← Акыда

Акыда · id 96240

الإصابة في الذب عن الصحابة - رضي الله عنهم -

عبد الهادي العمري

Полный текст (428 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والسماء، وعظم شأنهم. لحقوا بركب الأصفياء، فكان لهم من الله سبحانه جزيل العطاء (لن يدخل النار أحد شهد بدراً) فما أعظم الجزاء. قال الإمام ابن حزم وهو يعتذر لبعض الصحابة ﵃: وأما قدامة بن مظعون وسمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة وأبو بكرة ﵃ فأفاضل أئمة عدول. أما قدامة فبدري مغفور بيقين مرضي عنه، وكل من تيقنا أن الله رضي عنه وأسقط عنه الملامة، ففرض علينا أن نرضى عنه، وأن لا نعدد عليه شيئاً، فهو عدل بضرورة البرهان القائم على عدالته من عند الله ، وعندنا وبقوله ﵊ (إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وأما المغيرة بن شعبة: فمن أهل بيعة الرضوان، وقد أخبر ﵊ ألا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، فالقول فيه كالقول في قدامة. وأما سمرة بن جندب فأحدي وشهد المشاهد بعد أحد، وهلم جرا، والأمر فيه كالأمر في المغيرة بن شعبة (١)

стр. 282

وهذا كله يدل على فضل أهل بدر، ومن هنا دفع النبي ﷺ عن حاطب بقوله (صدق، ولا تقولوا له إلا خيرا) وأردفه بقوله: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فهذه السيئة العظيمة غفرها الله له بشهود بدر. فدل ذلك على أن الحسنة العظيمة يغفر الله بها السيئة العظيمة (١). قال الإمام ابن القيم: وما فعله حاطب في ظاهره خيانة لله والرسول والمؤمنين كما قال عمر: إلا أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بشهوده بدراً، فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنة العظيمة من المصلحة وتضمنته من محبة الله لها رضاه بِها وفرحه بِها ومباهاته للملائكة بفاعلها، أعظم مما اشتملت عليه سيئة الجس من المفسدة، وتضمنته من بغض الله لها، فغلب الأقوى على الأضعف فأزاله وأبطل مقتضاه، وهذه حكمة الله في الصحة والمرض الناشئين من الحسنات والسيئات الوحيين لصحة القلب ومرضه. ثم قال: فتأمل قوة إيمان حاطب التي حملته على شهود بدر، وبذله نفسه مع رسول الله ﷺ وإيثاره لله ورسوله على قومه وعشيرته وقرابته، وهم بين ظهراني العدو وفي بلدهم، ولم يثن ذلك عنان عزمه، ولا فلّ من حد

стр. 283

إيمانه ومواجهته للقتال لمن أهله وعشيرته وأقاربه عندهم، فلما جاء مرض الجس، برزت إليه هذه القوة، وكان البحران صالحاً، فاندفع المرض، وقام المريض كأن لم يكن به قَلَبَة، ولما رأى الطبيب قوة إيمانه قد استعلت على مرض جسه، وقهرته قال الله تعالى لمن أراد قصده، لا يحتاج هذا العارض إلى فصاد (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). وقد اختلف العلماء في توجيه حديث النبي ﷺ (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم): قال الإمام ابن القيم: أشكل على كثير من الناس معناه، فإن ظاهره إباحة كل الأعمال لهم، وتخييرهم فيما شاءوا منها، وذلك ممتنع (١) تحرير محل النزاع: قال الحافظ ابن حجر: اتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة، لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها (٢). وقال الإمام النووي: قال العلماء: معناه الغفران لهم في الآخرة وإلا فإن توجه على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا، ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد، وأقامه عمر على بعضهم، قال: وضرب

стр. 284

النبي ﷺ مسطحاً الحد وكان بدرياً (١). وأما توجيه الحديث: فذهب البعض: إلى أن مراد الحديث هو: أن الذنوب تقع منهم، لكنها مقرونة بالمغفرة؛ تفضيلاً لهم على غيرهم، بسبب ذلك المشهد العظيم وهو يوم بدر. وذهب البعض الآخر: إلى أن الله تعالى عصمهم من الذنوب، فلا يقع منهم بعد بدر ذنباً. وقال البعض: إن المراد بقوله " اعملوا ": متعلق بالماضي، لا بالاستقبال، وتقديره: أي عمل كان لكم فقد غفرته، وضُعف هذا الوجه بقصة حاطب، فإن ذنبه واقع بعد بدر، لا قبلها، وهو مغفور له (٢) والذي يترجح - والعلم عند الله تعالى -: ما قاله الإمام ابن القيم: فالذي نظن في ذلك - والله أعلم - أن هذا خطاب لقوم قد علم الله أنّهم لا يفارقون دينهم، بل يموتون على الإسلام، وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب، ولكن لا يتركهم سبحانه مصرين عليها، بل يوفقهم لتوبة نصوح واستغفار، وحسنات تمحو أثر ذلك، ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم؛ لأنه قد تحقق ذلك فيهم، وأنهم مغفور لهم،

стр. 285

ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم، كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقاً بالمغفرة (١) [٧] وفي بيان الفضائل ووجه من أوجه الدفاع: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي، أنا أصغرهما، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم، إما قال: بضعاً أو قال: ثلاثة وخمسين رجلاً من قومي، قال: فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده فقال جعفر إن رسول الله ﷺ بعثنا ههنا وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأسهم لنا أو قال: أعطانا منها، وقسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر أصحابه، قسم لهم معهم، فكان ناس من الناس يقولون لنا، يعني: لأهل السفينة: نحن سبقناكم بالهجرة. قال: فدخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه فدخل عمر على حفصة وأسماء فقال عمر حين رأى أسماء من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس قال عمر: الحبشية هذه البحرية هذه، فقالت أسماء: نعم، فقال عمر: نحن سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم، فغضبت وقالت

стр. 286

كلمة (كذبت يا عمر) (١) كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار أو في أرض البعداء البغضاء في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، وأيم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك، قال: فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ : ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان، قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالاً يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ ، قال أبو بردة فقالت أسماء: فلقد، رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني (٢) [٨] ومن هذا الباب ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ

стр. 287

قريش وسيدهم، فأتي النبي ﷺ فأخبره فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه: اغضبتكم، قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي (١) قال الإمام ابن تيمية: فمن أحب ما أحب الله وأبغض ما أبغض الله، ورضي بما رضي الله لما يرضي الله ويغضب لما يغضب، لكن هذا لا يكون للبشر على سبيل الدوام، بل لابد لأكمل الخلق أن يغضب أحياناً غضب البشر، ويرضى رضا البشر، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر). وقال ﵀: وقول النبي ﷺ لأبي بكر: لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، في قضية معينة، لكون غضبه لأجل أبي سفيان، وهم كانوا يغضبون لله، وإلا فأبو بكر أفضل من ذلك (٢) [٩] ومن أوجه الدفع من النبي ﷺ فرحه بدفع ما يسوء بعض أصحابه ومن ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: دخل رسول الله ﷺ عليّ مسروراً تبرق أسارير وجهه فقال: (ألم تري أن مجززاً نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد) فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض.

стр. 288

وفي رواية: قالت عائشة: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم وهو مسرور فقال: يا عائشة ألم تري أن مجززاً المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيداً وعليهما من قطيفة قد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. كان مجزز قائفاً، وكانت القيافة فيهم وفي بني أسد، والعرب تعترف لهم بذلك وليس ذلك خاصا بهم على الصحيح، فإن عمر بن الخطاب كان قائفاً، وعمر قرشي. وقال الإمام ابن قدامة: كان أياس بن معاوية قائفاً، وكذا قيل في شريح القاضي. وقال الزبير بن بكار: قيل له: مجزز؛ لأنه كان إذا أخذ أسيراً حلق لحيته، وقال غيره: جز ناصيته، ولم يكن اسمه مجززاً، وإنما غلب ذلك عليه. وأما القيافة أحد علوم العرب الثلاثة: السياقة والعيافة والقيافة. - فأما السياقة: فهي شم تراب الأرض فيعلم بها الاستقامة على الطريقة أو الخروج منها. - وأما العيافة: فهي زجر الطير، والطيرة والتفاؤل بها وما قارب ذلك، وفي الحديث: العيافة والطرق من الجبت: والطرق: الرمي بالحصى. - وأما القيافة: فهي اعتبار الاشباه لإلحاق الأنساب، فالقائف: هو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر. وقد أطال الإمام الهمام ابن القيم في ذكر خلاف العلماء في العمل

стр. 289

بقول القائف في كتاب الزاد (١) والشاهد من إيراد الحديث: هو سرور النبي ﷺ وسببه: أن العرب كانت تقدح في نسب أسامة حب رسول الله ﷺ وكان يسوءه منهم، لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبوه أبيض من القطن، فلما قضى هذا القائف بإلحاق هذا النسب، سرّ النبي ﷺ بذلك؛ لكونه كافاً لهم عن الطعن فيه؛ لاعتقادهم ذلك، أي أنّهم كانوا في الجاهلية يعتمدون قول القائف (٢) قال الحافظ ابن حجر: وقد أخرج عبد الرزاق من طريق ابن سيرين: أن أم أسامة، وهي أم أيمن مولاة النبي ﷺ كانت سوداء، فلهذا جاء أسامة أسود، وقد تزوجت قبل زيد عبيد الحبيشي فولدت له أيمن فكنت به، واشتهرت بذلك. قال عياض: لو صح أن أم أيمن كانت سوداء لم ينكروا سواد ابنها أسامة؛ لأن السوداء قد تلد الأبيض والأسود. قلت - الحافظ -: يحتمل أنّها كانت صافية فجاء أسامة شديد السواد، فوقع الإنكار لذلك (٣). قال الإمام الذهبي: كانت من المهاجرات الأول، اسمها بركة، وقد

стр. 290

تزوجها عبيد بن الحارث الخزرجي، ثم تزوجها زيد بن حارثة ليالي بعث النبي ﷺ فولدت له أسامة. وقال: وكان أسامة شديد السواد، خفيف الروح شاطراً شجاعاً رباه النبي ﷺ وأحبه كثيراً، وهو ابن حاضنة النبي ﷺ أم أيمن، وكان أبوه أبيض، وقد فرح رسول الله ﷺ بقول مجزز المدلجي: إن هذه الأقدام بعضها من بعض (١). وقال الإمام النووي: قال العلماء: سبب سروره ﵊: أن أسامة كان لونه أسود وكان طويلاً، خرج لأمه، وكان أبوه زيد قصيراً أبيض. وقيل: بين البياض السواد، وكان بعض المنافقين قصد المغايظة والإيذاء، فدفع الله ذلك وله الحمد (٢) [١٠] وثبت في الصحيح عن عمر: أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ اسمه عبد الله وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي قد جلده في الشراب، فأوتى به فأمر به فجلده، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ (لا تلعنوه، فو الله ما علمت إنه يحب الله ورسوله). وعن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ بسكران فأمر بضربه، فمنا من يضربه بيده ومنا من يضربه بنعله ومنا من يضربه بثوبه، فلما انصرف قال

стр. 291

رجل: ماله أخزاه الله، فقال رسول الله ﷺ : (لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) (١) وعن عقبة بن الحارث أن النبي ﷺ أتي بالنعيمان أو بابن نعيمان وهو سكران، فشق عليه وأمر من معه في البيت أن يضربوه، فضربوه بالجريد والنعال، وكنت فيمن ضربه. وجاء أن النبي ﷺ ، جلده أربعاً أو خمساً، فقال رجل: اللهم العنه ما أكثر ما يشرب، وأكثر ما يجلد، فقال النبي ﷺ : (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله). وفي لفظ قال: (لا تقولوا للنعيمان إلا خيراً، فإنه يحب الله ورسوله) (٢). فهذه الأحاديث تبيّن منافحة النبي ﷺ عن النعيمان وابنه عبد الله، وأنه لا تنافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب؛ لأنه ﷺ أخبر بأن المذكور يحب الله ورسوله، مع وجود ما صدر منه، وأن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة الله ورسوله (٣). ومع ذلك قال رسول الله ﷺ لأصحابه: بكّتوه، وهو أمر بالتبكيت، وهو: مواجهته بقبيح فعله، جاء في الخبر: أقبلوا عليه يقولون له: ما اتقيت

стр. 292

الله، ما خشيت الله، ما استحييت من رسول الله ﷺ ثم أرسلوه (١). قلت: عبد الله هذا كان يقلب بالحمار، وهو اسم الحيوان المشهور. قال العلامة العيني: لعله كان لا يكره ذلك اللقب، وكان قد اشتهر به (٢). وقال النبي ﷺ لأصحابه، لما قال بعضهم: " أخزاه الله ": (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان) وفي رواية (لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم). ووجه عونهم الشيطان بذلك: أن الشيطان يريد بتزيينه له المعصية أن يحصل له الخزي، فإذا دعوا عليه بالخزي فكأنهم قد حصلوا مقصود الشيطان. وقيل: ربما توهم أنه مستحق لذلك فيوقع الشيطان في قلبه وساوس (٣). وجاء في الأثر: (ولكن قولوا اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فهذا رجل كثير الشرب للخمر، ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله شهد له النبي ﷺ بذلك

стр. 293

ونهى عن لعنه (١). [١١] ومن أوجه الدفاع والتربية من النبي ﷺ لأصحابه ﵃: ما أخرجه الشيخان عن المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالربدة وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك قال: إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال النبي ﷺ يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتوهم فأعينوهم (٢). قال العلماء في الحديث النهي عن سب العبيد وتعييرهم بوالديهم، والحث على الإحسان إليهم، والرفق بهم، فلا يجوز لأحد تعيير أحد بشيء من المكروه يعرفه في آبائه وخاصة نفسه، كما نهى عن الفخر بالآباء، ويلحق بالعبيد في معناه من أجير وخادم وضعيف (٣). في الحديث يقول أبو ذر: (ساببت رجلا) وفي رواية (شاتمت)، وفي رواية: (كان بيني وبين رجل كلام): وفي صحيح مسلم (من إخواني). قال الإمام النووي: والظاهر أنّه كان عبداً، وإنما قال (من إخواني)؛

стр. 294

لأن النبي ﷺ قال: (إخوانكم خولكم فمن كان أخوه تحت يده) (١). قيل: الرجل المذكور هو بلال بن رباح (٢). وقول أبي ذر " فعيرته بأمه ": أي نسبته إلى العار، والظاهر: أنّه وقع بينهما سباب وزاد عليه التعيير، وكان تعييره بأمه، أن قال: (يا ابن السوداء)، فقال له النبي ﷺ : (إنك امرؤ فيك جاهلية). فإن قيل: كيف جوّز أبو ذر ذلك وهو حرام؟ قيل: الظاهر أن هذا كان منه قبل أن يعرف تحريمه، فكانت تلك الخصلة من الخصال باقية عنده، فلهذا قال: قلت: على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: نعم، كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه مع كبر سنه فبين له كون هذه الخصلة مذمومة شرعاً، وكان بعد ذلك يساوي غلامه في الجلوس وغيره أخذاً بالأحوط (٣). وقول النبي ﷺ له: (أعيرته بأمه): استفهام لتوبيخ، ولذا وضع أبو ذر خده على الأرض فلم يرفع حتى وطئه بلال بقدمه (٤). - ومن أوجه الدفاع في هذا الباب: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: قال أبو مسعود البدري: كنت اضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: اعلم أبا مسعود، فلم أفهم الصوت من

стр. 295

الغضب، فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود، قال: فألقيت السوط من يدي فقال: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك على هذا الغلام. قال: فقلت: لا أضرب مملوكاً بعدها أبداً. وفي لفظ: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله: هو حر لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار. وفي لفظ: أنّه كان يضرب غلامه فجعل يقول: أعوذ بالله، قال: فجعل يضربه، فقال: أعوذ برسول الله، فتركه، فقال الرسول ﷺ : والله، لله أقدر عليك منك عليه. قال: فأعتقه (١). قال الإمام النووي: قال العلماء: لعله لم يسمع استعاذته الأولى، لشدة غضبه، كما لم يسمع نداء النبي ﷺ ، أو يكون لما استعاذ برسول الله ﷺ تنبه لمكانه. وقال: وفي الحديث: الحث على الرفق بالمملوك، والوعظ والتنبيه على استعمال العفو وكظم الغيظ، والحكم كما يحكم الله عباده (٢). قال الإمام الذهبي: أبو مسعود، ممن شهد بيعة العقبة، وكان شابً من أقران جابر في السن، ولم يشهد بدراً على الصحيح، وإنما نزل ماء ببدر فشهد بذلك. وقال الحكم: كان بدرياً (٣).

стр. 296

[١٢] وأخرج الترمذي في جامعه عن أنس قال: بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهودي، فقال النبي ﷺ : إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟ ثم قال: اتقي الله يا حفصة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه (١). قوله (إنك لابنة نبي) أي هارون بن عمران. (وعمك نبي) أي موسى بن عمران (وإنك لتحت نبي) أي الآن. (ففيم تفخر): أي في أي شيء تفخر عليك حفصة. والشاهد: دفاع النبي ﷺ ودفعه وتطيب خاطر صفية ﵃. وتربيته لزوجته حفصة حينما قال: (اتقي الله يا حفصة) أي مخافته وعقابه، بترك مثل الكلام الذي هو من عادات الجاهلية (٢). [١٣] وأخرج أبو داود عن عائشة ﵂، أنّها قالت للنبي ﷺ حسبك من صفية " كذا وكذا " يعني، قصيرة، قال: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) قالت: وحكيت له إنساناً فقال: ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا (٣).

стр. 297

وجاء عند الترمذي: قال: فقلت: يا رسول الله " إن صفية امرأة، وقالت بيدها هكذا أنّها تعني قصير، فقال: لقد مزجت بكلمة لو مزج بِها ماء البحر لمزج (١). قال العلماء: المعنى: أن هذه الغيبة لو كانت مما يمزج بالبحر لغيرته عن حاله مع كثرته وغزارته، فكيف بأعمال نزرة خلطت بها. وقال العلامة ابن المنير: وجاء في بعض الحديث عن عائشة في المرأة التي دخلت عليها، فأشارت بيدها أنها قصيرة، فقال النبي ﷺ : اغتبتيها. وذلك أنها لم تفعل هذا بيانا، وإنما قصدت الإخبار عن صفتها فكان كالاغتياب. والشاهد: في دفع النبي ﷺ وتربيته وتعليمه ظاهر واضح، لذا لما حكت له إنساناً من المحاكاة: أي فعلت مثل فعله فقال النبي ﷺ : ما أحب أني حكيت إنساناً، وأن لي كذا وكذا، أي: إني ما أحب الجمع بين المحاكاة وحصول كذا وكذا من الدنيا، وما فيها بسبب المحاكاة، فإنها أمر مذموم (٢) [١٤] ويستمر هذا النهج من الدفع عن أصحاب النبي ﷺ من خير الخلق وأكرمهم على الله النبي المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام.

стр. 298

فأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عمر يقول: بعث رسول الله ﷺ بعثاً، وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمرته، فقام النبي ﷺ فقال: إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقاً للإمرة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده. وقال في رواية: وأيم الله إن كان لأحبهم إليّ من بعده، فأوصيكم به فإنه من صالحيكم (١) فقوله: (لخليقاً للإمارة): أي لجديرًا أو حقيقاً لها؛ لفضله وسبقه وقربه مني (٢). ما أجمله من دفع، وما أحلاها من كلمة (إنّه من صالحيكم). [١٥] وهذا سعد بن معاذ ﵁ الذي اهتز لموته عرش الرحمن، لما حملت جنازته، قال المنافقون: ما أخف جنازته، وذلك لحكمه في بني قريظة، فبلغ ذلك ﷺ فقال: إن الملائكة كانت تحمله. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (٣). هذه الجنازة التي حملتها الملائكة، خفت على أيدي المشيعين، فقال المنافقون: ما أخف جنازته، وذلك، استخفافًا واستحقاراً لسعد بن معاذ، لحكمه في بني قريظة: بأن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم فنسبه المنافقون إلى

стр. 299

الجور والعدوان، وقد شهد له النبي ﷺ بالإصابة في حكمه، فبلغ النبي ﷺ كلامهم، فدفع عنه وقال: إن الملائكة كانت تحمله. ولذا كانت جنازته خفيفة على الناس (١). [١٦] وهذه المرأة الحبلى من الزنا، يشتعل الإيمان في قلبها، ويقوى اليقين في فؤادها، فتأتي الرسول الأكرم، وهي ترجو تطهير نفسها، وتزكية جسدها، ونيل رضا ومغفرة ربها ﵂ وأرضاها - وفي الحديث: (فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد، قالت: يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً، فو الله إني لحبلى، قال: إما لا فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، قالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بِها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع نبي الله ﷺ سبه إياها، فقال: مهلاً يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بِها فصلى ودفنت. ولما أقام النبي ﷺ الحد على الجهنية، فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر: تصلى عليها يا نبي الله وقد زنت، فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين

стр. 300

سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى (١). كلمة سارت بِها الآفاق، وجرت في النفوس والأعماق، (مهلاً لقد تابت)، فالرسول الأكرم ﵊، يخاطب خالداً موجها ًومربياً وناصحاً ومدافعاً، ونحن نخاطب من طعن في خالد وأمثاله: نقول مهلاً ومهلاً ومهلاً، لكل من تطاول على الذوات الطاهرة، لكل من طعن في النفوس الزاكية، مهلاً: أما علمت أن من تقع في أعراضهم قد حطوا رحالهم في الجنان، أما علمت أن من تزدريهم قد أرخصوا مهجهم في سبيل نصرة المنان، أما يكفيك فيهم قول النبي ﷺ العدنان: (الله الله في أصحابي)! وأختم هذا المبحث بما أخرجه الإمام اللالكائي: وهو شاهد يستأنس به فيما نحن بصدده: قال: حدثنا أبو علي بن خليل العنزي، قال: كنت جالساً مع قوم من الكتاب فتناولوا معاوية بن أبي سفيان ﵁ فقمت مغضباً فلما كان في الليلة رأيت النبي ﷺ في منامي، فقال لي: تعرف أم حبيبة مني؟ قلت: نعم يا رسول الله، فقال لي: من أغضبها في أخيها فقد أغضبني (٢). ومما ورد أيضاً: أنّه كان في جيران أبي عبد الله أحمد بن حنبل رجل، وكان ممن يمارس المعاصي والقاذورات، فجاء يوماً مجلس أحمد حنبل، فسلم

стр. 301

عليه فكأن أحمد لم يرد عليه رداً تاماً، وانقبض منه فقال له: يا أبا عبد الله لم تنقبض مني؟ إني قد انتقلت عما كنت تعهده مني برؤية رأيتها، قال: وأي شيء رأيت تقدم؟ قال: رأيت النبي ﷺ في النوم كأنه على علو من الأرض، وناس كثير أسفل جلوس قال: فتقدم رجل رجل منهم إليه فيقولون: ادع لنا حتى لم يبق من القوم غيري قال: فأردت أن أقدم فاستحييت من قبح ما كنت عليه، قال: يا فلان لم لا تقوم وتسألني أدعو لك؟ فكأني قلت، يا رسول الله يقطعني الحياء من قبح ما أنا عليه، قال: إن كان يقطعك الحياء فقم فسلني أدعو لك، إنك لا تسب أحداً من أصحابي قال: فقمت فدعا لي قال: فانتبهت وقد بغّض الله إلى ما كنت عليه قال: فقال لنا: أبو عبد الله، يا جعفر يا فلان يا فلان حدثوا بهذا، واحفظوه فإنه ينفع (١). والشواهد في الدفاع كثيرة، والمتأمل والناظر يظهر له حرص النبي ﷺ في الدفع عن أصحابه قولاً وفعلاً، ويكفي شاهدا على ذلك " بيعة الرضوان " إنما هي انتصار لعثمان بن عفان ﵁ وأرضاه. قال العلامة السعدي: وكان سبب هذه البيعة التي يقال لها بيعة الرضوان، لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها " بيعة أهل الشجرة " أن رسول الله ﷺ لما دار ع بينه وبين المشركين يوم الحديبية، في شأن مجيئه وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائراً هذا البيت معظماً له، فبعث رسول الله ﷺ عثمان بن عفان ﵁ لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله ﷺ

стр. 302

من معه من المؤمنين، وكانوا نحواً من ألف وخمسمائة فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، وجاء أن النبي ﷺ ضرب بيمينه على شماله لعثمان، فهو كمن شهدها ﵃ أجمعين (١) * وكان ﵊ يدفع عنهم التهم المتوهمة، ومن ذلك: لما قال حنظلة ﵁ للنبي ﷺ : نافق حنظلة، فقال: مه (٢). قال القاضي: معناه: الاستفهام أي ما تقول: قال: ويحتمل أنّها للكف والزجر والتعظيم لذلك، ثم قال: وما ذاك؟ قال: يا رسول الله نكون عندك فتذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا ً، فقال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة [ثلاث مرات]. فخاف حنظلة أن يكون ذلك نفاقاً فأعلمهم النبي ﷺ أنّه ليس بنفاق، وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك، وساعة وساعة، أي ساعة كذا وساعة كذا (٣).

стр. 303

المبحث الثالث دفاع الصحابة عن أعراض بعضهم البعض انتصار الصحابة بعضهم لبعض، وذبّهم عن أعراض بعضهم بعضاً، مما عرف واشتهر، فما علم عن أحد منهم خذل مسلماً انتهكت حرمته أو انتقص عرضه، بل كانوا على خلاف ذلك، فشواهد التاريخ الكثيرة التي يطول نقلها - تشير إلى انتفاض الصحابة ﵃ في الدفاع عن حمى الأصحاب، والذب عن أعراضهم، وحسن الظن بهم، والتماس أجمل الأعذار لهم ﵃ وأرضاهم، يكفي للدلالة على ذلك , وجود الحس المرهف تجاه أصحابهم "مات ناس من الصحابة وهم يشربون الخمر، فلما نزل التحريم قال ناس: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها، فنزلت [لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] المائدة ٩٣ (١). ومن شواهد الدفع والدفاع ما يلي: (١) عمر بن الخطاب ﵁ أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين: أنّه جلد ثلاثين سوطاً من حرّج على أم سلمة. وقال أبو وائل: إن رجلاً حرّج على أم سلمة، فأمر عمر أن يجلد مائتي جلدة.

стр. 304

وأن ابنه عبيد الله شتم المقداد، فهمّ بقطع لسانه، فكلمه أصحاب محمد ﷺ فقال ذروني أقطع لسان ابني، حتى لا يجترئ أحد من بعدي، فيسب أحداً من أصحاب محمد ﷺ (١) وقال: أبو وائل: إن ابن مسعود رأى رجلاً قد أسبل، فقال: ارفع إزارك فقال: وأنت يا ابن مسعود فارفع إزارك قال: إن بساقي حموشة، وأنا أؤم الناس، فبلغ ذلك عمر، فجعل يضرب الرجل ويقول: أترد على ابن مسعود. وعن علقمة قال: جاء رجل إلى عمر فقال: إني جئتك من عند رجل يملي المصاحف عن ظهر قلب، ففزع عمر، فقال: ويحك! انظر ما تقول: وغضب، فقال: ما جئتك إلا بالحق، قال: ومن هو؟ قال: عبد الله بن مسعود، فقال: ما أعلم أحدًا أحق بذلك منه، وسأحدثك عن عبد الله، إنا سمرنا ليلة في بيت أبي بكر في بعض ما يكون من حاجة النبي ﷺ ، ثم خرجنا ورسول الله ﷺ بيني وبين أبي بكر، فلما انتهينا إلى المسجد ' إذا رجل يقرأ، فقام النبي ﷺ يستمع إليه، فقلت: يا رسول الله: اعتمت، فغمز لي بيده: اسكت، قال: فقرأ وركع وسجد وجلس يدعو ويستغفر، فقال النبي ﷺ (سل تعطه) ثم قال: من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل، فليقرأ قراءة ابن أم عبد، فعلمت أنا وصاحبي أنّه عبد الله، فلما أصبحت عدوت أبشره،

стр. 305

فقال: سبقك بها أبو بكر، وما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه (١) وعن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر، فقالوا: إنّه لا يحسن أن يصلي، فقال سعد: أما أنا، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ صلاتي العشي، لا أخرم منها، أركد في الأوليين واحذف في الآخرين، فقال عمر ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، فبعث رجالاً يسألون عنه بالكوفة فكانوا لا يأتون مسجداً الكوفة إلا قالوا خيراً، حتى أتوا مسجداً لبني عبس، فقال رجل يقال له: أبو سعدة: أما إذا أنشدتمونا بالله، فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية، فقال: سعد: اللهم إن كان كاذباً فاعم بصره، وأطل عمره، واعرضه للفتن. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك، فإذا سئل كيف أنت؟ يقول: كبير مفتون أصابتني دعوة سعد (٢) وجاء في البخاري: وكانوا وشوا به إلى عمر قالوا: لا يحسن يصلي (٣) وشهد له عمر فقال لما عزله: إني لم انزعه - يعني - عن الكوفة من ضعف ولا خيانة (٤) ومن هذا الوجه: ما عرف عن عمر ﵁ من حرصه على التثبت في

стр. 306

حديث النبي ﷺ ، فجاءه أبو موسى الأشعري فأستأذن عليه ثلاثاً ثم انصرف، فقال عمر: ردوا عليّ، ردوا علي، فجاء فقال: يا أبا موسى ما ردك كنا في شغل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع)، قال: لتأتيني على هذا بينة وإلا فعلت وفعلت، فذهب أبو موسى، قال عمر: إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية، وإن لم يجد بينة فلم تجدوه، فلما أن جاء بالعشي وجدوه، قال: يا أبا موسى ما تقول أقد وجدت؟ قال: نعم، أبي بن كعب، قال: عدل، قال يا أبا الطفيل ما يقول هذا، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك، يا ابن الخطاب فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ ، قال سبحان الله: إنما سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبت. وفي رواية قال عمر: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله ﷺ ، ألهاني عنه الصفق بالأسواق. قال الإمام النووي: أي التجارة والمعاملة في الأسواق. قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن العالم المتبحر قد يخفى عليه من العلم ما يعلمه من هو دونه ولا يقدح ذلك في وصفه بالعلم والتبحر فيه. قال ابن بطال: وإذا جاز ذلك على عمر فما ظنك بمن هو دونه. ويقول الإمام المازري: قول عمر: (سبحان الله، إنما سمعت شيئاً .. ) قيل: إنما ذلك لأنّه صار كالدافع عن نفسه والمعتذر عن فعله فطلب شهادة غيره. وقال ابن بطال: يؤخذ منه التثبت في خبر الواحد لما يجوز عليه من

стр. 307

السهو وغيره، وقد قبل عمر خبر الواحد بمفرده في توريث المرأة من دية زوجها وأخذ الجزية من المجوس إلى غير ذلك، لكنه كان يستثبت إذا وقع له ما يقتضي ذلك. وقال الإمام النووي: ليس معنى قول عمر: رد خبر الواحد من حيث هو خبر واحد، ولكن خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبي ﷺ حتى يقول عليه بعض المبتدعين أو الكاذبين أو المنافقين ونحوهم مالم يقل وأن كل من وقعت له قضية وضع فيها حديثا على النبي ﷺ فأراد سد الباب خوفاً من غير أبي موسى لا شكا في رواية أبي موسى، فإنه عند عمر أجل من أن يظن به أن يحدث عن النبي ﷺ ما لم يقل، بل أراد زجر غيره بطريقه (١). والشاهد من حديثنا هو قول أبي لعمر: يا ابن الخطاب لا تكون عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ ولا شك أن عمر ليس عذاباً، بل هو رحمة ولكنه رفع ودفع عن نفسه بما قال ﵃ أجمعين. (٢) وهذا سعد بن أبي وقاص ينافح عن أصحابه ﵃: فعن مصعب بن سعد: أن رجلاً نال من علي، فنهاه سعد فلم ينته،

стр. 308

فدعا عليه، فما برح حتى جاء بعير ناد، فخبطه حتى مات، قال الإمام الذهبي: ولهذه الواقعة طرق جمة رواها بن أبي الدنيا في: (مجابي الدعوة). وقال ابن المسيب: أن رجلاً كان يقع في علي وطلحة والزبير، فجعل سعد ينهاه، ويقول: لا تقع في إخواني، فأبى فقام سعد، وصلى ركعتين ودعا، فجاء بختي يشق الناس، فأخذه بالبلاط، فوضعه في كركرته والبلاط حتى سحقه، فأنا رأيت الناس يتبعون سعدا ويقولون: هنيئاً لك يا أبا إسحاق، استجيب دعوتك. وجاء من وجه آخر: أقبل سعد من أرض له، فإذا الناس عكوفاً على رجل، فاطلع فإذا هو يسب طلحة والزبير وعليا، فنهاه فكأنما زاده إغراء، فقال: ويلك ما تريد إلى أن تسب أقواماً هم خير منك لتنتهين أو لادعون عليك، فقال: هيه فكأنما تخوفني نبيا من الأنبياء، فانطلق فدخل داراً فتوضأ ودخل المسجد ثم قال: اللهم إن كان هذا قد سب أقواماً قد سبق لهم منك خير أسخطك سبه إياهم فأرني اليوم به آية تكون آية للمؤمنين. قال: وتخرج بختية - الأنثى من الجمال - من دار بني فلان، نادّة لا يردها شيء حتى تنتهي إليه، ويتفرق الناس عنه، فتجعله بين قوائمها فتطأه حتى طفئ، قال: فأنا رأيته يتبعه الناس ويقولون: استجاب الله لك أبا إسحاق، استجاب الله لك أبا إسحاق (١). (٣) أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن سعد بن عبيدة قال: جاء

стр. 309

رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله، قال: لعل ذلك يسوؤك؟ قال: نعم: قال: فأرغم الله بأنفك، ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله قال: هو ذاك، بيته أوسط بيوت النبي ﷺ ، ثم قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: أجل، قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد على جهدك (١). فابن عمر ﵄ ذكر محاسن عثمان وعلي، ثم قال له: "فأرغم الله بأنفك" أي أوقع الله بك السوء؛ لأن الرجل كان يسوؤه ذكر محاسن عثمان وعلي ﵄، ثم قال له ابن عمر، "فاجهد عليّ جهدك": أي أبلغ غايتك في هذا الأمر، واعمل في حقي ما تستطيع وتقدر، فإن الذي قلته لك الحق، وقائل الحق لا يبالي بما قيل في حقه من الباطل. وجاء في رواية عطاء بن السائب عن سعد بن عبيد في هذا الحديث: فقال الرجل: فإني أبغضه، قال ابن عمر: أبغضك الله تعالى (٢). - وها هو ابن عمر ﵄ يذب عن عثمان ﵁: فعن عثمان هو ابن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوماً جلوساً فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، قال يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، فقال: تعلم أنّه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال الرجل: هل تعلم أنّه

стр. 310

تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبيّن لك: - أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. - وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : إن لك أجر رجل ممن شهدا بدراً وسهمه. - وأما تغيبه عن بيعة الرضوان: فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك (١). قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر من سياقه أن السائل كان ممن يتعصب على عثمان فأراد بالمسائل الثلاث أن يقرر معتقده فيه، ولذلك كبّر مستحسناً لما أجابه به ابن عمر. وقد عاب عثمان بثلاثة أشياء: فأظهر له ابن عمر العذر عن جميعها: أما الفرار فبالعفو، وأما التخلف فبالأمر، وأما البيعة فكان مأذوناً له في ذلك، ويد رسول الله ﷺ خير لعثمان من يده، كما ثبت ذلك أيضاً عن عثمان نفسه فيما رواه البزار بإسناد جيد، أنّه عاتب عبد الرحمن بن عوف فقال له: لم ترفع صوتك علي؟ فذكر الأمور الثلاثة، فأجابه عثمان بمثل ما أجاب به

стр. 311

ابن عمر، قال في هذه: فشمال رسول الله ﷺ خير لي من يميني (١). فقال له ابن عمر: "اذهب بها الآن معك": أي اقرن هذا عذر بالجواب، حتى لا يبقى لك فيما أجبتك به حجة على ما كنت تعتقده من عيبة عثمان. وقال الطيبي: قال له ابن عمر تهكماً به، أي: توجه بما تمسكت به فإنه لا ينفعك بعد ما بينت لك (٢). ولذا ذكر أهل العلم في انتقام الله وانتصاره ممن آذى عثمان عجبا منها: ما أخرجه الإمام اللالكائي بسنده عن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة فإذا رجل يقول: اللهم اغفر لي، وما أظن أن تغفر لي، قلت: يا عبد الله ما سمعت أحداً يقول كما تقول؟ قال: إني كنت قد أعطيت الله عهداً إن قدرت أن ألطم وجه عثمان بن عفان لطمته، فلما قتل ووضع على سرير في البيت، والناس يصلون عليه، دخلت كأني أصلي فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه فلطمته وتنحيت عنه وقد يبست يميني، فإذا هي يابسة سوداء كأنها عود شيز (٣). وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان من الذين قال الله : [وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى

стр. 312

سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ]. وري عن علي أنّه لعن قتلة عثمان، بل قال مروان: ما كان في القوم ادفع عن صاحبنا من صاحبكم - يعني علياً - عن عثمان (١). ومن أوجه الدفاع التي اختلفت بها الأنظار والاجتهادات: هي مطالبة الزبير وطلحة وعائشة ﵃ بالقصاص من قتلة عثمان ﵁. ثبت في الصحيح أن عثمان استأذن على النبي ﷺ ، فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت من هذا؟ فقال عثمان بن عفان فقلت: على رسلك، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فجئته قفلت له: ادخل، وبشرك رسول الله ﷺ بالجنة على بلوى تصيبك (٢). وفي رواية أبي عثمان "فحمد الله ثم قال: الله المستعان"، وفي رواية عند أحمد: " فجعل يقول: اللهم صبراً حتى جلس". قال الحافظ ابن حجر: وأشار النبي ﷺ بالبلوى المذكورة إلى ما أصاب عثمان في أخر حياته من الشهادة يوم الدار، وقد ورد عنه ﵊ أصرح من هذا، فروى أحمد من طريق كليب بن وائل عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمر رجل فقال: يقتل فيها هذا يومئذ ظلماً،

стр. 313

قال فنظرت فإذا هو عثمان. إسناده صحيح (١). فلما قتل عثمان ﵁ بويع لعلي بن أبي طالب بالخلافة وهو أحق بها وأهلها، فقبلها حوطة على الأمة أن تسفك دماؤها بالتهارج والباطل أو ينخرق أمرها إلى مالا يتحصل فربما تغير الدين وانقض عمود الإسلام فلما بويع له، طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم، فقال لهم علي ﵁: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه، فقالوا: لا تستحق بيعة وقتلة عثمان معك تراهم صباحاً ومساءً، فكان علي في ذلك أسد رأيا وأصوب قيلاً؛ لأن علياً لو تعاطى القود منهم لتعصبت لهم قبائل وصارت حرباً ثالثة، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر، وتنعقد البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم، فيجري القضاء بالحق. ولا خلاف بين الأمة أنّه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة، أو تشتيت الكلمة، وكذلك جرى لطلحة والزبير، فإنهما ما خلعا عليا من ولايته، ولا اعترضا عليه في ديانة، وإنما رأيا أن البداءة بقتل أصحاب عثمان أولى. قلت - القرطبي - فهذا قول في سبب الحرب بينهم، وقال جلة من أهل العلم: إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة منهم على الحرب بل فجأة، وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به، لأن الأمر كان قد انتظم بينهم، وتم الصلح

стр. 314

والتفرق على الرضا، فخاف قتلة عثمان ﵁ من التمكن منهم والإحاطة بهم، فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا، ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين، ويبدؤوا بالحرب سحرة في العسكرين، وتختلف السهام بينهم ويصيح الفريق الذي في عسكر علي: غدر طلحة والزبير، والفريق الذي في عسكر طلحة والزبير: غدر علي، فتم لهم ذلك على ما دبروه، ونشبت الحرب، فكان كل فريق دافعاً لمكرته عند نفسه، ومانعاً من الإشاطة بدمه، وهذا صواب من الفريقين وطاعة لله تعالى، إذ وقع القتال والامتناع منهما على هذا السبيل، وهو الصحيح المشهور والله أعلم (١). إذن: فجهد طلحة والزبير وعائشة على الأخذ بالقصاص من قتلة عثمان، حتى قال طلحة ﵁ إنا داهنا في أمر عثمان فلا نجد اليوم أمثل من أن نبذل دماءنا فيه، اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى. وكان الحسن بن علي مبادراً نصرة عثمان كثير الذب عنه. ومع ذلك لم يشارك في القتال لا لطلحة ولا الزبير. لكن قُتل طلحة والزبير، فقال علي ﵁ لما قُتل طلحة وأجلسه ومسح الغبار عن وجهه ولحيته، وهو يترحم عليه، وقال: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. قال الإمام الذهبي: مرسل. ثم قال: بشروا قاتل طلحة بالنار (٢). ولما جيء برأس الزبير إلى علي بكى وقال: تبوأ يا أعرابي مقعدك من النار، حدثني رسول الله ﷺ : أن قاتل

стр. 315

الزبير في النار (١). وقال عمرو بن العاص ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن قاتل عمار وسالبه في النار (٢). ومع هذا الذي جرى من الفتن نص العلماء على حرمة الوقوع في أعراضهم، بل كان بعضهم يذب عن بعض: عن أبي حبيبة مولى لطلحة، قال: دخلت على عليّ مع عمران بن طلحة بعد وقعة الجمل، فرحب به وأدناه، ثم قال: إني لأرجو أن يجعلني الله وإياك ممن قال فيهم [وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ] فقال رجلان جالسان، أحدهما الحارث الأعور: الله أعدل من ذلك أن يقبلهم ويكونوا إخواناً في الجنة، قال: قوما أبعد أرض وأسحقها، فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة! يا ابن أخي إذا كانت لك حاجة فأتنا (٣). ولذا قال الإمام الشعبي: أدركت خمس مائة أو أكثر من الصحابة يقولون: علي وعثمان وطلحة والزبير في الجنة. قال الإمام الذهبي: لأنهم من العشرة المبشرين المشهود لهم بالجنة، ومن البدريين، ومن أهل بيعة الرضوان، ومن السابقين الأوليين الذين أخبر تعالى أنّه رضي عنهم ورضوا عنه، ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا

стр. 316

الشهادة، فنحن محبون لهم، باغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة (١). ومن جميل ما قاله ﵀: فمعاذ الله أن نشهد على اتباع الزبير، أو جند معاوية أو علي بأنهم في النار، بل نفوّض أمرهم إلى الله ونستغفر لهم، بل الخوارج كلاب النار، وشر قتلى تحت أديم السماء لأنهم مرقوا من الإسلام، ثم لا ندري مصيرهم إلى ماذا؟ ولا نحكم عليهم بخلود النار بل نقف (٢). وقال الإمام القرطبي: لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله ، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر؛ لحرمة الصحبة، ولنهي النبي ﷺ عن سبهم، وأن الله غفر لهم وأخبر بالرضا عنهم. ثم قال: وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾. البقرة ١٣٤ وسئل بعضهم عنها أيضاً، فقال: تلك دماء قد طهر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني. يعني: في التحرز من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيباً فيه.

стр. 317

وقال ابن فورك: ومن أصحابنا من قال: إن سبيل ما جرت بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين أخوة يوسف مع يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة. وقال المحاسبي: فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها باختلافهم، وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد ﷺ وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عندما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأياً منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله ، إذ كانوا غير متهمين في الدين (١) قلت: ونحن نقف حيث وقف القوم، ونسأل الله العظيم أن يرزقنا احترامهم وإجلالهم وإكرامهم وتوقيرهم والتماس الأعذار لهم، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم. ولكن الشاهد من حديثنا: الدفاع والمنافحة عن عثمان ﵁. قال الإمام ابن كثير: لما بلغ الزبير مقتل عثمان - وكان قد خرج من المدينة - قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ترحم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تباً لهم، ثم تلا قوله تعالى [مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً

стр. 318

تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ] يس ٤٩. وبلغ عليّاً قتله فترحم عليه، وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى [كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ] الحشر ١٦ ولما بلغ سعد بن أبي وقاص قتل عثمان، استغفر له وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً] الكهف ١٠٣ - ١٠٤ ثم قال سعد: اللهم أندمهم ثم خذهم. وقد أقسم بعض السلف بالله: إنّه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولاً، رواه ابن جرير. وهكذا ينبغي أن يكون لوجوه منها: دعوة سعد المستجابة كما ثبت في الحديث الصحيح. وقال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن (١). وقال أبو عمر بن عبد البر: ولقد أحسن بعض السلف إذ يقول، وقد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور

стр. 319

من نصره (١). ومما يُكذب في هذا المقام: ما يُذكر من أن بعض الصحابة أسلم عثمان ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة، أنّه رضي بقتل عثمان ﵁ بل كلهم كرهه ومقته وسب من فعله - أي قتل عثمان ﵃ أجمعين (٢) قال طلق بن حسان: قتل عثمان فتفرقنا في أصحاب محمد ﷺ نسألهم عن قتله، فسمعت عائشة تقول: قتل مظلوماً لعن الله قتلته. وقال جعفر الباقر: كان قتل عثمان على غير وجه الحق (٣) وعن قيس بن عباد: قال سمعت علياً يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوا للبيعة، فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال فيه رسول الله ﷺ : (إني لأستحي من رجل تستحي منه الملائكة). وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل لم يدفن بعد، فانصرفوا فلما دفن رجع الناس يسألوني البيعة فقلت: إني أشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزمة فبايعت، فلما قالوا: أمير المؤمنين كان صدع قلبي، وأسكت نفرة من ذلك. قال الحافظ ابن كثير: وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر بجمع الطرق الواردة عن علي أنّه تبرأ من دم عثمان، وكان يقسم على ذلك

стр. 320

في خطبة، وغيرها: أنّه لم يقتله ولا أمر بقتله ولا مالأ ولا رضي به، ولقد نهى عنه فلم يسمعوا منه، ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، ولله الحمد والمنة (١). قلت: ولم يكن بين الصحابة إلا الود والوفاء: ولذا لما كان اليوم الذي ارتحلت فيه أم المؤمنين عائشة من العراق إلى المدينة، جاء علي ﵁ فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج وودعت الناس ودعت لهم، وقالت: يا بني، لا يعتب بعضنا على بعض، إنّه والله ما كان بيني وبين علي في القوم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار، فقال علي: صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، وسار معها مودعاً ومشيعا أميالاً، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم، وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك ثم رجعت إلى المدينة ﵂ (٢). ولما ضربت لها القبة بعد الجمل، جاء إليها علي ﵁ مسلماً فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت: بخير فقال: يغفر الله لك (٣). وقد سأل بعض أصحابه أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة
следующие страницы →