← Общие книги

Общие книги · id 96238

صور الإعلام الإسلامي في القرآن الكريم - دراسة في التفسير الموضوعي

عاطف إبراهيم المتولي

Полный текст (355 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فالإعلام القرآني إعلام عقلاني منير، لا وجود فيه لأوهام أو خرافات، يدافع عن عقيدة الأمة بالدليل الساطع وينافح عن شريعة ربنا سبحانه بالبرهان الناصع، والعقل الذي ينشده الإعلام القرآني هو العقل الصحيح الصريح الذي يسعى للحقيقة بتجرد وإخلاص فيوفق إليها ويوقفه الله عليها فضلاً منه ورحمة. ٥ - الانحياز التام لمكارم الأخلاق ، والترويج لها، وإذاعتها، رجاء أن يلتزم بها جمهور المكلفين، وإن إطلالة خاطفة على بعض آيات القرآن الكريم كافية لبيان هذه الخصيصة الإعلامية قال الله سبحانه ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (١)، وقال الله سبحانه ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ (٢)، وقال ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ (٣)، وقال ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ (٤)، وقال سبحانه ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٥)، وقال ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ (٦)، وقال ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ (٧)، وقال ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ (٨)، وقال سبحانه ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٩) وقال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا

стр. 72

وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ (١) فهذه المكارم والمآثر الأخلاقية، وغيرها كثير جداً، تمثل عنواناً متلألئاً لإعلامنا القرآني، فهي صفات قويمة، وخلال مستقيمة، متى ما تمسك بها المجتمع، وعمل بها الأفراد؛ انتشرت بها الفضيلة، وسادت بها المحبة والمودة، وانحسمت مادة عظيمة من الشحناء والبغضاء والأحقاد من المجتمعات. ولا يقتصر الإعلام القرآني على الحث على مكارم الأخلاق والتحلي بكريم الصفات بل نجد فيه الإلحاح على بيان الأخلاق السيئة، والعادات القبيحة والتشديد على ضرورة التخلص منها ووقاية المجتمعات من شرورها، وتطهير سلوكيات الأفراد من مفاسدها. قال سبحانه ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢). وقال سبحانه ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (٣). وقال سبحانه في آيات عشر جامعات ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا

стр. 73

لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ (١)، وقال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ (٢). وغير هذا في كتاب ربنا سبحانه كثير ومبثوث، الأمر بالخير وأسبابه، والنهي عن الشر ودواعيه، وحث على ما يجمع قلوب الناس ويؤلف بينها من كريم الصفات ومحاسن الأخلاق، ونهي عن كل ما يخدش ثوب الأخوة من قول وفعل سيء، وتنفير عن الاتصاف برديء الصفات التي تقطع أواصر المحبة، وتتسبب في البغضاء والشحناء بين الخلق. وهذه الخصيصة الجامعة من الانحياز التام لمكارم الأخلاق هي بلا شك خصيصة يتفرد بها إعلام القرآن الكريم الذي تنمحي فيه المجاملات والمداهنات، وتعلو فيه الحقائق الواضحات، ويسمو بالقلوب للرقي نحو المعالي، ويوجه النفوس للتحلي بجميل الخصال. ٦ - العدالة والإنصاف وهي ما يسميه الإعلاميون في مصنفاتهم بـ (الموضوعية): خصيصة جليلة يدندن حولها كل الإعلاميين على مختلف اتجاهاتهم وعقائدهم، بل واعتبروها -كما يقول د سعيد صيني-: "شرطاً أساسياً من شروط الدقة في نقل الأخبار، ومع هذا فإن الموضوعية بقيت مصطلحاً يحيط به الغموض، فقامت جمعية الصحفيين المحترفين بالولايات المتحدة بتعريف الموضوعية: على أنها الدقة والتمييز بين الخبر والرأي وتقديم كافة الحقائق التي تمثل جميع

стр. 74

الأطراف المشتركة. وعرَّفها ليبمان (١): بأنها حالة من التحرر من المشاعر العاطفية والتحيزات والتجارب الشخصية" (٢) ورغم الجهود العظيمة في هذا المجال فلم تتحقق هذه الموضوعية المطلقة في الطرح الإعلامي بل ظلت نسبية، وبدرجات متفاوتة ما بين مقل ومستكثر، وأما العدالة التامة، والإنصاف الكامل فلم تعرفه البشرية حاضراً حياً إلا من خلال الإعلام القرآني، الذي تميز بميزان رباني دقيق، لا يغفل أي تفصيل، ولا يهمل مثقال الذرة من العمل. ? والمتأمل في آيات القرآن العظيم يجد نهراً جارياً بالعدالة بين الرب وعباده قال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣) ? ويأمر عباده به ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٤)،وقال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٥). ? ويأمرهم بالعدل ولو كان المحكوم عليه من الشانئين المخالفين يقول سبحانه ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٦).

стр. 75

٧ - التفاعلية الإيجابية مع الأحداث ، ويبدو ذلك بجلاء من نزول القرآن الكريم منجماً على ثلاث وعشرين سنة متابعاً للحوادث، مجيباً عن الأسئلة، حالّاً للمشكلات، مرشداً للحائرين، حاسماً للنزاع، حكماً فصلاً في الملمات، والوصول لواحد مما سبق أو بعضه هو غاية أماني وسائل الإعلام. ... ولم تقتصر تفاعلية الإعلام القرآني على جانب دون آخر بل شملت جميع جوانب الدين والحياة، في العقائد والعبادات والمعاملات والحدود والأحكام. ? نقرأ في العقائد إيضاح التصورات، ورد الزائف من الأقوال ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ (١)، ونقرأ قوله تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ (٢). ? ونجد في العبادات ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣)، ونقرأ قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ (٤). ? ونجد الإرشادات التامة والإجابات الوافية لما يقع من مشكلات أو يحل من نكبات ومحن ففي غزوة أحد كمثال يقول سبحانه واصفاً لحال المسلمين ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ

стр. 76

وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١)، ثم يذكر زلة بعضهم ويعفو عنهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢)، ثم يكشف لهم عن موضع الخلل ومرجع الهزيمة فيقول سبحانه ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣). ? وبمثل هذا التفاعل كان القرآن يتنزل على الرسول الكريم ﵊ ونجد فيه أحكام الأسرة زواجاً وطلاقاً ووصيةً وميراثاً، والحدود، والعلاقات مع غير المسلمين نجد بيانا كافياً، ودواءً شافياً لجميع العلل، يعلم ويرشد، وينفي عن مجتمع المسلمين الخبث، يثبت أهل الإيمان الصادقين، ويفضح مخططات الكافرين والمنافقين (٤) وهكذا يجب أن تكون وسائل الإعلام، تعبر بصدق عن مجتمعاتها، وتعكس الفكر الصحيح والفهم المستنير، وتكون أداة إصلاح لا إفساد، وسيلة إرشاد وهداية لا إضلال وغواية. ? إن إطلالة متجردة على خصائص الإعلام القرآني تبعث همم المخلصين لإصلاح مواطن الخلل، ومواضع الفساد، في منظومة الإعلام في أمتنا الإسلامية عامة، والمؤسسات الإعلامية العربية خاصة.

стр. 77

وإذا كانت هذه هي الخصائص، فلابد لنا من الولوج إلى عالم وسائل الإعلام القرآنية، نستلهم منها الرشاد، ونتعرف بها الطريق الصحيح إلى التأثير الإيجابي، وتوصيل الرسالة بأوضح الأساليب، وأبين الوسائل، ومبحثنا التالي يحقق بذلك المعنى بإذن الله.

стр. 78

المبحث الرابع: وسائل الإعلام في القرآن المطلب الأول: تنويع الخطاب (١) في صدارة وسائل الإعلام القرآني، يأتي الخطاب الإلهي في القرآن متنوعاً إنشاءً أو إخباراً، أمراً ونهياً، وترغيباً وترهيباً، ووعداً ووعيداً، وإخباراً وتذكيراً، واعتباراً وإنذاراً. والمتتبع للخطاب القرآني والمتأمل له، يجد أنه يأتي على أنواع عديدة منها: ١ - خطاب عامٌّ يراد به عموم الناس، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢)، فالخطاب في الآية يشمل جميع الناس المؤمن والكافر، والغني والفقير، والرئيس والمرؤوس. ٢ - خطاب خاصٌّ يُراد به الخصوص، من ذلك قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً﴾ (٣)،فالخطاب في الآية خاص بالنبي ﷺ ؛ إذ إن قيام الليل واجب في حقه ﷺ دون الناس. ٣ - خطاب خاصٌّ يراد به عموم المكلفين، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤)، فالخطاب موجه للنبي ﷺ ، لكن المراد عموم المكلفين، وكقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (٥) فالخطاب للنبي ﷺ ، والمراد المؤمنون؛ لأنه صلى الله عليه وسلمكان أتقى الخلق، وحاشاه من طاعة الكافرين والمنافقين. فالتحقيق في كل هذا ونحوه أنه من باب خطاب عموم المؤمنين من غير قصد النبي ﷺ .

стр. 79

٤ - خطاب عامٌّ يُراد به الخصوص، من ذلك قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (١)، الخطاب في الآية عام، يشمل كل الناس كبيراً وصغيراً، عاقلاً أو لا، مع أن المراد فقط من كان صالحاً للتكليف من غير الصغار والمجانين. ٥ - خطاب الجنس، نحو قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ (٢)، فإن المراد جنس الناس، لا كل فرد؛ إذ من المعلوم أن غير المكلف، لا يدخل تحت هذا الخطاب. ٦ - خطاب النوع، نحو قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٣)، فالخطاب هنا موجَّه لنوع معين من الناس دون غيرهم، والمراد بنو يعقوب. ٧ - خطاب العين، نحو قوله تعالى: ﴿يَانُوحُ﴾ (٤)، وقوله سبحانه: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ (٥). ٨ - خطاب التكريم، نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ (٦) ... وقوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ (٧). ٩ - خطاب المدح والتبشير، نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٨). فهذا خطاب للمؤمنين بما هم متصفون به من الإيمان، وهو من باب المدح لهم، ونحو قوله سبحانه للمؤمنين يوم القيامة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٩). ١٠ - خطاب الذم والتنفير، من ذلك قوله سبحانه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (١٠)، فالآية خطاب للمؤمنين تفيد التنفير من الغيبة، ونحو قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (١١). وهذا خطاب للكافرين بما هم متصفون به من الكفر. وهو من باب الذم لهم.

стр. 80

١١ - خطاب الإهانة والتهكم، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ (١) فالخطاب هنا على معنى الاستخفاف والتوبيخ والاستهزاء.، ونحو قوله سبحانه: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٢)، خطاب للمعرضين والكافرين بما وعدوا به من الذل والمهانة. ١٢ - خطاب الجمع بلفظ الواحد، كقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (٣). فالمراد بلفظ ﴿الإنسان﴾ هنا الجميع. ١٣ - خطاب الواحد بلفظ الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا﴾ (٤) فالخطاب في الآية للنبي ﷺ ؛ بدليل قوله سبحانه قبلُ: ﴿قل فأتوا﴾. ١٤ - خطاب الاثنين بلفظ الواحد، كقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (٥). فأخبر أن الشقاء حاصل لآدم، مع أن مخالفة الأمر حصل منه ومن زوجه. ١٥ - الالتفات في الخطاب: من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ (٦)، فالخطاب للمفرد (للنبي ﷺ : ﴿وما تكون﴾، و ﴿وما تتلو﴾، ثم جاء بالفعل الثالث بصيغة الجمع: ﴿ولا تعملون﴾؛ تنبيهاً للسامعين بدخولهم في الخطاب، وكقوله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٧)، فجاء الخطاب أولاً بصيغة المخاطبين ﴿كنتم﴾، ثم أتبعه بخطاب الغائبين ﴿وجرين بهم﴾ فنقلهم من الخطاب للغائب لكون الإنسان يسهل عليه أن يستبشع عمل غيره ويستقبحه بمجرد خروجه من العهدة.

стр. 81

١٦ - خطاب التهييج والتشجيع والتحريض، كقوله سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، فالآية سيقت مساق الحث على التوكل على الله، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٢). ١٧ - خطاب الحزم والتأني، كقوله سبحانه ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٣)، وكقوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٤)، فالآيتان خطاب للمؤمنين بالاستعداد وأخذ الأُهْبَة لمواجهة الصادين عن سبيل الله. ١٨ - خطاب التحنن والتَّعَطُّف، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥). فالآية دعوة منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه، وأنه سبحانه رحيم يقبل منهم الإنابة والتوبة. ١٩ - خطاب التحبيب، نحو ما جاء في خطاب إبراهيم لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ (٦) مريم: ٤٤ ونحو قوله سبحانه على لسان موسى ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٧). ٢٠ - خطاب التعجيز والتيئيس، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ (٨)، ونحو قوله تعالى: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٩). هذا ما تيسر من أنواع الخطاب القرآني الذي لقي عناية العلماء والمفسرين فأبانوا عن معانيه ومراميه، لأهميته البالغة في فهم مراد الرحمن سبحانه، وكذلك للوقوف على هذا النمط في الخطاب المتنوع، الذي يشد السامعين، ويسحر المتدبرين، بثراء أساليبه، واتساع ألفاظه وعظم بلاغته، ويدفع عن قرائه أي عارض من عوارض السآمة والملل، ليبقيه يقظاً منتبهاً منجذباً لحِكَمِه وأحْكامه، وتوجيهاته وإرشاده (١٠).

стр. 82

المطلب الثاني: القصص ? حين تأخذ الحادثة صورة من واقع الحياة في أحداثها تتضح أهدافها، ويرتاح المرء إلى سماعها، ويصغي إليها بشوق ولهفة، ويتأثر بما فيها من عبر وعظات، والقصص الصادق يمثل هذا الدور في الأسلوب العربي أقوى تمثيل، ويصوره في أبلغ صورة: القرآن الكريم. ? معنى القصص لغةً القصّ: تتبع الأثر، يقال: قصصت أثره: أي تتبعته، والقصص مصدر، قال تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (١). أي رجعا يقصان الأثر الذي جاءا به. وقال على لسان أم موسى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ (٢). أي تتبعي أثره حتى تنظري من يأخذه. والقصص كذلك: الأخبار المتتبعة قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (٣). والقصة: الأمر، والخبر، والشأن، والحال (٤). ? وقصص القرآن: إخباره عن أحوال الأمم الماضية، والنبوات السابقة، والحوادث الواقعة- وقد اشتمل القرآن على كثير من وقائع الماضي، وتاريخ الأمم، وذكر البلاد والديار. وتتبع آثار كل قوم، وحكى عنهم صورة ناطقة لما كانوا عليه. ? أنواع القصص في القرآن: والقصص في القرآن ثلاثة أنواع: النوع الأول: قصص الأنبياء، وقد تضمن دعوتهم إلى قومهم، والمعجزات التي أيدهم الله بها، وموقف المعاندين منهم، ومراحل الدعوة وتطورها، وعاقبة المؤمنين والمكذبين. كقصص نوح، وإبراهيم، وموسى، وهارون، وعيسى، ومحمد، وغيرهم من الأنبياء والمرسلين، عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام.

стр. 83

النوع الثاني: قصص قرآني يتعلق بحوادث غابرة، وأشخاص لم تثبت نبوتهم، كقصة طالوت وجالوت، وابني آدم، وأهل الكهف، وذي القرنين، وقارون، وأصحاب السبت، وأصحاب الأخدود، وأصحاب الفيل، ونحوهم. النوع الثالث: قصص يتعلق بالحوادث التي وقعت في زمن رسول الله ﵊ كغزوة بدر وأحد في سورة آل عمران، وغزوة حنين وتبوك في التوبة، وغزوة الأحزاب في سورة الأحزاب، ونحو ذلك. ? فوائد قصص القرآن وللقصص القرآني فوائد نجمل أهمها فيما يأتي: أ- إيضاح أسس الدعوة إلى الله، وبيان أصول الشرائع التي بعث بها كل نبي قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) ب- تثبيت قلب النبي ﷺ وقلوب الأمة المحمدية على دين الله وتقوية ثقة المؤمنين بنصرة الحق وجنده وخذلان الباطل وأهله ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ (٢) ج- تصديق الأنبياء السابقين وإحياء ذكراهم وتخليد آثارهم. د- إظهار صدق محمد ﵊ في دعوته بما أخبر به عن أحوال الماضين عبر القرون والأجيال. هـ- مقارعة أهل الكتاب وتحديهم بالحجة فيما كتموه من البينات والهدى مماكان في كتبهم قبل التحريف والتبديل كقوله تعالىقال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣)

стр. 84

ووالقصص ضرب من ضروب الأدب، يصغي إليه السمع، وتَرْسَخُ عِبَرُه في النفوس، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) ? تكرار القصص وحكمته يشتمل القرآن الكريم على كثير من القصص الذي تكرر في غير موضع، فالقصة الواحدة يتعدد ذكرها في القرآن، وتعرض في صور مختلفة في التقديم والتأخير، والإيجاز والإطناب، وما شابه ذلك ومن حكمة هذا: ٧ - بيان بلاغة القرآن في أعلى مراتبها. فمن خصائص البلاغة إبراز المعنى الواحد في صور مختلفة، والقصة المتكررة ترد في كل موضع بأسلوب يتمايز عن الآخر، وتصاغ في قالب غير القالب، ولا يمل الإنسان من تكرارها، بل تتجدد في نفسه معان لا تحصل له بقراءتها في المواضع الأخرى. ٨ - قوة الإعجاز- فإيراد المعنى الواحد في صور متعددة مع عجز العرب عن الإتيان بصورة منها أبلغ في التحدي. ٩ - الاهتمام بشأن القصة لتمكين عبرها في النفس، فإن التكرار من طرق التأكيد وأمارات الاهتمام. كما هو الحال في قصة موسى مع فرعون، لأنها تمثل الصراع بين الحق والباطل أتم تمثيل، مع أن القصة لا تكرر في السورة الواحدة مهما كثر تكرارها. ١٠ - اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة فتذكر بعض معانيها الوافية بالغرض في مقام، وتبرز معان أخرى في سائر المقامات حسب اختلاف مقتضيات الأحوال (٢).

стр. 85

٤ - وتستطيع وسائل إعلامنا الإسلامي - بهذا الكنز العظيم والمعين الفياض من القصص القرآني - تقديم زاد نافع للأمة، أبلغ أثراً، وأكثر تحليلاً وعمقاً. ومن القصص القرآني لضرب الأمثال في القرآن، وهو مطلبنا التالي: المطلب الثالث: الأمثال (١) ٧ - "الحقائق السامية في معانيها وأهدافها تأخذ صورتها الرائعة إذا صيغت في قالب حسن يقربها للأفهام بقياسها على المعلوم اليقيني, والتمثيل هو القالب الذي يبرز المعاني في صورة حية تستقر في الأذهان، بتشبيه الغائب بالحاضر، والمعقول بالمحسوس، وقياس النظير على النظير، وكم من معنى جميل أكسبه التمثيل روعة وجمالاً، فكان أدعى لتقبل النفس له، واقتناع العقل به، وهو من أساليب القرآن الكريم، ومن ضروب بيانه ونواحي إعجازه، وذكر الله سبحانه في كتابه أنه يضرب الأمثال" (٢)، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤) ٨ - تعريف الأمثال: جمع مثل، والمثَل والمِثْل والمَثيل، كالشَّبَه والشِّبْه والشبيه لفظاً ومعنىً. قال ابن منظور: "المثَل الشيء الذي يضرب لشيءٍ مثلا فيُجعل مِثْله، وفي الصحاح: ما يضرب به من الأمثال" (٥). ٩ - والمثل القرآني هو: إبراز المعنى في صورة رائعة موجزة لها وقعها في النفس سواء كانت تشبيهاً، أو قولاً مرسلاً (٦) ١٠ - أنواع الأمثال في القرآن: وأغزر الأمثال بياناً, وأعلاها فصاحةً أمثال القرآن الكريم, من غاص فيها, صدر عن صنوف الآداب, وانهالت عليه

стр. 86

المعاني الثَّرَّة، فالقارئون لها والمتدبرون معانيها يقطفون منها نوادر الأمثال, وجواهر الحكم, وقلائد الأدب، وللأمثال في الكتاب العزيزثلاثة أنواع: - الأمثال المصرحة: وهي ما صُرِّحَ فيها بلفظ المثل، أو ما يدل على التشبيه، كما جاء في قوله سبحانه ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (١) فقد ذكر الله سبحانه في هذه الآية حال المنافقين " وتقدير هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى بمن استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يبصر ولا يهتدي" (٢) - الأمثال الكامنة: وهي التي لم يصرح فيها بلفظ التمثيل، ولكنها تدل على معاني رائعة في إيجاز، ويكون لها وقعها إذا نقلت إلى ما يشبهها، ومن أمثلة هذا النوع قوله سبحانه ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٣) وقوله سبحانه ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٤) وللآيتين معنى المثل السائر: خير الأمور الوسط ومن أمثلة هذا النوع أيضاً قوله ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٥)، وهذه الآية الكريمة كقولهم: كما تدين تدان. - الأمثال المرسلة: وهي جمل أرسلت إرسالاً من غير تصريح بلفظ التشبيه، فهي جارية مجرى الأمثال، كما في قوله سبحانه ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٦)،وقوله ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ (٧)، وقوله سبحانه ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (٨)

стр. 87

١١ - فوائد الأمثال: للمثل أهمية كبرى في إفهام الناس, وتأثير عجيب في الأسماع, فإذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق, وأجمل للسمع, وأوسع لنواحي الحديث. تأنس إليه النفوس الأُنس التام, ويمكن لنا أن نلخص فوائد ضرب الأمثال فيما يلي: أإبراز المعاني في صورة محسوسة، تقبلها العقول، وتستقر فيها. ب الكشف عن الحقائق وعرض الغائب في معرض الحاضر. ت إخراج المعنى الرائع في عبارة موجزة كما في الكامن والمرسل من الأمثال. ث يضرب المثل للترغيب والمدح حيث يكون الممثل به مما تحبه النفوس، وتعظمه القلوب، كما في قوله سبحانه ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ (١). ج ويضرب المثل للتنفير والذم حيث يكون الممثل به مما تكرهه النفوس، ويستقبحه الخلق، كما في قوله ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ (٢). ح والأمثال أوقع وأبلغ وأقوى وأقوم في النفوس والقلوب زجراً ووعظاً وإقناعاً، وقد أكثر الله منها في القرآن تذكرة وعبرةً للناس (٣). ١٢ - ووسائل الإعلام عامة والإسلامي خاصة مدعوة دعوة أكيدة إلى تفعيل هذه الأدوات القرآنية والاستفادة منها في غرس المعاني، وتربية النشء المسلم، وترسيخ المفاهيم الصحيحة في وجدان الجماهير التي غالباً ما تتلقف ما تلقيه إليه وسائل الإعلام وتعتقده صحيحاً، تتمثله، وتقتدي وتعمل به.

стр. 88

المطلب الرابع: الترغيب والترهيب (١) الترغيب: كل ما يشوق المدعو إلى الاستجابة وقبول الحق والثبات عليه. الترهيب: كل ما يخيف ويحذر المدعو من عدم الاستجابة أو رفض الحق أو عدم الثبات عليه بعد قبوله. والملاحظ أن القرآن الكريم مملوء بما يرغب الناس في قبول دعوة الإسلام والالتزام بمبادئه والتحذير من الإعراض عنها ورفضها، مما يدل دلالة قاطعة على أهمية هذا الأسلوب: أسلوب الترغيب والترهيب في الدعوة إلى الله تعالى، والإعلام بأحكام ومفاهيم الإسلام وعدم إهماله من قبل الداعي المسلم، والإعلام الإسلامي. بم يكون الترغيب والترهيب؟ - والأصل في الترغيب أن يكون في نيل رضى الله ورحمته وجزيل ثوابه في الآخرة، وأن يكون الترهيب بالتخويف من غضب الله وعذابه في الآخرة وهذا هو نهج رسل الله الكرام كما بينه القرآن الكريم، فمن الآيات القرآنية قوله تعالى: ١ - عن نوح ﵇ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ٢ - وقال تعالى عن رسوله محمد ﷺ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣)

стр. 89

٣ - وقال سبحانه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١). - ويكون الترغيب والترهيب أيضاً بما يصيب المدعوين في الدنيا من خير في حالة استجابتهم وما يصيبهم من شر في حالة رفضهم، على أن لا يغفل الداعي أبداً عن الترغيب والترهيب بالجزاء في الآخرة. ومن أدلة هذا الجواز ما يأتي: ١ - قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ (٢). ٢ - وقال تعالى حكاية عن قوم نوح ﵇ لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٣). ٣ - وقال سبحانه ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ (٤). - إن هذا الأسلوب القرآني المتميز في جذب الناس إلى دعوته الكريمة ومبادئه السامية، من أبدع الطرق الإعلامية، فآيات القرآن العظيم تُعرِّف بالمبادئ والمفاهيم، وتبين محاسنها، وتعدد فوائدها ومكاسبها في الدنيا والآخرة، وهي كذلك تنبه وتحذر جماهير المتلقين للرسالة القرآنية من تَنَكَّبَ الطريق السويّ، وسلوك السبيل الغويّ، والإعراض عن الحق المبين، ورفض النور الذي جاء به سيد المرسلين ﷺ ، ولا يتوقف القرآن عند ذلك فقط، بل يتخطاه ليبين للجماهير العاقبة السيئة، وسوء المصير في الدنيا قبل الآخرة، ومن أجمع الآيات في هذا المعنى الجليل قوله سبحانه ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ

стр. 90

لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ (١). فبينت الآيات أن التمسك بما جاء عن الله في كتابه وعلى لسان رسوله من الهدايات يكون عصمة للمتمسكين به من الضلال في الأفهام والأفعال، ونجاة من الشقاء، كما بينت الآيات الكريمة عاقبة المعرضين عن الهدى والرشاد بالضيق والضنك في الدنيا، والعمى في الآخرة فلا يستطيعون مضياً ولا يرجعون والجزاء من جنس العمل، فكما نسوا آياته وأعرضوا عنها في الدنيا، أعرض الله عنهم في الآخرة وعذبهم عذاب المسرفين الجاحدين، وهو العذاب الأشد الخالد. - ووسائل الإعلام الموفقة هي تلك المؤسسات التي تنتفع بهدايات القرآن، ويكون لها في آياته وتوجيهاته معين لا ينضب، ومرتع خصب تتفيأ في ظلاله، وتجتني من ثماره، وتنتفع بأساليبه في خدمة رسالتها الإعلامية، وما تسعى إليه من خدمة أمتها ونصرة دينها. والذي لا شك فيه أن هذا العطاء القرآني الرباني الممدود، هو مزية فريدة لأهل الإسلام ودعاته وإعلامييه، متى أحسن استغلاله والانتفاع به، جاءت أمتنا بالعجائب، وتبوأت صدارة الموجهين والمرشدين بين البشرية.

стр. 91

المطلب الخامس: التكرار التكرار في كلام الله سبحانه ليس هو التكرار المعهود والمذموم في كلام البشر، إذ هو تكرار محكم، ذو وظيفة يؤديها في النص القرآني؛ يعرف ذلك كل من خَبَر طبيعة النص القرآني وخصائصه. ونستطيع أن نقول هنا: إن التكرار في القرآن يؤدي وظيفتين اثنتين: الأولى: وظيفة دينية، غايتها تقرير المفاهيم والمبادئ وتأكيد الحكم الشرعي، الذي جاء به النص القرآني. والوظيفة الثانية للتكرار، فهي وظيفة أدبية، تتمثل في تأكيد المعاني وإبرازها وبيانها بالصورة الأوفق والأنسب والأقوم. أولاً: تعريف التكرار. قال ابن منظور: والكَرُّ: الرجوع على الشيء، ومنه التَّكْرارُ ... (قال) الجوهري: كَرَّرْتُ الشيء تَكْرِيراً وتَكْراراً (١). فالتكرار: إعادة كلمة أو جملة أكثر من مرة لمعاني متعددة كالتوكيد، والتهويل، والتعظيم، وغيرها. ثانياً: التكرار من الفصاحة. قال الإمام السيوطي ﵀: التكرير وهو أبلغ من التأكيد، وهو من محاسن الفصاحة خلافاً لبعض من غلط. (٢) ثالثاً: أنواع التكرار (٣): قسَّم العلماء التكرار الوارد في القرآن إلى نوعين:

стр. 92

الأول: تكرار اللفظ والمعنى. وهو ما تكرر فيه اللفظ دون اختلاف في المعنى، وقد جاء على وجهين: ١ - الموصول: فقد جاء على وجوه متعددة: ٤ - تكرار كلمات في سياق الآية، مثل قوله تعالى ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (١). ٥ - تكرار في آخر الآية وأول التي بعدها، مثل قوله تعالى ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾ (٢). ٦ - تكرار في أواخرها، مثل قوله تعالى ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ (٣). ٧ - تكرر الآية بعد الآية مباشرة، مثل قوله تعالى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٤). ٢ - المفصول: فيأتي على صورتين: ٨ - تكرار في السورة نفسها ومثاله: تكرر قوله تعالى ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في سورة " المرسلات " ١٠ مرات، وتكرر قوله تعالى ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ في سورة " الرحمن " ٣١ مرة. ٩ - تكرار في أكثر من سورة ومثاله: تكرر قوله تعالى ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ ٦ مرات (٥)، وتكرر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ مرتين (٦).

стр. 93

والثاني: التكرار في المعنى دون اللفظ. وذلك مثل قصص الأنبياء مع أقوامهم، وذِكر الجنة ونعيمها، والنار وجحيمها. رابعاً: فوائد التكرار قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وليس في القرآن تكرار محض، بل لابد من فوائد في كل خطاب" (١). وقال الإمام السيوطي ﵀: "وله - أي: التكرار - فوائد: منها: التقرير، وقد قيل " الكلام إذا تكرَّر تقرَّر "، وقد نبه تعالى على السبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والإنذار في القرآن بقوله سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (٢). ومنها: التأكيد ومنه قوله ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ (٣). ومنها: زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول، ومنه قوله تعالى على لسان مؤمن آل فرعون ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله تعالى ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠)﴾ وقوله تعالى ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ وقوله تعالى ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨)﴾ وقوله تعالى ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ (٤)، فإنه كرر فيه النداء ﴿يَاقَوْمِ﴾ لإظهار موالاته لهم وشفقته عليهم. ومنها: إذا طال الكلام وخشي تناسي الأول أعيد ثانيها تطرية له وتجديداً لعهده،

стр. 94

ومنه قوله سبحانه ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ (١)، وقوله سبحانه ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، وقوله سبحانه ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (٣) ومنها: التعظيم والتهويل نحو قوله سبحانه ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٤)، وقوله ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ " وقد سبق قريباً فوائد تكرار القصص في القرآن الكريم، فلا نعيدها ثانية (٥)

стр. 95

المطلب السادس: الحوار والجدال (١) يلتقي الحوار والجدال في كونهما مراجعة للكلام بين طرفين، ويفترقان في أن الجدال فيه لدد وخصومة وشدة في الكلام، مع التمسك بالرأي والتعصب له، وأما الحوار فهو مجرد مراجعة للكلام بين الطرفين، دون وجود خصومة بالضرورة، بل الغالب عليه الهدوء والبعد عن التعصب ونحوه، فالحوار أعم من الجدل من هذا النحو. والاختلاف والتعددية بين البشر قضية واقعية، وحقيقة فطرية، وقضاء إلهي أزلي قال تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ (٢)، وآلية تعامل الإنسان مع هذه القضية هي الحوار، من خلال كشفه عن مواطن الاتفاق ومثارات الاختلاف؛ لتكون محل النقاش والجدل بالتي هي أحسن لمعرفة ما هو أقوم للجميع. وقد تعرضت آيات القرآن في مواضع شتى وبأساليب مختلفة لهذه الوسيلة الفعالة، فجاء في بعضها الدعوة إلى الحوار أو شيء من مستلزماته وأصوله، وفي أخرى حث على الالتزام بآداب عامة للحوار، وفي قسم منها بيان لآداب خاصة للحوار، وفي بعضها أمثلة ونماذج للحوار. ومن هذه النصوص الجامعة قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ (٣)، آية عظيمة وموعظة كريمة، من عمل بها قادته للصواب، والحق الذي لا شك فيه. وقد اشتملت هذه الاية على عدة مقومات أساسية للحوار: - ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾، والقيام لله هو الإخلاص والتجرد في طلب الحق، وهو شرط أساسي لكل عمل، وبدونه يصبح العمل عناءً وهباءً، وهذا العامل الأساسي يجمع للمُحَاوِر عدة أمور منها:

стр. 96

تصحيح النية، وحسن الاستماع، والتسليم بالخطأ، والتواضع، والإنصاف، والأمانة، والعدل، والرجوع للحق، وتجنب المراوغة والكذب، وغير ذلك. - ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾، مراجعة النفس على انفراد أو مع مقربين، وهذا من أدعى الأمور لحسن التفكر وقبول الحق بالبعد عن الأجواء المشحونة والغوغائية، وهذا العامل الأساسي يجمع للمُحَاوِر عدة أمور منها: مراعاة الجو المحيط بالحوار، والتعارف بين الطرفين، والمحافظة على هدف الحوار والوصول لنتائج. - ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ النظر فيما يقول المخالف هو الوسيلة الأساسية للوصول للحق مع الشرطين السابقين، والمقصود بالتفكر البحث عن الأدلة، والتحقق من ثبوتها ودلالتها على المراد، وهذا العامل الأساسي يجمع للمُحَاوِر عدة أمور منها: حسن العرض والبيان مع التثبت والتوثيق، والبدء بمواطن الاتفاق، وطلب الدليل، والتسليم بالحق والبدْء بالأهم (١). وقريب من معنى هذه الآية الجامعة قوله تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)، فقد قال فيها الطبري ﵀ ﴿(ادْعُ) يا محمد من أرسلك إليه ربك بالدعاء إلى طاعته (إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ) يقول: إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام (بِالْحِكْمَةِ) يقول بوحي الله الذي يوحيه إليك وكتابه الذي ينزله عليك (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) يقول: وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه، وذكّرهم بها في تنزيله، كالتي عدّد عليهم في هذه السورة من حججه، وذكّرهم فيها ما ذكرهم من آلائه (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك﴾ (٣).

стр. 97

فالحوار الذي أسسه القرآن وشادت دعائمه آيات الرحمن، هو حوار متجرد، بناء، هادف، غايته الحقيقة الثابتة بالأدلة والبراهين ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، بلا تنازل أو تزحزح أو تفريط في الحق ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ (٢). والحوار هو قاعدة الإسلام الأساسية في دعوته الناس إلى الإيمان بالله وعبادته، وقد أكَّدَ القرآن هذا المبدأ بطرق عديدة، فعرض القرآن لحوار الله مع خلقه بواسطة الرسل، وكذا مع الملائكة ومع إبليس، كما أنَّ دعوات الرسل كلها كانت محكومة بالحوار مع أقوامهم، وقد أطال القرآن الكريم في عرض هذه الحوارات بين الرسل وأقوامهم، ولم يشجب القرآن في هذا الباب موقفاً كما شجب موقف رفض الحوار والإصرار على عدم ممارسته: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ (٣). ومن أعظم منطلقات الحوار في القرآن التسليم بإمكانية صواب الخصم: فبعد مناقشة طويلة في الأدلة على وحدانية الله تأتي هذه الآية من سورة سبأ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾ (٤)، فيجعل اختياره هو بمرتبة الإجرام على الرغم من أنه هو الصواب، ولا يصف اختيار الخصم بغير مجرد العمل، ليقرر في النهاية أن الحكم النهائي لله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ (٥).

стр. 98

ومن منطلقات الحوار في القرآن التعهد والالتزام باتباع الحق: هذا ولا يكفي مجرد التسليم الجدلي بإمكانية صواب الخصم، بل لا بد من التعهد والالتزام باتباع الحق إن ظهر على يديه، حتى ولو كان التعهد باتباع ما هو باطل أو خرافة إذا افتُرِض أنه ثبت وتبين أنه حق: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ (١). ومن منطلقات الحوار في القرآن تحديد المرجعية: وهي الجهة التي يسلم لحكمها المتحاورون عند الاختلاف والنزاع، وهي أمر لابد منه لكي يتوفر الحزم والحسم في الاختلاف، وكي ينضبط الحوار ويتحدد مساره. قال سبحانه ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢)، وقال سبحانه ... ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣). الحوار مع المشركين نموذجاً: - وصف القرآن حالة المشركين النفسية تجاه الرسول ﷺ حيث كان موقفهم انفعالياً فجعلوا يردون بالتُّهَمِ والتعجب؛ ليريحوا أنفسهم من عناء التفكير فيما جاهم به ﷺ ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ (٤). - فقابلهم الرسول بكل هدوء، وطلب منهم إبداء الدليل على ما هم عليه من شرك ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥).

стр. 99

- ولما عجز المشركون عن إقامة الدليل، إذ مستندهم التقليد واتباع الظن أقام الدليل عليهم: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)﴾ (١). - ولما لم يُجدِ الدليل العلمي العقلي على بطلان مُدَّعَاهم، أتاهم بأدلة حسية مادية من الواقع تثبت بطلان ألوهية الأصنام:" ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾ (٢). فهذه بعض معالم الحوار مع المشركين تجلّت فيها الاستقلالية التامة والحرية المطلقة التي أُعْطِيَتْ للمشركين؛ حيث قُوبل توترهم وردهم العنيف بالدعوة إلى إبداء الدليل العلمي، وإذ عجزوا عنه أقيم عليهم الدليل العلمي والواقعي على بطلان دعواهم دون أن يتعدى ذلك إلى أي شائبة من شوائب الإكراه المادي أو النفسي. خلاصة ونخلص مما سبق إلى أن الحوار وفق المنهج القرآني لا ينطلق من منطق الوصاية على الآخر، أو مجرد التعريف بما عند المحاور، إنما هي قضية بحث عن الحق أين كان، وهذا لا يعني أن المسلم عندما يدخل في حوار مع الآخرين قد تخلّى عن تصوراته، إنما الموضوعية تتجلّى في الاستعداد التام للتخلي عن جميع التصورات، وتبني نقيضها إذا ما اتضح أنَّ الحق مع الرأي

стр. 100

الآخر، وهذا الاستعداد ليس مجاملة إنما هو تَعَهُّدٌ يعبر عن مصداقية المسلم في اتباع الحق، وهو تكليف إلهي صريح في محاورة الآخر ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ (١). "وإذا عرفنا هذه الأسس القرآنية لنجاح الحوار، أو على الأقل عدم تحوله إلى الضد من أهدافه السامية، عرفنا أسباب التردي والفشل، في مختلف الحوارات التي تجري في واقعنا بين المسلمين أنفسهم، أو بين المسلمين وغيرهم، فهي حوارات يغلب عليها منطق الوصاية، وإثبات الوجود؛ لذا فهي أبعد ما تكون عن القصد إلى الحق، وهذا طبيعي إذا فقد المحاور أهم أسس الحوار، وهو الحرية الفكرية، التي يستطيع الفرد من خلالها اتخاذ قراره الفكري" (٢). وبهذا العرض لخصائص وأساليب الإعلام في القرآن الكريم يتبقى لنا التعرف على ألفاظ القرآن ذات الدلالات الإعلامية، وهي موضوع مبحثنا التالي والأخير في هذا الفصل

стр. 101

المبحث الخامس ألفاظ القرآن ذات الدلالات الإعلامية لا يصعب على الراصد لآيات وألفاظ القرآن الكريم، والمتأمل في معانيها، لا يصعب عليه ملاحظة هذا الكم الهائل من الألفاظ ذات الدلالات الإعلامية، المبثوثة بين الآيات والسور الكريمة، والتي تؤكد ما سبق أن تقرر، من أن القرآن الكريم هو كتاب إعلامي بامتياز بلا ريب، ولا مرية. وهذه الألفاظ هي (١): العلم، والقول، والكلمة، والبيان، والبلاغ، والخبر، والنبأ، والتلاوة، والبشرى، والإنذار. فقد تكررت هذه الألفاظ بمشتقاتها المختلفة، وبلغت مواضعها في القرآن الكريم ألفي موضعٍ (٢٠٠٠) تقريباً، والجدول التالي يعرض نماذج واسعة من هذه الألفاظ ذات الدلالة الإعلامية في سياقها القرآني: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ البقرة: ٣٢ ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ آل عمران: ٦٦ ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ يوسف: ٦٨ ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ النجم: ٢٨ ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥)﴾ النجم: ٣٥ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ العلق: ٤ و٥ ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ التكاثر: ٥ ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ الحديد: ١٧ ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ البقرة: ٢٠٩ ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ المائدة: ٩٢

стр. 102

﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ الأنفال: ٤٠ ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ (٥٠)﴾ القصص: ٥٠ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ محمد: ١٩ ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ ص: ٨٨ ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ آل عمران: ١٣٨ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ النحل: ٨٩ ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ النحل: ٦٤ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ (١٨٧)﴾ آل عمران: ١٨٧ ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ إبراهيم: ٥٢ ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ المائدة: ٩٩ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢)﴾ النحل: ٨٢ ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾ العنكبوت: ١٨ ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾ الأعراف: ٩٣ ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾ الأعراف: ٦٢ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ المائدة: ٢٧ ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ التوبة: ٧٠ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ إبراهيم: ٩ ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ آل عمران: ٤٤ ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩)﴾ طه: ٩٩ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦)﴾ الشعراء: ٦ ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ الأحزاب: ٢٠ ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾ النجم: ٣٦ ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ آل عمران: ١٥ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ الكهف: ١٠٣ ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (٣٣)﴾ البقرة: ٣٣ ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾ التحريم: ٣

стр. 103

﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ المائدة: ١٩ ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ الأعراف: ١٨٨ ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾ الشعراء: ١١٥ ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ فاطر: ٢٣و٢٤ ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ البقرة: ٢٥ ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يونس: ٢ ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧)﴾ الزمر: ١٧ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ يونس: ٦٤ ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ التوبة: ٩٤ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ محمد: ٣١ ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ طه: ٤٤ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ البقرة: ٨٣ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ فصلت: ٣٣ ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾ هود: ٥٣ ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ التوبة: ٤٠ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾ إبراهيم: ٢٤ ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ إبراهيم: ٢٦ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ الأنعام: ١١٥ وبهذا الفصل المبارك ينتهي الباب الأول، وينتقل الباحث منه - بعون الله - إلى الباب الثاني وفصوله عن صور الإعلام الإسلامي في القرآن الكريم، والله المستعان لا رب سواه.

стр. 104

الباب الثاني صور الإعلام الإسلامي في القرآن الكريم

стр. 105

الفصل الأول صور الإعلام العقدي في القرآن الكريم

стр. 106

المبحث الأول تعريف الإعلام العقدي يمثل الإعلام العقدي أجل عمليات الاتصال على الإطلاق، ولا شك؛ فهو اتصال يشكل رأس الجسد في الإعلام القرآني، يؤسس لما بعده من أنواع الإعلام القرآني، ويمهد لمسائله، والتي بدونه تكون كبناء بيت فوق موج البحر، لايقر له قرار، ولا تقوم له قائمة؛ وذلك لأن الإعلام العقدي من شأنه تقويم النفوس، وإصلاح القلوب، وبناء الفرد الصالح القادر على حمل التكاليف الشرعية، ولهذا لم يكن مسْتَغْرَباً أن يفيض القرآن في مجال العقيدة وتصحيح المفاهيم بتركيز شديد طيلة ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة، استخدم فيها الإعلام القرآني كل وسائله، وأساليبه، لترسيخ العقيدة الصحيحة النقية، والدفاع عنها، ورد شبهات الكافرين، ومقارعتهم بالحجج الدامغات، وبيان فساد أقوالهم وأعمالهم لفساد معتقداتهم. وقبل الخوض في أهداف الإعلام العقدي وذكر صوره وتطبيقاته لابد من تعريفه أولاً، ويتكون هذا المصطلح من لفظين؛ (إعلام) و (عقدي)، يجب تعريف كل واحد منهما، ومن ثَمَّ نقف على تعريف (الإعلام العقدي). أما الإعلام فقد سبق لنا الوقوف عنده، وبيان معناه، لغةً واصطلاحاً (١)، وبقي معنا كلمة (العقدي) ونحتاج - قبل أي شيء في هذا الفصل - للتعرف على لفظ العقيدة، لغة واصطلاحاً، وهذا ما سيكون بمشيئة الله في المطالب التالية:

стр. 107

المطلب الأول: تعريف العقيدة لغةً العقيدة لغة: من العقد؛ وتدور معانيها اللغوية حول الربط، والشد، والإبرام، والإحكام، والتوثق، والتماسك، والإثبات؛ والمعاهدة، ومنه اليقين والجزم، ومنه قوله سبحانه ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (١) وتعقيد الأيمان يكون بقصد القلب وعزمه، أي ما صممتم عليه منها وقصدتموها (٢)، بخلاف لغو اليمين التي تجري على اللسان عادة بدون تعقيد ولا تأكيد (٣). والعقد نقيض الحل، ويقال: عقده يعقده عقداً، والجمع عقود، واعتقدتُ كذا؛ عقدتُ عليه القلب والضمير حتى قيل العقيدة: ما يدين الإنسان به، وله عقيدة حسنة؛ سالمة من الشك (٤)، وقال في المعجم الوسيط: " العقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى مُعْتَقِده، والعقيدة في الدين: ما يقصد به الاعتقاد دون العمل (٥). وخلاصته: أن ما عقد عليه الإنسانُ قلبَه جازماً، فهو عقيدة، سواء كان حقاً، أو باطلاً. وهناك رباط وثيق بين هذا المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، يظهر ذلك من خلال المطلب القادم في بيان العقيدة اصطلاحاً. المطلب الثاني: تعريف العقيدة اصطلاحاً العقيدة اصطلاحاً: قال الشيخ عبد الله عبد الحميد الأثري: (هي الأمور التي يجب أن يصدق بها القلب، وتطمئن إليها النفس؛ حتى تكون يقيناً ثابتاً لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك. أي: الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتقده، وسمي عقيدة؛ لأن الإنسان يعقد عليه قلبه) (٦) وقال العلامة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله (هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وتُسمَّى هذه أركانُ الإيمان، وهي التي لا

стр. 108

تتعلق بكيفية العمل، مثل اعتقاد ربوبية الله ووجوب عبادته، واعتقاد بقية أركان الإيمان المذكورة) (١). والتعريف الأول، هو تعريف عام بالعقيدة ككل، وبيان خصائصها؛ من اليقينية والجزم في مسائلها؛ بحيث لا يتطرق لشيء من قضاياها شك، أو ريب. والتعريف الثاني، تضمن الإشارة لأصول العقائد، وأركان الإيمان، وبيان أن العقائد مختصة بالجانب العلمي الغيبي، وليس بالجانب العملي المشاهد. خلاصة: يمكن لنا أن نخلص بتعريف للعقيدة بأنها: مجموع القضايا العلمية الغيبية التي يؤمن بها الفرد بيقين جازم لا ريب فيه. وهذا معنى قوله سبحانه ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (٢). قال أبو العالية ﵀: يؤمنون بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الممات، وبالبعث، فهذا غيب كله. وبمثل هذا المعنى جاءت أقوال الصحابة متقاربة، حول أن جميع المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به (٣). ملاحظة: قد يتبادر أن الكتب والرسل مشاهدة منظورة فليست من الغيب، ولكن المراد هو الإيمان بنسبتها إلى الله، أي كون الرسل مبعوثين من عند الله، والكتب منزلة من عند الله كذلك، وهذا أمر غيبي (٤). وبعد الوقوف على معنى العقيدة لغة واصطلاحاً نرجع إلى الكلام على تعريف الإعلام العقدي وهو مقصودنا من هذا المبحث؛ فأقول - وعلى الله اعتمادي -: تعريف الإعلام العقدي: هو الإعلام القائم على تزويد الناس بالمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة عن مجموع القضايا العلمية الغيبية التي جاءت في الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة، بحيث تصل بالجماهير لتصور عقدي واضح لا لبس ولا غموض فيه، وتساعدهم على تكوين عقيدة صحيحة بلا أوهام أو خرافات.

стр. 109

المطلب الثالث: موضوعات الإعلام العقدي: يبدو واضحاً من التعريف السابق أن ميدان الإعلام العقدي يشمل الأمور التالية (١): ١١ - ما يتعلق بالله تعالى وكل ما أخبر به عن نفسه تعالى: ذاتا، وصفاتٍ، وأفعالا. والإيمان بوجود الله تعالى بدلائل الفطرة، والعقل، والشرع، والحس، والإيمان بربوبيته بلا شريك ولا معين، والإيمان بألوهيته فهو المستحق للعبادة وحده، والإيمان بأسمائه وصفاته، بلا تحريف، أوتعطيل، أوتكييف، أوتمثيل. ١٢ - الرسل الكرام ﵈، وما يتعلق من الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع، والإيمان بمن عُلِم اسمه منهم تفصيلاً، وأما من لم يُعْلَم اسمه منهم فعلى وجه الإجمال، وما يليق بهم من صفات، وما يجب في حقهم، وما يستحيل عليهم، وما هو جائز منهم. ١٣ - الملائكة: ما يتعلق بالإيمان بوجودهم. والإيمان بمن علمنا اسمه منهم (كجبريل) ومن لم نعلم اسمه، والإيمان بما علمنا من صفاتهم، وأعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى، كتسبيحه، والتعبد له ليلاً ونهاراً بدون ملل ولا فتور. ١٤ - الكتب: التي أنزلها تعالى على رسله رحمة للخلق، وهداية لهم، ليصلوا بها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة، وما يتعلق بالإيمان بأن نزولها من عند الله حقاً، والإيمان بما علمنا اسمه منها، كالقرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور؛ والإيمان بما لم يُعْلَم اسمه إجمالاً. ١٥ - اليوم الآخر: هو يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء. وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازهم، وأهل النار في منازلهم. ويتعلق به الإيمان بالبعث، والإيمان بالحساب والجزاء، والإيمان بالجنة والنار، وأنهما المآل الأبدي للخلق، ويلحق بالإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه، وغير ذلك.

стр. 110

١٦ - القضاء والقدر: وما يتعلق بالإيمان بأن الله تعالى علم بكل شيء جملة وتفصيلاً، أزلاً وأبداً، والإيمان بأن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، والإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى، والإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى بذواتها، وصفاتها، وحركاتها. وإلى جانب ما سبق من أركان العقيدة، وأصول الدين، يجب على الإعلام العقدي أن يتناول أيضاً: ١٧ - بيان زيف الكفر، والشرك، والإلحاد والنفاق. وذلك من خلال التعرض لمعتقداتهم الباطلة، وشبهاتهم المتهافتة، واتباعهم للأهواء، وإيثارهم للشهوات العاجلة. ١٨ - إعلاء عقيدة الولاء والبراء؛ الولاء لله ورسوله والمؤمنين والبراءة من الكفر والكافرين. وببيان تعريف الإعلام العقدي، وموضوعاته، التي يتواصل بها مع الجماهير؛ يمكننا الانتقال إلى المبحث الثاني من هذا الفصل، واستعراض الأهداف المتوخاة، والغايات المرجوة من وراء هذا الفرع من إعلامنا الإسلامي القرآني
следующие страницы →