← Акыда

Акыда · id 96240

الإصابة في الذب عن الصحابة - رضي الله عنهم -

عبد الهادي العمري

Полный текст (428 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فقال بعضهم: لا تقبل توبته، وهذا مروي عن أبي الليث والدبوسي من فقهاء الأحناف، قالوا: حيث لا تقبل توبته علم أن سب الشيخين كسب النبي ﷺ ، فلا يفيد الإنكار مع البينة (١). وقال الآخرون: تقبل توبته، وهو قول الجماهير، وهو الصواب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب الذي عليه أئمة المسلمين أن كل من تاب، تاب الله عليه .. وليس سب بعض الصحابة بأعظم من سب الأنبياء، أو سب الله تعالى، واليهود والنصارى الذي يسبون نبينا سراً بينهم، إذا تابوا وأسلموا قُبل ذلك منهم، باتفاق المسلمين، والحديث الذي يروى: " سب أصحابي ذنب لا يغفر " كذب على رسول الله ﷺ . والشرك الذي لا يغفره الله، يغفره لمن تاب باتفاق المسلمين، وما يقال إن في ذلك حق لآدمي، يجاب عنه من وجهين: ١ - أن الله تعالى قد أمر بتوبة السارق والملقب ونحوهما من الذنوب التي تعلق بِها حقوق العباد .. ومن توبة مثل هذا: أن يعوض المظلوم من الإحسان إليه بقدر إساءته إليه. ٢ - أن هؤلاء متأولون، فإذا تاب الرافضي من ذلك، واعتقد فضل الصحابة، وأحبهم ودعا لهم، فقد بدل الله السيئة بالحسنة كغيره من المذنبين (٢).

стр. 177

ويقول في موضع آخر: فإذا كان الرجل قد سب الصحابة وتاب، فإنه يحسن إليهم بالدعاء لهم، والثناء عليهم بقدر ما أساء إليهم، والحسنات يذهبن السيئات، كما أن الكافر الذي كان يسب النبي ﷺ ويقول: إنه كذاب، إذا تاب وشهد أن محمدا ًرسول الله الصادق المصدوق وصار يحبه ويثني عليه ويصلي عليه كانت حسناته ماحية لسيئاته، والله تعالى [يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ] (١). قلت: فهذه دعوة صادقة من قلب مشفق، محب للخير أن يسود الغير، دعوة للتوبة الصادقة، لكل من يقع في أعراض الصحابة ﵃، أقول: إن كان الوقوع في أعراض المسلمين عموماً، والطعن واللمز فيهم محرم وكبيرة وجريمة فإنّها في حق أكرم الخلق وأفضلهم بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبشع وأشنع، ولو لم يكن في الوقوع في أعراضهم إلا غيبة أو بُهتان، والله تعالى نهي عنهما، وزجر الواقع فيهما، لوجب اجتنابه والبعد عنه، كيف وهو يهدف لإسقاط سلاسل السند الذهبية، التي نقلت الشريعة المطهرة، والقدح في عدالتهم وديانتهم. فباب التوبة مفتوح: والله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر أو تطلع الشمس من مغربِها، فأولى الناس برعاية حقوقهم هم صحابة النبي ﷺ ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ولهذا اتفق أهل السنة والجماعة على رعاية حقوق الصحابة والقرابة، وتبرؤوا من الناصبة الذي يكفرون علي بن أبي

стр. 178

طالب ويفسقونه، وينتقصون بحرمة أهل البيت، مثل من كان يعاديهم على الملك، أو يعرض عن حقوقهم الواجبة، أو يغلو في تعظيم يزيد بن معاوية بغير الحق، وتبرؤوا من الرافضة الذين يطعنون على الصحابة وجمهور المؤمنين، ويكفرون عامة صالحي أهل القبلة، وهم يعلمون أن هؤلاء أعظم ذنباً وضلالاً من أولئك (١). وفي التاريخ صفحات مشرقة، ووجوه مسفرة، تابت وأنابت، فذكر الشريف محمد بن علي العلوي: أن أبا طالب بن عمر العلوي: كان على سب الصحابة ﵃ رافضياً، وتاب وأناب مما سبق وقال: عشت أربعين سنة أسب الصحابة أشتهي أن أعيش مثلها حتى أذكرهم بخير (٢). وقال الإمام ابن كثير: وكان الشيخ محمد السكاكيني يعرف مذهب الرافضة جيداً، وكانت له أسئلة على مذهب أهل الخير، ونظم في ذلك قصيدة، أجابه فيها شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذكر غير واحد من أصحاب الشيخ، أن السكاكيني ما مات حتى رجع عن مذهبه، وصار إلى قول أهل السنة فالله أعلم، وأخبرت أن ولده حسناً هذا القبيح كان قد أراد قتل أبيه لما أظهر السنة. (٣)

стр. 179

الفصل الثالث مسائل متممة (شبهات وردود) المبحث الأول: في حقيقة مسمى الصحبة: لبعض من يطعن في بعض أصحاب النبي ﷺ أوجها مشبوهة يستمسك بِها، ويبني عليها حكمه زوراً وبهتاناً، ومن هذه الأوجه قول بعضهم: أن وصف ومسمى الصحبة لا يثبت إلا لمن صحب النبي ﷺ صحبة طويلة، وغزا معه عدة غزوات، معتمداً على قول بعض العلماء:، ويبني عليه: أن مسلمة الفتح وهم الطلقاء لا يصدق عليهم وصف الصحبة ومسماها، ولذا تجدهم يجردون بعض الصحابة كمعاوية وأبيه وغيرهما من هذا المسمى بناء على هذا الوجه، وعليه يقولون: إن الطعن فيهما وأمثالهما ليس هو طعن في الصحابة ﵃ الموجب للوعيد الشديد الوارد في السنة المطهرة. ويجاب عن هذه الشبهة في النقاط التالية: أولا: من الإنصاف القول أن مسمى الصحبة قد اختلف فيه العلماء: فذهب البعض إلى أنه لا يُعد في الصحابة إلا من صحب الصحبة العرفية، كما هو رأي عاصم الأحول، ولذا لم يعد عبد الله بن سرجس من الصحابة. وكذا روي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد من الصحابة إلا

стр. 180

من أقام مع النبي ﷺ سنة فصاعداً أو غزا معه غزوة فصاعداً (١). وذهب الجاحظ كما ذكر منه: اشتراطه مع طول الصحبة، الأخذ عنه ﵊. ومنهم من اشترط البلوغ حين اجتماعه به (٢). وقد أجاب المحققون من أهل العلم والحديث عن هذا الآراء: فقال الحافظ ابن حجر: والعمل على خلاف هذا القول؛ لأنّهم اتفقوا على عد جمع جم من الصحابة لم يجتمعوا بالنبي ﷺ إلا في حجة الوداع، ومن اشترط الصحبة العرفية أخرج من له رؤية، أو من اجتمع به لكن فارقه عن قرب، ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه بالغاً، وهو مردود أيضاً؛ لأنه يخرج مثل الحسين بن علي ونحوه من أحداث الصحابة (٣). وقال ﵀ أيضاً: لا خفاء برجحان رتبة من لازمه ﷺ ، وقاتل معه، أو قتل تحت رايته، على من لم يلازمه، أو لم يحضر معه مشهداً، وعلى من كلمه يسيراً أو ماشاه قليلاً، أو رآه على بعد، أو في حال الطفولة، وإن كان شرف الصحبة حاصلاً للجميع، ومن ليس له سماع منه فحديثه مرسل من حيث الرواية، وهم مع ذلك معدودون في الصحابة، لما نالوه

стр. 181

من شرف الرؤية (١). وقال الإمام ابن كثير: وروى شعبة عن موسى السبلاني، وأثنى عليه خيراً، قال: قلت لأنس بن مالك: هل بقي من أصحاب رسول الله ﷺ أحد غيرك؟ قال: ناس من الأعراب رأوه، فأما من صحبه فلا. رواه بحضرة أبي زرعة. قال الحافظ ابن حجر: مع أنه كان في ذلك الوقت عدد كثير ممن لقيه من الأعراب. وقال الإمام ابن كثير: وهذا إنما نفى فيه الصحبة الخاصة، ولا ينفي ما اصطلح عليه الجمهور: أن مجرد الرؤية كان في إطلاق الصحبة، لشرف رسول الله ﷺ وجلاله قدره، وقدر من رآه من المسلمين (٢). وقال الإمام العيني: وفي كلام أبي زرعة وأبي داود، ما يقتضي أن الصحبة أخص من الرؤية، فإنّهما قالا في طارق بن شهاب: له رؤية وليست له صحبة (٣). وقد ردّ العلماء ما ذكر عن ابن المسيب على وجهة الخصوص بما يلي: ١. إن صح عنه ما ذكر، فإنه يرد عليه باتفاق العلماء في عد جماعة من الصحابة لم يجتمعوا بالنبي ﷺ إلا في حجة الوداع.

стр. 182

٢. أن هذا الأثر لا يصح عن ابن المسيب، لأن في الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف الحديث (١). وبيّن الإمام الجوزي فصل الخطاب في هذا المسألة فقال: وفصل الخطاب في هذا الباب: بأن الصحبة إذا أطلقت فهي في المتعارف تنقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون الصاحب معاشراً مخالطً كثير الصحبة، فيقال: هذا صاحب فلان، كما يقال: خادمه، لكن تكررت خدمته، لا لمن خدمه يوماً أو ساعة. والثاني: أن يكون صاحباً في مجالسة، أو مماشاة ولو ساعة، فحقيقة الصحبة موجودة في حقه، وإن لم يشتهر بِها. فسعيد بن المسيب: إنما عني القسم الأول، وغيره يريد هذا القسم الثاني، وعموم العلماء على خلاف قول ابن المسيب، فإنهم عدوا جرير بن عبد الله من الصحابة، وإنما أسلم سنة عشر، وعدوا في الصحابة من لم يغزو معه، ومن توفي رسول الله ﷺ وهو صغير السن، فأما من رآه ولم يجالسه ولم يماشه فألحقوه بالصحابة إلحاقاً، وإن كانت حقيقة الصحبة لم توجد في حقه (٢).

стр. 183

وما روي عن الجاحظ: وهو اشتراط الأخذ مع طول الصحبة، فقد قال العلامة ثعلب: إنه غير ثقة ولا مأمون، ولا يوجد هذا القول لغيره (١). ومع كونه كذلك فلا دليل لقوله: إذ فيه إخراج لكثير من المعدودين في الصحابة ممن لقوا النبي ﷺ مؤمنين به، وخاصة ممن أسلم يوم الفتح أو وفد عليه وبايعه (٢). نخلص من هذا إلى أن الصحابي: من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين. وقال الإمام ابن كثير: هو من رأى رسول الله ﷺ في حال إسلام الراوي، وإن لم تطل صحبته، وإن لم يرو عنه شيئاً وهذا قول جمهور العلماء سلفاً وخلفاً. وقال الحافظ ابن حجر: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام ولو تخللت ردة على الأصح (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وحديث أبي سعيد هذا يدل على شيئين: على أن صاحب النبي ﷺ : هو من رآه مؤمناً به وإن قلت صحبته، كما قد نص على ذلك الأئمة أحمد وغيره. قال مالك: من صحب رسول الله ﷺ

стр. 184

سنة أو شهراً أو يوماً أو رآه مؤمناً به، فهو من أصحابه، له من الصحبة بقدر ذلك، وذلك أن لفظ الصحبة جنس تحته أنواع، يقال صحبه شهراً أو ساعة (١). فمن هنا: يتبيّن أن كل من ثبتت له الصحبة ولو بالرؤية ومات على ذلك، فهو صحابي له ما للصحابة من الإجلال والإكرام والتعظيم، وعليه فمسلمة الفتح، ومن أسلم من الوفود كلهم ينالهم شرف الصحبة، وتشريف الرؤية ﵃ أجمعين. قال الإمام ابن العربي: وفائدة صحبته في الدنيا الفتح، وفي الآخرة النجاة من النار. وقال ﵀: وشرف الصحبة في أبواب أمهاتِها ست: (الأولى): في الخلطة، وما ظنك بدرجة صاحبك فيها الله ، والنبي ﷺ ، وذلك بالإتباع والإيمان. (الثانية): بالهجرة، وقد ذكر الله فضلها وأثنى عليها، وذلك مشهور، ومن ترك أهله وولده وماله في الله، فذلك ولي الله، وثاني رسول الله. (الثالثة): بالنصرة، وإنما ذكرناها معها، وإن كان البخاري قد أخرها للوجه الذي قدمناه؛ لأنا رأينا النبي ﷺ يقول: لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، وقال: الأنصار: كرشي - يعني: جماعتي - وعيبتي: يعني: موضع

стр. 185

سري وارفع ما عندي، وقد قال النبي ﷺ : (حسنا): اللهم اغفر للأنصار ولأبنائهم وأبناء أبنائهم ولنسائهم. (الرابعة) القرابة: قال الله تعالى [قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] قال ابن عباس: يعني: قريشاً، وهم بنو النضر، وقال أبو بكر الصديق في الصحيح: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي. وقال أبو بكر: ارقبوا محمداً في أهل بيته " وهم آل علي وأزواجه ﷺ ". (الخامسة) البدرية: لقوله في أهل بدر (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). (السادسة) الرضوانية: لما قال الله فيهم [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ] (السابعة) الزوجية: لأن مبرتهم والإحسان إليهم، كالإحسان إلى النبي ﷺ وكمبرته. قال تعالى [وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ]، وحرمته باقية عليهم لبقاء زوجيته فيهم (١). قلت: ولقد تكلم العلماء عن طرق ثبوت مسمى الصحبة، وذكرا لذلك عدة أوجه:

стр. 186

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والطريق التي تعلم بِها صحبته، هي الطريق التي يعلم بِها صحبة أمثاله (١). فطرق معرفة الصحبة: ١ - التواتر كأبي بكر وعمر وبقية العشرة، وخلق منهم. ٢ - الاستفاضة والشهرة القاصرة عن التواتر كعكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة وغيرهما. ٣ - إخبار بعض الصحابة عن فلان أنه صحابي، كحميمة بن أبي حميمة الدوسي، الذي مات بأصبهان مبطوناً، فشهد له أبو موسى الأشعري بأنه سمع من النبي ﷺ ، وحكم له بالشهادة. ٤ - إخباره عن نفسه بأنه صحابي، بعد ثبوت عدالته قبل إخباره بذلك (٢). وسبق أن ذكرنا أن للصحابة ﵃ مراتب ودرجات، دل عليها قوله سبحانه: [لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى] الحديد ١٠ قال الإمام ابن العربي: وفيه دليل على أن الصحابة مراتب، وأن

стр. 187

الفضل للسابق، وعلى تنزيل الناس منازلهم (١). المبحث الثاني: عدالة الصحابة: وهي من المسائل المهمة التي تحتاج لبيان، مع شدة وضوحها وسطوعها، ولكن لما أن طعن الطاعنون في عدالتهم لشبه واهية، كان لزاماً بيان اتفاق أهل السنة ومن يعتد بِهم في عدالة الصحابة ﵃ وأرضاهم. قال الإمام ابن الصلاح: ثم إن الأمة مجمعة على تعديل الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بِهم في الإجماع، إحساناً للظن بِهم، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله تعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونِهم نقله الشريعة (٢). وقال الإمام ابن كثير: والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، كما أثنى الله تعالى عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل (٣). وقال الإمام النووي: ولهذا اتفق أهل الحق ومن يُعتد به في الإجماع

стр. 188

على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم ﵃ أجمعين (١). وقال الإمام ابن عبد البر: قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنّهم كلهم عدول (٢). وقال الإمام الخطيب: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله تعالى لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم. وقال الإمام ابن حجر: اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة (٣). وقال الإمام ابن حزم: وهم أئمة الإسلام حقا، والمقطوع على فضلهم وعلى أكثرهم بأنهم في الجنة، وهذا لا يخيل إلا على مخذول، وكل من ذكرنا مصيب أو مخطئ، فمأجور على اجتهاده إما أجرين وإما أجراً، وكل ذلك غير مسقط عدالتهم. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ثم مع ذلك فهم متفقون على أن مثل طلحة والزبير ونحوهما من الصحابة من أهل العدالة، ولا يجوز أن يحكم عليه بكفر ولا فسق، بل مجتهدون، إما مصيبون وإما مخطئون، وذنوبهم مغفرة لهم. ويقول: ولكن أهل السنة متفقون على عدالة الصحابة.

стр. 189

وقال العلامة: السخاوي: في بيان مرتبتهم: وهم ﵃ باتفاق أهل السنة عدول كلهم مطلقاً صغيرهم وكبيرهم لابس الفتنة أم لا وجوباً، لحسن الظن، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، من امتثال أوامره بعده ﵊، وفتحهم الأقاليم، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس، ومواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات مع الشجاعة والبراعة والكرم والإيثار والأخلاق الحميدة التي لم يكن في أمة من الأمم المتقدمة. وقال العلامة الشوكاني: اعلم أن ما ذكرناه في وجوب تقديم البحث عن عدالة الراوي إنما هو في غير الصحابي، فأما فيهم فلا؛ لأن الأصل فيهم العدالة، فنقبل روايتهم من غير بحث عن أحوالهم، حكاه ابن الحاجب عن الأكثرين، قال القاضي: هو قول السلف وجمهور الخلف، وقال الجويني بالإجماع. وقال العلامة بدر الدين الزركشي: وقال إمام الحرمين بالإجماع. قال: ولعل السبب فيه أنّهم نقلة الشريعة، ولو ثبت وقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول ﷺ ولما استرسلت سائر الأعصار. وقال إلكيا الطبري: وعليه كافة أصحابنا. وقال الإبياري: وليس المراد بعدالتهم: ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف بحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا من ثبت عليه ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك - ولله

стр. 190

الحمد - فنحن على استصحاب ما كانوا عليه زمن رسول الله ﷺ حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير فإنه لا يصح. وما صح فله تأويل صحيح (١). قلت: وهذا القول هو الصحيح الذي لا معدل عنه، ولا ينظر لمخالف الإجماع لشذوذه. وقد تعقب الإمام العراقي، الإمام ابن الصلاح في حكايته الإجماع في تعديل الصحابة، فقال: وفي حكاية الإجماع نظر، لكنه قول الجمهور، كما حكاه ابن الحاجب والآمدي، وقال: إنه المختار، وحكيا معه قولاً آخر: أنّهم كغيرهم في لزوم البحث عن عدالتهم مطلقا، وقولاً آخر: أنّهم عدول إلى وقوع الفتن، وأما ما بعد ذلك فلا بد من البحث عمن ليس ظاهر العدالة (٢). وقد كفانا مؤونة الرد على خلاف الإجماع المحكي الإمام القرطبي، فقال: فالصحابة كلهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه وخيرته من خلقه

стр. 191

بعد أنبيائه ورسله هذا مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أئمة هذا الأمة، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم، ومنهم من فرق بين حالهم في بُداءة الأمر فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك، ثم تغيرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء، فلا بد من البحث وهذا مردود، فإن خيار الصحابة وفضلاؤهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم بالجنة، فقال: (مغفرة وأجراً عظيما) وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول ﷺ ، وهم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخبارهم لهم بذلك وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب (١) قلت: ولذا قال ابن عباس ﵄: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ ، فإن الله قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنّهم سيقتلون (٢) وقال العلماء: إن عدالة الصحابة لا تنافي الخطأ في الاجتهاد (٣) قال تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] البقرة ١٤٣، أخرج سعيد بن

стр. 192

منصور وأحمد والترمذي والنسائي وصححه وابن جرير وابن حبان والإسماعيلي في صحيحه والحاكم وصححه عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال في قوله تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً]: أي: عدلاً. والأمة الجماعة، والوسط العدل، قاله ابن عباس وأبو سعيد ومجاهد وقتادة، وقال ابن قتيبة: الوسط العدل الخيار (١) قال الإمام ابن العربي: وهذا دليل على أنّه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ على الغير قول الغير إلا أن يكون عدلاً (٢). وقال جل شأنه [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وأولو العلم قَائِماً بِالْقِسْطِ] آل عمران ١٨. قال الإمام البغوي: [وَأُولُو الْعِلْمِ]: يعني الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقال ابن كيسان: هم المهاجرون والأنصار. وقوله [قَائِماً بِالْقِسْطِ]: أي بالعدل (٣). ويقول الإمام ابن القيم: وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر، والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته، والثالث: اقترانها بشهادة الملائكة، والرابع: أن في ضمن هذا

стр. 193

تزكيتهم وتعديلهم، فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول (١). ولذا قال الإمام الغزالي: فأي تعدل أصح من تعديل علام الغيوب سبحانه، وتعديل رسول الله ﷺ كيف ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأموال وقتل الأبرياء والأهل في موالاة رسول الله ﷺ ونصرته كفاية في القطع بعدالتهم (٢). وما جرى من فتن فهم فيها معذورون، وهي غير مخلة بعدالتهم بإجماع - كما سبق - فعن ابن عباس ﵄ قال: جلسنا مع عمر فقال: هل سمعت عن رسول الله ﷺ شيئاً أمر به المسلم إذا سها في صلاته كيف يصنع؟ فقلت: لا والله، فبينا نحن في ذلك، أتى عبد الرحمن بن عوف فقال: فيم أنتما، فقال عمر: سألته فأخبره، فقال له عبد الرحمن بن عوف: لكني سمعت رسول الله ﷺ يأمر في ذلك، فقال له عمر: فأنت عندنا عدل، فماذا سمعت؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ (إذا سها أحدكم في صلاته حتى لا يدري أزاد أم نقص، فإن كان شك في الواحدة والثنتين فليجعلها واحدة، وإذا شك في الثنتين أو الثلاث، فليجعلها ثنتين، وإن شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثاً حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد

стр. 194

سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم ثم يسلم). قال الإمام الذهبي: هذا حديث حسن، صححه الترمذي، ورواه الحافظ ابن عساكر في صدر ترجمة ابن عوف وفيه: فقال: فحدِّثنا فأنت عندنا العدل الرضا. قال فأصحاب رسول الله ﷺ وإن كانوا عدولاً، فبعضهم أعدل من بعض وأثبت، فهنا عمر قنع بخبر عبد الرحمن، وفي قصة الاستئذان يقول: ائت بمن يشهد معك، وعلي بن أبي طالب يقول: كان إذا حدثني رجل عن رسول الله ﷺ استحلفته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر، فلم يحتج عليّ أن يستحلف الصديق (١). ولما تحدث ﵀ عن سيرة العشرة المبشرين قال: فهذا ما تيسر من سيرة العشرة، وهم أفضل قريش، وأفضل السابقين المهاجرين، وأفضل البدريين وأفضل أصحاب الشجرة، وسادة هذه الأمة في الأمة في الدنيا والآخرة، فأبعد الله الرافضة ما أغواهم، وأشد هواهم، كيف اعترفوا بفضل واحد منهم، وبخسوا التسعة حقهم، وافتروا عليهم بأنهم كتموا النص في علي أنه الخليفة؟ فو الله ما جرى من ذلك شيء، وأنهم زوروا الأمر عنه بزعمهم وخالفوا نبيهم، وبادروا إلى بيعة رجل من بني تيم، يتجر ويتكسب، لا لرغبة في أمواله، ولا لرهبة من عشيرته ورجاله،

стр. 195

ويحك أيفعل هذا من له مسكة عقل؟ ولو جاز هذا على واحد لما جاز على جماعة ولو جاز وقوعه من جماعة لاستحال وقوعه والحالة هذه من ألوف سادة المهاجرين والأنصار وفرسان الأمة وأبطال الإسلام، لكن لا حيلة في برء الرفض، فإنه داء مزمن، والهدى نور يقذفه الله في قلب من يشاء، فلا قوة إلا بالله (١). والعشرة المبشرون: هم الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، ومات وهو راض عنهم: (أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن نفيل، وأبو عبيدة بن الجراح) (٢). المبحث الثالث: التفضيل بين الصحابة ﵃ ومن بعدهم: أولا ً: ما يتعلق بالتفضيل بين الصحابة أمر مشتهر، وفيه نزاع مشهور. قال الحافظ ابن حجر: واستدل بحديث (خير القرون قرني .. ) على

стр. 196

جواز المفاضلة بين الصحابة قاله المازري (١). وأهل السنة والجماعة: يفضلون من أنفق من قبل الفتح وقاتل، على من أنفق من بعد الفتح وقاتل ويقدمون المهاجرين على الأنصار، وأن المستقر عندهم، تقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ويعرفون لأهل بدر والرضوان فضلهم (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن أفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأمثالهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، كما ثبت ذلك بالنصوص المشهورة (٣). وقال: أما تفضيل أبي بكر ثم عمر على عثمان وعلي، فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين، من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهو مذهب مالك وأهل المدينة , والليث بن سعد وأهل مصر، والأوزاعي وأهل الشام، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهم من أهل العراق، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام الذي لهم لسان صدق في الأمة.

стр. 197

وحكى الإمام مالك إجماع أهل المدينة على ذلك فقال: ما أدركت أحداً ممن اقتدي به يشك في تقديم أبي بكر وعمر (١) وقال: فأبو بكر وعمر كان اختصاصهما بالنبي ﷺ فوق اختصاص غيرهما، وأبو بكر كان أكثر اختصاصاً (٢). وذهب إلى أن أبا بكر وعمر أفضل من الخضر، على القول بأن الخضر ليس بنبي وهو قول الأكثر من العلماء (٣). ثم إن أبا بكر أفضل الأمة بعد نبيها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن التفضيل إذا ثبت للفاضل من الخصائص فلا يوجد مثله للمفضول، فإذا استويا وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل، وأما الأمور المشتركة فلا توجب تفضيله على غيره، وإن كان كذلك ففضائل الصديق التي تميز بِها لم يشركه فيها أحد (٤). وذهب الإمام محمد بن حزم إلى تفضيل نساء النبي ﷺ على الصحابة فقال: والذي نقول به، وندين الله تعالى عليه، ونقطع على أنه الحق عند الله ، أن أفضل الناس بعد الأنبياء ﵈، نساء رسول الله ﷺ

стр. 198

ثم أبو بكر ﵁ (١) ثم أفاض ﵀ بذكر أوجه التفضيل، وقد تعقبه العلماء، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما نساء النبي ﷺ ، فلم يقل: إنّهن أفضل من العشرة إلا أبو محمد، ونصوص الكتاب والسنة تبطل هذا القول، وحجته التي احتج بِها فاسدة. ثم قال: وبالجملة فهذا قول شاذ لم يسبق ِإليه أحد من السلف (٢). وأما موضوع المبحث: فقد اختلف العلماء: هل كل فرد من أفراد الصحابة ﵃ أفضل ممن جاء بعده على الإطلاق، أم لا؟ وتحرير محل النزاع في المسألة هو أن يقال: إن مجموع الصحابة ﵃ أفضل من مجموع من بعدهم. وأن السابقين للإسلام وأهل الفضل منهم من أصحاب بدر والشجرة، أفضل بأفرادهم ممن جاء بعدهم. يقول الحافظ ابن حجر: والذي يظهر: أن من قاتل مع النبي ﷺ أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئاً من ماله بسببه، لا يعدله في الفضل أحد بعده كائناً من كان، وأما من لم يقع له ذلك، فهو محل البحث (٣). تحرير المسألة: اختلف العلماء فيه في هذه المسألة على قولين:

стр. 199

القول الأول: أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدهم، وأن من صحب النبي ﷺ ورآه، ولو مرة في عمره فهو أفضل ممن يأتي بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، وهو قول معظم العلماء وأكثرهم اختاره من المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وغيرهما. واحتجوا بما يلي: بحديث الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذي يلونهم ثم الذي يلونهم .. ) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وبالجملة فقد اتفقت طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها، واحد من الخلفاء، ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة. وأفضل أولياء الله أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول ﷺ واتباعاً له، كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به، وعملاً به، فهذا أفضل أولياء الله، إذ كانت أمة محمد ﷺ أفضل الأمم، وأفضلها أصحاب محمد ﷺ ، وأفضل أبو بكر (١). وقال في موضع آخر: ومنهم من يفرضها في مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز، فإن معاوية له مزية الصحبة والجهاد مع النبي ﷺ وعمر له مزية فضيلته من العدل والزهد والخوف من الله تعالى (٢).

стр. 200

وقال: وأما الصحابة والتابعون فقال غير واحد من الأئمة: أن كل من صحب النبي ﷺ أفضل ممن لم يصحبه مطلقاً، وعينوا ذلك في مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز مع أنهم معترفون بأن سيرة عمر أعدل من سيرة معاوية، قالوا: لكن ما حصل لهم بالصحبة من الدرجة أمر لا يساويه ما يحصل لغيرهم بعلمه (١). وقال: والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة في أعمال مأمور بِها واجبة، كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه، فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين (٢). ولفضل وشرف الصحبة: قال بعض العلماء في مثل معاوية وعمر بن العزيز: ليوم شهده معاوية مع رسول الله ﷺ خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته (٣). ويقول الإمام عبد الله بن المبارك: تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن العزيز. وسئل عن معاوية ﵁ فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله ﷺ : سمع الله لمن حمده، فقال: خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل: أيهما أفضل أهو أم عمر بن عبد العزيز، فقال: التراب في منخري معاوية مع رسول الله ﷺ

стр. 201

خير وأفضل من عمر (١). واحتجوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفة). وجه الدلالة منه: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا كان جبل أحد ذهباً لا يبلغ نصف مدّ أحدهم، كان في هذا التفاضل ما يبين أنه لم يبلغ أحد مثل منازلهم التي أدركوها بصحبة النبي ﷺ (٢). القول الثاني: أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة. وهو قول الإمام ابن عبد البر، ومال إليه الإمام القرطبي (٣). واحتجوا بما يلي: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره) (٤). قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث حسن، له طرق قد يرتقي بِها إلى

стр. 202

الصحة (١). وروى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير، أحد التابعين بإسناد حسن، قال: قال رسول الله ﷺ : (ليدركن المسيح أقواماً إنهم لمثلكم أو خير - ثلاثاً - ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها) (٢). وروى أبو ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أمامكم أياماً الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر، للعامل فيها أجر خمسين رجلاً يعمل مثل عمله) قيل: يا رسول الله: منهم؟ قال: (بل منكم) (٣). وأخرج أبو داود الطيالسي وغيره عن عمر أن النبي ﷺ قال: (أفضل الخلق إيماناً قوم في أصلاب الرجال، يؤمنون بي ولم يروني، يجدون ورقاً فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق إيماناً) (٤). وروى صالح بن جبير عن أبي جمعة قال: قلنا يا رسول الله: هل أحد خير منا؟ قال: (نعم قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتاباً بين لوحين فيؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي ولم يروني) (٥) قال الحافظ ابن حجر: إسناده

стр. 203

حسن، وقد صححه الحاكم (١). وعن عبد الله بن بسر أن النبي ﷺ قال: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله) (٢). وروى عن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إليّ بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بِها، فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر، فأنت أفضل من عمر؛ لأن زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر. وكتب إلى فقهاء زمانه، فكلهم كتب إليه بمثل قول سالم (٣). قال الإمام القرطبي: قال الإمام ابن عبد البر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها، التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها، والمعنى في ذلك ما تقدم ذكره: من الإيمان والعمل الصالح في الزمان الفاسد الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين، ويكثر فيه الفسق والهرج، ويذل المؤمن، ويعز الفاجر، ويعود الدين غريباً كما بدأ غريباً، ويكون القائم فيه كالقابض على الجمر، فيستوي حينئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية (٤).

стр. 204

وقد تأول الإمام ابن عبد البر وغيره حديث (خير القرون قرني) بأن قرنه إنما فُضّل؛ لأنّهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار، وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، وأن آخر هذه الأمة إذا أقاموا الدين وتمسكوا به، وصبروا على طاعة الله في حين ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضاً غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الوقت كما زكت أعمال أوائلهم، ويشهد له حديث مسلم عن أبي هريرة رفعه (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) (١). قلت: والراجح - والعلم عند الله تعالى -: القول الأول: وهو تفضيل الصحابة مطلقاً على من جاء بعدهم، لأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، لمشاهدة رسول الله ﷺ ، وأما من اتفق له الذب عنه، والسبق إليه بالهجرة، أو النصرة، وضبط الشرع المتلقى عنه، وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده، لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا والذي سبق بِها مثل أجر من عمل بِها من بعده، فظهر فضلهم (٢). وأجاب العلماء عن أدلة القول الثاني بما يلي: قالوا: حديث (أمتي مثل المطر .. ) إن المراد منه: من يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين يدركون عيسى بن مريم، ويرون في زمانه من الخير والبركة وانتظام كلمة الإسلام، ودحض كلمة الكفر، فيشتبه الحال على من شاهد ذلك، أي

стр. 205

الزمانين خير، وهذا الاشتباه مندفع بقوله ﵊: (خير القرون قرني) قاله الإمام النووي (١). وقال الإمام العيني في حديث ابن أبي شيبة: إنه لا يقاوم المسند الصحيح. قلت: ويمكن الإجابة عنه، وعن حديث (للعامل منهم أجر خمسين) بم ذكره الحافظ ابن حجر، بأنها لا تدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة ﵃؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة. وأيضاً فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبي ﷺ من زيادة فضيلة المشاهدة، فلا يعدله فيها أحد. وقال أيضاً: وأما حديث أبي جمعة، فلم تتفق الرواة على لفظ، فقد رواه بعضهم بلفظ: الخيرية، ورواه بعضهم بلفظ: قلنا يا رسول الله: هل من قوم أعظم منا أجراً " الحديث أخرجه الطبراني وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة عند أبي شيبة، وقد تقدم الجواب عنه (٢). وأما حديث عمر عند أبي داود الطيالسي، فإسناده ضعيف فلا حجة فيه (٣) وعليه: فلا قول لأحد بعد قول النبي المصطفى ﵊:

стр. 206

(خير القرون قرني). وأما ما قيل عنه: بأنه ليس على عمومه بدليل: ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وبأنه قد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود (١) أجيب عنه: بأن هذا الحديث أصل في تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهو محمول على الغالب والأكثرية (٢) إذ لا يخلو قرن ومجتمع من مثل هذه الأفعال ولكنها قليلة بالنسبة لغيرها من القرون. المبحث الرابع: حكم الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي، أو قدح في عدالته، أو مضيفة إليه ما لا يليق: مما يتمسك به المنتقصون والطاعنون في جناب الصحابة الكرام ﵃ ظواهر بعض الأحاديث التي يفهم منها ما لا يليق بهم ﵃ ولذا فإن مذهب الأئمة في هذا الباب ما يلي: قال الإمام المازري: مذهب أفاضل العلماء أن ما وقع من الأحاديث القادحة في عدالة بعض الصحابة والمضيفة إليهم ما لا يليق بهم، فإنها ترد ولا تقبل إذا كان

стр. 207

رواتها غير ثقات، فإن أحب بعض العلماء تأويلها قطعاً للشغب ترك ورأيه، وإن رواها الثقات تأولت على الوجه اللائق بهم إذا أمكن التأويل، ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله، ولا بدّ أن نتأول قول معاوية حينما قال لسعد كما في صحيح مسلم (ما منعك أن تسب أبا تراب) فنقول: ليس فيه تصريح بأنه أمره بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، وقد يسأل عن مثل هذا السؤال من يستجيز سب المسؤول عنه، ويسأل عنه من لا يستجيزه، وقد يكون معاوية رأى سعداً بين قوم يسبونه ولا يمكن الإنكار عليهم فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب، لتستخرج منه مثل ما استخرج مما حكاه عن النبي ﷺ ، فيكون له حجة على من يسب، حتى ينضاف إليه من غوغاء عنده فيحصل على المراد على لسان غيره من الصحابة، ولو لم نسلك هذا المسلك وحملنا عليه أنه قصد ضد هذا مما تثيره الموجدة، ويقع في حين الحنق، لأمكن أن يريد السب الذي هو بمعنى التفنيد للمذهب والرأي، وقد يسمى ذلك في العرف سباً، وقال: فمن الممكن أن يريد معاوية من سعد بقوله (ما منعك أن تسب أبا تراب) أي تظهر للناس خطأه في رأيه، وأن رأينا وما نحن عليه أسد وأصوب، هذا مما لا يمكن أحد أن يمنع من احتمال قوله له، وقد ذكرنا ما يمكن أن يحمل عليه قوله ورأيه فيه جميل أو غير جميل في هذين الجوابين بمثل هذا المعنى ينبغي أن يسلك فيما وقع من أمثال هذا (١)

стр. 208

وقال الإمام النووي: قال العلماء: الأحاديث الواردة التي ظاهرها دخل على صحابي، يجب تأويلها، قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله، فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعداً بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السبّ، كأنه يقول له: هل امتنعت تورعاً أو خوفاً أو غير ذلك، فإن كان تورعاً وإجلالاً له عن السب فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر. ولعل سعداً قد كان في طائفة يسبونه فلم يسب معهم وعجز عن الإنكار، وأنكر عليهم فسأله هذا لسؤال. قالوا: ويحتمل تأويلاً آخر: أن معناه ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه خطأ (١) قلت: وعلى هذا يجب تنزيل الأحاديث التي ظاهرها قدح في الصحابة ﵃ حتى تتوافق مع ما زكاهم به ربهم جل وعلا. وقد أشار الإمام أبو نعيم الأصبهاني إلى دفع شبهة فقال: عن عياض الأنصاري - وله صحبه - قال: قال رسول الله ﷺ : (احفظوني في أصحابي وأصهاري، فمن حفظني فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة، ومن لم يحفظني في أصحابي وأصهاري تخلى الله عنه، ومن تخلى الله عنه أو شك أن يأخذه). قال: فإن قال قائل: فقد نازع علياً غير طلحة والزبير وعائشة، فما

стр. 209

الذي دعاه لمنازعته ولم يكن له من السوابق ما لطلحة والزبير، ولم يكن من أهل الشورى والمناقب الشريفة؟ قيل له: كل من صحب الرسول ﷺ أو نزل منه منزلة قرب أو سبب، ولو كان دون أولئك في السابقة والهجرة والمناقب الشريفة، فالأسلم أن نحفظ فيهم وصية رسول الله ﷺ (أوصيكم في أصحابي خيراً) لاسيما إذا كان متأولاً، وإن كان في تأويله غير مصيب، فاقتدي بذلك بكبار الصحابة الذين شاهدوا حربهم، فكفوا وقعدوا لاشكال ذلك عليهم، فإذا كان لهم في قربهم منهم ومشاهدتهم لهم أن يكفوا ويقعدوا فنحن في تأخرنا منهم، وتباعدنا عنهم أولى أن نسكت عنهم، ونكف المسبة التي تعرض لهم في ذلك. وقال في موضع آخر: وسب الصحابة بعضهم لبعض، فإن ذلك على حد غضب وموجدة، قد عفا الله عنهم أكثر من ذلك، أخذهم بالفداء يوم بدر، وتوليهم عن الرسول يوم أحد، وأمر الرسول بالعفو عنهم (١) علماً: أن أصحاب النبي ﷺ أنزه الناس ألسناً، وأطيبهم قولاً، وأحسنهم منطقاً. قال الشيخ صالح آل الشيخ: ما سب صحابي صحابيا مطلقاً، وإنما قد يتسابون يعني مثل ما يحصل للبشر، يترادون في موقف، لكن لا يسبهم

стр. 210

مطلقاً أو يذم صحابياً مطلقاً، لكن يكون بينهم تراد في مجلس لأجل ما يحصل بين البشر مقاتلة مؤقتة تحصل بينهم، لكن سب الساب المطلق وانتقاص قدر فلان من الصحابة مطلقاً هذا لم يحصل عند الصحابة (١) ومما يجب التنبيه عليه في هذا المقام: ما وقع للصحابي الجليل: معاوية بن أبي سفيان ﵁ خصوصاً من ازدراء وتنقص بل وحتى تشكيك في إسلامه، أو حسن إسلامه. وها هي أقوال العلماء في معاوية ﵁: هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، الصحابي ابن الصحابي، ﵄. أسلم هو وأبوه - أبو سفيان - وأخوه يزيد بن أبي سفيان، وأمه - هند بنت عتبة بن ربيعة، في فتح مكة (٢) ومعاوية ممن أسلم عام الفتح، وقيل: إنه أسلم قبل أبيه، وقت عمرة القضاء، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي ﷺ من أبيه، ولكن ما ظهر إسلامه إلا يوم الفتح (٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد روي أن معاوية أسلم قبل ذلك

стр. 211

وهاجر قبل فتح مكة، وهاجر إلى المدينة، فإن كان هذا صحيحاً فهذا من المهاجرين (١) وقال ﵀: فالطلقاء الذين أسلموا عام الفتح مثل: معاوية وأخيه يزيد وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أميه والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو، وقد ثبت بالتواتر عند الخاصة إسلامهم وبقاؤهم على الإسلام إلى حين الموت، ومعاوية أظهر إسلاماً من غيره. وقال: فلما أثنى النبي ﷺ على الحسن بالإصلاح وترك القتال، دل على أن الإصلاح بين تلك الطائفتين كان أحب إلى الله تعالى من فعله، فدل على أن الاقتتال لم يكن مأموراً به، ولو كان معاوية كافراً لم تكن تولية كافر، وتسليم الأمر إليه مما يحبه الله ورسوله، بل دل الحديث على أن معاوية وأصحابه كانوا مؤمنين كما كان الحسن وأصحابه مؤمنين، وأن الذي فعله الحسن كان محموداً عند الله تعالى محبوباً مرضيا له ولرسوله (٢) وقال: ومعاوية خير من أبيه وأحسن إسلاماً من أبيه باتفاق المسلمين، وإذا كان النبي ﷺ ولّى أباه فلأن تجوز ولايته بطريق الأولى والأحرى، ولم يكن من أهل الردة قط، ولا نسبه أحد من أهل العلم إلى الردة، فالذين ينسبون هؤلاء إلى الردة، هم الذي ينسبون أبا بكر وعمر وعثمان، وعامة أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وغيرهم من السابقين الأولين

стр. 212

من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى مالا يليق بهم، والذين نسبوا هؤلاء إلى الردة يقول بعضهم: أنه مات ووجهه إلى الشرق، والصليب على وجهه، وهذا مما يعلم كل عاقل أنه من أعظم الكذب والفرية عليه (١) وقال أيضاً: وأما إسلام معاوية، وولايته على المسلمين والإمارة والخلافة فأمر يعرفه جماهير الخلق. وأما قول القائل: إيمان معاوية كان نفاقاً، فهو أيضاً من الكذب المختلق، فإنه ليس في علماء المسلمين من اتهم معاوية بالنفاق، بل العلماء متفقون على حسن إسلامه (٢) ثم قال: واتفق العلماء على أن معاوية: أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة كانوا قبله خلفاء نبوة وهو أول الملوك، وكان ملكه ملكاً ورحمة، وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيراً من ملك غيره (٣) ولذا قد أخذ الإمام الحبر ابن عباس ﵄ من عموم قوله تعالى ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل

стр. 213

إنه كان منصورا﴾ (الإسراء: ٣٣) ولاية معاوية، وأنه سيملك؛ لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل مظلوما. وكان معاوية يطلب عليا أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم؛ لأنه أموي، وكان علي يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية وذلك حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما قال ابن عباس، استنبطه من هذه الآية الكريمة. (١) والخلاصة: فإن إيمان معاوية بن أبي سفيان ﵁ ثابت بالنقل المتواتر، وإجماع أهل العلم على ذلك (١) ومما يدل على فضله: قول النبي ﷺ فيه: (اللهم اجعله هاديا مهتديا ً، واهده واهد به) (٣) وقال عبد الله بن عمر: ما رأيت رجلا ًبعد رسول الله ﷺ كان أسود من معاوية، فقال له رجل: ولا عمر؟ فقال: عمر كان خيراً منه، وكان هو

стр. 214

أسود منه. وكان الحسن والحسين ﵄ يقبلان جوائزه ﵁. قال الدراوردي: رأيت جعفر بن محمد، جاء فسلم على رسول الله ﷺ ثم انثنى فسلم على أبي بكر وعمر، فرآني كأني تعجبت أو قال: سرني، قال: فقال: والله إن هذا الدين الذي أدين الله به، والله ما يسرني أني قلت لمعاوية: أخزاه الله أو فعل الله به وإن لي الدنيا. وعن رباح الموصلي قال: سمعت رجلاً يسأل المعافا بن عمران، فقال: يا أبا مسعود: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟ فغضب من ذلك غضباً شديداً، وقال: لا يقاس بأصحاب رسول الله أحد، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه، وأمينه على وحي الله تعالى (١) ويقول الإمام عبد الله بن المبارك: تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز. وسئل عن معاوية فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله ﷺ : سمع الله لمن حمده، فقال خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له: أيهما أفضل هو أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله خير وأفضل من عمر. وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله أيما أفضل: معاوية أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله ﷺ

стр. 215

أحدا، قال النبي ﷺ : (خير الناس قرني الذي بعثت فيه). ولما قيل له: هل يقاس أحد بأصحاب رسول الله ﷺ ؟ معاذ الله، قيل: فمعاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز؟ قال: أي لعمري قال النبي ﷺ (خير الناس قرني). وقال بشر الحافي: سئل المعافى وأنا أسمع أو سألته: معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز. ولذا قال أحمد: أصحاب رسول الله ﷺ لا يدانيهم أحد، أصحاب رسول الله ﷺ لا يقاربهم أحد. ولو كان عمر بن عبد العزيز مشتهرا بفضله وعدله، فمعاوية ﵁ أكثر شهرة بفضله وعدله وقربه وعلمه، قال الإمام الزهري: عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئا. وكان قوم عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قال يا أبا محمد: يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في عدله. ولذا لما سأل رجل الإمام أحمد عن خال له كان ينتقص معاوية فقال: وربما أكلت معه؟ فقال أبو عبد الله مبادرا: لا تأكل معه. (١) وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد يسأل عن رجل تنقص معاوية
следующие страницы →