← Общие книги

Общие книги · id 96234

تعدد الخلفاء ووحدة الأمة فقها وتاريخا ومستقبلا

محمد خلدون مالكي

Полный текст (430 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تعدد الخلفاء ووحدة الأمَّة فقهاً وتاريخاً ومستقبلاً أطروحة علمية أعدَّها لنيل درجة الدُّكتوراه في الفقه الإسلاميِّ وأصوله الدكتور محمد خلدون أحمد نورس مالكي ١٤٣١هـ / ٢٠١٠ م

стр. 2

بسملة إِنَّ ﴿هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء / ٩٢

стр. 3

الإهداء إلى الحبيب الأعظم محمد ﷺ عسى الله أن يجمعني به في مستقر رحمته إلى والدي الحبيب أحمد نورس مالكي ووالدتي الحنونة نها سبع الليل حفظهما الله لَعَلي أردُّ جزءاً من فضلهما عليَّ إلى جميع أساتذتي ومشايخي وإخواني في الله وأخص بالذكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله وأمتعنا به والدكتور مصطفى ديب البغا حفظه الله ونفعنا به

стр. 4

تمت مناقشة الأطروحة يوم السبت: ٢٨/ رجب /١٤٣١ هـ، الموافق ١٠/ ٧/٢٠١٠ م، من السادة الأساتذة: ١ - أ. د محمد سعيد رمضان البوطي الأستاذ في قسم الفقه الإسلامي وأصوله / جامعة دمشق / عضواً ﴿المشرف﴾. ٢ - أ. د حمزة حمزة الأستاذ في قسم الفقه الإسلامي وأصوله / جامعة دمشق / عضواً. ٣ - أ. د أسامة الحموي الأستاذ في قسم الفقه الإسلامي وأصوله / جامعة دمشق / عضواً. ٤ - د. عبد اللطيف الشيرازي الصباغ الأستاذ المساعد في قسم العقائد والأديان / جامعة الملك عبد العزيز / عضواً. ٥ - د. تيسير برمو المدرس في قسم الفقه الإسلامي وأصوله / جامعة دمشق / عضواً.

стр. 5

خطبة الكتاب الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، والصلاة والسلام على مَنْ لأجله أقسم الله بالبلد، سيدنا محمد ﷺ المفدَّى بالنفس والوالد والولد، خيرِ مَنْ رَبَّه عَبَد، وأتقى من ركع وسجد، هدانا الله به إلى الطريق المستقيم وحمانا من أن نكون ممن عن صراطه شَرَدْ، أو على شرعه مَرَدْ، هدم الطاغوتَ والصنمَ، ورفع لنا بالإسلام رايةً قادت الأمم، وخفقتْ عالياً فوق القمم، وأقام لنا دولة الحق، بالسيف لمن جالد وعاند، وبالحكمة لمن تفكر واعتبر، نهانا عن الفُرقة، ودعانا إلى الاعتصام بالوحدة، والحُكمِ بخير شريعةٍ ومِلَّة، وأَمَرَنا - إنْ أردنا الهدى والبعد عن الضلالة والردى- أن نتمسك بالقرآن والسُّنَّة والعترة، وأن نقتدي بعده بخير الأمَّة؛ الأربعةِ الخلفا، ساداتنا الحنفا، وموالينا الشُرَفا، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وعن بقية الصحابة، الذين بذلوا الغالي والنفيس لرفع منار الدين، وحذَّرنا من اتباع طريق المغضوب عليهم أو الضالين، حتى نلقاه على الحوض، ونكون تحت ظل العرش يوم العرض. وبعد فهذه أطروحةٌ أُعدَّت لنيل درجة الدكتوراه، تبحث في حكم تعدد الخلفاء في الفقه الإسلامي، وترصد حركة مؤسسة الخلافة، مبينةً جهد الأمة في الدفاع عن وحدتها لتبقى تحت راية واحدة، حتى شاء الله أن تغيب شمس الخلافة، لتظهر من بعدها هممُ الرجال والحصافة (١)، ولِيَبينَ الصادق الذي هو لمجد أمته ساع وقاصد، مِنَ المنافق الذي هو لعدوه موافق ومرافق، ثم بيَّنتْ هذه الأطروحة السبيلَ إلى إعلاء كلمة الله وعزة هذه الأمة ووحدتها. وكانت انطلاقة فكرة هذه الأطروحة مع بداية الانتفاضة الثانية في فلسطين عام ٢٠٠٠ م إثر زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شارون للقدس الشريف، وما صاحبها من ضعف ظاهر في رد فعل الدول العربية والإسلامية، تجاه الاحتلال الإسرائيلي المتغطرس الذي يفتك بأخوتنا في فلسطين، الذين كانوا - ولازالوا - يستنجدون بأمتهم العربية والإسلامية، ولا يكادون يجدون مجيباً، لأن الدول الإسلامية تفرقت وتشتت كلمتها، وتبِع كل منها اتجاهاً مختلفاً، مُؤْثرين

стр. 6

مصلحتَهم على مصلحة الأمَّة. وتأكدت ظاهرة الضعف هذه بالحدث الجلل الذي حصل للعراق الشقيق، من احتلال له من قبل القوات الأمريكية والبريطانية ومن تحالف معهما، الأمر الذي يدعو بشكل عاجل وحثيث للبحث في أسباب هذا الضعف العربي والإسلامي وتجنبه، والتوجه نحو مستقبل العزة والكرامة لهذه الأمة المظلومة التي تكالب عليها الناس من أطراف الأرض، فلا يجوز الاكتفاء بردود الأفعال، بل لا بد من تأسيس عمل جاد يدفع عن هذه الأمة طمعَ أعدائها بها، فولدت هذه الأطروحة من رحم الواقع الأليم، تطلعاً نحو فعل يقي الأمة الإسلامية غوائل القادم من غدر أو احتلال. مما سبق من كلام تتبين أهمية الفكرة التي يتناولها البحث وحجمها؛ أما أهميتها فتتجلى في أنها لا زالت قضية الساحة، وإن اختبأت خلف الكلمات حيناً وأسفرت على ألسنة المفكرين والسياسيين حيناً آخر، وأما حجم فكرة الوحدة فهو كبير جداً؛ كبيرٌ من الناحية التاريخية، لأنه يمتد من فجر الإسلام حتى اليوم، وكبير من الناحية السياسية، فأي حديث - فضلاً عن العمل- عن وحدةٍ بين الدول الإسلامية تحت أي اسم يثير خوف دول الغرب والشرق، ويحرك ذاكرتهم نحو دولة الخلافة التي بذلوا الكثير ليحطموها، لأنها كادت وأكثر من مرة أن تحول قارة أوروبا إلى قارة إسلامية، مما يعني اضمحلال حضارتهم إلى الأبد، حتى صار السعي إلى إقامة دولة إسلامية - فضلاً عن الخلافة - تهمة يتهمون بها من يريدون محاربته حرباً لا هوادة فيها. خطة البحث: جاءت هذه الأطروحة مقسَّمة على أربعة أبواب: الباب الأول: تعاريف ومقدمات فقهية لا بد منها، وجاء مشتملاً على فصلين: الفصل الأول: التعاريف ويشتمل على أربعة مباحث: ١ - المبحث الأول: تعريف الخليفة لغة وشرعاً. ٢ - المبحث الثاني: تعريف الخلافة لغة وشرعاً. ٣ - المبحث الثالث: تعريف الإمام لغة وشرعاً. ٤ - المبحث الرابع: تعريف الإمامة لغة وشرعاً.

стр. 7

الفصل الثاني: مقدمات فقهية لابد منها: ويشتمل على ثلاثة مباحث: ١ - المبحث الأول: حكم إقامة الخلافة ودليله. ٢ - المبحث الثاني: هل الخلافة من مباحث علم الكلام أو من فروع الفقه؟ ٣ - المبحث الثالث: عمن تكون الخلافة؟ الباب الثاني: تعدد الخلفاء من المنظور الفقهي: ويتضمن ثلاثة فصول: الفصل الأول: التمهيد: وفيه ثلاثة مباحث: ١ - المبحث الأول: معنى الخلافة الكاملة والخلافة الناقصة. ٢ - المبحث الثاني: دلالة حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين». ٣ - المبحث الثالث: الأحداث التي استند إليها الفقهاء في مسألة التعدد. الفصل الثاني: الشروط والواجبات ونظرية الضرورة وفيه ثلاثة مباحث: ١ - المبحث الأول: الشروط الواجب توفرها في الخليفة. ٢ - المبحث الثاني: واجبات الخليفة أو الأحكام المنوطة به، ومن يقوم بتنفيذها عند تعدد الخلفاء أو عند فقد الخليفة. ٣ - المبحث الثالث: نظرية الضرورة وبعض تطبيقاتها السياسية. الفصل الثالث: حكم تعدد الخلفاء: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: من لم يجوز تعدد الخلفاء أو أجازه بشروط: أولاً: حكم تعدد الخلفاء بالنظر إلى المكان. ثانياً: حكم تعدد الخلفاء بالنظر إلى الزمان. المبحث الثاني: من أجاز تعدد الخلفاء مطلقاً. المبحث الثالث: الأدلة. الباب الثالث: تعدد الخلفاء في التاريخ الإسلامي والتكييف الفقهي لذلك: ويتضمن فصلين: ١ - الفصل الأول: الخلاف بين عبد الله بن الزبير ﵁ والأمويين.

стр. 8

٢ - الفصل الثاني: الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية والخلافة الأموية في الأندلس. ويشتمل على ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: الخلافة العباسية. - المبحث الثاني: الخلافة الفاطمية. - المبحث الثالث: الخلافة الأموية في الأندلس. الباب الرابع: التعدد والوحدة في المستقبل ويشتمل على أربعة فصول: - الفصل الأول: منظمة المؤتمر الإٍسلامي. - الفصل الثاني: جامعة الدول العربية. - الفصل الثالث: رابطة العالم الإسلامي. - الفصل الرابع: سبل تحقيق الوحدة. منهج البحث: تختلف مناهج البحوث باختلاف طبيعة البحث المراد دراسته، كما أنها قد تتعدد في البحث الواحد، وذلك حسب طبيعة الموضوعات التي تتناولها أبواب البحث أو فصوله. وبما أن هذه الأطروحة قد تعددت فيها الموضوعات الرئيسة التي تتناولها، فقد استدعى هذا التعددُ التعاملَ مع أكثر من منهج - تبعاً لطبيعة الأطروحة الفقهية والتاريخية والسياسية - فقد ألحق كثير من العلماء الكلامَ على الخلافة والإمامة بكتب العقيدة، وألحقها بعضهم بالفقه، كما أن للدراسة ارتباطاً قوياً بالحديث وشروحه، وبالتفسير، وبالتاريخ، وبالتراجم والسير وغيرها. لهذا فقد اتبعت في البابين الأول والثاني المنهجَ الاستقرائي في تتبع الأحكام الفقهية، ثم المنهجَ المقارِن في مقارنة الآراء في المسائل والموضوعات المختلفة للتوصل إلى فهم الفروق فيما بينها، وفيما تتفق فيه وفيما تختلف، كما استخدمت المنهج التحليلي لتحليل الآراء ووجهات النظر، وتجزئتها وتفكيك أفكارها للتوصل إلى ما به تفرد وتمييزه عما به اشتراك.

стр. 9

وفي البابين الثالث والرابع اتبعت المنهج الوصفي والتحليلي في النظر في الوقائع والآراء للتوصل إلى دقائق العلم في موضوع الأطروحة، كما اتبعت المنهج الاستنتاجي - عند الكلام على كيفية تحقيق الوحدة - في البناء على كل ما سبق للتوصل إلى الآراء الخاصة التي إن أصابتْ فبتوفيق من الله وإن أخطأَتْ فمن نفسي المقصرة. سالكاً في كل ذلك - جهد استطاعتي - سبيل النزاهة والموضوعية دون حيف أو ميل لرأي أو دليل. وقد تضمن منهج البحث الأمور التالية: ١ - عزو الآيات إلى مواضعها من القرآن الكريم، وتصنيف أوائلها على الترتيب الألفبائي في فهرس ملحق بآخر الأطروحة. ٢ - تخريج الأحاديث تخريجاً مفصلاً وبيان درجتها في الأغلب، وتصنيف أطرافها على الترتيب الألفبائي في فهرس ملحق بآخر الأطروحة. ٣ - الرجوع إلى الكتب والمصادر الفقهية والعقدية والتاريخية المعتمدة في كل مذهب، وقد أعزو - إضافة إلى كتبهم - إلى غير كتب أهل هذا المذهب للتأكيد على مذهبهم، ثم تصنيف المصادر على الترتيب الألفبائي تبعاً لاسم المؤلف، في فهرس ملحق بآخر الأطروحة. ٤ - وزن أغلب الأبيات الشعرية، وتصنيفها على الترتيب الألفبائي في فهرس ملحق بآخر الأطروحة. ٥ - وضع فهرس للأعلام للدلالة على أماكن ورودها في الأطروحة، وتصنيفها على الترتيب الألفبائي، وإذا تكرر اسم العَلَم في الصفحة الواحدة أضع حرف (م) أي مكرر، بعد رقم الصفحة. ٦ - ترجمة أغلب الأعلام الواردة في الأطروحة، وخاصة من كان له رأي بموضوع الأطروحة، وتصنيف هذه الأعلام على الترتيب الألفبائي في فهرس ملحق بآخر الأطروحة. ٧ - ترجمة الفرق والمذاهب الواردة في الأطروحة، وتصنيفها على الترتيب الألفبائي في فهرس ملحق بآخر الأطروحة. وقد جعلت فهرسي التراجم والفرق في آخر الرسالة تخفيفاً عن الحواشي.

стр. 10

٨ - شرح المفردات الغريبة. ٩ - التعريف بالأماكن الوارد ذكرها خلال البحث. مع الإشارة دائماً إلى مصدر المعلومة، وقد أكثرت من العزو إلى المصادر في كثير من المواضع لتكون الأطروحة دليلاً ومرشداً لهذه المصادر يستفيد منه الباحثون وطلبة العلم، في موضوع الأطروحة. صعوبات البحث: وقد واجهتُ صعوبات جمة أثناء بحثي في هذا الموضوع، منها ما هو عائد لظروف شخصية، دفعتني إلى السفر بحثاً عن الرزق، وما تبعه ذلك من البعد عن المكتبات العامة، سواء في قطر أو في السعودية، حيث أنني لم أتمكن من الوصول إلى المكتبات العامة في قطر لسنة كاملة، وكنت أسافر مسافة ٥٠٠ كم لأصل إلى مكتبة الملك فهد في الرياض في المملكة العربية السعودية. ومن الصعوبات التي واجهتني في موضوعي هذا فيما يتعلق بالباب التاريخي، أنني وجدت نفسي أثناء تتبعي لحالات تعدد الخلفاء في التاريخ، أمام تاريخ ممتد على أزمنة طويلة جداً، وله جذور طائفية وقبلية وعرقية كبيرة، بل وله صلة بالصراع مع أتباع الأديان السماوية السابقة، أو أصحاب الدول التي قضى عليها الإسلام كالفارسية مثلاً. كما واجهتني صعوبات أخرى خلال عملي إضافة لما سبق، لم أتخيل - في البداية - أنني مقبل على السير فيها، وهي كحقول من الألغام المختلفة، لم يكن قصدي عند اختياري لهذا البحث أن أفتح ملفاتِها، فقد كان كلُّ همي الخروجُ من حالة الضعف المهينة التي تعيشها أمتنا اليوم، ولكني وجدت نفسي مضطراً لتناولها كدراسة الفتنة بين سيدنا علي وسيدنا معاوية رضي الله تعالى عنهما وعن جميع صحابة رسول الله ﷺ ، وأن أدرس آراء الفرق الإسلامية المختلفة، التي تكلمت في موضوع الخلافة، صحيح أن بعض هذه الآراء قد بات اليوم مجرد دراسة أكاديمية، لأن قائليها قد انتهوا مع مرور الزمن، ولكنه ليس خافياً على أحد أن بعض هذه الآراء لا زال حياً إلى اليوم، فهي قضية قديمة جديدة، لا زالت تتفاعل فصولاً حتى يومنا هذا. فكان عليَّ -لأعطي هذا البحث حقه- أن أرجع إلى عدد كبير من العلوم

стр. 11

الإسلامية ومصادرها المختلفة، ككتب الفقه، والعقيدة، والحديث وشروحه، والتفسير، والتراجم، والتاريخ، والسياسة، وغيرها، وأن أرجع كذلك إلى كتب الفرق الإسلامية المختلفة، ككتب الإمامية والإسماعيلية والزيدية والمعتزلة، وأن أبين آراء الخوارج، وأن أخوض أيضاً في عالم جديد لا يقل توسعاً عن عالم الكتب، وهو عالم الإنترنت، وغير ذلك من التشعبات التي اضطررت للخوض فيها. الدراسات السابقة: لم أعلم - عند اختياري للبحث - أن هناك من تناول هذه الفكرة منذ سقوط الخلافة حتى اليوم، بالبحث والدراسة بشكل علمي متخصص مستقل معتدل غير منحاز لجهة أو لأخرى، صحيح أن من تكلم في فكرة الخلافة كثيرون، سواء أكان هذا الكلام نقداً أو دفاعاً، ولكن تناولَها بشكل أكاديمي متخصص كان شبه معدوم، ثم تبين لي أن هناك رسالة ماجستير بعنوان: حكم تعدد الخلفاء (وحدة رئاسة الدولة) للأستاذ حسن عبد الغني أبو غدة، نوقشت في جامعة الأزهر عام ١٩٧٨م بإشراف الدكتور محمود العدوي، وهي لم تطبع ولا زالت حبيسة الأدراج ومكتوبة على الآلة الكاتبة، وقد علمت فيما بعد أنها في طور الطباعة قريباً. وقد تقاطعت هذه الرسالة مع أطروحتي في عدد من المواضيع، ولكنها كانت مختصرة (في حوالي ١٢٠ صحيفة) وكانت محصورة في إطارها الفقهي، لم تتجاوزه إلى التاريخ أو المستقبل، وهي -على كل حال- جهد مشكور طيب. شكر خاص: ولا يفوتني أن أشكر كل من ساعدني في إنجاز هذا البحث وإخراجه إلى النور، وأخص بالشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي المشرف على الرسالة، والسادة أعضاء اللجنة الذين تفضلوا وقبلوا مناقشة الأطروحة، وخاصة فضيلة الدكتور عبد اللطيف الشيرازي الصباغ الذي قدم لي توجيهات مهمة، وبذل جهده ووقته في مساعدتي، وأشكر كلية الشريعة بجميع العاملين فيها، وجامعة دمشق، وبلدي الغالي الطيب المعطاء سوريا، وأولي الأمر فيه العاملين على نصرته وعزته، والمحافظين على دينه وأخلاقه، وأقدم شكراً خاصاً لصهري الأخ محمد درويش الكردي لمساعدته لي عندما كنت أسافر إلى الرياض وأنزل في بيته.

стр. 12

الباب الأول تعاريف ومقدمات فقهية لا بد منها الفصل الأول: التعاريف: ويشتمل على أربعة مباحث: ١ - المبحث الأول: تعريف الخليفة لغة وشرعاً. ٢ - المبحث الثاني: تعريف الخلافة لغة وشرعاً. ٣ - المبحث الثالث: تعريف الإمام لغة وشرعاً. ٤ - المبحث الرابع: تعريف الإمامة لغة وشرعاً. الفصل الثاني: مقدمات فقهية لا بد منها: وتشتمل على ثلاثة مباحث: ١ - المبحث الأول: حكم إقامة الخلافة ودليله. ٢ - المبحث الثاني: هل الخلافة من مباحث علم الكلام أو من فروع الفقه؟ ٣ - المبحث الثالث: عمن تكون الخلافة.

стр. 13

الفصل الأول التعاريف ويشتمل على أربعة مباحث: ١ - المبحث الأول: تعريف الخليفة لغة وشرعاً. ٢ - المبحث الثاني: تعريف الخلافة لغة وشرعاً. ٣ - المبحث الثالث: تعريف الإمام لغة وشرعاً. ٤ - المبحث الرابع: تعريف الإمامة لغة وشرعاً.

стр. 14

المبحث الأول: تعريف الخليفة لغةً وشرعاً تعريف الخليفة لغة: الخليفة أو الخليف فعيل بمعنى فاعل، أو فعيل بمعنى مفعول (١)، والهاء للمبالغة كعلاَّم وعلاَّمة، ونسَّاب ونسَّابة، وهو قول الفراء (٢)، أو هي للنقل (٣). وقيل: لتأنيث الصيغة (٤). ١ - «فإن قلنا هو فعيل بمعنى فاعل - كعليم بمعنى عالم، وقدير بمعنى قادر- كان المعنى: أنَّه يخْلُف مَنْ قَبْلَه، وعليه حَمَلَ قولَه : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ (خَلِيفَةً﴾ البقرة/٣٠، مَنْ قال: كان الجنُّ أو الملائكةُ قَبْلَ آدم ﷺ في الأرض وإنَّه خلفهم فيها، واختاره أبو جعفر النحاس (٥) في كتابه صناعة الكُتَّاب، وعليه اقتصر البغوي في شرح السُّنَّة (٦) والماوردي في الأحكام السلطانية (٧)» (٨). وهو قول ابن عباس والحسن (٩) وقتادة (١٠).

стр. 15

وأرى أنَّه لا يصح هذا القول لأنَّ آدم ﷺ لم يأت إلى الأرض بدلاً عن الجنِّ أو الملائكة، بل بقي الجنُّ في الأرض بعد مجيئه، كما بقيت أنواعٌ من الملائكة تنزل إلى الأرض، فهو في الحقيقة مشاركٌ لهما في سكنى الأرض وليس خَلَفاً لهما، إلا أنْ يُقال: إنَّ السيطرة أصبحت للإنسان وألجئ الجنُّ إلى الجبال والجزائر فكان هو المسيطر والخليفة دون الجنِّ. ٢ - «وإن قلنا هو فعيل بمعنى مفعول - كجريح بمعنى مجروح، وقتيل بمعنى مقتول - يكون المعنى: أنَّه يخلفه مَنْ بعدَه، وعلى هذا المعنى حَمَلَ قولَه في حق آدم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ (خَلِيفَةً﴾ مَنْ قال: إنَّ آدم أولُ من عمر الأرض وخلفه فيها بنوه بعده» (١). قال النَّحاس (٢): وإطلاق الخليفة على أمير المؤمنين محتمل لهذين الوجهين، وأَولاهما أنه يخلف من كان قبله. ويُجْمَعُ لفظ (الخليفة) على خلفاء بناءً على المعنى المذكََّر، ويُجْمَعُ على خلائف بناءً على اللفظ المؤنث (٣). تعريف الخليفة شرعاً: هو الإمام الأعظم القائم بخلافة النُّبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (٤). وكلمة (خليفة) ليست اصطلاحاً اصطلح عليه المسلمون بعد رسول الله ﷺ كما ذكر بعضهم (٥)، فقد ورد هذا المصطلح في الشرع للدلالة على من يتبوأ منصب

стр. 16

الخلافة في الدولة الإسلامية، فهو اسم لمتولي أمر الدولة الإسلامية لكونه يخلف النبي ﷺ في أمته، قال النبي ﷺ : «ما استُخلف خليفة إلا له بطانتان؛ بطانة تأمره بالخير وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضُّه عليه، والمعصوم من عصم اللهُ» (١). ولا يعني هذا عدم جواز استبدال كلمة (رئيس الدولة) أو نحوها بكلمة (خليفة) مع بقاء مضمونها الذي لا يمكن بحال من الأحوال التنازل عنه، وهذا ما رضي به عمر بن الخطاب ﵁ عندما ناداه الصحابةُ بأمير المؤمنين (٢). و هل يشترط فيمن يخلف شخصاً آخر أن يستخلَفه الأولُ حتى يطلق عليه اسم خليفة أو لا ؟ ميَّز ابن حزم بين أصل وضع الكلمة في اللغة وبين الاستعمال الشرعي لها: - أما في اللغة فقال ﵀: «الخليفة في اللغة هو الذي يستخلفه المرء لا الذي يَخْلُفُه دون أن يستخلفه هو، لا يجوز غير هذا البتَّة في اللغة بلا خلاف، نقول: استخلف فلان فلاناً يستخلفه فهو خليفة فإن قام مكانه دون أن يستخلفه لم يُقل إلا: خلف فلان فلاناً يخلفه فهو خالف» (٣). وقد ذُكر في اللغة فرق آخر بين الخالف والخليفة، بأن الخالف هو الذي لا غناء عنده ولا خير فيه، وأما الخليفة فهو من يقوم مقام الذاهب ويسد مسدَّه (٤). - وأما في الاستعمال الشرعي فقال: «الخليفة هو كل من يخْلُف شخصاً آخر، وإنْ كان لم يستخلِفه، وعزاه إلى الجمهور ورجَّحه بقوله: إنَّ الاستعمال

стр. 17

الموجود في الكتاب والسُّنَّة يدل على أنَّ هذا الاسم يتناول كل من خَلَفَ غيره، سواء استخلفه أو لم يستخلفه، فقوله : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ يونس/١٤. وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ الأنعام/١٦٥، وقوله : ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ الزخرف/٦٠. وغيرها، يدل على الخلافة دون استخلافٍ ممن قبله. وقوله : ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ الأعراف/١٤٢، يدل على الاستخلاف. وإن كان الغالب في الاستعمال للكلمة هو من كان خليفة عن الأول وإن كان الأول لم يستخلفه، ومعلوم أنَّ النبي ﷺ لم يستخلِف واحداً معيناً، وكان عمر ﵃ يقول: «إنْ أستخلفْ فقد استخلَف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسولُ الله ﷺ » (١). وكان - رغم عدم استخلاف النبي ﷺ لأبي بكر ﵁ يقول لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، فعُلم أنَّ الاسم عامٌ فيمن خَلَفَ غيرَه. اهـ (٢). وهذا هو رأي ابنُ تيمية (٣)، ولكن الأمثلة التي ضربها ﵀ للدلالة على أنَّ كلمة (خليفة) تطلق على من كان خليفة دون استخلاف، إنَّما هي أمثلة لا تَدلُّ على ما استَدَل عليه منها، لأنَّ هذه الآيات كلَّها تنطق بأنَّ الله هو الذي جعلهم خلائفَ إذاً فهو المستخلِف، ولم يَخْلُفوا دون استخلاف، ولئن لم يظهر لنا كيف استخلَفهم الله فلأنَّ هذا من شؤون التدبير والقدرة الإلهية، ومظهرُها اتفاقُ الناس على خليفة (٤).

стр. 18

وقال الشِّيعة وابن حزم: الخليفة هو من استخلفه غيره (١). وجمع الفراهيدي المعنيين معاً فقال: الخليفة هو من استُخلف مكان مَن قبلَه، ويقوم مقامه. أي بغض النظر عن المستخلف (٢). ولم يبين في محيط المحيط هل يشترط الاستخلاف أو لا فقال: «الخلافة هي الإمارة والنيابة عن الغير إما لغيبة المناب عنه، أو لموته، أو لعجزه، أو لتشريف المستخلف، وعلى هذا - أي التشريف- استخلف الله عباده في الأرض» (٣). وإنني إذ أُثْبِتُ أنَّه لا بدَّ من الاستخلاف، لا أتبنى رؤية الأخوة الشِّيعة في أنَّه لا بد أن يكون الاستخلاف من صاحب الشرع مباشرة، لأنني أقول بأنَّ المستخلِف للخليفة هو الشرع ولكن بطريقٍ غير مباشر أي عن طريق الأمَّة، فالله شَرَع للأمة الإسلامية أن تستخلفَ خليفة لها بالشورى أو بالطرق الأخرى للاستخلاف والانتخاب، وبعبارة صريحة: الله هو المستخلف حقيقة (٤)، ولكنْ ظهر ذلك في قلوب العباد وإرادتهم واجتماع رأيهم على هذا الخليفةَ أو ذاك. قال : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ آل عمران/٢٦ وقال ﷺ : «إنَّ اللَّه رضي لَكُمْ ثَلاثاً، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلاثاً: رَضِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَنْ تَنْصَحُوا لِمَنْ وَلاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» (٥) فذكر ﷺ أن الله هو

стр. 19

الذي يولي الولاة على المسلمين. ومثله ما ورد عنه ﷺ أيضاً أنه قال: «مَنْ وَلاهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَأَرَادَ بِهِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ فَإِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ» (١). ويساعدنا على فهم هذا المعنى ما ورد عنه ﷺ مما يرويه أنس بن مالك قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنُوا عَلَيْهَا خَيْراً فقال النبي ﷺ : «وَجَبَتْ» ثم مَرُّوا بِأخرى فَأَثْنوا عَلَيْهَا شَراً فقال: «وَجَبَتْ». فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟. قال: ... «هذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراً فوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وهذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَراً فوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ» (٢). فحُسْنُ الثناء وضدُّه علامةٌ على ما عند الله تعالى للعبد، وإطلاق ألسنة الخلق التي هي أقلام الحق بشيء في العاجل عنوان ما يصير إليه في الآجل، ولأنَّ اجتماع الأمة على رجلٍ ما معصومٌ من الخطأ، بدليل قوله ﷺ : «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (٣) واستدلالاً بكل الأدلة التي تفيد عصمة الأمة بمجموعها عن الخطأ. ومعنى كلمة (الخليفة) الواردة في حديث الرسول ﷺ في دعاء السفر: «اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل» (٤) فاللفظ - وإن جاء خبراً في الجملة

стр. 20

الاسمية - يفيدُ الدعاء، فكأنَّ الداعي يقول: اللهم اخلفني في أهلي أن تَلمَّ شعثهم وتداوي سقمهم وتحفظ عليهم دينهم وأمانتهم، أي أنت تقوم مقامي في إصلاح أمرهم (١). وأما ما ورد عن أبي بكر ﵁ أنَّه جاءه أعرابي فقال له: أنت خليفة رسول الله ﷺ ؟ قال: لا. قال: فما أنت؟ قال: الخليفة الذي يقوم مقام الذاهب ويسد مسدَّه، أنا الخالفة. فإنَّه قاله ﵁ تواضعاً وهضماً لنفسه، وقد ظل الصحابة ينادونه بالخليفة لا بالخالف، لمعرفتهم بقصده هذا (٢). المعنى العام لكلمة خليفة (ما نفهمه من كلمة خليفة): إنَّ كلمة (خليفة) تتضمن الإشارة إلى الزمن حيث أن هناك دائماً لاحقاً لسابق، وهي تتضمن أيضاً موضوعاً يتم الاستخلاف فيه، ووسائل تعين على هذا الاستخلاف. فخلافة اللاحق تعني فرصته الزمنية في الحياة، وفي الخضوع لامتحان الله له، والمتمثل بامتثاله أو عدم امتثاله لأمر الله ، وهذا هو الموضوع الذي تدور حوله الخلافة، وبهذا الفهم فالخلافة تكون لكل عاقل وليس فقط لرئيس الدولة، وإن انصرف الإطلاق إلى رئيس الدولة فلعظم مسؤوليته في تطبيق شرع الله تعالى. وأما وسائل الاستخلاف فهي تلك الصفات المستعارة من الله تعالى، والتي بها أصبح الإنسان مكلفاً، وهي السمع والبصر والفؤاد وغيرها من الصفات المساعدة في مهمة الاستخلاف والمشار إليها بقوله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ

стр. 21

وَالْأَرْضِوَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا (الْإِنْسَانُإِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ الأحزاب/٧٢. فيكون معنى الخليفة - بالنظر إلى المعاني الثلاثة التي تحويها الكلمة- هو آخِرُ مَنْ مُكِّن من تلك الصفات ليستخدمها في مهمته التي كلَّفه الله بها من الخلافة. إنَّ الاستقراء لاستعمالات كلمة (الخليفة) وما يرادفها في كتاب الله، يوضح أنَّ بعض تلك الاستعمالات إنَّما تشير إلى الخلافة بمعنى الرئاسة والخلافة العظمى مثل قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ النور/٥٥، بينما يشير بعضها الآخر إلى التكليف العام لكل الناس كقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ الأنعام/١٦٥. وكقوله : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ﴾ يونس/١٤. ويجمع بين الاستعمالين أنَّ الكلَّ مستخلفٌ ولكن تختلف درجة الاستخلاف، وهذا ما تشير إليه آية الأنعام السابقة من أنَّ الله رفع الناس درجات بعضهم فوق بعض , وبالتالي فإنَّ درجة استخلافهم تختلف تبعاً لدرجاتهم. وإذا قلتُ إنَّ الكلَّ مُستخلفّ فهذا يشمل الكفار أيضاً، فهُم قد مُلَّكوا وسائل الاستخلاف وطُلب منهم استخدامها في موضوعها الذي من أجله مُلِّكوها ولكنهم استخدموها في اتجاه معاكس، أو لم يستخدموها أصلاً. والكفَّار والفسَّاق إِنْ تنصَّلوا من القيام بواجبهم أصبحوا جزءاً من الامتحان والفتنة التي يتعرض لها الصالحون والمؤمنون، كما أن الصالحين أصبحوا حجةً عليهم. ولا يخفى أنَّ هذا التفسير يميل إلى ملاحظة معنى النيابة التي تشير إليها كلمة خليفة، وبهذا يندفع اعتراض من رفض تسمية الإنسان أو الخليفة بأنه خليفة عن الله ظانَّاً أنَّ الخلافة إنَّما تكون عن الميت أو الغائب والله ﵎ ليس كذلك (١)، أو ظانَّاً بأنَّ الخلافة تكون بأن يَحلَّ المستخلَف مكان

стр. 22

المستخلِف (١)، لأنَّ للخلافة معنى آخر هو النيابة، والنيابة تكون مع وجود الأصيل، وحتى لو قلنا: إن الخليفة يقوم بما يقوم به مستخلِفه أو يحلُّ محلَّه في أمر ما، فلا تكون العلة للاستخلاف هي العجز أو الغيبة، بل تكون للامتحان من الله للمستخلَف، أو هي للتشريف والتكريم، قال الله : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ الإسراء/٧٠. وهذا الفهم العام لكلمة خليفة يدل عليه حديث رسول الله ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٢). وأعلى مراتب الخلافة خلافة الخليفة أو رئيس الدولة ثمَّ تتدرج نحو الأدنى كلما قلَّت مسؤوليةُ صاحبها، ومن هنا - وبعد انقطاع الوحي بوفاة رسول الله ﷺ فإنَّ كلمة الخليفة عند إطلاقها تنصرف إلى أمير المؤمنين ورئيسهم، إذ هو صاحب المسؤوليَّة الأعظم بين النَّاس، فهو المسؤول أمام الله تعالى عن الدفاع عن الشرع والبلاد والعباد وإقامة الحدود والقضاء بين الناس، وإن كان هذا لا يُخْلي طرَفَ الأفراد من مسؤولية الخلافة، فالخلافة هي مهمة الأمة الإسلامية أصالةً ومهمة القيادة العليا نيابةً (٣).

стр. 23

المبحث الثاني: تعريف الخلافة لغة وشرعاً تعريف الخلافة لغة: مصدر خَلَفَ يخلف خلافة، أي بقي بعده أو قام مقامه، والخلافة: اسم للمنصب الذي يتبوؤه من يخلف الرسول ﷺ في إجراء الأحكام الشرعية ورئاسة المسلمين في أمور الدين والدنيا (١). والخلافة كذلك: نيابة المرء عن غيره، إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته، وإما لعجزه (٢). تعريف الخلافة شرعاً: الخلافة والإمامة تدلان على معنى واحد عند أهل السُّنَّة (٣)، وهي عند ابن خلدون (٤): «حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية، والدنيوية الراجعة إليها» (٥)، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به. وعرَّفها التفتازاني والماوردي بأنها: «رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا، خلافة عن النبي ﷺ » (٦). وفي مآثر الإنافة: «هي الولاية العامة على كافة الأمة والقيام بأمورها والنهوض بأعبائها» (٧).

стр. 24

والخلافة عند مصطفى صبري ومصطفى حلمي: «حكومةٌ ما نائبةٌ مناب الرسول ﷺ في القيام بأحكام الشرع الإسلامي» (١). وأضاف بعضُهم على التعريف مهمةَ حملِ الدعوة الإسلامية إلى العالم (٢) وهو بهذا يُصرِّح بمضمون تعريف غيره، إذ الدعوة من معاني حراسة الدين وطرقه. وهي تعاريف قريب بعضها من بعض، وتشير إلى العمومية في الصلاحيات في الدين والدنيا، وأنها مقيدة بشرع الله . وقد تدل كلمة (الخلافة) على أكثر من معنى: أ) فقد تنحصر دلالتها على خلافة الخلفاء الراشدين (٣) كما قال ﷺ : «الْخِلافَةُ فِي أُمَّتي ثَلاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ» (٤). ب) وقد تدل على معنى أوسع منه، مثل قوله ﷺ : «إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش» (٥) حيث امتدت دلالتها إلى

стр. 25

الخلافة الأموية التي هي أقلُّ رتبة من سابقتها، فهي خلافة، ولكن اعتراها بعض النقص (١). ج) وقد تدل على معنى أكثر اتساعاً، حيث تشمل كلَّ خلافة إلى قيام الساعة (٢)، كقوله ﷺ : «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فيكثرون». قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ... «فُوا ببيعة الأول، فالأول، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» (٣).

стр. 26

المبحث الثالث: تعريف الإمام لغة وشرعاً تعريف الإمام لغة: الإمام مفرد أئمة، وهو من يُقتدى به، من رئيس أو غيره، سواء أكان الاقتداء في الخير أو في الشر، ولهذا أطلق الله على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم أئمة من حيث يجب على الخلق اتِّباعهم. قال : ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ الأنبياء/٧٣. وفي الاقتداء بالشر قال : ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ التوبة/١٢. وقال : ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ القصص/٤١ (١) وقال ﷺ : «إنما جُعل الإمام لِيُؤتمَّ به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا» (٢). قال الدكتور محمد عمارة: «إنَّ القرآن عندما استخدم مصطلح (الإمام) فإنَّه قد خصَّ به - في الغالب - الإمامة، والتقدم في الدين، فالله قال لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ البقرة/١٢٤. أي نبيَّاً، وفي قوله : ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ الفرقان/٧٤. أي مُقَدَّمين يقتدون بنا في أمر الدين» (٣). تعريف الإمام شرعاً: هو كل شخص صار قدوة في فن من فنون العلم، ولهذا عرَّفه الرازي بأنه: كلُّ شخص يُقتدى به في الدين، غير أنه إذا أُطلق لا ينصرف إلا إلى صاحب الإمامة الكبرى، ولا يطلق على الباقي إلا بالإضافة (٤).

стр. 27

فالإمام شرعاً: من له الولاية على الأمة والتصرف في أمورها على وجه لا يكون فوق يده يد، احترازاً عن القاضي والمتولي فإنَّهما يتصرفان في أمر الأمة ولكن يد الإمام فوق أيديهما (١). وهو عند الشِّيعة كما يذكر الحلي: «الإنسان الذي له الرياسة العامة في أمور الدين والدنيا بالأصالة في دار التكليف» (٢). ونقض تعريفهم بالنبي ﷺ فهو الذي له الرياسة أصالة، وأما الإمام فله الرياسة بالنيابة على النبي ﷺ . ولهم تعريف غير معتمد شبيه بتعريف أهل السنة وهو: «خلافة شخص من الأشخاص للرسول صلى الله عليه وآله في إقامة قوانين الشرع وحفظ حوزة الملة على وجه يجب اتباعه على كافة الأمة» (٣). وقد أطلقوا على سيدنا علي ﵁: الإمام، لأنه - حسب رأيهم - صاحب الحق الشرعي فلمَّا تولى السلطة لقَّبوه بالخليفة أو أمير المؤمنين، وقد فعل ذلك شيعة بني العباس أيضاً (٤). والإمام عند الشِّيعة لا يختلف عن النبي ﷺ إلا من حيث إنه لا يرى الملَك في المنام ولا يعاينه في اليقظة وله كل سلطات النبي ﷺ .

стр. 28

المبحث الرابع: تعريف الإمامة لغةً وشرعاً تعريف الإمامة لغة: الإمامة: التقدم. مصدر أمَّ القوم وأمَّ بهم إذا تقدمهم، وصار إماماً لهم (١). والإمامة كبرى وصغرى، وتطلق الإمامة الكبرى على منصب الخلافة، بينما تطلق الإمامة الصغرى على الصلاة بالناس، وإنما وُصف الخليفة والذين يُصلُّون بالناس بالإمامة، لأنَّهم رُتِّبوا في المحل الذي يجب فيه على الناس اتباعهم، وقَبول قولهم، فمن دخل في صلاة الإمام لزمه الإتمام به واتباعه، ومن بايع الخليفة، لزمته طاعته ووجب عليه اتباعه. تعريف الإمامة شرعاً: لا يبعد المعنى الاصطلاحي للإمامة عن المعنى اللغوي، بإطلاقه الشامل للمقتدى بهم عموماً، في مجالي الخير والشر، طوعاً أو كرهاً. فهي: «صفة حُكْمية، توجب لموصوفها تقديمه على غيره معنى، ومتابعة غيره له حِسَّاً. وتنقسم أربعة أقسام: ١ - إمامة وحي وهي النبوة ٢ - وإمامة وراثة كالعلم ٣ - وإمامة عبادة وهي الصلاة ٤ - وإمامة مصلحة وهي الخلافة العظمى لمصلحة جميع الأمة، وحيث أطلقت في لسان أهل الكلام انصرفت إلى المعنى الأخير عرفاً، وهي - بهذا المعنى -: رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي ﷺ » (٢). أو هي كما قال ابن الهمام: استحقاق تصرف عام على المسلمين (٣). وعرَّفها الجويني بأنها: «رياسة تامَّة وزعامة عامَّة تتعلق بالخاصَّة والعامة

стр. 29

في مهمات الدين والدنيا» (١). وانتقد الآمدي (٢) والجرجاني والإيجي (٣) هذا التعريف لدخول النبوَّة فيه، وعرَّفوا الإمامةَ بأنها: «خلافة الرسول ﷺ في إقامة الدين، وحفظ حوزة الملة، بحيث يجب اتِّباعه على كافة الأمة». بإضافة قيد الخلافة عن رسول الله ﷺ لإخراج النبوَّة (٤). وقد ردَّ الكمال ابنُ أبي شريف على مَنْ اعترض على تعريف ابن الهمام - ومثله الجويني- للإمامة قائلاً: «فإن قيل: التعريف صادق بالنبوة (٥) لأن النبي يملك هذا التصرف العام. قلنا: استحقاق النبي ﷺ هذا التصرف العام، إمامةٌ مترتبة على النبَّوة، فهي داخلة في التعريف، دون ما ترتبت عليه أعني النبَّوة» (٦). وبالمجمل فإن كلام سائر علماء العقائد والفقهاء من جميع مذاهب أهل السُّنَّة لا يخرج عن هذا المعنى، إلا أنَّ الرازي زاد قيداً في التعريف فقال: هي رئاسة عامة في الدين والدنيا لشخص من الأشخاص، وقال: هو احتراز عن كل الأمة إذا عَزلوا الإمامَ لفسقه. قال التفتازاني في شرح المقاصد بعد ذكر هذا القيد: «وكأنه أراد بكل الأُمة أهل الحل والعقد» (٧). وعند الإمامية: «رئاسة عامة دينية مشتملة على ترغيب عموم الناس في

стр. 30

حفظ مصالحهم الدينية والدنياوية، وزجرهم عما يضرهم بحسبها» (١). وعند الزيدية: «الإِمَامَةُ رِيَاسَةٌ عَامَّةٌ لِشَخْصٍ مَخْصُوصٍ بِحُكْمِ الشَّرْعِ لَيْسَ فَوْقَهَا يَدٌ» (٢). والإمامة بتعبيرٍ معاصرٍ: هي الحكومة الإسلامية الشرعية، أو هي الحكومة التي تكون الشريعةُ الإسلامية قانونَها (٣). وإذا كانت الإمامة الكبرى والخلافة شيئاً واحداً - عند أهل السُّنَّة والجماعة -فإن للإمامة مرادفات غير الخلافة، كإمارة المؤمنين، والسلطة، والحكم (٤). وليست الإمامة مرادفة للخلافة عند الشِّيعة بل هي أعلى درجات الخلافة (٥). وعرَّفها الإمام علي بن موسى الرضا - من الشِّيعة - بأنها: منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء (٦).

стр. 31

الفصل الثاني مقدمات فقهية لا بد منها وتشتمل على ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: حكم إقامة الخلافة ودليله. - المبحث الثاني: هل الخلافة من مباحث علم الكلام أو من فروع الفقه؟ - المبحث الثالث: عمن تكون الخلافة.

стр. 32

المبحث الأول: حكم إقامة الخلافة ودليله هل من واجب المسلمين اليوم السعيُ بمختلف الوسائل الفكريَّة والعملية لتوحيد أنفسهم تحت راية واحدة يَحسب لها أعداؤهم ألف حساب، أم لا بأس بأن يكتفوا بتطبيق ما يستطيعون من أحكام دينهم - على أحسن تقدير- في دولهم المتعددة والمختلفة؟ إنَّ الإجابة عن هذا السؤال تعطي - أو تُفقد - الجهودَ المبذولةَ لإعادة دولة الخلافة أهميتَها، والجواب ذو شقين؛ فقد قال بوجوب إقامتها جماهير المسلمين من مختلف الطوائف والمذاهب، وشذَّ بعضهم فنفى الوجوب على التفصيل الآتي: ١ - من قال بوجوب إقامتها: أما القائلون بوجوب نصب الإمام، والسعي إلى إقامة الإمامة فهم الأغلبية الساحقة من المسلمين، ولم يخالف في وجوب نصب الإمام أحد ممن يُعتدُّ برأيه؛ فقال بذلك أهل السُّنَّة من المتكلمين (١) والحنفية (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤)

стр. 33

والحنابلة (١) والظاهرية (٢)، وهو رأي الإمامية (٣) والإسماعيلية (٤) والزيدية (٥) وعامة المعتزلة (٦) (عدا الأصم (٧) وهشام الفوطي (٨))، واختلفت الرواية عن الخوارج (٩) فمنهم من أوجبها مطلقاً كالإباضية (١٠) ولكن مع اشتراط أن يكون المسلمون نصفَ عدوهم على الأقل مع ما يكفيهم من علم ومال (١١)، ومنهم من لم يوجبها أصلاً (١٢). قال الإمام الجويني: «نصب الإمام واجب عند الإمكان، وخالف في ذلك

стр. 34

من لا يُسمى إلا عند الانسلال عن ربقة الإجماع، والحيد عن سنن الاتباع، وهو مسبوق بالإجماع واتفاق مذاهب العلماء قاطبة» (١)، وهو يقصد الأصم. بل إنَّ نصب الإمام هو رأيُ العقلاء من غير المسلمين؛ يقول القديس توما الأكويني: إنَّ المصلحة العامة للمجتمع تقتضي حتماً وجود حاكم تُوكلُ إليه مهمة تنظيم تبادل الخدمات، وحاجة المجتمع إلى الحاكم، كحاجة الجسد إلى الروح (٢). ويؤكد هيوم ذلك بقوله: وقدْرٌ صغيرٌ من التفكير والملاحظة يكفي لتعليمنا أنه لا يمكن المحافظة على المجتمع دون سلطة حاكم ما (٣). قال الأفوه: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا (٤) من الذي يجب عليه إقامة الخلافة وما مصدر هذا الوجوب: اختلف القائلون بوجوب نصب الإمام في من الذي يجب عليه إقامة الخلافة وما مصدر هذا الوجوب إلى أربعة آراء: ١ - الوجوب علينا شرعاً: قال أهل السُّنَّة من المتكلمين (٥)

стр. 35

والحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) والظاهرية (٥)، والزيدية (٦)، وكثير من المعتزلة كالقاضي عبد الجبار (٧) وأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم (٨) بوجوب إقامة الإمامة سمعاً، وهو واجب على الكفاية (٩)، وأن الإمامة ليست من شأن العقل فلا ينفرد بإيجابها، والواجب هنا واجبٌ على الخلق لا على الله «فالله لا يجب

стр. 36

عليه شيء أصلاً بل هو متعالٍ عن ذلك قطعاً» (١). ٢ - الوجوب على الله عقلاً: وقالت الشِّيعة الإمامية والإسماعيلية (٢)، وأبو القاسم الكعبي من المعتزلة -عند القاضي عبد الجبار (٣) -، بوجوب الإمامة عقلاً على الله، لا على الإنسان. وأضاف أبو القاسم الكعبي قائلاً: «فإن لم ينص الله عليه يجب على الناس أن ينصبوه» (٤). أي أنه انفرد بقولٍ لم يَقُلْهُ أحدٌ؛ حيث جعل الوجوب هنا عقلاً على الله ثمَّ على الناس. ولا أدري كيف يجب على الله عقلاً - برأيه- ثم لا ينصُّ عليه! فالمفروض في الوجوب العقلي أنه لا يتخلف. وقد قال الشيعة بالوجوب عقلاً رغم اعتقادهم أن العقل لا يستقل بمعرفة الأحكام! (٥)، فقالوا: الإمامة لطف واجب من الله بالبشر، وهو لطف في الواجبات

стр. 37

العقلية لا الشرعية، والعقل أسبق من الشرع، وبه عرفنا الشرع قبل أن يصبح شرعاً، ثم جاء حكمُ الشرع ليرشد حكمَ العقل، ولو قلنا بوجوب اللُّطف بالشرع لحصل الدور (١). والإمامية أوجبوا نصب الإمام عليه تعالى لحفظ قوانين الشرع عن التغيير بالزيادة أو النقصان، والإسماعيلية أوجبوه ليكون الإمام مُعرِّفاً لله وصفاته (٢). وأما مسألة اللُّطف فسيأتي التفصيل فيها قريباً بعد سرد الأقوال. ٣ - الوجوب على الإنسان عقلاً: قال بهذا بعض المعتزلة وهم: الجاحظ (في بعض المصادر (٣))، وأبو القاسم الكعبي (في بعض المصادر (٤))، وأبو الحسين البصري (في بعض

стр. 38

المصادر (١))، والنظَّام (٢)، والخيَّاط (في بعض المصادر (٣))، وبعض الزيدية (٤)، لما في الإمامة من مصالح ومن دفع مضار دنيوية، ولم يَقُل المعتزلة - بعد استثناء الكعبي عند القاضي عبد الجبار كما مر - بالوجوب على الله، مع أن الوجوب على الله مذهبهم في الجملة، لأنه لو وجب على الله لما خلا منه زمان (٥). ٤ - الوجوب على الناس عقلاً وشرعاً: قال بذلك بعض الحنفية (٦) وأشار إليه ابن تيمية (٧)، وقال به من المعتزلة الجاحظُ (في بعض المصادر (٨))، والكعبي ....................................................................

стр. 39

(في بعض المصادر (١))، وأبو الحسين البصري (في بعض المصادر (٢))، والخيَّاط (في بعض المصادر (٣))، وقال به الحسن البصري (٤). وصنَّف الشهرستاني الشيعةَ فيمن قال بوجوب الإمامة عقلاً وشرعاً (٥)، وأظنه ليس دقيقاً في هذا. أدلة وجوب نصب الإمام: ١ - استدل من قال بالوجوب بناء على الدليل الشرعي بالقرآن والسُّنَّة والإجماع والمعقول: فمن القرآن: قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ النساء/٥٩. والحكام إن لم يكونوا هم المقصودين بأولي الأمر، فهم على الأقل منهم كما ذكر كثير من المفسرين (٦)، وقد أمر الله بطاعتهم. وقوله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ آل عمران/١٠٣. والخليفة من ضرورات الوحدة وعدم التفرق، كما هو مشاهد ومجرب. وقوله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ النساء/٥٤. ووجهُ الاستدلال أنَّ المقصودَ بقوله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ هو النَّبيُّ محمدٌ ﷺ إذ حسده اليهود منذ أن أقام الدين

стр. 40

على أساس الدولة، فردَّ اللهُ عليهم أنَّ هذا ليس بِدْعاً في النبوات (١). وقوله : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ (خَلِيفَةً﴾ البقرة/٣٠. وقوله : ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ سورة ص/٢٦. وغيرها. ومن السُّنَّة: فقد وردت الأحاديثُ الكثيرةُ في كتب الحديث والفقه تدلُّ على وجوب إقامة الإمام والسمع والطاعة له، مثل قوله ﷺ : «من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية» (٢) وقوله ﷺ : «من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية» (٣). وغيرها من الأحاديث (٤). ولا يأمر الله ورسوله بمبايعة الأمير وطاعته ما لم يكن وجوده واجباً، وإلا كان الأمر عبثاً. ومن الإجماع: فقد حصل إجماعٌ للأمة على إقامتها بعد وفاة الرسول ﷺ واستمر الإجماع خلال تاريخ الأمة، قال أبو بكر ﵁ في خطبته قبل البيعة: «أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنه حي لا يموت وتلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ آل عمران/١٤٤ ثم قال: وإن محمداً قد مضى بسبيله ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به، فانظروا وهاتوا آراءكم
следующие страницы →