حقول العمل والتجارة، وتستطيع وسائل الإعلام على تنوعها من صحافة وتلفزيون وأحيانا إذاعة أن تقوم بمهمة التعريف بما هو جديد وتقديمه إلى الجمهور وعرض فوائده وأسعاره وحسناته بشكل عام ..
٦ - إقناعية توجيهية تهدف إلى تكوين المواقف والاتجاهات والسلوك، أو تأكيدها وتعزيزها خشية أن تؤثر عليها مستجدات طارئة أو حملات إعلامية أخرى مضادة، وكلما كانت المادة الإعلامية ملائمة للجمهور لغة ومحتوى، ازداد تأثيرها، وحققت المراد منها (١).
بعد استعراض وظائف وسائل الإعلام، وبيان الدور الكبير الذي تلعبه تلك الوسائل، في شتى مناحي الحياة، من تعليم وتربية، وتوجيه وإقناع، وتنمية وتسويق، وتثقيف وترفيه، واتصال اجتماعي يعمق الصلات ويوثقها بين أفراد المجتمع؛ يَرِِدُ سؤال: هل تخضع المؤسسات الإعلامية لتوجهات معينة محددة، سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وفكرياً، أو غير ذلك من الرؤى والإملاءات التي تُفْرَضُ على وسائل الإعلام؟ هذا ما نفصله في المبحث التالي إن شاء الله تعالى.
стр. 37
المبحث الرابع:
التوجهات الحاكمة للإعلام المعاصر (النظريات الإعلامية)
الحديث عن التوجهات الحاكمة للإعلام أو استخدام تعبير نظريات الإعلام في مجمله انعكاس للحديث عن أيديولوجيات (١) ومعتقدات اجتماعية واقتصادية، وترتبط النظريات بالسياسات الإعلامية في المجتمع، من حيث مدى التحكم في الوسيلة من الناحية السياسية، وفرص الرقابة عليها وعلى المضمون الذي ينشر أو يذاع من خلالها، فهل تسيطر عليها الحكومة أم لها مطلق الحرية أم تحددها بعض القوانين.
فنظريات الإعلام هي: خلاصة نتائج الباحثين والدارسين للاتصال الإنساني بالجماهير بهدف تفسير ظاهرة الاتصال والإعلام ومحاولة التحكم فيها والتنبؤ بتطبيقاتها وأثرها في المجتمع، وهي أربع نظريات أساسية (٢):
١ - نظرية السلطة:
وترى أن الشعب غير جدير بتحمل المسؤولية، وأن السلطة ملك للحاكم أو من يقوم مقامه، وأنه ينبغي أن تظل وسائل الإعلام خاضعة للسلطة الحاكمة.
ومن الأفكار الهامة في هذه النظرية أن الشخص الذي يعمل في الصحافة أو وسائل الإعلام الجماهيرية، يعمل بها كامتياز منحه إياه الزعيم الوطني ويتعين أن يكون ملتزما أمام الحكومة والزعامة الوطنية.
٢ - نظرية الحرية:
وترى هذه النظرية أن الفرد يجب أن يكون حرا في نشر ما يعتقد أنه صحيح عبر وسائل الإعلام، وترفض هذه النظرية الرقابة أو مصادرة الفكر.
ومن أهداف نظرية الحرية تحقيق اكبر قدر من الربح المادي من خلال الإعلان والترفيه والدعاية، لكن الهدف الأساسي لوجودها هو مراقبة الحكومة وأنشطتها المختلفة،
стр. 38
كما انه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمتلك الحكومة وسائل الإعلام؛ وتتميز هذه النظرية أن وسائل الإعلام وسيلة تراقب أعمال وممارسات أصحاب النفوذ والقوة في المجتمع، وتدعو هذه النظرية إلى فتح المجال لتداول المعلومات بين الناس بدون قيود من خلال جمع ونشر وإذاعة هذه المعلومات عبر وسائل الإعلام كحق مشروع للجميع.
٣ - نظرية المسؤولية الاجتماعية:
تقوم هذه النظرية على ممارسة العملية الإعلامية بحرية قائمة على المسؤولية الاجتماعية، ويرى أصحاب هذه النظرية ان الحرية حق وواجب ومسؤولية في نفس الوقت، ومن هنا يجب أن تقبل وسائل الإعلام القيام بالتزامات معينة تجاه المجتمع، وأن التدخل في شؤون وسائل الإعلام يمكن أن يكون مبرراً تحقيقاً للمصلحة العامة؛ أضف إلى ذلك أن الإعلاميين في وسائل الاتصال يجب أن يكونوا مسؤولين أمام المجتمع بالإضافة إلى مسؤولياتهم أمام مؤسساتهم الإعلامية. وتهدف هذه النظرية إلى الإعلام والترفيه الحصول على الربح إلى جانب الأهداف الاجتماعية الأخرى.
٤ - النظرية الاشتراكية:
إن الأفكار الرئيسة لهذه النظرية يمكن إيجازها في أن الطبقة العاملة هي التي تمتلك السلطة في أي مجتمع اشتراكي، ولابد أن تسيطر على وسائل الإنتاج الفكري التي يشكل الإعلام الجزء الأكبر منها. وفي هذه النظرية تخضع وسائل الإعلام للرقابة الصارمة، وتقدم رؤية كاملة للمجتمع والعالم طبقا للمبادئ الشيوعية. والحزب الشيوعي هو الذي يحق له امتلاك وإدارة وسائل الإعلام من أجل تطويعها لخدمة الشيوعية والاشتراكية.
ومما سبق نخلص إلى أنه ليس من وسيلة إعلامية تعمل من فراغ بلا هدف، أو منهج؛ فلكلٍ منهج وغايات، فكرية كانت أو مادية، دينية كانت أو دنيوية، ربحية كانت أو غير ربحية، وهنا يطرأ السؤال فأين إعلامنا الإسلامي من ذلك كله؟ وماهي منطلقاته؟ وما أهدافه؟ وما وسائله؟ وهذا ما نحاول الإجابة عليه في الفصل القادم، بمشيئة الله تعالى.
стр. 39
الفصل الثاني
لمحات حول الإعلام الإسلامي
стр. 40
المبحث الأول:
تعريف الإعلام الإسلامي
تعددت آراء المصنفين في وضع تعريف للإعلام الإسلامي فمنها:
- أنه " تعريف الناس بحقائق الدين الإسلامي، من حيث العقيدة، والفرائض، والسنن والعبادات، والمعاملات، ومن خلال وسيلة إعلامية متخصصة، أو عامة بواسطة قائم بالإعلام، لديه خلفية واسعة ومتعمقة في موضوع الرسالة، وذلك بغية تكوين رأي عام صائب يعي الحقائق الدينية، ويدركها ويتأثر بها في معتقداته وعباداته ومعاملاته " (١).
- هو " نقل المباديء وشرحها شرحاً واضحاً وصحيحاً وثابتاً، ومستهدفاً تنوير الناس وتثقيفهم ومدهم بالمعلومات الصحيحة بموضوعية أيضاً، ومعبراً عن عقلية الجماهير، ومراعاة الأسلوب واللغة التي تخاطب" (٢).
- هو " الإعلام الذي يعكس الروح والمباديء والقيم الإسلامية، ويمارس في مجتمع مسلم، ويتناول كافة المعلومات والحقائق والأخبار المتعلقة بكافة نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والقانونية والدينية والأخلاقية ... إلخ " (٣).
- هو " استخدام منهج إسلامي بأسلوب فنّي إعلامي يقوم به مسلمون عالمون عاملون بدينهم متفهمون لطبيعة الإعلام ووسائله الحديثة وجماهيره المتباينة مستخدمون تلك الوسائل المتطورة لنشر الأفكار المختصرة والأخبار الحديثة والقيم الأخلاقية والمبادئ والمثل للمسلمين وغير المسلمين في كل زمان ومكان وفي إطار الموضوعية التامة بهدف التوجيه والتوعية والإرشاد ولإحداث التأثير المطلوب والتعرف على مدى التأثير أولاً بأول " (٤).
стр. 41
وقفة مع التعريفات السابقة:
بالنظر في هذه التعريفات نجد أن التعريف الأول والثاني للإعلام الإسلامي يحصران الإعلام الإسلامي ضمن الدعوة إلى الله سبحانه والتعريف بالإسلام ومنهجه في الإرشاد والتوجيه. ولا شك أن الدعوة إلى الله تعالى وبيان منهج الدين الإسلامي من صفات المجتمع المسلم الأساسيّة , فالمسلمون مكلّفون بحمل هذه الرسالة وتبليغها للناس كافة لقوله تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ (١)، ولكن هذا كله جزء من مهمة الإعلام الشاملة لكل مقتضيات الحياة وشؤونها.
وأما الإعلام الإسلامي فهو " فن إيصال الحق للناس قصد اعتناقه والتزامه، وفن كشف الباطل ودحضه قصد اجتنابه " (٢)، " فهو روح تسري في النشاط الإعلامي كله، تصوغه، وتحركه وتوجهه منذ أن يكون فكرةً إلى أن يغدو عملاً منتجاً متكاملاً، مقروءاً كان أو مسموعاً أو مرئياً، وبذلك يصبح الإعلام الإسلامي منهجاً قويماً تسير وفقه جميع النشاطات الإعلامية في كافة الوسائل والقنوات دون أن يحيد نشاط واحد منها عن الطريق، أو يتناقض مع النشاطات الأخرى سواء في الوسيلة الواحدة أو الوسائل المتعددة " (٣).
стр. 42
المبحث الثاني:
دواعي ظهور الإعلام الإسلامي (١)
تتمتع وسائل الإعلام في عصرنا الحاضر بمكانة عظيمة في توجيه أفكار الجماهير، وتشكيل سلوكياتها في الحياة، في عالم تحول إلى (قرية كونية)، قَصَّرَتْ وسائل الاتصال الالكترونية المسافات بين أجزائه، وربطت شبكةً معقدة من الاتصالات بين دوله وشعوبه، بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإنسانية كله، وأصبحت وسائل الإعلام الموجه المركزي الأول للأفراد والمجتمعات، ولا يخفى على أحد السيطرة الكبيرة للدول الغربية على الإعلام وسياساته وتوجيهاته، ولا يخفى على مخلص الأضرار التي نزلت بالأمة من جراء هذا الإعلام الخبيث الموجه، ومن هنا تكتسب المطالبة بإيجاد البديل الإسلامي في ميدان الإعلام - بجانبيه النظري والتطبيقي - أهمية بالغة، فإنَّ صياغة منهج للإعلام الإسلامي يعمل على سد الفراغ الهائل في منظومات المنهج الإسلامي ليعتبر ضرورة ملحّة، حتىّ يمكن بلورة أنموذج جديد للإصلاح الإسلامي يقوم على الشمول والتكامل والواقعية.
ويمكن لنا أن نعدد الدواعي التي دعت المسلمين للنزول لهذا الميدان الخطير في النقاط التالية:
١ - إدراك أهمية الإعلام في حياة المجتمعات، وخطورة ما يقوم به من التأثير على الأفراد والجماعات سلباً كان هذا التأثير أو إيجاباً.
٢ - شمولية أحكام الإسلام لجميع مناحي الحياة ووجوب العمل على صبغ جميع الأنشطة بالصبغة الإسلامية ومن أهمها المنظومة الإعلامية.
٣ - مواجهة الغزو الفكري والثقافي والحضاري الرهيب الذي يتعرض له المسلمون طعناً وتشكيكاً في دينهم وأخلاقم وتاريخهم.
٤ - توجيه الإعلام في الدول الإسلامية نحو الأصالة والذاتية النابعة من قيم الإسلام ومبادئه، وتوفير الجو الملائم والدعم المناسب لصنع البدائل الإسلامية التي تقف في مواجهة ما يقدمه الغرب.
стр. 43
٥ - تنقية الإعلام - إلى جانب التعليم - من المؤثرات الغربية العلمانية (١) والإلحادية (٢)، وتفنيد ما تقدمه وسائل الإعلام الغربية من مفاسد وانحرافات وبيان عوارها وتهافتها بمنطق مقنع وبوسائل مكافئة.
٦ - حاجة البشرية اليوم للخلاص من الشرائع المحرَّفة والمذاهب الفاسدة، وهي تعيش ضياعاً وقلقاً واضطراباً. بسبب كابوس الإلحاد والعلمانية، والفساد الخلقي، والظلم والاستبداد السياسي، والاستغلال الاقتصادي، والتفكك الاجتماعي، وتعالت الصيحات تبحث عن مصدر للأمان والعدالة والحياة الكريمة، فأين سيجدون كل ذلك إلاّ في الإسلام؟!!
٧ - مخاطبة الآخرين بلغتهم ووسائلهم في سبيل الدعوة إلى الإسلام، وتوضيح صورته الناصعة، وإبراز محاسنه وثمراته للناس في كل مكان، وتبليغ رسالة الإسلام العالمية، وإيصال دعوته إلى البشرية كلها، وهذا من أعظم المبررات للدعوة إلى صياغة الإعلام صياغة إسلامية حتى يمكن أن يؤدي هذا الإعلام دوره في الحياة الإنسانية.
لقد تأخر المسلمون كثيراً في سبيلهم للحاق بركب الإعلام والاستفادة من وسائله، ولكنهم بدأوا جهادهم الإعلامي (جهاد العصر) ولن تعدم أمتنا المخلصين من أبنائها الذين يدافعون عنها ويذودون عن حياض حرماتها ومقدساتها، ويرفعون عقيدتها وشريعتها عالية للناظرين، واضحة للحيارى والباحثين عن الحق والهدى.
وبعد هذا العرض السريع لدواعي ظهور الإعلام الإسلامي ننتقل إلى المبحث التالى وفيه الحديث عن منطلقات هذا الإعلام بمشيئة الله تعالى.
стр. 44
المبحث الثالث:
منطلقات الإعلام الإسلامي
ينطلق المسلمون في اهتمامهم بوسائل إعلامهم من منطلقات ربانية جاء بها كتاب ربنا سبحانه سنة نبينا ﵊ ومن هذه المنطلقات:
١ - تحقيق خيرية هذه الأمة بامتثال قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) فربط الله تعالى خيرية هذه الأمة بقيامها بهذا الركن الكبير والفريضة العظيمة، ودلهم سبحانه على سبب فلاحهم وصلاح مجتمعاتهم، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها) (٢). ولا شك أن وسائل الإعلام - بما لها من تأثير هائل في حياة الناس، وقدرة على تكوين وتغييرالمفاهيم والأفكار - هي ميدان واسع لتطبيق هذه الفريضة، وتفعيلها في حياة الأمة، تطهيراً لمجتمعاتنا من الفساد، وتعزيزاً لكل خير وطاعة لله سبحانه، وبهذا أمر رسولُه ﵊ فعن حذيفة بن اليمان: عن النبي ﵊ قال: ﴿والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم﴾ (٣). بل إن القيام بهذه الفريضة الجليلة من شكر نعم الله سبحانه على العباد بالنصر على الأعداء والتمكين في الأرض ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ
стр. 45
الْأُمُورِ﴾ (١) فإظهار هذه الشعيرة العظيمة، ورفع لوائها، من أعظم المنطلقات للسعي الحثيث لامتلاك الإعلام وصبغ وسائله الصبغة الرشيدة، التي تنشر الخير والمعروف، وتدعو إليه وترغب فيه، وتحارب الشر والمنكر، وتبغضه للخلق وتحذرهم من شروره وآثامه المحدقة بالمفسدين.
٢ - القيام بواجب الدعوة إلى الله سبحانه، وهي سبيل النبي ﵊ وأصحابه الكرام ﵃. وقد قال الله سبحانه ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) فأمة النبي محمد ﵊ أمة دعوة، تدعو للخير والهدى، بالحكمة والرفق، تأتمر بأمر ربها سبحانه القائل ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٣). يلتمسون الأجر العظيم في دلالة الناس على الخير، والذي أخبر به رسولنا ﵊ ﴿والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم﴾ (٤). ومن الدعوة إلى الله القيام بواجب البيان والبلاغ من خلال وسائل الإعلام تحقيقاً لقول الله سبحانه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥) فالبيان واجب من واجبات الرسولصلى الله عليه وسلم، ثم واجب على أمته من بعده أن يبينوا للناس معالم الطريق الحق في شتى شئون حياتهم ويأخذوا بأيديهم إلى الحياة الطيبة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة.
٣ - بذل النصيحة للخلق فأهل الإسلام أنصح الخلق للناس؛ لما عندهم من الهدى والرشاد والنور المبين، ويحملون من الشفقة والرحمة للخلق أجمعين، متمثلين
стр. 46
وصف رسولهم ﵊ في القرآن ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) وقول نبيهم ﵊ ﴿الدين النصيحة﴾ (٢). فإعلامهم إعلام رشد وهداية، ووسائلهم أطهر الوسائل وأبعدها عن الريبة والمكر، وغش وخداع الناس.
٤ - البشارة والنذارة: والقيام بهذا الأمر من أعظم المنطلقات والأسس التي يقوم عليها الإعلام الإسلامي بجميع مكوناته، فالبشارة والنذارة لأهل الإسلام بعد الرسل، وهم أحق بها وأهلها، بكتابهم الحكيم المحفوظ على الدوام بحفظ رب العالمين سبحانه، وبما بين أيديهم من صحيح سنة المصطفى الكريم ﵊، ومن أظهر الدلائل على هذه المهمة النبيلة قوله سبحانه ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (٣). فهذه هي مهمة المرسلين عامة، كما أنها وظيفة النبي خاصة قال الله سبحانه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤). فتبشير الطائعين المؤمنين بثواب الله ورحمته لهم كما في قوله سبحانه ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥)، وإنذار المعرضين المعاندين بشديد العقاب وأليم العذاب كما في قوله سبحانه ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ (٦)، وقد اقتضت حكمة العلي الخبير أن يكون لهاتين الوسيلتين أثر بالغ في المتلقين، فبالبشارات تنبعث الهمم إلى الخير، وتسمو العزائم إلى الطاعة، وبالنذارات تنحسم مادة العصيان، ويحجز العقلاء المؤمنون أنفسهم عن مواضع سخط الجبار سبحانه.
стр. 47
ويدخل تحت البشارات بيان محاسن الإسلام والصلاح المترتب على الالتزام به في الدنيا قبل الآخرة، كما أن التحذير والإنذار مما يخالف دين الإسلام قولاً وفعلاً، عقيدةً وعملاً، سلوكاً وخلقاً من أعظم ما تقوم به وسائل الإعلام.
ويحسن بنا وقد تكلمنا عن المنطلقات والدواعي أن نلج إلى المبحث التالي نعدد فيه بعض أهداف إعلامنا الإسلامي، إكمالاً لعقد هذه الثلاثية من (الدواعي والمنطلقات والأهداف)
стр. 48
المبحث الرابع
أهداف الإعلام الإسلامي (١)
تختلف أهداف وسائل الإعلام باختلاف توجهات القائمين عليها فمنها الربحي، ومنها الإباحي، ومنها السلطوي الخاضع لتوجهات الحاكم أو السلطة الحاكمة، وغير ذلك من التوجهات الإعلامية.
وهنا يبرز الإعلام الإسلامي بمرجعيته الربانية المعتمدة بالأساس على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، لا يخالف أحكامهما، ولا يخرج عن توجيهاتهما، يعتمد أهدافاً سامية، وغايات نبيلة، نذكر بعضاً منها فيما يلي:
١ - تعبيد الناس لربهم سبحانه، وتخليصهم من عبودية الأهواء، والأشخاص، والمعبودات الباطلة، والآلهة الزائفة.
٢ - ترسيخ العقيدة الصحيحة، وتوصيلها للمتلقين نقية صافية، ورد تحريف المبطلين وشبهاتهم بالبرهان الناصع والدليل الساطع.
٣ - توثيق الروابط بين النسيج الاجتماعي للمسلمين بإعلاء معاني الأخوة الإيمانية، ونشر مبادئ وحدة الأمة، والعدالة، والمساواة.
٤ - الإصلاح والتوجيه في جانب المعاملات، والتأكيد على أن الإسلام عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، لا يُفْصَل بينهما في وجوب الالتزام بأحكام الإسلام.
стр. 49
٥ - المساهمة في تنمية المجتمعات والإصلاح الاقتصادي بالدلالة على القواعد التي جاء بها الإسلام في مجالات العمل والإنتاج والإنفاق والتخطيط الصحيح للانتفاع بثروات الأمة ومواردها المختلفة.
٦ - نشر الوعي العام بين المسلمين، بالدعوة للعلم والتعليم، ومحو الأمية الثقافية، ومحاربة الجهل.
٧ - تحصين المجتمع المسلم ضد الغزو الإعلامي الجاهلي، والمخططات الخبيثة الماكرة الهادفة لتذويب الأمة، ومحو هويتها.
هذه هي أهداف الإعلام الإسلامي تشع نُبْلاً، ونوراً، وتنشر علماً نافعاً، ومعرفة مفيدة، ووعياً صحيحاً، وعملاً صالحاً، ترتفع به أمتنا، وتزدهر به شتى مناحي الحياة.
وبعد هذا الطواف في ثلاثية الإعلام الإسلامي (الدواعي، والمنطلقات، والأهداف) يتبادر إلى الأذهان سؤال بدهي: فما هي وسائل الإعلام الإسلامي لتوصيل رسالته وتحقيق أهدافه؟ وهذا ما نجيب عليه بمشيئة الله تعالى في المبحث التالي
стр. 50
المبحث الخامس
وسائل الإعلام الإسلامي
يتمتع الإعلام الإسلامي دون غيره بوسيلتين ربانيتين، القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة، وإلى جانب هاتين الوسيلتين نالت وسائل الإعلام الأخرى من الإسلام اهتماماً كبيراً من حيث التطوير والتحسين على مختلف العصور أكثر من غيره من الملل والنحل والدعوات. ولقد استخدم المسلمون الأوائل الوسائل المعروضة وقاموا بتطوير بعضها تحسيناً وتجويداً، وأضافوا إليها وسائل جديدة، ومن هنا تميز الإعلام الإسلامي بتنوع وسائله مع الاستفادة الكاملة مما يُسْتَحْدث من الوسائل والتقنيات الإعلامية (١).
وهذه وقفة مع أهم وسائل الإعلام الإسلامي قديماً وحديثاً.
١ - القرآن الكريم: وسيأتي بيان هذه الوسيلة الجليلة في الفصل التالي منفردة على التفصيل اللائق بها والذي تقتضيه طبيعة وموضوع البحث (٢).
٢ - السنة النبوية: كانت - وما تزال - الأحاديث الشريفة - قولاً، أوفعلاً، صفةً، أو تقريراً - منبعاً ومصدراً للعلم والثقافة الإسلامية في عالم الإسلام، وتمثل الرسالة الإعلامية المثلى، التي تفي بحاجات الإعلام الإسلامي في جميع المجالات، وتوفر النموذج الكامل للاتصال بالناس.
٣ - القدوة الحسنة: وهذه الوسيلة العظيمة مبنية على غريزة التقليد والمحاكاة عند البشر، وذلك بما لها من تأثير فعال في ميدان الإعلام والتربية والتعليم، ورُبَّ رجل يقتدى به في عمله يكون أنجع وأنجح من كثير من الجهود الإعلامية لنشر فكر أو عقيدة أوسياسة؛ وقد اهتم القرآن بهذه الوسيلة فلفت أنظار المؤمنين إلى أحسن القدوة وخير الأسوة سيدنا محمد ﷺ لنهتدي بسنته ونقتدي بأقواله وأفعاله فقال سبحانه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
стр. 51
لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) فرأينا في رسول الله ﷺ والصحابة الكرام تطبيقاً عملياً واهتماماً شديداً بهذه الوسيلة، فكانوا مضرب المثل في نشر القيم التي دعا إليها الدين الجديد، وترجموا بأفعالهم تعاليم دينهم من المساواة والعدالة والرحمة والتكافل والشجاعة والبذل والتضحية والإيثار، فكانوا سببا لدخول الشعوب والأمم في دين الله أفواجاً لما رأوه من السمو الأخلاقي والسلوكي في سيرتهم الراشدة المباركة (٢).
٤ - إعلام الكلمة الطيبة: وهذا العنوان وضعته من عند نفسي، فبعد تأمل في بعض وسائل إعلامنا الإسلامي، وجدتها تعتمد بالأساس على توظيف الكلمة إعلامياً، ورغم أن للكلمة مكانة عظيمة كوسيلة إعلامية من قبل الإسلام، إلا أن إسلامنا تعامل مع الكلمة باهتمام كبير، ونبه على خطورتها في كتاب الله سبحانه، فجاء قوله سبحانه ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (٣) وبين أثر الكلمة طيبة كانت أو خبيثة في قوله سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ (٤) وفي السنة المطهرة أيضاً جاء التأكيد على مكانة الكلمة فقال النبي ﷺ (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفع اللهُ بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم) (٥) وهذا الوعد والوعيد على الكلمة يؤكد بجلاء على اعتبار الشرع لها واهتمامه بها إدراكاً لأثرها وتقديراً لخطورتها.
ويدخل تحت مسمى إعلام الكلمة الطيبة:
стр. 52
أ- الخطبة: وهي من الفنون الإعلامية القديمة، وقد ظهر أثرها في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، واستخدمها الخطباء بهدف الإقناع واستمالة الآخرين بالتأثير فيهم عاطفياً وعقلياً معا. وقد تعامل الإسلام مع الخطبة تعاملاً متميزاً بل جعل منها فريضة يُسْتَمَع إليها في أيام الجُمَعِ والأعياد، وللخطب عند المسلمين مكانة خطيرة في القديم والحديث، لم تستطع وسائل الإعلام الحديثة زحزحتها عنها، وما تزال الخطبة إلى الآن من الفنون الإعلامية المؤثرة التي لو أحسن الخطباء استغلالها لفاق تأثيرها كل وسيلة (١).
ب- الأذان: وهو شعيرة جليلة من شعائر الإسلام، يراد به إعلام المسلمين بدخول وقت الصلاة، يرفع على رؤوس الأشهاد خمس مرات في اليوم والليلة، وفي كلماته الشهادة لله سبحانه بالوحدانية، ولرسوله ﵊ بالرسالة، وتكبير الرب ، والدعوة للصلاة والفلاح، وهذا من أعظم الوسائل الإعلامية الإيمانية التي يتربى المسلمون في ظلالها؛ فيوحدون ربهم سبحانه ويتبعون رسولهم ﵊ ويسعون للصلاة والوقوف بين يدي ربهم وفيها فلاحهم (٢).
ت- المحاضرة: وهي فن من فنون القول أيضاً يختلف عن الخطبة في اعتماد المحاضر على الحقائق المجردة والإحصاءات الدقيقة، والحجج المنطقية، بدون اعتماد على الناحية العاطفية، وتستخدم المحاضرات في شتى مجالات المعارف العلمية والإنسانية (٣).
ث- الندوة: من أخصب وسائل الإعلام يتعدد المتحدثون فيها بوجود عريف لها يقوم على تنظيمها وترتيب المتحدثين وتوجيه النقاش، ويتعرف فيها على الآراء المختلفة، وتبحث المشكلات من زوايا عدة، من خلال تبادل الرأي والمناقشة، ومن ثم التقويم وصياغة النتائج.
ج- المناظرة: وتعد من أكثر الوسائل إثارة وجذباً لانتباه المتلقين، وهي من أهم وسائل الإعلام، خاصة في زمن اختلاط المفاهيم، وصراع الأفكار والمذاهب المختلفة، وتكون بين
стр. 53
اثنين من تيارين مختلفين، يبرهن كل مناظر على صحة آرائه ومعتقداته، مع بيان الشبهات ورد حجج المخالفين.
ح- القصيدة الشعرية: احتل الشعر المنزلة الأولى بين وسائل الإعلام والدعاية في العصر الجاهلي، حتى كان العرب يكتبون أجود القصائد بماء الذهب لتعليقها على الكعبة أو بيوت الملوك، ثم جاء الإسلام فتراجعت مكانة الشعر عما كانت عليه في الجاهلية - وعلى الرغم من ذلك بقي الشعر وسيلة من وسائل الدعوة والدفاع عن الإسلام كقصائد حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وغيرهم من الأصحاب ﵃، واستمر هذا الدور الإعلامي متميزاً في تسجيل الحوادث، وذكر البطولات، وتفنيد الشبهات، وجمع العلوم وتقييدها، وغير ذلك من فنون البيان الشعري البليغ (١).
٥ - الحج إلى بيت الله الحرام: هو المؤتمر الأعظم لاجتماع المسلمين سنوياً في هذه الرحاب الطاهرة، يجتمع المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، مستجيبين لنداء ربهم ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢)، والحج من أعظم وسائل الإعلام الإسلامي، تظهر فيه وحدة الأمة وسمو مبادئها، ويبدو جلياً تعظيم الرب سبحانه، وطاعة النبي ﵊، والولاء للإسلام وأهله، والبراءة من الكفر والكافرين. كما يتجلى اتصاف أمة الإسلام بالسلام، والعدالة، والمساواة، والرحمة، من خلال مناسكه الجليلة، في سياق إعلامي جهير ليس له نظير (٣).
٦ - الجهاد: إن الجهاد في سبيل الله ليس الهدف منه سفك الدماء وترويع الآمنين، وإنما غايته الدعوة إلى الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإزالة الحواجز والقوى التي تحول دون وصول دعوة الحق للعالمين قال سبحانه ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ (٤) "فالجهاد ودفع الظالمين من أعظم الوسائل التي تمهد الطريق للدعاة إلى
стр. 54
الله، وتفسح لهم السبيل لحسن الإعلام بمحاسن دين الإسلام وصلاحيته لكل مكان وزمان " (١).
٧ - المطبوعات: وتشمل الصحف، والمجلات الإسلامية المتخصصة، وتتضمن أيضاً الكتب والكتيبات الإسلامية، والملصقات، والمطويات، وفي هذا المجال فمكتبتنا الإسلامية تزخر بكَمٍّ هائل وقَيِّم من المصنفات التي تمثل مرجعا للجميع كُتَّاب وباحثين ومتفقهين ومسترشدين، وكل هذه الوسائل المطبوعة تسهم بشكل كبير وفعال في مجال الإعلام الإسلامي خاصة حين تتعرض للموضوعات والمشكلات التي تمس واقع المجتمع الإسلامي وقضاياه المختلفة وتعمل على معالجتها معالجة إسلامية واعية.
٨ - الإذاعة: يعتبر الإرسال الإذاعي من أقدر وسائل الاتصال لتميزه بعاملي السرعة والقدرة على الانتشار الواسع، فيتحقق له القدرة على مخاطبة أكبر قطاع من الجماهير، وتوصيل الرسالة الإعلامية إلى أوسع دائرة من هذه الجماهير.
٩ - التلفاز: يتميز التلفاز بين الوسائل الإعلامية بجمعه بين العناصر الثلاثة المؤثرة وهي الصوت والصورة والحركة، فيمتلك من الفعالية والتأثير ما لا يتوفر لغيره من الوسائل، ولذلك نجده حائزاً على اهتمام الصغير والكبير والعديد من القطاعات في المجتمع. ويمثل التلفاز أداة تربوية وتثقيفية وتعليمية وترفيهية فعالة ونافعة إذا أحسن استخدامه وتوجيهه (٢).
ونظراً للأهمية القصوى لهاتين الوسيلتين (الإذاعة والتلفاز) فقد اتفقت دول منظمة المؤتمر الإسلامي على إنشاء منظمة إذاعات الدول الإسلامية عام ١٩٧٥م تكون أهدافها:
أنشر الدعوة الإسلامية.
ب إبراز أهمية التراث.
стр. 55
ت العمل على نشر اللغة العربية لغير الناطقين بها.
ث إبراز الصورة الصادقة المشرفة والحقيقية للأمة الإسلامية.
ج إنتاج وتبادل البرامج الإذاعية والتلفازية مع الدول الأعضاء.
ح مواجهة الحملات المغرضة التي تشنها بعض الأجهزة الإعلامية الغربية على الإسلام والمسلمين.
خ تصحيح الصورة الخاطئة التي يحملها الغرب عن الإسلام (١).
١٠ - الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) من فضول القول: أننا نعيش في عالم متسارع من التقدم المعلوماتي، والتقنيات الحديثة المتلاحقة، التي غطت أرجاء المعمورة، وفرضت نفسها كأخطر وأعظم الوسائل الإعلامية في عصرنا الحديث، لما تتمتع به من مزايا فائقة جامعة لكل خصائص وسائل الإعلام الأخرى ففيها المشافهة وجها لوجه، وفيها الاستماع، وفيها الصوت والصورة والحركة جميعاً، وفيها الوسائل المطبوعة المقروءة، إنها بحق الوسيلة الجامعة لكل محاسن الإعلام، وأيضاً الجامعة لكل مساوئه بل أكثر، فهو ساحة عرض لكل الأفكار، ولجميع الملل والنحل، وكما أن للمؤمنين جهوداً كبيرة فلغيرهم - للأسف - جهود أكبر وأوسع انتشارا - لا بارك الله فيهم - تجذب المستخدمين للشبكة من جميع الأعمار. ورغم كل الجهود المخلصة في هذا المجال الفسيح فإنها تبقى قليلة وقاصرة، تحتاج الدعم، والزيادة، والتنوع، والمثابرة، والتنظيم، وترتيب الأولويات.
هذه هي الوسائل التي تَيَسَّرَ للباحث الكتابة عنها، ورأى أنها وسائل حية يمكن الاعتماد عليها للوصول للأهداف المنشودة من منظومة الإعلام الإسلامي.
وبهذا المبحث نختتم الفصل الثاني، ومنه إلى الفصل الثالث بلا تواني، وهو من أَجَلِّ مواضع هذا البحث - أسأل الله أن يبارك فيه - ويتناول الإعلام في القرآن الكريم؛ فأقول - بحول الله وفضله -:
стр. 56
الفصل الثالث
خصائص الإعلام القرآني ووسائله
стр. 57
المبحث الأول:
القرآن أعظم الوسائل الإعلامية
المطلب الأول: المعجزة الباقية
خلق الله سبحانه الخلق، فلم يتركهم هملا، أو يدعهم سدى، بل أرسل إليهم الرسل معلمين وموجهين، وأنزل عليهم الكتب، وجعل لكل رسول آية عظمى على مثلها يؤمن البشر، فالناقة لصالح، وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، والعصا والآيات الكبرى لموسى، والطب لعيسى عليهم جميعاً أفضل الصلوات والتسليم.
وكانت معجزة الرسول الخاتم ﵊ قرآنا يتلى إلى يوم الدين، قال ﵊: " ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة." (١).
تحدى الله به الثقلين الإنس والجن فبان عجزهم ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ (٢)، وأنزله بلسان عربي مبين فلم يسع الجن إذ سمعوه إلا أن قالوا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (٣)، ولم يسمعه فصحاء العرب والبلغاء إلا شهدوا له بالحلاوة والطلاوة وأنه ليس بكلام البشر، ولإدراكهم تأثيره في النفوس كانوا يتواصون فيما بينهم بعدم الاستماع إليه، والتشويش عليه كما حكى عنهم ربهم سبحانه فقال ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٤) إلا أنهم رغم ذلك لم يفلحوا بل جاء الأمر على غير ما يشتهون فمال الناس أكثر للقرآن وسماعه وصدق وعد الله سبحانه إذ يقول ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٥)، وكما قال أبو الطيب المتنبي:
стр. 58
وهبني قلت: هذا الصبحُ ليلٌ ... أيعمى العالمون عن الضياءِ (١)
فلم يجدوا إلا نشر الأكاذيب والافتراءات بشأنه ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ (٢)، يفعلون ذلك باضطراب وهلع مما يعاينونه من عظمة في النظم، وسمو في الأخلاق، ورُقِيٍّ فيما يدعو إليه، يجلي الحق، ويفند الباطل، يهدي لأقوم الطرق، ويقود لأحسن السبل، فكل خير يأمر به ويحث عليه، وكل شر ينهى عنه ويحرم دواعيه قال سبحانه ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٣).
ولما كان رسولنا ﵊ هو النبي الخاتم ختمت به النبوات والرسالات، فرسالته باقية إلى يوم القيامة، وعامة إلى كل الأمم، في كل زمان ومكان، لذلك كان لابد للمعجزة من البقاء، ليعاينها كل من آمن أو دُعِيَ إلى الإيمان، وقد كان، فقد تكفل الله سبحانه بحفظ كتابه من كل تحريف أو نقصان، فقال سبحانه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤)، فهو الكتاب العزيز المعجز من جميع نواحيه بنظمه وسبكه، وشعائره وأخلاقه، بقصصه وعظاته، وأحكامه وتشريعاته. وصفه الله سبحانه فقال ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٥).
"فبقي القرآن تحدياً لكل من في الأرض من كل الأمم من عرب وغيرهم، وما من متأمل منصف إلا ويحني رأسه، ويعلن استسلامه وإسلامه أمام هذا الإعجاز الحي الناطق لكل زمان ومكان، الذي لا يموت ولا يبلى، ولا تزيده الأيام إلا شدة وقوة، وظهوراً ووضوحاً" (٦).
المطلب الثاني: الإعلام في القرآن
стр. 59
لم تر البشرية وسيلة إعلام تحلت بالعصمة، وتخلصت من الوصمة، كما رأت في القرآن العظيم، ولا عجب فهو كلام رب العالمين، العاصم من الزيغ والضلال، المنزه عن النسيان والنقصان ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).
وجعل الله سبحانه القرآن دستوراً وإماماً لنبيه ﵊ والمؤمنين، ورسم له طريق دعوته، وزوَّده بكل ما يحتاج إليه في مسيرته، وتبرز أمامنا هذه السمات الإعلامية في القرآن والتي أوردها في النقاط التالية:
١ - تحديد مهمة الرسل جميعاً، وهي القيام بالبيان والبلاغ قال سبحانه ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢) فكانت وظيفة الرسل العظمى البلاغ عن الله وإعلام الخلق بما ينفعهم في دينهم ودنياهم قال سبحانه ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣) وقال ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) وهكذا كان شأن النبي ﵊ أيضاً قال ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥) فالبيان والإبلاغ محور مهمة الرسول ﵊ التي أُمِرَ بها قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٦) فقام ﵊ بالتبليغ حق قيام وأوضح دعوته أتم توضيح وبيان.
٢ - التزام الرسل بأداء الرسالة الإعلامية الربانية كما هي بدون زيادة أو نقصان فقال سبحانه في مواضع عديدة على لسان رسوله ﵊ ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٧) فهم مؤتمنون يؤدون أمانتهم بكل تجرد وإخلاص، وهذا نوح ﵇
стр. 60
يخاطب قومه يقول لهم: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وهكذا جميع الرسل لا يأتون بشيء من عند نفوسهم بل يؤدون ما حُمِّلوا من الأمانة ويبلغون ما أُرسلوا به. وأعظم من هذا بياناً قول رب العالمين ينفي أي شبهة عن رسوله ﵊ ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ (٢) ولهذا أنكر الله سبحانه عليهم لما ادَّعَوْا أن النبي ﵊ إنما يقول القرآن ويفتريه على الله فقال سبحانه ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ (٣).
فكانت دعوة الرسل أوثق الدعوات عبر تاريخ البشرية مصدراً، وأداءً، تحققت فيها كل عوامل النجاح الإعلامي، مع اكتمال عناصر المنظومة الإعلامية بمعناها المتعارف عليه عند الإعلاميين الآن وهي:
أالمرسِل: وهو الله سبحانه.
ب المرسَل إليه: وهم الناس الذين يستقبلون الرسالة.
ت الرسالة: وهي الوحي المتمثل في آيات القرآن.
ث أداة الإرسال: هل هو الرسول ﵊، أم جبريل ﵇؟ خلاف (٤) والظاهر أن في الأمر تفصيلاً، فرسول الله ﵊ في رأي الباحث - يجمع بين مقامين؛ فتارة يكون أداة إرسال وذلك في مقام تبليغ القرآن كما أنزل عليه ﵊ بلا تقديم ولا تأخير، بلا زيادة ولا نقصان، وتارة أخرى يكون ﵊ مصدراً للرسالة مرسِلاً لها وذلك في مقامات البيان المتعددة التي تستقل السنة النبوية بها، مثل ما
стр. 61
جاء من تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية وكل ذي مخلب وناب من السباع، وتحريم الجمع بين المرأة وخالتها أوعمتها.
ج الغرض من الرسالة: وهو الهدف من كل هذه العملية والتي تتلخص في وصل الناس بربهم فيعبدونه وحده، ويأتمرون بأمره، وينتهون بنهيه، ويُحَكِّمون شريعته في سائر شئون حياتهم.
٣ - الإعلام القرآني إعلام شامل يحرك ويؤثر في جميع المجالات واسمع الإعلام الإلهي ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١) يتعامل مع النفوس البشرية قلباً وقالباً، يكشف أمراضها، ويُشَخِّصُ لها الدواء، ويبذل لها سبل الوقاية، ولذا نجد آيات القرآن متتابعة تعلم وترشد وتقي وتعالج، ونقرأ في القرآن: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٢) فهذه الآية ومثيلاتها إعلام رباني بصلاحية النفوس البشرية وقابليتها لسلوك أحد السبيلين الخير أو الشر مع بيان أن سبيل فلاحها في تزكية نفوسها وتطييبها، وإلا كانت العاقبة خيبة وخسراناً. ولا يقتصر هذا الإعلام على جانب تربية النفوس فقط بل يحيط بجميع الجوانب الأخرى ففي جانب العقائد نقرأ قول الله سبحانه ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣) "فأخبر سبحانه عن تفرده بالإلهية، وأنه لا شريك له ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمدالذي لا إله إلا هو، وأنه هو الرحمن الرحيم" (٤) ثم نبه سبحانه إلى الآيات الشاهدة على وحدانيته وقدرته المطلقة في الكون، والتي لا يهتدي إليها إلا ذوو العقول والأفهام.
المبحث الثاني:
الدور الإعلامي للرسل الكرام
قام الرسل الكرام بالدور الإعلامي الكامل على مر تاريخ البشرية، بما قاموا به من إذاعة للخير ونشر الفضيلة، ودفاع عن الحق، وبذل كل غال ونفيس، وتفنن في تعبيد الناس لربهم.
حملوا الأخبار الصادقة عن ربهم إلى الناس ليهتدوا بها من ظلمات الجهالة وضلالات الشرك والانحراف إلى صراط الله المستقيم، إلى الحياة الطيبة الطاهرة قال سبحانه ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١).
وقد أمد الله تعالى رسله الكرام بوسائل الإعلام المناسبة والحجج الباهرة، التي أعجزت أعداءهم بوضوحها، وصدقها، ونبل أهدافها، فأذعن لهم ذوو الألباب، وأصحاب البصائر، وأخبتت قلوبهم للأنباء الربانية والتوجيهات الرسالية. قال الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ (٢).
ورغم العنت الكبير، والمكر السيء، والحرب المستعرة على الرسل الكرام، والكيد المستمر، من كفار الأقوام، المكذبين للآيات والذين يقول الله عنهم ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ
стр. 64
بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾ (١)، رغم كل ذلك بقي الرسل الكرام وهم أشرف الإعلاميين وسادات حملة الأخبار صابرين محتسبين، ينوعون في وسائل دعوتهم، كلما أغلق باب، فتحوا أبوابا، إذا انقطع طريق سلكوا طرقا أخرى، يحدوهم الأمل بإبلاغ دعوتهم، قال يحكي دعوة أحد أنبيائه من أولي العزم نوح ﵇ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾ (٢).
فكانت همتهم إعلام البشرية بدين رب البرية:
- يدعونهم إلى التوحيد الخالص، ولسان كل رسول قائل ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٣)، ويلفتون أنظارهم إلى بديع صنع الله في الكون لعلهم يهتدون كما قال الخليل إبراهيم ﵇ ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾ (٤).
- يرغبونهم في طاعة الرحمن يقول هود ﵇ ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ (٥)، ويحثونهم على التعلق به سبحانه ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ (٦).
- يصححون لهم معاملاتهم، ويوجهونهم لمكارم الأخلاق وينهونهم عن المحرمات كما جاء في قصة شعيب ﵇ ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا
стр. 65
بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١)، وكما جاء في قصة لوط ﵇ يقول لقومه ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ (٢).
فكان الرسل والأنبياء يبينون للناس حسن عاقبة المؤمنين، ويحذرونهم سوء عاقبة المكذبين، وكلما مضى رسول إلى ربه جاء بعده رسول يحمل الراية، يجدد ما اندرس من الدين الخالص ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٣).
وفي ظل هؤلاء الرسل تطور الإعلام مضموناً ومحتوىً، ووسيلة وأسلوباً بوحي الله سبحانه إليهم، وهكذا ظلت عناية الله تعالى بالخلق يرسل الرسل، وينزل الكتب، حتى أسلموا الراية إلى خاتم المرسلين وخير من أعلم وعلم، وأدى ووفى، سيدنا محمد الأمين ﷺ ، فكانت رسالته ﵊ الرسالة الخاتمة الشاملة لجميع البشر ولجميع جوانب الحياة، والكاملة في تشريعها (٤)، يقول سبحانه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
وبهذه الرسالة المحمدية كمل الدين وتمت النعمة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٦) فاكتملت رسالة السماء الإعلامية إلى البشرية، وبقي القرآن - كما هو شأنه في جميع المجالات - المَفْزَعُ الذي يعتمد عليه لوضع الأسس والأصول، وتحديد الغايات والوسائل.
فما أحوج أمتنا في هذا العصر إلى العودة إلى الحياة بروح هذا الكتاب العزيز، والاستهداء بنوره؛ وإلى التعرف على خصائص هذا الإعلام، وصبغ وسائلنا الإعلامية بها؛ فما هي تلك الخصائص التي يتميز بها الإعلام القرآني عن غيره؟ والإجابة عن هذا السؤال بإذن الله تعالى في الفصل التالي وهو:
стр. 66
المبحث الثالث:
خصائص الإعلام القرآني
للإعلام القرآني خصائص تفرد بها عن سائر اتجاهات الإعلام الأخرى
١ - رباني لا يد لأحد من البشر فيه ، لأنه وحي من الله سبحانه، يحدد ملامح الفضائل المرضية عنده سبحانه، والعبادات المقبولة بين العباد وربهم، والمعاملات الصحيحة بين الناس بعضهم البعض، يرسم للمرسلين والمصلحين ملامح الدعوة، ويبين طرق التأثير ووسائل الإقناع، موجه من رب العالمين للثقلين، وهو أعلم بمن خلق، أعلم سبحانه بما يصلح شئونهم، ويقوِّم سلوكياتهم، وما يُحَصِّلون به صلاح الدين والدنيا، ويوفر لهم الحياة الطيبة السعيدة.
٢ - اعتماد الحقائق كمصدر وحيد ، ولا شيء غيرها، وانظر إلى سيل الحقيقة القرآنية المتدفق:
- فالله تعالى هو الحق، قال سبحانه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ (١).
- وأنزل كتابه بالحق، ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ (٢).
- وقول ربنا كله حق ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ (٣)،وقال ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (٤).
- ورسالة رسولنا ﵊ هي الحق ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (٥).
стр. 67
- وأنزل سبحانه الكتاب ليحكم بالحق، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (١).
- وكل ما جاء بالكتاب هو الحق ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).
- وقصص القرآن حق ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (٣)
- وأمثال القرآن وردوده بالحق، ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٤)
- وهمة أهل الإيمان الصالحين في التعاون على الحق، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥)
فهو إعلام لا سبيل للباطل عليه، لا تهتز حقائقه، ولا تلتوي طرائقه، مستقيم لا ميل فيه ولا زيغ، عدل في أحكامه، غايته الحقيقة، ووسيلته الحقائق، ولذلك كان واجباً على المسلمين أن يدعموا إعلامهم مادياً ومعنوياً، إعداداً لكوادره وتدريباً، وتحصيلاً لوسائله وآلياته، رفعة لشأنهم، ونصرةً لدينهم الحق.
٣ - المصداقية التي لا يتطرق إليها شك وذلك أن القرآن كلام أصدق القائلين سبحانه، فهو أتم كلام سمعته أذن البشرية، وأعدل كلمات مسطورة محفوظة حتى يرث الله الأرض ومن عليها. قال الله ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ (٦)، بل إن رسالة النبي ﷺ ما كانت إلا صدقاً كلها قال سبحانه ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ
стр. 68
أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ (١)، وأمر اللهُ رسولَه ﷺ بسؤاله والتضرع إليه أن يهب له مداخل الصدق ومخارجه في أمره كله، دلالة على عدم استغناء العبد عن الصدق في شئونه وأحواله قال سبحانه ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ (٢) ولذلك كان مسمى الصادق الأمين علماً عليه ﷺ قبل البعثة وبعدها، وكان ﷺ يأمر بالصدق يقول: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) (٣). والإعلام القرآني يدعو إلى أن يسود الصدق في أقوال وأفعال الناس فيناديهم سبحانه إلى لزوم جانب الصادقين فيقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤). ويرغبهم فيه قال سبحانه ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (٥). ولا يقتصر الخير على الدنيا فحسب بل يتعداها إلى أن يتحول لنعيم خالد وفوز عظيم في الآخرة ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦).
فإعلام القرآن لا مجال فيه لكذب أو افتراء أو تزوير أو ترويج لإشاعات، "بل يعتمد الصدق فقط في أخباره، وكيفية صياغتها، والمقاصد المتوخاة منها، مع الصدق في
стр. 69
الأحكام على الأمور ليتكون لدي الجمهور الرأي السديد والفهم القويم للأمور التي تحيط بهم" (١).
٤ - اعتماد البرهان والدليل العقلي للوصول لإقناع الناس بالمباديء والمفاهيم التي جاء بها الإسلام قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ (٢)، فالإعلام القرآني ليس إعلاماً عاطفياً يدغدغ المشاعر ويلهب الأحاسيس فحسب بل هو إعلام يعتمد البرهان العقلي والتفكير السليم لتأسيس الحقائق، كما جاء في قصة الخليل إبراهيم ﵇ مع النمرود ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، ويخاطب كفار مكة ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (٤) ويحفز أذهانهم بأسئلة مثيرة تقودهم إجابتهم إلى الحق الذي ليس بعده إلا الضلال ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (٥)، ويتحداهم المرة بعد المرة ﴿قُلْ
стр. 70
هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ (١)، ومرة ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ (٢).
ومن تتبع آيات القرآن وجد من ذلك الكثير من الدعوة والإلحاح لإعمال العقول واستخدام البراهين والأدلة المبثوثة حولنا في الكون ولذلك يرد كثيراً في كتاب ربنا الاستفهام الإنكاري والتعجبي ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣)، وقوله سبحانه ...... ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٤)، وقوله سبحانه ....... ﴿ ... أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥)، وأيضاً ......... ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٦) وأيضاً ........ ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٧).
ونقرأ مواضع تذييل الآيات ببيان السبب وراء إيرادها فنجده إعمال الفكر والتدبر ورجاء تحقق الهداية بذلك ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٨) ..... ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٩) ....... ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١٠) ........ ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١١).
ويأتي في القرآن أيضاً بيان أنه لا ينتفع بهذا البيان الإلهي والبرهان العقلي إلا القوم العالمون العقلاء أصحاب الأفهام السليمة ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١٢) وقوله تعالى ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١٣) وقوله تعالى ... ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (١٤) وقوله تعالى ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٥) وقوله تعالى ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ (١٦).
стр. 71
فالإعلام القرآني إعلام عقلاني منير، لا وجود فيه لأوهام أو خرافات، يدافع عن عقيدة الأمة بالدليل الساطع وينافح عن شريعة ربنا سبحانه بالبرهان الناصع، والعقل الذي ينشده الإعلام القرآني هو العقل الصحيح الصريح الذي يسعى للحقيقة بتجرد وإخلاص فيوفق إليها ويوقفه الله عليها فضلاً منه ورحمة.
٥ - الانحياز التام لمكارم الأخلاق ، والترويج لها، وإذاعتها، رجاء أن يلتزم بها جمهور المكلفين، وإن إطلالة خاطفة على بعض آيات القرآن الكريم كافية لبيان هذه الخصيصة الإعلامية قال الله سبحانه ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (١)، وقال الله سبحانه ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ (٢)، وقال ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ (٣)، وقال ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ (٤)، وقال سبحانه ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٥)، وقال ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ (٦)، وقال ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ (٧)، وقال ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ (٨)، وقال سبحانه ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٩) وقال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا
стр. 72
وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ (١) فهذه المكارم والمآثر الأخلاقية، وغيرها كثير جداً، تمثل عنواناً متلألئاً لإعلامنا القرآني، فهي صفات قويمة، وخلال مستقيمة، متى ما تمسك بها المجتمع، وعمل بها الأفراد؛ انتشرت بها الفضيلة، وسادت بها المحبة والمودة، وانحسمت مادة عظيمة من الشحناء والبغضاء والأحقاد من المجتمعات.
ولا يقتصر الإعلام القرآني على الحث على مكارم الأخلاق والتحلي بكريم الصفات بل نجد فيه الإلحاح على بيان الأخلاق السيئة، والعادات القبيحة والتشديد على ضرورة التخلص منها ووقاية المجتمعات من شرورها، وتطهير سلوكيات الأفراد من مفاسدها. قال سبحانه ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢). وقال سبحانه ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (٣). وقال سبحانه في آيات عشر جامعات ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا
стр. 73
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ (١)، وقال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ (٢).
وغير هذا في كتاب ربنا سبحانه كثير ومبثوث، الأمر بالخير وأسبابه، والنهي عن الشر ودواعيه، وحث على ما يجمع قلوب الناس ويؤلف بينها من كريم الصفات ومحاسن الأخلاق، ونهي عن كل ما يخدش ثوب الأخوة من قول وفعل سيء، وتنفير عن الاتصاف برديء الصفات التي تقطع أواصر المحبة، وتتسبب في البغضاء والشحناء بين الخلق.
وهذه الخصيصة الجامعة من الانحياز التام لمكارم الأخلاق هي بلا شك خصيصة يتفرد بها إعلام القرآن الكريم الذي تنمحي فيه المجاملات والمداهنات، وتعلو فيه الحقائق الواضحات، ويسمو بالقلوب للرقي نحو المعالي، ويوجه النفوس للتحلي بجميل الخصال.
٦ - العدالة والإنصاف وهي ما يسميه الإعلاميون في مصنفاتهم بـ (الموضوعية): خصيصة جليلة يدندن حولها كل الإعلاميين على مختلف اتجاهاتهم وعقائدهم، بل واعتبروها -كما يقول د سعيد صيني-: "شرطاً أساسياً من شروط الدقة في نقل الأخبار، ومع هذا فإن الموضوعية بقيت مصطلحاً يحيط به الغموض، فقامت جمعية الصحفيين المحترفين بالولايات المتحدة بتعريف الموضوعية: على أنها الدقة والتمييز بين الخبر والرأي وتقديم كافة الحقائق التي تمثل جميع
стр. 74
الأطراف المشتركة. وعرَّفها ليبمان (١): بأنها حالة من التحرر من المشاعر العاطفية والتحيزات والتجارب الشخصية" (٢) ورغم الجهود العظيمة في هذا المجال فلم تتحقق هذه الموضوعية المطلقة في الطرح الإعلامي بل ظلت نسبية، وبدرجات متفاوتة ما بين مقل ومستكثر، وأما العدالة التامة، والإنصاف الكامل فلم تعرفه البشرية حاضراً حياً إلا من خلال الإعلام القرآني، الذي تميز بميزان رباني دقيق، لا يغفل أي تفصيل، ولا يهمل مثقال الذرة من العمل.
? والمتأمل في آيات القرآن العظيم يجد نهراً جارياً بالعدالة بين الرب وعباده قال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣)
? ويأمر عباده به ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٤)،وقال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٥).
? ويأمرهم بالعدل ولو كان المحكوم عليه من الشانئين المخالفين يقول سبحانه ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٦).
стр. 75
٧ - التفاعلية الإيجابية مع الأحداث ، ويبدو ذلك بجلاء من نزول القرآن الكريم منجماً على ثلاث وعشرين سنة متابعاً للحوادث، مجيباً عن الأسئلة، حالّاً للمشكلات، مرشداً للحائرين، حاسماً للنزاع، حكماً فصلاً في الملمات، والوصول لواحد مما سبق أو بعضه هو غاية أماني وسائل الإعلام. ... ولم تقتصر تفاعلية الإعلام القرآني على جانب دون آخر بل شملت جميع جوانب الدين والحياة، في العقائد والعبادات والمعاملات والحدود والأحكام.
? نقرأ في العقائد إيضاح التصورات، ورد الزائف من الأقوال ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ (١)، ونقرأ قوله تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ (٢).
? ونجد في العبادات ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣)، ونقرأ قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ (٤).
? ونجد الإرشادات التامة والإجابات الوافية لما يقع من مشكلات أو يحل من نكبات ومحن ففي غزوة أحد كمثال يقول سبحانه واصفاً لحال المسلمين ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ