← Акыда

Акыда · id 96240

الإصابة في الذب عن الصحابة - رضي الله عنهم -

عبد الهادي العمري

Полный текст (428 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الإصابة في الذب عن الصحابة ﵃ [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا] تأليف الدكتور مازن بن محمد بن عيسى

стр. 2

المقدمة الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إله الأولين والآخرين، الملك الحق المبين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، من بعثه الله رحمة للعالمين، وهداية للخلق أجمعين، عليه وعلى آله الطيبين، وصحابته الأكرمين، أنوار الهدى، ومصابيح الدجى، واحشرنا تحت لواء سيد المرسلين، وأدخلنا الجنة معهم أجمعين. أما بعد: فإن سنة الاصطفاء والاختيار، سنة جارية، ومنّة باقية، يقول جل شأنه: [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] الحج ٧٥. [وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ] القصص ٦٨، والاختيار هنا: الاجتباء والاصطفاء (١).

стр. 3

[إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ] آل عمران٣٣. [وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ] ص ٤٥ - ٤٧. يقول الإمام ابن القيم: وإذا تأملت أحوال هذا الخلق، رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه، دالا على ربوبيته تعالى ووحدانيته، وكمال حكمته وعلمه وقدرته، وأنه الذي لا إله إلا هو، فلا شريك له يخلق كخلقه، ويختار كاختياره، ويدبر كتدبيره، فهذا الاختيار والتدبير، والتخصيص المشهود أثره في هذا العالم، من أعظم آيات ربوبيته، وأكبر شواهد وحدانيته، وصفات كماله، وصدق رسله (١). فاصطفى الله جل وعلا من البشر: الأنبياء والرسل، واختار منهم صفوتهم، وهم: أولوا العزم منهم (٢) قال [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ

стр. 4

أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ] الأحقاف ٣٥ واصطفى منهم الرسول الأكرم، والنبي الأعظم، فعن واثلة بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) (١).

стр. 5

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع) (١). واصطفى الله جل وعلا من جملة الأمم، أمة المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فجعلها خاتمة الأمم وخيرها، قال سبحانه [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] آل عمران ١١٠. وعن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (أنتم

стр. 6

توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله (١). قال الإمام ابن كثير: وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد ﷺ فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه (٢). ومن فضل الله تعالى على هذه الأمة، أن جعلها نصف أهل الجنة، أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في قبة، فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: والذي نفسي محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما في أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر (٣).

стр. 7

قال الحافظ ابن حجر: ولمسلم من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق " فكبرنا في الموضعين " ومثله في حديث أبي سعيد، وزاد " فحمدنا " وفي حديث ابن عباس " ففرحوا " وفي ذلك كله دلالة على أنهم استبشروا بما بشرهم به، فحمدوا الله على نعمته العظمى، وكبروه استعظاما لنعمته بعد استعظامهم لنقمته (١). وقال العلامة ابن عماد الأقفهسي: وفي رواية، ثم قال: (إن الجنة عشرون ومائة صف منها ثمانون من هذه الأمة) وحينئذ فيكونون ثلثي أهل الجنة، وقد وقع التصريح به في الرواية الأخرى " إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة". ثم قال: قال بعض أهل المعاني: وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى [أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ] فإن الوارث له الثلثان، لأن المريض ممنوع من التصرف فيما زاد على الثلث إلا برضى الوارث (٢). قلت: ولكن الحافظ ابن حجر، ضعف رواية الكلبي: " إني لأرجو أن

стр. 8

تكونوا ثلثي أهل الجنة" وقال: لا تصح هذه الزيادة، لأن الكلبي واه (١). ثم ذكر ﵀ حديث بريدة السابق، وقال: وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث بريدة رفعه: أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي منها ثمانون صفا، وله شاهد من حديث ابن مسعود بنحوه، وأتم منه أخر الطبراني، وهذا يوافق رواية الكلبي، فكأنه ﷺ لما رجا رحمة ربه أن تكون أمته نصف أهل الجنة، أعطاه ما ارتجاه وزاده (٢). واصطفى لنبيه ﵊: خير الصحب، وأفضل الركب، قال جل شأنه: [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً] الفتح ٢٩.

стр. 9

وقال النبي ﷺ مثنيا عليهم ومبينا فضلهم ومكانتهم ومنزلتهم (خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... ) (١). وهذه الخيرية تقتضي رفعة مكانتهم، وجلالة قدرهم، وعظيم منزلتهم، وكذا تقتضي اتصافهم بأكمل الأخلاق، وأزكى الآداب، وأعلى المكارم. إن بحثت عن أصدق الناس حديثا، وأوفاهم وعداً وعهداً، وأتقاهم لله تعالى، وأطوعهم لرسول ﷺ ، فهم، ولن تجد خيرا منهم. فهم أعرف الناس - بعد الأنبياء - بالله تعالى وأشدهم خشية منه، وأعظهم امتثالاً لأمره، واجتناباً لنهيه. ويصدق عليهم قوله [إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ] المؤمنون ٥٧ - ٦٠ قال عبد الله بن مسعود ﵁: " إن الله نظر إلى قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير القلوب فاصطفاه لنفسه، فابتعثه الله برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله

стр. 10

حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيء. وقال: من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا. اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه. فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وقال غيره: عليكم بآثار من سلف، فإنهم جاؤوا بما يكفي ويشفي، ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه (١). ولذا قال حبر الأمة وترجمان القرآن في قوله تعالى: [قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى] قال: هم أصحاب محمد ﷺ . قال الإمام ابن كثير: الصحابة كانوا خير الخلق بعد الأنبياء وهم خير قرون هذه الأمة التي هي أشرف الأمم بنص القرآن وإجماع السلف والخلف في الدنيا والآخرة (٢). واختار الله تعالى لنبيه خيرة النساء طهرة وعفافا، وكمالا وجمالا، يكن

стр. 11

أنيسات نبيه، مقتبسات جميل وكريم خلقه، ملتمسات أنوار شرعته، شاهدات مكنون سره. قال الإمام ابن القيم: وكذلك اختار أصحابه من جملة العالمين، واختار منهم السابقين الأولين واختار منهم أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، واختار لهم من الدين أكمله، ومن الشرائع أفضلها، ومن الأخلاق أزكاها وأطهرها (١).

стр. 12

أهمية الموضوع تظهر أهمية الكتابة في موضوع الصحابة في نظري القاصر من جهتين: الأولى: حاجة الناس الملحة - وهم أحفاد الصحابة ﵃ إلى بيان هدي قويم يسيرون عليه، ومنهج حكيم سليم يتجهون إليه، ولا هدي أقوم، ولا منهج أحكم وأسلم من هدي الصحابة ﵃ إذ هم خير من مشى على البسيطة بعد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فقد صاحبوا النبي صلي الله عليه وسلم ونهلوا من علمه، واقتبسوا من حكمته وحلمه، وتخلقوا بأخلاقه، وساروا على منهجه وطريقته. فحاجة الناس ماسة - خاصة في مثل هذه الأزمان التي ضاعت فيها كثير من القيم والأخلاق - إلى الرجوع لعلم وأخلاق وجهاد السلف الصالح، لالتماس جليل علومهم واقتباس كريم أخلاقهم. الثانية: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فكما أن بيان السنة وفضائل الصحابة، وتقديمهم الصديق والفاروق من أعظم أمور الدين عند ظهور بدع الرافضة ونحوهم، فكذلك بيان السنة ومذاهب أهل المدينة، وترجيح ذلك على غيرها من مذاهب أهل الأمصار أعظم أمور الدين عند ظهور بدع الجهال المتبعين للظن وما تهوى الأنفس (١). فإذا لم يكن هذا الزمن الذي نعيشه هو أولى الأزمان ببيان فضائل الصحابة، وبثها ونشرها، ودحض

стр. 13

كذب المفترين، فمتى يكون. ومع انتشار وسائل التقنية، سهل الحصول على المعلومة، صدقا كانت أم كذبا، ولما انتشر القول في الصحابة في هذه الوسائل، تارة بالطعن فيهم وازدرائهم، وتارة بسبهم وانتقاصهم وتشويه صورتهم خاصة فيما وقع بينهم من الحروب والفتن، كان حريا على كل صاحب علم وفكر أن ينهض جادا ويأخذ بحبل من القضية ينافح عنها، ويجادل لأجلها، ليبين وجه الصواب فيها، ويذب عن أصحابها. ولست هنا محققا لما جرى من الفتن بين الصحابة ﵃ فهذه لها أهلها، ولكن أبادر مبادرة متواضعة، لصنع صفاء ذاك التاريخ، وتلك الحقبة، وبيان جمال أيامهم، وكمال أعوامهم، فأشدت بفضائلهم وميزت خصائصهم، وأفضت في ذكر مناقبهم، وأزحت بعض الشبه التي ألزقت بهم، خاصة أن القوم - الرافضة - معروفون بالكذب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما أهل الكوفة، فلم يكن الكذب في أهل بلد أكثر منه فيهم، ففي زمن التابعين كان بها خلق كثيرون منهم معروفون بالكذب، لاسيما الشيعة، فإنهم أكثر الطوائف كذباً باتفاق أهل العلم (١). وبيّن ﵀ أن هذه الطائفة هي أكثر الطوائف قدحاً في سلف الأمة وأئمتها، فقال: فالمقصود هنا أن المشهورين من الطوائف - بين أهل السنة والجماعة - العامة بالبدعة ليسوا منتحلين للسلف، بل أشهر الطوائف بالبدعة: الرافضة، حتى إن العامة لا تعرف من شعار البدع إلا الرفض،

стр. 14

والسني في اصطلاحهم: من لا يكون رافضيا، وذلك لأنهم أكثر مخالفة للأحاديث النبوية ولمعاني القرآن، وأكثر قدحاً في سلف الأمة وأئمتها، وطعناً في جمهور الأمة من جميع الطوائف، فلما كانوا أبعد عن متابعة السلف كانوا أشهر بالبدعة (١). وقال عنهم أيضا: وهؤلاء لا يرجعون إلى شيء بل إلى معدوم لا حقيقة له، ثم إنما يتمسكون بما ينقل لهم عن بعض الموتى فيتمسكون بنقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، ولهذا كانوا أكذب الطوائف ... وحديث الشيعة من أكذب الحديث (٢). ويضاف لما ذكر من أهمية الحديث في هذا الموضوع، أن النبي ﷺ ذكر الافتراق فقال: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة). قال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح (٣). وجاء في رواية (وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في

стр. 15

النار إلا واحدة، فقالوا: ومن هي يا رسول الله قال: ما أنا عليه وأصحابي). قال الترمذي: حديث حسن غريب مفسر لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه (١). فوصف النبي ﷺ هذه الفرقة الناجية بأنها على ما كان عليه هو ﵊ وأصحابه الكرام، فكان لزاما معرفة منهجهم وفقههم وسيرة حياتهم، لأنهم كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأصحاب رسول الله ﷺ خيار المؤمنين (٢). وقال في موضع آخر: ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف أن خير قرون

стр. 16

هذه الأمة في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة، أن خيرها - القرن الأول - ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة، من علم، وعمل، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان وعبادة، وأنّهم أولى بالبيان لكل مشكل، وهذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام وأضله الله على علم، ثم قال: وما أحسن ما قال الشافعي في رسالته: " هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا " (١). دوافع كتابة الموضوع: ومما دفعني لكتابة مثل هذا الموضوع المهم عدة أمور: ١ - الغيرة على أصحاب النبي ﷺ ، واللحاق بركب المنافحين والمدافعين عن جنابهم الطاهر. فمجريات الأحداث الحاضرة، وسوالف الأخبار الماضية، تؤكد استهداف المنافقين، النيل من رموز هذه الأمة المباركة المرحومة، والحط من أقدارهم وغايتهم هدم معالم الدين الحنيف، وليس أمامهم إلا الثقات العدول النقلة، فإذا سقطت عدالتهم، واهتزت مكانتهم، فلا وثوق بما يحملونه وينقلونه، وحسبي في الرد عليهم وعلى أمثالهم، قول الحبيب المصطفى والنبي المجتبى عليه أفضل الصلاة والسلام: (نضر الله امرأً سمع

стр. 17

مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه وليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وفي هذا دعاء منه لمن بلغ حديثه وإن لم يكن فقيهاً، ودعاء لمن بلغه وإن كان المستمع أفقه من المبلغ، لما أعطي المبلغون من النضرة، ولهذا قال سفيان بن عيينة: لا تجد أحدا من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة، لدعوة النبي ﷺ ، يقال: نَضُر، ونَضَر، والفتح أفصح، ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث يعظمون نقلة الحديث، حتى قال الشافعي ﵁: " إذا رأيت رجلاً من أهل الحديث فكأني رأيت رجلاً من أصحاب النبي ﷺ ". وإنما قال الشافعي هذا، لأنه في مقام الصحابة من تبليغ حديث النبي ﷺ . وقال الشافعي أيضاً: أهل الحديث حفظوا، فلهم الفضل علينا لأنهم حفظوا لنا (٢). ويقول ﵀ في موضع آخر: وبكل حال، فهم أعلم الأمة بحديث الرسول ﷺ وسيرته ومقاصده وأحواله (٣).

стр. 18

وفي هذا يقول المولى جل وعلا: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ الإسراء: (٧١)، قال بعض السلف: هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث؛ لأن إمامهم النبي ﷺ . (١) ويقول الإمام ابن القيم: التلقي نوعان: بوساطة وبغير وساطة، وكان التلقي بلا وساطة حظ أصحاب النبي ﷺ الذين حازوا قصبات السباق، واستولوا على الأمر، فلا طمع لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق، ولكن المبرز، من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم، والمتخاذل من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال، فأي خصلة خير من لم يسبقوا إليها، وأي خطة رشد لم يستولوا عليها، تالله لقد رووا رأس الماء من عين الحياة عذبًا صافياً زلالاً وأيدوا قواعد الإسلام (٢). ٢ - إثبات عدالتهم المطلقة، وبيان أن ما جرى بينهم ﵃ وأرضاهم من أحداث وفتن لا تسقط عدالتهم ولا تنقص مكانتهم، بل كانوا أئمة مجتهدين متأولين، فهم بين الأجر والأجرين كما نص عليه علماء وفضلاء الأمة. ونقل الإمام النووي في شرحه صحيح الإمام مسلم كلام بعض الأئمة، فيما جرى بين الصحابة وذكر عنهم قولهم: فكلهم معذورون ﵃،

стр. 19

ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهادتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم ﵃ أجمعين (١). ٣ - رد بعض الأكاذيب المختلقة من وجود انفصام بين آل البيت الطاهرين والصحابة المكرمين ﵃ أجمعين. ٤ - بيان المعتقد الصحيح، والمنهج القويم في الصحابة ﵃. ٥ - وضع الأمور في نصابها الصحيح، والتحاكم إلى نصوص الوحيين حين الاختلاف. ٦ - إشهار وإظهار مواقف أهل السنة والجماعة في غيرتهم على الصحابة ﵃، وبيان وجوه دفاعهم وذبهم عن أعراض الصحابة الأجلاء المكرمين ﵃. ٧ - بيان إجماع أهل السنة والجماعة القولي والفعلي على وجوب احترام الصحابة وتوقيرهم وإجلالهم وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها ﵃ أجمعين. ٨ - بيان خطورة وجريمة التعدي على جناب الصحابة الأطهار، وأن سبهم والطعن فيهم، جناية عظيمة، ومصيبة كبيرة، موجبة للكفر والقتل حيناً، والتعزير والحبس والجلد حيناً آخر. ٩ - محاولة دفع ورفع اللبس الذي ربما اشتبه على البعض من الآيات والأحاديث التي ظاهرها الطعن في الصحابة ﵃ وهي مبثوثة في ثنايا هذا

стр. 20

البحث. ١٠ - بيان منهجنا وعقيدتنا في الصحابة ﵃ والتي لا يمكن أن نتنازل عنها بحال من الأحوال، لا بدعوى تقارب ولا غيرها. ١١ - بيان أن بشرية الصحابة وعدم عصمتهم، ليست سببا للوقوع في أعراضهم، وتتبع زلاتهم، بل هم أشرف الخلق وأكرمهم، فالوحي يقر صوابهم - وهم أتباع للشرع - ويصحح خطأهم ﵃ وأرضاهم.

стр. 21

خطة البحث: قسمت البحث إلى مقدمة وبابين وخاتمة. المقدمة اشتملت على: - أهمية الموضوع. - ودوافع الكتابة فيه. - وخطة البحث ومنهج الكتابة فيه. الباب الأول: في فضائل الصحابة وخطورة سبهم: اشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: الحديث عن فضائل الصحابة من الكتاب والسنة. الفصل الثاني: حكم سب الصحابة ﵃. الفصل الثالث: مسائل متممة (شبهات وردود) والباب الثاني: في الدفاع عن أصحاب النبي ﷺ : اشتمل على أربعة فصول: الفصل الأول: دفاع الله تعالى عن الصحابة وأمهات المؤمنين ﵃. الفصل الثاني: دفاع النبي ﷺ عن الصحابة ﵃. الفصل الثالث: دفاع الصحابة ﵃ عن أعراض بعضهم بعضاً. الفصل الرابع: دفاع بعض المخلوقات المسخرة عن الصحابة ﵃. ثم الختام والتوصيات.

стр. 22

منهج البحث: اعتمدت في البحث على منهج أحسب أنه منهج وسط معتدل، يقوم على: ١ - إحسان الظن في الصحابة ﵃، ودفع ما يناقض الأصول العامة التي تبنى عليها عقيدتنا في الصحابة ﵃، مع عدم الغلو فيهم، فإذا كان النبي ﷺ نهى عن الغلو فيه وإطرائه، وهو خير البشرية فمن هو دونه من باب أولى، ولكن هم أقوام أحبهم الله تعالى ورسوله ﵊، أفلا نحبهم ونجلهم ونكرمهم ونذب عن أعراضهم، بلى والله. ٢ - ابتعدت قد المستطاع عن الروايات الموضوعة والضعيفة التي لا ينجبر ضعفها، واكتفيت بما صح من الروايات أو كان مقبولاً عن العلماء الموثوقين من أهل الحديث والتاريخ، وذكرت بعض الآثار عن السلف المتعلقة بالباب، وبعض الأخبار والرؤى استئناساً لا اعتمادا. ٣ - اقتضى المقام مزج الكلام بالأسلوب الإنشائي، راجيا من الله تعالى أن يكون مستحسنا غير ممجوج. ٤ - رجعت إلى المراجع الأصلية في الباب. ٥ - خرجت الآيات، وعزوت الأحاديث لمصادرها. ٦ - نسبت النقول لقائلها، كما قيل: من بركة العلم أن يضاف القول

стр. 23

إلى قائله (١).وأنبه إلى أن الإحالة إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، هو بالنسبة لما هو مشهور من طبعة الشيخ: ابن قاسم، مع أني ذكرت في المراجع طبعة العبيكان، وهي المتواجدة لدي، وميزتها: فهرسة الصفحات على طبعة الشيخ ابن قاسم. هذا وأشكر المولى جل وعلا على ما من به علي من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومنها: تيسيره لي إخراج هذا البحث المتواضع، ذابا فيه ومنافحاً ومبينا فضل أصحاب النبي ﷺ . وأشكر بعد شكر الله تعالى، كل من أعانني بقول أو فعل، ولهم مني خالص الدعاء. وهذا جهد بشري يعتريه النقص والخطأ والسهو والنسيان ولا بدّ، ويأبي الله تعالى إلا أن يكون الكمال لكتابه ولكن حسبي أني بذلت وسعي وجهدت طاقتي لإبراز البحث في أحسن وأكمل صورة فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، فله الحمد والمنة، وأسأله أن يحشرني وكل منافح عن الصحابة مع هذه الزمرة المباركة الطاهرة، وما كان فيه من خطأ أو تقصير فمني والشيطان، والخطأ من طبيعة البشر " وخير الخطائين التوابون " ورحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي. مازن محمد بن عيسى mazenbineisa@hotmail.com

стр. 24

الباب الأول فضائل الصحابة، وخطورة سبهم ﵃

стр. 25

الفصل الأول فضل الصحابة ﵃ . تمهيد: ليس بدعا ًمن القول، أنه منذ أربعة عشر قرنا، والألسنة تلهج بذكر فضائل أصحاب النبي ﷺ ، وبيان منزلتهم ومكانتهم، وبيان مكانة أمهات المؤمنين ﵃ أجمعين. وليس جيل يخلو، ولا عمر يصفو، دون بيان وتذكير، فهذه الكراريس مليء، والدواوين جمعى والصحاح والسنن والمسانيد تبعى، تصب كلها في معين واحد يشهد لها الإله الواحد: [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] الأنفال ٧٤. إن الحديث في فضائل أولئك القوم حديث ذو شجون، فلا تملك العين دمعها ولا الأذن سمعها ولا النفس شوقها، حين تذكر كمالات تلك الأرواح، وصفاء تلك النفوس، إنها القلوب المؤمنة الموقنة الصادقة المصدقة، بذلت الغالي والنفيس، بذلت كل ما تملك حبا وكرامة ونصرة، ارخصت المهج الغالية لقاء الجنة الغالية، (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن

стр. 26

سلعة الله الجنة) (١). هانت عليها دنياها ففازت بأخراها " والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد (٢) " نعم: وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام. يتسابقون لمرضاة الله، ويتسارعون إلى جنة الله تعالى، تهفوا نفوسهم للمعالي، ويقفون صموداً لنصرة دين الله ورسوله كالجبال، " والله لئن خصت بنا برك الغماد لخضناه معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى، اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك (٣). أي نفوس هذه، تجردت من حظوظها، وانقادت لشرع ربها، ففازت بموعود خالقها [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى] الأعلى ١٥، ١٦ [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا] الليل ٩. حينما تضع قلمك، وتجول بفكرك، تريد صنع تاريخ من تاريخ، ومجد

стр. 27

من أمجاد، وعز من أجداد فإنك تقف مشدوهاً أمام تلك الحقبة، وذاك القرن، إذ فيه صنع التاريخ وبدا، وشيد المجد وارتقى. يا قلم عن أي تاريخ تكتب، وعن أي أمة عظيمة تسطر، يقيني لينتهين مدادك ولن تبلغ ودادك. أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع. هي أمة عاشت الماضي بالحاضر، ومزجت الحاضر بالمستقبل، امتدت رقاعها، وزادت شموسها، ونهل الناس من خيرها وبركتها وبرها. ألا شاهدت الوجوه، وخرست الألسن، وشلت الأركان، التي تطال تلك النفوس الزكية بالبهتان وتقع في أعراضها بغير حق ولا برهان، كيف سيقف اللسان، أو ينطق البنان حين يسأله الرحيم الرحمن الملك العلام [يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ] النور٢٤ - ٢٥ فرحمة الله على أمة قالت وفعلت ووعدت وأوفت وتحدثت فصدقت: [مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] الأحزاب٢٣ فهم ﵃ أهل السابقة والفضل، أثنى الله تعالى عليهم فقال: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم﴾ الجمعة ٢ - ٣. قال الإمام

стр. 28

السيوطي: قوله (وآخرين) عطف على الأميين، أي: الموجودين (منهم) والآتين منهم بعدهم (لما) لم (يلحقوا بهم) في السابقة والفضل (وهو العزيز الحكيم) في ملكه وصنعه، وهم التابعون، والاقتصار عليهم كاف في بيان فضل الصحابة المبعوث فيهم النبي ﷺ على من عداهم ممن بعث إليهم وآمنوا به من جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة؛ لأن كل قرن خير ممن يليه. (١) وبعد هذه المشاعر المنبثقة من قلب محب، نضع موازين الكتاب والسنة حاكمة على كل هوى مقومة لكل اعوجاج [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً] النساء ١٢٢. [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً] النساء ٨٧، وقال تعالى عن نبيه [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] النجم ٣ - ٤ ففضائل الصحابة، وبيان مكانتهم ومنزلتهم بُينت في نصوص الوحيين خير بيان.

стр. 29

المبحث الأول: فضائل الصحابة في القرآن الكريم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولو ذكرنا ما روى في حقوق القرآبة وحقوق الصحابة لطال الخطاب، فإن دلائل هذا كثير من الكتاب والسنة. قال العلامة محمد بن عمر بحرق: وقد ورد في فضلهم ﵃ من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية ما لا يحصى. وقال الإمام الغزالي: وقد ورد في الثناء على جميعهم آيات وأخبار كثيرة، وإنما يدرك دقائق الفضل والترتيب فيه، المشاهدون للوحي والتنزيل بقرائن الأحوال ودقائق التفصيل، فلولا فهمهم ذلك لما رتبوا الأمر كذلك، إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عن الحق صارف (١). ١) إثبات الخيرية في أمة المصطفى ﵊، وخير من يدخل تحت لوائها أصحاب النبي ﷺ . قال الله تعالى: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] آل عمران ١١٠. واختلف أهل العلم بالقرآن الكريم في توجه الخطاب في هذه الآية

стр. 30

على رأيين: الأول: أن الخطاب في هذه الآية موجه لأصحاب النبي ﷺ خاصة، وهذا لا شك يدل على فضلهم ومكانتهم، قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] قال: هم الذي هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة وشهدوا بدراً والحديبية (١). قال الإمام أبو حيان: والظاهر أن الخطاب هو لمن وقع الخطاب له أولا وهم: أصحاب رسول الله ﷺ ، فتكون الإشارة بقوله: أمة - إلى أمة معينة وهي أمة محمد ﷺ ، فالصحابة هم خيرها (٢). ويقول ﵀: والمعنى: أن الأمم إذا فضلوا أمة أمة كانت هذه الأمة خيرها، وحكم عليهم بأنهم خير أمة، ولم يبين جهة الخيرية في اللفظ وهي: سبقهم إلى الإيمان برسول الله ﷺ ، وبدارهم إلى نصرته، ونقلهم عنه علم الشريعة، وافتتاحهم البلاد. وهذه فضائل اختصوا بها مع ما لهم من الفضائل، وكل من عمل بعدهم حسنة فلهم مثل أجرها؛ لأنهم سبب في إيجادها، إذ هم الذين سنوها وأوضحوا طريقها (من سن في الإسلام سنة

стр. 31

حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجرهم شيئا) (١). وقال الإمام القرطبي: وقيل: هذه لأصحاب النبي ﷺ ، كما قال النبي ﷺ : (خير الناس قرني): أي الذي بعثت فيهم (٢). وقال الإمام ابن الصلاح: وقيل: اتفق المفسرون على أنه وارد في أصحاب رسول الله ﷺ (٣). قلت: الخلاف وارد، ولكن هم أولى من يدخل في مضمون هذه الآية. الثاني: أن الخطاب في الآية عام، يشمل جميع الأمة، كل قرن بحسبه. قالوا: ويؤيده ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم). قال الإمام ابن كثير: تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن (٤).

стр. 32

قلت: فعلى كلا القولين، فإن الآية تدل دلالة واضحة على فضل أصحاب النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ قال: (خير أمتي قرني .. )، ولذا قال الإمام السيوطي: واستدل بهذه الآية على أن الصحابة أفضل الأمة؛ لأنهم المخاطبون بها حال النزول، وعلى أن النبي ﷺ أفضل الأنبياء؛ لأن شرف الأمة بشرف نبيها (١). ٢) وأنهم ﵃ خير من يدخل في قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] آل عمران ١٠٤، وأن (من) في الآية وإن كانت للتبعيض، وكون المقصود منها: أن الآمرين يجب أن يكونوا علماء، فإن الصحابة ﵃ في مقدمتهم، وعلى رأس هرمهم. قال الإمام الضحاك: هم خاصة الصحابة ﵃، وخاصة الرواة، يعني: المجاهدين والعلماء (٢). قال الإمام أبو حيان: والأمر يتوجه لمن يتوجه الخطاب عليهم، قيل: وهم الأوس والخزرج على ما ذكره الجمهور، وأمره لهم بذلك أمر لجميع المؤمنين، ومن تابعهم إلى يوم القيامة، قال: ويحتمل أن يكون الخطاب عاماً

стр. 33

فيدخل فيه الأوس والخزرج (١). ٣) من القواعد المقررة في علم أصول التفسير: أن غالب ما يصح من الخلاف بين السلف في التفسير يرجع إلى اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد، وذلك إما: أ) أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، فالسلف كثيرا ً ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه، وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر. ب) وإما أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل ما نقل في تفسير قوله تعالى: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ] (٢) فاطر ٣٢ وعليه فمن الآيات التي تبين فضل الصحابة رضي الله عنهمبناء على ما ذكر: وقال جل شأنه في سورة الفاتحة ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ الفاتحة ٥، قال الإمام ابن كثير: ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في

стр. 34

تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد وهو: المتابعة لله وللرسول. فروي أنه (كتاب الله، وقيل: الإسلام). ثم قال: وعن عاصم الأحول عن أبي العالية (اهدنا الصراط المستقيم) قال: هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده، قال عاصم: فذكرنا ذلك للحسن فقال: صدق أبو العالية ونصح. وكل هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة فإن من اتبع النبي ﷺ واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضا ولله الحمد (١). وفي هذا يقول الإمام الهمام ابن القيم: وقال أبو العالية والحسن البصري، وهما من أجل التابعين: (الصراط المستقيم: رسول الله ﷺ وصاحباه)، وقال أبو العالية أيضا في قوله (صراط الذين أنعمت عليهم: هم آل رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر) ,هذا حق. فإن

стр. 35

آله وأبا بكر وعمر على طريق واحدة، ولا خلاف بينهم، وموالاة بعضهم بعضا، وثناؤهم عليهما، ومحاربة من حاربا، ومسالمة من سالما: معلومة عند الأمة، خاصها وعامها. وقال زيد بن أسلم: (الذين أنعم الله عليهم: هم رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر).ولا ريب أن المنعم عليهم: هم اتباعه، والمغضوب عليهم: هم الخارجون عن اتباعه. وأتبع الأمة له وأطوعهم: أصحابه وأهل بيته، وأتبع الصحابة له: السمع والبصر، أبو بكر وعمر، وأشد مخالفة له: هم الرافضة، فخلافهم له معلوم عند جميع فرق الأمة، ولهذا يبغضون السنة وأهلها، ويعادونها ويعادون أهلها. فهم أعداء سنته ﷺ ، وأهل بيته وأتباعهم من بنيهم أكمل ميراثا؟ بل هم ورثته حقا (١). قوله [يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ] آل عمران ١٠٦، والاستدلال من هذه الآية على وجهين: الأول: على وجه العموم، حيث قال الإمام ابن عباس ﵁ في معنى الآية: يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه

стр. 36

أهل البدعة والفرقة. من يشك أن أصحاب النبي ﵁ هم أهل السنة والجماعة، فقد قال المصطفى ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي .. ) (١). قال الإمام ابن قدامة: وأبو بكر هو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته، وتقديم النبي صلى الله عليه وسلمله في الصلاة على جميع الصحابة ﵃ وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله يجمعهم على ضلالة، ثم من بعده عمر ﵁ لفضله، وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁، لتقديم أهل الشورى له، ثم علي ﵁، لفضله وإجماع أهل عصره عليه. وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذي قال رسول الله ﷺ فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) وقال: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) فكان أخرها خلافة علي ﵁ (٢). فالصحابة ﵃ خير من يطلق عليهم وصف السنة وإتباعها، والسير على منهاجها والشواهد على ذلك لا تعد ولا تحصى.

стр. 37

وأما أنهم رأس الجماعة وهرمها فالله تعالى شهد لهم بذلك فقال: [وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً] آل عمران ١٠٣، وقال سبحانه: [هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] الأنفال ٦٣. الثاني / على وجه الخصوص، حيث أُثر عن الإمام عطاء قوله: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسودّ وجوه بني قريظة والنضير. فأي شرف أعظم من هذا الشرف: [وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]،أي: في دار كرامته وجنته خالدون باقون (١). ٤) أن الله ﵎ شهد لهم بالإيمان في مثل ضربه جل في علاه فقال: [وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] آل عمران ١٠٣ وذكر أهل التفسير أن هذه الآيات نزلت في شأن الأوس الخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن وإحن طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الإسلام فدخل فيه من

стр. 38

دخل منهم صاروا إخواناً متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى (١). وهذه نعمة الله عليهم في الدنيا، وأما نعمته عليهم في الآخرة ففي إنقاذهم من النار بعد أن كانوا أشفوا على دخولها فأي نعمة أفضل من هذه النعمة. قال المهدوي: وهذا تمثيل يراد به خروجهم من الكفر إلى الإيمان (٢). وقد وصف الله أصحاب النبي ﷺ في كتابه العزيز المجيد بوصف الإيمان في أكثر من موضع منها قوله جل شأنه: [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] آل عمران ١٢١، والجمهور على أنها غزو أحد (٣). [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ] آل عمران ١٢٣ - ١٢٤. [وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] آل عمران

стр. 39

١٣٩، قال الإمام ابن كثير: أي العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون (١). وقيل: إن معنى (إن) في الآية: إذ. وقيل: إن قوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] إما لها تعلق: أ. بالنهي في الآية، فيكون ذلك هزاً للنفوس بما يوجب قوة القلب، والثقة بصنع الله تعالى، وقلة المبالاة بالأعداء. ب. بالجملة الخبرية، فيكون المعنى، أي: إن صدقتم بما وعدكم وبشركم به من الغلبة (٢). وقد وصف الله تعالى أصحاب النبي ﷺ بوصف الإيمان في موضع تحرج فيه الصحابة ﵃، إذ نزل تحريم الخمر، ومات أناس من الصحابة ﵃ وهم يشربونها، فقالوا: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها فنزلت [لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] المائدة ٩٣. وقال الله في موضع آخر، واصفاً أصحاب النبي ﷺ بوصف الإيمان أيضاً [هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ] الأنفال ٦٢، قال الإمام ابن كثير: ذكر نعمته عليه مما أيده به من المؤمنين من المهاجرين

стр. 40

والأنصار (١). قلت: والناظر في سورة الأنفال التي انفردت بالحديث عن غزوة بدر الكبرى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والمتأمل في آياتها يجزم يقيناً لا ريب فيه، وصدقاً لا شك فيه إيمان القوم وصدقهم وإخلاصهم ﵃، إذ ذكر المولى وصف الإيمان في هذه السورة عشرون مرة. ووجه الربط - والله أعلم - أن هذه السورة نزلت في بدر، كما قال ابن عباس ﵁ وأهل بدر من أهل الإيمان الصادق، بل هم خير المؤمنين، فقد سأل جبريل ﵇ نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام عمن شهد بدرا من المسلمين؟ فقال: هم من خير المسلمين فقال جبريل: وكذلك من شهدها من الملائكة (٢). وقد شهد لهم النبي ﷺ بالنجاة من النار، فقال: (لا يلج النار رجل شهد بدراً والحديبية) (٣). [فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ] آل عمران ١٨٥ ومن شواهد الإيمان وطلائع الإحسان عند الصحابة ﵃ ما قصه الله جل وعلا عنهم في سورة الأحزاب، إذ وصفهم بوصف الإيمان فقال
следующие страницы →