← Акыда

Акыда · id 96240

الإصابة في الذب عن الصحابة - رضي الله عنهم -

عبد الهادي العمري

Полный текст (428 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهاجر قبل فتح مكة، وهاجر إلى المدينة، فإن كان هذا صحيحاً فهذا من المهاجرين (١) وقال ﵀: فالطلقاء الذين أسلموا عام الفتح مثل: معاوية وأخيه يزيد وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أميه والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو، وقد ثبت بالتواتر عند الخاصة إسلامهم وبقاؤهم على الإسلام إلى حين الموت، ومعاوية أظهر إسلاماً من غيره. وقال: فلما أثنى النبي ﷺ على الحسن بالإصلاح وترك القتال، دل على أن الإصلاح بين تلك الطائفتين كان أحب إلى الله تعالى من فعله، فدل على أن الاقتتال لم يكن مأموراً به، ولو كان معاوية كافراً لم تكن تولية كافر، وتسليم الأمر إليه مما يحبه الله ورسوله، بل دل الحديث على أن معاوية وأصحابه كانوا مؤمنين كما كان الحسن وأصحابه مؤمنين، وأن الذي فعله الحسن كان محموداً عند الله تعالى محبوباً مرضيا له ولرسوله (٢) وقال: ومعاوية خير من أبيه وأحسن إسلاماً من أبيه باتفاق المسلمين، وإذا كان النبي ﷺ ولّى أباه فلأن تجوز ولايته بطريق الأولى والأحرى، ولم يكن من أهل الردة قط، ولا نسبه أحد من أهل العلم إلى الردة، فالذين ينسبون هؤلاء إلى الردة، هم الذي ينسبون أبا بكر وعمر وعثمان، وعامة أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وغيرهم من السابقين الأولين

стр. 212

من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى مالا يليق بهم، والذين نسبوا هؤلاء إلى الردة يقول بعضهم: أنه مات ووجهه إلى الشرق، والصليب على وجهه، وهذا مما يعلم كل عاقل أنه من أعظم الكذب والفرية عليه (١) وقال أيضاً: وأما إسلام معاوية، وولايته على المسلمين والإمارة والخلافة فأمر يعرفه جماهير الخلق. وأما قول القائل: إيمان معاوية كان نفاقاً، فهو أيضاً من الكذب المختلق، فإنه ليس في علماء المسلمين من اتهم معاوية بالنفاق، بل العلماء متفقون على حسن إسلامه (٢) ثم قال: واتفق العلماء على أن معاوية: أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة كانوا قبله خلفاء نبوة وهو أول الملوك، وكان ملكه ملكاً ورحمة، وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيراً من ملك غيره (٣) ولذا قد أخذ الإمام الحبر ابن عباس ﵄ من عموم قوله تعالى ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل

стр. 213

إنه كان منصورا﴾ (الإسراء: ٣٣) ولاية معاوية، وأنه سيملك؛ لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل مظلوما. وكان معاوية يطلب عليا أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم؛ لأنه أموي، وكان علي يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية وذلك حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما قال ابن عباس، استنبطه من هذه الآية الكريمة. (١) والخلاصة: فإن إيمان معاوية بن أبي سفيان ﵁ ثابت بالنقل المتواتر، وإجماع أهل العلم على ذلك (١) ومما يدل على فضله: قول النبي ﷺ فيه: (اللهم اجعله هاديا مهتديا ً، واهده واهد به) (٣) وقال عبد الله بن عمر: ما رأيت رجلا ًبعد رسول الله ﷺ كان أسود من معاوية، فقال له رجل: ولا عمر؟ فقال: عمر كان خيراً منه، وكان هو

стр. 214

أسود منه. وكان الحسن والحسين ﵄ يقبلان جوائزه ﵁. قال الدراوردي: رأيت جعفر بن محمد، جاء فسلم على رسول الله ﷺ ثم انثنى فسلم على أبي بكر وعمر، فرآني كأني تعجبت أو قال: سرني، قال: فقال: والله إن هذا الدين الذي أدين الله به، والله ما يسرني أني قلت لمعاوية: أخزاه الله أو فعل الله به وإن لي الدنيا. وعن رباح الموصلي قال: سمعت رجلاً يسأل المعافا بن عمران، فقال: يا أبا مسعود: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟ فغضب من ذلك غضباً شديداً، وقال: لا يقاس بأصحاب رسول الله أحد، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه، وأمينه على وحي الله تعالى (١) ويقول الإمام عبد الله بن المبارك: تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز. وسئل عن معاوية فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله ﷺ : سمع الله لمن حمده، فقال خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له: أيهما أفضل هو أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله خير وأفضل من عمر. وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله أيما أفضل: معاوية أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله ﷺ

стр. 215

أحدا، قال النبي ﷺ : (خير الناس قرني الذي بعثت فيه). ولما قيل له: هل يقاس أحد بأصحاب رسول الله ﷺ ؟ معاذ الله، قيل: فمعاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز؟ قال: أي لعمري قال النبي ﷺ (خير الناس قرني). وقال بشر الحافي: سئل المعافى وأنا أسمع أو سألته: معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز. ولذا قال أحمد: أصحاب رسول الله ﷺ لا يدانيهم أحد، أصحاب رسول الله ﷺ لا يقاربهم أحد. ولو كان عمر بن عبد العزيز مشتهرا بفضله وعدله، فمعاوية ﵁ أكثر شهرة بفضله وعدله وقربه وعلمه، قال الإمام الزهري: عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئا. وكان قوم عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قال يا أبا محمد: يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في عدله. ولذا لما سأل رجل الإمام أحمد عن خال له كان ينتقص معاوية فقال: وربما أكلت معه؟ فقال أبو عبد الله مبادرا: لا تأكل معه. (١) وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد يسأل عن رجل تنقص معاوية

стр. 216

وعمرو بن العاص أيقال له رافضي؟ فقال: إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحداً من الصحابة إلا وله داخلة سوء (١) قال الإمام المازري: ومعاوية من عدول الصحابة وأفاضلهم، وما وقع من الحروب بينه وبين علي، وما جرى بين الصحابة من الدماء، فعلى التأويل والاجتهاد، وكل يعتقد أن فعله صواب وسداد (٢) وقال الإمام النووي: وأما معاوية فهو من العدول الفضلاء، والصحابة النجباء، وأما الحروب التي جرت، فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها لسببها، وكلهم عدول ومتأولون في حروبهم وغيرها ولم يخرج شيء من ذلك أحداً منهم عن العدالة (٣) وقد أثنى عليه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄: فقال لما قيل له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إلا واحدة: أصاب، إنه فقيه. وأخرج المروزي عن طريق علي بن عبد الله بن عباس قال: بت مع أبي عند معاوية، فرأيته أوتر بركعة، فذكرت ذلك لأبي، فقال: يا بني: هو أعلم. وفي البخاري: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن

стр. 217

عباس، فأتى ابن عباس فقال: دعه - أي اترك القول فيه والإنكار عليه - فإنه صحب رسول لله ﷺ . أي: فلم يفعل شيئاً إلا بمستند (١) قلت: ومر بنا منهج العلماء العاملين في التعامل مع الأحاديث التي ظاهرها دخل على صحابي، ومن الأحاديث التي يحتج بِها الطاعنون في معاوية ﵁ وهي ليست كذلك: ما أخرجه الإمام مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء النبي ﷺ فتواريت خلف باب، قال: فجاء فحطأني حطأة وقال: اذهب وادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل فقال: لا أشبع الله بطنه. قال ابن المثنى: قلت لأمية: ما حطأني، قال: قفدني قفدة (٢) قال الإمام النووي: وهو الضرب باليد مبسوطة بين الكتفين، وإنما فعل هذا بابن عباس ملاطفة وتأنيساً (٣)

стр. 218

وقد بيّن العلماء وجه قول النبي ﷺ لمعاوية (لا أشبع الله بطنه): وأنه إما: - أن يكون من باب القول السابق على اللسان من غير قصد إلى وقوعه، ولا رغبة إلى الله سبحانه في استجابته، فيكون مما جرى على اللسان بلا قصد، كقوله: تربت يمينك، وعقرى , وحلقى، ومثله: لا أشبع الله بطنك. - وإما أن تكون عقوبة له لتأخره عن الاستجابة. قال الإمام النووي: وقد فهم مسلم من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقاً للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وفيه حديث النبي ﷺ الذي قال فيه: (اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة). - وبعض العلماء جعل هذا الحديث من مناقب معاوية ﵁؛ لأنه في الحقيقة يصير دعاء له (١) قال الإمام الذهبي: وفسره بعض المحبين قال: (لا أشبع الله بطنه)، حتى لا يكون ممن يجوع يوم القيامة؛ لأن الخبر عنه أنه قال: (أطول الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة) لكن رده الذهبي ﵀ (٢) فمعاوية ﵁ من فقهاء الصحابة وفضلاؤهم، وقد شهد له ابن عم

стр. 219

رسول الله ﷺ حبر الأمة وترجمان القرآن بذلك، ولكن لا يلزم من ذلك موافقة رأيه رأي جميع الصحابة أو بعضهم، فقد يجتهد في أمر، ويكون الصواب معه أو مع غيره فيكون بين الأجر والأجرين، كما جاء عنه ﵁ أنه كان يستلم أركان البيت الأربعة. وكان ينهى عن التلبية بعرفة، إلى غير ذلك من مسائل الاجتهاد، فهو كغيره من المجتهدين ﵁ وأرضاه (١) وأختم هذا المبحث بما يبين فضل علم السلف: مما يدل على فضل علم السلف، وأخص منهم الصحابة ﵃ أنه لم يُعرف فيهم من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: والكذب كان قليلاً في السلف، أما الصحابة فلم يعرف فيهم - ولله الحمد - من تعمد الكذب على النبي ﷺ ، كما لم يعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبدع الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة، فلم يعرف فيهم أحد من هؤلاء الفرق. ثم قال: وأما الغلط فلم يسلم منه أكثر الناس، بل في الصحابة من قد يغلط أحياناً وفيمن بعدهم (٢) ولهذا قال ﵀: ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيراً وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين، وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله، كالتفسير وأصول الدين، وفروعه، والزهد

стр. 220

والعبادة، والأخلاق والجهاد وغير ذلك. فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوماً، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه. وقال ﵀: في معرض حديثه عن تحليل النكاح: وبكل حال فالصحابة أفضل هذه الأمة وبعدهم التابعون، كما ثبت فيهم .. فنكاح تنازع السلف في جوازه أقرب من نكاح أجمع السلف على تحريمه، وإذا تنازع فيه الخلف فإن أولئك أعظم علماً وديناً، وما أجمعوا على تعظيم تحريمه كان أمره أحق مما اتفقوا على تحريمه، وإن اشتبه تحريمه على من بعدهم (١) وقال ﵀: وأصحاب محمد ﷺ كانوا - مع أنّهم أكمل الناس علماً نافعاً وعملاً صالحاً - أقل الناس تكلفاً، يصدر عن أحدهم الكلمة والكلمتان من الحكمة أو من المعارف، ما يهدي به الله بِها أمة وهذا من منن الله على هذه الأمة، ثم قال: فهذا الكلام تنبيه على ما يظن أهل الجهالة والضلالة من نقص الصحابة في العلم والبيان، أو اليد والسنان (٢) وقال الإمام ابن الوزير لما تحدث عن مراتب المفسرين: فخيرهم

стр. 221

الصحابة ﵃ لما ثبت من الثناء عليهم في الكتاب والسنة؛ لأن القرآن أنزل على لغتهم، فالغلط أبعد عنهم من غيرهم؛ ولأنهم سألوا رسول الله ﷺ عما أشكل عليهم , وأكثرهم تفسيراً، حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس. ثم ذكر خمسة أوجه لتقديم ما صح من تفسير ابن عباس على غيره (١). وقال الإمام ابن القيم: ولهذا كان الصحابة أعرف الأمة بالإسلام وتفاصيله وأبوابه وطرقه، وأرشد الناس رغبة فيه، ومحبة له، وجهاداً لأعدائه، وتكلماً بأعلامه بالأمة، وتحذيراً من خلافه لكمال علمهم بضده، فجاءهم الإسلام وكل خصلة منه مضادة لكل خصلة مما كانوا عليه فازدادوا له معرفة وحباً وفيه جهاداً بمعرفتهم بضده، وقال: والصحابة أفضل الناس في الرأي، والمقصود أن أحداً ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته، ففهمهم أولى من فهم غيرهم (٢) قلت: ولقد تعامل العلماء العاملون بما جرى من الفتن بين أصحاب النبي ﷺ بالمنهج المعتدل، الذي يزن الأمور بميزان الشرع، ويضع الأمور في نصابها. يقول الإمام الطحاوي: ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ

стр. 222

وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق، وعلماء السلف السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل (١) ويقول الإمام ابن تيمية: وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم، ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين، إما مصيبة لهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم، وما كان لهم من السيئات ... - وقد سبق لهم من الله الحسنى - فإن الله يغفرها لهم، إما بتوبة أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو غير ذلك فإنّهم خير قرون هذه الأمة (٢) ويقول: ومن أصول السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ . ثم قال: ويتبرؤون من طريق الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريقة النواصب، الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة (٣).

стр. 223

الباب الثاني الدفاع عن الصحابة ﵃

стр. 224

تمهيد جرت السنن الكونية في دفاع الله جل شأنه، وعظم سلطانه، عن المؤمنين، وأوليائه المتقين، قال سبحانه [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا] الحج ٢٨. وقال سبحانه في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) وذكر جل شأنه عقوبة المعتدين والمؤذين فقال سبحانه: [وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً] الأحزاب ٥٨. فأي أذية أعظم من أذية الطعن في أصحاب النبي ﷺ ، والتعرض لهم بسوء، يقول الله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ] قال أهل التفسير: يخبر الله تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه، وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم كما قال تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] الزمر ٣٦ فهي بشارة للمؤمنين بأن الله تعالى ناصرهم على أعدائهم، وصيغة المفاعلة للمبالغة، أي: يدافع عنهم مرة بعد أخرى حسبما تجدد منهم الإضرار بالمسلمين، كما قال [كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ] المائدة ٦٤ وقال بعضهم: والمعنى: يدفع عن المؤمنين غوائل المشركين. وقيل: يُعلي حجتهم.

стр. 225

وقيل: يوفقهم. قال الإمام الشوكاني: والجملة مستأنفة؛ لبيان هذه المزية الحاصلة للمؤمنين من رب العالمين، وأنه المتولي للمدافعة عنهم (١) وللدفاع عن الصحابة أوجه متعددة، منتظمة في المباحث التالية: المبحث الأول: دفاع الله عن أصحاب نبيه ﷺ . تمهيد: الله جل وعلا، هو الولي الناصر، استنصر به الأولون والسابقون، والآخرون واللاحقون والأنبياء والصالحون، فجاء نصره، وأُنجز وعده، وصُدّق عبده، قال عن نبيه نوح ﵇: [فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ] القمر ١٠ - ١٤ [قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ، فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ] المؤمنون ٢٦ - ٢٧ [وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ

стр. 226

الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ] يونس ٨٨ - ٨٩، وكان معهما الناصر والمؤيد، فقال لهما [لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى] طه ٤٦، وقال سبحانه: [إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ] غافر ٥١. فنصرة الله تعالى للمؤمنين سنة جارية، ومنة باقية [ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المؤمنين، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ] الصافات ١٧١ - ١٧٣. [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ] الأنبياء ١٠٥ - ١٠٦. [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] آل عمران ١٢٣. [لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ] التوبة ٢٥ - ٢٦. ومتى انتهك حق أولياء الله تعالى جاء النصر من عند الله [وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ] آل عمران ١٢٦. [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] البقرة ٢١٤. [وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا

стр. 227

وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ] الأنعام ٣٤. [حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ] يوسف ١١٠. وهذا النبي الكريم الأكرم ينادي ربه يوم بدر: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك) (١) فقال سبحانه [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ] الأنفال ٩. فهو سبحانه [نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ] الأنفال ٤٠.

стр. 228

المبحث الأول دفاع الله تعالى عن الصحابة ﵃ أ / الدفاع العام عن الصحابة ﵃: ما فتئ المنافقون والمغرضون يكيلون التهم، ويسددون سهام الطعن والازدراء، لأشرف الخلق بعد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، الصحابة الكرام العظام ﵃، ولكن الله تعالى لهم بالمرصاد [إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً، وَأَكِيدُ كَيْداً] الطارق ١٦،١٥. [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] الأنفال ٣٠. قال المنافقون المغرضون: نافق الصحابة ﵃. قلنا: لكن الله جل وعلا يقول: [مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ] الأحزاب ٢٣. قال المنافقون المغرضون: بدّل الصحابة ﵃. قلنا: لكن الله جل وعلا يقول: [وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] الأحزاب ٢٣. قال المنافقون المغرضون: ارتد الصحابة ﵃. قلنا: لكن الله جل وعلا يقول: [وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] التوبة ١٠٠.

стр. 229

قال المنافقون المغرضون: الصحابة أهل دنيا. قلنا: لكن الله جل وعلا يقول: [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] التوبة ١١١. وقال [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ] البقرة ٢٠٧. قال أنس ﵁: نزلت في صهيب ﵁. وقال قتادة: هم المهاجرون والأنصار (١) قال المنافقون المغرضون: الصحابة في النار. قلنا: ولكن الله جل وعلا يقول: [إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ] الأنبياء ١٠١،١٠٢. قال النعمان بن بشير ﵁: قرأ على بن أبي طالب ﵁ [إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ] ثم قال: أنا منهم، وعمر منهم، وعثمان منهم، والزبير منهم، وطلحة منهم، وعبد الرحمن منهم، أو قال: وسعد منهم. وروي عنه أنه قال في الآية: عثمان وأصحابة (٢)

стр. 230

قال المنافقون المغرضون: كذب الصحابة ﵃. قلنا: ولكن الله جل وعلا يقول: [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] الحجرات ١٥. وقال [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] وقال [ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] التوبة ١١٩. قال عبد الله بن عمر ﵄ في قوله [اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] قال: مع محمد ﷺ وأصحابه. وقال الضحاك: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما ﵃ (١) قال المنافقون المغرضون: الصحابة خاسرون. قلنا: ولكن الله جل وعلا يقول: [لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] التوبة ٨٨ - ٨٩. قال المنافقون المغرضون: الصحابة كفار، غير مؤمنين. قلنا: ولكن الله جل وعلا يقول: [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ

стр. 231

لا يَعْلَمُونَ] البقرة ١٣. قال أهل التفسير: المقصود بالناس: هم أصحاب محمد ﷺ (١) فقد شهد الله لهم بالإيمان، وهم أهله وخاصته. ب / الدفاع الخاص عن الصحابة ﵃. ١ - دفاع الله عن أم المؤمنين عائشة ﵂: اتهمت الطاهرة العفيفة أم المؤمنين عائشة ﵂ في عرضها الشريف، فجرت أحداث شهر كامل لم ينزل فيها الوحي من السماء، خاض فيها الخائضون، وسرت مقولة المنافقين، فتألم قلب النبي الأمين، وانفطر فؤاد أم المؤمنين، وبعدها نزل كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين [إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لكم .. ] النور - ٢٩. قال الإمام ابن كثير: هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن أم المؤمنين عائشة ﵂، حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله لها ولنبيه صلوات الله وسلامه عليه فأنزل الله براءتها صيانة لعرض رسول الله ﷺ (٢) ومن مجموع آيات البراءة نستخلص بعض أوجه الدفاع من الله

стр. 232

سبحانه وتعالى لأم المؤمنين عائشة ﵂: (١) التشديد على من رمى أم المؤمنين عائشة ﵂ بما برأها الله منه، فقال سبحانه: [وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ] والمقصود به: رأس المنافقين: عبد الله بن أبي بن سلول، قالته عائشة وابن عباس ﵃. [وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ]: قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه. وقيل: الذي تولى إثمه [لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ]: على ذلك، وقيل: العذاب العظيم، عذاب يوم القيامة (١) ومعنى الآية: [إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ]: أي تفشوا، وهذا فيه إشارة إلى عبد الله بن أبي ومن أشبهه [فِي الَّذِينَ آمَنُوا]: أي المحصنين والمحصنات، والمراد بهذا اللفظ العام: عائشة وصفوان ﵄. والفاحشة: هي القول السيئ. [لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا]: بالحد [وَالْآخِرَةِ]: عذاب النار، أي: للمنافقين، وأن الحد للمؤمنين كفارة (٢) وقال : [إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] النور ٢٣. يقول أهل التفسير: الآية وإن كانت عامة في كل محصن إلا أن أولاها

стр. 233

بالدخول أمهات المؤمنين، وأولاها منهن عائشة التي كانت سبباً لنزول هذه الآيات. قالوا: إن كان المراد بهذه الآية، من قذف عائشة ﵂ خاصة، كانت هذه الأمور في جانب عبد الله بن أبي سلول رأس المنافقين، وإن كان المراد بهم: المؤمنون من القذفة، فالمراد باللعنة: الإبعاد وضرب الحد، وهجر سائر المؤمنين لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة، والبعد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين. وسئل سعيد بن جبير عمن قذف مؤمنة، هل يلعنه الله في الدنيا والآخرة؟ قال: ذاك لعائشة وأزواج النبي ﷺ خاصة (١) وقال : [الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] النور ٢٦ قال أهل التفسير: ومعنى الآية: لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجل والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيبات من الرجل النساء. قال ابن عباس: نزلت في عائشة وأهل الإفك (٢) (٢) أن الله جل وعلا شدد على المؤمنين في التعجل لرميهم أم المؤمنين

стр. 234

عائشة، ﵂، فقال: [لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ] النور ١٢. أي: لولا: - وهذه التحضيضية تأكيداً للتوبيخ والتقريع، ومبالغة في عتابهم، أي: كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ذلك على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد منهم، فهو في أم المؤمنين أبعد، فعائشة أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى. وروي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك: أنه دخل عليها فقالت: يا أبا أيوب أسمعت ما قيل؟ فقال: نعم، وذلك الكذب، أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟ قالت: لا والله، فقال: عائشة والله أفضل منك، قالت: أم أيوب نعم. قال ابن الزبير: ذلك معاتبة للمؤمنين، إذ المؤمن لا يفجر بأمه؛ وعائشة أم المؤمنين فكيف بالصديقة بنت الصديق حرم رسول الله ﷺ . [وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ] أي: قال المؤمنون عند سماع الإفك، هذا إفك ظاهر مكشوف، فيقولون بألسنتهم أن ما جاء به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت والقول الزور، والرعونة الفاحشة الفاجرة، والصفقة الخاسرة (١) ثم قال المولى في حق الخائضين: [لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ] وهذا توبيخ لأهل الإفك،

стр. 235

أي: هلاّ جاءوا بأربعة شهداء على ما زعموا من الافتراء. [فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ]: أي في حكم الله كاذبون فاجرون، قال الإمام أبو حيان: جعل الله فصلاً بين الرمي الكاذب والرمي الصادق ثبوت أربعة شهداء وانتفاؤها. [فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا]: فهم في حكم الله وشريعته كاذبون، وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك، ولم يجدوا في دفعه وإنكاره، واحتجاج عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع من وجوب تكذيب القاذف بغير بيّنة والتنكيل (١) وكذا فإن استحقاق العذاب الأليم قد تعلق بآثام حادثة الإفك: تلقي الإفك بألسنتهم، والتحدث به من غير تحقق، واستصغارهم لذلك وهو عند الله عظيم، ولكن ما سبق من فضل الله عليهم ورحمته في الدنيا والآخرة، بأن قبل توبتهم في الدنيا وعفا عنهم لإيمانهم في الآخرة. [لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (٢) ثم عاتب جل وعلا المؤمنين فقال: [وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ] النور ١٦: أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل، فلولا إذ سمعتموه من المخترعين المشيعين للإفك قلتم تكذيباً للخائضين فيه، والمفترين له: ما ينبغي لنا، ولا يمكننا أن نتكلم بهذا

стр. 236

الحديث. [سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ]: تعجب ممن تفوه به، وتنزيه له تعالى من أن يقع هذا من زوج نبيّه ﷺ ، وأن تحكوا على هذه المقالة بأنها بهتان، وهو الكذب العظيم، لكونه قيل في أم المؤمنين عائشة، وصدوره مستحيل شرعاً من مثلها (١) (٣) إظهار البراءة للطاهرة المطهرة العفيفة صراحة، فقال جل شأنه: [إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ] فسماه الله تعالى إفكاً، وهو أسوأ الحديث وأقبحه. قال الإمام الشوكاني: للإفك: هو الحديث المقلوب، وقيل: هو البهتان. وإنما وصفه الله بأنه إفك؛ لأن المعروف من حالها خلاف ذلك. قال الواحدي: ومعنى القلب في هذا الحديث الذي جاء به أولئك النفر: أن عائشة كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة وشرف النسب والسبب لا القذف فالذين رموها بالسوء قلبوا الأمر عن وجهه، فهو إفك قبيح وكذب ظاهر (٢) وقال [وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] قال أهل التفسير: الإشارة فيه إلى أزواج النبي ﷺ . وقيل: الإشارة إلى الرسول ﷺ وعائشة وصفوان. وقيل: عائشة وصفوان (٣)

стр. 237

أولئك: إشارة إلى الطيبين والطيبات، مبرءون مما يقول الخبيث من خبيثات الكلم أو القاذفون الرامون المحصنات. قال الإمام ابن كثير: فما نسبة أهل النفاق إلى عائشة من كلام هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم، ولهذا قال: [أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ] (١) وقال الإمام القرطبي: قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف لما رمي بالفاحشة برأه الله على لسان صبي في المهد، وإن مريم لما رُميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى ﵇، وإن عائشة لما رُميت بالفاحشة برأها الله بالقرآن، فما رضي لها ببراءة صبي ولا نبي حتى برأها الله تعالى بكلامه من القذف والبهتان (٢) [لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] لهم مغفرة بسبب ما قيل فيهم من الكذب، ورزق كريم: أي عند الله في جنات النعيم. ٢. في مسيرة الجهاد، وفي آخر غزوات النبي المصطفى ﷺ ، انطلقت ألسنة المنافقين في الطعن واللمز في أهل اليقين فيقول قائلهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء. قال الإمام القرطبي: كانوا ثلاثة نفر، هزئ اثنان وضحك واحد (٣)

стр. 238

إنّها كلمات تهز الوجدان، أغضبت الرحيم الرحمن، كيف لا، وقد جاء في لفظ أنه قال: يا معشر القراء، ما بالكم أجبن منا، وأبخل إذا سئلتم، وأعظم لفحاً إذا أكلتم؟ نعم، إنه النفاق، فهنا يدفع الله سبحانه ويدافع عن عباده المؤمنين المخلصين فيقول سبحانه: [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ] التوبة ٦٥ - ٦٦. قال عبد الله بن عمر ﵄: فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه، وهو يقول: يارسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: بينما رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وبين يديه ناس من المنافقين فقالوا: أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، فاطلع الله نبيه على ذلك، فقال نبي الله ﷺ : احبسوا على هؤلاء الركب، فأتاهم فقال: قلتم كذا، قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله تعالى فيهم ما تسمعون. قال الإمام الشوكاني: وقد روي نحو هذا من طرق عن جماعة من

стр. 239

الصحابة ﵃. ٣ - وفي أحداث هذه الغزوة وثنايا هذه السورة العظيمة المباركة: يحث النبي ﷺ على الصدقة، ويقول: تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثاً، فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله: عندي أربعة آلاف: ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي، فقال رسول الله ﷺ : بارك الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت. وبات رجل من الأنصار، فأصاب صاعين من تمر، فقال يارسول الله: أصبت صاعين من تمر، صاع أقرضه لربي، وصاع لعيالي، فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياءً، وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا. يقول الإمام ابن كثير: وهذه من صفات المنافقين، لا يسلم أحد من عيبهم، ولمن هم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا (١) فأنزل المولى دفاعاً عنهم قوله تعالى: [الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ والذين لا يجدون إلا جهدهم فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] التوبة ٧٩. ومعني يلمزون: أي يعيبون، والمطوعين: أي المتطوعون، والتطوع:

стр. 240

التبرع في الصدقات أي: يعيبوهم في شأنها، [وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ]: أي إلا وسعهم وطاقتهم، فإن المنافقين كانوا يعيبون فقراء المؤمنين الذين كانوا يتصدقون بما فضل من كفايتهم. فجاءت العاقبة المخزية، والعقاب المهلك. [فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ]: وهذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر منهم، انتصاراً للمؤمنين في الدنيا وأعد للمنافقين في الآخرة عذاباً أليما؛ لأن الجزاء من جنس العمل (١). ٤ - ومن أوجه الدفاع: ما جاء في سورة الأحزاب في قوله جل شأنه: [وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً] ٥٨. قال الإمام القرطبي: نزلت فيمن أذى عمر باللسان، وقيل: في علي، كان المنافقون يؤذونه ويكذبون عليه. وقال الإمام أبو حيان: وقيل نزلت في الذي أفكوا على عائشة. وقال الإمام ابن كثير: [بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا]: أي ينسبون إليهم ما هم براء منه لم يعملوه ولم يفعلوه. وقال الإمام أبو حيان: ومعنى [بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا]: أي بغير جناية

стр. 241

واستحقاق أذى. وها هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال يوماً لأُبَيّ: قرأت البارحة [وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ] ففزعت منها، وإني لأضربهم وأنهرهم، فقال له: لست منهم، إنما أنت معلم ومقوّم. وقال الإمام أبو حيان: وأطلق إيذاء الله ورسوله على إيذاء المؤمنين بقوله [بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا]: لأن إيذاءهما لا يكون إلا بغير حق، بخلاف إيذاء المؤمن فقد يكون بحق (١) فقال لمن آذى المؤمنين وعلى رأسهم الصحابة الأطهار الكرام: [فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً] وهذا هو البهت الكبير أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله ثم الرافضة الذي ينتقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم، فإن الله قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم وينتقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن، ولا فعلوه أبداً، فهم في الحقيقة منكسو القلوب،

стр. 242

يذمون الممدوحين، ويمدحون المذمومين (١) ٥ - والله جل وعلا، في أكثر من موضع يبين فضل الصحابة ومكانتهم، ويعاتب فيهم نبيه ﵊: فيقول في شأن ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديماً، أقبل إلى النبي ﷺ يسأله ويلح عليه، فعبس النبي ﷺ في وجهه وأعرض عنه، وأقبل إلى من كان يخاطبه من عظماء قريش ممن قد طمع في إسلامه فقال المولى جل شأنه [عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى] عبس ١ - ١٠. قال الإمام القرطبي: الآية عتاب من الله لنبيه ﷺ في إعراضه وتوليه عن عبد الله بن أم مكتوم، وكان قد تشاغل عنه برجل من عظماء المشركين. وقيل: إنما قصد النبي ﷺ تأليف الرجل، ثقة بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الإيمان، كما قال ﵊: (إني لأصل الرجل وغيره أحب إليّ منه، مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه). قال ابن زيد: إنما عبس النبي ﷺ لابن أم مكتوم وأعرض عنه؛ لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه، فدفعه ابن أم مكتوم، وأبى إلا أن يكلم النبي ﷺ حتى يعلمه، فكان في هذا نوع جفاء منه، ومع هذا أنزل الله في حقه

стр. 243

على نبيه ﷺ ﴿عَبَسَ وَتوَلّى .. ﴾. قال الإمام ابن كثير: ومن ههنا أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن لا يخص بالإنذار أحداً، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف والفقير والغني والسادة والعبيد والرجال والنساء والصغار والكبار. قال الإمام الثوري: فكان النبي ﷺ بعد ذلك أذا رأى ابن أم مكتوم يبسط له رداءه ويقول: مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول: هل لك من حاجة؟ (١). وقد كان النبي ﷺ يحترمه، ويستخلفه على المدينة، فيصلي ببقايا الناس (٢). ٦ - وهنا يقول الله جل وعلا لنبيه ﵊: [وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ] الأنعام ٥٢. يقول سعد بن أبي وقاص: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست اسميهما، فوقع في

стр. 244

نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله [وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ] (١) وكان النبي ﷺ بعد ذلك يصبر نفسه معهم كما أمره الله تعالى في قوله [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ] الكهف ٢٨. فكان لا يقوم حتى يكونوا هم الذين يبتدئون القيام. فقال الله لنبيه ﵊: [مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ] أي: ما عليك من جزائهم ولا كفاية أرزاقهم، فجزاؤهم ورزقهم على الله، وجزاؤك ورزقك على الله لا على غيره، فإذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل. [فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ] والمعنى: أن أولئك الفقراء يستحقون من التقريب، فبطردهم تضع الشيء في غير موضعه، فتكون من الظالمين، وحاشاه عن وقوع ذلك منه، وإنما هذا بيان للأحكام، وهو من باب التعريض؛ لئلا يفعل ذلك غيره ﷺ من أهل الإسلام، وهذا مثل قوله تعالى [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ] الزمر ٦٥. وقد علم الله منه أنه لا

стр. 245

يشرك ولا يحبط عمله (١) ٧ - قال [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] الحجرات ٦. قال الإمام ابن كثير: ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم في هذه الآية أنّها نزلت في الوليد بن عقبة. قال الإمام الشوكاني: وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أنه سبب نزول الآية، وأنه المراد بِها وإن اختلفت القصص. وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة مصدقاً - يجبي الصدقات - إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم، فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره أنّهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً، فبعث عيونه فلما جاءوا وأخبروا خالداً أنّهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى نبي الله ﷺ فأخبره، فنزلت الآية، فكان يقول نبي الله ﷺ التأني من الله والعجلة من

стр. 246

الشيطان. قال الإمام ابن كثير: وقد روي ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده (١) وهذه أمثلة ونماذج في دفاع المولى ودفعه عن المؤمنين، والمتأمل والناظر يجد الكثير والكثير، وأصحاب النبي ﷺ أولياء الله تعالى، بل أفضل الأولياء والأصفياء الأتقياء، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والواقع في أعراضهم والطاعن فيهم المعادي لهم قد آذنه الله بحرب (ومن عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب). ولذا لما خاصمت أروى سعيد بن زيد بن نفيل في أرض، وقالت: إنه بنى ضيغرة في حقي، فلئن لم ينزع، لأصحين به في مسجد رسول الله فقيل لها: لا تؤذي صاحب رسول الله، ما كان ليظلمك وما كان ليأخذ لك حقاً، فلما كلم فيها قال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها واجعل قبرها في دارها. قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، بينما هي تمشي في الدار خرت في بئر الدار فوقعت فيها فكانت قبرها (٢)

стр. 247

المبحث الثاني دفاع النبي ﷺ عن أصحابه ﵃ خير من تمثل مبدأ النصرة والانتصار، والدفاع عن حقوق الإنسان، نبينا محمد ﷺ وهو الذي أقام مبدأ النصرة والعدل فقال: (انصر أخالك ظالماً أو مظلوماً) (١) وقال: (والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) (٢) وهو ﵊ مع كمال شفقته ورحمته بأمته، حيث قال جل شأنه: [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ] التوبة ١٢٨، وقال سبحانه [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] الأنبياء ١٠٧. إلا أنه أشد الناس غضباً إذا انتهكت محارم الله، وطعن في دينه، وانتقص حملته - وعلى رأسهم - صحابته الكرام، ولذا قال ﵊: (لا تسبوا أصحابي ... ) دفاعاً عنهم، وقال: (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي .. ) دفاعاً عنهم، وقال: (من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) دفاعًا عنهم. وشواهد السيرة أكثر من أن تحصر في دفاع النبي ﷺ عن صحابته ﵃

стр. 248

والذب عن أفضل وخير أمته. ومن الشواهد: [١] في صحيح الإمام البخاري: أن النبي صعد المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أوصيكم بالأنصار، فإنّهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم)، وقال: الأنصار كرشي وعيبتي، والناس سيكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم واعفوا عن مسيئهم). (١) قال الإمام النووي: الأنصار كرشي وعيبتي: قال العلماء معناه: جماعتي وخاصتي الذي أثق بهم، وأعتمدهم في أموري. قال الخطابي: ضرب مثلاً بالكرش؛ لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون به بقاؤه، والعيبة: وعاء معروف أكبر من المخلاة، يحفظ الإنسان فيها ثيابه وفاخر متاعه ويصونها، ضربها مثلاً؛ لأنّهم أهل سره، وخفي أحواله (٢) ولذا قال ﵊: (الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله) (٣) قال العلامة التوربشتي: الكرش لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان،

стр. 249

والعرب تستعمل الكرش في كلامهم موضع البطن والبطن مستودع مكتوم السر، والعيبة: مستودع مكنون المتاع، والأول أمر باطن، والثاني أمر ظاهر، ويحتمل أنه ضرب المثل بهما إرادة اختصاصهم به في أموره الظاهرة والباطنة (١). قول النبي ﷺ : (من أبغضهم أبغضه الله): قال ابن التين: يريد حب جميعهم وبغض جميعهم، لأن ذلك إنما يكون للدين، ومن أبغض بعضهم لمعنى يسوغ له البغض فليس داخلاً في ذلك. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وهو تقرير حسن (٢) وتعقبه الإمام العيني وقال: وقال غيره: هذا مما لا يجوز، فهو إثم، قال الدراوردي: هو من الكبائر وليس من النفاق (٣) وقول النبي ﷺ : (فاقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم): فاقبلوا من محسنهم: أي إن أتوا بعذر مما صدر منهم. وتجاوزوا عن مسيئهم: أي إن عجزوا عن عذر، والتجاوز عن المسيء مخصوص بغير الحدود وحقوق الناس (٤) قال الإمام ابن حزم: وكيف يتجاوز عن مسيء الأنصار، وقد قال

стр. 250

النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره .. )؟ قال: إن جميعها كلها حق ممكن ظاهر، وذلك ما كان من إساءة لا تبلغ منكراً وجب أن يتجاوز فيها عن الأنصار في التعزير، ولم يخفف عن غيرهم، وما كان من حد خفف أيضاً عن الأنصار، ما لا يخفف عن غيرهم، مثل أن يجلد الأنصاري في الخمر بطرف الثوب، وغيره باليد أو بالجريد والنعال (١) [٢] أخرج البخاري في صحيحه عن أبي الدرداء قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ﷺ : أما صاحبكم فقد غامر، فسلم وقال: يا رسول الله، إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر (ثلاثاً) ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر فسأل أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى النبي ﷺ فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر، حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله: والله أنا كنت أظلم (مرتين) فقال النبي ﷺ : (إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي (مرتين) فما أوذي بعدها (٢)
следующие страницы →