّ قَبْلَ السَّادِسِ (٥) وَأَمَّا وَاجِدُ الْهَدْيِ فَيُسْتَحَب أنْ يُحْرِمَ بِالْحَجّ فِي الْيَوْمِ الثامِنِ، وَقَدْ سَبق بيانُ هذَا. الحواشي
(١) قال في الحاشية: هو المذهب وما في شرح مسلم مما يخالفه شاذ بل قيل سهو. اهـ. وبه قال مالك وقال أبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين بجوازه بعد الإِحرام بالعمرة.(٢) هذا هو الجديد المعتمد وبه قال أبو حنيفة لحديث عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله ﵄ في أيام التشريق: (إنها الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صومهن، وأمر بفطرهن) أخرجه أبو داود وابن المنذر وصححه ابن خزيمة والحاكم كما في الفتح). ولحديث مسلم: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله) والقديم المختار الجواز، واختاره في الروضة من جهة الدليل وهو مذهب مالك وأحمد في رواية لما رواه البخاري في صحيحه عن عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر ﵃ أجمعين قالا: (لم يرخص النبي ﷺ في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي).(٣) أي للاتباع ولأنه أنشط للدعاء والتلبية.(٤) أي والقارن ونحوهما ممن يمكنه إيقاع الثلاثة في الحج.(٥) أي ليصوم الخامس والسادس والسابع ولا بد من تبييت نية الصوم ليلاً لكونه واجباً.стр. 469
وَإِذَا فَاتَهُ صَوْمُ الثلاَثَةِ (١) بِالْحَج لَزِمَ قَضاؤهُ (٢) وَأَمَّا السَّبْعَة فَوقتُ وجُوبِهَا إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ (٣) فَلَوْ صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ لَمْ يَصحّ عَلَى الأَصَح (٤) وَإِذَا لَمْ يَصُمْ الثلاَثَةَ حَتى رَجَعَ لَزِمَهُ أنْ يُفَرقَ بينَ الثلاَثَةِ وَالسَّبْعَةِ بِفِطْرِ (٥) أَرْبَعَةِ أيام وَمُدَّة إمْكَانِ السيرِ إِلَى أهْلِهِ عَلَى العَالَةِ الغَالِبةِ هَذَا هُوَ الأَصَحُّ (٦) وَيُسْتَحَب الحواشي
(١) على الجديد يفوت بغروب شمس يوم عرفة، وبه قال أبو حنيفة: ويستقر الهدي في ذمته.(٢) ولا دم عليه وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: عليه دمان دم للتمتع ودم لتأخير الصوم، وعن أحمد ثلاث روايات: (أصحها): كأبي حنيفة، والثانية: دم واحد، والثالثة: يفرق بين المعذور وغيره، وكذا إن أخر الهدي من سنة إلى سنة.(٣) أي إلى وطنه أو ما يريد توطنه ولو مكة وهذا فيمن طاف طواف الإفاضة وحلق وسعى على الأصح من قولي الشافعي، وهو مذهب أحمد للحديث المتفق عليه عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" والثاني: الجواز قبل الرجوع، وفي وقت الجواز ذلك وجهان: أحدهما: إذا خرج من مكة وهو قول مالك والثاني: إذا فرغ من الحج وإن كان بمكة وهو قول أبي حنيفة. اهـ كتاب رحمة الأمة في اختلاف الأئمة.
وقال في المجموع: و (الثاني) يصومها إذا تحلل من حجه، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد ﵃ قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن مَنْ وجد الهدي لا يحرم عليه الصوم والله أعلم. اهـ.
أقول: قول ابن المنذر رحمه الله تعالى: ولا يحرم عليه الصوم. هذا إذا وجد المتمتع الهدي في صوم السبعة، وأما إذا وجده في صوم الثلاثة فقال أبو حنيفة: ووافقه المزني من الشافعية: يلزمه الهدي كما في المجموع.(٤) قال ابن قدامة في مغنيه: قال الأثرم سئل أحمد: هل يصوم في الطريق أو بمكة؟ قال: كيف شاء. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.(٥) ليس المراد به تعاطي مفطر بل عدم صومه في تلك المدة بنية نحو التمتع.(٦) وعند الحنابلة: لا يلزم التفريق. قال العلامة ابن قدامة في مغنيه: وإذا صام عشرة أيام لم يلزمه التفريق بين الثلاثة والسبعة. اهـ.стр. 470
التتابعُ في صَوْمِ الثَّلاَثَةِ (١) وَكَذا في صوْمِ السَّبعَةِ ولا يجبُ، فإذا لم يجِد الهَدْيَ فشرعَ في صومِ الثَّلاثةِ أو السبعة ثم وجدَهُ لم يلزمْهُ الهَدْيُ بل يستَمرُّ في الصَّوْمِ لكن يُسْتَحَب الرُّجُوعُ إلى الهَدْيِ (٢) .
النوع الثاني: تَرْك غير مأذُون فيهِ وهو تركُ الإِحْرامِ من المِيقَاتِ أو الرَّمْي أو الجمعِ بينَ الليْلِ والنَّهَارِ بِعَرَفَةَ أو المبيتِ بمُزْدَلِفَة أو بمنى أو طوافِ الوداعِ. فالأوَّلاَنِ من هذهِ الستَّةُ مُتّفق على وَجُوبِهِمَا والأرْبَعَةُ مُخْتَلَف في وجوبِهَا (٣) كما سَبَقَ بيانُهُ، فَمَنْ تركَ واجباً من هذه لزِمَهُ دَمُ شاة فَصَاعِداً فإِنْ عَجَزَ فالأصَحُّ أَنَّهُ كالمتَمَتِّعِ فيصومُ ثلاَثَة أيامٍ في الحَجّ (٤) وسَبعةً إذا رجع إلى أهلهِ، وقيلَ إذا عَجَزَ قُومَتْ الشَّاةُ درَاهِمَ واشترَى بها طَعَامَاً وَتَصدقَ بِهِ فإِن عَجَزَ عن الطعامِ صَامَ عن كُلّ مدّ يَوماً.
النوع الثالث: تَرْكُ طَوَافِ الإِفَاضَةِ أو السَعْيِ أو الحَلْقِ وهذه لا مَدْخَلَ للجُبْرانِ فِيها ولا تُفوتُ ما دامَ حَياً وقد سَبَقَ بيانُ هذا في آخرِ البابِ الثالثِ (٥) .
الضربُ الثاني: تركُ ما يفوتُ بِهِ الْحَج وَهُوَ الوقُوفُ بِعَرَفَةَ، فَمَن فَاتَه الحواشي
(١) أي إنْ أحرم قبل السادس وإلا تعين التتابع لضيق الوقت لا لنفس التتابع.(٢) به قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يلزمه إنْ وجده في الثلاثة ولا يلزمه في السبعة.(٣) الراجح أن الأول من هذه الأربعة واجب أو مستحب والثلاثة الباقية واجبة.(٤) لا يتصور إلا في ترك الإِحرام من الميقات بخلاف الخمسة بعده.(٥) أي عند قوله ﵀: (الرابع من الأعمال المشروعة يوم النحر طواف الإِفاضة) أقول: قد ذكرت هناك في التعليق عليه ركنيته واختلاف الأئمة ﵏ في أول وقته وآخره وحكمهم فيمن أخره عنه.стр. 471
الوُقُوفُ لزمهُ دَمٌ كَدَمِ التَّمَتعِ في أحكامِهِ السَّابِقَةِ (١) ، ويلْزَمُهُ أنْ يَتَحَلّل (٢) بِعَمَلِ عُمْرة (٣) وهو الطَّوَافُ والسّعْيُ (٤) وَالْحَلْقُ ولا يُحْسَبُ ذلكَ الحواشي
(١) غير أن وقته لا يدخل إلا بالإحرام بحجة القضاء وهو قول الأئمة إلا الإمام أبا حنيفة وأصحابه قالوا: لا دم على من فاته الحج، وهي الرواية الثانية عن الإِمام أحمد لأنه لو كان الفوات سبباً لوجوب الهدي للزم المحصر هَدْيَان للفوات والإحصار. اهـ مجموع ومغني ابن قدامة. فإن عجز عن الدم صام ثلاثة أيام بعد الإحرام بالقضاء وسبعة إذا رجع إلى أهله والمكي وغيره سواء في الفوات وترتيب الأحكام ووجوب الدم، وأما الرقيق إذا فاته الوقوف فيجب عليه الصوم بعد الإِحرام بالقضاء ولا يجب الدم لأنه لا يملك شيئاً والله أعلم.
(تنبيه): إذا فات القارن الحج فالعمرة فاتته تبعاً له ويلزمه ثلاثة دماء عند الشافعية كما في المجموع دم للفوات ودم للقران ودم للقضاء وإن أفرد لالتزام القران بالفوات.
وفي المغني: ويلزمه هديان لقرانه وفواته، وبه قال مالك والشافعي وقيل يلزمه هدي ثالث للقضاء؛ وليس بشيء فإن القضاء لا يجب له هَدْي وإنما يجب الهدي الذي في سنة القضاء للفوات. اهـ. وإذا فات الحج المتمتع بعد فراغه من عمرته الواقعة في أشهر الحج فعليه دمان دم للفوات ودم للتمتع، ولا يتصور فوات العمرة لأن جميع السنة وقت لها والله أعلم.(٢) أي فوراً اتفاقاً. قاله السبكي: إلا رواية عن مالك، ومتى خالف وبقي محرماً إلى قابل فحج بذلك الإِحرام أثم ولم يجزئه كما حكاه ابن المنذر عن الشافعي. قال ابن قدامة: فإنْ اختار من فاته الحج البقاء على إحرامه ليحج من قابل فله ذلك، روي ذلك عن مالك لأنه تطاول المدة بين الإِحرام وفعل النسك لا يمنع إتمامه كالعمرة والمحرم بالحج في غير أشهره، ويحتمل أنه ليس له ذلك لأن إحرام الحج يصير في غير أشهره فصار كالمحرم بالعبادة قبل وقتها. اهـ.(٣) أي صورة لا حكماً وتسمى (عمرة الفوات) وتجب نية التحلل عند كل عمل من أعمالها.(٤) أي إن لم يكن سَعَى بعد طواف القدوم، فإن قَدمَه فلا يعيده بعد طواف عمرة التحلل، فإنْ كان معه هدي ذبحه قبل الحلق، كما يفعله مَنْ لم يفته الحج. ولعمرة الفوات هذه تحللان يحصل أحدهما بواحد من الحلق أو الطواف المتبوع بالسعي إنْ لم =стр. 472
عُمْرَة (١) وَعليه قضاءُ الحجِّ سَواء كانَ إحْرَامُه بِحجّ واجِب أو تَطَوع (٢) ويجبُ الْقَضَاءُ (٣) عَلَى الفَوْرِ (٤) في السَّنة الْمُسْتَقْبَلَة عَلَى الأَصَحّ فَلاَ يَجُوزُ تأخِيرُهُ عَنْهَا الحواشي
(١) به قال مالك وأبو حنيفة، وقال أبو يوسف وأحمد في أصح الروايتين عنه: ينقلب عمرة مجزئة عن عمرة سبق وجوبها ولا دم. اهـ مجموع.(٢) به قال مالك وأبو حنيفة إلا أنّ أبا حنيفة ومحمداً قالا: لا دم عليه ووافقا في الباقي. اهـ مجموع. وقال ابن قدامة في مغنيه: وعن أحمد لا قضاء عليه بل إنْ كانت فرضها فعلها بالوجوب السابق وإن كانت نفلاً سقطت وهو إحدى الروايتين عن مالك لأنه ﷺ لَما سئل عن الحج أكثر من مرة؟ قال: "بل مرة واحدة" ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من مرة، ولأنه معذور في ترك إتمام حجه فلم يلزمه القضاء كالمحصر، ولأنها عبادة تطوع فلم يجب قضاؤها كسائر التطوعات، ولكن الرواية الصحيحة عن الإمام أحمد يلزمه القضاء من قابل سواء الفائت واجباً أو تطوعاً كالشافعية والحنفية والمالكية والله أعلم.
ودليل وجوب القضاء وهدي شاة وجميع ما ذكره المصنف ما رواه مالك والشافعي والبيهقي وغيرهم ﵏ ورحمنا معهم عن سليمان بن يسار أن أبا أيوب الأنصاري ﵁ خرج حاجاً حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة ضَلت راحلته، فقدم على عمر بن الخطاب ﵁ يوم النحر فذكر ذلك له. فقال له عمر: (اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت فإذا أدركت الحج قابلاً فاحجج واهد ما استيسر من الهدي).(٣) إنما يجب القضاء في فوات لم ينشأ عن حصر، فإن نشأ عنه بأن حصر فسلك طريقاً آخر أطول من الأول ففاته الحج وتحلل بعمل عمرة فلا إعادة عليه إنْ كان نسكه نفلاً لأنه بذل ما في وسعه، أما لو سلك طريقاً آخر مساوياً للأول أو أقرب منه أو صابر إحرامه غير متوقع زوال الإِحصار ففاته الوقوف فعليه الإِعادة والله أعلم.(٤) أي فيهما كما هو مقتضى صريح عبارة المصنف هذه، وصريح شرح المنهاج، وتدل له فتوى الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ ومال إليه السبكي ﵀ وجرى في الحاشية كالتحفة على ما في الروضة من أن الواجب يبقى كما كان من توسيع وتضييق عليه وفرق بأنه إنما وجب الفور في التطوع لأنه أوجبه على نفسه بالشروع فيه فتضيق عليه =стр. 473
بِغيرِ عُذْرٍ وَسَوَاءٌ في هَذَا كُله كَانَ الْفَوَاتُ بِعُذْرٍ كالنَّوْمِ وَالنسيَانِ والضلاَلِ عَنِ الطّرِيقِ وغير ذَلِكَ أوْ كَانَ بِلاَ عُذْرٍ لَكِنْ يَخْتَلِفَانِ في الإثْمِ فَلاَ إِثْمِ عَلَى الْمَعْذُورِ وَيَأثَم غَيْرُهُ والله أعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَأَما ارْتِكَابُ الْمَحْظُورِ فَمَنْ حَلَقَ الشَّعْرَ أوْ قَلَمَ الأظْفَارَ (١) أوْ لَبِسَ أوْ تَطَيبَ أو دهنَ الرَأسَ أو اللحيةَ أو باشرَ فيمَا دونَ الفرجِ بشهوةٍ لزمهُ أنْ يَذْبَحَ الحواشي
(١) شرع المصنف ﵀ يذكر الأشياء التي يجب في فعل واحد منها دم التخيير والتقدير. ومعنى التخيير أن من وجب عليه هذا الدم مخير بين ثلاثة أشياء ذبح شاة أو التصدق بثلاثة آصع من طعام من جنس الفطرة لستة مساكين أو فقراء أو منهما لكل واحد نصف صاع أو صوم ثلاثة أيام، ومعنى التقدير أن ينتقل إلى شيء قَدّره الشارع كما تقدم وهذه الأشياء هي الاستمتاعات وهي ثمانية ذكر المصنف منها سبعة ويزاد عليها الوطء بين التحللين والجماع بعد الوطء المفسد، ولو قبل التحللين، وتتكرر الفدية بتكرر الوطء فتكمل الفدية عند الشافعي بإزالة ثلاث شعرات أو أظفار فأكثر أو جزء من ثلاث مع اتحاد الزمان والمكان، وفي شعرة أو ظفر أو بعض كل: وإن قل إذا كان مستقلاً مد طعام وفي اثنين مدان (إن اختار الدم) (فإن اختار الصوم) فيوم في الواحدة ويومان في الاثنتين وكذا الظفر أو بعضهما (أو الإِطعام) فصاع أو صاعان. هذا ما جرى عليه بعض الشافعية.
وجرى آخرون منهم على أن في الشعرة الواحدة أو الظفر الواحد أو بعض كل مداً وفي الاثنتين مدين (اختار الدم أو لا) وألزم أصحاب هذا القول أصحاب القول الأول: بأن في ذلك تخييراً بين الشيء وبعضه أقل منه من جنسه ولم يوجد (أجابوا عنه) بأن المسافر خيّر بين القَصْر والإِتمام، وعند أبي حنيفة إن حلق ربع رأسه لزمه الدم، وإنْ حلق دونه فلا شيء، وفي رواية فعليه صدقة والصدقة عنده صاع من أي طعام شاء إلا البر فنصف صاع وعند أبي يوسف إن حلق نصف الرأس فيه الدم، وعند مالك إن حَلْق ما أماط به الأذى عن رأسه إن غير اعتبار ثلاث شعرات. وعن أحمد روايتان: (إحداهما): كالشافعية =стр. 474
شاة (١) أوْ يُطْعِمَ ستةَ مَساكينَ (٢) كُل مسكين نِصْفَ صاعٍ أوْ يَصُوم ثَلاثَة أيامٍ وَهُو مُخَير بينَ الأمورِ الثلاثةِ (٣) وَأَمَّا الجِمَاعُ (٤) فيجب فيه بَدَنَة (٥) فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبقَرَةٌ فَإِن لَمْ يَجِدْ فسَبع مِنَ الغَنَمِ، فإنْ لَمْ يَجِدْ قُوِّمَت البَدَنَةُ دَرَاهم والدراهمُ طَعَاماً وتصدق به، فإِنْ لم يجدْ صام عن كل مدِّ يوماً. الحواشي
(١) وإلى هذا أشار العلامة ابن المقري ﵀ وهو رابع في تقسيمه وثان في كلام المصنف رحمه الله تعالى:
وخيرنْ وقَدرن في الرابع ... إن شئت فاذبح أو فجد بآصع
للشخص نصف أو فصم ثلاثاً ... تجتث ما اجتثثته اجتثاثا
في الحلق والقلم ولبس دهن ... طيب وتقبيل ووطء ثنى
أو بين تحليلي ذوي إحرام ... هذي دماء الحج بالتمام(٢) يشمل الفقراء.(٣) والدليل على التخيير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] التقدير فحلق شعر رأسه ففدية وقد بين ذلك ﷺ بقوله لكعب بن عجرة ﵁: "أيؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم، قال: انسك شاة أو صم ثلاثة أيام أو أطعم فرَقاً" (بفتح الفاء والراء إناء يسع ثلاثة آصع). وفي معنى الحلق قلم الأظفار وبقية الاستمتاعات التي ذكرت لاشتراك الكل في الترفه والله أعلم.(٤) أي المفسد للنسك، وقد مرت في محرمات الإِحرام فيه أبحاث وتقييدات وأقوال الأئمة فراجعها.(٥) هذا الدم دم ترتيب وتعديل، وإليه أشار العلامة ابن المقري، وهو ثان في =стр. 475
وأمَّا الصّيد المحَرَّمُ بالإِحْرَامِ أو الحَرَمِ فيجِب فيما له مِثلٌ مِنَ النّعَم مِثْلُهُ (١) مِنَ النَّعَمِ فَيَجِبُ في النعامةِ بدنة وفي حمارِ الوحشِ وبقرِهِ بقرةٌ وفي الضبعِ (٢) كَبْشٌ وفي الحواشي
(١) أي خلقة وصورة تقريباً لا تحقيقاً وإلا فأين النعامة من البدنة وهذا الدم دم تخيير وتعديل ومعنى التخيير أنّ من وجب عليه هذا الدم مُخَير بين ثلاثة أمور وهي: (ذبح المثل من النعم) (أو الإطعام بقيمته) أو (الصوم عن كل مدّ من الطعام يوماً) ويكمل المنكسر. ومعنى التعديل أن يعدل الدم أي يقوم ويُخْرج بقيمته طعام). ويدخل في هذا القسم سببان: (الأول): إتلاف الصيد البري (الثاني): قطع شجر الحرم ونباته وقلعهما، وهما المذكوران في قول المصنف: وأما الصيد المحرم بالإِحرام والحرم .. إلخ وإلى هذا أشار العلامة إسماعيل بن المقري اليمني ﵀ وهو ثالث في تقسيمه ورابع في كلام المصنف رحم الله الجميع آمين:
والثالث التخيير والتعديل في ... صيد وأشجار بلا تكلّف
إن شئت فاذبح أو فعدل مثل ما ... عدلت في قيمة ما تقدما(٢) المعروف عند العامة بالجعير، وقوله: كبش لأنه سئل ﷺ عن الضبع فقال: هي صيد وجعل فيها كبشاً إذا أصابها المحرم كما في الحاشية.стр. 476
الغَزَالِ (١) عَنْز وفي الأَرْنَبِ عَناق (٢) وفي الضب جَدْي (٣) وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَة (٤) وَمَا سِوَى هذَا الْمَذْكُورَ إِنْ كَانَ فِيهِ حُكْمُ، عَدْلَيْنِ مِنَ السّلفِ عَمِلْنَا بِهِ وإنْ لم يكنْ رَجعْنَا فيهِ إلى قولِ عَدْلَيْنِ عَارِفَيْنِ (٥) .
فَإنْ كانَ قَاتِلُ الصَّيْدِ أحَدُ العَدْلَيْنِ وَقَدْ قَتَلَهُ خطأ أوْ مضْطَراً جاز عَلَى الأَصَحّ، وإِنْ كَانَ قَتَلَهُ عُدْوَاناَ لَمْ يَجُزْ لأَنَّهُ يَفْسُقُ فَلاَ يقبَلُ حُكْمُهُ (٦) .
وَأَمَّا الطيُورُ فَالْحَمَامُ وكُل مَا عبَّ في المَاء وهو أنْ يَشْرَبَهُ مَصَّاَ بِلاَ جَرْع يجبُ فيه شَاةُ (٧) وَمَا كانَ أكْبَر من الحمامةِ أو مِثلَهَا فالصحيحُ أنّ له حُكْمَهَا (٨) الحواشي
(١) أي الظبي الكبير أو الظبية الكبيرة لأن الغزال صغير الظباء ما لم يطلع قرناه، والعنز أنثى المعز التي لها سنة وهي كبيرة لا تجزىء عن الغزال الصغير وعكسه فلذا قلنا أي الظبي الكبير .. إلخ وأطلق على الظبي الكبير غزال باعتبار ما كان ففي الغزال عنز صغير.(٢) العناق: أنثى المعز من حين تولد ما لم تستكمل سنة.(٣) هو الذكر الصغير من أولاد المعز.(٤) الجفرة: أنثى المعز إذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها لكن يجب كما قال الشيخان أن يكون المراد بالجفرة هنا ما دون العناق إذ الأرنب خير من اليربوع.(٥) أي فقيهين بباب الشبه. والمراد بالعدل هنا عدل الشهادة لا عبد وامرأة وخنثى ولو حكم عدلان بمثل وآخران بأنه لا مثل له كان مثلياً كما سيذكره المصنف أو مثل آخر تخير ولا يلزمه الأخذ بقول الأعلم والأكثر والأعدل.(٦) أي لا لنفسه ولا لغيره.(٧) أي لحكم الصحابة رضوان الله عليهم بذلك، وبه قال أحمد. وقال مالك: إنْ قتل المحرم الحمامة وهي في الحل فعليه القيمة، وإن أصابها في الحرم ففيها شاة. وقال أبو حنيفة: فيها القيمة مطلقاً.(٨) هذا ما رجحه هنا لكنه رجح في المجموع كالرافعي وجوب القيمة فيما كان =стр. 477
وَمَا كَانَ أصغَر ففيهِ القيمَةُ (١) ، وكذلِكَ ما لا مثلَ له من الطيورِ والجراد وَبيْضُ الصَّيْدِ (٢) ولَبَنُهُ وبَعْضُ أَجْزَائِهِ كل هذَا فِيهِ القيمةُ ولو حَكَمَ عَدَلاْنِ أَنهُ لا مثلِ لهُ وآخرانِ أنَّ له مثلاً فهوَ مثلِي ويجبُ في الصغيرِ صغير وفي الكبيرِ كبير، وفي الصَّحِيحِ صحيح وفي المريضِ مريض، وفي السَّليمِ سليم وفي المعيبِ مُعِيبٌ بجنسِ ذلِكَ العيبِ؛ فإن اختلفَ كالعورِ والجرَبِ فَلاَ، وَلَوْ فَدَى الرّدِيء بالْجَيّدِ كان أفْضَل وإنْ فَدَى أعْورَ أحَدِ العَينَيْنِ بِأَعْوَر الأخْرَى جَازَ على الأصَحّ وَكَذَا لو فَدَى الذَّكَرَ بالأُنْثَىَ (٣) جَازَ عَلَى الأَصَحِّ.
(فرع): وَأما مَا كَانَ له مِثْل فهو مُخَيَّرٌ إِنِ شاءَ أخْرَجَ المثْلَ وَإِنِ شاءَ قَوَّمَهُ دَرَاهِمَ واشْترى بِهِ طعاماً (٤) وَتَصدَّقَ بِهِ، وإِنِ شَاءَ صامَ عن كُل مدٍّ يَوْماً.
وإنِ كانَ مِمَّا لا مِثْل له فهو مُخَيَّر إِنْ شاءَ أخْرَجَ بالقيمةِ طعاماً وإنِ شَاءَ صَامَ عن كُلّ مَد يوماً، فإن انكسرَ مُدّ في الصُورَتَيْنِ صامَ يَوْماً والاعتبارُ في الْمِثْلِ (٥) بِقيمةِ مكّةَ يَوْمَئذِ (٦) الحواشي
(١) وبه قال الأئمة الثلاثة مالك وأبو حنيفة وأحمد رحم الله الجميع ورحمنا وأمة محمد ﷺ معهم آمين.(٢) أي غير المذر والمذر من النعام للانتفاع بقشره كما مَرّ.(٣) أي أو عكسه كما تقدم.(٤) قال في الحاشية: ليس بقيد بل إذا قَومه بدراهم وعرف ما يتحصل بها من الطعام تخير في إخراج ذلك المقدر مما يشتريه أو مما عنده. وقوله: (وتصدق به) لم يعين المصنف ﵀ حصة كل فقير فتبين أنها لا حدّ لها فيجوز إعطاؤه أمداداً.(٥) أي والطعام المخرج عنه وعن المُقَوم.(٦) أي يوم الإِخراج واعتبرت القيمة بمكة أي كل الحرم دون محل الإِتلاف لأن =стр. 478
وَفِي غَيْرِ المثليّ بقيمتِهِ في محَلّ الإِتلافِ (١) والله أعلمُ. الحواشي
(١) أي في يومه دون يوم الإخراج والطعام المخرج عنه يعتبر سعره بمكة، ولا بد في القيمة من عدلين والله أعلم.
مذاهب الأئمة الأربعة ﵏ في مسائل من جزاء الصيد مأخوذة من المجموع للمصنف ﵀ (إحداها): إذا قتل المجرم صيداً أو قتله الحلال في الحرم فإنْ كان له مثل من النعم وجب فيه الجزاء بالإجماع، مذهب الشافعية أنه مخير بين (ذبح المثل) (والإطعام بقيمته) (والصوم عن كل مد يوماً) ويكمل المنكسر كما تقدم لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [سورة المائدة: آية ٩٥]- المائدة، وبه قال مالك وأحمد في أصح الروايتين عنه إلا أن مالكاً قال: يقوم الصيد ولا يقوم المثل. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه المثل من النعم، وإنما يلزمه قيمة الصيد، وله صرف تلك القيمة في المثل من النعم.
(الثانية): إذا عدل عن مثل الصيد إلى الصيام فمذهب الشافعية أنه يصوم عن كل مد يوماً وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد يصوم عن كل مدين يوماً. دليل الشافعية والمالكية إن الله تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ وقد قابل صيام كل يوم بإطعام مسكين في كفارة الظهار. وقد ثبت بالأدلة المعروفة أن إطعام كل مسكين هناك مد فكذا هنا يكون كل يوم مقابل مدّ.
واحتج أبو حنيفة وأحمد بحديث كعب بن عجرة ﵁ فإن النبي ﷺ جعله مخيراً بين صوم ثلاثة أيام وإطعام ستة مساكين، كل مسكين نصف صاع فدل على أن اليوم مقابل بأكثر من مُد.
(الثالثة): مذهب الشافعية والحنابلة أن ما حكمت فيه الصحابة رضوان الله عليهم بمثل فهو مثله ولا يدخل بعدهم اجتهاد ولا حكم. وأما أبو حنيفة فجرى على أصله السابق إن الواجب القيمة. وقال مالك: يجب الحكم في كل صيد وإن حكمت فيه الصحابة دليل الشافعية والحنابلة أن الله تعالى قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقد حكما فلا يجب تكرار الحكم. =стр. 479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = (الرابعة): مذهب الشافعي وأحمد الواجب في الصغير من الصيد المثليّ صغير مثله من النعم لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ومثل الصغير صغير ولأن الصحابة حكمت في الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة، فَدَل على أن الصغير يجزىء وأن الواجب يختلف باختلاف الصغير والكبير وقياساً على سائر المضمونات فإنها تختلف مقادير الواجب فيها، وقال مالك: يجب فيه كبير لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ والصغير لا يكون هدياً، وإنما يجزىء من الهدي ما يجزىء من الأضحية، وبالقياس على قتل الآدمي فإنه يقتل الكبير بالصغير. وأما الصيد المعيب فعند الشافعية يفديه بمعيب وعند مالك يفديه بصحيح. دليل الشافعية ما سبق في الصغير.
(الخامسة): إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد لزم جزاء واحد عند الشافعية وأحمد لأن المقتول واجب فوجب ضمانه موزعاً كقتل العبد وإتلاف سائر الأموال. وعند مالك وأبي حنيفة على كل واحد جزاء كامل ككفارة قتل الآدمي.
(السادسة): إذا قتل القارن صيداً لزمه جزاء واحد وإذا تطيب أو لبس لزمته فدية واحدة عند الشافعية وبه قال مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه، وقال أبو حنيفة: يلزمه جزاءان وكفارتان لأنه أدخل النقص على الحج والعمرة بقتل الصيد فوجب جزاءان كما لو قتل المفرد في حجه وفي عمرته ودليل الأئمة الثلاثة أن المقتول واحد فوجد جزاء واحد كما لو قتل المحرم صيداً في الحرم فإنه وافقنا أنه يجب جزاء واحد مع أنه اجتمع فيه حرمتان حرمة الإحرام وحرمة الحرم، وأما ما قاس عليه فالمقتول هناك اثنان.
(السابعة): مذهب الشافعية أن الثعلب صيد يؤكل ويحرم على المحرم قتله، فإن قتله لزمه الجزاء وبه قال مالك، وقال أحمد أمره مشتبه.
(الثامنة): مذهب الشافعية أن في الضب هدياً كما تقدم وعند مالك قبضة من طعام، فإن شاء أطعم وإن شاء صام وعند أبي حنيفة قيمته.
(التاسعة): عند الشافعية في الحمامة شاة سواء قتلها محرم أو قتلها حلال في الحرم وبه قال أحمد، وقال مالك: في حمامة الحرم شاة وحمامة الحل القيمة، وعند أبي حنيفة قيمتها وهذه المسألة قد تقدمت.
(العاشرة): عند الشافعية ما دون الحمام من العصافير ونحوها من الطيور قيمته وبه قال الأئمة الثلاثة، واحتج بعض أصحاب داود لا شيء فيه لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فدل على أنه لا شيء فيما لا مثل له. واحتج الأئمة بأن عمر وابن عباس =стр. 480
(فرع): ويضمَنُ المحرمُ والحلالُ صيدَ حرمِ مكة (١) كما يَضْمَنُ صَيْدَ الحواشي
(١) يحرم على المحرم والحلال صيد الحرم لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى حَرم مكة لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها فقال العباس: إلا الإذخر لصاغتنا فقال: إلا الإذخر" رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى. قال في الحاشية: ليس منه أي من صيد الحرم صيد مملوك دخل الحرم بل لمالكه ذبحه فيه والتصرف فيه كيف شاء لأنه صيدُ حِل. اهـ.
أقول: هذا مذهب الشافعية والمالكية خلافاً للحنفية والحنابلة كما تقدم جاء في بعض التعاليق عن ابن الجمال رحمه الله تعالى: أن من صيد الحرم فيما يظهر ما إذا كان يملك صيداً بأن دخل به من الحل ثم أحرم فإنه يزول ملكه عنه ويصير صيداً حرمياً فليس لأحد اصطياده ولا تملكه وإن كان صيد حل قبل ذلك لأن اليد التي كانت مبيحة للتصرف فيه زالت فأشبه ما لو دخل بنفسه إلى الحرم فيخص قولهم: إن لكل أحد تملكه بما إذا لم يكن بالحرم. اهـ. =стр. 481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = مذاهب العلماء في مسائل تتعلق بصيد الحرم مأخوذة من المجموع للمصنف رحمه الله تعالى (إحداها): أجمعت الأمة على تحريم صيد الحرم على الحلال فإنْ قتله فعليه الجزاء هذا مذهبنا وبه قال كافة العلماء. وقال داود: لا جزاء عليه لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فقيد بالمحرمين، دليلنا: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه طائر فخاف أن ينجسه فطيره فنهشته حية فسأل من كان معه أنْ يحكموا عليه فحكموا عليه بشاة ولأنه هلك بسبب من جهته فأشبه ما إذا حفر له بئراً أو نصب له أحبولة فهلك بها.
(الثانية): حكم جزاء الحرم كجزاء الإحرام فيتخير بين المثل والإطعام والصيام هذا مذهبنا، وبه قال الأكثرون منهم: مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا مدخل للصيام فيه، قال: لأنه يضمنه ضمان الأموال بدليل أنه يضمنه لمعنى في غيره وهو الحرم فأشبه مال الآدمي.
دليلنا: القياس على صيد الإحرام ولو سلك به مسلك مال الآدمي لم يدخله المثل والإطعام وليعتبر نقد البلد، ولأن هذا المعنى موجود في صيد الإِحرام، وينتقض ما قالوه أيضاً بكفارة القتل.
(الثالثة): إذا صاد الحلال في الحل وأدخله الحرم فله التصرف فيه بالبيع والذبح والأكل وغيرها ولا جزاء عليه، وبه قال مالك وداود، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز ذبحه بل يجب إرساله، قالا: فإن أدخله مذبوحاً أكله وقاسوه على المحرم، واستدل أصحابنا بحديث أنس أنه كان له أخ صغير يقال له أبو عمير وكان له نغر يلعب به فمات النغر. فكان النبي ﷺ يقول: "يا أبا عمير ما فعل النغير" رواه البخاري ومسلم وموضع الدلالة أن النغر من جملة الصيد، وكان مع أبي عمير في حرم المدينة ولم ينكره النبي ﷺ وأيضاً فإن الذي عنى الشرع منه صيد الحرم وهذا ليس بصيد حرم، وقياساً على مَنْ أدخل شجرة من الحل أو حشيشاً والله أعلم.
(الرابعة): إذا أرسل كلباً من الحل على صيد في الحرم، أو من الحرم على صيد في الحل لزمه الجزاء، وقال أبو ثور: لا يلزمه. اهـ. قال ابن قدامة في مغنيه رحمه الله تعالى: وإذا رمى الحلال صيداً في الحرم فقتله أو أرسل كلبه عليه فقتله أو قتل صيداً على =стр. 482
الإِحْرَامِ وَيَضْمَنَانِ شَجَرَهُ (١) . الحواشي
(١) أي بالقلع والقطع سواء الذي في ملكه والمثمر والمستنبت وغيره لقوله ﷺ السابق: "ولا يعضد شجرها" ولا يتجدد حكم بنقل، فلو غرست حَرَمية في الحل أو حلية في الحرم لم تنتقل الحرمة عنها في الأولى ولا إليها في الثانية بخلاف صيد دخل الحرم لأن للشجرة منبتاً فاعتبر حتى لو خرجت أغصانها إلى الحل ضمنها دون صيد عليها ولعكسه عكس حكمه بخلاف الصيد فاعتبر محله ولا تضمن حرمية نقلت للحرم أو الحل ونبتت فيه بل يجب في الثانية ردّها إلى الحرم محافظة على حرمتها فإنْ رَدّها ولم تنبت ضمنها هذا ما في الروضة.
لكن قال السبكي وغيره: يجب الضمان وإن نبتت في الحل كما صَرّح به جمع ما لم يعدها إلى الحرم لأنه عَرّضها للإيذاء بوضعها في الحل فأشبه إزالة امتناع الصيد وقرار =стр. 483
فَمَنْ قِلعَ شجرة (١) كَبِيرَةً ضَمِنَهَا بِبقَرَةٍ (٢) ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَة (٣) ضَمِنَهَا بِشَاةِ (٤) ثُم يَتَخيَّرُ بَيْنَ الْبقَرَةِ وَالشَّاةِ وَالطَّعَام وَالصيَام كما سَبقَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ. وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً جِدّاً وَجَبَتْ القيمَةُ ثم يَتَخَيّر بينَ الطَّعَامِ والصِّيَامِ وَكَذَا حُكْمُ الأَغْصَانِ (٥) .
وَأَمَّا الأَوْرَاقُ فَيَجُوزُ أخذُهَا (٦) الحواشي
(١) قال في الحاشية: أي رطبة غير مؤذية كالشوك وإن لم يكن في الطريق والمنتشرة إلى الطريق حتى منعت المرور لجواز قطعها وقلعها حيئذ كما في الروضة وغيرها، لكن خالفه في شرح مسلم وتصحيح التنبيه وتحريره تبعاً لجمع أخذاً من خبر: (لا يعضد شوكها) ولو قيل بجواز قطع ما يؤذي المارة دون غيره ويحمل الحديث على الثاني لكان أوجه من إطلاق الجواز وإطلاق المنع وإن كان المذهب ما مَرّ أولاً وكالقلع في كلامه القطع على الأوجه وعليه فلا فرق بين عودها أولاً أخذاً من التفصيل الآتي في الغصن، أما اليابسة فيجوز قطعها وقلعها أي إن فسد مثبتها وإلا لم يجز قلعها فيما يظهر أخذاً مما يأتي في الحشيش. اهـ.(٢) أي تجزىء في الأضحية وكذا ببدنة أو سبع شياه مجزئة في الأضحية.(٣) أي عرفاً وهي ما تقارب سبع الكبيرة.(٤) أي تجزىء في الأضحية.(٥) أي التي أصلها في الحرم وإن كانت في هواء الحل وهي لا تخلف أو تخلف غير مماثل لها أو مماثل لها لا في سنتها فيحرم قطعها ويضمنها وسبيل ضمانها سبيل ضمان جرح الصيد فيضمن النقصان كعضو الحيوان.(٦) أي عند الشافعية لأنه لا يضر بالشجر، وأما عند الحنابلة فقال العلامة ابن قدامة ﵀ في مغنيه: وليس له أخذ ورق الشجر لقوله ﷺ : "لا يخبط شوكها ولا يعضد شجرها" رواه مسلم ولأن ما حرم أخذه حرم كل شيء منه كريش الطائر وقولهم لا يضر به لا يصح فإنه يضعفها وربما آل إلى تلفها. اهـ.стр. 484
لَكِنْ لاَ يخبطُهَا (١) مَخَافَةَ أن يُصِيبَ قُشورَهَا، ويحرمُ قطعُ حشيشِ (٢) الحرمِ فإنْ قَلَعَهُ لَزِمَهُ القيمةُ وَهُوَ مُخَيّر بين الطعَامِ والصيامِ، فإنْ أخلفَ الحشيشُ سقطتِ الْقِيْمَةُ (٣) وَإِنْ كَانَ يَابِساً فَلاَ شيْءَ عَلَيْهِ في قَطْعِهِ فَلَوْ قلعه لَزِمَهُ الضمانُ (٤) لأَنَّهُ لَوْ لَمْ تقْلَعْهُ لَنبَتَ وَيَجُوزُ تَسْرِيْحِ الْبَهَائِمِ في حشيش الْحَرَمِ (٥) لِتَرْعَى، فَلَوْ أَخَذَ الْحَشِيشَ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ (٦) الحواشي
(١) لأن الخبط حرام كما في المجموع ولئلا يضر بالورق فلو فعله فتكسرت أغصانها أو بعضها أو أضر بالورق ولم تخلف في العام أو توقف نموها ضمن. قال في الحاشية: ويجوز أخذ الورق اليابس والجاف والأغصان الصغار بقيدها السابق (أي في الأغصان) للانتفاع بها فيما تدعو الحاجة إليه (أي كالاستياك) أخذاً من حديث: (ولا يخبط فيها شجر إلا لعلف). اهـ.
أقول: محل جواز أخذ الأغصان الصغار وورق الأشجار وثمره أيضاً أخذها لغير البيع والهبة ولو كان البيع لمن يستاك بالأغصان أو يعلف بالورق أو ينتفع بالثمر كما يأتي في الحشيش والله أعلم.(٢) المراد به الرطب من النبات الذي ليس من شأنه الاستنبات سواء نبت بنفسه أو استنبت لقوله ﷺ في حديث ابن عباس السابق: "ولا يختلى خلاها" أي لا ينتزع بالأيدي وغيرها كالمناجل أما إذا كان من شأنه الاستنبات وإن نبت بنفسه كالحنطة والشعير والبقول والخضروات فيجوز أخذه.(٣) أي إن أخلف غير ناقص وإلا ضمن أرش النقص، وهو رواية عن أحمد.(٤) أي ما لم يفسد منبته فإن فسد جاز قلعه أيضاً كما صرح به في المجموع.(٥) أي وشجره لترعى لأن في عصره ﷺ كانت البهائم ترعى. قال ابن عباس ﵄: (أقبلتُ راكباً على أتان فوجدت النبي ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار فدخلت الصف وأرسلت الأتان ترعى) ومنى من الحرم.(٦) أي وللمستقبل نعم مَنْ لا بهيمة له حالاً لا يجوز له أخذه لما يملكه. قال في الحاشية: وهو متجه لكن جرى الجمال محمد الرملي على الجواز تبعاً لوالده رحم الله الجميع ورحمنا معهم آمين.стр. 485
جَازَ عَلَى الأَصَحّ وَلاَ شَيْءَ عليهِ بِخلاف مَنْ يَأخُذُ لِلْبَيْعِ (١) أو غَيْرِهِ (٢) ، ويستثنى مِنْ الْبَيْعِ الإِذْخر فإِنَّهُ يجوز لِلْحَاجَةِ (٣) ودليله الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ (٤) وَلَوْ احْتِيجَ إِلَى شَيْء مِنْ نَبَاتِ الحرمِ لِلدَّوَاءِ (٥) جَازَ قَطْعُهُ عَلَى الأَصَحّ.
(فرع): اعْلَمْ أَنَّ الدمَ الْوَاجِبَ في المَنَاسِكِ سَوَاء تَعَلَّقَ بِتَرْكِ وَاجِبِ أوْ ارْتِكَابِ مَنْهِي مَتَى أطْلَقْنَاهُ أرَدْنَا بِهِ ذَبْح شَاة. فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ غَيْرَهَا كَالْبَدَنَةِ الحواشي
(١) أي ولو لمن يعلفه لدوابه. قال في الحاشية: ولو جهل البائع الحرمة عذر لأن ذلك يخفى على العوام بل على كثير من المتفقهة فيجوز الشراء منه، لكن يجب على من علم منه ذلك بيان تحريمه عليه.(٢) أي كالهبة.(٣) يفهم منه جواز أخذه حتى للبيع وغيره ومشى عليه في الحاشية والتحفة وصاحب مغني المحتاج وقال: وبه أفتى شيخي يعني الشهاب الرملي لكن الذي استقر عليه رأيه -أعني الشهاب الرملي- هو المنع من بيعه كما يعلم بمراجعة النهاية وحاشية ابن قاسم. اهـ ابن الجمال كما في بعض التقييدات رحم الله الجميع آمين.(٤) أي المار الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى حَرم مكة لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها فقال العباس: إلا الإِذخر لصاغتنا فقال: إلا الإِذخر". ألحق به المحب الطبري رحمه الله تعالى ما يتغذى به أقول كالبقلة التي تنبت وقت نزول الأمطار المسماة بالشقلابقلي وغيرها لأنهما في معنى الزرع، وكالإِذخر كما في الحاشية وغيره مما يحتاج إليه للتسقيف كما اعتمده الإسنوي، وقال رحمه الله تعالى: قَلّ من تَعَرّض لذلك.(٥) ظاهره ولو قبل وجود المرض. قال في المهمات: وهو المتجه. ورَدّه الزركشي بأنّ المتجه المنع لأنّ ما جاز للضرورة يقيد بوجودها كما في اقتناء الكلب.
واستوجهه صاحب المغني، وجرى عليه في الحاشية والتحفة وأفتى الشهاب محمد الرملي بالجواز ولو قبل وجود المرض واعتمده ولده في النهاية. قال بعض مفتي الشافعية المتأخرين رحمه الله تعالى: ولعله أوجه، وقال: وعلى القول بالأول فيجوز أخذه ولو للمستقبل إلا إنْ تيسر أخذه كلما أراده.стр. 486
في الْجِمَاع قَيّدْنَاهُ وَلاَ يُجْزِىءُ فيها إلاّ مَا يُجْزِىءُ في الأضْحِيةِ إلا في جَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِنهُ يَجِبُ فِيهِ المِثْلُ (١) في الصَّغِيِرِ صَغِيرٌ وَفِي الْكَبيرِ كَبِيرٌ وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ شَاةٌ جَازَ لَهُ ذَبْحُ بقَرَة أوْ بَدنَة مَكَانَهَا إلاَّ في جَزَاءِ الصَّيْدِ (٢) وَلَوْ ذَبَحَ بَدَنَة ونوى الحواشي
(١) يستثنى منه إتلاف الحمامة ونحوها فيجب فيه شاة كما تقدم لحكم الصحابة رضوان الله عليهم وعلينا معهم آمين.
مذاهب الأئمة رحمهم الله تعالى في مسائل من جزاء قطع شجر الحرم ونباته مأخوذة من المجموع ومن كتاب رحمة الأمة للعلامة محمد عبد الرحمن الدمشقي رحم الله الجميع
(الأولى): قطع شجر الحرم عند الشافعية حرام مضمون سواء ما أنبته الآدمي وما نبت بنفسه على المذهب وبه قال أحمد، وقال بعض الشافعية: لا يحرم ما أنبته الآدمى.
وقال أبو حنيفة: إن أنبته آدمي أو كان من جنس ما ينبته لم يحرم، وإن كان مما لا ينبته آدمي ونبت بنفسه حرم وعليه القيمة، وقال مالك وأبو ثور وداود: هو حرام لكن لا ضمان فيه. احتج لهم بالقياس على الزرع. واحتج الشافعية وموافقوهم بعموم النهي وفرقوا بأن الزرع تدعو إليه الحاجة.
(الثانية): يجوز عند الشافعية رعي حشيش الحرم وخلاه وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
دليل الشافعية حديث ابن عباس السابق حيث أرسل الأتان (أنثى الحمار) ترتع في منى: ومنى من الحرم كما سبق.
(الثالثة): إذا أتلف شجرة في الحرم ضمن الكبيرة ببقرة والصغيرة بشاة، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: يضمنها بالقيمة. دليل الشافعية أثر ابن عباس أنه قال في الدوحة الكبيرة بقرة وفي الشجرة الجزلة شاة. اهـ مجموع. ويحرم قطع حشيش الحرم لغير الدواء والعلف بالاتفاق، ويجوز قطعه للدواء. وعلف الدواب عند الثلاثة. وقال أبو حنيفة: لا يجوز. اهـ كتاب رحمة الأمة والله أعلم.(٢) شمل المستثنى منه جزاء الشجر (فإن قيل) لم يسمح الفقهاء ﵏ في جزاء الصيد بالبدنة عن البقرة ولا بهما عن الشاة. (أجيب): بأنهم راعوا هناك المثلية المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ لقربها بين الحيوانات بخلافها مع الشجر والله أعلم.стр. 487
التصدُّقَ (١) بِسُبْعِها عَنِ الشَّاةِ الواجِبَةِ وأكْل البَاقِي جَازَ، ولو نحرَ بدَنَةً أو بقرةَ عن سَبع شِيَاهٍ لَزِمَتْهُ جَازَ (٢) .
(فَرْعُ): في زَمَانِ إراقَةِ الدمَاءِ الْوَاجِبةِ في الإِحْرَامِ وَمَكَانِهَا.
أَمَّا الزمَانُ فَمَا وَجَبَ لارْتِكَابِ مَحْظُورٍ أَوْ تَرْكِ مَأْمُورٍ لا يَخْتَص بِزَمَانٍ (٣) بَلْ يَجُوزُ في يَوْمِ النَّحْرِ وَغَيْرِهِ، ثُم مَا سِوَى دَمِ الْفَوَاتِ يُرَاقُ في النُّسُكِ الّذي هُوَ فِيهِ. وَأَمَّا دَمُ الْفَوَاتِ فَيَجِبُ تأخِيرُهُ إِلى سَنهِ الْقَضَاءِ (٤) وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالإِحْرَامِ بِالْقَضَاءِ.
وَاُّمَّا مَكَانُهُ فَيَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ فَيَجِبُ ذَبْحُهُ بِالْحَرَمِ وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ (٥) عَلَى الْمَساكِينِ (٦) الْمَوْجُودِينَ في الْحَرَمِ سَوَاءٌ الْمُسْتوطنُونَ والْغُرَبَاءُ الطَّارِئُونَ لَكِنِ الحواشي
(١) فيه إشارة إلى وجوب النية وهو كذلك فتجب في سائر الدماء الواجبة عند الذبح والتفرقة أو إعطاء الوكيل، وله أن يفوضها إلى الوكيل إنْ كان مميزاً مسلماً، وتكفي نية الكفارة هنا، وفي الإِطعام والصيام وإن لم يعين الجهة وإن لم يتعين للفرضية كسائر الكفارات ولا يجوز دفع الحيوان حيا للفقراء.(٢) أي وإن اختلف سبب وجوب السبع أو فضلن عليها.(٣) أي من حيث الإجزاء كسائر الديون ومحله إن لم يعص بسببه وإلا وجب فوراً ككل كفارة عصى بسببها كتعمد ترك الإحرام من الميقات.(٤) هو المعتمد لأنه جابر فأخر كسجود السهو. قال ابن قدامة في مغنيه قال الأئمة أصحاب الرأي قالوا: لا هدي عليه، وهي الرواية الثانية عن أحمد لأنه لو كان الفوات سبباً لوجوب الهدي للزم المحصر هديان للفوات والإحصار. اهـ أقول: قد تقدم هذا في أول هذا الباب في التعليق على قول المصنف ﵀: (الضرب الثاني) ترك ما يفوت به الحج ... إلخ وأعيد هنا للتذكر والله أعلم.(٥) أي جميع أجزائه فهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل واقتصر على اللحم لأنه الأهم.(٦) هذا يقتضي أنه لا يدفع لأقل من ثلاثة، وهو كذلك إنْ وجدوا فإن أعطى =стр. 488
الْمُسْتَوْطِنُونَ أفْضَلُ (١) ، وَلَوْ ذَبَحَهُ في طَرَفِ الحلِّ وَنَقَلَ لَحْمَهُ إِلَى الْحَرَمِ قَبْلَ تَغَيرِهِ لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الأَصَح وَسَوَاء في هذَا كُلّهِ دَمُ التمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَسَائِرِ مَا يَجِبُ بِسَبَبِ في الْحِل أوِ الْحَرَمِ أوْ سَبَب مُبَاحٍ كَالْحَلْقِ لِلأَذَى (٢) أوْ بِسَبَبٍ مُحَرمٍ. الحواشي
(٣٣) ﴾ الحج: ٣٣.(١) أي ما لم يكن الغرباء أحوج وإلا كانت التفرقة عليهم أفضل.(٢) عند الإمام أحمد ﵀ تجوز فدية الأذى في الموضع الذي حلق فيه لأنه ﷺ أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية، ولم يأمر ببعثه إلى الحرم وأجاب عن آية: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أنها وردت في الهدي. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في مغنيه: وظاهر كلام الخرقي اختصاص ذلك بفدية الشعر، وما عداه من الدماء فبمكة. وقال القاضي في الدماء الواجبة بفعل محظور كاللباس والطيب هي كدم الحلق، وفي الجميع روايتان: (إحداهما): يفدي حيث وجد سببه. و (الثانية) محل الجميع الحرم. وأما جزاء الصيد فهو لمساكين الحرم نَصَّ عليه أحمد فقال: أما ما كان بمكة أو كان من الصيد فكل بمكة، لأن الله تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وما كان من فدية الرأس فحيث حلقه، وما وجب لترك نسك أو فوات فهو لمساكين الحرم دون غيرهم لأنه هدي وجب لترك نسك فأشبه هدي القران. =стр. 489
وَأَفْضَلُ الحَرَمِ لِلذَّبْحِ في حَقِّ الْحَاجّ منى وَفِي حَقّ الْمُعْتَمِرِ الْمَرْوَةُ كَمَا سَبَقَ في الْهَدْي.
(فَرْعٌ): لَوْ كَانَ يَتَصَدَّقُ بالطَّعَامِ بَدَلاً عَنِ الذبْحِ وَجَبَتْ تَفْرِقَتُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ الموجودينِ فِي الْحَرَمِ كَاللَّحْمِ (١) وَلَوْ كَانَ يَأتِي بِالصَّوْمِ جَازَ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ (٢) مِنَ الْحَرَمِ وَوَطَنِهِ وَغَيْرِهِمَا لأنَّهُ لاَ غَرَضَ لِلْمَسَاكِينِ فِيهِ. الحواشي
(١) قال في الحاشية: محله في غير بدل الصوم، أما هو كأن مات نحو المتمتع العاجز عن الدم بعد تمكنه من الصوم بأنْ لم يعذر بنحو مرض، وقلنا: إن هذا كصوم رمضان وهو الأصح وأنه يطعم عنه مَنْ تركته لكل يوم مد، فإنْ لم يصم الولي فلا يتعين صرفُهُ لمساكين الحرم بل يستحب فقط لأنه بدل عن الصوم الذي لا يختص بالحرم فكذا بدله، وأفهم قوله كاللحم أنه لا يتعين لكل مسكين مد وهو ما مَرّ. اهـ.(٢) أي لكنه في الحرم أفضل.стр. 490
(فَرْع): هذا الّذي سَبَقَ حُكْمُ غَيْرِ الْمُحْصَرَ أَمَّا مَنْ أحْصَرَهُ عَدُوٌ أوْ غَيْرُهُ مِمَا يُلْحَقُ بِهِ فَلَهُ ذَبْحُ دَمِ الإِحْصَارِ وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ حَيْثُ أُحْصِرَ (١) .
فَصْل
يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لصيْد حَرم المدينةِ وَأشجَارهِ (٢) فإنْ أتْلَفَهُ فَفِي ضَمَانِهِ قولان للشَّافِعِي رحمه الله تعالى، الجديدُ لاَ يَضْمَن (٣) وَهُوَ الأَصَحُّ عِنْدَ أصْحَابِنَا، وَالْقَدِيمِ أَنهُ يَضْمَنُ (٤) وَهُوَ الْمُخْتَار. وَعَلى هَذَا في ضَمَانِهِ وَجْهَانِ: الحواشي
(١) أي لأن موضع الإحصار في حق المحصر كنفس الحرم نعم له بعثه إليه ولا يتحلل حتى يعلم ذبحه فيه.(٢) أي وإن استنبتها الآدميون وكذا نباته على ما مر في حرم مكة فيأتي هنا جميع ما مر ثَم فكل ما حرم ثَمَّ حرم هنا وإن افترقا في الضمان وفي حل لقطة حرم المدينة وعدم التغليظ فيه بالقتل وغير ذلك. اهـ حاشية.
والدليل على تحريم التعرض لما ذكر أحاديث منها ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ﷺ قال: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراماً وإني حرمت المدينة حراماً ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ولا تخبط فيها شجرة إلاّ لعلف".
وبالتحريم قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: لا يحرم لأنه لو كان محرماً لبينه ﷺ بياناً عاماً ولوجب فيه الجزاء كصيد الحرم. وأجاب الأئمة الثلاثة بقولهم: روى التحريم عليٌّ وأبو هريرة ورافع وعبد الله بن زيد متفق على أحاديثهم ورواه مسلم عن سعد وجابر وأنس وهذا يدل على تعميم البيان: وليس يمتنع أن يبينه بياناً خاصاً أو عاماً فينقل نقلاً خاصاً كصفة الأذان والوتر والإِقامة والله أعلم.(٣) هو قول مالك والجمهور وإحدى الروايتين عن أحمد لأنه موضع يجوز دخوله من غير إحرام فلم يجب فيه جزاء كَوجّ.(٤) هو الرواية الثانية عن أحمد للأحاديث الصحيحة السابقة.стр. 491
أحَدُهُمَا كَضَمَان حَرَمِ مَكةَ وأصَحهُمَا أخذ سَلَبِ الصائِدِ وَقَاطعِ الشَّجَرِ (١) . وَالمُرَادُ بالسَّلَبِ مَا يَسْلُبُ الْقَتِيلُ مِنَ الْكُفَّارِ (٢) ثُم هُوَ للسالِبِ عَلَى الأَصَحّ وَقِيلَ لفُقَرَاءِ الْمَدِينةِ وَقِيلَ لَبَيْتِ الْمَالِ.
فَصْل
وَيَحْرُمُ صَيْدُ وَجِّ (٣) وهو وَاد بالطَّائِفِ لَكِنْ لاَ ضَمَانَ فِيهِ. وأَمَّا النَّقِيعُ الحواشي
(١) به قال أحمد.(٢) قضية هذا أنه يؤخذ حتى ساتر العورة وهو ما عليه الأكثرون لكن الذي صححه في المجموع وصوبه في الروضة أنه يترك له ساتر العورة للفرق بين الحربي المهدر والمسلم المعصوم، ويجوز سلبه بمجرد إلاصطياد وإن لم يتلف الصيد إلا إذا كانت ثيابه مغصوبة فلم يسلب بلا خلاف كما في المجموع.
قال في الحاشية: ويلحق بها المؤجرة والمستعارة وثياب العبد نعم إن أذن له المالك بالاصطياد أخذت على الأوجه، والدليل على أخذ سلب الصائد وقاطع الشجرة ما رواه مسلم: (أن سعد بن أبي وقاص ﵁ وجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه فسلبه: فلما رجع سعد جاء أهل العبد فكلموه أن يردّ على غلامهم أو عليهم ما أخذه من غلامهم فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفله رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم).
وفي رواية أبي داود: أخذ رجلاً يصيد في حرم المدينة فسلبه ثيابه فجاء مواليه فكلموه فيه فقال: إن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم وقال: "من أخذ أحداً يصيد فيه فليسلبه".(٣) أي وشجره وخلاه كما في المجموع ودليل التحريم ما رواه البيهقي أنه ﷺ قال: "ألا إن صيد وجّ وعضاهه حرام محرم". قال في المجموع: صيد وج حرام عندنا.
قال العبدري: قال العلماء كافة: لا يحرم. اهـ.
أقول: أي نظراً لضعف الحديث قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى في مغنيه: والحديث ضعفه أحمد ذكره أبو بكر الخلال في كتاب العلل والله أعلم.стр. 492
بالنُّونِ (١) وَهُوَ الْمَوْضِعُ الذي حماهُ رسُولُ الله ﷺ لإبِلِ الصَّدقةِ فَلَيْسَ بحَرَمٍ وَلاَ يَحْرُمُ صَيْدُهُ ولكن لا يُتْلفُ شَجَرُهُ وَحَشِيشُهُ فَإِنْ أتْلَفهُمَا أحَدٌ فَالأصَحُّ أَنهُ يَلْزَمُهُ القيمةُ وَمَصْرِفُهَا مَصْرِفُ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْجِزْيةِ (٢) والله أعلم.
فَصْلٌ
فِيمَا إذَا فَعَلَ الْمُحْرِمُ مَحْظُورَيْنِ أوْ أكْثَرَ هَلْ يَتَدَاخَلُ ؟
هذَا الْبَابُ واسع لَكِنْ مُخْتَصَرُهُ أن الْمَحْظُورَ قِسْمَانِ: اسْتِهْلاَك كَالْحَلْقِ وَاسْتِمْتَاع. كالطِيبِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ النَّوْعُ كالْحَلْقِ واللبْسِ تَعَدَّدَتِ الْفِدْيةُ (٣) وَكَذَا إتْلاَفُ الصُّيُودِ تتعَددُ الْفِدْيةُ فِيهِ (٤) وَكَذَا إتْلاَفُ الصّيْدِ مَعَ الْحَلْقِ (٥) أوِ اللّبْسِ، لكِنْ لَوْ لَبِس ثَوْباً مُطَيَّباً (٦) لم تتعددِ الْفِدْية (٧) عَلَى الأَصَحّ وَلَوْ حَلَقَ شَعْرَ جَمِيعِ الحواشي
(١) هو ديار مزينة على نحو عشرين ميلاً من المدينة.(٢) فأربعة أخماسه للمرتزقة والخمس الخامس خمسه للمصالح كالثغور والقضاء، وخمسه لبني هاشم وبني المطلب وخُمْسه لليتامى وخمسه للمساكين، وخمسه لأبناء السبيل.(٣) لأنه لا تداخل مع اختلاف النوع إذ أحدهما ترفه وثانيهما استهلاك وشمل ما لو استند لسبب واحد كشجة احتيج إلى حلق جوانبها وسترها بضماد فيه طيب. اهـ ابن علان تقييدات.(٤) أي اتفاقاً بين الأئمة رحمهم الله تعالى ورحمنا معهم آمين. وما روى عن الإمام أحمد مما يخالف ذلك لم يصح عنه لمخالفته صريح القرآن.(٥) أي لاختلاف النوع وكذا دم كل منها فإنه مختلف كالحلق والقلم فلا تداخل وإن اتحد نوع دمها لاختلاف نوعيهما.(٦) مثله طلاء المحرم رأسه بطين مطيب ساتر، أو باشر بشهوة ثم جامع وإنْ طال الزمان بينهما.(٧) أي لاتحاد الفعل مع تبعية الطيب ونحوه.стр. 493
رَأسِهِ وَشَعْرَ بَدَنِهِ مُتَوَاصِلاً فَعَلَيْهِ فِدْيةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ فديتانِ (١) وَلَوْ حلقَ رأسَهُ فِي مَكَانَيْنِ أوْ في مَكَان في زَمَانَيْنِ مُتَفَرقَيْنِ فَعَلَيْهِ فِدْيَتَانِ (٢) وَلَوْ تَطَيبَ (٣) بِأَنْوَاع مِنَ الطّيبِ أوْ لَبِسِ أنْوَاعاً كَالْقميصِ وَالعَمامة والسَّراوِيل والْخُفّ أوْ نَوْعاً واحِداً مَرة بَعْدَ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ ذلِكَ في مَكَان وَاحِد عَلَى التوَالِي فَعَلَيْهِ فِدْيةٌ وَاحِدَة وإنْ كَانَ في مَكَانَيْنِ أوْ فِي مكان وتخلَّلَ زَمَان فَعَلَيْهِ فِدْيَتَانِ سَوَاءٌ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا تكْفِيرٌ عَنِ الأَولِ أمْ لاَ (٤) هذا هُوَ الأَصَحُّ، وَفي قَوْل إذا لم يتخَلل تكفيرٌ كفاهُ فِدْية واحِدةٌ. الحواشي
(١) اعتباراً بتعدد الزمان والمكان.(٢) محله إن أفاد الثاني غير ما أفاد الأول كأن لبس السراويل في محل ثم القميص في محل آخر، أما إذا لم يفد شيئاً كأن لبس قميصاً بعد قميص وعمامة فوق القبع فلا تتعدد الفدية وإن اختلف الزمان والمكان.(٣) قوله: ولو تطيب إلخ. قال في الحاشية: محل ما ذكر في اتحاد الفدية ما لم يتخلل تكفير، وإلا احتاج المتجدد بعده لفدية أخرى وإنْ اتحد الزمان والمكان ونوى بالكفارة الماضي والمستقبل كما في المجموع.
أقول: ومحل ما ذكر أيضاً غير تكرار الجماع، أما تكرره ثانياً وثالثاً مع قضاء الوطر فتتعدد فيه الفدية ومحله أيضاً إذا لم يفد الثاني شيئاً كأن لبس قميصاً بعد قميص كما تقدم قريباً ومحله أيضاً أنْ لا يقابل بمثله كالصيود فتعدد بلا خلاف كضمان المتلفات كما تقدم في قول المصنف رحمه الله تعالى وكذا إتلاف الصيود تتعدد الفدية فيه والله أعلم.(٤) مذهب الإمام أحمد ﵀ إن فعل المُحْرِم محظورات متعددة من جنس واحد كما لو حلق مرة بعد مرة أو لبس مرة بعد مرة فعليه فدية واحدة ولا تتعدد الفدية بتعدد الأسباب التي هي من نوع واحد سواء كانت في مجلس واحد أو مجالس متفرقة ومحل هذا ما لم يكفر عن الأول قبل الثاني، فلو تطيب مثلاً ثم افتدى ثم تطيب بعد الفدية لزمته فدية أخرى.
وعن الإِمام أيضاً إن كرر ذلك لأسباب مختلفة مثل إن لبس للبرد ثم لبس للحر ثم لبس للمرض فكفارات، وقد رَوَى عنه الأثرم ﵀ فيمن لبس قميصا وجبة وعمامة =стр. 494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وغير ذلك لعلة واحدة قلت له: فإن اعتل فلبس جبة ثم برأ ثم اعتل فلبس جبة؟ قال: هذا الآن عليه كفارتان.
قاله العلامة ابن قدامة في مغنيه ثم قال: وعن الشافعي كقولنا وعنه لا يتداخل، وقال الإمام مالك ﵀: تتداخل كفارة الوطء دون غيره، وقال الإِمام أبو حنيفة ﵀: إن كرره في مجلس واحد فكفارة واحدة وإنْ كان في مجالس فكفارات لأن حكم المجلس الواحد حكم الفعل الواحد بخلاف غيره، ولنا إنما يتداخل إذا كان بعضه عقيب بعض يجب أن يتداخل وإنْ تفرق كالحدود وكفارة الأيمان ولأن الله أوجب في حلق الرأس فدية واحدة ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات، والقول بأنه لا يتداخل غير صحيح فإنه إذا حلق رأسه لا يمكن إلا شيئاً بعد شيء. اهـ من المغني.
وأما إنْ كانت المحظورات من أجناس مختلفة كأن حلق ولبس وتطيب ووطىء فعليه لكل واحد منها فدية سواء فعل ذلك مجتمعاً أو متفرقاً. قال في المغني: وهذا مذهب الشافعي.
مذهب الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى
إن تكرر من المحرم موجب للفدية مِنْ نوعٍ واحد في مجلس واحد فعليه كفارة واحدة وهي فدية الأذى إن كان ذلك لعذر، ودم إنْ كان لغير عذر، وإنْ فعل ذلك في مجالس متعددة تعددت، وقال محمد: لا تتعدد إلا إذا كَفر عن الأول قبل فِعْل الثاني فلو لبس قميصاً وقباء وسراويل وخفين يوماً كاملاً أو أياماً لزمه دم واحد أو فدية واحدة وكذا لو كان ينزعه بالليل ويلبسه بالنهار بنية عدم الترك فإنْ نزعه على عزم الترك ثم لبسه بعد ذلك فعليه دم آخر، وإنْ اختلفت أسباب الفدية كمن تطيب ولبس مخيطاً أو تطيب وغطى رأسه يوماً كاملاً مثلاً تعددت الفدية أو الدم سواء كان ذلك في مجلس أو مجلسين، وقد تقدم أنه لا خلاف في تعدد جزاء الصيد بتعدد الصيد، وما روي عن الإِمام أحمد مما يخالف ذلك لم يصح لمخالفته صريح القرآن والله أعلم.
مذهب الإِمام مالك ﵀
حاصله أن الجماع لا يتعدد الهدي اللازم فيه بتعدده سواء جامع بعد إخراج الهدي عن الأول أو قبله، وأما غير الجماع من محظورات الإِحرام مثل المخيط والتطيب وحلق =стр. 495
فَصْلٌ
في الإِحْصَارِ
إذَا أحْصَرَ الْعَدُوّ الْمُحْرِمَ عَنِ المضي في الحج (١) مِنْ كُلّ الطُّرُقِ فَلَهُ التحَلُل سواء كانَ وَقْت التحَلُّلِ وَاسعاً أوْ ضَيقاً. ثُمَّ إن كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعَاً الحواشي
(١) أي عن إتمام أركانه أو أركان العمرة، ولو عن السعي وحده فخرج ما لو مُنعَ =следующие страницы →