← Акыда

Акыда · id 96240

الإصابة في الذب عن الصحابة - رضي الله عنهم -

عبد الهادي العمري

Полный текст (428 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أهل البدعة والفرقة. من يشك أن أصحاب النبي ﵁ هم أهل السنة والجماعة، فقد قال المصطفى ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي .. ) (١). قال الإمام ابن قدامة: وأبو بكر هو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته، وتقديم النبي صلى الله عليه وسلمله في الصلاة على جميع الصحابة ﵃ وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله يجمعهم على ضلالة، ثم من بعده عمر ﵁ لفضله، وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁، لتقديم أهل الشورى له، ثم علي ﵁، لفضله وإجماع أهل عصره عليه. وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذي قال رسول الله ﷺ فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) وقال: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) فكان أخرها خلافة علي ﵁ (٢). فالصحابة ﵃ خير من يطلق عليهم وصف السنة وإتباعها، والسير على منهاجها والشواهد على ذلك لا تعد ولا تحصى.

стр. 37

وأما أنهم رأس الجماعة وهرمها فالله تعالى شهد لهم بذلك فقال: [وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً] آل عمران ١٠٣، وقال سبحانه: [هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] الأنفال ٦٣. الثاني / على وجه الخصوص، حيث أُثر عن الإمام عطاء قوله: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسودّ وجوه بني قريظة والنضير. فأي شرف أعظم من هذا الشرف: [وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]،أي: في دار كرامته وجنته خالدون باقون (١). ٤) أن الله ﵎ شهد لهم بالإيمان في مثل ضربه جل في علاه فقال: [وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] آل عمران ١٠٣ وذكر أهل التفسير أن هذه الآيات نزلت في شأن الأوس الخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن وإحن طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الإسلام فدخل فيه من

стр. 38

دخل منهم صاروا إخواناً متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى (١). وهذه نعمة الله عليهم في الدنيا، وأما نعمته عليهم في الآخرة ففي إنقاذهم من النار بعد أن كانوا أشفوا على دخولها فأي نعمة أفضل من هذه النعمة. قال المهدوي: وهذا تمثيل يراد به خروجهم من الكفر إلى الإيمان (٢). وقد وصف الله أصحاب النبي ﷺ في كتابه العزيز المجيد بوصف الإيمان في أكثر من موضع منها قوله جل شأنه: [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] آل عمران ١٢١، والجمهور على أنها غزو أحد (٣). [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ] آل عمران ١٢٣ - ١٢٤. [وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] آل عمران

стр. 39

١٣٩، قال الإمام ابن كثير: أي العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون (١). وقيل: إن معنى (إن) في الآية: إذ. وقيل: إن قوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] إما لها تعلق: أ. بالنهي في الآية، فيكون ذلك هزاً للنفوس بما يوجب قوة القلب، والثقة بصنع الله تعالى، وقلة المبالاة بالأعداء. ب. بالجملة الخبرية، فيكون المعنى، أي: إن صدقتم بما وعدكم وبشركم به من الغلبة (٢). وقد وصف الله تعالى أصحاب النبي ﷺ بوصف الإيمان في موضع تحرج فيه الصحابة ﵃، إذ نزل تحريم الخمر، ومات أناس من الصحابة ﵃ وهم يشربونها، فقالوا: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها فنزلت [لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] المائدة ٩٣. وقال الله في موضع آخر، واصفاً أصحاب النبي ﷺ بوصف الإيمان أيضاً [هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ] الأنفال ٦٢، قال الإمام ابن كثير: ذكر نعمته عليه مما أيده به من المؤمنين من المهاجرين

стр. 40

والأنصار (١). قلت: والناظر في سورة الأنفال التي انفردت بالحديث عن غزوة بدر الكبرى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والمتأمل في آياتها يجزم يقيناً لا ريب فيه، وصدقاً لا شك فيه إيمان القوم وصدقهم وإخلاصهم ﵃، إذ ذكر المولى وصف الإيمان في هذه السورة عشرون مرة. ووجه الربط - والله أعلم - أن هذه السورة نزلت في بدر، كما قال ابن عباس ﵁ وأهل بدر من أهل الإيمان الصادق، بل هم خير المؤمنين، فقد سأل جبريل ﵇ نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام عمن شهد بدرا من المسلمين؟ فقال: هم من خير المسلمين فقال جبريل: وكذلك من شهدها من الملائكة (٢). وقد شهد لهم النبي ﷺ بالنجاة من النار، فقال: (لا يلج النار رجل شهد بدراً والحديبية) (٣). [فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ] آل عمران ١٨٥ ومن شواهد الإيمان وطلائع الإحسان عند الصحابة ﵃ ما قصه الله جل وعلا عنهم في سورة الأحزاب، إذ وصفهم بوصف الإيمان فقال

стр. 41

سبحانه وتعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ] الأحزاب ٩ يقول الإمام ابن كثير: يقول الله تعالى مخبرا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين في صرفه أعداءهم وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق (١). وأعاد جل وعلا ووصفهم بوصف الإيمان فقال سبحانه [هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً] الأحزاب ١١. فعوملوا معاملة من يُختبر، فظهر الراسخ من المتزلزل، وحينئذ ظهر النفاق وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم: [وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً] فهنا ظهر شاهد من شواهد الإيمان فقال سبحانه مخبراً عن عباده المؤمنين الصادقين بوعود الله لهم وجعله العاقبة حاصلة لهم في الدنيا والآخرة فقال سبحانه [وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً] الأحزاب ٢٢. قال ابن عباس ﵁ وقتادة ﵀: يعنون قوله تعالى في سورة البقرة [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] البقرة ٢١٤، أي: هذا ما وعدنا الله ورسوله، من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب، ولهذا قال تعالى [وَصَدَقَ اللَّهُ

стр. 42

وَرَسُولُهُ]: أي ظهر صدق خبر الله ورسوله (١). ولما ذكر الله جل شأنه حال المنافقين وأنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولون الأدبار، وصف سبحانه المؤمنين أنهم استمروا على العهد والميثاق فقال سبحانه [مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] الأحزاب ٢٣. قسمهم الله تعالى قسمين فقال [فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ] قال الإمام الشوكاني: ومعنى الآية: أن المؤمنين رجالاً أدركوا أمنيتهم وقضوا حاجتهم، ووفوا بنذرهم فقاتلوا حتى قتلوا، وذلك يوم أحد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر؛ [وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ] قضاء نحبه يحضر أجله كعثمان بن عفان وطلحة والزبير وأمثالهم، فإنّهم مستمرون على الوفاء بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع رسول الله ﷺ ، والقتال لعدوه، ومنتظرون لقضاء حاجتهم، وحصول أمنيتهم بالقتل، وإدراك فضل الشهادة (٢). وشهد الله تعالى لهم بالثبات وعدم التبديل فقال [وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] أي: وما غيروا عهد الله تعالى ولا نقضوه ولا بدلوه، لا المستشهدون الذين قضوا، ولا من ينتظر، بل استمروا على ما عاهدوا الله عليه، وثبتوا ثبوتاً

стр. 43

مستمراً. وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قرأ: " فمنهم من قضى نحبه ومنهم ينتظر ومنهم من بدل تبديلاً " ولكن قال أبو بكر الأنباري: وهذا الحديث عند أهل العلم مردود؛ لخلافه الإجماع؛ ولأن فيه طعناً على المؤمنين والرجال الذين مدحهم الله تعالى وشرفهم بالصدق والوفاء، فما يُعرف فيهم مغيّر، وما وجد من جماعتهم مبدل ﵃ (١). ومن أعظم الدلائل على فضائل القوم وكمال إيمانهم ﵃، أن الله حبب إليهم الإيمان فقال سبحانه [وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ] الحجرات٧ أي: حببه إلى نفوسكم وحسّنة في قلوبكم حتى رسخ حبه فيها، وأصبح طبيعة وسجية. ثم قال سبحانه [وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ] أي: وبغض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار، والعصيان: هي جميع المعاصي، وهذا تدريج لكمال النعمة (٢). قال الإمام القرطبي: وهذا خطاب المؤمنين المخلصين الذين لا

стр. 44

يكذبون النبي ﷺ ولا يخبرون بالباطل أي: جعل الإيمان أحب الأديان إليكم (١). ثم قال سبحانه [أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ]: أي: الموصوفون بما ذكرهم، هم الراشدون: الذين صلحت علومهم وأعمالهم، واستقاموا على الدين القويم والصراط المستقيم (٢). ثم قال سبحانه [فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]: قال الإمام الشوكاني: أنه حبب إليكم ما حبب، وكره إليكم ما كرّه، لأجل فضله وإنعامه، أو جعلكم راشدين لأجل ذلك (٣). ويكفي القوم شرفاً ﵃ أن الله جل وعلا أخبر عن شهدائهم بالمكانة العظيمة والفوز الكريم، فقال سبحانه: [وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ] آل عمران ١٦٩ _ ١٧٠. وعلى كل الأقوال في تعيين الشهداء في هذه الآية، فهي فضيلة ومنقبة عظيمة لهم ﵃ فقد قيل: إن المراد من الشهداء في الآية: شهداء أحد، وقيل: شهداء بدر، وقيل: شهداء بئر معونة، وقيل:

стр. 45

عامة في كل الشهداء (١). وأراد الله أن يتم لهم الأجر العظيم فقال: [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] آل عمران ١٧٢. فقيل: الاستجابة كانت إثر الانصراف من أحد، وكان يوم حمراء الأسد، فعن عروة قال قالت عائشة ﵂: يا ابن أختي كان أبواك _ تعني: الزبير وأبا بكر _ من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابَهم القرح. وقالت: لما انصرف المشركون من أحد، وأصاب النبي ﷺ وأصحابه ما أصابَهم، خاف أن يرجعوا فقال: من ينتدب لهؤلاء حتى يعلموا أن بنا قوة، قال: فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين فخرجوا في أثار القوم، فسمعوا بهم، وانصرفوا بنعمة من الله وفضل. وقال النبي ﷺ : من يذهب في إثرهم، فانتدب منهم سبعون رجلاً، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير، حتى بلغ حمراء الأسد، مرهباً للعدو، فربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشي، ولا يجد مركوباً، فربما يحمل على الأعناق وكل ذلك امتثالاً لأمر رسول الله، ورغبة في الجهاد (٢).

стр. 46

بل حتى من آمن من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن شعبة وغيرهم فمن اتصفوا بصفات المؤمنين من تلاوة القرآن والصلاة والإيمان بالله واليوم الآمر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسارعة إلى الخيرات، فقد شهد الله تعالى لهم بأنهم من الصالحين فقال سبحانه [لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ] آل عمران ١١٣، ١١٤، ١١٥. قال الإمام القرطبي: [وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ]: أي مع الصالحين، وهم أصحاب محمد ﷺ في الجنة (١). وذكر الإمام سعيد بن منصور: أنهم هم المقصودون بقوله تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] الرعد ٢٨. فأخرج في سننه عن سفيان، قال: هم أصحاب محمد ﷺ (٢). قال الإمام ابن القيم: إن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها، فهم

стр. 47

سادات المفتين العلماء، قال الليث عن مجاهد: العلماء: أصحاب محمد ﷺ . وقال سعيد عن قتادة في قوله تعالى [وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ] سبأ ٦، قال: أصحاب محمد ﷺ (١). ٥) أن الله قسم المؤمنين من أصحاب النبي ﷺ إلى قسمين وفريقين: الأول): وهم المهاجرون: الذي هجروا أوطانهم وأموالهم وفارقوها طلباً لما عند الله تعالى وإجابة لداعيه، وإقامة لدينه. قال الإمام أبو حيان: فبدأ بالمهاجرين؛ لأنهم أصل الإسلام، وأول من استجاب لله، فهاجر قوم إلى المدينة، وقوم إلى الحبشة، وقوم إلى ابن ذي يزن، ثم هاجروا إلى المدينة، وكانوا قدوة لغيرهم في الإيمان، وسبب تقوية الدين (ومن سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) (٢). وقال الإمام ابن كثير: وأحسن ما قيل في قوله تعالى [وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ] الحشر ٩، أي: لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم، فإن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين

стр. 48

العلماء لا يختلفون في ذلك (١). الثاني): وهم الأنصار: المسلمون من أهل المدينة، الذي آووا إخوانهم المهاجرين، وأنزلوهم منازلهم، وبذلوا لهم أموالهم وأثروهم على أنفسهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم. قال الإمام أبو حيان: ثم ثنى بالأنصار؛ لأنهم ساووهم في الإيمان، وفي الجهاد بالنفس والمال، لكنه عادل الهجرة: الإيواء والنصر، وانفرد المهاجرون بالسبق (٢). وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] الأنفال ٧٢. قال أهل التفسير: وهذه الآية تضمنت ولاية بعضهم بعضاً، فهي واردة في إيجاب الولاية والنصرة. ولما ذكر حكم المؤمنين في الدنيا، عطف بذكر ما لهم في الآخرة فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] الأنفال ٧٤. ففي هذه الآية الكريمة: تعظيم للمهاجرين والأنصار، وثناء عليهم

стр. 49

وتشريف واختصاص لهم، حكم لهم بالإيمان الحق الكامل، مع ما آل إليه حالهم ﵃ من المغفرة والرزق الكريم. قال العلامة المنصوري: وهو كلام مسوق للثناء عليهم، والشهادة بفوزهم بالقدح المعلى من الإيمان (١). ٦) في سورة الفاضحة والبحوث والمبعثرة والمخزية والمثيرة والحافرة والمنكلة والمدمدمة التي فضحت المنافقين، وبحثت عن أسرارهم وآثارتها ونكلت بهم ودمدمت عليهم، أنزل الله جل وعلا فيها توبته على المؤمنين، لتكون مخرسة لكل متكلم بالبهتان فاضح لسان النفاق فقال سبحانه: [لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ] التوبة ١١٧ (٢). وجاءت آيات هذه السورة في سياقاتِها فاضحة للمنافقين، وفي صحيح الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: (في أصحابي اثنا عشر منافقاً، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من نار تظهر بين أكتافهم حتى ينجم في صدورهم) (٣). وبعد أن ذكر الله جل شأنه حال المنافقين في تخلفهم عن الجهاد مع

стр. 50

الرسول ﷺ والمؤمنين، ذكر حال المؤمنين الصادقين في المثابرة على الجهاد، وأثنى عليهم فقال سبحانه [لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] التوبة ٨٨ - ٨٩. فأؤلئك المنعوتون بالنعوت الجليلة لهم الخيرات - وهي منافع الدين والدنيا والآخرة - وهم الفائزون المفلحون الذين ظفروا بأعلى المطالب وأكمل الرغائب (١). ٧) إحلال رضى الله جل وعلا على أولئك القوم، ومن ﵁ فقد فاز، قال سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ] البينة ٧ - ٨. قال العلامة السعدي: ورضاه تعالى أكبر من نعيم الجنة (٢). وليس بعد الرضا سخط. قال الإمام ابن كثير: في قوله تعالى ﴿يبتغون فضلا من الله

стр. 51

ورضوانا﴾، وصفهم بكثرة العمل، وكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله والاحتساب عند الله تعالى جزيل الثواب وهو الجنة المشتملة على فضل الله وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم وهو أكبر من الأول كما قال جل وعلا [وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ] (١). قال الله جل شأنه [وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] التوبة ١٠٠، وقال سبحانه [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً] الفتح ١٨ أخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن أبي صخر حميد بن زياد، قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي، أخبرني عن أصحاب رسول الله ﷺ ؟ وإنما أريد الفتن، قال: إن الله تعالى قد غفر لجميع أصحاب النبي ﷺ ، وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم، قلت له: وفي أي موضع أوجب الله تعالى لهم الجنة في كتابه؟ قال: ألا تقرؤون قوله تعالى [وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ..... ] الآية، أوجب لجميع أصحاب النبي ﷺ الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً لم يشترطه فيهم، قلت: وما اشترط عليهم، قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان، يقول: يقتدون بهم في

стр. 52

أعمالهم الحسنة، ولا يقتدون بهم في غير ذلك، قال أبو صخر: فوالله لكأني لم أقرأها قبل ذلك، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها عليّ ابن كعب (١). يقول الإمام ابن كثير: فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولاسيما سيد الصحابة بعد الرسول ﷺ وخيرهم وأفضلهم، أعني: الصديق الأكبر والخلفية الأعظم: أبا بكر بن أبي قحافة ﵁، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونَهم ويسبونَهم عياذاً بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبَهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن، إذ يسبون من ﵃، وأما أهل السنة فإنّهم يترضون عمن ﵁، ويسبون من سبه الله ورسوله ويوالون من يوالي الله، ويعادون من عادى الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدون، ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون (٢). وقال النبي ﷺ : (لن يدخل النار أحداً شهد بدراً والحديبية)، ولذا فقد ﵃ ووصفهم بوصف الإيمان، فقال سبحانه [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ .... ] الفتح ١٨. قال الإمام أبو حيان: والآية دالة على رضا الله تعالى عنهم، ولذا

стр. 53

سميت بيعة الرضوان، وكانوا فيما روي: ألفاً وخمسمائة وعشرين. وقال ابن أبي أوفى: وثلاثمائة (١). ٨) ومن الأدلة على فضل الصحابة ﵁: ما أثنى الله تعالى به عليهم في كتابه، وضرب بهم مثلاً في التوراة وفي الإنجيل، فقال سبحانه: [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً] الفتح ٢٩ أخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس: [ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ] يعني: نعتهم مكتوب في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق الله تعالى السموات والأرض (٢). واختلف المفسرون في هذه الآية، وكم مثل ضُرب فيها؟ فقيل: هما مثلان، وهو قول عبد الله بن عباس ﵁ أحدهما في التوراة، والآخر في الإنجيل.

стр. 54

وعليه فيوقف في القراءة على قوله: [التَّوْرَاةِ]. وقيل: هما مثل واحد، وهو قول مجاهد، يعني: أن هذه صفتهم في التوراة والإنجيل. ويكون الوقف على [الْأِنْجِيلِ]، ويبتدئ بقوله: [كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ] على معنى: وهم كزرع (١). وعلى كلا القولين هو شرف لأصحاب النبي ﷺ ؛ لأن الصحابة ﵃ خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم. وقال الإمام مالك: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابةرضي الله عنهم الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا. قال الإمام ابن كثير: وصدقوا في ذلك فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة وأعظمها وأفضلها، أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد نوّه الله تعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة (٢). فذكر الله تعالى وصفهم الذي وصفوا به في التوراة، بأنهم في أكمل الصفات، وأجل الأحوال " والأولى حمل قوله تعالى [وَالَّذِينَ مَعَهُ] على عموم الصحابة، لا على أصحاب الحديبية فقط" (٣)، ولذا قال الإمام

стр. 55

القرطبي: وكون الصفات في جملة أصحاب النبي ﷺ هو الأشبه (١). فقال [أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ]: أي غلاظ عليهم، [رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ]: أي يرحم بعضهم بعضاً، فهم متوادون متعاطفون كالجسد الواحد، وهذا فيما يتعلق في معاملتهم مع الخلق. وفيما يتعلق في معاملتهم مع الخالق ، يقول عنهم: [تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً] فوصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة، والحامل لهم على ذلك طلب الرضوان والاحتساب عند الله تعالى، فقال سبحانه [يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً] فوصفهم بالإخلاص في الأعمال لله تعالى، فكان مقصودهم بلوغ رضا الله تعالى والوصول إلى ثوابه. وقال سبحانه في وصفهم [سيماهم في وجوههم من أثر السجود]: فُسر بالخشوع وبالسمت الحسن. وقيل: تظهر علامتهم في جباههم من أثر السجود في الصلاة، وكثرة التعبد بالليل والنهار. وقيل: نور وبياض في وجوههم يوم القيامة من كثرة صلاتِهم وسجودهم (٢). فتلك الأوصاف الجليلة، والأعمال العظيمة هي مثلهم في التوراة. وقال : [وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ] أي لهم وصف آخر، وذلك أنّهم في تعاونِهم وكمالهم: [كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ] أي فراخه، وقيل:

стр. 56

سنبله، فنبت في جوانبه، ﴿فآزره﴾ أي: فقواه وأعانه وشده في النبات والاستواء، ﴿فاستغلظ﴾ أي: صار ذلك الزرع غليظاً بعد أن كان رقيقاً، وشب وطال [فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ] أي: فاستتم وتكامل على سوقه، أي: على قصبه وأصوله وأعواده، ﴿يعجب الزراع﴾ أي: يعحب هذا الزرع زارعه، لقوته وحسن منظره، وكماله واستوائه وحسنه واعتداله، وكثافته وغلظه (١). قال أهل التفسير: وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبي ﷺ ، أي: فكذلك أصحاب النبي ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه، كالشطء مع الزرع (٢). قال الإمام القرطبي: يعني: أنّهم يكونون قليلاً ثم يزدادون ويكثرون، فكان النبي ﷺ حين بدأ بالدعاء إلى دينه ضعيفاً، فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ نباته وأفراخه، فكان هذه من أصح مثل وأقوى بيان (٣). وقال العلامة المنصوري: المثل ضربه الله تعالى لأصحابه، كانوا قلة في بدء الإسلام ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم يوماً فيوماً بحيث أعجب الناس شأنَهم ودينهم وكامل قوتِهم.

стр. 57

وجاء في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (١). وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي: وما تضمنته الآية من المثل المذكور في الإنجيل المضروب للنبي ﷺ وأصحابه بأنهم يكونون في مبدأ أمرهم في قلة وضعف، ثم بعد ذلك يكثرون ويقوون، جاء موضحاً في آيات من كتاب الله تعالى كقوله: [وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ] وقوله: [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] وقوله: [الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ] إلى غير ذلك من الآيات (٢). ثم ذكر الله علة تكثيره لأصحابه وتقويته لهم، فقال سبحانه: [لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ] أي حين يرون اجتماعهم وشدتهم على أعداء دينهم (٣). ثم ختم الآية بوعده لهم بالمغفرة والأجر العظيم، فقال سبحانه: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ] ومنهم هنا: لبيان الجنس، لا للتبعيض، [مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً] أي ثواباً جزيلاً،

стр. 58

ورزقاً كريماً، ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل (١). قال الإمام القرطبي: وقد يخصص أصحاب محمد ﷺ بوعد المغفرة، تفضيلاً لهم، وإن كان وعد الله جميع المؤمنين بالمغفرة (٢). ٩) قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاؤوا من بعدهم، فاجهد ألا تخرج من هذه المنازل (٣). وقد قسمهم الله تعالى في قوله سبحانه: [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ] الحشر ٨ - ١٠ فذكر الله جل وعلا بعض خصائصهم ومناقبهم، وقد جعل سبحانه

стр. 59

الفيء خاصاً بهؤلاء الفقراء المهاجرين لحاجتهم واضطرارهم [الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً] يبتغون رزقاً في الدنيا ورضواناً في الآخرة. قال العلامة المنصوري: وصفوا أولاً بما يدل على استحقاقهم للفيء من الإخراج من الديار والأموال. وثانياً: بما يوجب تفخيم شأنِهم ويؤكده، وهو أن خروجهم لم يكن للدنيا، وإنما كان نصرة للدين وطلباً لمرضاته (١). [أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] أي: في إيمانهم وجهدهم قولاً وفعلاً، وهؤلاء سادات المهاجرين (٢). ثم امتدح الله جل علا الأنصار مبيناً فضلهم وشرفهم وكرمهم وعدم حسدهم وإيثارهم مع الحاجة فقال سبحانه [وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ] قال عمر بن الخطاب ﵁: أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم كرامتهم، وأوصية بالأنصار خيراً الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم (٣).

стр. 60

قال العلامة السعدي: فهذان الصنفان الفاضلان الزكيان: هم الصحابة الكرام والأئمة الأعلام الذي حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا من قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين وسادات المسلمين، وقادات المتقين (١). ثم ذكر الصنف الثالث: وهم التابعون، ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة وهم التابعون لآثارهم الحسنة، وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية، فهم يدعون قائلين: [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ] (٢). قال الإمام القرطبي: قال بعضهم: كن شمساً، فإن لم تستطع فكن قمرا، فإن لم تستطع فكن كوكباً صغيرا، ومن جهة النور لا تنقطع، ومعنى هذا: كن مهاجرياً، فإن قلت لا أجد، فكن أنصارياً فإن لم تجد، فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع، فأحبهم واستغفر لهم كما أمرك الله تعالى (٣). ومن صفات التابعين أنهم يدعون الله تعالى ألا يجعل في قلوبهم غلاً ولا حسداً ولا بغضاً ولا غشاً للذين آمنوا. قال الإمام السيوطي: وفي قوله تعالى ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾

стр. 61

فيه: الحث على الدعاء والترضي عن الصحابة، وتصفية القلوب من بغض أحد منهم (١). وقال الإمام القرطبي: وهذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة، لأنه جعل لمن بعدهم حظاً في الفيء ما أقاموا على محبتهم ومولاتِهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم أو واحداً منهم أو اعتقد فيه شراً أنه لا حق له في الفيء. روي عن مالك وغيره (٢). وما أجمل ما سطرته بنان الإمام الشوكاني حيث قال: أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار، أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبِهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولاً أولياً لكونِهم أشرف المؤمنين ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم، ويطلب رضوان الله لهم، فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية. فإن وجد في قلبه غلاً لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحلّ به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمة نبيه، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم، إن لم يتدارك نفسه باللجوء إلى الله والاستغاثة به، بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون، وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم

стр. 62

فقد انقاد للشيطان بزمام، ووقع في غضب الله وسخطه، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب بِهم الشيطان، وزين لهم الأكاذيب المختلقة، والأقاصيص المفتراة، والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعن سنة رسوله المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور، فاشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر، وما زال الشيطان ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسوله وخير أمته وصالحي عباده وسائر المؤمنين، وأهملوا فرائض الله، وهجروا شعائر الدين، وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي، ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر، والله من ورائهم محيط (١). ١٠) أن الله تعالى بفضله ورحمته، وعدهم الحسنى، وشهد لهم بِها، والله سبحانه لا يخلف الميعاد، فقال سبحانه: [وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ] الحديد ١٠ قال العلامة السعدي: وهذا يدل على فضل الصحابة كلهم ﵃ حيث

стр. 63

شهد الله لهم بالإيمان ووعدهم الجنة (١). فبيّن الله سبحانه في هذه الآية فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله، فقال: [لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ]. وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لأن حاجة الناس كانت أكثر، لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق، والأجر على قدر النصب، وهؤلاء هم السابقون الأولون من المهاجرين (٢). والأنصار الذي جاء في حقهم قوله ﵊: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (٣). ولما كان التفضيل بين الأمور قد يتوهم منه نقص وقدح في المفضول، احترز تعالى من هذا بقوله [وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى] أي الذين أسلموا وقاتلوا وأنفقوا من قبل الفتح وبعده، والفتح على المشهور (فتح مكة)، وقيل: الحديبية، كلهم وعدهم الله تعالى الجنة مع تفاوت الدرجات. قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها. وقال الزجاج: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم,

стр. 64

وكانت بصائرهم أيضاً أنفذ (١). ولذا فقد أثنى المولى جل وعلا عليهم جميعاً، وسوّى بين من مات في سبيل الله أو مات حتف أنفه، فقال: [وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ] الحج ٥٩،٥٨. وقيل في سبب نزولها: أنه لما مات عثمان بن مظعون وأبو سلمة، قال بعض الناس: من قتل في سبيل الله أفضل ممن مات حتف أنفه، فزلت هذه الآية مسوّية بينهم، وأن الله سبحانه يرزقهم جميعاً رزقاً حسناً (٢). ١١) أجزم أن كل أية شريفة في كتاب الله فيها وصف حسن، وخُلق كريم، وفضل عظيم، فإن أصحاب النبي ﷺ أولى به وأسرع القوم إليه، والشواهد على ذلك كثيرة منها: أ): قوله : [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ

стр. 65

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] المجادلة ٢٢ قال الإمام ابن كثير: قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية في أبي عبيدة عامر بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ حين جعل الشورى بعده في أولئك الستة: ولو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته (١). وقيل: قوله سبحانه [وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ] نزلت في أبي عبيدة، قتل أباه يوم بدر. وقوله: [أَوْ أَبْنَاءَهُمْ] نزلت في الصديق، فإنه همّ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن. وقوله: [أَوْ إِخْوَانَهُمْ] نزلت في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ. وقوله: [أَوْ عَشِيرَتَهُمْ] نزلت في عمر قتل قريباً له يومئذ، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة. ثم قال جل شأنه [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ] وفي هذا سر بديع، وهو أنه لما سخطوا على الغرائب والعشائر في الله، عوضهم الله تعالى بالرضا عنهم وأرضاهم

стр. 66

عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم والفضل العميم (١). ب) قال الله تعالى [فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى] الليل ٥ - ٧، أي أعطي حقوق ماله، واتقى ربه، واجتنب محارمه. [وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى]: قيل: صدق بالخلف من الله، وقيل: بلا إله إلا الله، وقيل: بالجنة، قال الإمام الشوكاني: وصدق بالخلف من الله تعالى أولى. [فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى] قيل: للخير، وقيل: للجنة. والشاهد: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، فعن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر الصديق يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني: أراك تعتق أناساً ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالاً جلداء يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون عنك، فقال: أي أبت، إنما أريد - أظن قال - ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي: أن هذه الآية نزلت فيه (٢). وعلى كل الأقوال والأحوال فإن الصحابة رضي الله عنهمأولى من يدخل في

стр. 67

معرض هذه الآيات لما ذكر. الثاني: في قوله سبحانه [ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ] الواقعة ١٣ - ١٤، وهو تقسيم للمقربين الذين قال الله جل وعلا عنهم [وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ] وهم الذين وصفهم المولى سبحانه بقوله [إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ، يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ، خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ، وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ، عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ] المطففين ٢٢ - ٢٨ قال الإمام القرطبي: أي يشرب منها أهل جنة عدن، وهم أفاضل أهل الجنة (١). واختلف المفسرون في تعيين المراد من قوله تعالى [ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ] فقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، وبالآخرين: هذه الأمة، وهذا اختيار الإمام ابن جرير الطبري. وقيل: المراد بالأولين: أي من صدر هذه الأمة، وبالآخرين: من هذه الأمة أيضاً، فالجميع من هذه الأمة. وهو اختيار الإمام ابن كثير، وقال: ولا شك أن أول كل أمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم كل أمة بحسبها. وروي عن عائشة أنّها قالت: الفرقتان في كل أمة نبي، في

стр. 68

صدرها ثلة، وفي آخرها قليل (١). وعلى كلا القولين يظهر فضل أصحاب النبي ﷺ ، إلا أن القول الثاني أجلى وأظهر. يقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي: قال بعض أهل العلم: كل هؤلاء المذكورين من هذه الأمة، وأن المراد بالأولين منهم (الصحابة ﵃، ولكن الشيخ مال للرأي الأول رحمه الله تعالى (٢). ج) قال الله جل شأنه: [وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ] اختلف أهل التفسير في تعيين المراد من هذه الآية: فقيل: الذي جاء بالصدق: جبريل ﵇، والذي صدق به: محمد ﷺ . وقيل: الذي جاء بالصدق: النبي ﷺ ، والذي صدق به: المؤمنون. وقيل: الذي جاء بالصدق: النبي ﷺ ، والذي صدق به: أبو بكر الصديق ﵁. وقيل: الذي جاء بالصدق: النبي ﷺ ، والذي صدق به: علي بن أبي طالب ﵁. وقيل: إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله تعالى، وأرشد إلى ما

стр. 69

شرعه لعباده، واختار هذا الإمام ابن جرير، وقواه العلامة الشوكاني. وعليه فالأية دليل مؤكد واضح على فضل الصحابة ﵃، إذ هم رأس وهرم المصدقين لرسول الله ﷺ فشهد الله تعالى لهم بأنهم أهل التقوى والإحسان [لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ] (١) الزمر ٣٤. هـ) ومما يدل على فضلهم ﵃ على رأي بعض أهل التفسير، ما جاء في قوله [أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ] الحج ٣٩ - ٤١ قال الإمام الحبر ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁: المراد: المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان. وقال قتادة: هم أصحاب محمد ﷺ (٢). ومن الآيات التي وصفتهم بوصف الإيمان قوله جل شأنه: ﴿قل

стр. 70

للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾ (الجاثية: ١٤) فقيل: نزلت في عمر بن الخطاب ﵁، وقيل: نزلت في أصحاب النبي ﷺ لما كانوا في أذى شديد من أهل مكة قبل أن يؤمروا بالقتال؛ ليكون ذلك كالتأليف لهم، ثم لما أصروا على العناد شرع الله تعالى للمؤمنين الجلاد والجهاد. فهم ﵃ أهل الإيمان الخالص الصادق. (١) و) ومثله ما ورد عن بعض أهل التفسير في قوله [فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ]. فاختلف العلماء في المراد من قوله تعالى [بِأَيْدِي سَفَرَةٍ]: فالجماهير من أهل العلم: أنّهم الملائكة ﵈. وقال وهب بن منبه: هم أصحاب النبي ﷺ . قال الإمام أبو حيان: لأن بعضهم يسفر إلى بعض في الخير، والتعليم والعلم (٢).

стр. 71

قلت: ولاشك أن في هذا فضل ومزية، وإن كان القول الحق أن المراد: الملائكة: الذين هم سفراء بين الله وبين عباده، ولذا قال الإمام ابن العربي: لقد كان أصحاب محمد ﷺ كراماً بررة، ولكن ليسوا بمرادين بِهذه الآية ولا قاربوا المرادين بها، بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق، ولا يشاركهم فيها سواهم، ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم (١). ز) وقال الله جل شأنه [قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى] النمل ٥٩. أمر الله نبيه ﷺ أن يحمده على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وعلل ما اتصف به سبحانه من الصفات العلى والأسماء الحسنى. واختلف المفسرون في الآية في موضعين: الأول: قوله سبحانه: [قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ] من المخاطب بِها؟ فقيل: المخاطب بِها لوط ﵇، والمعنى قل الحمد لله على هلاك كفار قومه، وعزا هذا القول الإمام ابن عطية للإمام الفراء. وقيل: المخاطب بها نبينا محمد ﷺ ، والمعنى: قل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية، قال الإمام النحاس: وهو أولى لأن القرآن منزّل على النبي ﷺ ، وكل ما فيه فهو مخاطب به، إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره. الثاني: قوله سبحانه [وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى]: وهي الشاهد فيما نحن بصدده، من بيان فضائل أصحاب النبي ﷺ :

стр. 72

فاختلف المفسرون في المسلّم عليهم الذي اصطفوا: فقيل: هم الأنبياء، وهو قول الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقيل: هم أصحاب النبي ﷺ ، وهو قول حبر الأمة وترجمان القرآن: عبد الله بن عباس ﵁، وهو قول سفيان الثوري والسدي. قال الإمام ابن كثير: ولا منافاة، فإنّهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى، فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى (١). ل) وقال [الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ] البقرة ١٢١. اختلف المفسرون في المراد من الآية: فقيل: هم أصحاب محمد ﷺ ، قاله قتادة، وحكي نحو هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، والكتاب على هذا التأويل هو: القرآن الكريم. فوجه الفضل فيه لأصحاب النبي ﷺ : أن الله جل وعلا شهد لهم بأنهم يؤمنون به، ويقيمونه على وجهه المطلوب. وقيل: هم من أسلم من بني إسرائيل، قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والكتاب على هذا التأويل: التوراة، قال الإمام القرطبي: والآية

стр. 73

تعم (١). ص) وقال [إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا] التوبة ٤٠. دلت هذه الآية على فضل الصديق، وعلو مكانته، وجليل صحبته، قال الإمام أبو حيان: وهذه الآية منوهة بقدر أبي بكر وتقدمه وسابقته في الإسلام (٢)، ولذا نص العلماء: أن من أنكر صحبة عمر وعثمان أو غيرهما من الصحابة للنبي ﷺ فهو كذاب مبتدع، وأما من أنكر صحبة الصديق للنبي ﷺ فهو كافر، لأنه ورد نص القرآن (٣). وما أجمل ما سطرته بنان الإمام الفذ القيِم شمس الدين ابن القيم فقال: كانت تحفة ثاني اثنين مدخرة للصديق دون الجميع، فهو الثاني في الإسلام، وفي بذل النفس، وفي الزهد، وفي الصحبة، وفي الخلافة، وفي العمر، وفي سبب الموت؛ لأن الرسول ﷺ مات عن أثر السم، وأبو بكر سُم

стр. 74

فمات. أسلم على يديه من العشرة: عثمان وطلحة والزبير وابن عوف وسعد بن أبي وقاص، وكان عنده يوم أسلم أربعون ألف درهم فأنفقها أحوج ما كان الإسلام إليها، فلهذا جلبت نفقته عليه (ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر). فهو خير من مؤمن آل فرعون؛ لأن ذلك كان يكتم إيمانه، والصديق أعلن به، وخير من مؤمن آل ياسين؛ لأن ذلك جاهد ساعة، والصديق جاهد سنين. نطقت بفضله الآيات والأخبار، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، فيا مبغضه في قلوبكم من ذكره نار، كلما تليت فضائله علا عليها الصغار، أترى لم يسمع الروافض الكفار ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾. ثم قال: من كان قرين النبي ﷺ في شبابه؟ من ذا الذي سبق إلى الإيمان من أصحابه؟ من الذي أفتى بحضرته سريعا في جوابه؟ من أول من صلى معه؟ من آخر من صلى به؟ من الذي ضاجعه بعد الموت في ترابه؟ فاعرفوا حق الجار. وقال: حُبه والله رأس الحنيفية، وبغضه يدل على سوء الطوية، فهو خير الصحابة والقرابة، والحجة على ذلك قوية، ولولا صحة إمامته ما قيل

стр. 75

ابن الحنفية، مهلا مهلا فإن دم الروافض قد فار. والله ما احببناه لهوانا، ولا نعتقد في غيره هدانا، ولكن أخذنا بقول علي وكفانا: رضيك رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا. تالله لقد أخذت من الروافض بالثأر، تالله لقد وجب حق الصديق علينا، فنحن نقضي بمدائحه، ونقر به بما نقر به من السنى - البرق - عينا، فمن كان رافضيا فلا يعد إلينا، وليقل لي أعذار. (١) ومن آيات الفضل والثناء قوله : ﴿ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ (المائدة: ٥٤). قال الحسن: هو والله أبوبكر وأصحابه، وقال السدي: نزلت في الأنصار، وقال أبوبكر بن عياش: هم أهل القادسية. وهذا كله يدل على الفضل إذ فيه إثبات المحبة، ومن أحبه الله تعالى فهو ولي الله، وأصحاب النبي ﷺ هم أولياء الله المتقين، والسادة المقربون. وقال الإمام ابن كثير: وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين.
следующие страницы →