← Акыда

Акыда · id 96240

الإصابة في الذب عن الصحابة - رضي الله عنهم -

عبد الهادي العمري

Полный текст (428 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المبحث الثاني فضائل الصحابة ﵃ في السنة النبوية المطهرة قال الإمام الذهبي: وأما مناقب الصحابة ﵃ وفضائلهم فأكثر من تذكر (١). وقد تضافرت الأحاديث النبوية، والآثار المنيفة واشتهرت، موضحة ومبينة فضائل أصحاب النبي ﷺ وهي كثيرة، ومجموعها ينتظم في الأمور التالية: ١) إثبات خيرية قرنه ﵊، ففي الصحيحين عن عمران بن حصين يقول: قال رسول الله ﷺ : (خير أمتي قرني ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم)، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قوله: قرنين أو ثلاثاً .. وهذا لفظ البخاري (٢). وعند مسلم بلفظ: سئل رسول الله ﷺ : أي الناس خير؟ قال: قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. وعن عائشة ﵂ قالت: سأل رجل النبي ﷺ أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني ثم الثالث (٣).

стр. 107

قال الإمام النووي: اتفق العلماء على أن خير القرون، قرنه ﵊، والمراد أصحابه (١). والمراد بالذين يلونَهم: التابعون، والذين يلونَهم: تابعو التابعين. قال الحافظ ابن حجر: واستدل بِهذا الحديث على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمول على الغالب والأكثرية، فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وجدت فيه الصفات المذكورة المذمومة لكن بقلة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة، فإن ذلك كثر فيهم واشتهر (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه الأحاديث مستفيضة، بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون، فالقدح فيهم قدح في القرآن والسنة (٣). وقال الحافظ ابن حجر في بيان مدد هذه القرون: وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل، على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعاً وتسعين، وأما قرن التابعين: فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو

стр. 108

ثمانين، وأما الذين من بعدهم: فإن اعتبر منها كان نحواً من خمسين فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان. واتفقوا أن آخر من كان من اتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن الاعتبار في القرون الثلاثة بجمهور أهل القرن وهم وسطه، وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة حتى إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل، وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في أمارة ابن الزبير وعبد الملك، وجمهور تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية (٢). قال بعض العلماء: وإنما كانوا خير القرون بشهادة الله تعالى ورسوله ﵊ لهم بكل فضيلة من الإخلاص والصدق والتقوى، والشدة في الدين، والرحمة على المؤمنين ونصرة الله ورسوله والجهاد في سبيل وبذل النفوس والأموال، وبيعها من الله تعالى، وإيثارهم على أنفسهم، وكونهم خير أمة أخرجت للناس، وقد رضي الله عنهم ورضوا

стр. 109

عنه والحائزين على الفوز والفلاح والبشارة بأعلى الجنان، وجوار الرحمن إلى غير ذلك. ومدح الله تعالى لا يتبدل، ووعده لا يُخلف ولا يتحول، إذ هو سبحانه المطلع على عواقب الأمور، والعالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، فلا يمدح إلا من سبقت له منه الحسنى، وكان ممدوحاً في الآخرة والأولى (١) ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد اتفق المسلمون على أن أصحاب رسول الله ﷺ خير طباق الأمة (٢). ٢) ومما يدل على فضلهم ما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم (٣).

стр. 110

قال الإمام النووي: وفي هذا الحديث فضل الصحابة والتابعين وتابعيهم. وقال الحافظ ابن حجر: ومثله حديث وائلة رفعه (لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني صاحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني صاحبني) والحديث أخرجه ابن أبي شيبة، وإسناده حسن (١). فهذه الأحاديث تدل على فضلهم، وأن حسن الكمال في إتباعهم، ولذا فإن الأئمة يذكرون كثيرا من المحدثات، ويردونها، لأنها لم تكن في هذه القرون المفضلة، فمثلاً يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فأما سماع القاصدين لصلاح القلوب في الاجتماع على ذلك: إما نشيد مجرد، نظير الغبار، وإما بالتصفيق، ونحو ذلك، فهو السماع المحدث في الإسلام. فإنه أحدث بعد ذهاب القرون الثلاثة الذين أثنى عليهم النبي ﷺ حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم) وقد كرهه أعيان الأمة، ولم يحضره أكابر المشايخ (٢). ثم ذكر شيخ الإسلام السماع الذي كان يجتمع عليه أصحاب القرون المفضلة، وهو سماع القرآن فقال: فمن المعلوم أن سماع القرآن، هو سماع النبيين والعارفين والمؤمنين .. ثم قال: وبِهذا السماع هدى الله العباد،

стр. 111

وأصلح لهم المعاش والمعاد، وبه بعث الرسول ﷺ ، وبه أمر المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وعليه يجتمع السلف .. ثم قال: وعلى هذا السماع كان يجتمع القرون الذين أثنى عليهم النبي ﷺ حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم) ولم يكن في السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلا هذا (١). قال العلامة العيني: وفي الحديث معجزة لسيدنا رسول الله ﷺ وفضيلة لأصحابه وتابعيه وذاك أن من صحب النبي ﷺ ومن صحب أصحاب النبي ﷺ ، ومن صحب صاحب أصحاب النبي ﷺ ، هم ثلاثة: الصحابة والتابعون وأتباع التابعين، حصلت لهم النصرة، لكونِهم ضعفاء فيما يتعلق بأمر الدنيا أقوياء فيما يتعلق بأمر الآخرة (٢). ويقول الحافظ ابن حجر: قال ابن بطال: وهو كقوله في الحديث الآخر (خيركم قرني ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم)، لأنه يُفتح للصحابة لفضلهم، ثم للتابعين لفضلهم، ثم لتابعيهم لفضلهم، قال: ولذلك كان الصلاح والفضل والنصر للطبقة الرابعة أقل، فكيف بمن بعدهم (٣). ومن هنا يقول الإمام ابن تيمية:

стр. 112

ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف، أن خير قرون هذه الأمة، في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها، القرن الأول، ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من غير وجه، وأنّهم أفضل من الخلف في كل فضيلة من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وبيان وعبادة، وأنّهم أولى بالبيان من كل مشكل، هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام وأضله الله على علم. ثم قال: وما أحسن ما قال الشافعي في رسالته: هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا (١). وقال ﵀ في معرض حديثه عن حديث (بدأ الإسلام غريباً) كذلك قوله تعالى [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ] النور ٥٥، فهذا الوعد مناسب لكل من اتصف بِهذا الوصف، فلما اتصف به الأولون استخلفهم الله كما وعد، وقد اتصف بعدهم به قوم بحسب إيْمانِهم وعملهم الصالح، فمن كان أكمل إيمانًا وعمل صالحاً، كان استخلافه المذكور أتم، فإن كان فيه نقص وخلل كان تمكينه خلل ونقص، وذلك أن هذا جزاء هذا العمل، فمن قام بذلك العمل استحق ذلك الجزاء، لكن ما بقي قرن مثل القرن الأول، فلا جرم ما بقي

стр. 113

قرن يتمكن تمكن القرن الأول (١). ٣) أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي بردة عن أبيه قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا حتى خرج علينا فقال: (ما زلتم هاهنا)، قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، وقلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: (أحسنتم) أو (أصبتم)، قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون (٢). قال الإمام النووي: قوله: (وأصحابي أمنة لأمتي .. ) معناه: من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم، وغيرهم عليهم وانتهاك المدينة ومكة وغير ذلك، وهذه كلها من معجزاته ﷺ (٣). ٤) وأخرج الإمام الترمذي في جامعه عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تمسّ النار مسلماً رآني أو رأى من رآني) قال

стр. 114

طلحة بن حراش: فقد رأينا جابر بن عبد الله، وقال موسى بن إبراهيم بن كثير: وقد رأيت طلحة بن حراش، قال يحيى بن حبيب بن عربي البصري وقال لي موسى: وقد رأيتني ونحن نرجو الله، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم الأنصاري (١). قال صاحب الدين الخالص: هذا ظاهر الحديث تخصيص الصحابة والتابعين بِهذه البشارة، وليس في لفظه ما يدل على شمول سائر المسلمين إلى يوم الدين، بل قصر تبع التابعين عن الدخول فيه، والحديث أفاد أن البشارة خاصة بمن رأى الصحابي فمن لم يره وكان في زمنه فالحديث لا يشمله. قال العلامة المباركفوري: الأمر كما قال صاحب الدين الخالص. واخرج عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: من مات من أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة. قال الترمذي: وروي هذا الحديث عن عبد الله بن مسلم أبي طيبة عن أبي بريدة عن النبي ﷺ مرسل وهو أصح. قال العلامة المباركفوري: قائداً أي: لأهل تلك الأرض إلى الجنة، ونوراً لهم: أي هاديا لهم (٢). ٥) وأخرج الإمام البغوي بسنده عن الحسن عن أنس قال: قال

стр. 115

رسول الله ﷺ : مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام، لا يصلح الطعام إلا بالملح، قال: قال الحسن: فقد ذهب ملحنا، فكيف نصلح (١). ٦) وأخرج الإمام الترمذي من حديث عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : (اللهَ الله في أصحابي، لا تتخذوهم عرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه) (٢). قال العلامة المباركفوري: قوله (اللهَ الله) بالنصب فيهما: أي اتقوا الله، ثم اتقوا الله (في أصحابي): أي في حقهم، والمعنى: لا تنقصوا من حقهم ولا تسبوهم، أو التقدير: أذكركم الله، ثم أنشدكم في حق أصحابي، وتعظيمهم وتوقيرهم (٣). ٧) وأخرج الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) (٤) قال الإمام الخطابي: والمعنى: أن جهد

стр. 116

المقل منهم، واليسير من النفقة الذي أنفقوه في سبيل الله مع شدة العيش والضيق الذي كانوا فيه أوفى عند الله وأزكى من الكثير الذي ينفقه من بعدهم (١). وقال الإمام النووي: قال القاضي، ويؤيد هذا ما قدمناه في أول باب فضائل الصحابة عن الجمهور من تفضيل الصحابة كلهم على جميع من بعدهم. وسبب تفضيل نفقتهم: أنها كانت وقت الضرورة وضيق الحال، بخلاف غيرهم، ولأن إنفاقهم كان في نصرته ﵊ وحمايته وذلك معدوم بعده، وكذا جهادهم، وسائر طاعتهم، هذا كله مع ما كان في أنفسهم من الشفقة والتودد والخشوع والتواضع والإيثار والجهاد في الله حق جهاده، وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل، ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٢). وقال الإمام العيني: وهذا الحديث لا يدل على فضل أبي بكر على الخصوص، وإنما يدل على فضل الصحابة كلهم على غيرهم (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال غير واحد من الأئمة: إن كل من صحب النبي ﷺ أفضل ممن لم يصحبه مطلقاً، وعينوا ذلك في مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز مع أنّهم معترفون بأن سيرة عمر بن عبد العزيز أعدل

стр. 117

من سيرة معاوية، قالوا: لكن ما حصل لهم بالصحبة من الدرجة أمر لا يساويه ما يحصل لغيرهم بعلمه، واحتجوا بما في الصحيحين من أنه قال: (لا تسبوا أصحابي .. ) قالوا: فإذا كان جبل أحد ذهباً لا يبلغ نصف مدّ أحدهم، كان في هذا من التفاضل ما يبيّن أنه لم يبلغ أحد مثل منازلهم التي أدركوها بصحبة النبي ﷺ (١). وقد قال بعضهم في معاوية وعمر بن عبد العزيز، ليوم شهده معاوية مع رسول الله ﷺ خير من عمر وأهل بيته (٢). وخلاصة ما يمكن قوله: أن هذا القرن وهذا الجيل الفذ العظيم، الذي لا يمكن أن يتكرر، هو من خير قرون الزمان في الأرض، علماً وعملاً وإيماناً ويقيناً وصدقاً وإخلاصاً وحكمةً وتوكلاً. ويكفيهم شرفاً أن النبي ﷺ أوصي بِهم فقال: استوصوا بأصحابي خيراً، ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم (٣). فجملة الفضائل والمناقب لهم جاءت على الإجمال والتفصيل، وعلى المجموع والأفراد. قال الإمام الذهبي: وأجمعت علماء السنة أن أفضل الصحابة: العشرة المشهود لهم، وأفضل العشرة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين، ولا يشك في ذلك إلا مبتدع منافق

стр. 118

خبيث (١). وعلى جملة تلك الفضائل والمزايا والخصائص فإن الواجب تجاههم ما قاله الأئمة: قال الإمام الطحاوي: ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من واحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان (٢). وقال الإمام ابن قدامة: أمته خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء (٣). وأخرج الإمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام أنه قال: سئل رسول الله ﷺ : أنحن خير أم من بعدنا؟ فقال رسول الله ﷺ : (لو أنفق أحدهم أحداً ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه) (٤). وأخرج عن طارق بن أشيم أنه سمع النبي ﷺ يقول: (بحسب أصحابي القتل). قال ابن البنا: أي يكفي المخطئ منهم في قتاله في الفتن القتل، فإنه

стр. 119

كفارة لجرمه وتمحيص لذنوبه وأما المصيب فهو شهيد (١). قلت: وقد اتفق أهل السنة والجماعة على عدم الطعن في الصحابة ﵃ فيما جرى بينهم من الفتن لأنهم مجتهدون متأولون. أما الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها، وكلهم عدول ومتأولون في حروبهم وغيرها، ولم يخرج شئ من ذلك أحدا منهم عن العدالة؛ لأنهم مجتهدون، اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وآل الشر بين السلف إلى الاقتتال، مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعاً مؤمنتان، وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم؛ لأن المقاتل وإن كان باغياً فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق (٢). ومن هنا قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: ثم إن الله نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﵊، فوجد قلوب الصحابة خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه. قال العلامة السفاريني: وليس في الأمة كالصحابة ... في الفضل والمعروف والإصابة ...

стр. 120

فإنّهم قد شاهدوا المختارا ... وعاينوا الأسرار والأنوارا ... وجاهدوا في الله حتى بانا ... دين الهدى وقد سما الأديانا ... وقد أتى في محكم التنزيل ... من فضلهم ما يشفي للغليل ... وفي الحديث وفي الآثار ... وفي كلام القوم والأشعار ... ما قد ربا من أن يحيط نظمي ... عن بعضه فاقنع وخذ من علم ... واحذر من الخوض الذي يزري ... بفضلهم مما جرى لو تدري ... فإنه عن اجتهاد قد صدر ... فاسلم أذل الله من لهم هجر ... وبعدهم فالتابعون أحرى ... بالفضل ثم تابعوهم طرا (١) قال الإمام أبو الليث السمرقندي: ينبغي للعاقل أن يحسن القول في الصحابة، ولا يذكر أحداً منهم بسوء ليسلم دينه. وقال محمد بن الفضل: أجمعوا أن خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فنحن نقول: ثم عثمان ثم علي ثم أصحاب رسول الله ﷺ ، كلهم أخيار صالحون، لا نذكر أحداً منهم إلا بخير. وروي عن إبراهيم النخعي: أنه سئل عن القتال الذي وقع بين الصحابة فقال: تلك دماء قد سلمت منها أيدينا فلا نلطّخ بِها ألسنتنا. وري عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم قال: سألت أبا حنيفة فقلت:

стр. 121

من أهل السنة؟ فقال: من فضل أبا بكر وعمر وأحب عثمان وعلياً (١). وقال الإمام الغزالي: وأن يعتقد فضل الصحابة على ترتيبهم، وأن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وأن يحسن الظن بهم، وبجميع الصحابة بجملتهم، ويثني عليهم كما أثنى الله ورسوله عليهم، فكل ذلك مما وردت به الأخبار، وشهدت به الآثار، فمن اعتقد ذلك موقنا به، كان من أهل الحق، وعصابة السنة، وفارق رهط الضلالة وحزب البدعة. ولذا يقول الإمام الفضيل بن عياض: أوثق عملي في نفسي: حب أبي بكر وعمر وأبي عبيدة، وحب أصحاب محمد ﷺ جميعا، وكان يترحم على معاوية ويقول: وكان من العلماء من أصحاب محمد ﷺ . وقال الإمام حماد بن زيد: تذاكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كي تأتلف عليهم قلوب الناس، ولا تذكروا مساوئهم، فتحرشوا الناس عليهم. ولذا لما سئل الإمام أحمد وقيل له: ما تقول فيمن زعم أنه مباح له أن يتكلم في مساوئ أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: هذا كلام سوء رديء، يجانبون هؤلاء القوم، ولا يجالسون، ويبين أمرهم للناس. (٢)

стр. 122

فهم خير القرون الذين كانوا في عصره ﷺ وآمنوا به، وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، قد أشرقت عليهم شموس نبوته، فحازوا فخار الاجتماع، وفضيلة الصحبة، فكان قرنهم أفضل القرون (٢)

стр. 123

الفصل الثاني سبّ الصحابة ﵃ تمهيد: إن للصحابة ﵃ من المكانة والمنزلة ما يجعل المرء عاجزاً عن وصفهم وبيان حالهم، فضلاً عن أن يمسهم بسوء أو يتعدى على أعراضهم الطاهرة الشريفة، وقد نص الأئمة على فضلهم ومنزلتهم ومكانتهم ووجوب احترامهم وعدم التعرض لهم بسوء. قال الإمام الحميدي: إن من السنة الترحم عليهم كلهم: فإن الله قال: [وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا] فلم نؤمر إلا بالاستغفار لهم، فمن سبهم أو تنقصهم أو أحداً منهم فليس على السنة، وليس له في الفيء حق، أخبرنا بذلك غير واحد عن مالك بن أنس (١). وقال الإمام ابن بطة: ويشهد لجميع المهاجرين والأنصار بالجنة والرضوان والرحمة من الله تعالى ويستقر علمك، وتؤمن بقلبك، أن رجلاً رأى النبي ﷺ وشاهده وآمن به واتبعه، ولو ساعة من نَهار أفضل ممن لم يره، ولم يشاهده ولو أتى بأعمال الجنة أجمعين. ثم الترحم على جميع أصحاب الرسول ﷺ صغيرهم وكبيرهم وأولهم وآخرهم، وذكر محاسنهم، ونشر

стр. 124

فضائلهم، والاقتداء بِهديهم، والاقتفاء لآثارهم (١). وقال الإمام ابن الصلاح: للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي: أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل أمر مفروغ منه، لكونِهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة (٢). وقال الإمام ابن كثير: والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لما أثنى الله تعالى عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ ، رغبة فيما عند الله تعالى من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل (٣). قلت: وقد عقد الأئمة في مصنفاتِهم أبواباً وفصولاً في بيان جرم سبّ الصحابة ﵃، والتعرض لهم بسوء، وجاءت الأحاديث والآثار - كما مرّ - حافظة لأعراضهم رافعة لأقدارهم. قال النبي ﷺ (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). وقال ﵊: (اللهَ الله في أصحابي ... ). وعن أنس أن النبي ﷺ قال: (من سبّ أصحابي فعليه لعنة الله

стр. 125

والملائكة والناس أجمعين) (١). وعن جابر قال: قيل لعائشة ﵂: إن ناساً يتناولون أصحاب رسول الله ﷺ حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا! انقطع عنهم العمل، فأحب الله تعالى أن لا يقطع عنهم الأجر. وروى ابن بطة بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ ، فلمقام أحدهم ساعة، يعني مع النبي ﷺ خير من عمل أحدكم أربعين سنة (٢). وقال ابن عباس أيضاً: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ ، فإن الله قد أمر بالاستغفار لهم، وهو يعلم أنّهم سيقتتلون. وقال عبد الله بن عمر: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن مقام أحدهم خير من عمل أحدكم عمره كله. وعن ميمون بن مهران قال: قال لي عبد الله بن عباس: يا ميمون لا تسب السلف وادخل الجنة بسلام (٣). وسئل الإمام أبو حنيفة: من أي الأصناف أنت؟ قال: ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحداً بالذنوب.

стр. 126

وكان يقول: مقام أحدهم مع رسول الله ﷺ ساعة واحدة خير من عمل أحدنا جميع عمره وإن طال (١). وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما لهم ولنا - أسأل الله العافية - وقال: إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوء فاتّهمه على الإسلام (٢). فهذه الأحاديث والآثار وغيرها، تدل على حرمة أعراض الصحابة، ووجوب حفظها، والاعتراف بمكانتهم العظيمة ومنزلتهم الجليلة. ومن هنا نخلص إلى حكم سبهم وتنقصهم، لكن ينبغي أن يفرق في هذا المقام في حكم السبّ بحسب الأشخاص، ونوع القدح: فقد يكون السب على جهة العموم، وقد يكون على جهة الخصوص، وقد يكون السب قذفاً وقدحاً، يوجب القول به سقوط عدالة الصحابة، وقد يكون سبا وقدحاً لا يوجب قدحاً في دينهم ولا سقوطاً لعدالتهم، وقد يكون السب له تعلق بالاعتقاد، وقد يكون منشأه الغيظ، وإن كان أصل السب هو الغيظ والحنق على المسبوب، ولذا فيفصل القول في حكم سبهم ونتقصهم حسب المباحث التالية:

стр. 127

المبحث الأول حكم سب أمهات المؤمنين ﵅ أجمعين ينقسم حكم سب أمهات المؤمنين إلى قسمين: ١. حكم سبّ أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها. ٢. حكم سبّ بقية أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن. ١ - حكم سب أم المؤمنين عائشة ﵂: تمهيد: عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵃ معلوم فضلها ومكانتها ومنزلتها عند رسول الله صلي الله عليه وسلم وعند عامة المسلمين، يكفيها شرفاً وفضلاً أن جبرائيل ﵇ جاء إليها يقرئها السلام (١). وأن النبي صلي الله عليه وسلم قال في شأنِها: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام (٢).

стр. 128

وقال عمار بن ياسر ﵁: إني لأعلم أنّها زوجته في الدنيا والآخرة (١). وقال أسيد بن حضير ﵁: جزاكِ الله خيراً، فو الله ما نزل بكِ أمر قط إلا جعل الله لكِ منه مخرجاً وجعل فيه للمسلمين بركة (٢). فهي ﵂ وعاء من أوعية العلم والفقه والديانة والزهد والورع والتقى، الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله صلي الله عليه وسلم، المبرأة من فوق سبع سموات. حكم سب الصديقة بنت الصديق ﵄: فصّل فيه العلماء على النحو التالي: " على وجه العموم ": ١ - أنّها من جملة الصحابة ﵃ الذين نُهي عن سبهم وتنقصهم والحط من قدرهم. قال الإمام النووي: اعلم أن سبّ الصحابة من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتنة منهم وغيره، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون، وسب أحدهم من المعاصي الكبائر (٣).

стр. 129

وقال الإمام القاضي عياض: سبّ آل النبي صلي الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه ونتقصهم حرام ملعون فاعله (١) وقال الإمام الذهبي: فمن طعن فيهم أو سبهم، فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين، لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساوئهم وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من الثناء عليهم، وما لرسول الله صلي الله عليه وسلم من ثنائه عليهم، وفضائلهم ومناقبهم وحبهم ولأنّهم أرضى الوسائل من المأثور، والوسائط من المنقول، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، وهذا ظاهر لمن تدبره، وسلم من النفاق والزندقة والإلحاد في عقيدته، وحسبك ما جاء في الأخبار والآثار، ومن ذلك كقول النبي صلي الله عليه وسلم (إن الله اختارني واختار لي أصحاباً، فجعل لي منهم وزراء وأنصاراً وأصهاراً، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً) (٢). وقال الإمام الآجري: لقد خاب وخسر من أصبح وأمسى وفي قلبه بغض لعائشة أو لأحد من أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم، أو لأحد من أهل بيت الرسول صلي الله عليه وسلم، فرضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم (٣).

стр. 130

٢ - على وجه الخصوص: أن سب أم المؤمنين عائشة ﵂ على قسمين: الأول: أن يقذفها بما برأها الله تعالى منه، على ما جرت أحداث قصتها في غزوة المريسيع. الحكم: نص العلماء على أن من قذفها بذلك فإنه: أيكفر بالاتفاق. ب يجب قتله. أ: أما كفر قاذفها - بما برأها الله منه - فنصوص العلماء متوافرة متضافرة، في ذلك ومنها: قال الإمام ابن العربي: قال هشام بن عمار: سمعت مالكاً يقول: من سبّ أبا بكر وعمر أدب، ومن سبّ عائشة قتل، لأن الله تعالى يقول: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً) فمن سب عائشة فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قُتل. قال ابن العربي: إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله تعالى، فكل من سبها بما برأها الله تعالى منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر، فهذا هو طريق قول مالك، وهي سبيل لائحة لأهل البصائر (١).

стр. 131

وقال الإمام ابن حزم: قول مالك ههنا صحيح، وهي ردة تامة، وتكذيب لله تعالى، في قطعه ببراءتِها (١). وقال الإمام ابن بطال: من سب عائشة ﵂، بما برأها الله تعالى منه، أنه يقتل لتكذيبه الله تعالى ورسوله صلي الله عليه وسلم (٢). وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع، وذكر عن جماعة حكاية الإجماع على هذا الحكم، فنقل عن القاضي أبي يعلى قوله " من قذف عائشة بما برأها الله منه، كفر بلا خلاف " (٣). وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وذكر غير واحد من العلماء اتفاق الناس على أن من قذفها بما برأها الله منه، فقد كفر، لأنه مكذب للقرآن (٤). وقال الإمام ابن قدامة: ومن السنة الترضي عن أزواج النبي صلي الله عليه وسلم أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه، زوج النبي صلي الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فمن قذفها - بما برأها الله منه - فقد كفر بالله العظيم (٥).

стр. 132

وقال الإمام النووي: براءة عائشة ﵂ من الإفك، وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان - والعياذ بالله - صار كافراً مرتداً بإجماع المسلمين. قال ابن عباس: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وهذا إكرام من الله تعالى لهم (١). وقال الإمام ابن القيم: واتفقت الأمة على كفر قاذفها (٢). وقال الإمام ابن كثير: وقد أجمع العلماء قاطبة: على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية، فإنه كافر، لأنه معاند للقرآن (٣). وقال العلامة بحرق الحضرمي: إن من يشكك في براءة عائشة، كافر بالإجماع (٤). وقال العلامة العيني: وفيه براءة عائشة من الإفك، وهي براءة قطعية بنص القرآن، فلو شكك فيها إنسان صار كافراً مرتدا بإجماع المسلمين.

стр. 133

وقال الإمام الزركشي: من قذفها فقد كفر، لتصريح القرآن الكريم براءتها. وقال الإمام السيوطي: قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْك]: نزلت في براءة عائشة مما قذفت به، فاستدل الفقهاء على أن قاذفها يقتل، لتكذيبه لنص القرآن. قال العلماء: قذف عائشة كفر، لأن الله سبح نفسه عند ذكره، فقال (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) كما سبح نفسه عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد (١). وقد نص فقهاء الإسلام على مرّ العصور على هذا الحكم، وعليه الفتوى والعمل عند أئمة المذاهب وأتباعهم: ١ - عند فقهاء الحنفية: قد نصوا على أن من قذف أم المؤمنين عائشة ﵂ بالزنا فإنه يكفر. قال الإمام ابن نجيم: ويكفر بقذفه عائشة (٢). وقال الإمام ابن عابدين: لا شك في تكفير من قذف السيدة عائشة (٣).

стр. 134

وقال إمام المذهب: ويحبهم كل مؤمن تقي، ويبغضهم كل منافق شقي (١). ٢ - ونص فقهاء المالكية على ذات الحكم: قال الإمام القرطبي: ما خلا عائشة فإن قاذفها يُقتل، لأنه مكذب للكتاب والسنة من براءتِها، قاله مالك وغيره. وفي الإكمال: وأما اليوم فمن قال ذلك في عائشة قتل لتكذيب القرآن، وكفره بذلك (٢). وقال العلامة الخرشي: يؤدب ويشدد على من سب صحابياً، وهذا ليس على عمومه، فإن من رمى جميع عائشة بما برأها الله منه بأن قال: زنت، أو أنكر صحبة أبي بكر أو إسلام العشرة، أو إسلام جميع الصحابة أو كفر الأربعة أو واحداً منهم كفر (٣). وقال العلامة الدسوقي: من سب صحابيا إلا عائشة فإنه يقتل لردته. وقال: وعائشة لو قذفها فإنه يقتل لردته لتكذيب القرآن (٤). والمنصوص عن إمام المذهب أنه قال: من سب عائشة قتل، قيل له:

стр. 135

لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن (١). ٣ - وكذا نصوص أئمة المذهب الشافعي مستفيضة في ثبوت حكم الردة والقتل، فيمن اتّهم أم المؤمنون عائشة ﵂ ورماها بما برأها الله منه. قال الإمام الرملي: ومن أنكر صحبة أبي بكر، أو رمى ابنته، بما برأها الله منه، كفر (٢). وقال الإمام السبكي: وأما الوقيعة في عائشة - والعياذ بالله - فموجبة للقتل لأمرين: أحدهما: أن القرآن الكريم يشهد ببراءتِها، فتكذيبه كفر، والوقيعة فيها، تكذيب له. الثاني: أنّها فراش النبي ﷺ ، والوقيعة فيها تنقيص له، وتنقيصه كفر (٣). وقال الحافظ ابن حجر: ومن فوائد الحديث: تحريم الشك في براءة عائشة ﵂ (٤). وقال العلامة البكري: يكفر من قذف عائشة؛ لأن القرآن نزل

стр. 136

ببراءتها، ففي قذفها - حماها الله - تكذيب للقرآن (١). وقال إمام المذهب: هم فوقنا في كل علم، وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال من علم، أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا (٢). ٤ - ونصوص أئمة الحنابلة كثيرة متضافرة في الباب: قال الإمام الحجاوي: ومن قذف عائشة - بما برأها الله منه - كفر بلا خلاف (٣). وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: من قذف عائشة بالفاحشة، فقد جاء بكذب ظاهر، واكتسب الإثم واستحق العذاب، وظن بالمؤمنين سوءا، وهو كاذب، وأتى بأمر ظنه هيناً، وهو عند الله عظيم، وأتهم أهل بيت النبوة بالسوء، ومن هذا الاتّهام يلزم نقص النبي ﷺ (٤). وأما إمام المذهب فالمشهور عنه قوله: إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوء فاتّهمه على الإسلام. ولذا قال الإمام الذهبي: وإياك يا رافضي أن تلوّح بقذف أم المؤمنين بعد نزول النص في براءتِها فتجب

стр. 137

لك النار (١). هذا مجمل الحكم فيمن اتهم أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، بما برأها الله منه. ويجدر بنا أن ننقل في هذا الموضع كلام الإمام ابن العربي فيما ذكره عن جماعة من الشافعية فقال: قال أصحاب الشافعي: من سب عائشة أدّب، كما في سائر المؤمنين، وليس قوله (إن كنتم مؤمنين) في عائشة، لأن ذلك كفر، وإنما هو كما قال: (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) ولو كان سلب الإيمان في سب عائشة حقيقة لكان سلبه في قوله (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) حقيقة. قلنا - ابن العربي -: ليس كما زعمتم، إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله، فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر، فهذا طريق قول مالك، وهي سبيل لائحة لأهل البصائر، ولو أن رجلاً سبها بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب (٢). قلت: المشهور عن أصحاب الإمام الشافعي - ما نقلته عن بعضهم - هو تكفيرهم من طعن في أم المؤمنين عائشة بما برأها الله منه. وسبق الحكم: في أن من رمى أم المؤمنين عائشة وقذفها - بما برأها الله

стр. 138

منه، أنه يكفر بالاتفاق، ويقتل، لكن نفى الإمام ابن القطان علمه أن أحداً أوجب قتل من سب بعد رسول الله ﷺ فقال: ولا أعلم أحداً يوجب قتل من سب بعد رسول الله ﷺ (١). وذكر قريباً من هذا الكلام الإمام ابن حزم فذكر عن أبي برزة قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق قلت: ألا أقتله؟ فقال أبو بكر: ليس هذا إلا لمن شتم النبي ﷺ . قال ابن حزم: وقد علمنا أن دم المسلمين حرام إلا بما أباحه الله تعالى به، ولم يبحه الله تعالى قط إلا في الكفر بعد الإيمان، أو زنى المحصن أو قود نفس مؤمنة، أو في المحاربة، وقطع الطريق، أو في المدافعة عن الظلمة أو في الممانعة من حق، أو فيمن حد في الخمر ثلاث مرات ثم شربها الرابعة فقط، وقد علمنا أن من سب النبي ﷺ ، فيقين ندري أنه لم يزن، ولا شرب الخمر ولا قصد ظلم مسلم، ولا قطع طريقاً، فلم يبق إلا أنه عند أبي بكر كافر (٢). قلت: قد نص العلماء على أن من قذف عائشة ﵂ فإنه مع كفره، فهو مستحق للقتل لكونه مكذباً لله تعالى ورسوله ﷺ ، وسبق قول الإمام مالك: أن من سب عائشة ﵂ يقتل مطلقاً، وحمله أصحابه على السب بالقذف. وقد سئل الإمام إسماعيل بن إسحاق عمن سب عائشة رضي الله

стр. 139

عنها فأفتى بقتله. وقتل الحسن ومحمد ابنا زيد الداعي الطبرستاني اللذان وليا ديار طبرستان، رجلين مما قذفا عائشة ﵂ (١). وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل بن إسحاق: أتى المأمون بالرقة برجلين: شتم أحدهما فاطمة، والآخر عائشة، فأمر بقتل الذي شتم فاطمة وترك الآخر: فقال إسماعيل: ما حكمها إلا أن يقتلا، لأن الذي شتم عائشة رد القرآن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم من أهل البيت وغيرهم (٢). وقال أبو السائب عتبة بن عبد الله الهمداني: كنت يوماً بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوجه في كل سنة بعشرين ألف دينار إلى مدينة السلام، تفرق على صغائر ولد الصحابة، وكان بحضرته رجل، ذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي ﷺ ، قال الله تعالى [الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ] فإن كانت عائشة خبيثة

стр. 140

فالنبي ﷺ خبيث، فهو كافر فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه وأنا حاضر. وروي عن محمد بن زيد - أخي الحسن بن زيد - أنه قدم عليه رجل من العراق، فذكر عائشة بسوء، فقام إليه بعمود فضرب به دماغه، فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا ومن بني الأباء، فقال: هذا سمي جدي قرنان أي الديوث لا غيرة له - ومن سمي جدي قرنان، استحق القتل، فقتله (١). الثاني: أن يسب أم المؤمنين عائشة ﵂ بغير ما برأها الله منه، مما لا يقدح في عدالتها ولا دينها. حكمه: من جنى هذه الجناية العظيمة، استحق التأديب والتعزير، ولكنه لا يكفر. فقد سئل الإمام أحمد عمن شتم رجلاً من أصحاب النبي ﷺ فقال: أرى أن يضرب وما أراه إلا على الإسلام. وقال الإمام العربي: ولو أن رجلاً سب عائشة بغير ما برأها الله منه، لكان جزاؤه الأدب (٢). وقال الإمام القرطبي: ومن سب الصحابة بغير القذف، يجلد الجلد الموجع، وينكل التنكيل الشديد، وقال الإمام ابن حبيب: ويخلد في السجن

стр. 141

إلى أن يموت (١). وقد أخرج الإمام اللالكائي بسنده عن عائشة: أنّها ذكرت عند رجل فسبها، فقيل: أتسب أمك؟ فقال: ما هي أمي. فبلغها، فقالت: صدق أنا أم المؤمنين، وأما الكافرين فلست لهم بأم. وعنها قالت: لا ينتقصني أحد في الدنيا إلا تبرأت منه في الآخرة (٢). وقال الإمام الآجري: وبلغني عن بعض الفقهاء من المتقدمين: أنه سئل عن رجلين حلفا بالطلاق، أحدهما: أن عائشة أمه، وحلف الآخر: أنها ليست أمه؟ فقال: إن كلاهما لم يحنث، فقيل له: كيف هذا؟ لا بد أن يحنث أحدهما، فقال: إن الذي حلف أنّها أمه هو مؤمن لم يحنث، والذي حلف أنّها ليست أمه، هو منافق لم يحنث. وذكر الإمام ضياء الدين المقدسي: أن رجلاً نال من عائشة، فقام عمار بن ياسر يتخطى الناس فقال: اجلس مقبوحاً منبوحاً، أنت الذي تقع في حبيبة رسول الله، فوالله إنّها لزوجته في الدنيا والآخرة (٣). فرضي الله تعالى عن الصديقة بنت الصديق، المبرأة من فوق سبع سماوات، فإنها لما اشتكت - أي ضعفت - جاء ابن عباس فقال: يا أم

стр. 142

المؤمنين، تقدمين على فرط صدق، على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر (١). قال الإمام العيني: إن ابن عباس قطع لعائشة ﵂، بدخول الجنة، إذ لا يقال ذلك إلا بتوقيف، وهذه فضيلة عظيمة، وقال، وحاصل المعنى: أن النبي ﷺ وأبا بكر قد سبقاك وأنت تلحقينهما، وهما قد هيئا لك المنزل في الجنة، فلا تحملي الهم، وأفرحي بذلك (٢) وكان مسروق إذا حدث عنها قال: حدثتني الصادقة بنت الصادق البرة المبرأة، بكذا وكذا .. (٣). وقد سأل بعض الأساقفة الإمام محمد بن الطيب أبو بكر الباقلاني بحضرة ملكهم فقال: ما فعلت زوجة نبيكم؟ وما كان من أمرها بما رميت به من الإفك؟ فقال الباقلاني: مجيباً على البديهة: هما امرأتان ذكرتا بسوء: مريم وعائشة، فبرأهما الله ، وكانت عائشة ذات زوج، ولم تأت بولد، وأتت مريم بولد ولم يكن لها زوج - يعني أن عائشة أولى بالبراءة من مريم - وكلاهما بريئة مما قيل فيها، فإن تطرق في الذهن الفاسد احتمال ربية إلى هذه فهو إلى تلك أسرع، وهما بحمد الله منزّهتان مبرأتان من السماء بوحي الله (٤).

стр. 143

٢ - حكم سب بقية أمهات المؤمنين: زوجات النبي الأكرم ﵊، الطاهرات المطهرات أمهات المؤمنين وهن: ﴿خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية - سودة بنت زمعة القرشية - عائشة بنت أبي بكر الصديق - حفصة بنت عمر بن الخطاب - زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية - أم سلمة هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية - زينب بنت جحش الأسدية - جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية - أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان القرشية - صفية بنت حيي بن أخطب - ميمونة بنت الحارث الهلالية﴾ قال الإمام ابن القيم: فهؤلاء نساؤه المعروفات اللاتي دخل بِهنّ (١). اختلف العلماء فيمن قذف إحدى أمهات المؤمنين - غير عائشة - هل هو كقذف عائشة؟ أو كسب واحد من الصحابة، على قولين: القول الأول: أن قذف إحدى أمهات المؤمنين هو كقذف عائشة ﵅ أجمعين. وهو قول جمهور أهل العلم وهو الصحيح من مذهب الحنابلة ورواية للمالكية، ورجحه جماعة من المحققين من أهل العلم منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، وابن حزم الظاهري، والسبكي،

стр. 144

والمهلب، وجماعة غيرهم (١). واحتجوا بما يلي: - قال الله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] النور ٢٣. قالوا: هذه الآية تشمل أمهات المؤمنين. قال ابن عباس ﵄، والضحاك وغيرهما: هذه الآية في عائشة وسائر أزواج النبي ﷺ ولا تنفع التوبة ومن قذف غيرهن من المحصنات فقد جعل الله له التوبة، لأن الله تعالى يقول: [وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ... ] النور ٣. فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لأولئك توبة (٢) قال الإمام ابن كثير: هذا وعيد للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، خرج مخرج الغالب، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة.

стр. 145

ثم قال: وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما: أنّهن كهي (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والأصح أن من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة لأن هذا منه عار وغضاضة على رسول الله ﷺ ، وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن (٢). فالرسول ﷺ واجب الاحترام حياً وميتاً، بل جرم من تنقصه بعد موته أعظم من جرم من تنقصه في حياته، إذ يمكن في حياته العفو عمن فرط منه ذلك، وأما بعد وفاته، فالعفو متعذر، ولا ريب أن أذاه بقذف نساءه الطاهرات أعظم من أذاه بنكاحهن بعده (٣). - وقال الله تعالى [وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ] النور٢٦. قال الإمام ابن حزم: وكذلك القول في سائر أمهات المؤمنين ولا فرق، فكلهن مبراءات من قول إفك. - أن في سب إحدى أمهات المؤمنين، قدح في النبي ﷺ ، لاسيما فيما يعود على دنس الفراش وفساد الأخلاق، فإن هذا من أكبر الجرائم على رسول الله ﷺ . القول الثاني: أن قذف إحدى أمهات المؤمنين لا يوجب الكفر ولا القتل، وإنما يستحق صاحبه اللعن والحد، وهو قول فقهاء الأحناف
следующие страницы →