← Общие книги

Общие книги · id 96234

تعدد الخلفاء ووحدة الأمة فقها وتاريخا ومستقبلا

محمد خلدون مالكي

Полный текст (430 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عليه شيء أصلاً بل هو متعالٍ عن ذلك قطعاً» (١). ٢ - الوجوب على الله عقلاً: وقالت الشِّيعة الإمامية والإسماعيلية (٢)، وأبو القاسم الكعبي من المعتزلة -عند القاضي عبد الجبار (٣) -، بوجوب الإمامة عقلاً على الله، لا على الإنسان. وأضاف أبو القاسم الكعبي قائلاً: «فإن لم ينص الله عليه يجب على الناس أن ينصبوه» (٤). أي أنه انفرد بقولٍ لم يَقُلْهُ أحدٌ؛ حيث جعل الوجوب هنا عقلاً على الله ثمَّ على الناس. ولا أدري كيف يجب على الله عقلاً - برأيه- ثم لا ينصُّ عليه! فالمفروض في الوجوب العقلي أنه لا يتخلف. وقد قال الشيعة بالوجوب عقلاً رغم اعتقادهم أن العقل لا يستقل بمعرفة الأحكام! (٥)، فقالوا: الإمامة لطف واجب من الله بالبشر، وهو لطف في الواجبات

стр. 37

العقلية لا الشرعية، والعقل أسبق من الشرع، وبه عرفنا الشرع قبل أن يصبح شرعاً، ثم جاء حكمُ الشرع ليرشد حكمَ العقل، ولو قلنا بوجوب اللُّطف بالشرع لحصل الدور (١). والإمامية أوجبوا نصب الإمام عليه تعالى لحفظ قوانين الشرع عن التغيير بالزيادة أو النقصان، والإسماعيلية أوجبوه ليكون الإمام مُعرِّفاً لله وصفاته (٢). وأما مسألة اللُّطف فسيأتي التفصيل فيها قريباً بعد سرد الأقوال. ٣ - الوجوب على الإنسان عقلاً: قال بهذا بعض المعتزلة وهم: الجاحظ (في بعض المصادر (٣))، وأبو القاسم الكعبي (في بعض المصادر (٤))، وأبو الحسين البصري (في بعض

стр. 38

المصادر (١))، والنظَّام (٢)، والخيَّاط (في بعض المصادر (٣))، وبعض الزيدية (٤)، لما في الإمامة من مصالح ومن دفع مضار دنيوية، ولم يَقُل المعتزلة - بعد استثناء الكعبي عند القاضي عبد الجبار كما مر - بالوجوب على الله، مع أن الوجوب على الله مذهبهم في الجملة، لأنه لو وجب على الله لما خلا منه زمان (٥). ٤ - الوجوب على الناس عقلاً وشرعاً: قال بذلك بعض الحنفية (٦) وأشار إليه ابن تيمية (٧)، وقال به من المعتزلة الجاحظُ (في بعض المصادر (٨))، والكعبي ....................................................................

стр. 39

(في بعض المصادر (١))، وأبو الحسين البصري (في بعض المصادر (٢))، والخيَّاط (في بعض المصادر (٣))، وقال به الحسن البصري (٤). وصنَّف الشهرستاني الشيعةَ فيمن قال بوجوب الإمامة عقلاً وشرعاً (٥)، وأظنه ليس دقيقاً في هذا. أدلة وجوب نصب الإمام: ١ - استدل من قال بالوجوب بناء على الدليل الشرعي بالقرآن والسُّنَّة والإجماع والمعقول: فمن القرآن: قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ النساء/٥٩. والحكام إن لم يكونوا هم المقصودين بأولي الأمر، فهم على الأقل منهم كما ذكر كثير من المفسرين (٦)، وقد أمر الله بطاعتهم. وقوله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ آل عمران/١٠٣. والخليفة من ضرورات الوحدة وعدم التفرق، كما هو مشاهد ومجرب. وقوله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ النساء/٥٤. ووجهُ الاستدلال أنَّ المقصودَ بقوله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ هو النَّبيُّ محمدٌ ﷺ إذ حسده اليهود منذ أن أقام الدين

стр. 40

على أساس الدولة، فردَّ اللهُ عليهم أنَّ هذا ليس بِدْعاً في النبوات (١). وقوله : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ (خَلِيفَةً﴾ البقرة/٣٠. وقوله : ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ سورة ص/٢٦. وغيرها. ومن السُّنَّة: فقد وردت الأحاديثُ الكثيرةُ في كتب الحديث والفقه تدلُّ على وجوب إقامة الإمام والسمع والطاعة له، مثل قوله ﷺ : «من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية» (٢) وقوله ﷺ : «من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية» (٣). وغيرها من الأحاديث (٤). ولا يأمر الله ورسوله بمبايعة الأمير وطاعته ما لم يكن وجوده واجباً، وإلا كان الأمر عبثاً. ومن الإجماع: فقد حصل إجماعٌ للأمة على إقامتها بعد وفاة الرسول ﷺ واستمر الإجماع خلال تاريخ الأمة، قال أبو بكر ﵁ في خطبته قبل البيعة: «أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنه حي لا يموت وتلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ آل عمران/١٤٤ ثم قال: وإن محمداً قد مضى بسبيله ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به، فانظروا وهاتوا آراءكم

стр. 41

رحمكم الله» فناداه الناس من كل جانب: صدقت يا أبا بكر ولكنا نصبح وننظر في هذا الأمر ونختار من يقوم به. ولم يقل أحد أن هذا الأمر يصلح من غير قائم به فكان إجماعاً (١). ومن المعقول: وهو دليل إضافي وليس أساسياً، بمعنى أن القائلين بالوجوب الشرعي استأنسوا بالدليل العقلي أيضاً، ولم يروا مانعاً من إضافته إلى الدليل الشرعي. ودليل العقل هو: أن إقامة الدين وتنفيذ أحكام الشرع في جميع شؤون الحياة الدنيا والأخرى فرض على المسلمين، بالدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة؛ فقد أمر الشرع بإقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للجهاد وحفظ بيضة الإسلام ولا يتم ذلك بدون الإمام، كما أنَّ في نصب الإمام جلب منافع لا تحصى ودفع مضار لا تستقصى، حيث تظهر الفتن والفساد وانفصام أمور العباد بمجرد موت الإمام وإن لم يكن على ما ينبغي من الصلاح والسداد، وكل ما كان كذلك يكون دفعه واجباً، ولا يمكن تحقيق وحدة الأمة في مجتمع سياسي منظَّم إلا بالدولة. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بحاكم ذي سلطان، والقاعدة الشرعية تقرر أن: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٢).

стр. 42

٢ - واستدل من قال بالوجوب العقلي على الناس: أن أصل دفع المضرة واجب بحكم العقل قطعاً فكذلك المضرة المظنونة يجب دفعها عقلاً، وذلك لأن الجزئيات المظنونة المندرجة تحت أصل قطعي الحكم يجب اندراجها في ذلك الحكم قطعاً، مثل أن يعرف الإنسان أن كل مسموم يجب اجتنابه ثم يظن أن هذا الطعام مسموم، فإن العقل الصريح يقضي بوجوب اجتنابه. ٣ - ومما استدل به من قال بالوجوب العقلي على الله: - بدليل عقلي: أن الإمام لطف، لكون العبد معه أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعصية واللُّطف واجب على الله (١). - وبدليل نقلي: بما روي عن الصادق عن آبائه مرفوعاً عن النبي ﷺ عن جبريل عن ربه: «يا محمد لم أترك الأرض إلا وفيها عالم يعرف طاعتي وهداي، ويكون نجاة فيما بين قبض النبي إلى خروج النبي الآخر، ولم أكن أترك إبليس يضل الناس وليس في الأرض حجة وداعٍ إلي وهادٍ إلى سبيلي» (٢). ويُردُّ عليهم في الدليل العقلي أن الإمامة عندكم استمدت قوتَها والاستدلال على وجوبها عقلاً على الله من جهتين: الأولى: أن النبوة لطف واجب على الله عقلاً. والثانية: أن الإمامة كالنبوة، فكما وجبت النبوة على الله عقلاً، تجب الإمامة مثلها، وهي مقدِّمات غيرُ مسلَّمةٍ أوصلت لنتيجةٍ خطأ، فلا اللُّطف واجب على الله عقلاً، ولا الإمامة كالنبوة من كل جهة، فالنبوة أعمُّ من الإمامة، ولو وجبت الإمامة عقلاً على الله لما خلا عصرٌ من الإمام، وليس هذا واقعَ الحال، وإن زعموا خلافه، فحتى النبوة خلت في عصر من العصور، كما بين سيدنا عيسى ﷺ وسيدنا محمد ﷺ (٣). ويُردُّ على الدليل النقلي بأنه لا يفيد الوجوب على الله، وغاية ما في الأمر ...

стр. 43

-على فرض صحة الدليل - أن الله تفضل على العباد فأرسل لهم في كل عصر من يدلُّهم عليه سبحانه، وأين هذا من مسألة الوجوب عليه!. ورُدَّ على القائلين بالوجوب العقلي بنوعيه - على الله والإنسان - بمنع حكم العقل بالوجوب فالأحكام لا تستفاد إلا من الشرع (١). وقال التفتازاني: «احتج القائلون بوجوبه عقلاً - أي المعتزلة - بأن فيه دفع الضرر، فيجب. قلنا: لا بمعنى استحقاق تاركه الذم والعقاب» (٢). ويقصد أن الوجوب هنا ليس الوجوب الشرعي الذي يستحق من يتركه العقابَ، بل هو الوجوب العقلي المبني على وجوب تحصيل المنافع التي استحسنها الشرع، والبعد عن الضرر الذي استقبحه الشرع. ٢ - من قال بعدم وجوب إقامة الخلافة: خالف في وجوب نصب الإمام قلة وهم: أبعض الخوارج (٣) كالأزارقةِ (٤) والصفريةِ (٥) والمُحكِّمة (٦) والنجدات (٧) .......

стр. 44

وضرار بن عمرو (١)، وقالوا: لا يجب نصب الإمام، بل هو جائز، والواجب على الناس رعاية النصفة وتعليم القرآن فيما بينهم، فيجوز لهم نصبه إذا رأوا أن تلك الرعاية لا تتم إلا بإمام يحملهم عليها. قال الهيتمي والقاضي عبد الجبار المعتزلي: «خلاف الخوارج لا يعتد به» (٢). وقد تراجع الخوارج عن هذا الرأي وقَبِلوا نصبَ الإمام - عدا النجدات على التفصيل السابق - (٣)، وقد بقي منهم في العصر الحاضر بعض الطوائف في أفريقيا الشمالية باسم الإباضية في طرابلس وجبل نفوسة، وكذلك في عُمان وزنجبار (٤). ب وفصَّل بعض المعتزلة؛ فقال هشام الفُوْطي: يجب نصب الإمام عند الأمن دون الفتنة (٥)، وقال بالعكس أبو بكر الأصم (٦)

стр. 45

والنظَّام (١) أي: يجب نصبه عند الفتنة دون الأمن. قال الحنفية: «إن بعض القدرية لم يقولوا بأن نصب الإمام فرض، ولا عبرةَ بخلافهم» (٢). وهم يقصدون المعتزلة لأنهم يُسمَّون أيضاً بالقدرية. ت- وقال الداودي: نصب الإمام سنة مؤكدة (٣). ث وأشار المرداوي الحنبلي إلى قولٍ في المذهب يقول إنَّ نصبَ الإمام ليس فرضَ كفاية، ووصفه بأنه قولٌ ضعيفٌ جداً (٤). ج وقال بعدم وجوب نصب الإمام بعضُ المعاصرين كعلي عبد الرازق وعبد الحميد المتولي وصاحب كتاب (الخلافة وسلطة الأمة) وعبد الكريم الخطيب والعشماوي والدكتور محمد عمارة (٥). ح بقي أن أذكر رأي ابن خلدون تفصيلاً، لأنَّ بعضهم ظن أنه يقول بعدم وجوب الخلافة، وليس الأمر كذلك، فابنُ خلدون يرى أنَّ الخلافة هي التي كان أساسُها ووازعُها الدين، وهو ما كان عليه حالُ الخلفاء الراشدين، ولكن أصبح بعد ذلك أساسُ الخلافة ووازعُها العصبيةَ فأشبهت بذلك الملكَ كبداية الخلافة الأموية، التي استخدمت العصبية لتحقيق أغراض الخلافة من نصرة الدين، ولكنها تحولت إلى ملكٍ خالصٍ يَعتمد على العصبية، وغايتُه خدمةُ الأهواء والشهوات، وعندما

стр. 46

وصلت إلى هذه الدرجة كانت إيذاناً بذهابِها عن بني أمية، فانتقلت إلى العباسيين، وتكرر الأمر عندهم فقد كانت في بدايتها خلافةً مبنيةً على العصبية، ولكنها تخدم أغراض الدين، ثم تدرَّجت إلى أن أصبحت مُلكاً خالصاً، ثم خرجت عن العرب لمَّا ضعفت عصبيتهم وتلاشت (١). هذه هي خلاصة فكرة ابن خلدون في انقلاب الخلافة إلى ملك، والتي غابت عن بعضِ المعاصرين (٢) حين فَهِمَ أنَّ ابنَ خلدون يقول إن الخلافة ليست ضربةَ لازبٍ على المسلمين في كل حال، فهي لا تقوم في الناس إلا حين تتهيأ لها النفوس التي تتسع لها، والعزمات التي تطيق حملها، وأما إذا دخلت الدنيا على دينهم، وأَجْلَتْهُ من نفوسهم فإن سياسةَ الملك بجميع صوره أولى بهم وأجدى عليهم، فابنُ خلدون يرصدُ حركةَ الخلافة وتغيراتِها ويفسر سبب انقلابِها إلى ملك، ولكنَّه لا يقول بعدم وجوبها، فهو يقول: نصب الإمام واجب، عُرِف وجوبُه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين (٣). دليل من لم يقل بوجوب الخلافة: ١ - استند الخوارج إلى أدلة عقلية فقط فقالوا: إنَّ للإمامة شروطاً قلما توجد في كل عصر، وعند ذلك فإن أقام الناس فاقدَها لم يأتوا بالواجب عليهم بل بغيره، وإن لم يقيموا الفاقدَ فقد تركوا الواجب، فوجوب نصب الإمام يستلزم أحد الأمرين الممتنعين فيكون ممتنعاً. يقول الإيجي في المواقف مجيباً: «إن تركهم لنصبه لتعذره وعدمِ شرط الإمامة ليس تركاً للواجب، إذ لا وجوب ثمة عليهم على ذلك التقدير، إنما الوجوب إذا وجد الجامع لشرائطها، فلا محذور في ذلك الترك» (٤). ومعنى قوله: إذ لا وجوب. أي على الناس لا في الشرع. ٢ - واحتجوا أيضاً بأن الناس ترعى مصالحها الدنيوية بنفسها دون حاجة

стр. 47

لإمام يحكم عليهم، كما هو حال العربان في البوادي البعيدين عن حكم السلطان، ففي نصب الإمام إثارة للفتنة، لأن الأهواء متخالفة فيميل كل حزب إلى واحد، وتقوم الحروب، وما كان هذا شأنه لا يجب، بل كان ينبغي أن لا يجوز، إلا أن احتمال الاتفاق على الواحد أو ترجحه من بعض الجهات منع الامتناع وأوجب الجواز (١). وأجاب الإيجي عن هذا الدليل بقوله: «إن هذا وإن كان ممكناً عقلاً فممتنع عادةً، لما يرى من ثوران الفتن والاختلافات عند موت الولاة، ولذلك صادفنا العربان والبوادي كالذئاب الشاردة والأسود الضارية لا يبقي بعضهم على بعض ولا يحافظ في الغالب على سنة ولا فرض، فقد اختل أمرهم في دنياهم، وليس تشوفهم - أي تطلعهم - إلى العمل بموجب دينهم غالباً فيهم بحيث يغنيهم عن رياسة السلطان عليهم، ولذلك قيل ما يزع السلطان أي يكفه أكثر مما يزع القرآن» (٢). ومن أحسن ما يُقال لهم رداً عليهم إضافة - لما سبق - أنَّ رأيهم جاء بعد خلافة سيدنا علي ﵁ أي بعد انعقاد الإجماع، ونقض الإجماع بعد انعقاده لا يجوز. وقد كان الإمام علي ﵁ يرى أنَّ أمر الأمَّة لا ينتظم إلا بوجود أمير مهما يكن هذا الأمير؛ فقد قال لما سمع قوماً يقولون لا حكم إلا لله: «نعم لا حكم إلا لله ولكن لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل فيه المؤمن ويستمتع فيه الكافر ويبلغ الله فيها الأجل» (٣)، ونُقِلَ نحوه عن أبي بكر ﵁ (٤).

стр. 48

وقال ابن حزم: قولُ النجدات ساقطٌ (١). وأما الداودي فقد استدل بأنَّ الصحابة أقاموا مدة بعد وفاة رسول الله ﷺ لم يكن لهم إمام حتى بويع أبو بكر. وتُعقب بالاتفاق على فرْضيتها، وبأنهم تركوا لأجل إقامتها أعظم المهمات وهو التشاغل بدفن النبي ﷺ حتى فرغوا منها، والمدة المذكورة زمن يسير يغتفر مثله لاجتماع الكلمة (٢). وأما قول الأصمِّ فقد أجاب عنه المتأخرون من أصحابه بقولهم: إن قول الأصمِّ ليس مخالفاً لما عليه الأمَّة، لأنَّه إذا كان لا يجوز في العادة أن تستقيم أمور الناس من دون رئيس يحكم بينهم، فقد قال بوجوب الإمامة على كل حال (٣). وقد تبين ضعف حجج من لم يقل بوجوب الخلافة بما يغني عن الرد عليهم أكثر من ذلك، والله الموفق. دليل اللُّطف على وجوب الإمامة عند الشِّيعة: اللُّطف لغة: الرأفة والرفق. وهو عند الشِّيعة ما يقع عنده صلاح العبد آخرة، بأن تقع منه الطاعة دون المعصية، أو هو فعل ما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية ويوجب إزاحة العلة وقطع العذر بما لا يصل إلى حد الإلجاء (٤). وقد قال الشيعة بوجوب اللُّطف على الله، والنبوة والإمامة تمثلان -عندهم- هذا اللُّطف، فمن المحال أن يترك الله تعالى عباده، دون من يبلغهم شرائعه، ودون من يحفظها ويطبّقها على مر الدهور والأيام (٥).

стр. 49

وهم بهذا يقلدون المعتزلة (١) - كما قال ابن تيمية - وليس هذا من أصول شيوخهم القدماء (٢). ولا يقصد الإمامية بوجوب اللُّطف عليه سبحانه أن أحداً يأمره بذلك، بل معنى الوجوب في ذلك كمعنى الوجوب في قولك إنه «واجب الوجود» (٣). وأما اللُّطف عند أهل السُّنَّة (٤) فهو نوعان: الأول: لطف عام بالخلق كلهم كما قال : ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ الشورى/١٩. والثاني: - وهو المقصود بالبحث - لطف خاص بعباده المؤمنين ولكنه منَّة من الله وتفضل لا واجب عليه ، قال : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ً﴾ الأحزاب/٤٣، ومعناه: هو ما منَّ الله به على أهل الإيمان فآمَنوا ويسمى أيضاً التوفيق، وهو ما حَرَمَه أهلَ الكفر فلم يؤمنوا، وعكْسُه هو الإضلال الذي ذكره في القرآن بقوله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ الأنعام/ ١٢٥. وبقوله : ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ النساء/٨٨. وقوله : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ سورة محمد/٢٢ - ٢٣. وهو المقصود بقوله : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ الأنفال/٢٢ - ٢٣. دليل الشِّيعة على مسألة اللُّطف: استدل الشِّيعة على مسألة اللُّطف بالمعقول فقالوا: إن الإمام لطف لأنَّ الناس

стр. 50

إذا كان لهم إمام يأمرهم بالواجب، وينهاهم عن القبيح، كانوا أقرب إلى فعل المأمور وترك المحظور، لأن المكلِّف - وهو الله - إذا علم أن المكلَّف لا يطيع إلا باللُّطف وأراد الإطاعة ولم يفعل اللُّطف كان ناقضاً لغرضه، ونقض الغرض قبيح، فعَدَمُ اللُّطف قبيح، وما قَبُحَ عدمُه وجَب وجودُه. وقالوا: لو لم يكن الإمام، يلزم اختلالُ نظام العالم. وبهذا الدليل أثبتوا وجوب النبوة أيضاً فتأمل (١). وردَّ عليهم ابن تيمية والعضد الإيجي والرازي وغيرهم بالقول: كيف يكون الإمام لطفاً، وهذا المهدي المنتظر - الإمام الثاني عشر - لم يره أحد ولم يُسمع له بخبر، أو يُعرَف شيءٌ من كلامه، فأيُّ فائدة في الإيمان به، وأيُّ لطف يحصل لنا بهذا!! ثم كيف يجوز أن يكلفنا الله بطاعة شخص، ونحن لا نعلم ما يأمرنا به ولا ما ينهانا عنه، ولا طريق لنا إلى معرفة ذلك بوجه من الوجوه، وأما سائر الإثني عشر سوى علي ﵁، فكانت المنفعة بأحدهم كالمنفعة بأمثاله من أهل العلم والدين، من جنس تعليم العلم والتحديث والإفتاء ونحو ذلك، وأما المنفعة المطلوبة من الأئمة ذوي السلطان والسيف، فلم تحصل لواحد منهم، فتبين أن ما ذكروه من اللُّطف والمصلحة بالأئمة تلبيس محض. ومن المعلوم بالضرورة أن حال اللُّطف والمصلحة التي كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلاثة أعظم من اللُّطف والمصلحة الذي كان في خلافة علي ﵁ زمن القتال والفتنة والافتراق، فإذا لم يوجد من يدَّعي الإماميةُ فيه أنَّه معصوم، وحصل له سلطان بمبايعة ذي الشوكة إلا علي ﵁ وحده، وكانت مصلحة المكلَّفين واللُّطف الذي حصل لهم في دينهم ودنياهم في ذلك الزمان، أقلَّ منه في زمن الخلفاء الثلاثة، علم بالضرورة أن ما يدعونه من اللُّطف والمصلحة الحاصلة بالأئمة المعصومين باطل قطعاً (٢). فالنبوة والإمامة ليستا واجبتين على الله، بل هما من مِنن الله ، وهذا هو صريح قوله : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ

стр. 51

وَيُزَكِّيهِمْوَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٍ﴾ آل عمران/١٦٤. والمنُّ هنا يشمل بعثَ الرسول ﷺ ، وكونه منهم، وأنه يتلو عليهم الآيات ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. يقول الآمدي: «مذهب أهل الحق أنَّ النُّبوات ليست واجبة أن تكون، ولا ممتنعة أن تكون، بل الكون وعدم الكون سيَّان» (١) أي عقلاً. وهذه المسألة فرع عن مسألة التحسين والتقبيح العقليين، فالشِّيعة والمعتزلة يقولون بأنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ في الأشياء ذاتي، ومن ثم فللعقل أن يحسِّن أو يقبِّح تبعاً لذلك (٢)، وأما رأي أهل السُّنَّة في مسألة اللُّطف فَهو كرأيهم في أصلها، أنَّه لا حاكم على الله ، فهو يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء، وإبطال الأصل إبطال للفرع، فالحَسَنُ عندهم ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، والقبيحُ ما ورد الشرعُ بالذم على فاعله، أو تقبيح العقل له باعتبار أمور خارجية ومعان مفارقة (٣)، إذ رُبَّ شيءٍ حكَمَ عليه عقلُ إنسانٍ ما بكونه حسناً لكونه موافقاً لغرضه، أو لما فيه من مصلحته أو دفع مفسدته، أو لكونه جارياً على مقتضى عادته وعادة قومه عرفاً أو شرعاً، وقد يحكم عليه عقل غيره، بكونه قبيحاً لكونه مخالفاً له، فيما وافق غرضه، وذلك كالحكم على ذبح الحيوان بالحُسْنِ والقُبْحِ بالنسبة إلى أهل الشرائع المختلفة، وكالحكم بقبح الكذب الذي لا غرض فيه، وحُسنِه إذا قصد به حقن دم نبيٍّ أو وليٍّ من غاشم يقصد قتله (٤). وأما قولُهم بأن اللُّطف واجب على الله تعالى وأن الوجوب هنا كقولنا عنه سبحانه (واجب الوجود) فليس هذا القول سديدأً؛ لأن قولنا إنه واجب الوجود عقلاً سببه أن كل ما في الكون يدل على ذلك، لاستحالة وجود هذا الكون دون وجوده سبحانه، وهذا ليس مثلَ مسألة (وجوب اللُّطف) في الوضوح، فجائزٌ عقلاً أن

стр. 52

يخلق اللهُ سبحانه الخلقََ ولا يرسل لهم رسلاً، وغير جائز البتة أن يُوجدَ الخلقُ ولا موجد لهم، وهذا ما يقوله الشيعة أيضاً (١). ويُقرِّب المسافة بين الشِّيعة والسُّنَّة بل ينهيها ما قاله أحد الأخوة الشِّيعة بأن اللُّطف واجب منه سبحانه، وليس عليه، كما قال : ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الأنعام/١٢ (٢). وعبارة الآمدي التالية تُقرِّب المسافة بين الفريقين أيضاً حيث قال: «وإطلاق الأصحاب أن الحسن والقبيح ليس إلا ما حسَّنه الشرع أو قبَّحه، فتوسعٌ في العبارة إذ لا سبيل إلى جحد أن ما وافق الغرض من جهة المعقول وإنْ لم يرد به الشرعُ المنقول أنه يصح تسميته حسناً وذلك كاستحسان ما وافق الأغراض من الجواهر والأعراض وغير ذلك، وليس المراد بإطلاقهم إن الحسن ما حسنَّه الشرع أنه لا يكون حسناً إلا ما أذن فيه أو أخبر بمدح فاعله، وكذا في جانب القبح أيضاً» (٣).

стр. 53

المبحث الثاني هل الخلافة من مباحث علم الكلام أو من فروع الفقه ؟ اختلف النظر إلى الخلافة هل هي من مباحث علم الكلام، أو من الفروع الفقهية، أو هي ليست من الدين أصلاً إلى ثلاثة اتجاهات: ١ - الاتجاه الأول: من اعتبر الإمامة من فروع الفقه: وهم جمهور أهل السُّنَّة والجماعة حيث لم يعتبروها من مباحث علم الكلام (١): قال ابن الهمام: «مباحث الإمامة ليست من علم الكلام، بل هي من المتممات، وبيان ذلك أن مباحث الإمامة من الفقه بالمعنى المتعارف عليه، لأنَّ القيام بها من فروض الكفايات، وذلك من الأحكام العمليَّة دون الاعتقادية، ومحل بيانها كتب الفروع وهي مسطورة فيها، وإنَّما كانت ملحقةً بعلم الكلام لأنه لما شاعت في الإمامة من أهل البدع اعتقادات فاسدة مُخِلَّة بكثيرٍ من القواعد الإسلامية مشتملة على قدح في الخلفاء الراشدين ﵃، أُدرجت في علم الكلام لشدة الاعتناء بالمناضلة على الحق فيها» (٢). وقال الآمدي: «الإمامة ليست من أصول الديانات، ولا من أُمور اللابدِّيات - أي مما لا بد منه - لكن جرت العادة بذكرها في أواخر كتب المتكلمين» (٣). وقال العضد الإيجي: «الإمامة عندنا من الفروع وإنما ذكرناها في علم الكلام تأسياً بمن قبلنا» (٤). وقال التفتازاني: «لا نزاع في أن مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق لرجوعها إلى أن القيام بالإمامة ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض

стр. 54

الكفايات .. ولا خفاء في أن ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية .. ولكن لما شاعت بين الناس في باب الإمامة اعتقادات فاسدة تكاد تفضي إلى رفض كثير من قواعد الإسلام، ونقض عقائد المسلمين، والقدح في الخلفاء الراشدين ألحق المتكلمون هذا الباب بأبواب الكلام» (١). وقال ابن عابدين في تعريفه للإمامة الكبرى: هي استحقاق عام على الأنام، وتحقيقه في علم الكلام (٢). حيث أحال إلى كتب علم الكلام لمن أراد التفصيل، لأن العادة درجت على دراسة مبحث الإمامة في كتب علم الكلام، مع أنها من الأحكام الشرعية لا من أصول الاعتقاد. وذكر الشهرستاني أربع قواعد أساسية انقسم الناس - تبعاً لموقفهم منها- إلى مذاهب وملل، فذكر من بينها الإمامة، وجعلها من ضمن القاعدة الرابعة، وهذا يشير إلى أهمية الموقف من الإمامة في تفصيل الفرق وتمييزها عن بعضها (٣). ٢ - الاتجاه الثاني: من اعتبر الإمامة من مباحث علم الكلام: وهم الإمامية الإثنا عشرية والإسماعيلية؛ قال الإماميةُ: «الإمامة من أصول الدين، لا من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين، فهي ليست قضيَّة مصلحيَّة تُناط باختيار العامَّة وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضيَّة أصوليَّة، وهي ركن الدين لا يجوز للرسول ﷺ إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله» (٤)، وهم وإن بحثوها في كتب الفقه فلا تعتبر من الفروع (٥). وقال الإسماعيلية: «الإمامة هي قطب الدين وأساسه، والتي يدور عليها جميع أمور الدين والدنيا، وصلاح الآخرة والأولى، وينتظم بها أمور العباد وعمارة البلاد، وقبول الجزاء في دار المعاد، وبها يصل إلى معرفة التوحيد

стр. 55

والرسالة بالحجة والبرهان، والدلالة إلى معرفة الشريعة وبيانها .. » (١). بل قدَّم الإسماعيليةُ الإمامةَ على الرسالة، لأن في إثبات الإمامة إثبات الرسالة - كما قالوا - والمُقر بالإمام مُقرٌ بالرسول، وليس كل من أقر بالرسول أقر بحقيقة الإمام (٢). وسبب نقل مباحث الإمامة إلى كتب الفروع حسب رأي الشيعة أنه سادت بعد طول التعسف والقهر روح الطاعة الخانعة للسيف، فبعد أن كانت البيعة في عهد الخلافة الراشدة عقداً اختيارياً، يعطي الإمامَ حقَ السمع والطاعة بشروط، أصبحت البيعة اسماً للانقياد بلا قيد ولا شرط، وأُلْحِقت أحكامُ المبايعة وشؤون الإمامة بكتب الفقه كأنها فروع لا خطر لها (٣). ٣ - الاتجاه الثالث: من اعتبر الإمامة ومباحثها أمراً دنيوياً لا علاقة له بالدين: على أن هناك مَنْ تطرف إلى حدٍ كبيرٍ فأخرج مسألة الخلافة من مسائل الدين جملة، وجعلها مسألةً دنيويَّة وسياسيَّة، أكثر من كونها مسألة دينيَّة، مستدِلاً بعدم وجود تفاصيل في شأنها في النُّصوص الشرعيَّة من كيفيَّة نصب الخليفة وتعيينه وغيرها من التفاصيل، ولو كانت من المسائل الدينيَّة لبيَّنها رسول الله ﷺ (٤).

стр. 56

المبحث الثالث: عمن تكون الخلافة ؟ إنَّ الحديث عن هذه المسألة، وإن كان مُصنَّفاً في مقدمات هذه الأطروحة، إلا أنه يَزجُّنا بقوة في الحديث عن أدقِّ المعاني لكلمة الخلافة، وهذا يُدخلنا في جوهر الأطروحة، وهو من الأهمية بمكان، بحيث إنَّ تحريره ينعكس على مُجمَل الأطروحة، لهذا كان لا بد من التفصيل فيه. وخير مقدمة لهذه المسألة، ما قاله المودودي عن نظرية القرآن في السياسة حيث قال: «إنَّ نظريَّة القرآن في السياسة مبنيَّة على فكرته الأساسية عن الكون؛ التي ينبغي وضعها في الاعتبار لنفهم هذه النظريَّة فهماً سليماً، هذه الفكرة ترتكز على ثلاثة محاور: ١ - أنَّ الله هو خالق هذا الكون كلِّه، وخالق الإنسان نفسه. ٢ - أنَّ الله هو مالك هذا الكون والخلق. ٣ - أنَّ الحاكميَّة في هذا الكون ليست لأحد غير الله قال : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ الإسراء/١١١. وقال أيضاً: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ِ﴾ الأنعام/٥٧. وقال : ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ الكهف/٢٦. وقال : ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ آل عمران/١٥٤. وبناء على ذلك فإنَّ الحاكم الحقيقي للإنسان هو نفسه حاكم الكون، مع فارق وحيد هو أنَّ حاكميَّة الله في نظام الكون قائمة بقوته تعالى التي لا تحتاج إلى اعتراف من أحد، وحتى الإنسان نفسه - في الجزء اللاإرادي من حياته - يطيع حكم الله كما يطيعه الكون كله، من الذرَّة إلى النِّظام الفلكيِّ ومجموعاته، أما الجزء الإرادي من حياة الإنسان فالله لا يُنْفِذُ فيه حكمَه بالقوة والجبر وإنَّما يدعو النَّاس عن طريق الكتب للتَّسليم بحاكميَّته فيه. لذا فإنَّ حق الحكم والقضاء ليس لأحد غير الله، وله وحده حقُّ إصدار الحكم قال : ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ الأعراف/٥٤. وقال : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ المائدة/٣٨. ولابد من اتِّباع قانونه وحده، والرسول ﷺ هو المبلِّغ عن الله، وهو الشَّارح والمفسِّر بقوله وفعله، فهو مُمَثِّل حاكميَّة الله القانونيَّة في حياة البشر، ومن ثَمَّ فإنَّ الشَّكل الصَّحيح لحكومة البشر حسب المبادئ السياسية في القرآن هو:

стр. 57

أن تؤمن الدولة بسيادة الله ورسوله القانونيَّة، وتتنازل عن الحاكميَّة وتؤمن بأنْها خلافة نائبة عن الحاكم الحقيقي ، وسلطاتها في هذه المنزلة لا بد وأن تكون محدودة بتلك الحدود سواء أكانت هذه السلطات تشريعيَّة أو قضائيَّة أو تنفيذيَّة» (١). لقد تنوَّعت آراء علماء المسلمين في معنى الخلافة، وعمَّن تكون إلى ستَّة آراء، خمسة منها في الخلافة الخاصَّة، التي يقصد منها تطبيق حكم الله ، (وهي الأقوال الخمسة الأولى) وهي التي تعنينا ببحثنا هذا، وواحد في الخلافة بالمعنى الزمني فقط (وهو القول الأخير) (٢)، وسأتناولها - بعون الله - واحداً إِثْرَ آخر مُبيِّناً قائليها وماذا يترتب على كل قول: ١ - الخلافة إنَّما هي خلافة عن الله . ٢ - الخلافة إنَّما هي خلافة عن رسول الله ﷺ . ٣ - الخلافة إنما هي خلافة عن الله ورسوله معاً. ٤ - الخلافة هي خلافة عن الأمة. ٥ - الخلافة هي خلافة عن الخليفة السابق. ٦ - الخلافة هي خلافة الإنسان للملائكة والجنِّ، أو خلافة أمة ما لمن سبقها من الأمم في سكنى الأرض. وقد رتبتُ هذه الآراء على هذا الترتيب حسبما رأيتُه من أهمية المستخلِف لا حسب قوَّة الرأي أو ضعفه. الرأي الأول: القائل إنَّ الخلافة عن الله تعالى (٣)، انقسم القائلون به إلى خمسة أقسام: أ) القسم الأول: قال: إنَّ المقصود بقوله : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ (خَلِيفَةً﴾

стр. 58

البقرة/٣٠. هو آدم ﷺ (١). وهو قول ابن عبَّاس (٢)، والسدي (٣)، وابن مسعود (٤)، ومجاهد (٥). حتى أنَّ القرطبي لم يجعل الخلافة عن الله لداود ﷺ ، فقال عند تفسير قوله : ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ ص/٢٦. أَيْ خليفةً عمَّن قبله من الأنبياء (٦). وردَّ عليه ابنُ كثير فقال: «ليس المراد بالخليفة ها هنا آدم فقط كما يقوله طائفة من المفسِّرين، وعزاه القرطبُّي - والقول لابن كثير - إلى ابن عبَّاس وابن مسعود وجميع أهل التأويل، وفي ذلك نظر، بل الخلاف فيه كثير حكاه الرازي في تفسيره وغيره» اهـ (٧). ومما يُستَدَلُّ به لهذا الرأي الحديثُ المرويُّ عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثمَّ احتج آدم وموسى ﵉ فقال موسى: أنت خليفة الله خلقك بيده ... الخ» (٨). ب) القسم الثاني: يقول: إنَّ آدم وداود هما خليفتا الله ، ولا يُسمَّى أحدٌ خليفةَ الله بعدهما، استدلالاً بآية البقرة وآية (ص) السابقتين، لأن لفظ (خليفة) لم يرد في القرآن إلا في هذين الموضعين، وهو رأي النووي (٩) ......................................

стр. 59

والبغوي (١) والمناوي (٢) وابن الجوزي (٣). ج) القسم الثالث: يقول: إنَّ الأنبياء كلهم خلفاء الله في أرضه، قياساً على آدم وداود ﵉ ولأنَّهم يشكِّلون الصورة المثلى للخلافة مثلهما، فهم صفوة الخلق وحجة الحق، وهو قول البيضاوي والسُدِّي وابن عطيَّة، وليس هذا الاستخلاف للأنبياء لحاجةٍ به تعالى إلى من ينوب عنه، بل لقصور المستخلَف عليهم عن قَبول فيضه وتلقي أمره بغير توسُّط (٤). د) القسم الرابع: وسَّع أصحابُه المرادَ بخلافة الله لتشمل آدم ﷺ والصالحين من ذريته فقط دون المفسدين، وأمَّا المفسدون فليسوا خلفاء عن الله تعالى، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب النبي ﷺ (٥). ويُؤيِّد هذا المعنى الذي قاله هؤلاء، الحديثُ الذي يرويه الحسن البصريُّ عن النَّبي ﷺ : «من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه» (٦). والحديث المروي في مهدي آخر الزمان الذي جاء فيه: «فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حَبْواً على الثَّلج فإنَّه خليفة الله المهدي» (٧).

стр. 60

وقد استخدم كلمة (خليفة الله) بهذا المعنى بعض الصحابة، كحذيفة بن اليمان ﵁ (١) وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ (٢)، وأبي بكرة (٣)، وبعض التابعين كسعيد بن جبير (٤) وعطاء بن أبي صيفي (٥)، كما وصف الغزالي (٦) المستظهرَ بالله بأنه خليفة الله (٧)، ووصف ابنُ تيمية ﵀ عمرَ بن عبد العزيز بخليفة الله (٨). ج) القسم الخامس: يقول قائلوه: كلُّ النَّاس خلفاء الله (٩)، قياساً على الأنبياء ولأنهم كُلِّفوا بالخلافة أيضاً، ويؤيده قوله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾

стр. 61

فاطر/٣٩. ونُقِل هذا الرأي عن بعض الصَّحابة ﵃ كابن عبّاس (١) وعن بعض السَّلف كالحسن البصري (٢) وهو رأي ابن زيد (٣) والشَّاطبي (٤) وابن العربي (٥) وابن خلدون (٦)، والشِّيعة (٧)، والإسماعيليَّة (٨)، والصوفية (٩) ويُمَثِّلهم الشيخ محي الدين بن عربي في كتابه فصوص الحكم حيث يقول: «الإنسان أكبر مَجَالِي الحق، لأنَّه (المختصر الشريف) و (الكون الجامع) لجميع حقائق الوجود ومراتبه، هو العالم الأصغر الذي انعكست في مرآة وجوده كلُّ كمالات العالم الأكبر، أو كمالات الحضرة الإلهية الأسمائيَّة والصفاتيَّة، ولذا استحق دون سائر الخلق أن تكون له الخلافة عن الله» (١٠)، كما وصف ابنُ عربي الحاكمَ بأنه خليفة الله (١١). والصوفية يَصرِفون آيةَ الخلافة في القرآن إلى سيدنا محمد ﷺ لأنه هو الخليفة الأعظم وأما سائر الخلفاء فهم خلفاء عنه ﷺ في دعوة العباد إلى الله (١٢) ويقولون:

стр. 62

هو المقصود بقوله : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ (خَلِيفَةً﴾ البقرة/٣٠. ويستدلون على أفضليته ﷺ على سائر الأنبياء، بالحديث القدسي الذي يقول فيه تعالى لآدم ﷺ عندما استغفر ربَّه بعد أكله من الشجرة حيث سأل ربه أن يغفر له واستشفع بمحمد ﷺ فسأله ربه - وهو أعلم -: «وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من رُوحك رفعتُ رأسي فرأيتُ على قوائم العرش: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحبَّ الخلق إليك. فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأَحبُّ الخلق إليَّ، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» (١). ومما يدل على أفضليته ﷺ على سائر الأنبياء، ما أخذه الله من العهد على سائر الأنبياء إنْ جاءهم رسولُ الله ﷺ أن يتَّبعوه وينصروه قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ آل عمران/٨١. واستدلوا بالأثر: «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر» (٢). وكان استعمال بعض فقهاء الحنفيَّة دارجاً على وصف الخليفة، أو الإنسان العادي بأنَّه خليفة الله، فها هو ابن عابدين وهو من الفقهاء المتأخرين يصف الخليفة

стр. 63

العثمانَّي السلطان محمود الثاني بأنَّه خليفة الله، وبأنه ظلُّ الله في أرضه (١). وجاء في البحر الرائق عند الحديث عن القَوَد، نَقْلٌ لقول ابن عباس: «العمْدُ قَوَدٌ لا مال فيه. ثم قال المؤلف معلِلاً: لأنَّ المال لا يصلح مُوجَبَاً، لعدم المماثلة بينه وبين الآدمي صورة ومعنى، إذ الآدمي خُلِق مُكرَّماً ليتحمل التكاليف ويشتغل بالطاعة، وليكون خليفة الله في الأرض، والمال خُلِق لإقامة مصالحه ومبتذلاً له في حوائجه» (٢). وممن قال بجواز أن يقال للأئمة خلفاء الله في أرضه الزَّجاجُ (٣) لقوله : ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ سورة ص/٢٦. ولقوله ﷺ : «السُّلطان ظلُّ الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإن عدل كان له الأجر» (٤).

стр. 64

وقد كان بعض الشعراء يخاطبون الخلفاء في زمانهم بـ: (خليفة الله) (١)، وأسوق هذا لحكاية الحال وليس للاستدلال (٢)، كما كان خلفاء بني العبَّاس يُسمُّون أنفسَهم بخليفة الله (٣). وقد ظهر استعمال كلمة (خليفة الله) بعد انتقال الخلافة إلى الأمويين، لأنَّهم أرادوا دعم خلافتهم - وخاصَّة في عهد عبد الملك بن مروان ومن بعده - فأدخلوا فكرة الجبر في الخلافة، وأنَّ خلافتهم بقدر من الله، وأنَّ سلطتهم تستمد شرعيَّتها منه، فاستخدموا كلمة (خليفة الله) على غير ما كان يستخدمها به الصحابة رضوان الله عليهم، فوقف الفقهاء ضد هذا الاتجاه وأكدوا حريَّة الإرادة، ولكنَّ التطوُّر العمليَّ للخلافة وانتقالها إلى العباسيين، وما نتج عن ذلك من تقليل دور الأمة في الحياة السياسيَّة، دفع الفقهاء إلى قبول الخليفة خليفة لله (٤).

стр. 65

ومن معاني إطلاق (خليفة الله) على الخليفة عند من أجاز ذلك، أنَّه هو الذي يقوم بحقوق الله في خلقه، وهو الذي يدافع عن حق الله إذا انتهك، بتطبيق الحدود الشرعية، وهو ما يسمى اليوم بالحق العام، كما أنه يُمَثِّلُ السلطة العليا القائمة على النَّاس، وليس فوقه إلا الله، فهو في مقام المُتصرِّف في أمور العباد فيما لله سبحانه التصرُّف فيه على وجه الحقيقة (١). هذا ولم يُجوِّز جمهورُ الفقهاء إطلاقَ: (خليفة الله) على الخليفة، ونسبوا قائله إلى التَجوُّز (٢). وسيأتي تفصيل قولهم بعد قليل. وممن نفى أن يكون الخليفةُ خليفةً عن الله، ابنُ تيمية ﵀ وردَّ على الشيخ ابن عربي القائل بذلك؛ فبعد أن نَقَلَ ابن تيمية في كتابه (الخلافة والملك) قولَ ابن عربي هذا، ونقل ما استدلَّ به عليه من مثلِ قولِه : ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ البقرة/٣١. وقولِه ﷺ : «خلق الله آدم على صورته» (٣) وأن الإنسان - من بين المخلوقات - هو الخليفة والجامع للأسماء والصفات، قال - أي ابن تيمية -: «إنَّ الله لا يجوز أن يكون له خليفة لأنَّّ الله حيٌّ شهيد مهيمن قيُّوم حفيظ غنيٌّ عن العالمين ليس له شريك ولا ظهير، والخليفة إنَّما يكون عند عَدِمِ المستخلِف بموت أو غيبة، وهذه المعاني منتفية في حق الله» (٤). كما نفى أن يكون قولُه : ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ ص/٢٦. معناه أن يكون خليفة عن الله، وإنما هو خليفة عمن قبله من الخلق. وهاجم بشدة من قال بهذا - وخاصَّة الشيخَ ابنَ عربي - ونَسَبَه إلى الإلحاد (٥)، رغم أنَّ هذا قول كثير من المفسرين والعلماء!!.

стр. 66

وحتى ابن تيميَّة نفسه قال في تفسير قوله : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ البقرة/٣٠: «إنَّ هذا يعم آدمَ وبنيه، ولكن الاسم متناولٌ لآدم عيناً، وأنَّه كقوله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ التين/٤» (١). وفسَّرَ حديثَ: «السلطان ظل الله» (٢) بأنَّ السلطان عبد الله، مخلوق مُفْتَقَرٌ إليه، لا يُستغنى عنه طرفة عين، وفيه من القدرة والسلطان والحفظ والنصرة وغير ذلك من معاني السؤدد والصمدية التي بها قوام الخلق، وما يشبه أن يكون ظلَّ الله في الأرض، وهو أقوى الأسباب التي بها يصلح أمور خلقه وعباده. كما أنَّه وصف الولاة بأنهم نوَّاب الله على عباده (٣) وهذا الكلام منه لا يختلف عما قاله الشيخ محي الدين بن عربي ومن معه! فما يصلح مُبَرِّراً لِوَصْف الولاة بأنَّهم نوَّابُ الله، يَصْلُحُ مبرِّراً لإطلاق كلمة (خليفة الله) على الإنسان. وإذا أردتُ اختصار هذا الرأي فيمكنني أن أقول: إنَّ الله غيبٌ من حيث إنَّنا لا نراه في هذه الحياة الدنيا، والإنسان أو الحاكم خليفته في عالم الشهادة - بالنسبة إلى أفراد جنسه من البشر - في تطبيق أحكامه حسب المحيط أو المجال الذي هو مُسلَّطٌ عليه، لأنَّ الإنسان العاديَّ ضعيف، ولا يمكنه فهم حاكمية الله، دون أن يجد ممثِّلاً لها من البشر، فَمَنْ فَهِمَ معنى الخلافة، كان نموذجاً لتطبيق أحكام الله ، طواعية وعن رضى، فهو خليفة للجيل الذي قبله من حيث الزمن، لأنه أتى بعد مَنْ سبقه، ولكنَّه بالنسبة إلى الجيل الذي سيأتي بعده سيكون المثال والأنموذج لتطبيق شرع الله. وهذه الفرصة التي مَلَّكها اللهُ لعباده على التوالي - والتي هي نعمةُ الحياة وشرفُ الاستخلاف على ظهر الأرض - يأتي عَبْرَها التكليفُ أو الأمانةُ التي عرضها اللهُ على السموات والأرض فأَبَيْنَ أن يحملْنها وحملها الإنسان، وقد ملَّكنا الله في سبيل تحقيقها، أخطرَ الصفات من السَّمع والبصر والعقل والإرادة والقدرة، والتي هي موجودة في ذات الله ﷻ في أحسن صورها وأوسعها، وهو الأصل فيها، فكأنها إعارةٌ لتلك القدرات على مستوى مُبسَّطٍ.

стр. 67

هذا الاختصار يوضح أنَّ القول بأنَّ الإنسان عامة والحاكمَ خاصة، هما خلفاء الله في أرضه، لا يعني إطلاق الصلاحيات، فهو لا يعني أكثر من عِظمِ المسؤولية الملقاة على عاتقهما، فالخليفة ليس ممثلاً للسلطة الإلهية، ولكنه ممثِّل لتنفيذ السُّلطة الإلهيَّة المتمثِّلة بشرعه تعالى. وأما الرأي الثاني: القائل بأنَّ الخلافة إنَّما هي خلافة عن رسول الله ﷺ -، فقد قال به جمهور المتكلمين من أهل السنة (١)، لسهولة فهمه وتطبيقه، ولأنَّ الاستخلاف كما قالوا إنَّما هو في حق الغائب، أو في حق من يموت، والله منزهٌ عن ذلك (٢). وهذا قول عامة الحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) وغيرهم (٧). واستدلُّوا بأنَّ أبا بكر ﵁ نهى عن ذلك لمَّا دُعي به وقال: لست خليفةَ الله، ولكني خليفةُ رسول الله ﷺ (٨). وكذلك فعل عمر بن الخطاب ﵁ عندما قال له

стр. 68

رجل: يا خليفة الله. فقال له: خالف الله بك فقال: جعلني الله فداءك (١). وتكرر الأمر مع عمر بن عبد العزيز عندما قال له رجل: يا خليفة الله. فقال: ويلك لقد تناولت متناولاً بعيداً، إن أمي سمَّتني عمر، فلو دعوتني بهذا قبلت، ثُّم ولَّيتموني أموركم، فسمَّيتموني أمير المؤمنين فلو دعوتني به كفاك (٢). وقد اضطرَدَتْ مخاطبةُ أبي بكر ﵁ بأنه خليفة رسول الله ﷺ من جميع الصحابة رضوان الله عليهم (٣)، حتى عُدَّ هذا مما أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم. ووَرَدَ في السلام على أبي بكر ﵁ في الروضة المشرفة: السلام عليك يا خليفة رسول الله ﷺ (٤). ومما يُرَدُّ به على هذا الرأي أنَّ ما كان تبريراً وتفسيراً لخلافة سيدنا آدم وسيدنا داود - عليهما الصلاة والسلام - لله، يصحُّ أن يكون كذلك لغيرهما، فهما لم يكونا خليفتين عن الله تعالى لأنَّه غائبٌ أو ميتٌ، وما صحَّ لهما صحَّ لنبيِّنا ﷺ ،

стр. 69

وصحَّ لنا من بعده لأنَّنا مأمورون بالاقتداء به، فحتى لو قلنا: إنَّ الخلافة هي خلافة عن رسول الله ﷺ ، آلَ الأمرُ عند التحقيق إلى خلافة عن الله تعالى، فما الرسول إلا رسول الله، وهو لا يُمثِّل نفسَه بل يُمثِّل ربَه ﵎، ويُبَلِّغُ عنه شرعه. ثم إنَّ الخلافة لو كانت خلافةً عن رسول الله، لكان كلُّ مَنْ يلي أمرَ المسلمين خليفةً لرسول الله ﷺ ، ولمَاَ دُعي عمرُ بن الخطاب ﵁ في بداية عهده بخليفة خليفة رسول الله ﷺ (١). ثمَّ إن قول أبي بكر: لست خليفةَ الله، ولكنِّي خليفة رسول الله، لا يصحُّ دليلاً على رأي الجمهور، لأنَّه ورد عنه ﵁ أنَّه قد رفض أن يسمى حتى خليفةَ رسول الله ﷺ وسمى نفسَه الخالفة، وأقواله هذه يُفهم منها تواضعه ﵁ لا أكثر (٢). وأما الرأي الثالث: القائل إن الخلافة هي عن الله ورسوله معاً: فهو رأي التفتازاني (٣) والشيعة (٤) وإنْ انطلق كلٌ منهما من منطلق يختلف عن الآخر. وأما الرأي الرابع: القائل إنَّ الخلافة هي خلافة عن الأمة: فقال به القرطبي (٥) وبعض المعاصرين كيوجه سوي ولؤي صافي وبسيوني وصاحب كتاب (الخلافة وسلطة الأمة) والخالدي. وهو رأي تبنَّته الموسوعة الفقهية (٦). وقال الماوردي: «الإمامة من الحقوق العامة المشتركة بين حق الله وحقوق الآدميين» (٧).

стр. 70

أما (يوجه سوي) صاحب كتاب (تطور الفكر السياسي) فقال: «تدل ممارسة فترة الخلفاء الراشدين على أنَّ الأمة اعتبرت مصدر شرعيَّة الخليفة، أمَّا الدين فهو الأساس الذي تقوم عليه الأمَّة والسلطة، ويُستنتج من الممارسات نفسها أنَّ الخلافة هي مؤسسة اتفقت الجماعة على إقامتها ليدافع الخليفة عن الأمة» (١). وأما بسيوني فقال في كتابه (الفكر السياسي عند الماوردي): إنَّ الخليفة لم يكن يستمد سلطته من الله، وإنَّما يستمدُّها من الأمَّة، ومن حق الأمَّة عزله إن وجد ما يوجب العزل، كما هو الأمر بالنِّسبة للموكِّل مع وكيله النَّائب عنه (٢). وأمَّا لؤي صافي فقال: القائد الذي تختاره الأمَّة لتولي السلطة السياسية هو نائب عن الأمَّة في تدبير شؤونها السياسية، لأنَّ اعتبار رئيس الدولة خليفة لرسول الله ﷺ بالمعنى الذي حددته النظريَّة الاتِّباعية والمتعلق بحفظ الدين وسياسة الدنيا، يؤدي إلى إعطاء منصب الخلافة مهمات وصلاحيات فوق ما يحتمل (٣). أما صاحب كتاب (الخلافة وسلطة الأمة) الذي صدر عقب إلغاء الخلافة العثمانيَّة ليبرر هذا الإلغاء فيقول: يطلق الفقهاء (الولاية العامة) على القوة الموجودة عند الخليفة وعلى صلاحيَّة التصرُّف العام على الخلق، والخليفة يأخذ هذه القوة من الأمة رأساًَ، وهذه القوة وهذه السلطة هي حق الأمَّة نفسها، وهي تفوضها الخليفة بالبيعة، كما أنَّ الموكِّل يفوِّض وكيله حقَّ تصرفاته في أشغاله بعقد الوكالة (٤). ويقول الدكتور الخالدي في كتابه (معالم الخلافة): إنَّ أبا بكر ﵁ لم يكن نائباً عن النبي ﷺ ، فإنَّه من استقراء الواقع لا نجد أنَّ شيئاً من ذلك حدث، ولا الرسولُ ﷺ نصَّ على تعيينه نائباً في كافة شؤون المسلمين، والأمَّة لا تملك تعيين شخص

стр. 71

لينوب عن آخر في السلطان، وإنَّما لها الحق في تعيينه نائباً عنها في السُّلطان (١). وفي الموسوعة الفقهية جاء: «الإمام وكيلٌ عن الأمة في خلافة النُّبوة في حراسة الديِّن وسياسة الدنيا». فجعلت الإمامَ وكيلاً عن الأمة ولكنه مقيَّد بخلافة النبَّوة وقوانين الشرع (٢). مناقشة هذا الرأي: هذا الرأي يتسم بالسطحيَّة وعدم معرفة دقائق الشريعة الإسلاميَّة، والتأثِّر بالبيئة المعاصرة، إذ لا يمكن اعتبار الأمَّة هي مصدر شرعيَّة الخليفة، فالله هو مصدر شرعيَّته، قال تعالى: " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " آل عمران/٢٦، ولكنَّه ﷻ جعَلَ إرادتَه هذا الخليفةَ أو ذاك، تتجلى في اتفاق الأمة على اختياره، وهذا صريحُ قولِ الجرجاني عندما قال: «البيعة عندنا ليست مثبتة للإمامة بل هي علامة مظهرة لها كالأقيسة والإجماعات» (٣). فمهمَّة الأمَّة اختيار الخليفة، ولكنَّه بعد اختيارها له، يستمدُّ شرعيتَّه من الله لا من الأمَّة، والفرق بينهما أنَّه إذا استمدَّ شرعيتَّه من الأمَّة، وكان وكيلاً لها، كان لها عزله إذا شاءت، واستبداله بغيره بسبب أو بغير سبب، في حين أنها لا تملك ذلك الحق الذي يملكه الموكِّل في عزل وكيله، إلا إذا خالف الخليفة شرع الله مخالفة قوية كالكفر، فلها عندئذ أن تعزله، ولكن لا لأنَّ هذا من حقها فقط، بل لأنَّه واجب عليها أيضاً، فقد أمرها الشرع بذلك عبر النُّصوص المختلفة التي نظَّمت هذا الأمر (٤)، وأيضاً لو كان الإمام وكيلاً عن الأمة فله عزل نفسه بمفرده وليس للإمام ذلك. ولا شك أنَّ القول بهذا يوفر استقراراً سياسياً أكبر، ينعكس استقراراً على كافة مجالات الحياة الأخرى.

стр. 72

وأمَّا أنَّ الخلافة هي مؤسسة اتفقت الجماعة على إقامتها فهو منافٍ للواقع ومخالفٌ للحقيقة؛ فالخلافة منصبٌ دينيٌّ تمتدُّ جذوره إلى عمق الشريعة، وهي مؤسَّسة شرعيَّة دعا إليها الشَّرع، ولم تتفق الأمَّة على إقامتها إلا بعد أن طلبها الشَّرع - كما سيأتي - والشَّرع مليءٌ بالأدلَّة على أنَّه نظَّم أمر الأمَّة في كل شيء، وجعل لها في كل مجال إماماً أو أميراً، بدءاً من أبسط حالات الاجتماع بين المسلمين، وانتهاءً بأعقدها. فقد أمر بتنصيب أميرٍ على الجماعة في السفر حتى ولو كانوا ثلاثة قال ﷺ : «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدَهم» (١)، وأمَرَ بالإمامة في الصلاة حتى ولو كانا اثنين فقط عندما قال ﷺ لرجلين يريدان السفر: «إذا أنتما خرجتما فأذِّنا ثم أقيما ثم ليؤمُّكما أكبركما» (٢) وهكذا في كل الأمور. وأمَّا القول بأنَّ الخليفة ينوب عن الأمة في تسيير شؤونها، فهو قولٌ صحيحٌ على ألا نقول إنَّه يستمد سلطاته منها وإنها مصدر شرعيتَّه كما هو الحال في الأنظمة الوضعيَّة (٣)، لأنَّنا حينئذ نكون قد عكسنا الحقيقة، فمهمَّة الخليفة تطبيق حكم الله في الأمَّة، لا تطبيق حكم الأمَّة في نفسها قال : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ الأنعام/٥٧، يوسف/٤٠. فليس للأمَّة بمفردها أن تحكم كما تشاء، ولكن وِفْقَ إرادةِ الله المتمثِّلةِ بشرعه، ثمَّ إنك لن تجد للأمَّة رأياً موحَّداً، فللنَّاس أهواء وميول مختلفة ومتضاربة، فالخليفة في هذا مثل القاضي الذي يُعَيِّنه، فإنَّه يحكم وفق الشَّرع لا

стр. 73

وفق إرادة الخليفة (١). وأمَّا الخوف من إعطاء الخلافة صلاحيات ومهمات فوق ما تحتمل، فهو توهُّمٌ لأنَّ منصب الخلافة لا يملك صلاحيَّات خارقة، أو غير محددة بضوابط شرعيَّة، وإن كان الخليفة في الحقيقة يملك صلاحيات كبيرة، ولكنَّها من مسؤوليَّاته قبل أن تكون من امتيازاته، ولأجلِها كانت ساعةُ عدلٍ من إمام عادل خيراً من عبادة ستِّين سنة قال ﷺ : «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستِّين سنة» (٢) ولأجلِها كانت مسؤوليتُه عظيمةً أمام الله إذا لم يحكم بالعدل حيث تَعُودُ عليه الخلافةُ حينها بالنَّدامة، قال ﷺ : «ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك، إلا أتى اللهَ مغلولاً يوم القيامة، يده إلى عنقه، فكَّه برُّه أو أوبقه إثْمُه، أوَّلُها ملامة وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة» (٣). بقي أن أشير إلى مبدأ الرقابة على السُّلطة - والذي يرتبط بمبدأ السِّيادة- في مدى تطبيقها لأمر الله بالشَّكل الحسن، فعلى قولِ مَنْ قال إن السِّيادة للأمَّة؛ تكون عندها هي الرقيب على الدولة، وهذا من الناحية العملية لا يحدث لخوف أفراد الأمَّة من سطوة الدولة، لاختلال موازين القوى بينهما. وأمَّا القول: إنَّ السِّيادة هي للشَّريعة، أي لله ، فعندها تكون الرقابة أقوى وأكثر فاعليَّة إِنْ

стр. 74

استشعر الحاكمُ رقابةَ الله عليه، فإنْ لم يستشعرْها جاءه من يُذكِّره بالحق ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر من أناسٍ بذلوا أنفسهم لله رخيصة، فقد قال ﷺ : ... «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (١). وأما الرأي الخامس: القائل إنَّ الخلافة هي خلافة عن الخليفة السَّابق ، فهو يعني أنَّ كل خليفة يَخْلُفُ مَنْ قَبْلَهُ، واحداً بعد واحد، حتى ينتهي إلى أبي بكر ﵁ فيقال فيه خليفة رسول الله ﷺ وعلى هذا خوطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في أول أمره بخليفة خليفة رسول الله (٢). وأما الرأي السادس: فهو في الخلافة العامة لكل البشر ، ولا علاقة له بالخلافة كموضوع سياسي، ولكن سأذكره استكمالاً للبحث، وهو يقول إن الخلافة تعني تعاقب الأمم من حيث الزمن لا أكثر، قال : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ مريم/٥٩، ولا يعني أن الخَلَفَ يُنفِّذُ رأي السلف إذ الواقع يكذب هذا، فكم خالف الخَلَفُ سيرةَ السلف، وفائدة هذه الخلافة هي التعاقب على الانتفاع بخيرات الأرض وشكر الله بالتوحيد والطاعة، وهو رأي الحسن البصري (٣)، أو هو خلافة كل البشر - آدم وبنيه- لمن سبقهم في سكنى الأرض من الملائكة والجن، وهو رأيُ ابن عبَّاس والحسن البصريّ وأبي العاليَّة ومقاتل (٤).

стр. 75

الباب الثاني تعدد الخلفاء من المنظور الفقهي ويتضمن ثلاثة فصول: الفصل الأول: التمهيد: وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: معنى الخلافة الكاملة، والخلافة الناقصة. - المبحث الثاني: دلالة حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين». - المبحث الثالث: الأحداث التي استند إليها الفقهاء في مسألة التعدد. الفصل الثاني: الشروط والواجبات ونظرية الضرورة وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: الشروط الواجب توفرها في الخليفة. - المبحث الثاني: واجبات الخليفة أو الأحكام المنوطة به، ومن يقوم بتنفيذها عند تعدد الخلفاء أو عند فقد الخليفة. - المبحث الثالث: نظرية الضرورة. الفصل الثالث: حكم تعدد الخلفاء: وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: من لم يجوز تعدد الخلفاء: أولاً: حكم تعدد الخلفاء بالنظر إلى المكان. ثانياً: حكم تعدد الخلفاء بالنظر إلى الزمان. - المبحث الثاني: من أجاز تعدد الخلفاء مطلقاً. - المبحث الثالث: الأدلة.
следующие страницы →