← Акыда

Акыда · id 96240

الإصابة في الذب عن الصحابة - رضي الله عنهم -

عبد الهادي العمري

Полный текст (428 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قلت: ولاشك أن في هذا فضل ومزية، وإن كان القول الحق أن المراد: الملائكة: الذين هم سفراء بين الله وبين عباده، ولذا قال الإمام ابن العربي: لقد كان أصحاب محمد ﷺ كراماً بررة، ولكن ليسوا بمرادين بِهذه الآية ولا قاربوا المرادين بها، بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق، ولا يشاركهم فيها سواهم، ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم (١). ز) وقال الله جل شأنه [قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى] النمل ٥٩. أمر الله نبيه ﷺ أن يحمده على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وعلل ما اتصف به سبحانه من الصفات العلى والأسماء الحسنى. واختلف المفسرون في الآية في موضعين: الأول: قوله سبحانه: [قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ] من المخاطب بِها؟ فقيل: المخاطب بِها لوط ﵇، والمعنى قل الحمد لله على هلاك كفار قومه، وعزا هذا القول الإمام ابن عطية للإمام الفراء. وقيل: المخاطب بها نبينا محمد ﷺ ، والمعنى: قل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية، قال الإمام النحاس: وهو أولى لأن القرآن منزّل على النبي ﷺ ، وكل ما فيه فهو مخاطب به، إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره. الثاني: قوله سبحانه [وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى]: وهي الشاهد فيما نحن بصدده، من بيان فضائل أصحاب النبي ﷺ :

стр. 72

فاختلف المفسرون في المسلّم عليهم الذي اصطفوا: فقيل: هم الأنبياء، وهو قول الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقيل: هم أصحاب النبي ﷺ ، وهو قول حبر الأمة وترجمان القرآن: عبد الله بن عباس ﵁، وهو قول سفيان الثوري والسدي. قال الإمام ابن كثير: ولا منافاة، فإنّهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى، فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى (١). ل) وقال [الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ] البقرة ١٢١. اختلف المفسرون في المراد من الآية: فقيل: هم أصحاب محمد ﷺ ، قاله قتادة، وحكي نحو هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، والكتاب على هذا التأويل هو: القرآن الكريم. فوجه الفضل فيه لأصحاب النبي ﷺ : أن الله جل وعلا شهد لهم بأنهم يؤمنون به، ويقيمونه على وجهه المطلوب. وقيل: هم من أسلم من بني إسرائيل، قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والكتاب على هذا التأويل: التوراة، قال الإمام القرطبي: والآية

стр. 73

تعم (١). ص) وقال [إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا] التوبة ٤٠. دلت هذه الآية على فضل الصديق، وعلو مكانته، وجليل صحبته، قال الإمام أبو حيان: وهذه الآية منوهة بقدر أبي بكر وتقدمه وسابقته في الإسلام (٢)، ولذا نص العلماء: أن من أنكر صحبة عمر وعثمان أو غيرهما من الصحابة للنبي ﷺ فهو كذاب مبتدع، وأما من أنكر صحبة الصديق للنبي ﷺ فهو كافر، لأنه ورد نص القرآن (٣). وما أجمل ما سطرته بنان الإمام الفذ القيِم شمس الدين ابن القيم فقال: كانت تحفة ثاني اثنين مدخرة للصديق دون الجميع، فهو الثاني في الإسلام، وفي بذل النفس، وفي الزهد، وفي الصحبة، وفي الخلافة، وفي العمر، وفي سبب الموت؛ لأن الرسول ﷺ مات عن أثر السم، وأبو بكر سُم

стр. 74

فمات. أسلم على يديه من العشرة: عثمان وطلحة والزبير وابن عوف وسعد بن أبي وقاص، وكان عنده يوم أسلم أربعون ألف درهم فأنفقها أحوج ما كان الإسلام إليها، فلهذا جلبت نفقته عليه (ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر). فهو خير من مؤمن آل فرعون؛ لأن ذلك كان يكتم إيمانه، والصديق أعلن به، وخير من مؤمن آل ياسين؛ لأن ذلك جاهد ساعة، والصديق جاهد سنين. نطقت بفضله الآيات والأخبار، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، فيا مبغضه في قلوبكم من ذكره نار، كلما تليت فضائله علا عليها الصغار، أترى لم يسمع الروافض الكفار ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾. ثم قال: من كان قرين النبي ﷺ في شبابه؟ من ذا الذي سبق إلى الإيمان من أصحابه؟ من الذي أفتى بحضرته سريعا في جوابه؟ من أول من صلى معه؟ من آخر من صلى به؟ من الذي ضاجعه بعد الموت في ترابه؟ فاعرفوا حق الجار. وقال: حُبه والله رأس الحنيفية، وبغضه يدل على سوء الطوية، فهو خير الصحابة والقرابة، والحجة على ذلك قوية، ولولا صحة إمامته ما قيل

стр. 75

ابن الحنفية، مهلا مهلا فإن دم الروافض قد فار. والله ما احببناه لهوانا، ولا نعتقد في غيره هدانا، ولكن أخذنا بقول علي وكفانا: رضيك رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا. تالله لقد أخذت من الروافض بالثأر، تالله لقد وجب حق الصديق علينا، فنحن نقضي بمدائحه، ونقر به بما نقر به من السنى - البرق - عينا، فمن كان رافضيا فلا يعد إلينا، وليقل لي أعذار. (١) ومن آيات الفضل والثناء قوله : ﴿ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ (المائدة: ٥٤). قال الحسن: هو والله أبوبكر وأصحابه، وقال السدي: نزلت في الأنصار، وقال أبوبكر بن عياش: هم أهل القادسية. وهذا كله يدل على الفضل إذ فيه إثبات المحبة، ومن أحبه الله تعالى فهو ولي الله، وأصحاب النبي ﷺ هم أولياء الله المتقين، والسادة المقربون. وقال الإمام ابن كثير: وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين.

стр. 76

وقال الإمام القرطبي: دلت الآية على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃؛ لأنهم جاهدوا في الله في حياة رسول الله ﷺ ، وقاتلوا المرتدين بعده، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي الله تعالى. (١) إذن: فوصف الإيمان في الكتاب ملازم لخيرة الصحاب ﵃ وأرضاهم، وحصر مثل ذلك من الأمور الصعاب، فأين ذلك من الشتائم والسباب. يقول رب الأرباب: [الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ] الروم ١ - ٥ فقد وصف الله جل وعلا أصحاب نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بوصف الإيمان، وهو من أعمال القلوب وهو سبحانه أعلم بصلاح بواطنهم وظواهرهم، ولذا قال في الآية الأخرى مثنّياً عليهم [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً] الفتح ١٨. قال العلامة السعدي: فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات، وأجل القربات. [فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ]:

стр. 77

من الإيمان. ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ]: شكراً لهم على ما في قلوبِهم، وزادهم هدى (٢). ومعلوم أن الإيمان قول وعمل، وهم ﵃، حققوا الإيمان أكمل تحقيق، فالقول قولان: قول اللسان، وقول القلب، والعمل عملان: عمل القلب، وعمل الجوارح. (والإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا لله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) (١). فأعلى ما تلهج به ألسنتهم شهادة التوحيد، فبها أسلموا، وبِها قاتلوا وجاهدوا، وبِها لقوا ربّهم، وهم أهل الإخلاص واليقين، وأهل المحبة والخوف من رب العالمين، هم الصادقون في أقوالهم، المصدقون ذلك بأفعالهم، مُلئت قلوبُهم إيماناً، وجوارحهم إحساناً، قال تعالى مثنّياً عليهم مخاطباً المنافقين: [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ] البقرة ١٣. والمصدقون بشرعه: هم أصحاب النبي ﷺ (٢). ١٢) ومن الآيات الكريمات الشريفات التي أثنت على آل بيت النبي ﷺ ، وعطرتهم بالذكر الحسن قوله : [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ

стр. 78

لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً] الأحزاب ٣٣، وهذه آية ضمن آيات في سورة الأحزاب تحدثت عن شأن أهل بيت رسول الله ﷺ من أمهات المؤمنين، وهي تدل على الفضائل والمناقب من أوجه: أولاً: أن الله أراد إذهاب الرجس عنهم، وهذا فضل منه سبحانه ومنة. وقال أهل التفسير: إن المراد بالرجس في الآية: الإثم. وقيل: الشرك، وقيل: الشيطان , وقيل: الأفعال الخبيثة، والأخلاق الذميمة (١). قالوا: وقوله جل شأنه: [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ] هو تعليل لأمرهن ونَهيهنّ. قال الإمام أبو حيان: ثم بين أن أمرهن ونَهيهنّ ووعظهن إنما هو لإذهاب المأثم عنهن، وتصونهنّ بالتقوى، واستعار الرجس للذنوب، والطهر للتقوى؛ لأن عرض المقترف للمعاصي يتدنس بِها ويتلوث، كما يتلوث بدنه بالأرجاس. وأما الطاعات فالعرض معها مصون كالثوب الطاهر، وفي هذه الاستعارة تنفير عما نَهى الله تعالى عنه، وترغيب فيما أمر به، والرجس: يقع على الإثم والعذاب وعلى النجاسة وعلى النقائص، فأذهب الله تعالى جميع

стр. 79

ذلك عن أهل البيت (١). ثم قال سبحانه [وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً] قال الإمام الشوكاني: أي يطهركم من الأرجاس والأدران تطهيراً كاملاً. وقال العلامة الشنقيطي: وفي هذه الآية يعني: أنه يذهب الرجس عنهم، ويطهرهم بما يأمر به من طاعة الله تعالى، وينهى عنه من معصيته؛ لأن من أطاع الله تعالى أذهب عنه الرجس، وطهره من الذنوب تطهيرا (٢). وأولى من يدخل في هذه الآية هم أزواج النبي ﷺ ، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته، أحق بِهذه التسمية (٣). وقال الإمام أبو حيان: بل يظهر أنهن أحق بهذا الاسم؛ لملازمتهن بيته. ونقل عن الإمام ابن عطية قوله: والذي يظهر أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، فأهل البيت: زوجاته وبنته وبنوها وزوجها. ونقل عن الإمام الزمخشري قوله: وفي هذا دليل على أن نساء النبي ﷺ من أهل بيته (٤). وقال الإمام ابن كثير: ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله تعالى [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً] فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال بعد هذا كله:

стр. 80

[وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ] أي: واعملن بما ينزل الله تعالى على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة (١). وبعد هذا التقرير المثبت أن نساء النبي ﷺ داخلات في مسمى أهل البيت، نشير إلى خلاف العلماء في هذه المسألة: فقد اختلف العلماء في المراد بأهل البيت المنوّه عنهم في الآية الكريمة إلى أقوال: القول الأول: أن المراد بأهل البيت في الآية: هم خاصة نساء النبي ﷺ ، وهذا القول هو المروي عن ابن عباس ﵁، وروي كذا عن عكرمة وعطاء ومقاتل وسعيد بن جبير. واحتجوا بما يلي: - أن سياق الآيات في مساق واحد، وهو الحديث عن زوجات النبي ﷺ . - وأن زوجات النبي ﷺ هن سبب نزول هذه الآيات، روي ابن جرير عن عكرمة: أنه كان ينادي في السوق [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ... ] نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة. وروي عن ابن عباس ﵁ كذا. - وقال عكرمة: من شاء باهلته أنّها نزلت في شأن نساء النبي ﷺ . القول الثاني: أنّهم (علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة)، وهذا

стр. 81

القول مروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ ومجاهد وقتادة وروي عن الكلبي. واحتجوا بما يلي: - عن عائشة ﵂ قالت: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً] (١). وروي ذلك عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ منهم: أبو سعيد وأنس وأم سلمة وواثلة بن الأسقع وغيرهم. قالوا: الخطاب في الآية يصلح للذكور والإناث، والحديث خصصهم بأعيانهم. القول الثالث: أنّهم من حرمت عليهم الصدقة، وهم بنو هاشم: وهم آل علي، وآل عقيل وآل جعفر، وآل العباس. فقال أصحاب هذا القول: إن المراد من بهذه الآية: هم أهل البيت "بيت النسب". واحتجوا: بما ثبت في صحيح الإمام مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ قال: (أذكركم الله في أهل بيتي - ثلاثا -)، فقيل لزيد: أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. وكلن أهل بيته من حرم

стр. 82

الصدقة بعده، قيل: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس فقيل: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم (١). القول الرابع: أن الآية تشمل زوجات النبي ﷺ ، وآله المذكورون في حديث الكساء: (وهم علي وفاطمة والحسن والحسين). قالوا: أما الزوجات، فتشملهن هذه الآية: - لكونِهنّ المرادات في السياق. - ولكونِهنّ الساكنات في بيوت النبي ﷺ ، والنازلات في منازله. - مع ما سبق ذكره من أدله خاصة، تدل على دخولهن في الآية. وأما دخول أصحاب الكساء: - لكونِهم قرابته، وأهل بيته في النسب. - وما يؤيده أيضاً من الأدلة، بأنّهم سبب لنُزول الآية أيضاً. قال الإمام الشوكاني: فمن جعل الآية خاصة بأحد الفريقين، فقد أعمل بعض ما يجب إعماله وأهمل مالا يجوز إهماله (٢).

стр. 83

الترجيح: يترجح، والعلم عند الله تعالى، هذا القول الذي يجمع بين نساء النبي ﷺ وآله أصحاب الكساء: علي وفاطمة والحسن والحسين، وهذا القول رجحه جماهير أهل العلم، ورجحه الإمام القرطبي والإمام ابن كثير والإمام ابن العربي. ويجاب عن أدلة الأقوال الأخرى بما يلي: من قال: إن الآية نزلت في خاصة شأن نساء النبي ﷺ فيُقال: إن كان المراد: أنّهنّ كنّ سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنّهم المراد فقط دون غيرهن، ففي هذا نظر، فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك قاله الإمام ابن كثير (١). وكذا فإن سبب النّزول قد يتعدد، قال الإمام الشوكاني: وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين، فلكونِهم قرابته وأهل بيته في النسب، ويؤيد ذلك ما ذُكر من الأحاديث المصرحة بأنّهم سبب النزول. وأما ما روي عن ابن عباس ﵄ فقد قال الإمام أبو حيان: فلعله لا يصح عنه (٢). ومن خصص الآية، بعلي وفاطمة والحسن والحسين، دون غيرهم من

стр. 84

نساء النبي ﷺ ، فقد أعمل بعض ما يجب إعماله، وأهمل مالا يجوز إهماله، كما أشار إليه الإمام الشوكاني. والمتأمل في الآية والأحاديث يجد أنه لا تعارض بينها، فزوجاته هن أهل بيته من حيث الزوجية وهؤلاء أهل بيته من حيث القرابة، بل إن أهل بيته أعم من هؤلاء الأربعة، لأن أهل البيت يشمل كل من تحرم عليه الصدقة من بني هاشم (١). قال الإمام القرطبي: ولا اعتبار لقول الكلبي وأشباهه، فإنه توجد له أشياء في التفسير ما لو كان في زمن السلف الصالح لمنعوه من ذلك وحجروا عليه. فالآيات كلها من قوله: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا] إلى قوله [إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً] منسوق بعضها على بعض، فكيف صار في الوسط كلاماً منفصلاً لغيرهن، وإنما هذا شيء جرى في الأخبار: أن النبي ﷺ لما نزلت عليه هذه الآية، دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين فعمد النبي ﷺ إلى كساء فلفها عليهم ثم ألوى بيده إلى السماء فقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) فهذه دعوة من النبي ﷺ لهم بعد نزول الآية، أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بِها الأزواج، فذهب الكلبي ومن وافقه فصيرّها لهم

стр. 85

خاصة، وهي دعوة لهم خارجة من التنْزيل (١). ومن ذهب إلى أن المراد من الآية: أنّهم بنو هاشم، وهم من تحرم عليهم الصدقة، فقد استدل بحديث زيد بن أرقم، وهو دليل واضح على أن أهل بيته لفظ يدخل فيه قراباته وزوجاته ﵊. ولكن ورد من طريقة آخر وفيه، فقلت له: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده. قال الإمام النووي: وهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض، والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال: ولسن من أهل بيته. فتتأول الرواية الأولى: على أن المراد أنّهن من أهل بيته الذين يساكنونه ويعولهم، وأمر باحترامهم وإكرامهم، وسماهم ثقلاً، ووعظ في حقوقهم وذكّر، فنساؤه داخلات في هذا كله، ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة، وقد أشار إلى هذا في الرواية الأولى بقوله: (نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة) فاتفقت الروايتان (٢). وقال الإمام ابن كثير: والرواية الأولى أولى، والأخذ بها أحرى، وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه، إنما المراد بِهم: آله الذين حرموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج

стр. 86

فقط، بل هم مع آله. وهذا الاحتمال أرجح، جمعاً بينها وبين الرواية التي قبلها وجمعاً أيضاً بين القرآن الأحاديث المتقدمة إن صحت فإن في بعض أسانيدها نظراً (١). يُنبه إلى أن المقصود بالصدقة التي تحرم على أهل البيت هي: " الزكاة الواجبة "، للحديث الصحيح: (إنا لا تحل لنا الصدقة)، لأنها أوساخ الناس، كما جاء عن المصطفى ﷺ (٢). ولكن هل تحرم الزكاة على أزواج النبي ﷺ ؟ ظاهر كلام الإمام النووي يُشير إلى عدم التحريم لقوله: (ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة). والعلماء لهم في هذه المسألة رأيان: الأول: ما ذكره الإمام النووي، وهو أنه لا يحرم أخذ الزكاة على أزواج النبي ﷺ كمواليهن، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، ونقل الإمام ابن بطال الاتفاق على ذلك. الثاني: أنه يحرم عليهن أخذ الزكاة لما روى الخلال أن خالد بن سعيد بن العاص أرسل إلى عائشة ﵂، بسفرة من الصدقة فردتْها، وقالت: إنا آل محمد، لا تحل لنا الصدقة. قال الحافظ ابن حجر: وإسناده إلى عائشة حسن، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً. قالوا: فهذا يدل على تحريمها

стр. 87

عليهن، فهن من أهل بيته في تحريم الصدقة. وهي رواية عند الحنابلة، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (١). ومما استشكل على من أدخل نساء النبي ﷺ في آل بيته ضمن آية الأحزاب: أنه لو كان كما قالوا لكان التركيب في الآية: عنكن، ويطهركن، فإن الخطاب في الآية جاء بما يصلح للذكور لا للإناث، ولو كن النساء داخلات ومرادات لقيل: ليذهب عنكن، ويطهركن؟ _ وانفصل عن هذا الإشكال بجوابين: ١ - أنا قلنا إن الآية تشمل نساء النبي ﷺ وأهل بيته وأصحاب الكساء، وإنما جاء اللفظ القرآني بالتذكير دون التأنيث، لإجماع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجموع وغيرها، فمتى اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، ولهذا قال [وَيُطَهِّرَكُمْ]؛ لأن رسول الله ﷺ وعلياً وحسناً وحسيناً ﵃ كانوا فيهم، فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت.

стр. 88

٢ - أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بِها القرآن الكريم، أن زوجة الرجل يطلق عليها اسم (الأهل) وباعتبار لفظ (الأهل) تعامل معاملة الجمع المذكر، كما قال تعالى [أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ] هود ٧٣، وكما قال سبحانه في موسى [فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا] طه ١٠. وفي قوله [سَآتِيكُمْ] النمل٧ وقوله [لَعَلِّي آتِيكُمْ] طه ١٠. والمخاطب امرأته كما قال غير واحد، وكما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ يريد زوجته أو زوجاته، فيقول: هم بخير. قال العلامة المنصوري: فالآية إنما تدل على كونهم من أهل البيت، لا على أن ما عداهم ليسوا كذلك، والنص في القرآن قاطع (١). وقال العلامة الشنقيطي: وبما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن نساء النبي ﷺ لسن داخلات في الآية، يرد عليه صريح سياق القرآن، ومن قال: إن فاطمة وعلياً والحسن والحسين ليسوا داخلين فيها ترد عليه الأحاديث المشار إليها (٢). وإتماماً للفائدة نذكر ما يتعلق بلفظ (آل) في النقاط التالية: ١) أصل هذا اللفظ:

стр. 89

اختلف اللغويون في أصله على رأيين (١): الأول: أن أصله (أول)، الثاني: أن أصله (أهل). ٢) قال أهل اللغة: آل الرجل: ذوو قرابته، وذريته: نسله (فكل ذرية آل، وليس كل آل ذرية). والآل أيضاً يختص بالأشراف وذوي الأقدار، بحسب الدين أو الدنيا، وأهل الرجل: من يجمعه وإياه مسكن واحد، ثم سمي به من يجمعه وإياهم نسب أو دين أو صنعة (٢). وذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه لا فرق بين الآل والأهل ولكن مدلوله عند كل منهم يختلف، قال الإمام ابن الملقن: وهذا يؤخذ منه أنه لا فرق بين الآل والأهل، وهو وجه للشافعية في الوصايا. وذهب الشافعية: إلى أن آل الرجل: أقاربه، وأهله: من تلزمه نفقتهم، وأهل بيته: أقاربه وزوجته (٣).

стр. 90

وآل في اللغة: تقع على جميع ما سيرد من معانيها اصطلاحاً في معنى (آل النبي ﷺ قال الإمام الراغب الأصفهاني: تعورف في أسرة النبي ﷺ مطلقاً، إذا قيل: أهل البيت، لقوله تعالى [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ] (١). ٣) اختلف العلماء في حقيقة (آل النبي ﷺ من هم، على أقوال: القول الأول: أنّهم ذوو قرابة النبي ﷺ ، وهو قول جمهور أهل العلم، واختلفوا في تعيينهم على ثلاثة آراء: الأول: أنّهم قريش كلها. وهو مروي عن بعض السلف، واحتجوا بقول النبي ﷺ لما صعد الصفا وجعل يهتف: يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، يا بني كعب، يا بني مرة، يا بني عبد شمس: أنقذوا أنفسكم من النار (٢). وعن سعيد المقبري: قال كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس ﵄ يسأله عن ذوي القربى، فكتب إليه ابن عباس: كنا نقول: إنا هم، فأبى علينا ذلك قومنا، وقالوا: قريش كلهما ذوي قربى (٣).

стр. 91

قال الإمام ابن كثير: وهذا الحديث صحيح، رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد المقبري عن يزيد بن هرمز: أن نجدة كتب إلى ابن عباس ... ، فذكره، إلى: فأبى علينا قومنا. والزيادة من أفراد أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني وفيه ضعف (١). الثاني: أنهم بنو هاشم خاصة، وهو قول مجاهد وعلي بن الحسين، وقال به مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة. قال الإمام مجاهد: علم الله تعالى أن في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة (٢). الثالث: أنهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب، وهو قول الإمام الشافعي وأبي ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد، وهي رواية عن الإمام أحمد في المطلب. قالوا: لأن النبي ﷺ لماّ قسم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني عبد المطلب قال: (إنّهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه) قال الإمام البخاري: قال الليث حدثني يونس وزاد قال جبير: ولم يقسم النبي ﷺ لبني عبد

стр. 92

شمس ولا لبني نوفل (١). وقد مرّ معنا هل زوجات النبي ﷺ من أهل بيته ﵊؟ أم لا؟ ولذا فإن من أهل العلم من ذهب إلى أن أهل بيته هم: أهل بيته وذريته (٢). القول الثاني: أن المراد بآل البيت: هم أمته، أو الأتقياء منهم من أمته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا روي عن مالك إن صح، وقاله طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم (٣). قلت: قال الإمام الحطاب: الذي عليه مالك وأكثر أصحابه أنّهم بنو هاشم فقط (٤). وقال الإمام النووي: واختلف العلماء في آل النبي ﷺ على أقوال أظهرها، وهو اختيار الأزهري وغيره من المحققين: أنّهم جميع الأمة (٥).

стр. 93

وقال الراغب الأصفهاني: وقيل: آل النبي ﷺ : المختصون به من حيث العلم، وذلك أن أهل الدين ضربان: ضرب متخصص بالعلم المتقن والعمل المحكم، فيقال لهم: آل النبي ﷺ وأمته. وضرب يختصون بالعلم على سبيل التقليد، ويقال لهم: أمة محمد، ولا يقال لهم آله، فكل آل للنبي أمة، وليس كل أمة له آله. وقيل لجعفر الصادق: الناس يقولون: المسلمون كلهم آل النبي ﷺ فقال: كذبوا وصدقوا: فقيل له: ما معنى بذلك؟ فقال: كذبوا في أن الأمة كافتهم آله، وصدقوا في أنّهم إذا قاموا بشرائط شريعته آله (١) وعلى هذا يكون معنى آله من أمته: أتباعه على دينه ﵊. وقيل: إن معنى آل النبي ﷺ هو نفس النبي ﷺ ، ولهذا كان الحسن يقول: اللهم صل على آل محمد (٢) ١٣) ومما يدل على فضل زوجات النبي ﷺ : ما شرفهن الله تعالى به، بأن جعلهن أمهات للمؤمنين فقال سبحانه: [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ] الأحزاب ٦ قال أهل التفسير: شرّف الله لأزواج نبيه بأن جعلهن

стр. 94

أمهات للمؤمنين، أي في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال والتوقير والاحترام، وحرمة النكاح على الرجال، فهن مثل أمهاتهم في الحكم بالتحريم، ومنزلات منْزلتهن في استحقاق التعظيم. وقالوا: إنما شرفهن الله بِهذا الوصف لأمور ثلاثة: ١) لكمال شفقتهن وعطفهن على المؤمنين، فكن لهم بمنْزلة أمهاتِهم. قال الإمام القرطبي: وقيل: لما كانت شفقتهن عليهم كشفقة الأمهات أنزلن منزلة الأمهات (١) ٢) لوجوب برّهن وإجلالهن وتعظيمهن على المؤمنين، فكما يجب عليهم ذلك في حق أمهاتِهم اللائي ولدنّهم، ففي أمهات المؤمنين أحق وأوجب، اللائي شرفهن الله تعالى بالعيش في بيت النبوة. ٣) لتحريم نكاحهن على أحد بعد رسول الله ﷺ من أمته، كما يحرم عليهن نكاح أمهاتِهم (٢) واختلف العلماء فيمن يتعلق بِها هذا الوصف: - فقيل: من دخل بِها ثبتت حرمتها مطلقاً. - وقيل: كل من أطلق عليها أنها زوجة له ﵊ من

стр. 95

طلقها ومن لم يطلقها ثبتت حرمتها. - وقيل: لا يثبت هذا الحكم لمطلقه. قال الإمام ابن كثير: نساء النبي ﷺ ثلاثة أصناف: ١. صنف دخل بِهن ومات عنهن، وهن التسع، وهن حرام على الناس بعد موته ﵊ بالإجماع المحقق المعلوم من الدين ضرورة، وعدتهن بانقضاء أعمارهن، قال سبحانه: [وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً] الأحزاب ٣٥ ٢. وصنف دخل بِهن وطلقهن في حياته، فهل يحل لأحد أن يتزوجهن بعد انقضاء عدتِهن منه ﵊؟ قولان للعلماء: أحدهما: لا، لعموم الآية التي ذكرنا. والثاني: نعم بدليل آية التخيير، قالوا: فلو أنّها لا تحل لغيره أن يتزوجها بعد فراقه إياها لم يكن في تخييرها من الدنيا والآخرة فائدة، إذ لو كان فراقه لها لا يبيحها لغيره لم يكن فيه فائدة لها. وهذا قوي والله أعلم. ٣. وصنف تزوجها وطلقها قبل أن يدخل بِها، فهذه تحل لغيره أن يتزوجها، ولا أعلم في هذا القسم نزاعاً (١).

стр. 96

وأما من خطبها ولم يعقد عليها فأولى أن تتزوج (١). قال الإمام القرطبي: حرّم الله تعالى نكاح أزواجه من بعده، وجعل لهنّ حكم الأمهات، وهذا من خصائصه تمييزاً لشرفه، وتنبيهاً على مرتبته. قال الإمام الشافعي: وأزواجه اللاتي مات عنهن لا يحل لأحد نكاحهن، ومن استحل ذلك كان كافرا. وقد قيل: إنما منع من التزويج بزوجاته؛ لأنهن أزواجه في الجنة، وأن المرأة في الجنة لآخر أزواجها (٢). قلت: واختلف العلماء في مارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي ﷺ ، هل هي من أمهات المؤمنين، أم لا؟ قال العلامة الحطاب: وقع بين طلبة العلم بحث في أم ولد النبي ﷺ إبراهيم، هل هي من أمهات المؤمنين، أم لا؟ والذي يظهر لي: أنّها ليست من أمهات المؤمنين لما في صحيح البخاري: أنه لما بنى بصفية قال أصحابه: هل هي إحدى أمهات المؤمنين أو مما ملكت يمينه؟ ثم قالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، لكن ربما يقال: هذا في حال حياته لما له من الرق، وبعد موته فهي حرة، فقد يقال: صارت من أمهات المؤمنين (٣).

стр. 97

قلت: والصحيح - والعلم عند الله تعالى - أنّها ليست من أمهات المؤمنين، وقد نص الفقهاء على أنّها ليست منهن، قال الإمام الماوردي: إن مات عنها كمارية القبطية أم ولده إبراهيم حرم نكاحها وإن لم تصر أماً للمؤمنين كالزوجات لنقصها بالرق (١). وأجابت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية عن سؤال مفاده: هل تعتبر مارية من أمهات المؤمنين؟ فأجابت: لا تعتبر من زوجاته ولا من أمهات المؤمنين، بل هي سرية تسررها النبي ﷺ وأنجبت له إبراهيم فصارت بذلك أم ولد (٢). وهذا الشرف العظيم الذي نلنه ﵅ وأرضاهنّ - لم يكن بمعزل عن التطبيق في حياتِهنّ، فكن يكنين أنفسهنّ بِهذا الوصف العظيم، ومما يدل على ذلك: روى الإمام محمد بن سعد في طبقاته عن أم سلمة ﵂ أنها كانت تقول: أنا أم الرجال منكم والنساء. وروى الإمام أحمد في مسنده عن يزيد بن مرّة عن لميس أنّها قالت لعائشة: يا أمه، فقالت عائشة: إني لست بأمكن ولكن أختكنّ (٣).

стр. 98

وروى مسروق أن امرأة قالت لعائشة ﵂ يا أمه، فقالت: لست بأم، إنما أنا أم لرجالكم (١). وفي هذه الآثار دليل على تشرفهن وتعظيمهن لهذا الوصف الشريف، ويظهر من مجموع هذه الآثار وجه تعارض، ولذا ذهب بعض العلماء إلى أن أزواج النبي ﷺ أمهات للمؤمنين من الرجل دون النساء استناداً لأثر عائشة ﵂، وعلله الإمام ابن العربي بقوله: لأن المقصود بذلك إنزالهن منْزلة أمهاتِهم في الحرمة حيث يتوقع الحل، والحل غير متوقع، فلا يحجب بينهن حرمة. وقال: وهو الصحيح. وقال الإمام ابن كثير: وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي. وقال الإمام الشوكاني: وتخصيص المؤمنين يدل على أنّهن لسن أمهات نساء المؤمنين. وقال الإمام البغوي: وكنّ أمهات المؤمنين من الرجل دون النساء. وقال أصحاب هذا القول: إن فائدة أمومتهن في حق الرجل مفقودة في حق النساء، فالأمومة إذاً ثلاثة وأحكامها مختلفة: - أمومة الولادة: وتثبت فيها جميع الأحكام للأمومة. - أمومة أزواج النبي ﷺ : ولا تثبت إلا تحريم النكاح.

стр. 99

- أمومة الرضاع: متوسطة بينهما (١). وذهب البعض الآخر من العلماء: إلى أن وصف الأمومة لزوجات النبي ﷺ عام للرجال والنساء، واحتجوا بأثر أم سلمة ﵂. قال الإمام القرطبي: لا فائدة في اختصاص الحصر في الإباحة للرجال دون النساء والذي يظهر لي: أنهن أمهات الرجال والنساء، تعظيماً لحقوقهن على الرجال والنساء، يدل عليه صدر الآية [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ] وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة، فيكون قوله [وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ] عائداً إلى الجميع (٢). وقال الحافظ ابن حجر: وإنما قيل للواحدة منهن أم المؤمنين تغليباً، وإلا فلا مانع من أن يقال لها: أم المؤمنات على الراجح (٣). قلت: والذي يترجح - والعلم عند الله - عموم أمومتهن للرجال والنساء، لما ذُكر من أدلة للقول الثاني، وأما حصر أصحاب القول الأول الأمومة في التحريم للرجال دون النساء، لتحريم نكاحهن، فهذه إحدى الحكم والخصائص، وإلا فلأمهات المؤمنين واختصاصهن بِهذا الاسم حكم أخرى كما مرّ، من شفقتهن على المؤمنين والمؤمنات، وكذا حقهن في

стр. 100

الإجلال والتعظيم والإكرام. وأما ما روي عن أم المؤمنين عائشة ﵂، فيمكن الإجابة عنه بما يلي: ما روي عنها من طريق يزيد بن مرة عن لميس، في إسناده جابر بن يزيد الجعفي وهو متروك الحديث (١). وما روي عن مسروق عن عائشة، فهو أثر صحيح، ويجاب عنه من وجهين: ذكرها الإمام القرطبي خلاصتها: إما أن يكون أثر مسروق صحيحاً أم لا: ١. فإن كان صحيحاً، فقد عارضه ما جاء في مصحف أبي بن كعب (وأزواجه أمهاتُهم وهو أب لهم) وقرأ ابن عباس: (من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتُهم) وهذا يوهن ما رواه مسروق. ٢. وإن لم يكن الأثر صحيحاً، سقط الاستدلال به في التخصيص، ونبقى على الأصل الذي هو العموم الذي يسبق إلى الفهوم (٢). وكان الصحابة ومن بعدهم ينادي أزواج النبي ﷺ بِهذا الوصف الشريف.

стр. 101

ومن الشواهد على ذلك: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى، قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة فأذن لي، فقلت لها: يا أماه - أو يا أم المؤمنين -: إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك، فقالت: لا تستحي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإني أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل) (١). وما جاء في حديث الصحيحين، قال نافع: حدث ابن عمر أن أبا هريرة يقول: من تبع جنازة فله قيراط، فقال: أكثر علينا أبو هريرة، فصدقت - يعني عائشة - أبا هريرة، وقلت: سمعت رسول الله ﷺ يقوله .. (٢). والشاهد: ما وقع في رواية الوليد بن عبد الرحمن عند سعيد بن

стр. 102

منصور: فقام أبو هريرة فأخذ بيده فانطلقا حتى أتيا عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين: أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره (١). وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن القاسم بن محمد: أن عائشة ﵂: اشتكت، فجاء ابن عباس فقال: يا أم المؤمنين، تقدمين على فرط صدق، على رسول الله ﷺ ، وعلى أبي بكر (٢). وعن عبد الله بن لبيد سمع أبا سلمة قال: أتيت عائشة فقلت: أي أمه، أخبريني عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت: كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة ركعة بالليل منها ركعتا الفجر (٣). وأخرج البخاري في صحيحه: وفيه: قال: وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة - أي حسن مرور السواك على أسنانها - فقال عروة: يا أماه، يا أم المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قال يقول: إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمرات، إحداهن في رجب، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده،

стр. 103

وما اعتمر في رجب قط (١). قال الحافظ ابن حجر: وقول عروة لهذا بالمعنى الأخص، لكونِها خالته، وبالمعنى الأعم لكونِها أم المؤمنين. وقال الإمام العيني: فإن قلت: ما فائدة قوله (يا أم المؤمنين) بعد أن قال: يا أماه؟ قلت: أراد بقوله: يا أماه، المعنى الأخص لكون عائشة خالته، وأراد بقوله (يا أم المؤمنين) المعنى الأعم لكونِها أم المؤمنين (٢). ودخل عبد الرحمن بن عوف على أم سلمة فقال: يا أم المؤمنين: إني أخشى أني أكون قد هلكت إني من أكثر قريش مالاً، بعت أرضا لي بأربعين ألف دينار، قالت: يا بني أنفق فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أصحابي من لن يراني بعد أن أفارقه)، فأتيت عمر فأخبرته، فأتاها فقال: بالله أنا منهم، قالت: اللهم لا، ولن أبرئ أحداً بعدك. قال الإمام الذهبي: ومن مناقب عبد الرحمن بن عوف: أن النبي ﷺ شهد له بالجنة، وأنه من أهل بدر الذي قيل لهم: (اعملوا ما شئتم) ومن أهل هذه الآية [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ].

стр. 104

وقد صلى النبي ﷺ وراءه، وبكل حال، فلو تأخر عبد الرحمن عن رفاقه للحساب، ودخل حبواً على سبيل الاستعارة، وضرب المثل، فإن منْزلته في الجنة ليست بدون منزلة علي والزبير - رضي الله عن الكل (١). قلت: والشواهد الدالة على منزله هذا الوصف - الأمومة للمؤمنين - ومناداة الصحابةرضي الله عنهم لهن بهذا الوصف الشريف: كثيرة لا تحصر، وما ذكر فيه كفاية، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. ١٤) وأختم هذا المبحث بالآية العظيمة التي شهد المولى لأصحاب الشجرة بالرضا والرضوان، فقال : [لقد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً] الفتح ١٨. يخبر الله جل وعلا عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، ولذا سميت بيعة الرضوان؛ لرضا الله تعالى عن المؤمنين فيها. ويقال لها: بيعة أهل الشجرة، وهي شجرة كانت في الحديبية، قيل: شجرة سدرة، وقيل سمرة. قال الإمام أبو حيان: والآية دالة على رضا الله تعالى عنهم (٢). وكانت البيعة على: أن يقاتلوا قريشا ولا يفرّوا.

стр. 105

وروي أنه بايعهم على الموت، وكانت عدتهم: ألف وأربعمائة، وقيل: ألف وخمسمائة. فأخبر سبحانه عن رضاه عنهم في هذه البيعة، ثم بيّن أمراً غيبياً لا يعلمه إلا هو سبحانه، ولذا جازاهم عليه خير الجزاء فقال: [فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ] أي: من الصدق والوفاء والسمع والطاعة والإخلاص لله ورسوله، والإيمان. [فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ] شكراً لهم على ما في قلوبِهم، وزادهم هدى، والسكينة أيضاً: الطمأنينة وسكون النفس إلى صدق الوعد. [وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً] وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم وما حصل بذلك من الخير العام والمستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العزّ والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال [وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً] (١).

стр. 106

المبحث الثاني فضائل الصحابة ﵃ في السنة النبوية المطهرة قال الإمام الذهبي: وأما مناقب الصحابة ﵃ وفضائلهم فأكثر من تذكر (١). وقد تضافرت الأحاديث النبوية، والآثار المنيفة واشتهرت، موضحة ومبينة فضائل أصحاب النبي ﷺ وهي كثيرة، ومجموعها ينتظم في الأمور التالية: ١) إثبات خيرية قرنه ﵊، ففي الصحيحين عن عمران بن حصين يقول: قال رسول الله ﷺ : (خير أمتي قرني ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم)، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قوله: قرنين أو ثلاثاً .. وهذا لفظ البخاري (٢). وعند مسلم بلفظ: سئل رسول الله ﷺ : أي الناس خير؟ قال: قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. وعن عائشة ﵂ قالت: سأل رجل النبي ﷺ أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني ثم الثالث (٣).

стр. 107

قال الإمام النووي: اتفق العلماء على أن خير القرون، قرنه ﵊، والمراد أصحابه (١). والمراد بالذين يلونَهم: التابعون، والذين يلونَهم: تابعو التابعين. قال الحافظ ابن حجر: واستدل بِهذا الحديث على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمول على الغالب والأكثرية، فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وجدت فيه الصفات المذكورة المذمومة لكن بقلة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة، فإن ذلك كثر فيهم واشتهر (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه الأحاديث مستفيضة، بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون، فالقدح فيهم قدح في القرآن والسنة (٣). وقال الحافظ ابن حجر في بيان مدد هذه القرون: وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل، على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعاً وتسعين، وأما قرن التابعين: فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو

стр. 108

ثمانين، وأما الذين من بعدهم: فإن اعتبر منها كان نحواً من خمسين فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان. واتفقوا أن آخر من كان من اتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن الاعتبار في القرون الثلاثة بجمهور أهل القرن وهم وسطه، وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة حتى إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل، وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في أمارة ابن الزبير وعبد الملك، وجمهور تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية (٢). قال بعض العلماء: وإنما كانوا خير القرون بشهادة الله تعالى ورسوله ﵊ لهم بكل فضيلة من الإخلاص والصدق والتقوى، والشدة في الدين، والرحمة على المؤمنين ونصرة الله ورسوله والجهاد في سبيل وبذل النفوس والأموال، وبيعها من الله تعالى، وإيثارهم على أنفسهم، وكونهم خير أمة أخرجت للناس، وقد رضي الله عنهم ورضوا

стр. 109

عنه والحائزين على الفوز والفلاح والبشارة بأعلى الجنان، وجوار الرحمن إلى غير ذلك. ومدح الله تعالى لا يتبدل، ووعده لا يُخلف ولا يتحول، إذ هو سبحانه المطلع على عواقب الأمور، والعالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، فلا يمدح إلا من سبقت له منه الحسنى، وكان ممدوحاً في الآخرة والأولى (١) ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد اتفق المسلمون على أن أصحاب رسول الله ﷺ خير طباق الأمة (٢). ٢) ومما يدل على فضلهم ما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم (٣).

стр. 110

قال الإمام النووي: وفي هذا الحديث فضل الصحابة والتابعين وتابعيهم. وقال الحافظ ابن حجر: ومثله حديث وائلة رفعه (لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني صاحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني صاحبني) والحديث أخرجه ابن أبي شيبة، وإسناده حسن (١). فهذه الأحاديث تدل على فضلهم، وأن حسن الكمال في إتباعهم، ولذا فإن الأئمة يذكرون كثيرا من المحدثات، ويردونها، لأنها لم تكن في هذه القرون المفضلة، فمثلاً يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فأما سماع القاصدين لصلاح القلوب في الاجتماع على ذلك: إما نشيد مجرد، نظير الغبار، وإما بالتصفيق، ونحو ذلك، فهو السماع المحدث في الإسلام. فإنه أحدث بعد ذهاب القرون الثلاثة الذين أثنى عليهم النبي ﷺ حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم) وقد كرهه أعيان الأمة، ولم يحضره أكابر المشايخ (٢). ثم ذكر شيخ الإسلام السماع الذي كان يجتمع عليه أصحاب القرون المفضلة، وهو سماع القرآن فقال: فمن المعلوم أن سماع القرآن، هو سماع النبيين والعارفين والمؤمنين .. ثم قال: وبِهذا السماع هدى الله العباد،
следующие страницы →