← Общие книги

Общие книги · id 96234

تعدد الخلفاء ووحدة الأمة فقها وتاريخا ومستقبلا

محمد خلدون مالكي

Полный текст (430 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لينوب عن آخر في السلطان، وإنَّما لها الحق في تعيينه نائباً عنها في السُّلطان (١). وفي الموسوعة الفقهية جاء: «الإمام وكيلٌ عن الأمة في خلافة النُّبوة في حراسة الديِّن وسياسة الدنيا». فجعلت الإمامَ وكيلاً عن الأمة ولكنه مقيَّد بخلافة النبَّوة وقوانين الشرع (٢). مناقشة هذا الرأي: هذا الرأي يتسم بالسطحيَّة وعدم معرفة دقائق الشريعة الإسلاميَّة، والتأثِّر بالبيئة المعاصرة، إذ لا يمكن اعتبار الأمَّة هي مصدر شرعيَّة الخليفة، فالله هو مصدر شرعيَّته، قال تعالى: " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " آل عمران/٢٦، ولكنَّه ﷻ جعَلَ إرادتَه هذا الخليفةَ أو ذاك، تتجلى في اتفاق الأمة على اختياره، وهذا صريحُ قولِ الجرجاني عندما قال: «البيعة عندنا ليست مثبتة للإمامة بل هي علامة مظهرة لها كالأقيسة والإجماعات» (٣). فمهمَّة الأمَّة اختيار الخليفة، ولكنَّه بعد اختيارها له، يستمدُّ شرعيتَّه من الله لا من الأمَّة، والفرق بينهما أنَّه إذا استمدَّ شرعيتَّه من الأمَّة، وكان وكيلاً لها، كان لها عزله إذا شاءت، واستبداله بغيره بسبب أو بغير سبب، في حين أنها لا تملك ذلك الحق الذي يملكه الموكِّل في عزل وكيله، إلا إذا خالف الخليفة شرع الله مخالفة قوية كالكفر، فلها عندئذ أن تعزله، ولكن لا لأنَّ هذا من حقها فقط، بل لأنَّه واجب عليها أيضاً، فقد أمرها الشرع بذلك عبر النُّصوص المختلفة التي نظَّمت هذا الأمر (٤)، وأيضاً لو كان الإمام وكيلاً عن الأمة فله عزل نفسه بمفرده وليس للإمام ذلك. ولا شك أنَّ القول بهذا يوفر استقراراً سياسياً أكبر، ينعكس استقراراً على كافة مجالات الحياة الأخرى.

стр. 72

وأمَّا أنَّ الخلافة هي مؤسسة اتفقت الجماعة على إقامتها فهو منافٍ للواقع ومخالفٌ للحقيقة؛ فالخلافة منصبٌ دينيٌّ تمتدُّ جذوره إلى عمق الشريعة، وهي مؤسَّسة شرعيَّة دعا إليها الشَّرع، ولم تتفق الأمَّة على إقامتها إلا بعد أن طلبها الشَّرع - كما سيأتي - والشَّرع مليءٌ بالأدلَّة على أنَّه نظَّم أمر الأمَّة في كل شيء، وجعل لها في كل مجال إماماً أو أميراً، بدءاً من أبسط حالات الاجتماع بين المسلمين، وانتهاءً بأعقدها. فقد أمر بتنصيب أميرٍ على الجماعة في السفر حتى ولو كانوا ثلاثة قال ﷺ : «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدَهم» (١)، وأمَرَ بالإمامة في الصلاة حتى ولو كانا اثنين فقط عندما قال ﷺ لرجلين يريدان السفر: «إذا أنتما خرجتما فأذِّنا ثم أقيما ثم ليؤمُّكما أكبركما» (٢) وهكذا في كل الأمور. وأمَّا القول بأنَّ الخليفة ينوب عن الأمة في تسيير شؤونها، فهو قولٌ صحيحٌ على ألا نقول إنَّه يستمد سلطاته منها وإنها مصدر شرعيتَّه كما هو الحال في الأنظمة الوضعيَّة (٣)، لأنَّنا حينئذ نكون قد عكسنا الحقيقة، فمهمَّة الخليفة تطبيق حكم الله في الأمَّة، لا تطبيق حكم الأمَّة في نفسها قال : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ الأنعام/٥٧، يوسف/٤٠. فليس للأمَّة بمفردها أن تحكم كما تشاء، ولكن وِفْقَ إرادةِ الله المتمثِّلةِ بشرعه، ثمَّ إنك لن تجد للأمَّة رأياً موحَّداً، فللنَّاس أهواء وميول مختلفة ومتضاربة، فالخليفة في هذا مثل القاضي الذي يُعَيِّنه، فإنَّه يحكم وفق الشَّرع لا

стр. 73

وفق إرادة الخليفة (١). وأمَّا الخوف من إعطاء الخلافة صلاحيات ومهمات فوق ما تحتمل، فهو توهُّمٌ لأنَّ منصب الخلافة لا يملك صلاحيَّات خارقة، أو غير محددة بضوابط شرعيَّة، وإن كان الخليفة في الحقيقة يملك صلاحيات كبيرة، ولكنَّها من مسؤوليَّاته قبل أن تكون من امتيازاته، ولأجلِها كانت ساعةُ عدلٍ من إمام عادل خيراً من عبادة ستِّين سنة قال ﷺ : «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستِّين سنة» (٢) ولأجلِها كانت مسؤوليتُه عظيمةً أمام الله إذا لم يحكم بالعدل حيث تَعُودُ عليه الخلافةُ حينها بالنَّدامة، قال ﷺ : «ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك، إلا أتى اللهَ مغلولاً يوم القيامة، يده إلى عنقه، فكَّه برُّه أو أوبقه إثْمُه، أوَّلُها ملامة وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة» (٣). بقي أن أشير إلى مبدأ الرقابة على السُّلطة - والذي يرتبط بمبدأ السِّيادة- في مدى تطبيقها لأمر الله بالشَّكل الحسن، فعلى قولِ مَنْ قال إن السِّيادة للأمَّة؛ تكون عندها هي الرقيب على الدولة، وهذا من الناحية العملية لا يحدث لخوف أفراد الأمَّة من سطوة الدولة، لاختلال موازين القوى بينهما. وأمَّا القول: إنَّ السِّيادة هي للشَّريعة، أي لله ، فعندها تكون الرقابة أقوى وأكثر فاعليَّة إِنْ

стр. 74

استشعر الحاكمُ رقابةَ الله عليه، فإنْ لم يستشعرْها جاءه من يُذكِّره بالحق ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر من أناسٍ بذلوا أنفسهم لله رخيصة، فقد قال ﷺ : ... «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (١). وأما الرأي الخامس: القائل إنَّ الخلافة هي خلافة عن الخليفة السَّابق ، فهو يعني أنَّ كل خليفة يَخْلُفُ مَنْ قَبْلَهُ، واحداً بعد واحد، حتى ينتهي إلى أبي بكر ﵁ فيقال فيه خليفة رسول الله ﷺ وعلى هذا خوطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في أول أمره بخليفة خليفة رسول الله (٢). وأما الرأي السادس: فهو في الخلافة العامة لكل البشر ، ولا علاقة له بالخلافة كموضوع سياسي، ولكن سأذكره استكمالاً للبحث، وهو يقول إن الخلافة تعني تعاقب الأمم من حيث الزمن لا أكثر، قال : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ مريم/٥٩، ولا يعني أن الخَلَفَ يُنفِّذُ رأي السلف إذ الواقع يكذب هذا، فكم خالف الخَلَفُ سيرةَ السلف، وفائدة هذه الخلافة هي التعاقب على الانتفاع بخيرات الأرض وشكر الله بالتوحيد والطاعة، وهو رأي الحسن البصري (٣)، أو هو خلافة كل البشر - آدم وبنيه- لمن سبقهم في سكنى الأرض من الملائكة والجن، وهو رأيُ ابن عبَّاس والحسن البصريّ وأبي العاليَّة ومقاتل (٤).

стр. 75

الباب الثاني تعدد الخلفاء من المنظور الفقهي ويتضمن ثلاثة فصول: الفصل الأول: التمهيد: وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: معنى الخلافة الكاملة، والخلافة الناقصة. - المبحث الثاني: دلالة حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين». - المبحث الثالث: الأحداث التي استند إليها الفقهاء في مسألة التعدد. الفصل الثاني: الشروط والواجبات ونظرية الضرورة وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: الشروط الواجب توفرها في الخليفة. - المبحث الثاني: واجبات الخليفة أو الأحكام المنوطة به، ومن يقوم بتنفيذها عند تعدد الخلفاء أو عند فقد الخليفة. - المبحث الثالث: نظرية الضرورة. الفصل الثالث: حكم تعدد الخلفاء: وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: من لم يجوز تعدد الخلفاء: أولاً: حكم تعدد الخلفاء بالنظر إلى المكان. ثانياً: حكم تعدد الخلفاء بالنظر إلى الزمان. - المبحث الثاني: من أجاز تعدد الخلفاء مطلقاً. - المبحث الثالث: الأدلة.

стр. 76

الفصل الأول: التمهيد ويتضمن ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: معنى الخلافة الكاملة والخلافة الناقصة. - المبحث الثاني: دلالة حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين». - المبحث الثالث: الأحداث التي استند إليها الفقهاء في مسألة التعدد.

стр. 77

المبحث الأول: معنى الخلافة الكاملة والخلافة الناقصة إنَّ قولَ رسول الله ﷺ : «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» (١)، وقولَه ﷺ : ... «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» (٢) مع قوله لمعاوية (٣) ﵁: «إن ملكت فأحسن» (٤) هو الذي وضع الحد الفاصل بين الخلافة الكاملة والخلافة الناقصة.

стр. 78

وأما معرفة المعيار الذي على أساسه فصل الرسول ﷺ بينهما فيحتاج للاجتهاد، ولعل هذا المعيار يشمل طريقة تولي الخليفة للحكم، فكل الخلفاء الراشدين تولوا الحكم بالشورى، فكانت خلافتهم خلافة نبوة، بينما تولاها معاوية ﵁ بالقوة، فخرجت خلافته عن الخلافة الكاملة إلى الخلافة الناقصة أو الملك، كما يشمل هذا المعيارُ الحكمَ بالعدل، فعمرُ بن عبد العزيز - وإن كان من بني أمية الذين توارثوا الحكم، ولم يأخذوه بالشورى والانتخاب - فإنه اعتُبر من الخلفاء الراشدين، لأنه سار على طريقتهم في الحكم بالعدل، فالمعيار ذو شقين: الأول: تولي الحكم بالشورى والانتخاب أو الاستخلاف، والثاني: الحكم بالعدل. فإذا فقد أحدهما خرجت الخلافة عن خلافة النبوة (١). ولا يشترط أن تتم سيطرة الخليفة على كامل أراضي المسلمين، حتى يعتبر خليفةً على منهاج النبوة، إذا سعى إلى ذلك ولم يتمكن منه، لأنَّ سيدنا علياً ﵁ لم يستطع فرض نفوذه على بلاد الشام وهو لا شك من الخلفاء الراشدين. إذاً هناك خلافتان؛ خلافةٌ كاملة أو خلافة نبوة، وخلافةٌ ناقصة أو مُلك، والخلافة الكاملة انتهت بمرور ثلاثين سنة، والخلافة الناقصة جاءت بعد ذلك وإن

стр. 79

تخللها فترات يصح أن تضاف إلى خلافة النبوة كخلافة عمر بن عبد العزيز (١). وبيَّنَ ابنُ حبان أن الاضطرارَ سببُ إطلاق اسم الخليفة على من كان إلى سيرة الملوك أقرب (٢)، وفسَّر الحديثَ بأنَّ الخلافة بعد الرسول ﷺ من غير زيادة ولا نقصان تكون ثلاثين سنة، بخلاف ما بعدها فإنَّ أكثر أحكامها أحكام الملوك، ولهذا كره جماعة من أئمة السلف - منهم الإمام أحمد بن حنبل - إطلاقَ اسم الخليفة على مَن بعد الحسن بن علي ﵄ فيما حكاه النحاس وغيره محتجين بهذا الحديث (٣). ولكن يدل على بقاء الخلافة مع ذلك أمران: الأول: إجماع الأمة في كل عصر على وجوب اتباع إمام ذلك العصر وعلى كونه إماماً وخليفة متبعاً (٤). الثاني: أنه ﷺ قال: (ثمَّ تصير مُلكاً) والضمير في قوله: تصير مُلكاً، إنَّما هو عائد إلى الخلافة إذ لا مذكور يمكن عود الضمير إليه غير الخلافة، وتقدير الكلام: ثم تصير الخلافة مُلكاً، والحكم على الشيء يستدعي وجود ذلك الشيء (٥). ويؤكد ذلك قولُه ﷺ : «وستكون خلفاء فيكثرون» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فُوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم» (٦). ويؤيد جواز إطلاق لفظ الخليفة على كل من تولى منصب الخلافة ما قاله النبي ﷺ لعمه العباس: «ألا أبشرك يا عم؟ بي ختمت النبوة، وبولدك تختم

стр. 80

الخلافة» (١). ولكن ورد هذا الحديث عند الأصبهاني بلفظ آخر يصفهم بأنهم ملوك؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون من ولد العباس ملوك يَلُونَ أمر أمتي يعز الله بهم الدين» (٢) فيكون الحديث الأول يبين جواز إطلاق اسم الخلافة عليهم، والثاني يشير إلى أن أكثرهم يسير بسيرة الملوك. وفي جواز الانتقال من خلافة النبوة إلى الملك يفصل ابن تيمية فيقول: «إن قول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور. فكل بدعة ضلالة»، بعد قوله: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً» فيه أمر بلزوم سنة الخلفاء الراشدين وأمر بالاستمساك بها، وتحذير من المحدثات المخالفة لها، وهذا الأمر منه والنهي دليل بَيّنٌ في الوجوب، وأيضاً ففي استياء النبي ﷺ من الملك بعد خلافة النبوة دليلٌ على أنه متضمنٌ تركَ بعضَ الدينِ الواجبِ لهذا فلا يجوز في الأصل خلط الإمارة والقضاء بالملك بل الواجب خلافة النبوة. ثم النصوص الموجبة لنصب الأئمة والأمراء وما في الأعمال الصالحة التي يتولونها من الثواب حمد لذلك وترغيب فيه، فيجب تخليص محمود ذلك من مذمومه. وقد يحتج من يُجُّوز المُلك بالنصوص التي منها قوله ﷺ لمعاوية: «إن ملكت فأحسن» (٣) ونحو ذلك، وفيه نظر. ويَحتج أيضاً بأنَّ عمر أقرَّ معاويةَ لما قَدِم الشام

стр. 81

على ما رآه من أبهة الملك، لما ذكر له المصلحة فيه، فإن عمر قال له: لا آمرك ولا أنهاك. ويقال في هذا: أن عمر لم ينهه، لا أنَّه أَذِنَ له في ذلك، لأنَّ معاوية ذكر وجه الحاجة إلى ذلك. ولم يثق عمر بالحاجة، فصار الأمر محل اجتهاد في الجملة. فهذان القولان متوسطان: أن يقال: خلافة النبوة واجبة، وإنما يجوز الخروج عنها بقدر الحاجة، أو أن يقال: يجوز قبولها من المُلك بما ييسر فعل المقصود بالولاية ولا يعسره، إذ ما يبعد المقصود بدونه لابد من إجازته» (١). وهذا يقتضي أن شَوْب (٢) الخلافة بالملك جائز، وإن كانت الخلافة المحضة أفضل. وكل من انتصر لمعاوية وجعله مجتهداً في أموره ولم ينسبه إلى معصية فعليه أن يقول بأحد القولين: إما جواز شوبها بالملك. أو عدم اللوم على ذلك. ولهذا جاء تكييف خلافة معاوية بعد وفاة علي ﵁ مختلفاً عند العلماء تبعاً لموقفهم منها؛ قال الكمال ابن أبي شريف: «اختلف مشايخنا في إمامة معاوية بعد وفاة علي ﵄ فقيل: صار إماماً انعقدت له البيعة، وقيل: لا لم يَصِرْ إماماً لقوله ﷺ : «الخلافة بعدي ثلاثون ثم تصير ملكاً عضوضاً» (٣) وقد انقضت الثلاثون بوفاة الإمام علي ﵁ تقريباً، وتمت بمدة خلافة الحسن بن علي ﵄، وينبغي أن يحمل قول من قال بإمامته على ما بعد تسليم الحسن له، أما قبل وفاة الإمام علي ﵁ فلم يكن معاوية إماماً شرعياً، بلا خلاف، حتى بعد أن بايعه أهل الشام بالخلافة بعد حادثة التحكيم» (٤). وكذلك الأمر قبل أن يسلم الحسنُ بن علي الخلافةَ إلى معاوية؛ لأن تولي الخلافة بالقوة وإن كان طريقاً شرعياً للخلافة - كما استقر عليه رأي أهل السنة والجماعة - ولكنه لا تتم شرعية المتغلب حتى يقبل به كل الناس ويخضعوا له، أي حتى تتكامل صورة التغلب فيه إلى أقصى غاية، وهذا ليس شرطاً فيمن تولى

стр. 82

الخلافة بالشورى والبيعة، كما هو الحال في خلافة سيدنا علي ﵁ حيث كان خليفة شرعياً رغم عدم مبايعة أهل الشام وخضوعهم له (١). وبعد تنازل الحسن بن علي ﵁ عن الخلافة لمعاوية، فقد أصبح معاوية هو الإمام، وسمي ذلك العام بعام الجماعة لاجتماع كلمة المسلمين على معاوية ﵁ (٢).

стр. 83

المبحث الثاني: دلالة حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» (١) هذا الحديث له دلالة عميقة جداً، وخاصَّة لمن عرف الأحداث التي جرت في زمن الخلفاء الراشدين الأربعة، فإذا كان رسول الله ﷺ قد أمر باتباعهم فالأمر جِدُ عميق. والمقصود - بداية - بالخلفاء الراشدين كما ذكر العلماء هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن بن علي ﵃ لأنه ﷺ قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» وقد انتهت بخلافة الحسن بن علي ﵁ (٢). حتى أنَّ الإمام أحمد (٣) اعتمد على هذا الحديث وغيره في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة ﵃، واستدل به على من توقف في خلافة علي ﵁ من أجل افتراق الناس عليه، فقال: «من لم يُربِّع بعلي ﵁ في الخلافة فهو أضلُّ من حمار أهله». ونهى عن مناكحته، وهذا متفق عليه بين الفقهاء وعلماء السُّنَّة وأهل المعرفة والتصوف وهو مذهب العامة، وإنَّما يخالفهم في ذلك بعض أهل الأهواء من أهل الكلام ونحوهم: كالرافضة (٤) الطاعنين في خلافة الثلاثة أو الخوارج الطاعنين في خلافة الصهرين: عثمان وعلي ﵄ أو بعض الناصبة النافين لخلافة علي ﵁ أو بعض الجهال من المتسننة الواقفين في خلافة علي ﵁، وأما معاوية ﵁ فهو أول الملوك (٥). وسأنقل تفسير العلماء لهذا الحديث ثم أناقشهم:

стр. 84

أما ابن حزم فقد حصر معنى الحديث بحال اتفاقهم كلهم بلا خلاف لا أن نقلِّد واحداً منهم وقال: لأنَّ الخلفاء قد خالفهم مَن كان في عصرهم فما منهم أحد قال لمن خالفه: لم خالفتني وأنا إمام؟! (١). اهـ أي يقصد أنهم ما كانوا ينكرون على من خالف واحداً منهم. وقوله هذا لا يصح من وجوه منها: أولاً: لأنه لا يمكن اجتماعهم معاً إلا في زمن أبي بكر، أما بعد وفاته فيكون ما اجتمعوا عليه رأيَّ بعض الخلفاء الراشدين لا رأيهم جميعاً، واجتماعهم في زمن أبي بكر لا يقال له اجتماع الخلفاء، لأنهم لم يكونوا كلهم خلفاء عندها، فتعيَّن أن المراد بسنة الخلفاء سنةُ كل واحدٍ منهم على انفراد، وبما أنهم اختلفوا في الاجتهاد فيما بينهم حتى حصل هذا أحياناً في المسألة الواحدة، كاختلافهم في بيع أمهات الأولاد، واختلافهم في حد شرب الخمر، فيبقى أن المراد من الحديث إما جواز اتِّباع كلِ واحد منهم على حدة، لأنَّ اتباعهم جميعاً فيما اختلفوا فيه متعذر لا يقدر عليه أحد، أو المراد اتباعهم جميعاً في الشيء المشترك فيما بينهم وهو هنا: الاجتهاد، فكلٌ منهم قد اجتهد بما يناسب عصره. وثانياً: ليس كلام ابن حزم على إطلاقه، فقد خالف عليٌ ﵁ عثمانَ ﵁ في التمتع في الحج عندما نهى عن ذلك، فأنكر عليه عثمان ﵁ وسأله: لِمَ تخالفني؟ (٢). ويؤكد ابنُ تيمية مخالفةَ بعض الصحابة لبعض الخلفاء الراشدين فيقول: ... «الصحابة في زمن أبي بكر ﵁ لم يكونوا يتنازعون في مسألة إلا فصلها بينهم أبو بكر ﵁ وارتفع النزاع، كتنازعهم في وفاته ﷺ ومدفنه، وفي ميراثه، وفي تجهيز جيش أسامة، وقتال مانعي الزكاة، وغير ذلك من المسائل الكبار، وأما بعده فلم يبلغ علمُ أحد وكمالُه علمَ أبي بكر وكمالَه. فصاروا يتنازعون في بعض المسائل، كما تنازعوا في الجد والإخوة، وفي الحرام، وفي الطلاق الثلاث وفي غير ذلك،

стр. 85

وكانوا يخالفون عمر وعثمان وعلياً ﵃ في كثير من أقوالهم» (١). وفسَّر الأحوذي الحديث بقوله (٢): الإضافة إليهم إما لعملهم بسنَّته، أو لاستنباطهم منها قاله القاري. ثم استشهد بقول الشوكاني فقال: وقال الشوكاني في الفتح الرباني: كانت طريقتهم هي نفس طريقته ﷺ فإنَّهم أشد الناس حرصاً عليها وعملاً بها في كل شيء، فإذا أَعوزهم الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ عملوا بما يظهر لهم من الرأي بعد البحث والتشاور والتدبر وهذا الرأي عند عدم الدليل هو أيضاً من سُنَّته لِما دلَّ عليه حديث معاذ لمَّا قال له رسول الله ﷺ : «كيف تقضي؟» فقال: أقضي بما في كتاب الله. قال: «فإن لم يكن في كتاب الله؟» قال: فبسنة رسول الله ﷺ . قال: «فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ ؟» قال: أجتهد رأيي. قال: «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله ﷺ » (٣). ويوضح الأحوذي رأيه أكثر عندما ينقل قولاً لبعض الحنفية عن الأذان الثالث - الذي هو الأول وجوداً - يوم الجمعة بأنَّه صار مسنوناً باجتهاد عثمان ﵁ وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الإنكار مستدلين بقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (٤)، ثم يُعقِّب - أي الأحوذي - فيقول:

стр. 86

ليس المراد بسنَّة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته ﷺ ، لأنَّه من المعلوم من قواعد الشريعة أنَّه ليس لخليفة راشد أن يشرِّع. ونقل الأحوذي هذا الرأي أيضاً عن سبل السلام لتأكيد رأيه (١). وهذا القول من الأحوذي والصنعاني غير سديد، فكأنهما بهذا التفسير لا يقولان بوجود سنَّة مستقلة للخلفاء الراشدين، وهذا لا يصح فالعطف يقتضي المغايرة كما هو معلوم، فسنَّة الخلفاء تختلف عن سنَّة النبي ﷺ وإلا لما كان للحديث معنى، فما سنَّهُ الخلفاءُ أو أحدُهم، ولم يكن على عهد النبي ﷺ لا يشمله كلامهم، لأنَّه ليس فيه سنَّة عن رسول الله ﷺ ، ولا يسمى فعل الصحابي عندها تشريعاً بالمعنى المطلق، بل هو اجتهاد في تطبيق الشرع، ويؤيد هذا الفهمَ حديثُ علي ﵁ الذي ذكر فيه أنه جلد في حد الخمر أربعين وقال للجلاد: «أمسك. ثم قال: جلد النَّبي ﷺ أربعين، وأبو بكر ﵁ أربعين، وعمر ﵁ ثمانين، وكلٌ سنَّة وهذا أحب إلي» (٢). فقد صرَّح علي ﵁ أنَّ هذا الفعل من عمر ﵁ يسمى سنَّة، وليس كما قال الصنعاني في سبل السلام أنَّ وصف عمر لفعله في تجميع الصحابة على التراويح بأنَّه بدعة، إقرارٌ منه أنَّها ليست سنَّة، بل المراد أنَّها طريقة لم تكن على عهد الرسول ﷺ ولا تعني أنَّها غير شرعية، ويؤكد هذا النووي بقوله: إن فعل الصحابي سنَّة يعمل بها، وهو موافق لقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (٣). اهـ فأما عملهم بسنَّة النبي ﷺ فلا ينسب لهم وإنَّما إلى النَّبي ﷺ ، وأمَّا اجتهادهم عند عدم الدليل فهو الذي يقال فيه سنَّة الخلفاء الراشدين، وسبقت الإشارة إلى أنَّ اجتهاداتهم اختلفت فيما بينها، فإمَّا أن نتخير من اجتهاداتهم ما يناسب عصرنا فنتبع سنَّة أبي بكر أو سنَّة عمر أو سنَّة عثمان أو سنَّة علي ﵃، ولا نخرج بذلك عن دلالة حديث الرسول ﷺ ، وتكون فائدة الحديث عندها دفع ما قد يتردد في بعض ..................................................................................

стр. 87

النفوس من الشك ويختلج فيها من الظنون من شرعية فعلهم (١)، أو نتبع سنَّة الخلفاء الراشدين جميعاً في اجتهادهم حسب ظروفهم ولو أدى ذلك إلى رأي جديد لم يقولوا به، مع مراعاة الضوابط المعروفة للاجتهاد، وهذا الذي يعطينا مرونة كبيرة في هذا العصر المتقلب والمتغير، وهذا الذي أراه وخاصة في المسائل السياسية، ويؤيد هذا الفهم أن الرسول ﷺ أمرنا بالاقتداء بهم بوصفهم خلفاء، وكأنه يلمح إلى القضايا السياسية، وإلا لكان قال: عليكم بسنتي وسنة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ والله أعلم.

стр. 88

المبحث الثالث: الأحداث التي اعتمد عليها الفقهاء في مسألة التعدد: إنَّ النصوص الشرعية التي دلَّت على وجوب وحدة الأمة، وحذَّرت من تفرِّقها، ثمَّ فَهْمُ الصحابةِ ﵃ لهذه النصوص، وتطبيقُهم لها عندما حصلت الفتنة بين سيدنا علي ﵁ ومعاوية ﵁، هما الأساس الذي اعتمد عليه الفقهاء في حديثهم عن جواز تعدد الخلفاء أو حرمته، فجاءت الأحكام في المذاهب الفقهية تبعاً لفهم الفقهاء لاجتهاد الصحابة في تلك الفتن (١)، لذا رأيت أنَّ من الخير أن أسلط الضوء على بعض النقاط في تلك الفتن، لنشاركهم - قدر الإمكان - فهمَهم لتلك الأحداث، وإن كان كثير من العلماء والمحدِّثين قد أسدل الستار على ما شجر بينهم احتراماً لهم، فلم يذكر تفاصيل الفتنة، وهو لا شك طريق سليم لدين المرء استجابة لتحذير الرسول ﷺ للمسلمين من أن يتخذوا أصحابه من بعده غرضاً، ولكن هذا قُبِلَ منهم بعد أن بَيَّنَ غيرُهم ما حدث، ثمَّ إنَّ الحديث ينهى عن اتخاذ الصحابة غرضاً إذا كان الهدف هو السبَّ والشتم والتجريح (٢) أمَّا إذا جعلناهم غرضاً لإيضاح ما جرى بينهم لنتمكن من فهم ديننا فلا بأس به، بل هو مأمور به للحديث السابق، لأننا عندئذ نحاول أن نفهمهم لنقتدي بهم كما أمرنا رسول الله ﷺ والله أعلم. لهذا فسأكشف - بحول الله اللثام عما جرى في الفتنة بالقدر الذي يساعدنا على فهم تلك المرحلة الهامة من تاريخ المسلمين، وهذا الفهم سيهدينا إلى الإقتداء بهم في وقتنا هذا للوصول إلى تطبيق شرع الله تعالى على بينة، فاللهَ أسأل أن يسدد خطاي ويجنبني الزلل إنَّه أكرم مسؤول.

стр. 89

والذي يَعْنيني في هذا المبحث ما حصل بين علي ﵁ ومعاوية ﵁، ثم ما حصل بعد ذلك بين الحسن بن علي ﵁ وبين معاوية ﵁ كامتداد للخلاف السابق، مِمَا له صلة ببحث تعدد الخلفاء، ولَمَّا كان هذا الخلاف قد حصل في فترة الخلفاء الراشدين - الذين أمر رسول الله ﷺ بالاقتداء بهم بقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» (١) - فإن له أهمية فقهية وليس مجرد حدث تاريخي، فَفِعْلُ الخلفاء الراشدين صارت له صفة شرعية بسبب هذا الحديث، وهذا كان فهم الشافعي (٢) عندما قال: «أُخِذَتْ السيرة في قتال المشركين من النبي ﷺ وفي قتال المرتدين من أبي بكر ﵁ وفي قتال البغاة من علي ﵁» (٣). ولَمَّا كان ما حدث من فتنة بين سيدنا علي ﵁ ومعاوية ﵁، له جذور وامتداد إلى ما حصل في خلافة سيدنا عثمان ﵁ حتى قال بعض العلماء: لا شك أنَّ الدماء المهراقة عقب قتل عثمان ﵁ والملاحم بين علي ﵁ ومعاوية ﵁ كانت عقوبة من الله على قتل عثمان ﵁ (٤)، فقد انفتح باب الشر من يومئذ؛ لذا كان لا بد من تناول هذه الفترة أيضاً بالبحث، بالقدر الذي يساعدنا على فهم الأحداث التي حصلت بعد ذلك، والتي جاءت على الشكل التالي: أولاً: ما قبل خلافة سيدنا علي ﵁ -: إن تقارب المكانة بين علي ﵁ وبين عثمان ﵁، ثم الطريقة التي وضعها سيدنا عمر ﵁ لاختيار خليفة من بين أهل الشورى الستة، حرك تنافساً بين سيدنا عثمان ﵁ وبين سيدنا علي ﵁، الأمر الذي انعكست آثاره على طبيعة العلاقة بينهما، وعلى الخلاف بين معاوية ﵁ وبين علي ﵁ فيما بعد، وبيانه:

стр. 90

١ - طريقة انتخاب عثمان ﵁ للخلافة: ذكر الطبري في تاريخه (١) «أن عمر بن الخطاب ﵁ لما طُعن قيل له: يا أمير المؤمنين لو استخلفتَ، فقال: ما أريد أن أتحملَّها حيَّاً وميتاً، عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله ﷺ إنهم من أهل الجنة؛ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم، ولست مدخلَه، ولكن الستة علي وعثمان ابنا عبد مناف، وعبد الرحمن وسعد خالا رسول الله ﷺ ، والزبير بن العوام حواري رسول الله وابن عمته، وطلحة الخير بن عبيد الله، فليختاروا منهم رجلاً (٢) فإذا متُّ فتشاوروا ثلاثة أيام ولْيُصَلِّ بالناس صهيب (٣) ولا يأتينَّ اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيراً ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر فإن قَدِم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه، فاقضوا أمركم، وما أظن أن يلي إلا أحد هذين الرجلين علي أو عثمان، وقال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة إن الله طالما أعزَّ الإسلام بكم، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار، فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم، وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي، فاجمع هؤلاء الرهط في بيت، حتى يختاروا رجلاً منهم، وقال لصهيب: صلِّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل علياً وعثمان والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف

стр. 91

وطلحة - إن قَدِمَ - وأحضر عبد الله بن عمر ولا شيء له من الأمر، وقُم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة، ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه، أو اضرب رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثةٌ رجلاً منهم، وثلاثةٌ رجلاً منهم فحكِّموا عبد الله بن عمر فأيَّ الفريقين حكم له، فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين، إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس. فلما دفن عمر ﵁ جمع المقدادُ أهلَ الشورى، وهم خمسة معهم ابن عمر، وطلحة غائب، وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم، فقال عبد الرحمن: «أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟» فلم يجبه أحد (١) فقال: «فأنا أنخلع منها» (٢) فقال عثمان ﵁: أنا أول من رضي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أمين في الأرض أمين في السماء» (٣)، فقال القوم: قد رضينا - وعلي ﵁ ساكت - فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقاً لَتُؤثِرنَّ الحقَ ولا تتبع الهوى ولا تخص ذا رحم ولا تألو الأمة (٤). فقال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدَّل وغيَّر، وأن ترضوا من اخترت لكم، عليَّ ميثاقُ الله ألا أخص ذا رحم لرَحِمِه ولا آلو المسلمين. فأخذ منهم ميثاقاً وأعطاهم مثله. فقال لعلي ﵁: إنك تقول إني أحق من حضر بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في

стр. 92

الدين , ولم تبعد، ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر من كنتَ ترى من هؤلاء الرهط أحق بالأمر؟ قال: عثمان. وخلا بعثمان فقال: تقول شيخ من بني عبد مناف وصهر رسول الله وابن عمه لي سابقة وفضل، ولم تبعد، فلن يصرف هذا الأمر عني، ولكن لو لم تحضر فأيَّ هؤلاء الرهط تراه أحق به؟ قال: علي. ثم خلا بالزبير فكلمه بمثل ما كلم به علياً وعثمان فقال: عثمان. ثم خلا بسعد فكلمه فقال: عثمان. ودارَ عبدُ الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله ﷺ ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم ولا يخلو برجل إلا أمره بعثمان، حتى إذا كانت الليلة التي يُستكمَلُ في صبيحتها الأجل، أتى منزل المسور بن مخرمة بعد ابهيرار من الليل فأيقظه فقال: ألا أراك نائماً ولم أذق في هذه الليلة كثيرَ غمض، انطلقْ فادع الزبير وسعداً فدعاهما فبدأ بالزبير في مؤخر المسجد في الصفة التي تلي دار مروان، فقال له: خلِّ ابني عبد مناف وهذا الأمر، فقال: نصيبي لعلي (١). وقال لسعد: أنا وأنت كلالة (٢) فاجعل نصيبك لي فأختار، قال: إن اخترتَ نفسك فنعم (٣)، وإن اخترتَ عثمان فعليٌّ أحب إلي (٤)، وانصرف الزبير وسعد، وأرسل المسورَ بن مخرمة إلى علي ﵁ فناجاه طويلاً وهو لا يشك أنه صاحب الأمر ثم نهض، وأرسل المسورَ إلى عثمان فكانا في نجيِّهما حتى فرَّق بينهما أذان الصبح، فلما صلوا الصبح جمع الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار، وإلى أمراء الأجناد فاجتمعوا حتى التجَّ المسجد بأهله، فقال: أيها الناس إنَّ الناس قد أحبوا أن يلحق أهل الأمصار بأمصارهم وقد علموا مَن أميرُهم، فتكلم بنو هاشم يريدون علياً، وتكلم بنو أمية

стр. 93

يريدون عثمان، فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن افرغ قبل أن يفتتن الناس. فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت فلا تجعلُن أيها الرهط على أنفسكم سبيلاً، ودعا علياً فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملَنَّ بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي. فأرسل يده ثم دعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي فقال: نعم. فبايعه. وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان فقيل له: بايعْ عثمان. فقال: أَكُلُّ قريش راض به؟ قيل: نعم. فأتى عثمان فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك إن أبيتَ رددتُها. قال: أتردُّها؟ قال: نعم. قال: أَكُلُّ الناس بايعوك؟ قال: نعم. قال: قد رضيت لا أغرب عما قد أجمعوا عليه وبايعه». اهـ هذه الآلية التي وضعها عمر ﵁ جنَّبت الأمة الفرقة والاختلاف في اختيارهم خليفة لهم، ولكنها حرَّكت - بشكل غير مباشر - تنافساً قديماً بين بني أمية وبني هاشم (١)، انعكس تنافساً على تولي الخلافة بين عثمان ﵁ وعلي ﵁، مما ألقى بظلاله على خلافة عثمان ﵁، وعلى الأحداث التي حصلت بعد مقتله ﵁، ولئن كان طموح سيدنا علي ﵁ إلى الخلافة قد ظهر بعد وفاة النبي ﷺ مباشرة، فإن مكانة أبي بكر وعمر العالية في الإسلام حسمت الأمر بسرعة، بينما تقارب مكانة عثمان وعلي ﵃ أظهر هذا الطموح ثانية.

стр. 94

٢ - الأحداث في خلافة سيدنا عثمان ﵁ -: لقد وُجهت لعثمان ﵁ في خلافته انتقاداتٌ عديدة (١)، كان أغلُبها مما يخضع للاجتهاد مما يملكه الإمام، وبقيَّتُها كان افتراءً عليه، والهدف من ذكر هذه الانتقادات أمران: الأمر الأول: بيانُ أن قتل عثمان ﵁ كان ظلماً جرَّأَهم عليه حلمُه وحياؤُه الذي عُرف به، فكثيرٌ مما انتُقد عليه قد فعله عمرُ ﵁ قبله ولم يعترض عليه أحد، فقد منع عمرُ بن الخطاب ﵁ العمرةَ في الحج من قبله فلم ينقل عن علي ﵁ أنه اعترض عليه، وحمى عمرُ ﵁ الحمى ووسَّعه عثمان ﵁، فلم يعترض أحدٌ على عمر ﵁، بينما اعترضوا على عثمان ﵁ (٢). والأمر الثاني: بيان أن سيدنا علياً ﵁ لم يكن السبب فيما حدث، وأن المنتقدين لعثمان ﵁ عندما كانوا يلجؤون إلى علي ﵁ (٣) فيسمع منهم ثم ينصح عثمان ﵁ فيما يرى أنه الحق، إنما كان يقوم بواجبه الذي أمره به الإسلام من نصيحة ولاة الأمر، وهذا كان شأن بقية الصحابة ممن جاهر بنصح سيدنا عثمان كالسيدة عائشة (٤) ...............................................................................................................

стр. 95

وطلحة بن عبيد الله (١) والزبير بن العوام ﵃ ولكن فَهِمَ عامةُ الناس هذا كمعارضةٍ لعثمان ﵁، استثمرها رأسَ المنافقين عبد الله بن سبأ (٢) مما أوصل الأمور إلى النهاية التي وصلت إليها، والتي لم يكن يريدها أحد من الصحابة. هذه الأحداث شكَّلت قاعدة لمعاوية للمطالبة بالقصاص من قتلة عثمان، وكانت هذه المطالبة المدخلَ لأولِ تعددٍ للخلفاء في تاريخ الإسلام. وسأذكر من الانتقادات التي وجهت لعثمان ﵁ اثنين: الانتقاد الأول: كان أول ما واجه عثمان ﵁ بعد مبايعته (٣) ما فعله عبيد الله ابن عمر من قتله الهرمزان وجفينة وابنة أبي لؤلؤة، بعد أن حامت الشبهات حولهم في أنهم تآمروا على قتل أبيه، ذلك أن عبد الرحمن بن أبي بكر قال غداة طُعن عمر: مررتُ على أبي لؤلؤة عشي أمس ومعه جفينة والهرمزان وهم نجيٌّ (٤) فلما رهقتُهم (٥) ثاروا وسقط منهم خنجر، له رأسان نصابه في وسطه فانظروا بأي شيء قُتل. وكان قد تخللَ أهلَ المسجد وخرج في طلب أبي لؤلؤة رجلٌ من بني تميم،

стр. 96

فرجع إليهم التميمي (١) وقد كان ألظَّ (٢) بأبي لؤلؤة مُنصرَفَه عن عمر ﵁ حتى أخذه فقتله، وجاء بالخنجر الذي وصفه عبد الرحمن بن أبي بكر، فسمع بذلك عبيد الله بن عمر فأمسك حتى مات عمر، ثم اشتمل على السيف فأتى الهرمزان فقتله فلما عضَّه السيف قال: لا إله إلا الله. ثم مضى عبيد الله حتى أتى جفينة وكان نصرانياً من أهل الحيرة ظئراً لسعد بن مالك أقدمه إلى المدينة للصلح الذي بينه وبينهم وليُعلِّم بالمدينة الكتابة، فلما علاه بالسيف صلَّب بين عينيه. وبلغ ذلك صهيباً فبعث إليه عمرَو بن العاص (٣) فلم يزل به ويقول: السيفَ بأبي وأمي حتى ناوله إياه، وثاوره سعد فأخذ بشعره وأضجعه على الأرض، وأتى به صهيباً فحبسه على الشورى حتى دفعه إلى عثمان يوم استخلف فأقاده (٤). إنَّ قولَ الهرمزان (لا إله إلا الله) عند موته أثار الفتنة، وخاصَّة أنَّ الصحابة كانوا قد فهموا من رسول الله ﷺ أنَّ الإنسان لا يملك لسانه عند الموت بل الله هو الذي يُسهِّل له النطق بما عاش عليه حتى يكون ذلك حجة له يوم القيامة، وتصديقاً لهذا فقد صَلًّب جفينة ولم يقل كلمة التوحيد كالهرمزان لأنه كان نصرانياً، ثمَّ إنَّ الهرمزان كان قد شهد له بحسن إسلامه الكثيرون (٥). وقد عالج عثمان ﵁ هذه القضية بعد مبايعته مباشرة، فجلس في جانب المسجد

стр. 97

ودعا بعبيد الله بن عمر، وكان محبوساً في دار سعد بن أبي وقاص بعد أن نزع السيف من يده بعد قتله جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة، فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: «أشيروا عليَّ في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق». فقال ناس ومنهم علي ﵁: «أرى أن تقتله». وقال بعض المهاجرين: «قُتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم!» فقال عمرو بن العاص: «يا أمير المؤمنين إنَّ الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنَّما كان هذا الحدث ولا سلطان لك». قال عثمان: «أنا وليهم وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي» (١). وكان رجل من الأنصار اسمه زياد بن لبيد البياضي (٢) إذا رأى عبيد الله بن عمر قال: (طويل) ألا يا عبيد الله مالك مهرب ... ولا ملجأ من ابن أروى (٣) ولا خفر أصبت دماً واللهِ في غير حله ... حراماً وقتل الهرمزان له خطر على غير شيء غير أن قال قا ... ئلٌ أتتهمون الهرمزان على عمر فقال سفيه والحوادث جمة ... نعم اتهمه قد أشار وقد أمر وكان سلاح العبد في جوف بيته ... يقلبها والأمر بالأمر يعتبر قال فشكا عبيد الله بن عمر إلى عثمان زيادَ بن لبيد وشعره فدعا عثمانُ زيادَ بن لبيد فنهاه، فأنشأ زياد يقول في عثمان: (وافر) أبا عمرو (٤) عبيد الله رهن ... فلا تشكك بقتل الهرمزان فإنك إن غفرت الجرم عنه ... وأسباب الخطا فرسا رهان أتعفو إن عفوت بغير حق ... فما لك بالذي تحكي يدان

стр. 98

فدعا عثمان ﵁ زياد بن لبيد فنهاه وشذبه، فجعل الناس هذه الحادثة من ضمن ما لاموا عثمان ﵁ عليه. وإنَّما لم يقتص عثمان ﵁ من عبيد الله بالهرمزان للشبهة؛ فقد تأول عبيدُ الله واعتقد حل قتله لشبهة اشتراكه بقتل أبيه، والرسول ﷺ قال: «ادرؤوا الحدود ما استطعتم» (١) وهذا أمر يخضع للاجتهاد ولا يلام عليه. على أن الطبري روى أن عثمان ﵁ قد أمر بالقصاص من عبيد الله وأنه سلَّمه لابن الهرمزان ليقتص منه ولكنه عفا عنه (٢). الانتقاد الثاني: ومما أنكره الناس على عثمان أنه كان يحابي أقرباءه من بني أمية ويولِّيهم المناصب، وإنما كان يفعل ذلك من باب صلة الرحم اجتهاداً منه ﵁ (٣) والأمثلة على ذلك كثيرة: ١ - فمن ذلك توليته للوليد بن عقبة بن أبي معيط - وهو صحابي، وأخوه لأمه (٤) - الكوفةَ بدل سعد بن أبي وقاص ﵁ وهو أحد أهل الشورى ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، وقد كان عثمان ﵁ ولى سعداً الكوفة تنفيذاً لوصية عمر ﵁، أن يستعين به الخليفة الذي سينُتخب بعده عندما قال: «فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة» (٥)، فلما اشتكى أهل الكوفة سعدَ بن أبي وقاص إلى عثمان حتى قالوا:

стр. 99

إنه لا يحسن الصلاة. عزله وولى الوليد، وقد ظهر من الوليد فيما بعد ما أنكره الناس عليه من شرب الخمر؛ فقد صلَّى بالناس الصبح أربعاً وقال لهم: أزيدكم؟ - وقد كان سكراناً - (١) فلما تبيَّن ذلك لعثمان عزله بعد تريث حتى ثبتت عنده الواقعة وشهد عليها الشهود، فجلده أربعين جلدة، وولى سعيد بن العاص، هذا التريث لم يفهمه بعض الناس على وجهه وظنُّوا أن عثمان ﵁ يحابي أخاه لأمه (٢). وقد دافع سيدُنا علي ﵁ أثناء خلافته عن عثمان ﵁ في هذه الحادثة؛ فقد ذكر المالقي عن عطية عن أبي العريف ويزيد الفقعسي قالا: كان الناس في الوليد فرقتين، العامَّة معه والخاصَّة عليه (أي ممن حقد عليه لأسباب معروفة)، فما زال عليهم من ذلك خشوع حتى كانت صفين، فولي معاويةُ فجعلوا يقولون عيبَ عثمان بالباطل، (أي استخدموا ذلك كوسيلة للنيل من معاوية ﵁ ومن معه) فقال لهم علي ﵁: «إنكم وما تعيرون به عثمان كالطاعن نفسه ليقتل ردفه وما ذنب عثمان في رجل قد ضربه بقولكم وعزَلَه!» (٣). ٢ - ومن ذلك أنه أعطى مروان بن الحكم خُمس أفريقية، فبعد أن عزل عمرَو بن العاص عن خراج مصر سنة (٢٦) أو (٢٧) واستعمل عليه عبد الله بن سعد بن أبي سرح (٤) - وكان أخا عثمان ﵁ من الرضاعة - فلما ولاه عثمان ﵁

стр. 100

على مصر سار عبد الله إلى أفريقية ففتحها بعد قتال شديد وحمل خُمُسَها (١) إلى المدينة فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار فوضعها عنه عثمان ﵁ (٢).

стр. 101

٣ - ومن ذلك أيضاً أنه وسَّع لمعاوية ﵁ ولايته، فإنَّ عمير بن سعد استعفى عثمان ﵁ واستأذنه في الرجوع إلى أهله، فأذن له وضمَّ حمص وقنسرين إلى معاوية ﵁ (١)، وكان معاوية أهلاً للولاية فقد استعمله عمر بن الخطاب ﵁ قبل عثمان ﵁. وبالمختصر فقد كان عثمان ﵁ يفعل ذلك من باب صلة الرحم (٢) ويقول: لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم (٣). ويقول: «إن عمر كان يمنع أهله وأقرباءه ابتغاء وجه الله، وإني أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه الله» (٤). وهذا اجتهاد منه ﵁ ولم يكن أولَ خليفة يجتهد، ولا يستحق أن يقتل لأجله، ويكفينا استدلالاً على ذلك قولُ رسول الله ﷺ عنه: «يقتل هذا مظلوماً» (٥)، وقوله ﷺ : «كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر؟» قالوا: فنصنع ماذا يا نبي الله؟ قال: «عليكم بهذا وأصحابه» قال فأسرعت حتى عطفت على الرجل فقلت: هذا يا نبي الله؟ قال: «هذا». فإذا هو عثمان (٦).

стр. 102

ثانياً: الأحداث في خلافة سيدنا علي ﵁ -: في هذه الأجواء قتل عثمان ﵁ وفي هذه الأجواء تولَّى علي ﵁ الخلافة؛ السيف مشرع، والدم مهراق، والفتنة ضاربة جذورها في المجتمع المسلم، فهناك أعداد كبيرة من الذين اشتركوا في الفتنة بشكل أو بآخر، وهناك معاوية ﵁ الذي سيتخذ هذه الأحداث أساساً للمطالبة بدم عثمان ﵁، والذي سيتحول إلى عصيان مُسلَّح، باطنه طمعٌ بالخلافة مازال ينمو في نفس معاوية ﵁ منذ سمع رسول الله ﷺ يوصيه بأمته خيراً إذا ملك (١)، والذي بدأ بإظهاره قُبيل صفين والجند مصفوفة ومحاولات الصلح جارية بين الطرفين (٢)، وأعلنه بعد صفين (٣). وسأوجز كيف كانت الأجواء في المدينة في مطلع خلافة سيدنا علي ﵁ لنكون في صورة الحدث، فقد استلم الإمام علي ﵁ في خلافته تركة ثقيلة وتمرداً في كثير من الأمصار، فقد فشل بدايةً في تعيين عامل له في الشام والكوفة، واستلم عماله الحُكْمَ في البصرة واليمن ومصر والأمور لم تكن مستقرة؛ ففي اليمن أخذ يعلى بن أمية الوالي السابق لعثمان ﵁ خزينةَ الدولة وانطلق إلى مكة، وفي مصر دخل قيس بن سعد مصر بالحيلة والناس متفرقون في مواقفهم، وجرت بينه وبين معاوية ﵁ مواقف أدت إلى عزله في النهاية نتيجة حيلة من معاوية ﵁، وأما في البصرة فقبل الناس عثمان بن حنيف وهم يترقبون ردود فعل بقية الأمصار فيما حدث، وأما طلحة والزبير اللذان بايعا مكرهين تحت تهديد الثوار، فطلبا الخروج من المدينة بعد أن علما ما حدث بالأمصار وأظهرا عدم رضاهما، وسمح لهما علي

стр. 103

- ﵁، ولكن مع تحذيرهما من أن يفعلا شيئاً يهدد استقرار الدولة الإسلامية، ويبدو من تحليل الأحداث في بداية خلافة سيدنا علي ﵁ أنه كان بعيداً عن حيل السياسة، لا يقبل إلا الصدع بالحق ولو أدى ذلك إلى ما أدى إليه، وكان في مقابله خصوم دهاة برعوا بالسياسة، كمعاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ﵃ (١)، والفتنة كانت تتطلب شيئاً من السياسة والمداراة حتى تهدأ الأمور وهذا ما أقسم سيدنا علي ﵁ على عدم فعله، فجرى ما جرى مما شاء الله من المقدور (٢). ومما يدل على صعوبة الفتنة وشدتها أن علياً ﵁ لما أراد أن يخرج لقتال أهل الشام، وكان يتجهز لذلك، جاءه خبر طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ﵃ من مكة وعزمهم الإصلاح بين الناس والطلب بدم عثمان ﵁ (٣)، ثم جاءه أنهم يريدون الخروج إلى البصرة، فاعتبر أن الأمر قد أصبح خطيراً، فدعا الناسَ إلى الخروج إليهم، والناس واقعون في حيرة من أمرهم وليسوا متأكدين مما ينبغي فعله، ثم جاءته إشاعة كاذبة - والأجواء كانت مهيأة لذلك وبسهولة - أن عبد الله بن عمر ﵁ خرج إلى الشام، فانتدب عليٌ ﵁ الناسَ للخروج في طلبه وسدِّ الطريق عليه، ثم تبين له أن الأمر لم يكن كذلك وأنه خرج إلى مكة يريد العمرة. مما سبق نستخلص أن سيدنا علياً ﵁ كان واقعاً تحت ضغط شديد، تُحركه الأخبارُ في كل اتجاه، فتارة يدعو إلى قتال أهل الشام ثم يدعو إلى قتال طلحة والزبير وأم المؤمنين ﵃، ثم يدعو إلى ملاحقة ابن عمر ﵁ ومنعه من الخروج إلى الشام، وهذا كلُّه يدل على إرادته حل الأمور دفعة واحدة بقطع النظر عن سياقها وعن صعوبة ما نزل بالمسلمين من قتل عثمان ﵁، ولعل تشتت الأمر عليه بهذه الصورة ألجأه إلى الاستعانة بمن قتل عثمان ﵁ وهم العصبة القريبون منه، وتكرر هذا عندما دعا أهلَ الكوفة لنصرته على طلحة والزبير فخفَّ إليه كل من

стр. 104

اشترك في فتنة عثمان، مما زاد الأمر سوءاً وجعله يظهر وكأنه مشترك بقتله وليس الأمر كذلك (١)، فقد كان محاصَراً في بيته كعثمان ﵁ (٢). هذا الموجز يظهر ما كان عليه الحال في بداية عهد علي ﵁ والذي ما كان أحد يستطيع أن يتدبر أمره فيه حتى ولو كان علياَ ﵁، فقد عكست هذه البداية آثارَها على حرب علي ﵁ لمعاوية ﵁، فقد جاءت هذه الحرب وقد كلَّت النفوس وضعفت الهمم من الفتن المتلاحقة والاستنفار المتتابع. ويبقى الحدث الأهم في خلافة سيدنا علي ﵁ فيما يتعلق بالبحث - هو الخلاف الذي حصل بينه وبين معاوية ﵁ والذي أدى من الناحية العملية إلى تعدد الخلفاء بعد حادثة التحكيم، وخلعِ سيدِِنا أبي موسى الأشعري لسيدنا علي وتثبيت عمرو بن العاص لمعاوية، حيث بدأ سيدنا معاوية بعدها بإعلان نفسه خليفة في الشام (٣). لقد بدأ الخلاف بين علي ﵁ ومعاوية ﵁ منذ اللحظة الأولى لخلافة سيدنا علي ﵁ فقد طالب معاويةُ ﵁ وعددٌ من الصحابة (٤) بالقصاص من قتلة عثمان ﵁، وشَرَطَ معاويةُ ﵁ الأخذَ بالقصاص قبل أن يبايع علياً ﵁ (٥)، ولم يكن الأمر بالسهولة التي كان يظنها معاوية ﵁ أو لعله كان يعرف أن سيدنا علياً ﵁ لا يستطيع أن ينفذ هذا الأمر (٦)، وقد أدرك سيدُنا علي ﵁ هذا، وهو الذي عاش

стр. 105

الفتنة بتفاصيلها لحظة بلحظة، وعرف قوة الذين أشعلوا الفتنة وقوة عصبيتهم (١) فأراد أن يُهدِّأ الأمور أولاً حتى يستتب الأمن ثم يقتصُّ من قتلة عثمان ﵁ (٢)، وكان هذا يعني أن يبايع معاويةُ علياً، وبالفعل فهذا ما عرضه عليٌ على معاوية، ولكنَّه أباه وكان يُعرِّض بدور علي فيما حصل لعثمان (٣) وخاصة بعد المواقف العديدة التي

стр. 106

حصلت بين عثمان ﵁ وعلي ﵁ والتي كان يفهمها بعض العوام على غير وجهها (١). وقد برَّر بعضُهم عدمَ قيام علي ﵁ بالقصاص من قتلة عثمان ﵁ أنه ﵁ قُتل بتأويل، واستدلوا بما حكاه الزهري من الإجماع على عدم القصاص في أيام الفتنة قال: «هاجت الفتنة الأولى وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فأجمعوا أن لا يقاد أحد» (٢)، وقد كان هذا مذهب سيدنا علي ﵁ (٣).

стр. 107

تفاصيل الفتنة بين علي ومعاوية ﵄: كان أول كتاب يرسله علي ﵁ إلى معاوية ﵁ في بداية عهده مع سبرة الجهني وكان فيه (١): «من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه قد بلغك ما كان من مصاب عثمان ﵁ وما اجتمع الناس عليه من بيعتي فادخل في السلام كما دخل الناس، وإلا فَأْذَنْ بحرب كما يؤذن أهل الفرقة، والسلام». فلم يكتب معاوية ﵁ بشيء ولم يجبه وردَّ رسولَه، وجعل كلما تنجز جوابه يؤجل الرد ويُعرِّض بعلي ويطلب القصاص حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان ﵁ في صفر، دعا معاوية ﵁ برجل من بني عبس، ثم رجل من بني رواحة يدعى قبيصة، فدفع إليه طوماراً (٢) مختوماً عنوانه: من معاوية إلى علي. وقال: إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار ثم أوصاه بما يقول وخرجا فقدما المدينة في ربيع الأول لغرته فلما دخلا المدينة رفع العبسي الطومار كما أمره، وخرج الناس ينظرون إليه، فتفرقوا إلى منازلهم وقد علموا أنَّ معاوية ﵁ معترض، ومضى حتى دخل على علي ﵁ فدفع إليه الطومار ففضَّ خاتمه فلم يجد في جوفه كتابة!! فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: آمنٌ أنا؟ قال: نعم إن الرسل آمنة لا تقتل. قال: ورائي أني تركت قوماً لا يرضون إلا بالقود. قال: ممن؟ قال: من خيط نفسك، وتركت ستين ألف شيخ يبكي تحت قميص عثمان ﵁، وهو منصوب لهم قد ألبسوه منبر دمشق. فقال: مني يطلبون دم عثمان! ألست موتوراً كَتِرَةِ عثمان، اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، نجا والله قتلة عثمان ﵁ إلا أن يشاء الله، فإنَّه إذا أراد أمراً

стр. 108

أصابه، اخرج. قال: وأنا آمن؟ قال: وأنت آمن، فخرج العبسي وصاحت السبئية فقالوا: هذا الكلب، هذا وافد الكلاب اقتلوه. فنادى: يا آل مضر، يا آل قيس، الخيلَ والنبلَ إني أحلف بالله جلَّ اسمه ليردنَّها عليكم أربعة آلاف خصي فانظروا كم الفحولة والركاب. وتعاووا عليه ومنعته مضر وجعلوا يقولون له: اسكت. فيقول: لا والله لا يفلح هؤلاء أبداً فلقد أتاهم ما يوعدون. فيقولون له: اسكت. فيقول لقد حلَّ بهم ما يحذرون انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم. فوالله ما أمسوا حتى عرف الذل فيهم، وأحب أهل المدينة أن يعلموا ما رأي علي ﵁ في معاوية ﵁ وانتقاضِه، ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة أيجسر عليه أو ينكل عنه، وقد بلغهم أنَّ الحسن بن علي ﵃ دخل عليه ودعاه إلى القعود وترك الناس فدسوا إليه زياد بن حنظلة التميمي (١) وكان منقطعاً إلى علي فدخل عليه فجلس إليه ساعة ثم قال له علي: يا زياد تيَّسر. فقال: لأي شيء؟ فقال: تغزو الشام. فقال زياد: الأناة والرفق أمثل وقال: ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم فتمثَّل عليٌ وكأنَّه لا يريده: متى تجمع القلب الذكي وصارماً ... وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم فخرج زياد على الناس، والناس ينتظرونه فقالوا: ما وراءك؟ فقال: السيف يا قوم. فعرفوا ما هو فاعل. ومنعت أخبارُ طلحة والزبير وعائشة ﵃ خروجَ الجيش إلى الشام، وخرج بدلاً من ذلك إلى البصرة، وتوقفت المراسلة بينهما بسبب ذلك، ثم عادت بعد وقعة الجمل (٢) عندما وجَّه عليٌ ﵁ (عند منصرفه من البصرة إلى الكوفة وفراغه من وقعة الجمل) جريرَ بنَ عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى بيعته، وكتب معه كتاباً يعلمه فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ونكث طلحة والزبير وما كان من حربه إياهما، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته. فشخص إليه جرير فلما قدم عليه ماطله واستنظره ودعا عَمْراً فاستشاره

стр. 109

فيما كتب به إليه فأشار عليه أن يرسل إلى وجوه الشام ويلزم علياً دم عثمان ويقاتله بهم ففعل ذلك معاوية. وخرج أمير المؤمنين فعسكر بالنخيلة وقدم عليه عبد الله بن عباس بمن نهض معه من أهل البصرة، فتهيأ إلى صفين فاستشار الناس في ذلك فأشار عليه قوم أن يبعث الجنود ويقيم، وأشار آخرون بالمسير فأبى إلا المباشرة فجهز الناس، فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص فاستشاره. فقال: أما إذ بلغك أنه يسير فَسِرْ بنفسك ولا تَغِبْ عنه برأيك ومكيدتك. قال: أما إذاً يا أبا عبد الله فجهز الناس. ولبيان وجهةِ نظر من كان مع معاوية ﵁ أذكر أنَّه: لما التقى الأشترُ (١) وهو على طليعة جيش علي ﵁، أبا الأعور (٢) وهو على طليعة جيش معاوية، دعاه الأشترُ للمبارزة، فقال أبو الأعور: إنَّ خفة الأشتر وسوءَ رأيه حمله على إجلاء عمال ابن عفان ﵁ من العراق، وانتزائه عليه يُقبِّح محاسنَه، ومن خفة الأشتر وسوء رأيه أن سار إلى ابن عفان ﵁ في داره وقراره حتى قتله فيمن قتله فأصبح متبعاً بدمه وأصبح مبتغى بدمه، لا حاجة لنا في مبارزته (٣). وأيضاً لبيان التزام علي ﵁ بالقواعد الإسلامية في هذه المعارك، بينما كانت قواعد الحرب والمكيدة هي السائدة في معاوية وأصحابه، أذكر أنه: لما تواقف الجيشان قبل الصدام ذهب شباب الناس وغلمتهم من جيش علي يستقون، فمنعهم أهل الشام، فأرسل علي إليهم صعصعةَ بن صوحان فقال له: ائت معاوية وقل له إنَّا سرنا مسيرنا هذا إليكم، ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنك قدَّمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا بالقتال، ونحن من رأينا الكف عنك حتى ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها قد حِلْتم بين الناس وبين الماء والناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليُخلُّوا بين الناس وبين الماء، ويكفوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له وقدمتم له، وإن كان أعجب إليك أن نترك ما جئنا له ونترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلْنا. قال معاوية ﵁: سيأتيكم رأيي. ثم إنه أرسل الخيل إلى أبي الأعور ليكفَّ

стр. 110

أصحاب علي ﵁ عن الماء، فأمر علي ﵁ بقتالهم حتى صار الماء في أيدي أصحابه فقالوا: لا والله لا نسقيهموه. فأرسل إليهم علي ﵁ أن خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا إلى عسكركم وخلوا عنهم، فإنَّ الله قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم (١). أهداف سيدنا علي ﵁ من حروبه في خلافته: لقد ظهرت أهدافه ﵁ من خلال خطبه التي قالها قبيل كل معركة قام بها والتي صرَّح فيها بأنَّ هدفه منها كان لمَّ شمل الأمة وتوحيد صفها، فقد خطب أهل المدينة في بداية خلافته بعد رفض معاوية مبايعته ﵁ فدعاهم إلى النهوض في قتال أهل الشام وسماهم أهل الفرقة وأوضح سبب دعوته إلى قتالهم أنهم يريدون أن يفرقوا جماعة المسلمين (٢). وكذلك عندما جاءه خبر السيدة عائشة وطلحة والزبير ﵃ من مكة وأنهم ينوون المناداة بالقصاص من قتلة عثمان، خطب بأهل المدينة وأوضح أنه لن يحاربهم ما لم يَخَفْ على جماعة المسلمين (٣). وهذا كان رأيه قبل صفين والجنود تقابل بعضها البعض، حيث كان يدعو إلى لمِّ الشمل (٤).
следующие страницы →